معرفة المعاد ج2

معرفة المعاد ج2 مشاهدة المتن

المؤلّف العلامة آیة الله السيد محمد الحسين الحسيني الطهراني

القسم العقائد

المجموعة معرفة المعاد

المجلد2


الخلاصة

تشمل 75 مجلساً في كيفية سير الإنسان وحركته في الدنيا وعالم الغرور، وكيفية تبدل نشأة الغرور إلى عالم الحقائق والواقعيّات وارتحال الإنسان إلى الله وغاية الغايات. وتقع هذه المجموعة في عشر مجلّدات طبعت بأجمعها بالفارسيّة؛ وقد جرى فيها على نحوٍ وافٍ ومستفيض طرح مباحث من قبيل: عالم الصورة والبرزخ وكيفيّة ارتباط الأرواح هناك مع هذه العوالم، كيفيّة خلقة الملائكة ووظائفهم، النفخ في الصور وموت جميع الموجودات ثم إحياؤها وقيام الإنسان في ساحة الحضرة الأحديّة، عالم الحشر والنشر والحساب والكتاب والجزاء والعرض والسؤال والميزان والصراط والشفاعة والأعراف والجنة والنار؛ وذلك بالاستفادة من الآيات القرآنية وأخبار المعصومين ومن الأدلّة العقليّة والفلسفيّة والمطالب الذوقيّة والعرفانية.
/۲۱۷
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

معرفة المعاد ج۲

1

معرفة المعاد ج۲

2
  •  

  •  

  • الْمَجْلِسُ الثّامِنْ: النَّجَاةُ في الإيمانِ بِاللهِ طَوْعاً وَ اتِّبَاع أحْكام الدّين تَعَبُدْاً

  •  

  •  

معرفة المعاد ج۲

4
  •  

  •  

  • بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

  • (مطالب القيت في اليوم الثامن من شهر رمضان المبارك)

  • الحمد لله ربّ العالمين و لا حول و لا قوة إلّا بالله العليّ العظيم

  • و صلّى الله على محمّد و آله الطَّاهرين

  • و لعنة الله على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين

  • قال اللهُ الحكيم في كتابه الكريم:

  •  

  •  

  • هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ.1

  • يتفرّد الإنسان من بين جميع الموجودات التي خلقها الله تبارك و تعالى العلويّة منها و السفليّة، من طائفة الملائكة المقرّبين و سائر موجودات عالم الطبع و المادّة التي أوجدها مثل الحيوانات؛ بامتلاكه خاصّيّة و ميزة تختصّ به، و هي خضوعه لغرائز متباينة و صفات متضادّة، و بامتلاكه الاختيار و العقل الذي يمكّنه من انتهاج أي سبيلٍ و منحى يشاء، و بناءً على هذا الأساس فقد خضع الإنسان للتكليف من قبل الله تعالى.2

    1. الآية 158، من السورة 6: الأنعام.
    2. انّ طائفة الجنّ بالرغم من خضوعهم للتكليف و امتلاكهم للاختيار و إمكان العصيان، إلّا إنّ وجودهم ضعيف جدّاً قياساً إلى وجود الإنسان، و يمكن اعتبارهم في الحقيقة تابعين للإنسان و خاضعين له.

معرفة المعاد ج۲

5
  • إنّ الملائكة السماويين الذين أوجدهم الباري و منح كلًّا منهم قدرةً و علماً و وظيفةً خاصّة، لا يمكنهم تخطّي حدود الوظائف المسندة إليهم، و لذلك فلا يوجد فيهم أي مجال للرقيّ و الكمال، و هذا الأمر ينطبق على سائر الموجودات الأخرى سوى الإنسان.

  • أمّا الإنسان فإنّه مكلّف بتكاليف، و يمتلك إرادة و اختياراً، و قابليّة و استعداداً، و لذا يستطيع عند ما يخضع لتربية صحيحة أن يتأدّب بالأدب الحقيقيّ و أن يطوي مقام الكمال. و عدم انصياعه لتلك التربية سيؤدّي إلى هدر ذلك الاستعداد و إضاعة تلك الجوهرة، و بقائه متحجّراً في النقصان، متسمّراً لا يستطيع حراكاً.

  • إنّ أصل وجود الإنسان يكمن في قابليّة الحركة نحو السعادة أو الوقوف و التهالك بين أنقاض الشقاء، و على هذا الأساس، فانّ الجنّة أو النار التي خلقها الله سبحانه و تعالى إنما هي للإنسان الذي يمتلك الإرادة و الإختيار، و الذي يتمكّن من تحويل استعداداته إلى مرحلة الفعلية من أجل الوصول إلى كماله، أو أن يُضيعها و يُفسدها باختياره و يُغرقها في مستنقع الشهوات و الأوهام، لتصبح مُنتنةً عفنةً.

  • الإيمان بالله طوعاً و اختياراً هو الذي ينفع الإنسان

  • ما دام الإنسان يمتلك ناصية الاختيار فإنّ باب التوبة مشرع أمامه، فإنّ إيمانه سيكون مؤثّراً و أعماله له صحيحةً مقبولة، أمّا حين يُغلِق سبيل الاختيار فسيجد الإنسان نفسه مضطرّاً مُجبراً على اختيار سبيلٍ و منحى

معرفة المعاد ج۲

6
  • معيّن، فإنّ التكليف سيسقط ءانذاك و الإيمان الذي سيحصل لديه لن يُثمر شيئاً، و لن يكون له دور و لا أثر إيجابيّ تكميل في النفس و ترقّيها.

  • لا فائدة من الإيمان عند معاينة سكرات الموت و ارتفاع حُجب الغيب

  • إنّ الإنسان يمتلك طيلة أيّام حياته الاختيار في أن يؤمن أو لا يؤمن، و في أن يعمل صالحاً أو لا يعمل، و أن يرتقي درجات معيّنة و يخطو نحو الفعلية الحسنة و الجنّة، أو أن يحبس نفسه في دركات الجهل و يوقفها على الغرائز و الصفات البهيميّة فيبقى مخلّداً في جهنّم. و لكن في ساعة عمره الأخيرة، حين يغرق في سَكَرات الموت، حيث تُعدّ تلك الساعة هي الساعة الأخيرة من ساعات الدنيا و الأولى من ساعات الآخرة، و في تلك اللحظة ترفع الحجب عن عينيه فيرى الحقائق جليّة ببصيرته الملكوتيّة، فانّ الاختيار سيُسلب منه آنذاك، و لن ينفعه إيمانه بالله و برسله و بيوم الجزاء، و لن يضيره ذلك شيئاً، لأنّ إيمانه عندئذٍ اضطراريّ و خارج عن الاختيار، كما إنّ توبته غير مقبولة.

  • يقول سبحانه في الآية الشريفة التي تُليت في مطلع الحديث، و هي الآية 158 من سورة الأنعام، السورة السادسة من القرآن الكريم:

  • لما ذا لا يؤمن الناس و لا يعملون الصالحات بالرغم من أنهم يمتلكون الاختيار و الإرادة الآن؟ أ ينتظرون مجيء ملائكة السماء ليؤمنوا؟ أو ينتظرون أن يأتي ربك، أو يظهر لهم بعض آيات غضبه و قهره كي يؤمنوا؟

  • فحين تأتي بعض آيات عذاب الله و غضبه من عالم الغيب، لن ينفع الإيمان عندئذٍ أولئك الذين لم يؤمنوا من قبل أو يكتسبوا في إيمانهم خيراً، لأنّ إيمانهم ذلك سيكون إيماناً صوريّاً و اضطراريّاً، و سيكون إيماناً بعد تصرّم الدنيا و فقدان الاختيار، و إيماناً بعد تلف البدن و تحطّم الغرائز و فقدان الإرادة.

معرفة المعاد ج۲

7
  • بلى، إنّ هؤلاء القوم لا يؤمنون حتّى يروا شيئاً من عالَم الغيب، بَيدَ إنّ إيمانهم هذا لا فائدة له وقت المشاهدة. قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ.

  • إنّكم لم تؤمنوا و لم تعملوا صالحاً، فانتظروا حتّى تروا أشياء من عالم الغيب، و سننتظر نحن أيضاً ذلك الوقت الذي سترون فيه أشياء من عالم الغيب، لنراكم و أنتم تدركون عدم جدوى إيمانكم ذلك و عجزه عن الأخذ بأيديكم إلى النجاة و السلامة.

  • لقد بيّن الله سبحانه في أواخر سورة غافر (المؤمن) سيرة الامم السابقة التي أعرضت عن دعوة أنبيائها و المرسلين إليها، فكلّما أبلغهم الأنبياء رسالات ربّهم و وصفوا لهم سبيله و دعوهم إلى الأعمال الحسنة ردّوا عليهم بقولهم: إنّ كلامكم هذا لا ينفعنا بشيء، فنحن نريد أن نرى شيئاً ما عياناً لنؤمن به و يجب أن يكون شيئاً غيبيّاً يُرى بالعين، يجب أن نرى العذاب مثلًا، و أن نرى المَلَك، و يجب أن نرى الله تعالى، و إلّا فإنّنا لن نؤمن أبداً، إذ سيتنافى مع إيماننا بشيء لا نراه و إقامة عقائدنا على أساس أقوال نبيّ من الأنبياء.

  • و مهما أثبت الأنبياء لتلكم الامم بالمنطق و البرهان إنّ الأمر ليس كما تتصوّرون لم يدعنوا، و مهما قالوا لهم: إنّ الله عَزَّ شأنه قد منحكم الوجدان و الفطرة، و منّ عليكم بالعقل و التفكير، فزِنوا أقوالنا و دعوتنا بهذه الموازين التي منحكم الله إيّاها و شخّصوا بأنفسكم صحّة كلامنا؛ فإنهم لم يُعيروا لكلام أنبيائهم آذاناً صاغية، حتّى جاءهم عذاب الله و هم في كفرهم و إنكارهم، فأبادهم و أنهى وجودهم.

  • لقد كانت تلك الامم تؤذي الأنبياء و تخرجهم من ديارهم. و تعذّبهم و تقتلهم و تنشرهم وسط الأشجار بالمناشير، و تجعلهم يفرّون هائمين في البراري و الجبال، و تُلحق بهم أنواع الأذى، و لم تكن تلك الامم مستعدّة

معرفة المعاد ج۲

8
  • أبداً للتسليم أمام أمر الحقّ، و لا للتأمّل و التفكير في أقوال الأنبياء و عرضها على منطق العقل و ميزانه.

  • و كان الأنبياء يدعون ربّهم أن: اللّهم سئمنا هؤلاء الطُّغاة و المتمرّدين و عيل صبرنا منهم، فأنزِل بهم اللّهم أمرك و قضاءك. فكان الله يُنزل عذابه آنذاك على هيئة الريح العاتية و الطوفان و المرض و الموت و الزلازل الشديدة و الخسف و انشقاق الأرض و الغرق و المسخ و سائر أنواع العذاب المذكورة في القرآن الكريم.

  • على إنّ العذاب رُفع عن امّة نبيّنا من بين جميع الامم، فصارت ببركة وجوده المقدّس مصونة من العذاب السماويّ و الأرضيّ. فقد ورد في الآية 33 من سورة الأنفال:

  • وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ وَ ما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ.

  • فلقد كان الأنبياء في حال مواجهة و صراع و جدال دائم مع اممهم، و كانوا يدعونهم إلى عالم الغيب و الحقّ، بينما كانت اممهم تعتمد على المال و الثروة و القدرة و على غرورهم بعلومهم و باطلهم، و كانوا يعوّلون على هذه الامور و يمتنعون عن التسليم و الانقياد للحقّ.

  • فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَ حاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ* فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَ كَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ* فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَ خَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ.1

  • لقد كانوا يمتلكون الإرادة و الاختيار، و كان الأنبياء عليهم السلام

    1. الآيات 83 إلى 85، من السورة 40: غافر.

معرفة المعاد ج۲

9
  • يذهبون إليهم فينصحونهم برفيق القول و ليّنه و يعظونهم، إلّا أنهم لم يُصغوا إليهم أبداً، و كانوا يُعَوّلون على علمهم، و كما وصفهم القرآن: فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ، و كانوا يخاطبون الأنبياء: إنّ كلامكم لا ينفع شيئاً، فأنتم تقولون إنكم تخبرون عن الغيب و عن الله، فأين هو عالم الغيب يا ترى؟ و من هو الله؟ إننا نمتلك علماً و منهجاً، و قد درسنا في الجامعة و تخصّصنا في فنون و فروع معيّنة، و لقد فجّرنا الذرّة، و تفحّصنا جميع الأمراض و اكتشفنا حقيقة الميكروب، و لقد توصّلنا إلى حلّ المعادلات من الدرجة الثالثة، فنحن نُعَوّل على قدراتنا و علومنا التي نمتلكها. و هكذا فقد كان اولئك مغرورين بعلومهم هذه التي يمتلكونها، فرحين جذلين بها لدرجة أنهم لا يتصوروا وراءها شيئاً، و لم يكن غرورهم و استكبارهم ليسمح لهم أن يُدركوا إنّ هناك عِلماً أرقى و أسمى و هو عِلم الأنبياء.

  • تعاليم الأنبياء و الأحكام الإلهيّة ينبغي قبولها تعبّداً لا بالدليل و الفلسفة

  • إنّ هؤلاء المساكين لا يدركون إنّ علومهم قياساً للعلوم الحضوريّة و الشهوديّة للأنبياء عليهم السلام ليست إلّا قطرة

  • في مقابل البحر، بل ينبغي عدّ تلك العلوم أمام علوم الأنبياء كالصفر مقابل العدد غير المتناهي. لذا يجب التسليم أمام الحقّ، و يجب التسليم أمام علوم النبيّ و السير في مقام العبوديّة و نهجه.

  • إنّ هذه العلوم التي يعتمد عليها البشر هي العلوم الظاهريّة و الطبيعيّة و المادّيّة التي اكتسبها بحواسّ العين و الاذن و عن طريق قابليّاته الذهنيّة و الفكريّة؛ لكنّ العلوم التي جاء بها الأنبياء من عالم الغيب و السرّ فهي

معرفة المعاد ج۲

10
  • علوم مجرّدة و لها السيطرة و الغلبة على العلوم الطبيعيّة، كما إنّ الأفعال التي يقوم بها الأنبياء لا يمكن قياسها إلى أفعال الآخرين.

  • لذا يجب على البشر أن يكون خاضعاً و خاشعاً أمام الأنبياء، لا أن يتساءل: ما هي فلسفة هذه الآية من القرآن الكريم؟ إن علمتُ ذلك قبلتُها و إلّا رفضتُها. فهذا المنطق خاطئ و غير صحيح.

  • لأنك إذا فهمتَ فلسفتَها فقبلتَها فإنك لم تقبل الآية، و لم تقبل كلام رسول الله، بل قبلتَ فهمك أنت، و كنت معتمداً على نفسك معوّلًا عليها، و لم تكن إذ ذاك قد استمددت القوّة من سرّ النبيّ و قلبه، كما لم تكن قد صافح أنفاسك أريج فاحَ من عطر العلوم الباطنيّة.

  • أمّا من يتّبع النبيّ و يؤمن بأنه رجل إلهي يرتبط قلبه بالعالم العلويّ، و إنّ كلّ ما يلفظه صدق يمثّل عين الحقيقة و الواقع، فهم ذلك منه أم لم يفهمه، فإنّ مثل هذا الشخص سيتقدّم في مسيرته مستلهماً القوّة من باطن النبيّ.

  • و هكذا فإنّ أساس تعاليم الدين يقوم على التعبّد، حتّى لو أدرك الإنسان فلسفة تلك المطالب و حكمتها، لكنّه لو كان قبلها من الأنبياء بعنوان التعبّد لكان ذلك أفضل له و أمثل.

  • و أساساً فانّ مدرسة الأنبياء و منهجهم يقومان على النزوع إلى الحقائق، و الاستفاضة من عالم الباطن و الغيب، و الدعوة إلى الحقائق و الواقعيات، و على أساس الخروج من الذّات و النفس و الإرتباط بالله و الحقّ.

  • و لو تقرّر أن يقايس الإنسان جميع علوم الأنبياء بعلومه و فكره و ذوقه، فيقبل منها ما يعجبه و يرفض ما يعجبه، فيا للويل عندئذٍ!

  • لكل فردٍ من أفراد البشر ذوقٌ و اسلوبٌ و فكرٌ و طريقة عمل و على هذا

معرفة المعاد ج۲

11
  • ينبغي أن يكون هناك بعددهم و عدد أفكارهم فلسفات مختلفة في متناول أيديهم تتفق و فهم كلٍّ منهم، و هو أمر محال. و إجمالًا فإنّ جميع اولئك الذين أرادوا قياس التعاليم الإلهيّة بفكرهم و وزنها بعلمهم قد بقوا مخلّدين في عالم الغرور و الإستكبار، و احترقوا في جهنّم العاجلة بنار آرائهم الباطلة.

  • أمّا الذين اعترفوا بنورانيّة تعاليم الأنبياء و سلّموا إليهم و صاروا من أتباعهم المخلصين المقتفين لآثارهم، فقد انكشفت الحقائق لهم فأدركوا أسرار الأحكام و فلسفتها و حكمتها من مبدأ العالم.

  • مَا ءَاتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا

  • و للمرحوم صدر المتألّهين كلام شيّق في إنّ الأحكام الشرعيّة تعبّديّة ينبغي قبولها بلا مناقشة و بلا إدراك لفلسفتها و أسبابها، يقول في مقدّمة «الأسفار»:

  • «وَ إنِّي لأستَغفرُ الله كثيراً ممّا ضيّعتُ شطراً مِن عمري في تَتَبّعِ آراء المتفلسفةِ و المُجادلين من أهل الكلام و تدقيقاتهم و تعلّم جَربزتهم في القول و تفنّنهم في البحث حتّى تبيّنَ لي آخرَ الأمر بنورِ الإيمان و تأييد اللهِ المنّانِ إنّ قياسَهم عقيمٌ و صراطَهم غيرُ مستقيمٍ، فألقينا زمامَ أمرنا إليه و إلى رسولِه النذيرِ المنذر، فكلّ ما بَلَغَنا منه آمنّا به و صدّقناه و لم نحتلْ أن نخيّلَ له وَجهاً عقليّاً و مَسلكاً بحثيّاً، بل اقتدينا بهداه و انتهينا بنهيه، امتثالًا لقوله تعالى: ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا.1 حتّى فتح الله على قلبنا ما فتح، فأفلح ببركة متابعته و أنجح.»2

  • و كذلك قال العلّامة الطباطبائي مدّ ظلّه3 في المجلّد الثامن من تفسير

    1. الآية 7، من السورة 59: الحشر.
    2. الأسفار، الطبعة الحجريّة، ج 1، ص 4؛ و الطبعة الحروفيّة، ج 1، ص 11 و 12.
    3. الكتاب مؤلّف زمنَ حياة العلّامة( ره)، و قد آثرنا المحافظة على تعبير المؤلّف.

معرفة المعاد ج۲

12
  • «الميزان»، ص 24، ذيل الآية الشريفة من سورة الأعراف: قالَ ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ:1

  • «و بالجملة هو سبحانه الله الذي منه يبتدئ كلّ شيء، و إليه يرجع كلّ شيء، فإذا خلق شيئاً و حكم عليه بالفضل كان له الفضل و الشرف واقعاً و بحسب الوجود الخارجيّ، و إذا خلق شيئاً ثانياً و أمره بالخضوع للأوّل كان وجوده ناقصاً مفضولًا بالنسبة إلى ذلك الأوّل، فإنّ المفروض إنّ أمره إمّا نفس التكوين الحقّ أو ينتهي إلى التكوين، فقوله الحقّ و الواجب في امتثال أمره أن يُمتثل لأنه أمره، لا لأنه مشتمل على مصلحة أو جهة من جهات الخير و النفع حتّى يعزل عن ربوبيّته و مولويّته و يعود زمام الأمر و التأثير إلى المصالح و الجهات، و هي التي تنتهي إلى خلقه و جعله كسائر الأشياء من غير فرق.»

  • و إجمالًا فقد كانت الامم السابقة تقول لأنبيائها كهذا القول (قول إبليس): إننا نمتلك علماً و فكراً نعتمد عليه و نفرح به، فما حاجتنا لكم؟

  • و كانوا يسخرون بما جاء به الأنبياء عليهم السلام و يتصوّرون اتّباع الآراء و الأفكار المرتبطة بعالم الغيب و التي كان يأتي بها اولئك الأنبياء أمراً صبيانيّاً و جهلًا.

  • وَ حاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ. لقد أحاطت بهم تلك التهديدات و الوعيد الذي طالما سخروا به، و شملتهم نتيجة أعمالهم و صاروا مورد سخط الله و عذابه.

  • لقد جاءهم عذاب الله فخاطبهم سبحانه أن تعالوا و ارفعوا عنكم هذا العذاب بعلمكم و غروركم القوميّ و خلّصوا أنفسكم منه! و أني لكم

    1. الآية 12، من السورة 7: الأعراف.

معرفة المعاد ج۲

13
  • الخلاص، فقد غشيكم العذاب و أخذ بتلابيبكم، تلك الريح المسخّرة من قبل الله تعالى و المأمورة بإهلاك قوم عاد الذين أنكروا على نبيّهم هود على نبيّنا و آله و عليه الصلاة و السلام ما جاءهم به من عند الله سبحانه.

  • سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَ ثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ* فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ.1

  • و أنى لهؤلاء الناس أن يحذروا بعلمهم من تلك الريح المسمومة المهلكة التي تعصف متتابعة فتبيد مَن تصيبُه؟ تلك الريح المسخّرة من قِبَلِ الله على قوم عاد لوحدهم دون غيرهم. و كيف يمكنهم المواجهة؟ و ما نفعهم التحفّظ على أنفسهم و حفظها؟

  • قصّة قارون و غروره بالعلم؛ و عدم جدوى توبة فرعون عند الغرق

  • و لقد كان قارون من قوم موسى على نبيّنا و آله و عليه الصّلاة و السلام، فمنّ الله عليه بالأموال و الذخائر ممّا تَنوء بحمل مفاتح كنوزه العصبة و الجماعة القوية، بيد أنه ظلم قومه، و أعرض صفحاً عمّن نصحه منهم بالابتعاد عن الغرور و العُجب، و بالإحسان إلى الناس و الرفق بهم، و بأن لا يفسد في الأرض؛ و أشاح بوجهه عمّن و عظه بالإنفاق على الضعفاء و اليتامى و المساكين و الرفق بهم، و كان ردّه عليهم أن:

  • قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي.2

  • و لم يكن في علمه إنّ علماً و قدرةً كهذين لا يزنان عند الله جناح بعوضة، و لم يَدُرْ في خلده إنّ الله مُهلك المستكبرين:

  • أَ وَ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَ أَكْثَرُ جَمْعاً وَ لا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ.3

    1. الآية 78، من السورة 28: القصص.
    2. الآية 78، من السورة 28: القصص.
    3. نفس الآية السابقة.

معرفة المعاد ج۲

14
  • حتّى وصل في تكبّره و بَطَره و نعمته و قدرته إلى حيث صار قومه يحسدونه و يغبطونه، و إلى حيث صار عامّة الناس يحسدون جاهه و جلاله و مقامه و عظمته، ثمّ نزل عليه عذاب الله فجأة فخُسف به و بثروته و قصره جميعاً، فلم يستطع أحد أن ينصره أو يستخرجه من الأرض التي ابتلعته، لا علمهُ و لا قدرتُه و لا أعوانه و لا أنصاره.

  • فَخَسَفْنا بِهِ وَ بِدارِهِ الْأَرْضَ فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ ما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ.1

  • و لقد عمّه الهلاك و الشقاء حتّى صار الذين يحسدونه بالأمس يقولون الحمد لله إننا لم نكن مكان قارون.

  • و لقد تحرّك فرعون خلف موسى و أتباعه و لاحقهم، و قال إنّ النيل قد انشقّ لموسى و امّته فعبر هو و أتباعه، و سينشقّ أيضاً لي و لجيشي كي أعبره أنا الآخر فأبيد موسى و قومه. و لم يعلم إنّ الماء كان مسخّراً مأموراً بالانشقاق لموسى و أتباعه لا لفرعون و جيشه. فقد كانت مأموريّة الماء و وظيفته أن ينعقد عليهم و ينطبق، و هكذا ابتلعه الماء هو و جُنده فاغرقوا أجمعين.

  • عدم جدوى توبة المتمرّدين عند نزول العذاب

  • فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ. حين كان العذاب و البأس و الشدّة تنصبّ من قِبَلِ الله تعالى فتُغلق عليهم سبيل الفرار، و حين كان الأمر يصبح مقضيّاً لا خيار فيه، ليس فيه اختيار لفعل الشيء أو تركه، و لا للطاعة أو المعصية، و لا للكفر أو الإيمان؛ فإنّهم كانوا يرون أنفسهم مضطرّين للقبول فيقولون: آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَ كَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ.

  • لقد كفرنا بما كنّا نعتقد فيه مقابل الله، كفرنا بقوّتنا و عِلمِنا و قدرتنا،

    1. الآية 81، من السورة 28: القصص.

معرفة المعاد ج۲

15
  • و جعلناها جميعاً تحت أقدامنا، بيد إنّ هذا الإيمان إيمان لا طائل وراءه. فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا.

  • فلم يكن هناك مفرّ آنذاك من الإيمان، و لم يكن هناك من ملجأ غيره، و حين تُغلق في وجه الإنسان جميع السُّبل فيجد نفسه مضطرّاً بائساً، فانّ ذلك الإيمان الاضطراريّ لن يسوقه إلى الجنّة، و لن يجعله مؤمناً، كما لن يجعل قواه الوجوديّة معتدلة متّزنة، أو يُدخله في المدينة الفاضلة ثم ينزل به عذاب الله جزاءً وفاقاً لعمله فيصيبه بالهلاك و البوار.

  • سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَ خَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ.

  • إنّ اختيار الإنسان سيُسلب منه في آخر ساعات حياته، كما أنه سيفقد إرادته، و آنذاك سيزاح الستار جانباً و لن ينفع الإنسان إيمانه النابع من البؤس و الهلاك.

  • حينما ترفع الحجب و يرى الإنسان عاقبة أعماله، فذاك وقت الفعليّة و موعد انتهاء مرحلة الاستعداد و القابليّة، تلك هي لحظة ابتداء الظهور و العلن و انتهاء مرحلة الخفاء و الكتمان.

  • سيرى الإنسان في تلك اللحظة أعماله مجسّمة أمام ناظريه، فيلحظ الجنايات التي اقترفها، و الجرائم التي ارتكبها، و القبائح التي بدرت منه، و سيرى العصيان و التمرّد و المواجهات التي قام بها مقابل النبيّ، و سينظر المظالم و الاعتداءات التي اجترحها فأعقبت له الانغماس في الظلمات و الغرق في الطوامير، و كلّفته اجتياز العقبات و المتاهات و عبور المنعطفات الموحشة الوخيمة، آنذاك سيجد ملائكة الغضب مستعدّين متأهّبين لقبض روحه بأشقّ الوسائل، ثمّ يسوقونه معهم إلى أسوأ الأماكن غريباً وحيداً عاجزاً.

  • آنذاك سيرى الإنسان المجرم المختار- الذي لم ينتفع بكلّ ما قيل له

معرفة المعاد ج۲

16
  • في الدنيا- نفسَه في يد قدرة الخالق و في قبضةِ قهرِ و ظهورِ مقامِ الجلال، و سيقول: لقد آمنتُ، آمنتُ بالله و أشهد أن لا شريك له و لا عديل، بيده المُلك و هو على كلّ شيء قدير. فينهال الملائكة المحشودون المراقبون على رأسه بدبابيس الحديد قائلين له:

  • أ جنايةٌ هناك و إيمانٌ هنا؟! أ خيانة هناك و إيمانٌ هنا؟! أ كفرٌ و شركٌ و زندقةٌ هناك و إيمانٌ هنا؟! هيهات، إنّك لم تؤمن حين امتلكتَ الوسائل، و الأثاث و الأسباب، و حين امتلكت البدن و العلم و القدرة و سلامة المزاج و الأمان و فراغ البال، أ فتريد الآن أن تؤمن بعد أن تعطّلت الوسائل و صار البدن كالخشب المسنّد اليابس، و بعد أن حلّ النسيان مكان العلم، و تبدّلت القوّة عجزاً، و بعد أن داهمتك الأمراض من كلّ صوب فرأيتَ نفسك أمام الغضب و القهر وجهاً لوجه؟!

  • لا فائدة من هذا الإيمان، و لن يحلّ لك من أمرك ما أشكل، و لن يضيرك نفعاً أو تأثيراً في رفع العذاب أو الخلاص من العواقب الوخيمة لسوء فِعالك.

  • تا ز دستت مىرسد كارى بكن***پيش از آن كز تو نيايد هيچ كار 1

  • هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ.2

    1. يقول: فَلتُقْدِمْ ما دَامَ بإمكانكَ أن تفعلَ شيئاً، قبلَ أن تقصر يداك عن فعلِ أيّ شيء.
    2. الآية 158، من السورة 6: الأنعام.

معرفة المعاد ج۲

17
  • حين لاحق فرعون و جنده موسى و من معه ليستأصلوهم بسيف الحقد، وصل موسى إلى شاطئ النيل، و لم يكن له مفرّ يلجأ إليه من جند فرعون المحدقين به من كلّ صوب و حَدب إلّا أن يتقدّم إلى الأمام، أي إلى نهر النيل، فانشقّ له الماء بأمر الله عن طريق يَبَس تحيطه الأمواج العالية من جانبيه، فألقى موسى و أتباعه بأنفسهم في النيل فسلكوا فيه، و آنذاك وصل فرعون و جنده و شاهدوا- و يا للعجب- موسى و قومه يعبرون وسط النهر، فقالوا: لا عجبَ في الأمر، فسنعبر كما عبروا فندركهم، و ما أن اقتحموا النهر حتّى انطبق الماء عليهم.

  • حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَ أَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ.1

  • فوضع جبرئيل شيئاً من حمأ البحر في فمه و قال:

  • آلْآنَ وَ قَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَ كُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ.2

  • فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَ إِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ.3

  • اليوم سنخطف نفسك و ننتزعها و نصطحبها إلى حيث محلّ فعلية أعمالك التي سبقتْ منك و إلى حيث عاقبتها، كي ترى بعينك ما سيحلّ بك، لكنّنا سنخرج بدنك من الماء فنلقيه إلى الساحل، فيأتي الناس و يشاهدوا بدنك المتعفّن كيف اكتنفته الذلّة و الحقارة، فلا يقولنّ أحدٌ إنّ فرعون التحق برجال الغيب في وسط اليمّ أو إنه عرج إلى السماء.

    1. الآية 90، من السورة 10: يونس.
    2. الآية 91، من السورة 10: يونس.
    3. الآية 92، من السورة 10: يونس.

معرفة المعاد ج۲

18
  • كيفيّة قبض أرواح الظالمين و استثناء المستضعفين

  • يقول الله سبحانه في قرآنه الكريم في الآية 97 من سورة النّساء في كيفيّة قبض أرواح الظالمين:

  • إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَ ساءَتْ مَصِيراً.

  • يقول ملائكة قبض الأرواح لُاولئك الذين ظلموا أنفسهم حين يقبضون أرواحهم: فيم كنتم؟ فيُجبيون: كنّا مستضعفين في الأرض، يتسلّط علينا طغاة زماننا، و لم نكن نمتلك اختياراً و إرادة لنسعى لكسب المعارف الإلهيّة و العلوم الحقّة، و لنحصل على العلوم الحقيقيّة لنكفّ بذلك عن ظلمنا لأنفسنا و للآخرين.

  • فيردّ عليهم ملائكة قبض الأرواح: أ لم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا من أماكنكم التي كنتم فيها تحت سيطرة الظالمين و تعدّيهم، و تسكنوا في أماكن و منازل بعيدة عن تسلّط اولئك الطغاة، فتُشغلوا أنفسكم باكتساب المعارف الإلهيّة و بالعبادة و السير في المدارج و المعارج الروحيّة لأنفسكم؟ لِمَ لَمْ تخرجوا من دياركم و تهاجروا إلى حيث يمكنكم حفظ دينكم؟ و لأنهم لن يحروا جواباً، و لأنهم سيُحكمون بمنطق الملائكة، فإنّ مأواهم سيكون جهنّم، و ساءت منزلًا و مصيراً.

  • إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَ النِّساءِ وَ الْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَ لا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا* فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَ كانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً.1

    1. الآيتان 98 و 99، من السورة 4: النساء.

معرفة المعاد ج۲

19
  • إلّا المستضعفين الذين يفتقدون قوّة الإدراك حقيقة. فلا يهتدون سبيلًا، أو لا يمكنهم الخروج و التمرّد على سيطرة الأب و الامّ، و لا يمتلكون قدرة الخروج على تعليم الاستاذ أو على مخالفة سلوك الجوّ السائد و القوى الحاكمة، أو اولئك النساء و الأطفال الذين يخضعون لسيطرة الأزواج و المربّين الذين يعلّمونهم ما أرادوا و يوجّهونهم حيث شاءوا، فلا عقل و لا دراية لهم يمكنهم بها التمييز بين السقيم و الصحيح و التخلّص من التقليد الخاطئ، لأنّ هؤلاء لا يدركون مسألة احتمال خطأ المنهج الذي ينهجونه ليكونوا في صدد إصلاحه و تقويمه.

  • المراد بالمستضعف

  • المراد بالمستضعف في منطق القرآن و عُرفه

  • هؤلاء الأفراد يُدعون في المنطق القرآني بالمستضعفين، و عسى أن يعفو الله سبحانه عنهم و يتجاوز عن ذنوبهم إن لم تخالف العقل و لم تكن من قبيل الظلم و الاعتداء و الجرائم بحقّ الآخرين أو خيانتهم.

  • و هؤلاء المستضعفون هم اولئك الذين لم يمتلكوا بأنفسهم القدرة على تشخيص دين الحقّ، و الذين لم يفيدوا شيئاً و لم ينتفعوا من مطالعة الكتب الحقّة، كما أنهم لم يلتقوا بالعلماء الربّانيّين و الزهّاد الحقيقيّين ذوي الضمير الصافي اليقظ الذين تخطّوا حيقيقةً هوى أنفسهم، ليحرّكهم نهج اولئكم و سلوكهم، و لتهزّهم أرواحهم المتعالية فيضعوا أقدامهم على الصراط المستقيم و يفوزوا بالمقصود الأصيل.

  • أمّا اولئك الذين يمتلكون القابليّة و الاستعداد لمعرفة الصراط المستقيم و لقاء العالم الربّاني و المربّي إلالهي، و القدرة على المطالعة و التدبّر في القرآن الكريم و السنّة النبويّة و منهج الأئمّة الطاهرين، و الذين

معرفة المعاد ج۲

20
  • يمتلكون إمكانية الخروج على لجام الطاعة و العبوديّة لطواغيت زمانهم و ظالميه، و على كسر طوق التقليد الأعمى، و على الالتحاق بمقام العِلم الحقيقي، و التبعيّة و التقليد لعالِمٍ و معلّمٍ إلهيّ، إلّا إنّ غرورهم و غفلتهم و نوازعهم الشهويّة و الماديّة أبعدتهم عن عالم المعنى و سلكت بهم لذلك سبيلَ الضلال.

  • فليسوا من المستضعفين، بل هم من الظالمين و من أهل جهنّم، و سيؤاخذون و يعاقبون على عقائدهم الباطلة و صفاتهم الرذيلة و أعمالهم الظالمة غير المقبولة، و لن يقبل ملائكة قبضِ الأرواح لهم عذراً مهما حاولوا جعل أنفسهم في مصاف المستضعفين، و سيسوقونهم إلى جهنّم زُمرا.

  • ثمّ يقول سبحانه بعد هذه الآيات، أي في الآية 100 من هذه السورة: وَ مَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَ سَعَةً وَ مَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً.

  • فلا يقولَنّ أحد إنني لا أستطيع الهجرة لأنني ولدت هناك و ترعرعتُ، و لأنّ هناك قومي و عشيرتي و أصدقائي و عملي و منزلي و حديقتي و تجارتي و زراعتي و زوجتي و أولادي و سائر شئوني، لذا فإنّ إقامتي هناك حيث تُرتكب المنكرات و الفحشاء و حيث يطغى الإعلامُ السيّئ و تطبّق الأحكام الظالمة و الجائرة أمرٌ له حكم الضرورة، و عليه فإنّ الأمر خارج من عُهدتي و لستُ مسؤولًا عن عدم تطبيق الأحكام الإلهيّة.

  • و هذا المنطق خاطئ، لأنّ الإنسان الملتزم و الحامل للمسؤوليّة، و الواعي و النبيه الذي يرى سعادته في الكمال الروحي و في الارتقاء إلى أعلى درجات الإنسانيّة أن يتحمّل المشاكل و الصعاب التي تعترضه أوّل

معرفة المعاد ج۲

21
  • الطريق بعزمه الراسخ و إرادته التي لا تتزعزع، و أن يختار لنفسه مكاناً مناسباً يضمن إمكان السير الروحي و اقتناء الكمال المعنوي و حفظ و حراسة نفسه و متعلّقيه و أولاده من الفساد و الضياع، و أن لا يُعنى بموانع و صوارف الخوف و الهلع التي قد تصرفه عن غايته.

  • و إذا ما تحقّق في داخله عزمٌ كهذا فإنّ الله سبحانه سيهديه إلى أمكنة تناسبه و سيُخرجه من حيرته. و لو افترضنا أنه لن يصل إلى هدفه فإنّه سيكفيه أنه خرج من بيته مهاجراً إلى الله، و أنه قد تخطّى نفسه و صار في المسير و الحركة و البحث و السعي في سبيل التعلّم، و صُهر في بوتقة شوق و محبّة الوصول، هذه المطالب يبيّنها ملائكة قبض الأرواح للأفراد الظالمين، ثمّ إنّهم يسوقونهم و لكن بأيّ وضع و كيفيّة و هيئة؟

  • ورد في رواية في «عيون أخبار الرضا» عن تفسير الإمام العسكريّ عليه السلام يروي فيها الإمام عن آبائه عن الصادق عليه السلام إنّ قبض أرواح الكفّار هو:

  • كَلَسْعِ الأفاعِي وَ لَدْغِ الْعَقَارِبِ أوْ أشَدَّ. قِيلَ: فَإنَّ قَوْماً يَقُولُونَ: إنه أشَدُّ مِنْ نَشْرٍ بِالْمَنَاشِيرِ وَ قَرْضٍ بِالْمَقَارِيضِ، وَ رَضْخٍ بِالأحْجَارِ، وَ تَدْوِيرِ قُطْبِ الأرْحِيَةِ على الأحْدَاقِ، قَالَ: كَذَلِكَ هُوَ على بَعْضِ الْكَافِرينَ وَ الْفَاجِرِينَ ألَا تَرَوْنَ مِنْهُمْ مَنْ يُعَايِنُ1 تِلكَ الشَّدائِدِ. فَذَلِكُمُ الذي هُوَ أشَدٌّ مِنْ هَذَا إلّا مِنْ عَذَابِ الآخِرَةِ فَانّه أشَدُّ مِنْ عَذَابِ الدُّنيا.2

    1. أوردها في نسخة« بحار الأنوار» بلفظ« يُعاني».
    2. «العيون»، الطبعة الحجريّة، ص 178؛ و يروي الصدوق ص 178 عن محمّد بن القاسم المفسّر المعروف بأبي الحسن الجرجانيّ قال: حدّثنا أحمد بن الحسن الحسينيّ، عن الحسن بن على،[ عن أبيه عن الجواد] عن أبيه الرضا، عن أبيه موسى بن جعفر عليهما السلام قال: قيل للصادق عليه السلام: صف لنا الموت. قال: للمؤمن كأطيب ريحٍ يشمّه فينعس لطيبه و ينقطع التعب و الألم كلّه عنه، و للكافر كلسع الأفاعي.

معرفة المعاد ج۲

22
  • بلى إنّ هذا القسم من أنواع العذاب في سكرات الموت مُختصّ بالظالمين و الحكّام الجائرين و الكفّار من ذوي القلوب المتحجّرة القاسية و البعيدين عن الإنصاف و العدالة.

  • إرسال الحقّ تعالى ريحانتين باسم المسخية و المنسية لقبض روح المؤمن

  • أمّا المؤمنون الذين اعتقدوا بالله و سلّموا لأمره و عمروا لأنفسهم عالَم الوجدان و الآخرة، و لم يتخطّوا دائرة الإنصاف قدماً واحداً، و لم يتعدّوا على حقوق الآخرين. و الذين سعوا و جاهدوا لإعلاء كلمة الحقّ و التوحيد المقدّسة ما وسعهم، فصاروا في زمرة أولياء الله و محبّيه، و في مصاف المنزّهين و المخلصين، فإنّ قبض أرواحهم سهلٌ يسير لا حدّ ليُسره و سهولته.

  • الروايات الوارده في كيفيه قبض روح المؤمن

  • تأمّل الخالق تعالى في قبض روح العبد المؤمن

  • يروي الشيخ الطوسيّ في كتاب «الأمالي» عن الشيخ المفيد، عن عمرو بن محمّد الصيرفيّ، عن محمّد بن همام، عن الفزاريّ، عن سعيد بن عمر، عن الحسن بن ضوء، عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال:

  • قالَ عليّ بْنُ الْحُسَيْنِ زَيْنُ العابِدينَ عليه السلام: قَالَ اللهُ عَزَّ وَ جَلَّ: مَا مِنْ شَيءٍ أتَرَدَّدُ عَنْهُ تَرَدُّدِي عَنْ قَبْضِ رُوحِ الْمُؤمِنِ يَكْرَهُ الْمَوتَ وَ أنَا أكْرَهُ مَسَاءَتَهُ، فَإذَا حَضَرَهُ أجَلُهُ الذي لَا يُؤَخَّرُ فِيه بَعَثْتُ إلَيْهِ بِرَيْحَانَتَيْنِ مِنَ الْجَنَّةِ تُسَمَّى إحْدَاهُمَا الْمُسْخِيَةَ وَ الأخرى المُنْسِيَةَ؛ فَأمَّا الْمُسْخِيَةُ فَتُسْخِيهِ عَنْ مَالِهِ، وَ أمّا الْمُنْسِيَةُ فَتُنْسِيه أمْرَ الدُّنْيَا.1

  • و يروي متن هذه الرواية في كتاب «الكافي» و «معاني الأخبار» بسنديهما المتّصل عن الصادق عليه السلام عن رسول الله صلّى الله عليه

    1. «بحار الأنوار»، طبعة الآخوند، ج 6، ص 152. أمّا في نفس« أمالى الطوسيّ»، طبع النجف 1384 هجريّة، المجلّد الثاني، ص 29 فقد وردت الرواية بهذا اللفظ: ما من شيءٍ أتردّد فيه مثل تردّدي عند قبض روح المؤمن ...

معرفة المعاد ج۲

23
  • و آله:

  • قَالَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه و آله: لَوْ إنّ مُؤمِناً أقْسَمَ على رَبِّهِ عَزَّ وَ جَلَّ أن لَا يُمِيتَهُ مَا أماتَهُ أبَدَاً، وَ لكِنْ إذَا حَضَرَ أجَلُهُ بَعَثَ اللهُ عَزَّ وَ جَلَّ رِيْحَيْنِ إلَيْهِ.1

  • أمّا المراد بالتردّد و التأخير في هذه الرواية فهو تردّد الله في مراتب الأسماء الجزئيّة، و إلّا فإنّ التردّد في ذاته المقدّسة جلّ و عزّ ليس معقولًا، كما إنّ التردّد في الأسماء الجزئيّة هو الإبطاء في مقام العمل و في مقام التغيير إلى الفعليّة. و بإجمال فإنّ هذا المؤمن لا يرغب في الرحيل عن الدنيا، و الله سبحانه لا يرغب أن يقبض روحه بلا رضاه و خلافاً لرغبته و اختياره.

  • يقول سبحانه: إذا حضر أجل المؤمن بعثتُ إليه بيد ملك الموت ريحانتين، تسمّى إحداهما المسخية، مشتقّة من مادّة «السخاء»، و حين يمسكها المؤمن في يده يعبق عطرها في أنفه فيُسكره فيسخو عن جميع ماله، و يخلو وجوده من أي علاقة بالمال؛ و الأخرى المُنسية، مشتقة من مادة «النسيان»، و حين يُعطاها المؤمن فإنّ أريج عطرها يُنسيه كلَّ ما عدا الله من الامور الدنيويّة، كالزوجة و الولد و العشيرة و الأعوان و الأنصار و الخدم و الحشم و الاعتبار و الجاه و غير ذلك.

  • هاتان الريحانتان تعبقان و تتضوّعان برائحة الله، فيسكرُ من يعبق عطرُ حرمِ الله في مشامه و يدهش فلا يُقيم وزناً في كيانه و وجوده لأيّ شيء في مقابل جمال الحضرة الأحديّة، فيفدي كلّ ذلك فداء قدم

    1. «فروع الكافي»، كتاب الجنائز، الطبعة الحيدريّة، ج 3، ص 127؛ و« معاني الأخبار»، الطبعة الحيدريّة، ص 142.

معرفة المعاد ج۲

24
  • المحبوب.

  • اگر ز كوى تو بوئى بمن رساند باد***بمژده جان گرامى به باد خواهم داد 1

  • و قد وردت رواية «الكافي» و «معاني الأخبار» بلفظ ريحيْن بدل ريحانتيْن؛ أي إنّ هناك نسيمين يهبّان من الجنّة، و أي نسيمين؟ نيسمان منعشان مُبهجان يبعثان النشاط، ينمحي كلّ شيء بوجودهما و هبوبهما على مشام الروح.

  • هماى اوج سعادت به دام ما افتد***اگر ترا گذرى بر مقام ما افتد

  • حبابوار بر اندازم از نشاط كلاه***اگر ز روى تو عكسى به جام ما افتد

  • شبى كه ماه مراد از افق شود طالع***بود كه پرتو نورى به بام ما افتد

  • ز خاك كوى تو هر دم كه دم زند حافظ***نسيم گلشن جان در شام ما افتد 2

    1. يقول:« إذا هبّت عليّ الصَّبا بنسائم معطّرة من حَيِّك، فسأهبها- لبشارتها بك- روحي الغالية».
    2. يقول:« لو مرّ خيالك علينا فإنّ طائر اليُمن و السعادة سيسقط أسير حبائلنا.
      و لو انعكس خيالك في كأسنا لقذفتُ من الجذل قبّعتي في الهواء كما تتصاعد الفقاعة.
      و الليلة التي يطلع فيها قمر المراد من الافق، هي الليلة التي سيُشرق شعاع نوره علي شرفه دارنا.
      و كلّ آن تحدّث فيه حافظ عن تراب حَيِّك، عبقت نسائم الحياة و عبير رياضها في مشامّنا».

معرفة المعاد ج۲

25
  • هذا و قد روى البرقيّ في كتابه «المحاسن» هذه الرواية الشريفة بسندين آخرين باختلاف يسير في المتن. الأوّل عن ابن فضّال عن ابن فضيل، عن أبي حمزة الثماليّ:

  • قَالَ: سَمِعْتُ أبَا عَبْدِ اللهِ عليه السّلام يَقولُ: قَالَ اللهُ تَبَاركَ و تعالى: مَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيءٍ أنا فَاعِلُهُ كَتَرَدُّدِي عَنِ الْمُؤمِنِ فَإنِّي احِبُّ لِقَاءَهُ وَ يَكْرَهُ الْمَوتَ فَأزْوِيهِ عَنْهُ، وَ لَوْ لَمْ يَكُنْ في الأرْضِ إلَّا مُؤْمِنٌ وَاحِدٌ لَاكْتَفَيْتُ بِهِ عَنْ جَمِيعِ خَلْقِي وَ لَجَعَلْتُ لَهُ مِنْ إيمانه انْساً لَا يَحْتَاجُ مَعَهُ إلى أحَدٍ.1

  • و الثاني عن ابن فضّال، عن أبي جميلة، عن محمّد بن على الحلبيّ قال: قال أبو عبد الله عليه السلام:

  • قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَ تعالى: لِيَأذَنْ بِحَرْبٍ مِنِّي مُسْتَذِلُّ عَبْدِيَ الْمُؤمِنِ وَ مَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيءٍ كَتَرَدُّدِي في مَوْتِ المُؤْمِنِ، إنِّي لُاحِبُّ لِقاءَهُ وَ يَكْرَهُ المَوْتَ، فَأصْرِفُهُ عَنْهُ، وَ إنهُ لَيَدْعُونِي في الأمْرِ فَأسْتَجِيبُ لَهُ لِمَا هُوَ خَيْرٌ لَهُ، وَ أجْعَلُ لَهُ مِنْ إيمانِهِ انْساً لَا يَسْتَوْحِشُ فِيهِ إلى أحَدٍ.2

  • و هذه الرواية تشابه في مفادها و مضمونها الرواية السابقة، إلّا إنّ في مطلعها عبارة:

  • «قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَ تعالى: لِيَأذَنْ بِحَرْبٍ مِنِّي مُسْتَذِلُّ عَبْدِيَ الْمُؤمِنِ» و يقول في الجملة قبل الأخيرة: «وَ إنهُ لَيَدْعُونِي في الأمْرِ فَأسْتَجِيبُ لَهُ لِمَا هُوَ خَيْرٌ لَهُ».

  • و هذه الرواية في غاية الأهميّة من جهة سندها و متنها، فهي أوّلًا

    1. «محاسن البرقيّ»، كتاب« الصفوة و النور و الرحمة من المحاسن»، باب الانفراد، في طبعة رنگين ج 1 ص 159 و 160.
    2. نفس المصدر السابق.

معرفة المعاد ج۲

26
  • - من جهة السند- قد رويت بأسانيد مختلفة عن رسول الله صلّى الله عليه و آله و عن زين العابدين و جعفر الصادق عليهما السّلام في مثل «المحاسن» و «الكافي» و «معاني الأخبار».

  • و ثانياً: فهي من جهة متنها و قوّة دلالتها على جلالة مقام المؤمن و منزلته؛ تلك الدلالة التي صِيغت بأحلى لحن و أرقّ عبارة؛ حاكية عن المعاني الدقيقة و الأسرار الخفيّة، فعبارة «لِيَأذَنْ بِحَرْبٍ مِنِّي» لها دلالة على إنّ إهانة المؤمن هي إهانة لله، تلك الإهانة التي لا تُغتفر و التي تُعدّ من أكبر الذنوب، لأنها إعلان الحرب مع الله. سبحانه، و تدلّ عبارة «و إنه ليدعوني في الأمر» على إنّ دعاء المؤمن لا يُرَدّ أبداً، و إنّ له مقاماً عند الله تبارك و تعالى بحيث أنه مهما أراد من ربّه و في أي حال و تحت أي شرائط و بأيّ كيفيّة و مقدار، فإنّ المعبود سبحانه يمنّ عليه بما طلبه أو بأفضل منه.

  • كما إنّ عبارة «مَا تَرَدَّدْتُ عن شَيءٍ أنَا فَاعِلُهُ» من العبارات البديعة و التعبيرات الظريفة التي لم تنقل عن الله عزّ و جلّ في غير هذا المورد، و يصعب تصوّر الحدّ الذي يظهر فيه مقام لطف الله بالمؤمن و رحمته له، و إنّ تردّد الله و تفقّده لحال المؤمن يماثل تماماً حال العاشق الذي يتفقّد على الدوام حال المعشوق و لا يرضى أن يلحقه أدنى أذى، كما يسعى في الوقت نفسه أن لا يصيبه أيسر انزعاج، فيجد نفسه متردّداً بين هذين الأمرين فهو يبحث عن منفذ و طريق للحلِّ.

  • إنّ المؤمن الذي يخوض على الدوام مُعتركَ المناجاة و التضرّع و الابتهال في مسير لقاء الله عزّ و جلّ، و الذي وضع أقدامه ضمن دائرة المحبّة و العشق، فرضيَ بآثار العشق الشديد و الوله و الهيام و التحيّر عن كلّ شيء غير زيارة حبيبه و لقائه، و الذي صارت له علاقة خاصّة تربطه

معرفة المعاد ج۲

27
  • بخالقه في مرحلة الخلوة و الصفاء، قد صار محبوباً عزيزاً عند الله سبحانه حتّى عَشِقه اللهُ فصار يعامله وفق أدقّ أسرار المحبّة و خفاياها.

  • و ما أقرب هذه العبارة للحديث القدسيّ الآخر القائل:

  • أنَا جَلِيسُ مَنْ جَالَسَني، أنَا ذَاكِرُ مَنْ ذَكَرَني، أنَا غَافِرُ مَنِ اسْتَغْفَرَنِي، أنَا مُطِيعُ مَنْ أطَاعَنِي.1

  • ستارهاى بدرخشيد و ماه مجلس شد***دل رميده ما را أنيس و مؤنس شد

  • نگار من كه بمكتب نرفت و خط ننوشت***به غمزه مسئلهآموز صد مدرّس شد

  • طرب سراى محبّت كنون شود معمور***كه طاق ابروى يار مَنَش مهندس شد

  • بصدر مصطبهام مىنشاند اكنون دوست***گداى شهر نگه كن كه مير مجلس شد 2

    1. «أسرار الصلاة» للحاج الميرزا جواد آقا الملكيّ التبريزيّ، الطبعة الحجريّة، ص 10؛ و الطبعة بالحروف ص 19. و لكن يبدو في الظاهر إنّ ذلك المرحوم قد نقل هذا الحديث على لسان المَلَك الداعي. كما إنّ المرحوم قد ذكر هذا الحديث في كتابه« المراقبات أو أعمال السنَة»، ص 36 في مراقبات شهر رجب. و أورد السيّد ابن طاووس في« الإقبال» أصل الحديث، كما أورده ذلك المرحوم في أعمال شهر رجب ص 628 إلّا أنه لم يذكر عبارة« أنا ذاكر من ذكرني». و أصل الحديث طبقاً لرواية الإقبال هو: من كتب العبادات عن النبيّ صلوات الله عليه و آله قال:« إنّ الله تعالى نصب في السماء السابعة ملكاً يقال له الداعي، فاذا دخل شهر رجب ينادي ذلك الملك كلّ ليلة منه إلى الصباح: طوبى للذاكرين طوبى للطائعين، و يقول الله تعالى: أنا جليس من جالسني و مطيع من أطاعني و غافر من استغفرني.»
    2. يقول:« تألّق نجم الحبيب و توهّج فصار شمع مجلسنا و أنيس قلبي النافر الجفول.
      لقد صار حبيبي الذي ما يمّم قطّ صوب مدرسة و ما خطّ حرفاً- معلّماً بغنجه الفاتن لمائة مدرّس. و غدا فناء طرب المحبّة معموراً حين صار محراب حاجب الحبيب مهندساً له.
      لقد صار الحبيب يُجلسني الآن في صدر المنصّة، فانظر كيف استحال شحّاذ المدينة أمير المجلس!».

معرفة المعاد ج۲

28
  • و تدلّ عبارة «رَيْحَانَتَيْن أو رِيْحَيْن: المُسْخِيَة و المُنْسِيَة» على إنّ هناك نسيميْن يهبّان عليه من جذبات الجمال و الجلال فيُدخلانه مباشرة في جزائر الرحمة و الانس الخالدة؛ فالمُسخية هي جذبة الجمال التي لا يبقى عند المؤمن بطلوعها أثرٌ لأيّ شيء، فتتلاشى بظهور تلك الجذبة علائق جميع أمواله و ثروته التي كان يعوّل عليها.

  • أمّا المُنسية فهي جذبة الجلال التي لا يبقى عند ظهورها قدر و قيمة للدنيا و آثارها من التعلّق القلبي و الارتباط بشؤون الحياة.

  • تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ.1

  • و قد صرّح المرحوم المولى صدرا في كتاب «الأسفار» إنّ المراد من الإكرام في هذه الآية الشريفة مقام الجمال الذي هو عِدْل الجلال، و يشمل العطاء و الرحمة.2

  • حضور الأرواح المقدّسة لرسول الله و الأئمّة الطاهرين عند المحتضر

  • حضور الأرواح المقدّسة لجميع الأئمّة و لرسول الله

  • و الصدّيقة الزهراء لدى المؤمن عند سكرات الموت

  • روي عن «تفسير فرات بن إبراهيم»، عن أبي القاسم العلويّ، معنعناً

    1. «الأسفار»، الطبعة الحجريّة، ج 3، ص 24 و 25. و عبارته:« الصفة إمّا إيجابيّة ثبوتيّة و إمّا سلبيّة تقديسيّة، و قد عبّر الكتاب عن هاتين بقوله: تبارك اسم ربّك ذي الجلال و الإكرام ...».
    2. «الأسفار»، الطبعة الحجريّة، ج 3، ص 24 و 25. و عبارته:« الصفة إمّا إيجابيّة ثبوتيّة و إمّا سلبيّة تقديسيّة، و قد عبّر الكتاب عن هاتين بقوله: تبارك اسم ربّك ذي الجلال و الإكرام ...».

معرفة المعاد ج۲

29
  • عن أبي بصير قال: قُلتُ لأبي عبد الله عليه السلام: جُعلتُ فداك يُستكره المؤمنُ على خروجِ نفسه؟

  • قال: لا و الله.

  • قال: قلتُ: و كيفَ ذاك؟

  • قال: إنّ المؤمنَ إذا حضرتْه الوفاةُ حضرَ رسولُ الله صلّى الله عليه و آله و أهلُ بيته: أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب و فاطمة و الحسنُ و الحسينُ و جميعُ الأئمّةِ عليهم الصلاة و السلام- و لكنْ أكِنُّوا1 عن اسمِ فاطمة- و يحضره جبرئيل و ميكائيلُ و إسرافيلُ و عزرائيلُ عليهم السلام.

  • قالَ: فيقولُ أميرُ المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام: يا رسولَ الله إنّه كانَ ممّنْ يحبّنا و يتولّانا فأحِبَّهْ. قال: فيقولُ رسولُ الله صلّى الله عليه و آله:

  • يا جبرئيل إنّه ممّنْ كانَ يحبُّ علياً و ذرّيَّتَهُ فأحبّهُ، و قالَ جبرئيلُ لميكائيل و إسرافيل عليهم السلام مثلَ ذلك. ثمَّ يقولون جميعاً لملكِ الموتِ: أنه ممّن كانَ يحبّ محمّداً و آله و يتولّى عليّاً و ذرّيّتَهُ فارفقْ به.

  • قال: فيقولُ مَلَكُ الموتِ: و الذي اختاركم و كَرّمكم و اصطفى محمّداً صلّى الله عليه و آله بالنبوّةِ و خَصّهُ بالرِّسالةِ لأنَا أرفقُ بِهِ من والدٍ رفيقٍ، و أشفقُ عليه من أخٍ شفيقٍ. ثمّ قامَ إليه ملكُ الموتِ فيقول: يا عبدَ الله أخذتَ فكاك رقبتكَ؟ أخَذْتَ رَهْنَ أمانِكَ؟

  • فيقولُ: نَعَم. فيقولُ ملكُ الموتِ: فبماذا؟ فيقول: بحبّي محمّداً و آله، و بولايتي علي بن أبي طالب و ذرّيّته.

    1. «أكِنُّوا عن اسم فاطمة عليها السلام»، أي لا تصرّحوا باسمها لئلّا يصير سبباً لإنكار الضعفاء من الناس بسبب حضورها عند أجنبيّ.

معرفة المعاد ج۲

30
  • فيقول: أمّا ما كنتَ تحذرُ فقد آمنك اللهُ منه، و أمّا ما كنتَ تَرجو فقد أتاكَ الله به. افتحْ عينيكَ فانظرْ إلى ما عندك.

  • قال: فيفتح عينيه فينظرُ إليهم واحداً واحداً، و يُفتحُ له بابٌ إلى الجنّةِ فينظر إليها. فيقولُ له: هذا ما أعَدَّ اللهُ لكَ، و هؤلاءِ رفقاؤك، أ فَتحبّ اللحاقَ بهم أو الرجوعَ إلى الدنيا؟ قال: فقال أبو عبد الله عليه السلام: أ مَا رَأيتَ شُخوصَهُ وَ رَفْعَ حاجبيْه إلى فوق مِن قوله:

  • لَا حاجةَ لي إلى الدُّنيا و لا الرجوع إليها. و يناديه منادٍ من بطنانِ العرش يسمعه و يسمع من بحضرته: «يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ»1 إِلى مُحَمَّدٍ وَ وَصِيِّهِ وَ الأئِمَّةِ مِنْ بَعْدِهِ «ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً»2 بالو لا ية، «مَرْضِيَّةً»3 بِالثَّوَابِ، «فَادْخُلِي فِي عِبادِي»4 مَعَ مُحَمَّدٍ وَ أهْلِ بَيْتِهِ «وَ ادْخُلِي جَنَّتِي»5 غَيْرَ مَشُوبَةٍ.6

  • اشتياق سيّد الشهداء و أصحابه للموت من أجل إعلاء كلمة الحقّ

  • هناك في تلك الجنّة نورٌ محض، و حريّة محضة، و راحة محضة خالصة لا يشوبها شيء؛ أمّا في الدنيا فانّ أي راحة للإنسان مشوبة بنوع من الأذى و التكدير، السلامةُ مشوبة بالمرض، و الراحة مخلوطة بالمتاعب، و النور مشوب بالظُلْمَة، و الأمان ممزوج بالقلق، و الطمأنينة توأم مع الاضطراب و التشويش. لكنّ جميع هذه الجهات التي تسبب تنغيص العيش منتفية في الجنّة، و ليس هناك إلّا الراحة الخالصة و النور المحض. لذلك فانّ الإنسان لن يرضى بالعودة إلى الدنيا، و لن يقبل باستبدال تلك

    1. الآية 27، من السورة 89: الفجر.
    2. الآية 28، من السورة 89: الفجر.
    3. الآية 29، من السورة: 89: الفجر.
    4. الآية 29، من السورة: 89: الفجر.
    5. الآية 30، من السورة 89: الفجر.
    6. «بحار الأنوار»، طبعة الآخوند، المجلّد السادس، ص 162 و 163.

معرفة المعاد ج۲

31
  • الراحة و فراغ البال و الانس و الالفة بالعليّين بالمنغّصات و بالمعاشرة مع أهل السجّين. قال أصحاب سيّد الشهداء عليه و عليهم السّلام: «لن نرجع عمّا عقدنا عليه العزم». و كان الإمام صلوات الله عليه قد قال لهم:

  • ألَا و انِّي قَدْ أذِنْتُ لَكُمْ، فَانطَلِقُوا جَمِيعاً في حِلٍّ لَيْسَ عَلَيْكُمْ مِنِّي ذِمَامٌ، هَذا اللَّيْلُ قَدْ غَشِيَكُمْ فَاتَّخِذُوهُ جَمَلًا.1

  • فقال كلّ واحد من أهله الهاشمييّن و أصحابه شيئاً في جوابه و أظهروا الخجل [من عجزهم أن يقدّموا غير أرواحهم فداءً له]، و نهض من جملتهم زهير بن القين فَقَالَ: وَ اللهِ لَودَدْتُ أني قُتِلْتُ ثُمَّ نُشرتُ ثُمَّ قُتِلْتُ حتّى اقْتَل هَكَذَا ألْفَ مَرَّةٍ وَ إنّ اللهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَدْفَعُ بِذَلِكَ الْقَتْلَ عَنْ نَفْسِكَ وَ عَنْ أنْفُسِ هَؤلاءِ الْفِتْيَانِ مَنْ أهْلِ بَيْتِكَ.2

  • و لقد كانوا يتسابقون يوم عاشوراء في الحرب دفاعاً عن سبط النبيّ، فقد صارت الحياة لديهم مرّة كالعلقم، و صارت أبدانهم تضيق بأرواحهم الكبيرة، و كان بعضهم يتوسّل كي يُسمح له بالبراز إلى الحرب.

  • مقتل عابس بن شيب الشاكريّ يوم عاشوراء

  • يقول الطبريّ في تأريخه:

  • فَوَقَفَ عَابِسٌ أمَامَ أبي عَبْدِ اللهِ عليه السَّلامُ وَ قَالَ: مَا أمْسَى على ظَهْرِ الأرْضِ قَريبٌ وَ لَا بَعِيدٌ أعَزَّ عليّ مِنْكَ. وَ لَوْ قدِرْتُ أنْ أدْفَعَ الضَّيْمَ عَنْكَ بِشَيءٍ أعَزَّ عليّ مِنْ نَفْسِي لَفَعَلْتُ، السَّلامُ عَلَيْكَ أشْهَدُ أنِّي عَلى

    1. «الإرشاد» للمفيد، الطبعة الحجرية سنة 1285، ص 250.
    2. «الإرشاد» للمفيد، الطبعة الحجريّة سنة 1285، ص 251.

معرفة المعاد ج۲

32
  • هُداكَ وَ هُدَى أبِيكَ، وَ مَشَى نَحْوَ الْقَومِ مُصلِتَاً سَيْفَهُ وَ بِهِ ضَرْبَةٌ عَلى جَبِينِهِ فَنَادَى: ألَا رَجُلَ! فَأحْجَمُوا عَنْهُ لأنهُمْ عَرَفُوهُ أشْجَعَ النَّاسِ. فَصَاحَ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ: إرْضَخُوهُ بِالْحِجَارَةِ! فَرُمِي بِهَا. فَلَمَّا رَأى ذَلِكَ ألْقَى دِرْعَهُ وَ مِغْفَرَهُ وَ شَدَّ على النَّاسِ وَ أنه لَيَطْرُدُ.1 أكْثَرَ مِنْ مِائَتَيْنِ، ثُمَّ تَعَطَّفُوا عَلَيْهِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ فَقُتِلَ، فَتَنَازَعَ ذَوو عِدَّةٍ في رَأسِهِ، فَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ: هَذا لَمْ يَقْتُلْهُ وَاحِدٌ. وَ فَرَّقَ بَيْنَهُمْ.2

  • اشتياق سيّد الشهداء للقاء الله و رسوله، و خطبته للدعوة إلى لقاء الله

  • و كان الوجود المقدّس لسيّد الشهداء عاشقاً للموت! فلقد قال في خطبة أوردها في مكّة المكرّمة لمّا عزم على الخروج إلى الكوفة:

  • وَ مَا أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف!3

  • و حين اعترض الحرّ بن يزيد الرياحيّ و جيشُهُ الحسينَ عليه السلام فمنعوه عن متابعة المسير، حتّى أنهم منعوه عن العدول و الانحراف في مسيره؛

  • فَقَامَ الْحُسَيْنُ خَطِيبَاً في أصْحَابِهِ فَحَمِدَ اللهَ وَ أثْنى عَلَيْهِ وَ ذَكَرَ جَدَّهُ فَصَلّى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ:

  • إنّه قَدْ نَزَلَ بِنَا مِنَ الأمْرِ مَا قَدْ تَرَونَ؛ وَ إنّ الدُّنْيَا قَدْ تَغَيَّرَتْ وَ تَنَكَّرَتْ وَ أدْبَرَ مَعْرُوفُهَا وَ اسْتَمَرَّتْ جَذَّاءَ،4 وَ لَمْ تَبْقَ مِنْهَا إلَّا صُبَابَةٌ كَصُبَابَةِ الإنَاءِ، وَ خَسِيسُ عَيشٍ كَالْمَرْعَى الْوَبِيلِ؛ ألَا تَرَوْنَ إلى الْحَقِّ لَا يُعْمَلُ بِهِ، وَ إلى الْبَاطِلِ لَا يُتَناهى عَنْهُ؛ لِيَرْغَبِ الْمُؤمِنُ في لِقَاءِ رَبِّهِ مُحِقَّاً،5 فَإنِّي لَا أرَى

    1. ضبط في بعض النسخ بلفظ« يَكْرُدُ» و هو أيضاً بمعنى« يَطْرُدُ».
    2. «تاريخ الطبريّ»، طبع مصر 1385 ه-، ص 338 و 339.
    3. «اللهوف» للسيّد ابن طاووس، ص 53.
    4. و روي حذّاء، أي مُسرعة.
    5. عدّ البعض« ليرغب» فعل أمر، و اعتبروه مجزوماً إلّا أنه كُسِرَ لالتقاء ساكنين، فيكون المعنى علي ذلك: على المؤمن- و الحال هذه- أن يرغب في لقاء ربّه محقّاً.

معرفة المعاد ج۲

33
  • الْمَوتَ إلَّا سَعَادَةً وَ الْحَياةَ مَعَ الظَّالِمِينَ إلَّا بَرَمَاً.1

    1. «اللهوف»، الطبعة الحجريّة، ص 69.

معرفة المعاد ج۲

34
  •  

  •  

  • الْمَجْلِسُ التّاسِعْ: لَيْسَ عَلى اوْلِيَاءِ اللهِ خَوْفٌ وَ لا حُزْنَ وَ لا سَكَراتِ مَوْت

  •  

  •  

معرفة المعاد ج۲

36
  •  

  •  

  • بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

  • (مطالب القيت في اليوم التاسع من شهر رمضان المبارك)

  • الحمد لله ربّ العالمين و لا حول و لا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم

  • و صلّى الله على محمّد و آله الطَّاهرين

  • و لعنة الله على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين

  • قال الله الحكيم في كتابه الكريم:

  •  

  •  

  • أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ* الَّذِينَ آمَنُوا وَ كانُوا يَتَّقُونَ* لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ.

  • هذه الآيات الكريمة هي الآيات 62- 64 من سورة يونس، السورة العاشرة من القرآن الكريم، و هي آيات ينبغي التوقّف عندها و التأمّل فيها.

  • «أولياء» جمع وليّ؛ وَلي، يَلِي، وِلَايَةً وَ وَلَايَةً. و الولاية بمعنى امتلاك المشيئة و الإرادة و الاختيار، و لازمها الهيمنة و التصرّف في جميع الشؤون بحيث لا يبقى للشخص الخاضع للولاية أي مشيئة و إرادة و اختيار.

  • و وَلِيّ على وزن فعيل بمعنى والِي، و هو أيضاً بمعنى مُوَلّى عَلَيه، لذا فإنه يستعمل في اسم الفاعل كما يستعمل في اسم المفعول؛ فيُطلق على من يمتلك مقام الولاية و على المهيمن و صاحب الاختيار و المتصرّف في

معرفة المعاد ج۲

37
  • جميع الشؤون لفظ وليّ، كما يُطلق نفس اللفظ على من يخضع لولاية ذلك الفرد فيسلّم له جميع إرادته و اختياره و يخضع لإشرافه و هيمنته.

  • معنى الولاية و آثارها

  • و بناءً على ذلك يُطلق اسم الوليّ على الذات المقدّسة للخالق عزّ و جلّ، كما في الآية 257 من سورة البقرة:

  • اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ.

  • كما يُطلق على اولئك الأفراد الذين يضعون أنفسهم تحت اختيار الله و إرادته، و يعتبرونه المهيمن المتصرّف في جميع امورهم، كما في هذه الآية:

  • أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ.

  • فإنّ المقصود بأولياء الله الأفراد الذين تنصّلوا تماماً من جميع شوائب اختيارهم الذاتي و أوكلوا إرادتهم و اختيارهم و وجودهم بجميع شئونه إلى الذات المقدّسة للحيّ الأزليّ، و اعتبروه المتصرّف فيهم و المالك لإرادتهم. إنّ جميع الموجودات خاضعة للإرادة و الاختيار التكوينيّ للخالق سبحانه، لا يُستثنى من هذا القانون العامّ حتّى الذرّة الواحدة التي لا تبصرها العين، لكنّ البحث في الولاية التشريعيّة، أي فهم و إدراك هذا المعنى بدرجة الحسّ و الوجدان أنْ لا حقّ لولاية غير ذات القيّوم الأبديّ. و كلّ مَن يدرك هذا الناموس و القانون العامّ و يرى وجوده و سائر وجود الموجودات مندكّاً في إرادة و اختيار القيّوم، و يضع نفسه وجداناً تحت إرادة و اختيار كهذه، يُدعى ب- «وليّ الله».

  • كيفيّة تجلّي صفات الله تعالى في أوليائه

  • و سرّ إدراك هذه الدرجة و الوصول إليها إنّ البعض من المؤمنين ينال

معرفة المعاد ج۲

38
  • مقام القرب من الله إثْرَ الطاعة و ترك المعصية، و يفوزون بمقام كمال الأخلاق، لأنّ محبّة الله ستلتهب في قلوبهم يوماً بعد آخر، و تمنّي الوصول لمقام القرب و العزّة سيشتعل في كيانهم، فتحترق جميع الصفات الرذيلة و الأخلاق الذميمة و تفنى كما يحترق ما يفضل من الأشواك و الأعشاب، حتّى يستقرّوا أخيراً في حدود المحبّة.

  • و من الواضح إنّ من آثار المحبّة ظهور أخلاق المحبوب في وجود المحبّ، و كلّما زادت درجة الشوق و المحبّة زاد معه هذا التخلّق بالأخلاق الإلهيّة، حتّى ينمحي من صفحات أنفسهم كلّ أثر للتلوّث و يُزال كلّ قشر من قشور الأنانيّة، بحيث لا يتمكنوا حتّى عقد نيّة سيّئة في ذواتهم، و بحيث لا تخطر في أذهانهم أي خاطرة سيّئة، و ذلك لأنّ أصل النفس قد طهر و تمّت تصفيته و تنقيته.

  • فإذا شملتهم العناية و التوفيق الربّاني في هذه المرحلة رَقَوْا إلى مقام أعلى و نالوا مقام أسماء الخالق و صفاته و إدراك أسمائه الكلّيّة و صفاته العامّة في جميع الموجودات.

  • و إن أعانَتهم العناية الأزليّة بعد هذه المرحلة فقدّموا وجودهم مقابل الخالق و عظمته و قدرته و جماله و جلاله، و عبروا من مقام التوكّل و التفويض إلى مقام الرضا و التسليم، فيكون الله هو المختار في أمورهم، و لا يكون لهم بعد ذلك اختيار و لا إرادة، بل تكون الذات المقدّسة للحقّ تعالى هي المتصرّفة في وجودهم و شئونهم، فاولئك هم الذين يُقال لهم: «أوْلِيَآءُ اللهِ» اولئكم الأفراد همُ الذين يفيدون من درجات القوة العلّامة و العقل النظريّ (العلميّ)، أي العقل الهيولائيّ و العقل بالمَلَكة و العقل بالفعل و العقل المستفاد، و الذين رقوا إلى أعلى درجاته و عبروا المراحل الثلاث السابقة، فصارت علومهم و معارفهم تُفاض عليهم من الذات

معرفة المعاد ج۲

39
  • المقدّسة للحضرة الأحديّة بواسطة العقل الفعّال، أو أن يكونوا قد تخطّوا العقل الفعّال و عبروا مراتب العقول فصاروا يأخذون علومهم بلا واسطة من ذات الحقّ كالعقل الأوّل بسبب اندكاكهم فيه. كما أنهم فازوا بالمرحلة الأخيرة من مراتب القوّة العمّالة و العقل العمليّ، و هي التجلية و التخلية و التحلية و الفناء، و تحقّق في وجودهم المراحل الثلاث التي تسبقها.

  • و طبقاً للآيات المباركة للقرآن الكريم التي بُيّنت فيها خصائص أولياء الله، و التي ربّما سنتحدّث عن بعضها عند الحاجة في المباحث التالية، فإنّ الشيطان لا يمتلك سلطاناً على أولياء الله، فهو قد يأسَ منهم إذ أوكلوا إرادتهم و اختيارهم إلى الله، فصارت الذات المقدّسة للحقّ تعالى تقود الإرادة و الاختيار في وجودهم؛ فكيف يتصوّر مع ذلك أن يتغلّب الشيطان على إرادة الله و اختياره فيمكنه خداعَهم؟

  • إنّ أمل الشيطان ينصبّ على اولئك الذين يمكنه التصرّف فيهم و دعوتهم إلى الشهوات و الغفلات، و جعلهم غافلين عن الله سبحانه، أمّا مَن تخطّى وجوده في سبيل الله و أوكل أنانيّته إلى ربّه، و جعل اختياره مندكّاً في اختيار الله تعالى، فلمس و تحقّق معنى «وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ».*1

  • و أقرّه في سويداء قلبه، فصار يرى بعين الله، و يسمع باذن الله، و ينطق بلسان الله، و يبطش بيد الله، فلم يبقَ شيء منه في عالم الوجود ليتصرّف به الشيطان. و قد ورد في الحديث القدسيّ إنّ الله سبحانه يقول:

  • وَ مَا يَتَقَرَّبُ إلَيّ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِي بِشَيءٍ أحَبَّ إلَيّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ؛ وَ إنَّهُ لَيَتَقَرَّبُ إلَيّ بِالنَّوَافِلِ حتّى احِبُّهُ، فَإذَا أحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الذي يَسْمَعُ

    1. الآية 30، من السورة 76: الإنسان؛ و الآية 29، من السورة 81: التكوير.

معرفة المعاد ج۲

40
  • بِهِ، وَ بَصَرَهُ الذي يُبْصِرُ بِهِ، وَ لِسَانَهَ الذي يَنْطِقُ بِهِ، وَ يَدَهُ التي يَبْطِشُ بِها، إنْ دَعَانِي أجَبْتُهُ، وَ إنْ سَألَنِي أعطَيْتُهُ.1

  • كلام الخواجه نصير الدين الطوسيّ في «شرح الإشارات» في صفات

  • يقول الخواجه نصير الدين الطوسيّ (ره) في الفصل التاسع عشر من النَّمَط التاسع من «شرح الإشارات»:

  • إنّ الْعَارِفَ إذَا انْقَطَعَ عَنْ نَفْسِهِ وَ اتَّصَلَ بِالْحَقِّ، رَأى كُلَّ قُدْرَةٍ مُسْتَغْرِقةً في قُدْرَتِهِ الْمَتَعَلِّقَةِ بِجَمِيعِ المقْدُورات، وَ كُلَّ عِلْمٍ مُسْتَغْرِقَاً في عِلْمِهِ الذي لَا يَعْزُبُ عَنْهُ شَيءٌ مِنَ الْمَوْجُودَاتِ وَ كُلَّ إرَادَةٍ مُسْتَغْرِقَةً في إرَادَتِهِ التي يَمْتَنِعُ أنْ يَتَأبَّى عَلَيْهَا شَيءٌ مِنَ الْمُمْكِنَاتِ.

  • بَلْ كُلُّ وُجُودٍ وَ كُلُّ كَمَالِ وجودٍ فَهُوَ صَادِرٌ عَنْهُ فَائِضٌ مِنْ لَدُنْهُ.

    1. أورد هذا الحديث في كتاب« كلمة الله» ص 68، و قال في ص 519 من نفس الكتاب في أصل هذا الحديث: أوّلًا أورده البرقيّ في« المحاسن» عن عبد الرحمن بن حمادة، عن حنان بن سدير، عن الصادق عليه السلام. و ثانياً ورد في كتاب« الكافي» لمحمّد بن يعقوب الكلينيّ، المجلّد الثاني، ص 352 بثلاثة أسناد، الأوّل: رواه عن أبي على الأشعريّ، عن محمّد بن عبد الجبار و عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، رويا كلاهما عن ابن فضال، عن عليّ بن عقبة، عن حماد بن بشير، عن الصادق عليه السلام، عن رسول الله صلّى الله عليه و آله. و الثاني: رواه عن جماعة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد ابن خالد البرقيّ، عن إسماعيل بن مهران، عن أبي سعيد القمّاط، عن أبان بن تغلب، عن الباقر عليه السلام. و الثالث: رواه عن عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن الحسن بن محبوب، عن هشام بن سالم، عن المعلّى بن خنيس، عن الصادق عليه السلام، عن رسول الله صلّى الله عليه و آله.
      و قد ورد هذا الحديث في كتب كثيرة، و رواه العامّة بألفاظ مختلفة.
      يقول المرحوم الحاج الميرزا جواد آقا الملكيّ التبريزيّ رضوان الله عليه في كتاب« لقاء الله»: هذا الحديث القدسيّ متّفق عليه بين جميع أهل الإسلام.
      و قد أورده الغزاليّ في« إحياء العلوم» كتاب المحبّة و الشوق لله، المجلّد الرابع، ص 263، و عدّه العراقيّ في هامش تلك الصفحة من حديث البخاريّ عن أبي هريرة.

معرفة المعاد ج۲

41
  • صَارَ الْحَقُّ حِينَئذٍ بَصَرَهُ الذي بِهِ يُبْصِرُ، وَ سَمْعَهُ الذي بِهِ يَسْمَعُ، وَ قُدْرَتَهُ التي بِهَا يَفْعَلُ، وَ عِلْمَهُ الذي بِهِ يَعْلَمُ، وَ وُجُودَهُ الذي بِهِ يُوجَدُ.

  • فَصَارَ الْعَارِفُ حِينَئذٍ مُتَخَلِّقَاً بِأخْلَاقِ اللهِ تعالى بِالْحَقِيقَةِ.1

  • و باعتبار إنّ أبا على يقول في نفس النَّمَط في الفصل الواحد و العشرين:

  • ألْعَارِفُ هَشٌّ بَشٌّ،2 بَسَّامٌ، يُبَجِّلُ الصَّغِيرَ مِنْ تَوَاضُعِهِ كَمَا يُبَجِّلُ الْكَبِيرَ وَ يَنْبَسِطُ مِنَ الْخَامِلِ مِثْلَ مَا يَنْبَسِطُ مِنَ النَّبِيهِ.

  • وَ كَيْفَ لَا يَهِشُّ وَ هُوَ فَرْحَانٌ بِالْحَقِّ، وَ بِكُلِّ شَيءٍ، فَإنَّهُ يَرى فِيهِ الْحَقَّ؟ وَ كَيْفَ لَا يُسَوِّي، وَ الْجَمِيعُ عِنْدَهُ سَواسِيَّةٌ، أهْلُ الرَّحْمَةِ قَدْ شُغِلُوا بِالْبَاطِلِ؟3

  • فيقول المرحوم الخواجه نصير الدين في شرح هذه الفقرات:

  • وَ هَذَانِ الْوَصْفَانِ، أعْنِي الْهَشَاشَةَ الْعَامَّةَ وَ تَسْوِيَةَ الْخَلْقِ في النَّظَرِ، أثَرانِ لِخُلْقٍ وَاحِدٍ، يُسَمّى بِالرِّضَا، وَ هُوَ خُلْقٌ لَا يَبْقَى لِصَاحِبِهِ إنْكَارٌ عَلى شَيءٍ، وَ لَا خَوْفٌ مِنْ هُجُومِ شَيءٍ، وَ لَا حُزْنٌ عَلى فَوَاتِ شَيءٍ، وَ إلَيْهِ أشَارَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: وَ رِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ؛ وَ مِنْهُ تَبَيَّنَ تَأوِيلُ قَوْلِهِمْ:

  • 4
  • معرفة المعاد ؛ ج2 ؛ ص41
    1. «شرح الإشارات» بو على سينا، طبع مصر، المجلّد الرابع، ص 97 و 98؛ و الطبعة الحجريّة، 16 صفحة قبل آخر الكتاب.
    2. الهشّ: الرخو اللين من كلّ شيء. خبزة هشّة: رخوة المكسر. و يقال: فلانٌ هشّ المكسر، أي سهل الجانب فيما يطلب عنده من الحوائج .. و فلان هشّ الوجه أي طلق المحيّا .. و فَرَسٌ هشّ العنان أي خفيف العنان؛ و أنا به هشّ بشّ أي فرح مسرور« المنجد». و قد فسّر الخواجة نصير« هشّ و بشّ» ب-« طلق الوجه طيّب».
    3. «شرح الإشارات»، بو على، طبع مصر، المجلد الرابع، ص 101 و 102؛ و الطبعة الحجريّة 15 صفحة قبل نهاية الكتاب.
    4. حسينى طهرانى، سيد محمد حسين، معرفة المعاد، 10جلد، دار المحجة البيضاء - بيروت - لبنان، چاپ: 1، 1416 ه.ق.

معرفة المعاد ج۲

42
  • خَازِنُ الْجَنَّةِ مَلَكٌ اسْمُهُ رِضْوَانٌ.1

  • لا سلطان للشيطان على أولياء الله

  • أجل، فلأنّ أولياء الله قد قطعوا جذور ولايتهم للشيطان و ارتبطوا بالله سبحانه، لذلك فليس للشيطان قدرة للتصرّف في قواهم المتخيّلة. يقول سبحانه في الآيتين 99 و 100 من سورة النحل:

  • إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ* إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَ الَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ.

  • و يقول في الآية 82 و 83 من السورة ص:

  • فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ* إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ.

  • «المخلَصُون» هم أولياء الله، و من صفاتهم و خصائصهم طيّهم سكرات الموت و عالم القبر و البرزخ و عالم الحشر و النشر و القيامة و الصراط و الميزان و العرض و السؤال و الجنّة و النار في هذه الدنيا، و تخطّيهم جميع هذه المراحل فيها.

  • فلم يكونوا- بغير ذلك العبور- ليصلوا إلى مقام الولاية الملازم لمقام الخلوص و في هذه الحالة فليس هناك من معنى للعذاب عند الموت أو بعده.

  • فالعذاب الذي يراه الإنسان عند سكرات الموت أو في القبر أو في سؤال منكر و نكير، أو في البرزخ المثالي، أو في القيامة الكبرى عند الحشر و العرض و السؤال و الصراط و الميزان و الجحيم، إنما يراه نتيجة أعماله السيّئة التي اجترحها، و التي قام بها باتّباعه السيّئ لنفسه الأمّارة بالسوء.

    1. «شرح الإشارات» بو على سينا، طبع مصر، المجلّد الرابع، ص 101 و 102؛ و الطبعة الحجريّة 15 صفحة قبل نهاية الكتاب.

معرفة المعاد ج۲

43
  • أمّا أولياء الله الذين و صلوا إلى مرحلة عالية من الطهارة و النزاهة، فمن المحال أن يصدر منهم عمل قبيح و سيّء. فقد حاسبوا أنفسهم في الدنيا، و راجعوا صحائف أعمالهم فيها، و وضعوا أقدامهم على طريق التزكية و التهذيب، و عبروا من عالم الصورة و المثال، و تخطّوا النفس و القيامة الكبرى، فارتبطوا مع الملائكة السماويين و مع الأرواح المطهّرة للأنبياء و الأئمّة عليهم السلام، و وصلوا إلى معدن العظمة و العلم و القدرة و الحياة، أي إلى الذات المقدّسة للحقّ جلّ و علا، فوصلوا إلى مرحلة من الوجدان و التحقّق بحيث لا يطرأ عليهم هناك خوفٌ و لا حزن:

  • أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ.

  • إنّ الخوف و الحزن ينشآن لدى الإنسان من شيء قد تعلّق به و يحتمل فقدانه في المستقبل، فهو يخشى ضياعه من يده، و الخوف و الحزن ينشآن من شيء تعلّق به الإنسان قبلًا ثمّ فقده، فهو محزون مغموم لفقده.

  • كما إنّ جميع أفراد البشر بالنظر لابتلائهم بالعلائق المادّيّة و الاعتبارات الحيويّة الدنيويّة و بناء حياتهم على أساس من المصالح الشخصيّة و الامنيات الخياليّة، فإنهم يعيشون دوماً في خوف و حزن، حيث لا تنقضي عليهم أي لحظة إلّا و أحاطهم فيها الاضطراب و الحيرة من جهة، و الحزن و الغمّ من جهة أخرى، و إذا ما صرفوا أذهانهم عن ذلك أحياناً بسبب بعض المشاغل و الأعمال، فإنّ ذلك الخوف و الحزن سيكمن في نفس الوقت في أذهانهم ليبرز من جديد بمجرّد ارتفاع الموانع فيجعل الإنسان في محنة و مرارة.

  • و هكذا فإنّ الإنسان لن يستطيع بأيّ وجه أن يفعل شيئاً لاستئصال أساس مادّة الخوف و الحزن من وجوده ليعيش دوماً في سرور و ابتهاج،

معرفة المعاد ج۲

44
  • و جميع اللذائذ و دواعي الانشراح التي يُتمتع بها في الدنيا يفعلها الإنسان لسبب واحد هو صرف نفسه عن ذلك الهمّ و الغمّ، و بمجرّد ارتوائه من تلك اللذة فإنّ ذلك الخوف و الحزن المختفي سيطفو من جديد في شعوره فيُزعجه و يُقلقه.

  • و علّة هذا الأمر إنّ للإنسان علائق في عالم الحياة الدنيا و معيشته، و باعتبار دوران عالم الدنيا على محور المادّة و الطبع، و لأنّ المادّة دائماً في شُرف التغيّر و التحوّل و الحدوث و الفساد، لذا فإنّ العلائق القلبيّة للإنسان ستكون هي الأخرى عُرضة لهذا التغيّر و التبدّل، فيغوص الإنسان بفقدان ما يحبّ في عالم الحزن، و يلفّه الخوف و القلق من احتمال فقدانه في المستقبل.

  • أمّا أولياء الله الذين وصلوا مرحلة الخلوص، فقد نفضوا أيديهم من هذه العلائق، فلم يَعُدْ تغيّر الزمان و المكان و الآثار الأخرى للمادّة ليؤثّر في أفكارهم.

  • لا أن يكونوا قد خرجوا من الدنيا بأبدانهم و صانوا أنفسهم من تلاعب الحوادث المؤلمة، بل أنهم قد أخرجوا قلوبهم من محبّةِ الدنيا، و نصبوا خيامهم في حرم القدس و حريم الأمان الإلهي، و حطّوا رحالهم في ذلك الفِناء.

  • اولئكم الذين التحقوا من الجزئيّة بالكلّيّة، و نزحوا من عالم الغرور إلى الحقّ، و التحقوا من الامور المنقضية المتصرّمة إلى الأبديّة، فأخرجوا قلوبهم من العالَمين و شدّوا رحالهم و وردوا في بحر عظمة و قدرة الحقّ جلّ و علا، فصاروا بمنزلة البحر، و صار وجودهم واسعاً و عبروا الحدود و المحدوديّة.

  • و لو اغترف أحد من البحر غَرفة أو أضاف اليه قليلًا من الماء لما

معرفة المعاد ج۲

45
  • تأثّرت كميّة الماء و لا كيفيّته، أمّا لو اضيف ذلك القدر من الماء إلى قَدَر محدود، كقربةٍ أو قدح، أو انقص منه ذلك القدر، لكانت الزيادة و النقصان فيه مشهودتين ظاهرتين.

  • و ما دام الإنسان يهبط نفسه متسافلًا في حدود عالم الطبع و المادّة، و ما دام يحصر علاقاته و ارتباطاته فيها، فإنّ وجوده سيكون أشبه بوعاء صغير محدود، بحيث إذا أصابته فاجعة كفقدان زوجةٍ أو ولدٍ أو مالٍ أو عشيرةٍ أو أقارب أو جاهٍ و اعتبار، فإنّه يرى نفسه محزوناً خائفاً بظهور علائم تُنذر بفقدهم في المستقبل. أولياء الله هم وحدهم الذين أخرجوا أنفسهم من جميع مراحل و منازل الطبع و المادّة و آثارها و تعلّقاتها، فسافروا إلى عالم التجرّد و الملكوت، و صاروا كالبحر، و صار وجودهم متعدّد الجوانب، بحيث لم يعد يظهر فيهم تزلزل أو تغيّر بفقدان هذه الامور في الماضي أو باحتمال فقدانها في المستقبل، و لم يعد الخوف و الحزن يرتسم على طلعتهم و سيماهم. و هذا هو معنى سعة النفس و خروجها من المحدوديّة، السعة التي بيّنها العليّ الأعلى في القرآن الكريم، و التي دعاها أمير المؤمنين عليه السلام في تفسيره الكلام الإلهي بمعنى الزهد:

  • معنى الزهد في تعبير القرآن الكريم

  • الزُّهْدُ كُلُّهُ بَيْنَ كَلِمَتَيْنِ مِنَ الْقُرْآنِ، قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ: لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَ لا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ.

  • وَ مَنْ لَمْ يَأسَ على الْمَاضِي، وَ لَمْ يَفْرَحْ بِالآتِي فَقَدْ أخَذَ الزُّهْدَ بِطَرَفَيْهِ.1

  • مَن هم أولياء الله؟ الَّذِينَ آمَنُوا وَ كانُوا يَتَّقُونَ، أي الذين آمنوا و تمسّكوا بالتقوى سابقاً، أي الذين آمنوا و عملوا على الدوام على أساس

    1. «شرح نهج البلاغة»، باب الحكم، طبعة محمّد عبده، مصر، ص 238.

معرفة المعاد ج۲

46
  • ذلك الإيمان فصاروا متّقين؛ ذلك الإيمان و التقوى سبباً لإيمانٍ و تقوى أفضل، و صارت كلّ درجة من درجات الإيمان و التقوى سبباً دائماً يبعث على شدّة و قوّة الأخرى حتّى يصل الإيمان فعلًا إلى أعلى درجاته و تصير درجات التقوى السابقة باعثاً على ظهور إيمان كهذا.

  • ورد في الآيتين 10 و 11 من سورة الصفّ:

  • يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ* تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ.

  • و جاء في الآية 136 من سورة النساء:

  • يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ.

  • البشرى لأولياء الله هي غير البشرى للآخرين

  • و يتّضح إنّ للإيمان درجات و مراتب، و أنه ينبغي الارتقاء من مراتبه الأولى لنيل درجاته العالية، و إنّ هذا الإيمان غير الإيمان السابق، الإيمان الذي استأصل كلّيّاً الشرك بالله من زوايا القلب و أدّى إلى طلوع نور التوحيد بتمام معنى الكلمة في القلب و الوجدان، و بناءً على هذا المعنى قال سبحانه:

  • الَّذِينَ آمَنُوا وَ كانُوا يَتَّقُونَ (و لم يقل: الَّذينَ ءَامَنُوا وَ اتَّقوا).

  • لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ.

  • لهم البُشرى في هذه الدنيا بالامور الحقيقيّة، بسكِينة الخاطر و الطمأنينة، و باطمئنان القلب، و بالتمتّع و التنعّم بالمواهب الإلهِيّة و الإفادة الحقّة من المواهب الإلهِية، فهم يُبَشّرون بالرضوان، و باللقاء و الانس بأرواح الأنبياء و الأئمّة و الملائكة، و بالوصول إلى الأسماء و الصفات الكلّيّة للخالق، و يُبَشّرون بلقاء الحضرة الأحديّة و الفناء في ذات الله المقدّسة، و بطلوع مقام التوحيد بتمام مراتبه و درجاته؛ كما

معرفة المعاد ج۲

47
  • يبشّرون في الآخرة بالجنّة و الخلود و المغفرة و العبور من الصراط، و بالنعيم و الكوثر و الشفاعة و اللحوق بأرواح الأنبياء و مصاحبة الأطهار و السابقين، و بمقام أمن و سلام و جمال الباري تعالى شأنه.

  • و من جهة أخرى يقول في الآية 30، من السورة فصّلت (السجدة):

  • إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَ لا تَحْزَنُوا وَ أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ.

  • و هذه البشارة لا تعطى للأفراد- الذين ثبتوا على الإيمان- في الدنيا، بل تعطى لهم عند الموت، لذا فإنّها ليست كمثل الآية مورد البحث «أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ».

  • و ذلك لأنّ البشارة إنما تتعلّق بأمر حتميّ الوقوع، أمّا حين تتعلّق بأمر يحتمل تحقّقه أو عدم تحقّقه فلا يُقال لها بشارة.

  • و على سبيل المثال فلو كانت زوجة إنسان حاملًا بطفل يمكن أن يكون ولداً أو بنتاً، فلا يُقال له: نبشّركم بولد أنعم الله عليكم به؛ أمّا حين يولد الولد فعلًا فإنه يقال له: نبشّركم إنّ الله قد منّ عليكم بولد ذكر.

  • و هكذا حال الإنسان، فما دام لم يصل بعدُ إلى مرحلة الولاية أو إلى مرحلة الموت، فانّ طريقه ليس باتّجاه واحدٍ مُعيّن، بل إنّه سيكون على الدوام في منازعة لاختيار الحسن أو السيّئ، و السعادة أو الشقاء، و الجنّة أو النار؛ و عليه فإنّ البشارة بدخول الجنّة، أو البشارة بإزالة الخوف و الحزن و الغمّ و القلق بالنسبة إليه ستكون بلا معنى.

  • إنّ البشارة لأولياء الله الذين استقرّوا في حرم السكون الإلهِيّ، و الذين شدّ الخوف و الحزن رحالهما عن أعماق كيانهم ستكون بشارة صحيحة، سواءً كانت البشارة في الدنيا أو في الآخرة؛ و لمّا أصبح شأنهم ثابتاً حيث لا رجعة فيه، و لم يعد للشيطان فيهم مطمع بعد ورودهم في عالم

معرفة المعاد ج۲

48
  • الخلوص.

  • أمّا بالنسبة لغير أولياء الله، فإنهم مهما امتلكوا الإيمان، و مهما ثبتوا على إيمانهم هذا و خطوا في هذا المجال بقدم راسخة، إلّا أنهم- في الوقت نفسه- لم يصلوا بعدُ إلى مقام الخلوص، و لم يتبدّل حالهم إلى السعادة المحضة، و لم يتخطّوا بعدُ أمر اختيار الخير أو الشرّ، فلم يزل احتمال السعادة و الشقاء، و دخول الجنّة أو النار أمراً ممكناً في المستقبل. لذا فإنّ البشارة في الدنيا لا معنى لها بالنسبة إليهم، و ينبغي القول بناءً على هذه القرينة إنّ بشارة الملائكة لهم ستكون عند الموت، أي حين يخرجون من الاختيار فيتبدّل الطريق المزدوج أمامهم إلى طريق واحد لا عودة فيه.

  • و الشاهد الآخر على إنّ هذه البشارة لهم ستكون عند الموت ما جاء في الآية الشريفة:

  • وَ أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ.

  • أي أبشروا بالجنّة التي وُعدتم بها في الدنيا، و باعتبار أنهم في حال الموت أو قريباً من الموت، فإنّ الدنيا تُعدّ منقضية بالنسبة إليهم، لذا يُقال لهم كُنْتُمْ تُوعَدُونَ.

  • أمّا بالنسبة لأولياء الله فإنهم قد بُشّروا في الدنيا، لأنهم و صلوا فيها إلى مقام الولاية فأزيل عنهم الخوف و الحزن، اولئكم عباد متميّزون عن سائر العباد، عبادٌ خُتموا بخاتم ولاية الله فصار أحدهم يُدعى ب- (وليّ الله)؛ و هذا المعنى من الولاية قد جرى بيانه بدقّة في الكثير من آيات القرآن الكريم، كالآيتين 173 و 174 من سورة آل عمران اللتان عبَّرتا عن الولاية بالنعمة:

  • الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ

معرفة المعاد ج۲

49
  • إِيماناً وَ قالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ* فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَ فَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَ اتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَ اللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ.

  • قصّة غزوة حمراء الأسد و المنّ بالولاية

  • و إجمال القصّة كالآتي:

  • لمّا انتهت غزوة احد و عاد رسول الله صلّى الله عليه و آله مع أصحابه إلى المدينة، و انصرف المسلمون الجرحى إلى بيوتهم للاستراحة و لتضميد جراحهم، أرادَ النبيّ أن يُرهب المشركين و يُريهم من نفسه و أصحابه قوّة و سطوة لئلّا يطمع المشركون فيهم و يرون إنّ الأحرى بهم مهاجمة المدينة المنوّرة لقتل رسول الله و أسر المسلمين؛ فندب أصحابَه الذين اشتركوا في غزوة احد للخروج في طلب المشركين.

  • و كان أميرالمؤمنين عليهالسلام قد اصيب في غزوة احد بثمانين جراحة، كان معظمها بليغاً بحيث احتاج إلى ضماد و إلى وضع فتائل في الجروح، و كانت الجراح تغطّي بدنه الشريف، و كان قد انصرف هو الآخر إلى منزله و انهمك بتضميد جراحه حين دوّي في المدينة منادي رسول الله يندب مُجاهدي احد للخروج في طلب المشركين.

  • و لم يدّخر المسلمون وسعاً عن تلبية دعوة رسول الله على ما بهم من التعب و النصب من الحرب، فاستعدّوا لملاحقة الكفّار، و عقد رسول الله اللواء لأميرالمؤمنين عليهالسلام و سلّمه إيّاه، ثمّ توجّه مع أميرالمؤمنين و المسلمين إلى حَمْراء الأسد- و هي من المدينة على بُعد ثمانية أميال-.

  • و كان مشركو قريش من الجانب الآخر قد بلغوا الرَّوْحَاء- و هي من المدينة على ثلاثين أو أربعين ميلًا-، فلبثوا فيها و تأسّفوا لعدم قتلهم النبيّ في هذه الغزوة، و كانوا يقولون: لَا مُحَمَّدَاً قَتَلْتُمْ وَ لَا الْكَوَاعِبَ أرْدَفْتُمْ؛ و كانوا يستعدّون لمهاجمة المدينة و يتشاورون في هذا الأمر.

  • فمرّ معبد الخُزاعيّ على رسول الله في حمراء الأسد، و كانت خُزاعة

معرفة المعاد ج۲

50
  • - مسلمهم و كافرهم- عيّبة رسول الله بتهامة، و صفقتهم معه لا يخفون عنه شيئاً، و معبد يومئذٍ مشرك، فقال: يا محمّد (صلّى الله عليه و آله) و الله لقد عزّ علينا إصابتك في قومك و أصحابك، و لوددنا إنّ الله كان أعفاك منهم. ثمّ خرج من عند رسول الله حتّى لقي أبا سفيان و مَن معه بالروحاء، و كانوا قد أجمعوا على الرجوع إلى رسول الله و قالوا: قد أصبنا حدّ أصحابه و قادتهم و أشرافهم ثمّ رجعنا قبل أن نستأصلهم. فلمّا رأى أبوسفيان معبداً قال: ما وراك يا معبد؟

  • قال: محمّد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمعٍ لم أرَ مثله قطّ يتحرّقون عليكم تحرّقاً.

  • قال: ويلك ما تقول؟ قال: فأنا و الله ما أراك ترتحل حتّى ترى نواصي الخيل.

  • قال: فو الله لقد أجمعنا الكرّة عليهم لنستأصلهم.

  • قال معبد: فأنا و الله أنهاك عن ذلك.

  • فثنى ذلك أبا سفيان و من معه و فضّل الانصراف و الفرار إلى مكّة، و قطع وعداً لنعيم بن مسعود الأشجعيّ أن يعطيه أموالًا كثيرة على أن يذهب فيثبّط محمّداً و أصحابه عنهم، و أن يُخبرهم إنّ أبا سفيان و من معه قد أعدّوا العدّة و هم يتأهّبون لمهاجمة المدينة لقتل محمّد و أصحابه و أسر فتيانهم و استئصال شأفتهم.

  • و كان نعيم بن مسعود من منافقي المدينة ممّن أسلم ظاهراً، فأتى المدينة فخوّف المسلمين و سعى في تثبيط عزائمهم و فلّ هممهم بكلماته المخيفة، و في تحذيرهم و تخويفهم من سطوة المشركين من أجل صرفهم عن مهاجمة الكفّار، إلّا إنّ كلامه لم يُثمر شيئاً، فقد بقي رسول الله و أميرالمؤمنين عليهما السلام مع الأصحاب الجرحى راسخي العزم،

معرفة المعاد ج۲

51
  • متوكّلين على ربّهم قائلين: حَسْبُنا الله وَ نِعْمَ الْوَكيل.

  • درجة الولاية و مقامها ملازم لمقام التوحيد

  • و على أثر هذا التفاني و التضحية، و لتنصّلهم من إرادتهم و اختيارهم أمام العدوّ و لتوكّلهم على ربّهم و تفويضهم أنفسهم إليه، فقد أمسك الله زمام تدبيرهم بيده و زاد من إيمانهم و أنعم عليهم بنعمته و هي مقام الولاية:

  • الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَ قالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ.

  • و المقصود ب- «الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ» أمير المؤمنين عليه السلام حامل لواء الحرب؛ و كانت الجراح تغطّي بدنه؛ مع أصحاب رسول الله صلّى الله عليه و آله الأوفياء الصادقين. و المقصود ب- «النَّاسُ»: نعيم بن مسعود الأشجعيّ المنافق المعروف. «إنّ النَّاسَ» أي أبو سفيان و مَن معه، «قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ» لمحاربتكم و استئصالكم «فَاخْشَوْهُمْ» و هابوهم و انصرفوا عن مقاتلتهم، «فَزَادَهُمْ إيمَانًا» و قوّةً و صلابة «وَ قَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ» و هو المتصرّف في امورنا بإرادته و اختياره.

  • فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَ فَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَ اتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَ اللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ.

  • و لقد نصر الله نبيّه في ذلك الحال بدون أن يمسّه و من معه سوء من عدوّهم أو من الجراح التي أصابتهم في غزوة احد، فانقلبوا إلى المدينة بعافية و رباطة جأش و قوّة قلب و إيمان و فضل و شرف و شهرة بين الناس، و بإرعاب قلوب المشركين.1

    1. نقله كثير من المفسّرين، و من جملتهم« تفسير الميزان» المجلّد الرابع، ص 65- 77؛ تفسير مجمع البيان، طبع صيدا، المجلّد الأوّل، ص 538- 541؛« تفسير البرهان» الطبعة الحجريّة، المجلّد الأوّل، ص 201؛« تفسير أبي الفتوح الرازيّ» طبع مظفري، المجلّد الأوّل، ص 687- 691، و طبع إسلامي تحقيق آية الله الشعرانيّ، المجلّد الثالث، ص 254- 260؛« تفسير بيان السعادة» الطبعة الحجريّة، ص 171 و 172؛« تفسير الصافي» طبع إسلامي، المجلّد الأوّل، ص 314- 316؛ و« بحار الأنوار» الطبعة الكمباني، المجلّد السادس، ص 506.
      كما نقله كثير من المؤرّخين، و من جملتهم الواقديّ في كتاب« المغازي»، تحقيق مارسدن جونس، المجلّد الأوّل، ص 334- 340؛« روضة الصفا»، المجلّد الثاني تحت عنوان ذكر غزوة حمراء الأسد و وقائع السنة الرابعة؛« تاريخ الخميس في أحوال أنفس نفيس» المجلّد الأوّل، ص 447- 449؛« تاريخ الطبريّ» طبع مصر، مطبعة الاستقامة 1357 هجريّة، المجلّد الثاني ص 211- 213؛ و« منتهى الآمال» الطبعة الرحليّة، علميّة إسلاميّة، المجلّد الأوّل، ص 47.

معرفة المعاد ج۲

52
  • و بالطبع فإنّ نعمة الولاية هذه لم تُوهب لجميع الصحابة الذين تحرّكوا مع رسول الله إلى حمراء الأسد، بل خُصّ بها الأفراد الذين قالوا في سرّهم «حَسْبُنَا اللَّهُ وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ»، و يشهد على هذا المعنى قوله في الآية التي سبقت هذه الآية:

  • الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَ الرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَ اتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ.

  • و يُلاحظ هنا إنّ هذا الأجر العظيم قد عيّن لخصوص أهل الإحسان و التقوى، و هم الذين و صفتهم الآيات التي نتذاكر بها بأنهم الذين قالوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ في ذلك الموقع الشاقّ الحسّاس، و الذين فوّضوا أنفسهم لربّهم و جعلوا إرادتهم و اختيارهم مندكّة في إرادة الله، و هذا هو معنى الولاية.

  • و قد ورد نظير هذا التعبير في آخر آية من سورة الفتح، حيث بيّن الله سبحانه هناك صفات الأفراد التابعين للنبيّ مفصّلًا، و يقول في آخرها:

معرفة المعاد ج۲

53
  • وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَ أَجْراً عَظِيماً.

  • و من الآيات القرآنيّة الدالّة على معنى الولاية، الآيات 27- 29 من سورة إبراهيم:

  • يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ وَ يُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَ يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ* أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ* جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَ بِئْسَ الْقَرارُ.

  • و المراد بالقول الثابت هنا كلمة التوحيد الثابتة في الدنيا و في الآخرة لأنّ كلّ ما عدا التوحيد متزلزل، و كلّ ما عداه قابل للتغيير، و قابل للترديد و التأمّل.

  • أمّا القول الثابت في الدنيا و الآخرة فلا يقبل التغيير، و هذه الدرجة من التوحيد التي تصبح ظاهرة. تتلازم مع فقدان اختيار الشخص و إيكاله أمره بيد ربّ الأرباب، و هذا هو معنى الولاية.

  • ثمّ يقول: ألَم تَرَ اولئك الذين لم يقبلوا هذه الولاية و هي نعمة الله، و لم يقبلوا التوحيد، فاعتمدوا في النتيجة على أنانيّتهم و شخصيّتهم، و أبوا أن يجعلوا خالق العالمين مدبّر امورهم، فكفروا في النهاية بالله تعالى و بدّلوا تلك النعمة كفراً، فصار مقرّ هؤلاء و امثالهم المستكبرين دار البوار و جهنّم المحرقة التي يصلونها.

  • و عليه فإنّ جميع الأفراد الذين يمتلكون مقام الولاية بعيدون عن تلاعب الشيطان بهم و سلطانه عليهم و متخطّون لمراحل سكرات الموت و القبر و البرزخ و القيامة، فقد طووا جميع هذه المراحل في الدنيا إثر مجاهدتهم للنفس الأمّارة، و سيكون مأواهم عند الموت في الجنان

معرفة المعاد ج۲

54
  • الموعودة من قبل الربّ الودود بلا حساب و لا كتاب.

  • أولياء الله و أتباع أولياء الله و صفاتهم

  • يقول أميرالمؤمنين عليهالسلام في علامات و أوصاف أولياء الله:

  • إنّ أوْلِياءَ الله1 هُمُ الَّذِينَ نَظَرُوا إلى بَاطِنِ الدُّنْيَا إذَا نَظَرَ النَّاسُ إلى ظَاهِرِهَا، وَ اشْتَغَلُوا بِآجِلِهَا إذَا اشْتَغَلَ النَّاسُ بِعَاجِلِهَا، فَأمَاتُوا مِنْهَا مَا خَشُوا أن يُمِيتَهُمْ، وَ تَرَكُوا مِنْهَا مَا عَلِمُوا أنَّهُ سَيَتْرُكُهُمُ، وَ رَأ وْا اسْتِكْثَارَ غَيْرِهِمْ مِنْهَا اسْتِقْلَالًا، وَ دَرْكَهُمْ لَهَا فَوْتَاً، أعْدَاءُ مَا سَالَمَ النَّاسُ، وَ سِلْمُ مَا عَادَى النَّاسُ، بِهِمْ عُلِمَ الْكِتَابُ وَ بِهِ عُلِمُوا، وَ بِهِمْ قَامَ الْكِتَابُ وَ بِهِ قَامُوا، لَا

    1. يقول ابن أبي الحديد في« شرح نهج البلاغة»، المجلّد العشرون في الطبعة ذات العشرين مجلّداً، ص 438؛ و في طبعة الافست ذات المجلّدات الأربعة: المجلّد الرابع، ص 474: هذا[ أي التعبيرات التي وصف بها أميرالمؤمنين عليهالسلام أولياء الله] يصلح أن تجعله الإماميّة شرح حال الأئمّة المعصومين على مذهبهم، لقوله« فوق ما يرجون، بهم علم الكتاب و به علموا»؛ و أمّا نحن فنجعله شرح حال العلماء العارفين، و هم أولياء الله الذين ذكرهم عليهالسلام، لمّا نظر الناس إلى ظاهر الدنيا و زخرفها من المناكح و الملابس و الشهوات الحسيّة، نظروا إلى باطن الدنيا فاشتغلوا بالعلوم و المعارف و العبادة و الزهد في الملاذّ الجسمانيّة.
      أقول: ليس هناك من لزوم في أن تعدّ الإماميّة هذه الصفات منحصرة في الأئمّة الطاهرين، بالرغم من اتّصافهم عليهم السلام بها و تحلّيهم بشروطها على أتمّ وجه و أكمله، فقد وُجد و يوجد الكثير من شيعتهم و أتباعهم المخلصين ممّن تنطبق عليهم هذه المواصفات، و ممّن وصلوا إلى مرحلة المخلَصين و قطعوا كلّ أمل لديهم إلّا في الله تعالى، و ممّن عرفوا بالقرآن و كانوا حُماته حقّاً، لذا فإنّ ما نسبه ابن أبي الحديد إلى ذوق الإماميّةو مسلكهم يبقى محلّ إشكال و إيراد.

معرفة المعاد ج۲

55
  • يَرَوْنَ مَرْجُوَّاً فَوْقَ مَا يَرْجُونَ، وَ لَا مَخُوفَاً فَوْقَ مَا يَخَافُونَ.1

  • خطبة أميرالمؤمنين في شأن أولياء الله

  • خطبة أميرالمؤمنين عليهالسلام في خصائص و صفات أولياء الله

  • و كذلك ورد له عليهالسلام كلامٌ في نهج البلاغة في تفسير الآية المباركة:

  • رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَ لا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ،2 حين تلي هذه الآية، فقال: إنّ اللهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ الذِّكْرَ جَلَاءً لِلْقُلُوبِ، تَسْمَعُ بِهِ بَعْدَ الْوَقْرَةِ، وَ تُبْصِرُ بِهِ بَعْدَ الْعَشْوَةِ،3 وَ تَنْقَادُ بِهِ بَعْدَ الْمُعَانَدَةِ. وَ مَا بَرِحَ لله- عَزَّتْ آلَاؤُهُ- في الْبُرْهَةِ بَعْدَ الْبُرْهَةِ وَ في أزْمَانِ الْفَتَراتِ عِبَادٌ نَاجَاهُمْ في فِكْرِهِمْ، وَ كَلَّمَهُمْ في ذَاتِ عُقُولِهِمْ، فَاسْتَصْبَحُوا بِنُورِ يَقَظَة في الأسْمَاعِ وَ الأبْصَارِ وَ الأفْئِدَةِ. يُذَكِّرُونَ بِأيَّامِ اللهِ، وَ يُخَوِّفُونَ مَقَامَهُ بِمَنْزِلَةِ الأدِلَّةِ في الْفَلَوَاتِ. مَنْ أخَذَ الْقَصْدَ حَمِدُوا إلَيْهِ طَرِيقَهُ، وَ بَشَّرُوهُ بِالنَّجَاةِ، وَ مَنْ أخَذَ يَمِينَاً وَ شِمَالًا ذَمُّوا إلَيْهِ الطَّرِيقَ، وَ حَذَّرُوهُ مِنَ الْهَلَكَةِ، وَ كَانُوا كَذَلِكَ مَصَابِيحَ تِلْكَ الظُّلُمَاتِ وَ أدِلَّةَ تِلْكَ الشُّبُهَاتِ.

  • وَ إنّ لِلذِّكْرِ لأهْلًا أخَذُوهُ مِنَ الدُّنْيَا بَدَلًا فَلَمْ تَشْغَلْهُمْ تِجَارَةٌ وَ لَا بَيْعٌ عَنهُ يَقْطَعُونَ بِهِ أيَّامَ الْحَيَاةِ، وَ يَهْتِفُونَ بالزَّوَاجِرِ عَنْ مَحَارِمِ اللهِ في أسْمَاعِ الْغَافِلِينَ. و يَأمُرُونَ بِالْقِسْطِ وَ يَأتَمِرُونَ بِهِ، وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ عَنْهُ، فَكَأنَّمَا قَطَعُوا الدنْيَا إلى الآخِرَةِ وَ هُمْ فِيهَا، فَشَاهَدُوا مَا وَرَاءَ ذَلِكَ.

    1. «نهج البلاغة»، أواخر باب الحكم، طبعة محمّد عبدة، مصر، ص 237.
    2. الآية 37، من السورة 24: النور.
    3. ضبطها ابن أبي الحديد بالفتح.

معرفة المعاد ج۲

56
  • فَكَأنَّما اطَّلَعُوا غُيُوبَ أهْلِ الْبَرْزَخِ في طُولِ الإقَامَةِ فِيهِ، وَ حَقَّقَتِ الْقِيَامَةُ عَلَيْهمِ عِدَاتِهَا، فَكَشَفُوا غِطَاءَ ذَلِكَ لأهْلِ الدُّنْيَا، حتّى كَأنهُمْ يَرَوْنَ مَا لا يَرَى النَّاسُ، وَ يَسْمَعُونَ مَا لَا يَسْمَعُونَ.

  • فَلَوْ مَثَّلْتَهُمْ لِعَقْلِكَ في مَقَاوِمِهِمُ الْمَحُمودَةِ، وَ مَجَالِسِهُمْ الْمَشُهودَةِ، وَ قَدْ نَشَرُوا دَوَاوِينَ أعْمَالِهِمْ، وَ فَرَغُوا لِمُحَاسَبَةِ أنْفُسِهِمْ عَنْ كُلِّ صَغِيرَةٍ وَ كَبِيرَةٍ امروا بِهَا فَقَصَّرُوا عَنْهَا، أوْ نُهُوا عَنْهَا فَفَرَّطُوا فِيها.

  • وَ حَمَّلُوا ثِقَلَ أوْزَارِهِمْ ظُهُورَهُمْ، فَضَعُفُوا عَنِ الاسْتِقْلَالِ بِهَا، فَنَشَجُوا نَشِيَجاً وَ تَجَاوَبُوا نَحِيبَاً. يَعُجُّونَ إلى رَبِّهِمْ مِنْ مَقَام نَدَمٍ وَ اعْتِرافٍ، لَرَأيْتَ أعْلَامَ هُدَى، وَ مَصَابِيحَ دُجَى، قَدْ حَفَّتْ بِهِمْ الْمَلَئِكَةُ، وَ تَنَزَّلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَ فُتِحَتْ لَهُمْ أبْوَابُ السَّمَاءِ، وَ اعِدَّتْ لَهُمْ مَقَاعِدُ الْكَرَامَاتِ في مَقَامٍ اطَّلَعَ اللهُ عَلَيْهِمْ فيه فَرَضِيَ سَعْيَهُمْ وَ حَمِدَ مَقَامَهُمْ.

  • يَتَسَنَّمُونَ بِدُعَائِهِ رَوْحَ التَّجَاوُزِ، رَهَائِنُ فَاقَةٍ إلى فَضْلِهِ، وَ اسَارَى ذِلَّةٍ لِعَظَمَتِهِ، جَرَحَ طُولُ الأسَى قُلُوبَهُمْ، وَ طُولُ الْبُكَاءِ عُيُونَهُمْ.

  • لِكُلِّ بَابِ رَغْبَةٍ إلى اللهِ مِنْهُمْ يَدٌ قَارِعَةٌ، يَسْألُونَ مَنْ لَا تَضِيقُ لَدَيْهِ الْمَنَادِحُ وَ لَا يَخِيبُ عَلَيْهِ الرَّاغِبُون.

  • فَحَاسِبْ نَفْسَكَ لِنَفْسِكَ، فَإنَّ غَيْرَهَا مِنَ الأنْفُسِ لَهَا حَسِيبٌ غَيْرُكَ.1

  • و الحقّ إنّ كلام أمير المؤمنين عليه السلام هذا في حالات أولياء الله هو كتاب حكمة يحتاج بيانه إلى كتاب مبسوط، كما يتّضح جليّاً من التأمّل في فقراته، كيف إنّ أولياء الله يتوجّهون إلى الجنّة مباشرة بلا حساب

    1. «شرح نهج البلاغة»، طبعة محمد عبده مصر، المجلّد الأوّل ص 446- 448؛ و« شرح النهج» للملّا فتح الله الكاشيّ، ص 361- 363، الخطبة 250.

معرفة المعاد ج۲

57
  • و لا مناقشة و لا سكرات موت و لا أهوال قبر و لا برزخ و لا قيامة، فقد صرفت عنهم كلّ هذه الامور، لأنهم تجاوزوا جميع هذه العقبات في الدنيا.

  • كلام أمير المؤمنين عليه السلام في شأن أخ له في الله

  • كما يقول أمير المؤمنين عليه السلام في وصف حال الصحابيّ الكبير عثمان بن مظعون.1

    1. أورد كبار أهل الحديث و التاريخ و التراجم ترجمة عثمان بن مظعون و شرح أحواله، و نذكر هنا ما أوردته ثلاثة كتب في ترجمته( كما إنّ ابن حجر العسقلانيّ ذكر ما ننقله في كتاب« الإصابة»، المجلّد الثاني، ص 457):
      الأوّل: من كتاب« الطبقات» لابن سعد، المجلّد الثالث، ص 393.
      الثاني: من كتاب« الاستيعاب»، المجلّد الثالث، ص 1053.
      الثالث: من كتاب« اسد الغابة»، المجلّد الثالث، ص 385.
      و الخلاصة فقد كان عثمان بن مظعون أحد أصحاب رسول الله الكبار الأوفياء، و قد آمن في مكّة المكرّمة برسول الله صلّى الله عليه و آله بعد ثلاثة عشر نفر، و هاجر الهجرتين إلى الحبشة و المدينة، و كان رسول الله صلّى الله عليه و آله قد آخى بينه و بين أبي الهيثم ابن التَّيِّهَان. حضر غزوة بدر، ثمّ توفّي في المدينة في شهر شعبان لثلاثين شهراً من هجرة رسول الله صلّى الله عليه و آله، و هو أوّل مَن توفّي من المهاجرين في المدينة. و قد اختار رسول الله أرض بقيع الغرقد لدفن المؤمنين، فكان أوّل مَن دُفن فيها عثمان بن مظعُون. ثمّ أمر رسول الله صلّى الله عليه و آله أن تدفن ابنته زينب( أو رقيّة) قرب قبره، ثم خاطب ابنته المتوفّاة حديثاً بقوله:
      إلحقي بسَلَفِ الصالح عثمان بن مظعون.
      و قال عن ولده الصغير ابراهيم حين توفّي:
      ادفنوه جنب سلفنا الصالح عثمان بن مظعون.
      و قال حين مرّ على جنازة عثمان بن مظعون: ذهبتَ و لم تلبّس منها بشيء.( عبارة الطبقات).
      و خرجتَ منها و لم تلبّس منها بشيء.( عبارة اسد الغابة).

معرفة المعاد ج۲

58
  • كَانَ لي فِيمَا مَضَى أخٌ1 في اللهِ، وَ كَانَ يُعْظِمُهُ في عَيْنِي صِغَرُ الدُّنْيَا في عَيْنِهِ، وَ كَانَ خَارِجَاً مِنْ سُلْطَانِ بَطْنِهِ، فَلَا يَشْتَهِي مَا لَا يَجِدُ، وَ لَا يُكْثِرُ إذَا وَجَدَ.

  • وَ كَانَ أكْثَرَ دَهْرِهِ صَامِتاً، فَإنْ قَالَ بَذَّ الْقَائِلِينَ وَ نَقَعَ غَلِيلَ السَّائِلِينَ.

    1. اختلف شُرّاح النهچ في المُشار إليه ب-( الأخ)؛ يقول ابن ميثم البحرانيّ في المجلّد الخامس من شرح النهج، ص 390، و الملّا فتح الله الكاشيّ ص 581: إنّ المراد به أبو ذر الغفاريّ. و قال بعضٌ: إنّ المراد به عثمانُ بن مظعون. و يقول ابن أبي الحديد في المجلّد 19 ص 183 و 184 من الشرح:
      قال قومٌ: هو رسول الله صلّى الله عليه و آله، و استبعده قومٌ لقوله( و كان ضعيفاً مستضعفاً)، فإنّ النبيّ صلّى الله عليه و آله، لا يُقال في صفاته مثل هذه الكلمة. و قال قوم: هو أبو ذر الغفاريّ؛ و استبعده قوم لقوله« فإن جاء الجدُّ فهو ليثٌ عادٍ و صلُّ وادٍ»، فإنّ أبا ذر لم يكن من الموصوفين بالشجاعة و المعروفين بالبسالة. و قال قوم: هو المقداد بن عمرو المعروف بالمقداد بن الأسود، و كان من شيعة عليّ عليه السلام المخلصين، و كان شجاعاً مجاهداً حسن الطريقة، و قد ورد في فضله حديثٌ صحيحٌ مرفوع. و قال قوم: إنه ليس بإشارة إلى أخٍ معيّن، و لكنّه كلام خارج مخرج المثل، و عادة العرب جارية بمثل ذلك، مثل قولهم في الشعر« فقلتُ لصاحبي» و« يا صاحبي»؛ ثمّ يقول: و هذا عندي أقوى الوجوه.
      و أمّا في شرح نهج البلاغة للخوئيّ، فقد نقل الشارح آقا ميرزا محمّد باقر كمرهاى في كلامه: هذه العبارة عن ابن أبي الحديد، و أضاف: إنّ ابن ميثم قد أضاف عثمان بن مظعون إلى الجماعة المحتملين الذين ذُكروا، ثمّ قال: و إذا ما صحّ احتمال ابن أبي الحديد فإنّ أمير المؤمنين عليه السلام ينبغي عدّه مبتكر فنّ كتابة القصّة الحديثة( الفنّ الرومانطيقي) و الروايات التمثيليّة.
      أقول: لم أجد زيادة عثمان بن مظعون في شرح ابن أبي الحديد، لا في طبعة الافست بيروت ذات العشرين مجلّداً، و لا في الطبعة ذات المجلّدات الأربع ج 4، ص 379.

معرفة المعاد ج۲

59
  • وَ كَانَ ضَعِيفَاً مُسْتَضْعَفاً فَإنْ جَاءَ الْجِدُّ فَهُوَ لَيْثُ غَابً1 وَ صِلُّ وَادٍ، لا يُدْلِي بِحُجَّةٍ حتّى يَأتِيَ قَاضِياً.

  • وَ كَانَ لَا يَلُومُ أحَداً على ما يَجِدُ الْعُذْرَ في مِثْلِهِ حتّى يَسْمَعَ اعْتِذَارَهُ.

  • وَ كَانَ لَا يَشْكُو وَجَعَاً إلَّا عِنْدَ بُرْئِهِ. وَ كَانَ يَفْعَلُ مَا يَقُولُ، وَ لَا يَقُولُ مَا لَا يَفْعَلُ. وَ كَانَ إذَا غُلِبَ2 على الْكَلامِ لَمْ يُغْلَبْ عَلَى السُّكُوتِ.

  • وَ كَانَ على مَا يَسْمَعُ أحْرَصَ مِنْهُ على أنْ يَتَكَلَّمَ. وَ كَانَ إذَا بَدَهَهُ أمْرَانِ نَظَرَ أيَّهُمَا أقْرَبُ إلى الْهوى فَخَالَفَهُ.

  • فَعَلَيْكُمْ بِهَذِهِ الْخَلائِقِ فَالْزَمُوهَا وَ تَنَافَسُوا فِيهَا؛ فَإنْ لَمْ تَسْتَطِيعُوهَا فَاعْلَمُوا إنّ أخْذَ الْقَلِيلِ خَيْرٌ مِنْ تَرْكِ الْكَثِير.3

  • و هذه الفقرة من كلام أمير المؤمنين شبيهة بكلام رسول الله صلّى الله عليه و آله القائل:

  • وَ مَا أمَرْتُكُمْ بِهِ فَأتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ.4

    1. أورده في نسخة نهج البلاعة للملّا فتح الله بلفظ« و ليثٌ غادٍ» أي: غاضب مُسرع، و قال: و قد رُوي أيضاً بلفظ« و ليثٌ عادٍ» بالعين المهملة المشتقّة من عدد، و قد رواه ابن أبي الحديد أيضاً بالعين المهملة. أمّا في« شرح نهج البلاغة» لابن ميثم البحراني و لمحمّد عبده فقد روياه بلفظ« ليثُ غابٍ».
    2. ورد في نسخة ابن ميثم و ابن أبي الحديد و الملّا فتح الله و شرح الخوئي الذي أتمّه الكمرهاي:« و كان إذا غُلِبَ على الكلام لم يُغْلَبْ على السكوت»؛ أمّا في شرح النهج لمحمّد عبدة فقد أورد هذين الفعلين على صيغة المعلوم:« و كان إذا غَلَبَ على الكلام لم يَغْلِبْ على السكوت». إلّا أنّ الرواية الأولى أنسب.
    3. «شرح نهج البلاغة» عبدة، طبع مصر، المجلّد الثاني، ص 205 و 206.
    4. أورد الغزاليّ هذا الحديث في« إحياء العلوم» الباب العشرين، من آفات اللسان، المجلّد الثالث، ص 141. و أصل الحديث:« ذروني ما تركتكم فإنّما هلك مَن كان قبلكم بكثرة سؤالهم و اختلافهم على أنبيائهم، ما نهيتُكم عنه فاجتنبوه و ما أمرتُكم به فأتوا منه ما استطعتم». و قال زين الدين العراقيّ في هامش الصفحة في كتاب« المغني عن حمل الأسفار في الأسفار»: و هو تخريج قام به لأحاديث إحياء العلوم: هذا الحديث متّفق عليه من طريق أبي هُريرة.

معرفة المعاد ج۲

60
  • و يُستنتج من مجموع هذه المطالب التي ذُكرت في شأن أولياء الله أنهم أفراد أوكلوا كلّ ثرواتهم الوجوديّة إلى الله سبحانه و صاروا في مرتبة التسليم الكلّيّ، و فوّضوا إليه تعالى وجودهم و اختيارهم حقّاً، فصاروا في هذه المرتبة و الدرجة مصونين من جميع الحالات التي تعتري الشخص المحتضر، كما صاروا في أمان من جميع مراحل السؤال و عذاب القبر و العرض و عذاب يوم القيامة.

  • معيّة أتباع أولياء الله لهم

  • المطيعون لأولياء الله يتّحدون معهم

  • و يلزم هنا بيان نكتة مهمّة، و هي إنّ الذين يطيعون أولياء الله يصيرون في زُمرتهم، و يُصرف عنهم عذاب القبر أيضاً. و قد ورد في الآيتين 69 و 70 من سورة النساء:

  • وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ الرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَداءِ وَ الصَّالِحِينَ وَ حَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً* ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَ كَفى بِاللَّهِ عَلِيماً.

  • و هاتان الآيتان تبعثان كثيراً على البهجة و الأمل في قلوب الناس، بأنهم و إن لم يُدركوا مرتبة الولاية الإلهيّة، إلّا أنهم يجدون المعيّة مع أولياء الله بطاعتهم لهم، كما أنهم سيُحشرون معهم و يصبحون جلساءَهم و مصاحبيهم. فما هو السرّ في هذا الأمر؟

معرفة المعاد ج۲

61
  • السرّ في ذلك إنّ معنى إطاعة المطيع للآمر المُطاع يتمثّل في تنصّل المرء من إرادته في العمل الذي أوكل إليه، فلا اختيار له فيه و لا إرادة، بل إنّ إرادة الآمر و اختياره قد حلّا محلّها، و هذا هو معنى الطاعة.

  • فالطفل- مثلًا- حين يطيع أباه، فإنه يُصغي إلى كلّ ما يقوله له ثمّ يعمل وفقاً له، و للطفل اختيارات في مأكله و مشربه و ملبسه و محلّ استراحته و لعبه مع أترابه كثيراً ما تؤدي إلى الإضرار به أو إلى هلاكه، فهو بطاعته لأبيه يتخلّى عن إرادته و اختياره لتحلّ إرادة الأب و اختياره بدلهما، فيُقال عندئذٍ إنّ للأب مقام الولاية و للطفل مقام الطاعة.

  • كما إنّ الطفل حينما يذهب إلى المدرسة فإنّه يضع نفسه، في جميع حالاته و حركاته و سكناته تحت اختيار و إرادة استاذه، فيتعلّم تحت إشرافه.

  • و مع إنّ الطفل يرغب في جميع الأحوال باللعب و العبث و العدو خلف رفيقه و في تناول الحلويّات، فهذا هو اختياره، إلّا إنّ استاذه يقيّده بالجلوس في الصفّ فيقوم بتعليمه، و على الطفل في جميع هذه الحالات أن يطيع أمره، فيقوم عوضاً عن إرادة اللعب و تناول الحلوى بإرادة كتابة ما يُعهد إليه و بالقراءة و المطالعة.

  • كما إنّ مَن يطيعون الله و رسوله قد استبدلوا و نفّذوا في أذهانهم إرادة الله و رسوله بدل إرادتهم و اختيارهم في جميع امور المعاش و المعاد، في الامور الفرديّة و الاجتماعيّة، و في امور العبادات و المعاملات.

  • و قد أثبتنا من جانب آخر إنّ أولياء الله هم اولئك الذين قدّموا لله كلّ ما يملكون، و غرقوا في الأسماء الكلّيّة و صفات الحضرة الأحديّة، فلا افتراق بينهم و بين خالقهم، اولئكم الذين لا نفس لديهم و لا إنّيّة و لا شخصيّة، كلّ ما هو موجود: الاندكاك في الأسماء الحُسنى و الصفات

معرفة المعاد ج۲

62
  • العُليا للخالق سبحانه. و ما هو موجود: الخالق المتصرّف في وجودهم.

  • اتّباع أولياء الله يستلزم اللحوق بهم

  • و لذلك فإنّ اولئك الذين يطيعون الله يصبح الله وليّهم، سيصبح النبيّون و الصدّيقون و الشهداء و الصالحون- الذين هم أولياء الله- أولياءَهم، لأنّ الله وليّهم. و ذلك لأنه ليس هناك بين الله و بين أوليائه تفاوت و لا افتراق من وجهة نظر الإنّيّة، و ليس هناك فاصل مميّز بينهم؛ و على هذا الأساس فإنّ الله هو وليّ المطيعين، و جميع أولياء الله سيكونون أولياءهم أيضاً. يقول الملائكة لهم:

  • نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ.1

  • و أساس بُرهان هذا المطلب إنّ ولاية الله أمرٌ واحد لا يقبل التعدّد، و ولاية أولياء الله هي في الحقيقة عين ولاية الله تعالى. يشهد على هذا المعنى إنّ الولاية قد حُصرت في بعض آيات القرآن الكريم بالذات المقدّسة للخالق سبحانه، كالآية 257 من سورة البقرة:

  • اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ.

  • و الآية 68 من سورة آل عمران:

  • وَ اللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ.

  • و كالآية 51 من سورة الأنعام:

  • لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَ لا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ.

  • و الآية 26 من سورة الكهف:

  • ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً.

  • و الآية 44 من نفس السورة:

  • هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وَ خَيْرٌ عُقْباً.

    1. الآية 31، من السورة 41: فصّلت.

معرفة المعاد ج۲

63
  • كما نُسبت الولاية في بعض آخر من الآيات مع الله سبحانه سواه و اثبتت للنبيّ و أمير المؤمنين عليهما السلام و بعض المؤمنين الحقيقيّين المخلصين؛ كما في الآية 55 من سورة المائدة:

  • إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا. الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ.

  • و قد وردت الروايات المتظافرة من الشيعة و العامّة إنّ هذه الآية نزلت في شأن أمير المؤمنين عليه السلام:

  • و كالآية 6 من سورة الأحزاب:

  • النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ أَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ.

  • و الآية 71 من سورة التوبة:

  • وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ.

  • و علّة ختم النبيّ و أمير المؤمنين و بعض المؤمنين في مقام الولاية الكلّيّة الوحدانيّةُ الإلهِيّة هو ما ذكرناه؛ و مع وجود وحدة الولاية الإلهِيّة مع ولاية هؤلاء، فلن يوجد هناك انثلام و انشقاق في الأمر.

  • و هكذا فإنه تبعاً للآية التي تُلحق المطيعين بأولياء الله من النبيّين و الصدّيقين و الشهداء و الصّالحين، فإنّ جميع الشيعة و الأتباع سيُلحقون بأوليائهم و سيكونون في أمان من المؤاخذة و من سكرات الموت و مَهولات العوالم بعده.

  • و الحقّ إنّ هذا المعنى يبعث على غبطة الشيعة و الأتباع الحقيقيّين من أنهم بالرغم من عدم وصولهم جميعاً إلى مقام الأسماء و الصفات الكلّيّة الإلهيّة، و عدم طيّهم لمراحل عالم التجرّد و المعنى، و عدم انكشاف الحُجب الغيبيّة لهم، و بالرغم من عدم ارتباطهم بالملائكة المقرّبين و الأرواح الطيّبة لمنزّهي العالم، و عدم مشاهدتهم للجنّة و مقاماتها

معرفة المعاد ج۲

64
  • و منازلها؛ إلّا إنّ عليهم الابتهاج في أنهم قد خطوا خطوات راسخة في مقام التشيّع و الطاعة، فإنّ طاعتهم هذه ستجعلهم يلتحقون بأوليائهم و توصلهم إليهم و تجعلهم يأمنون الأخطار و المحن و يتنعّمون في ظلّ ولاية أوليائهم.

  • و الأمر كذلك في الامور الاعتباريّة، فقد ورد في روايات كثيرة عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام أن أطعِموا خدمكم و جواريكم ممّا تأكلون و ألبِسوهم ممّا تلبسون، و أجلسوهم معكم في طعامكم و على موائدكم، فإنّ الله سبحانه لا يحبّ أن يكون لربّ البيت طعام خاصّ و لخدمه طعام آخر، أو أن يعيش السيّد في غرفة فخمة فاخرة و يعيش هؤلاء في محلّ وضيع، أو أن يرتدي السيّد الملابس الفخمه و يلبسون البسيط من اللباس. لقد كان نبيّنا صلّى الله عليه و آله و الأئمّة الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين يعيشون على هذا النحو1 و كان الإمام على بن موسى الرضا عليه السلام يُجلس معه جميع مماليكه على مائدته فيجلسون على فراش واحد و على أرضٍ واحدة و يتناولون طعاماً واحداً.2

    1. أورد الشيخ الطبرسيّ في« مكارم الأخلاق»، فصل« الدعاء عند اللبس»، ص 53 من الطبعة الحجريّة رواية مفصّلة عن مختار التمّار، عن أمير المؤمنين عليه السلام، و فيها إنّ الإمام ذهب مع غلامه قنبر إلى سوق الكرابيس فاشترى ثوبين، أحدهما بثلاثة دراهم و الآخر بدرهمين، فأعطى الذي بثلاثة إلى قنبر و لبس الذي بدرهمين، فقال قنبر: أنتَ أولى به، تصعد المنبر و تخطب الناس. قال: و أنت شاب و لك شرّة الشباب، و أنا أستحي من ربّي أن أتفضّل عليك. سمعتُ رسول الله صلّى الله عليه و آله يقول: ألْبِسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ وَ أطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأكُلُونَ. و قد ورد نظير هذا الحديث في ص 59 من هذا الكتاب.
    2. أورد في المجلّد 12 من« بحار الأنوار»، طبعة الكمباني في كتاب تاريخ الإمام عليّ ابن موسى الرضا عليه السلام، ص 26، عن كتاب« عيون أخبار الرضا»، عن جعفر بن نعيم بن شاذان، عن أحمد بن إدريس، عن إبراهيم بن هاشم، عن إبراهيم بن عبّاس، قال: ... حتّى يصل إلى قوله:
      و كان إذا خلا و نصبت مائدته أجلس معه على مائدته مماليكه حتّى البوّاب و السائس. و يروي في ص 29 عن« الكافي» عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد البرقيّ، عن عبد الله بن الصلت، عن رجل من أهل بلخ قال: كنتُ مع الرضا عليه السلام في سفره إلى خراسان، فدعا يوماً بمائدة له فجمع عليها مواليه من السودان و غيرهم، فقلتُ: جُعلتُ فداك لو عزلتَ لهؤلاء مائدة. فقال: مه إنّ الربّ تبارك و تعالى واحد و الامّ واحدة و الأب واحد و الجزاء بالأعمال.

معرفة المعاد ج۲

65
  • إنّ اولئك الخدم و المماليك لم يكن لهم مقام الإمام الرضا عليه السلام، لكنهم كانوا غلماناً مُطيعين، فأبى الإمام أن يَطْعَم طعاماً فلا يشركهم فيه.

  • و لو اتّفق تمرّد الغلام و تجرّأ فوثب أمام مولاه و ضرب أحد أطفال المنزل و اعتدى على ربّة البيت، لَعاقبه ربُّ البيت و لقيّده بالأغلال في زاوية البيت حتّى يثوب إلى عقله فيكفّ عن تمرّده و اعتدائه، و لَجَلده بالسوط كلّ يوم بعد نُصحه و توبيخه على مواجهته له و تمرّده عليه بدلًا من طاعته و الانقياد إليه، و على استبداده في عمله و نزوعه إلى الاستقلال و العصيان.

  • و مهما عمل هذا الغلام من الأعمال الصالحة فإنّ ذلك لن يشفع له أو يُجديه نفعاً، أي إنّ عمله لن يكون صالحاً إذا اقترن بتمرّده على مولاه و عصيانه له. أمّا الغلام و العبد المطيع و خادم المولى فإنّ المولى و الإمام يحبّه كنفسه.

  • الغلام المطيع يقول بلسان حاله: سيّدي! مولاي! ليس لي علمك، و ليس لي مالك و ثروتك، و ليس لي قدرتك و لا كمالاتك و فضائلك، لكنّني قدمتُ إلى هذا الفِناء لُاطيع، فليس لي إرادة و اختيار معك، بل

معرفة المعاد ج۲

66
  • الإرادة و الاختيار لك، و الحكم و الأمر اليك.

  • بندگانيم جان و دل بر كف***چشم بر حكم و گوش بر فرمان

  • گر سر صلح دارى اينك دل***ور سر جنگ دارى اينك جان 1

  • تماماً كمثل القصّة المشهورة لأياز و مولاه السلطان محمود الغزنوي التي سُطرت في التواريخ و الأمثال.

  • إنّ الشيعة الذين لا يدّخرون وسعاً في طاعة مواليهم، و الذين يتحلّون بلباس التقوى، و الذين هم أهل التفويض و التسليم. سيُلحقون بأئمتهم و سيُنعمون بالمرافقة معهم في جميع المنازل و المراحل.

  • و لقد أمرنا أئمّتنا أن نُطعم خدمنا و مطيعينا في الدنيا ممّا نأكل، فأنى لهم أن يحرموا هم أيضاً المخلصين و المطيعين لهم من النعم الإلهيّة التي يتمتّعون بها.

  • مَا هَكذا الظَّنُّ بِهِمْ وَ لَا الْمَعْرُوفُ مِنْ فَضْلِهِمْ وَ لَا مُشْبِهٌ لِما عَامَلُوا بِهِ الْمُحِبِّينَ وَ الْمُطِيعِينَ مِنْ مَوالِيهِمْ.

  • حضور الأئمّة عند احتضار أولياء الله و أصحابهم لهم إلى الجنة

  • إنّ إلحاق المطيعين بأولياء الله هو نصّ الآية القرآنية؛ كما ورد في مفاد روايات كثيرة في هذا الباب عن إنّ الاستار تزاح من أمام عين المؤمن أثناء سكرات الموت فتحضر أمامه الأرواح المقدّسة لرسول الله و أمير المؤمنين و الصدّيقة الكبرى و الحسنين و سائر الأئمّة عليهم السلام بصورهم المثاليّة و البرزخيّة فيقولون له: نحن رفقاؤك فتعال نذهب معاً لنسكن الجنان و لنعيش سويّاً في جميع الأحوال متصاحبين متجالسين في

    1. يقول:« نحن عبيدٌ، أرواحنا و قلوبنا على أكفّنا، عيونُنا ترقب الحُكم و آذانُنا الأمرَ و النداء.
      إن شئتَ صلحاً فهاك قلوبنا، أو شئتَ حرباً فهاك أرواحنا!»

معرفة المعاد ج۲

67
  • قصر واحد في مقام الأمن، مشغولين بالتطلّع إلى بعضنا في الجلوات الإلهيّة على سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (الآية 47 من سورة الحجر، و الآية 44 من سورة الصافّات)؛ و قد وردت روايات جمّة (كثيرة) في هذا الشأن بحيث فاقت حدّ الإحصاء.

  • و قد وَرَدتْ في المجلّد الثالث من كتاب «بحار الأنوار» للمرحوم المجلسيّ رضوان الله عليه- و هو في باب العدل و المعاد حيث خصّص نصفه لبحث هذه الموضوعات، وردت مئات الروايات المنقولة عن «الكافي» و «من لا يحضره الفقيه»، و «الأمالي» للشيخ المفيد، و «الأمالي» للشيخ الصدوق، و «الأمالي» للشيخ الطوسيّ، و «الاحتجاج» للشيخ الطبرسيّ، و «الدعوات» للراونديّ، و «جامع الأخبار»، و «محاسن البرقيّ»، و «الاختصاص» للشيخ المفيد، و «معاني الأخبار»، و «عيون أخبار الرضا» و غيرها، في إنّ المؤمن يتشرّف عند موته بلقاء أئمّته الذين يأخذونه معهم إلى الجنّة.

  • و قد نقلنا رواية في المجلس السابق، و ننقل اليوم أيضاً رواية أخرى، و ذلك لأننا إذا شئنا بيان جميع الروايات الواردة في هذا الشأن و البحث فيها لا نقضي شهر رمضان بأكمله و بقينا نبحث حول مسألة سكرات الموت فقط. يروي المرحوم الكلينيّ في كتاب «فروع الكافي» عن عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن سليمان، عن أبيه، عن سدير الصيرفيّ قال: قُلتُ لأبي عبدِ الله عليه السلامُ: جُعلتُ فداكَ يا بنَ رسولِ الله! هلْ يُكْرَهُ المؤمنُ على قبض رُوحه؟ قال: لا و اللهِ! إنّه إذا أتاهُ مَلَكُ الموتِ لقبضِ روحهِ جزعَ عند ذلك، فيقولُ له ملكُ الموتِ: يا وليّ الله لا تجزعْ، فو الذي بعثَ محمّداً صلّى الله عليه و آله لأنا أبَرُّ بِكَ وَ أشفقُ عليكَ من والدٍ رحيم لَو حضرك. افتحْ عينيك و انظر!

معرفة المعاد ج۲

68
  • قال: و يُمثّلُ له رسولُ الله صلّى الله عليه و آله و أمير المؤمنين و فاطمةُ و الحسنُ و الحسينُ و الأئمّةُ من ذرّيّتهم عليهم السلام، فيقول له: هذا رسولُ الله و أمير المؤمنين و فاطمةُ و الحسنُ و الحسينُ و الأئمّةُ عليهم السلام رفقاؤكَ.

  • قالَ: فيفتح عينَه فينظر فينادي روحَه منادٍ من ربِّ العزّةِ فيقول:

  • يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (إلَى مُحَمَّدٍ وَ أهْلِ بَيْتِهِ) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً (بِالوِلَايَةِ) مَرْضِيَّةً (بِالثَّوابِ) فَادْخُلِي فِي عِبادِي (يَعْني مُحَمَّداً وَ أهْلَ بَيْتِهِ) وَ ادْخُلِي جَنَّتِي. فَمَا شَيءٌ أحَبَّ إلَيْهِ مِنْ اسْتلَالِ روحِهِ وَ اللُّحُوقِ بِالْمُنَادِي.1

  • و قد وردت رواية في تفسير «العيّاشيّ» و هو من نفائس كتب الشيعة، و يعدّه البعض من أهل الفنّ أوثق و أكثر اعتباراً من كتاب «الكافي»، إلّا أنه و للأسف الشديد ليس في متناول اليد غير نصف هذا الكتاب فقط من أوّل القرآن إلى سورة الكهف، أمّا نصفه الآخر فلم يُعثر على نسخة منه في أي من المكتبات الموجودة. عن عبد الرحيم قال: قال أبو جعفر عليه السلام:

  • إنَّمَا أحَدُكُمْ حِينَ يَبْلُغُ نَفْسُهُ هَاهُنَا يَنْزِلُ عَلَيْهِ مَلَكُ الْمَوتِ فَيَقُولُ: أمَّا مَا كُنْتَ تَرْجُو فَقَد اعْطِيْتَهُ، وَ أمَّا مَا كُنتَ تَخَافُهُ فَقَدْ أمِنْتَ مِنهُ، وَ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إلى مَنْزِلِهِ في الْجَنَّةِ، وَ يُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إلى مَسْكَنِكَ في الْجَنَّةِ، وَ انْظُر هَذا رَسُولُ اللهِ وَ عليّ وَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ رُفَقَاؤُكَ، وَ هُوَ قَوْلُ اللهِ: الَّذِينَ ءَامَنُوا وَ كَانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرى في الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَ في

    1. «فروع الكافي»، كتاب الجنائز، باب:« أنّ المؤمن لا يُكره على قبض روحه»، الطبعة الحجريّة، ج 1، ص 35 و 36؛ و الطبعة الحيدريّة، ج 3، ص 127 و 128.

معرفة المعاد ج۲

69
  • الآخِرَةِ.1

  • و هذه الامور جميعاً نتيجة الطاعة، و هذا هو اللقاء و الرفقة و المعيّة في الوهلة الأولى، و سيُذكر بالترتيب إن شاء الله تعالى ما سيلقاه المؤمنون طوال عالَم البرزخ و القيامة.

  • معيّة أصحاب سيّد الشهداء عليه السلام له و قصّة جون العبد الحبشي

  • لقد وجد أصحاب سيّد الشهداء عليه السلام بأجمعهم المعيّة و المصاحبة له، حتّى ذلك الغلام الأسود، فقد كان لسيّد الشهداء عليه السّلام غلام اسمه جون كان مولى لأبي ذرّ الغفاريّ فوهبه للإمام، و كان له مهارة في إصلاح الأسلحة.

  • و ليلة عاشوراء كان الإمام جالساً في خيمته يترنّم بهذه الأبيات:

  • يَا دَهْرُ افٍّ لَكَ مِنْ خَلِيلِ***كَمْ لَكَ بِالإشْرَاقِ وَ الأصِيلِ

  • مِنْ صَاحِبٍ وَ طَالِبٍ قَتِيلِ***وَ الدَّهْرُ لَا يَقْنَعُ بِالْبَدِيلِ

  • وَ إنَّمَا الأمْرُ إلى الْجَلِيلِ***وَ كُلُّ حَيّ سَالِكٌ سَبِيلِ 2

  • و كان هذا الغلام مشغولًا بإصلاح سلاح الإمام، فبشّر الإمام أصحابه جميعاً أنهم سيكونون معه في العوالِم الأخرى. و لم يصدّق الغلام الأسود إنّ الله سبحانه سيحشره مع الإمام الحسين يوم القيامة. فقد كان عبداً يلفّه السواد من قمّة رأسه إلى أخمص قدميه، و كان في لسانه لكنة، و كان ينتمي إلى بلد آخر، و لم يكن له قوام متناسب، و كانت شفتاه غليظتين كبيرتين و شعر رأسه مجعّد خشناً. إلّا إنّ هذه الامور ستُزال جميعاً، فهناك في عالم المعنى اتّحاد للأرواح، هناك حيث يُزال عنه السواد، فيُلبس لباساً

    1. «بحار الأنوار»، طبعة الآخوند، المجلّد السادس، ص 177 و 178.
    2. «الإرشاد» للمفيد ص 251؛« اللهوف» الطبعة الحجريّة، ص 71؛ و« مقتل سيّد الشهداء» للسيّد عبد الرزاق المقرّم؛ و أضاف في اللهوف نصف البيت هذا: مَا أقْرَبَ الْوَعْدَ مِنَ الرَّحِيلِ.

معرفة المعاد ج۲

70
  • أبيض، و يصبح بدنه أبيض برّاقاً كاللُّجَيْنِ.

  • و لقد قدموا ليلة الحادي عشر من المحرّم ليفصلوا باقي الرءوس عن أجسادها، فرأوا إلى جانب القتلى بدناً ملقى يلمع كالفضّة (لا يوجد هذا لا في «مقتل المقرم» و لا في «ابصار العين في أنصار الحسين عليه السلام») و الرائحة العطرة تتصاعد فوّاحة منه، رائحة لم تُصافح أنفاسهم قبلُ كمثلها، كان هو بدن ذلك الغلام الأسود، فقد كان أسودَ فصار أبيض فضّيّاً، و صارت رائحته زكيّةً عطرة، فقد الحق بمولاه المُطاع سيّد الشهداء عليه السلام.1

  • لحوق فضّة و سلمان بأهل البيت عليهم السلام

  • كيف الحقت فِضَّةُ خادمة الزهراء سلام الله عليها بمولاتها فشملتها سورة «هَلْ أَتى» التي نزلت في شأن أهل البيت؟

  • و كذلك سلمان الفارسيّ الذي الحق أثر الطاعة و التسليم لأهل بيت رسول الله بهم، فقال عنه النبيّ سَلْمَانٌ مِنَّا أهْلِ الْبَيْتِ.

  • و لدينا باب في المعارف باسم: باب اللحوق؛ في إنّ الأرواح المتجانسة تلتحق ببعضها، سواءً في ذلك الأرواح التي تُساق إلى الجنّة، أو التي تُساق إلى النار.

  • و لقد الحق أصحاب سيّد الشهداء عليه السلام بمولاهم أيضاً، فكانوا يتسابقون يوم عاشوراء بمنتهى التسليم و صفاء الباطن فيفدون أرواحهم لمولاهم.

  • و لقد أدركوا جميعاً درجة معيّتهم للإمام: الَّذِينَ آمَنُوا وَ كانُوا

    1. مقتل المقرّم ص 289؛ و ينقل عن مقتل« العوالم» ص 88 أنّ الإمام كان قد دعا له: اللّهمَّ بَيِّضْ وَجْهَهُ، وَ طَيِّبْ ريحَهُ، وَ احْشُرْهُ مَعَ مُحَمَّدٍ صلّى الله عليه و آله، وَ عَرِّفْ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ آلِ مُحَمَّدٍ صلّى الله عليه و آله. فكان كلُّ من يمرّ بالمعركة يشمّ منه رائحةً طيّبة أذكى من المِسك.

معرفة المعاد ج۲

71
  • يَتَّقُونَ.

  • و لقد رحلوا جميعاً ملبّين نداء ذلك المنادي، و أي منادٍ؟ ذلك الذي ينادي من قبل الربّ سبحانه:

  • إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَ لا تَحْزَنُوا وَ أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ.

  • و لم يكن لديهم خوف و لا حزن، فقد نسوا الأزواج و الأولاد و المِلك و التجارة و الوطن، نسوا كلّ ما كان لديهم.

  • قال برير: أين أنصرف؟!! و تكلّم حبيب، و تكلّم أولاد عقيل، و تكلّم الإخوة، و كانوا جميعاً عشّاقاً للقتل فداءً لابن رسول الله.

  • لِلّهِ دَرُّهُمُ مِنْ فِتْيَةٍ صَبَرُوا***مَا إنْ رَأيْتُ لَهُمْ في النَّاسِ أمْثَالًا

  • كيفيّة تجلّي صفات الله في أوليائه

  • و ما أجمل ما أنشد الشاعر:

  • داديم به يك جلوة رويت دل و دين را***تسليم تو كرديم هم آن را و هم اين را

  • ما سير نخواهيم شد از وصل تو آرى***لب تشنه قناعت نكند ماءِ معين را

  • مىديد اگر چشم ترا لعل سليمان***مىداد در اوّل نظر از دست نگين را

  • در دايرة تاجوَران راه ندارد***آن سر كه نسائيده به پاى تو جبين را 1

    1. يقول:« فدينا لإشراقةٍ واحدة لطلعتك القلبَ و الدين كليهما، و سلّمنا إليك طوعاً هذا و ذاك.
      لن نرتوي قطّ من وصالك يوماً، فالشفة الظمئي لا تقنع بالماء المعين وحده. لو شاهدت عينيك ياقوتة سليمان، لأعطاك فصّ خاتمه من النظرة الأولى.
      و لن يجد إلى دائرة الملوك ذوي التيجان سبيلًا، رأسٌ لم يُمرّغ جبينه على قدميك.»

معرفة المعاد ج۲

72
  • أبدع في شعره حين قال:

  • أى حمد تو از صبح أزل همنفس ما***كوتاه ز دامان تو دست هوس ما

  • با قافلة كعبة عشقيم كه رفته است***سرتا سر آفاق صداى جَرس ما

  • در پاى تو آلوده لب از مى چه بيفتيم***رانند ملائك به پَرِ خود مگس ما 1

    1. يقول:
      « يا من تردّد مديحُك منذ صبح الأزل مع أنفاسنا، و كانت أوهامنا تقصر عن نيل فضل ردائك.
      لقد طبّق الآفاق صوت جرسنا المتصاعد مع قافلة العشق الراحلة.
      و لو تهاوينا على أقدامك بشفاهنا المدنّسة بالخمر، لَطَرَدَتْ ذُبَابَنَا، بأجنحتها الملائكةُ.»

معرفة المعاد ج۲

74
  •  

  •  

  • الْمَجْلِسُ العَاشِر: الْحاق المؤمِنينَ بِاوْلِياءِ اللهِ وَ المُنْكرينَ بِاوْلِيَاءِ الشَّيْطان

  •  

  •  

معرفة المعاد ج۲

76
  •  

  •  

  • بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

  • (مطالب القيت في اليوم العاشر من شهر رمضان المبارك)

  • الحمد لله ربّ العالمين و لا حول و لا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم

  • و صلّى الله على محمّد و آله الطَّاهرين

  • و لعنة الله على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين

  • قال اللهُ الحكيم في كتابه الكريم:

  •  

  •  

  • يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ وَ يُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ، وَ يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ* أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ* جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَ بِئْسَ الْقَرارُ.1

  • إنّ الدنيا التي نعيش فيها دنيا امتزج بها الحسن و السيّئ، و هناك أفراد في هذه الدنيا امتزج فيهم الحسن و السيّئ فلم يتميّزا من الوجهة الظاهريّة، إلّا إنّ البواطن تختلف و تمتاز عن بعضها. فهناك البعض ممّن لهم باطن حسن، بينما البعض الآخر لهم باطن سيّء؛ و كما إنّ باطن البعض يغلب على ظاهرهم، بينما ظاهر البعض الآخر يغلب على باطنهم. و هناك البعض الآخر ممّن تتساوى لديهم الحسنات و السيّئات. و يمكن أن تتغيّر

    1. الآيات 27 إلى 29، من السورة 14: إبراهيم.

معرفة المعاد ج۲

77
  • البواطن إثر الأعمال الصالحة أو الأعمال السيّئة، فيصبح الباطن الحسن سيّئاً و يصير الباطن السيّئ حسناً، كمثل الفاكهة التي يتسرّب التلف إلى بقعة صغيرة فيها، فإذا ما استؤصلت تلك البقعة بقيت الفاكهة سالمة، و إلّا سرى التلف إلى جميع الفاكهة فأتلفها.

  • لحوق الحسنات و السيّئات عند التجرّد و الموت بأصلهما

  • إنّ الأفراد الذين يمتلكون باطناً جيّداً هم الذين قد آمنوا بالله و عمروا باطنهم إلى حدٍ ما بالأعمال الصالحة و ذلك باتباع رسول الله، إلّا إنّ من الممكن أن تصدر منهم أعمالًا قبيحة أحياناً. كما إنّ الأفراد الذين يمتلكون باطناً سيئاً قد أشركوا و كفروا و انهمكوا بالفسق و الفجور، إلّا إنّ من الممكن أيضاً أن تصدر منهم أعمالًا حسنة أحياناً. فما الذي ستكوّنه عاقبة هاتين المجموعتين يا ترى؟ و هل سيأخذون معهم عند رحيلهم من هذه الدنيا هذه الأعمال الحسنة و الأعمال السيّئة بشكل منفصل؟ و ما الذي سيكون عليه مقامهم و منزلتهم؟

  • أوْ هَلْ إنّ عالم ما بعد الموت هو الآخر عالم تمتزج فيه الحسنات و السيّئات؟ أو تمتزج هناك الحسنات و السيّئات، المعصية و التقوى، النور و الظلمة، السعادة و الشقاء مع بعضها فتتحرك سويّاً في مصافّ بعضها؟ أم إنّ العالم هناك عالم يمثلّ السعادة و النور المحضينِ، فهو جنّة و فرح و محض لذّة للصادقين، لا غلّ و لا غشّ و لا كدر فيه أبداً؛ و سيكون كمصداق للآية من سورة الأعراف:

  • وَ نَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ.

  • و للآية 47 من سورة الحجر:

  • وَ نَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ.

  • أو أنه ظُلمة محضة و كدر و غلّ محض و شقاء لا يشوبه سعادة للخاسرين و الضالّين و المسيئين.

معرفة المعاد ج۲

78
  • إنّ الناس السعداء و الأشقياء ليسوا منفصلين عن بعضهم في الدنيا، بل إنّ السعادة الكاملة و الشقاء الكامل ليسا مشهودين في كلّ واحد من أفراد الناس، بل إنّ ذلك شيء يتعلّق بما سيفعلونه بمرور الأيّام، و بالمبدأ الذي سينزعون إليه مستقبلًا، و بما ستكون عليه عاقبتهم في الختام؛ أ للسعادة سيذهبون أم للشقاء؟

  • و ما دام الإنسان يعيش في عالم التكليف، و ما دام مشرّفاً من قبل الخالق بهذا الشرف، فإنّ احتمال السعادة و الشقاء سيكون وارداً بالنسبة له، و لن يكون بمقدور أحد أبداً أن يعدّ نفسه من السعداء أو من الأشقياء.

  • إنّ الحسنات و السيّئات، و الإلهامات الربّانيّة و الخواطر الشيطانيّة ممتزجة في داخل الأفراد، فهناك معجون من أجزاء هذه المتضادّات في نفس كلّ فرد. و بغضّ النظر عن هذا فإنّ أفراد البشر يعيشون في الدنيا على أساس من الحياة الماديّة، فيأنسون ببعضهم البعض، و يعيشون في بيت واحد. و ما أكثر ما جلس الأفراد الأشقياء و السعداء على مائدةٍ واحدة، باطن أحدهم ظلمة محضة و باطن الآخر نورٌ صرف؛ يميل باطن أحدهم إلى الإنفاق و الإيثار، و ينزع باطن الآخر إلى البُخل و الإمساك.

  • و لأنهم محدودون في هذه الدنيا، و لأنّ الظاهر له الغلبة على الباطن، و لأنّ حواس الإنسان من الذوق و الشمّ و السمع و البصر و اللمس هي وسيلة ارتباط الإنسان بهذا العالم، فإنّ الإنسان يتمكّن فقط من إدراك الظاهر، في حين تخفى عليه البواطن و النوايا و السرائر.

  • أمّا عند الارتحال و الموت، و حين يستعدّ الإنسان للهجرة و الرحيل، فإنه يوضع في محكّ يفصل الحسنات عن السيّئات، و بمجرّد أن يصل الإنسان إلى نقطة الموت و يفقد فيها اختياره و إرادته الدنيويّة، فإنه سيواجه هناك أمّا عالم الخير المحض أو عالم الشرّ المحض، فهو إمّا

معرفة المعاد ج۲

79
  • سالك طريق الجنّة أو منكفئ في طريق النار، و ليس هناك من معنى للشكّ و الاختلاط بعد عالم الموت.

  • و بواسطة ذلك المحكّ الإلهي فإنّ حسنات كلّ امرئ ستتّجه إلى عالم الحسنات، في حين تتحرّك سيّئاته إلى عالم السيّئات.

  • ذلك العالم هو عالم ظهور الخفيّات و بروزها، و هو عالم كشف البواطن و السرائر، تذهب فيه البواطن الحسنة إلى الجنّة، و البواطن السيّئة إلى جهنّم، فيزول هذا الاختلاط و الامتزاج بين الحسنات و السيّئات. هناك عالم تتجمّع فيه الحسنات إلى بعضها، و السيّئات إلى بعضها، فهي تتجزّأ عن بعضها كما يحصل في تجزئة الماء و تحلّله إثر مرور شرارة كهربائيّة إلى غازين مختلفي الهويّة.

  • فهذا الغازان ما كانا منفصلين عن بعضهما، إلّا أنهما فُصلا في شروط معيّنة إثر مرور الشرارة التي جعلت أحد الغازين يتّجه إلى قطب، و الآخر المختلف عنه في هويّته و جنسه إلى قطب آخر.

  • إنّ الشخص الجميل الذي له ظاهر ملوّث في الدنيا، ملابسُهُ قذرة و بدنه متّسخ و وجهه مغطّى بغبار الفحم، فإنه بالنظر إلى جمال شمائله و حسن شكله الحقيقيّ ينبغي أن يؤخذ فيُغسل في الحمام و تُزال عنه الأدران و الكدورات و تُبدّل ملابسه لتتشخّص حقيقته جهاراً و عياناً.

  • كما إنّ هناك أشخاصاً قبيحي المنظر مُنفري السّحنة، إلّا أنهم زيّنوا أنفسهم بزينات مختلفة و احتلّوا مكان الجميلين و سيمي الطلعة. أولئك أيضاً سيؤخذون إلى الحمّام فتغسل الزينة ليظهر شكلهم الواقعيّ على حقيقته، ثم يُقال لهم: اذهبوا إلى من يُماثلونكم.

  • إنّ الأفراد الذين أحيوا باطنهم و عمروه بالإيمان بالله و العمل الصالح، و الذين تجمّلوا بالجمال الإلهيّ سيكون مكانهم الجنّة، لأنّ باطنهم

معرفة المعاد ج۲

80
  • جميل و حسن، و الباطن مركز ترشّح العواطف و الأحاسيس الإنسانيّة، كالمروءة و العدل و العبوديّة لله سبحانه؛ بَيْدَ إنّ ظاهر هؤلاء قد تلوّث و تدنّس بسبب المعاصي التي بدرت منهم أحياناً، إلّا إنّ هذه المعاصي لم تسرِ إلى الباطن بل شملت الظاهر وحده، لذا فإنّ أمثال هؤلاء يجب أن يُغسلوا. و هكذا فإنهم يطهرون و ينزّهون بواسطة المشاكل التي يواجهونها في الدنيا، و بالمصائب التي ترد عليهم، و بظهور الأمراض، و بسكرات الموت و قبض الروح، و مجيء منكر و نكير؛ و حين يطهرون فإنهم سيذهبون فيلتحقون بالأطهار.

  • أمّا اولئك الأفراد الذين تدنّس باطنهم في الدنيا بالشرك و الكفر، و الذين أفسدوا ذلك الباطن و أتلفوه بالعمل السيّئ و بالاعتداء على حقوق الناس و التعدّي على حريم الله سبحانه، ثم جمّلوا ظاهرهم أحياناً ببعض الأعمال الحسنة، إلّا إنّ هذه الزينة لم تتمكّن من النفوذ إلى باطنهم لتصلحه، فإنّ هذا الحجاب الظاهري و هذا الستار سيُزاح جانباً بلذّة مؤقته و نعمة سريعة الزوال، أو بامتحان بسيط يمرّون به، فيبرز باطنهم الملوّث بصورته الحقيقيّة و يُقال لهم: اذهبوا فالتحقوا بالملوّثين.

  • ذرّه ذرّه كاندرين أرض و سماست***هر يكى همجنس خود را كهرباست

  • نوريان مر نوريان را طالبند***ناريان مر ناريان را جاذبند 1

    1. يقول:« إنّ كلّ ذرّة في باطن الأرض أو في السماء ستجذب أمثالها في الجنس كالمغناطيس.
      فأهل النور يسعون إلى أمثالهم، و أهل النار يجذبون أشباههم.»

معرفة المعاد ج۲

81
  • انفصال الحسنات عن السيّئات عند التجرّد و الموت و لحوق كلّ منها

  • لحوق الذنب بأصله و الطاعة بأصلها

  • إنّ المؤمن الذي زيّن باطنه بالإيمان و لوازمه، و الذي قد يحدث أن يتلوّث ظاهره بالمعصية أحياناً، ستنفصل عنه المعصية بشرارة كهربائيّة ملكوتيّة تتّصل به، فيحلّق ذلك الباطن الجميل الحسن إلى محلّه الحقيقيّ في مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ.1

  • كما إنّ الكافر الذي زيّن ظاهره ببعض الأعمال الصالحة و الأخلاق الحميدة، إلّا إنّ باطنه فاسد متعدٍّ متجاوز، سيمرّ هو الآخر بامتحان تسلّط عليه فيه شرارة كهربائيّة ملكوتيّة للتجزئة و التحليل، فينهار ظاهره و يتحرّك باطنه إلى محلّه و مستقرّه.

  • و خلاصة الأمر فإنّ كلّ صفة ستعود بعد التجزئة و الامتحان إلى أصلها، تماماً كما يحدث حين يحرق الحطب المركّب من المواد الترابيّة و الموادّ الناريّة، فتتحرّك النار صوب مبدأه أي الشمس، و يعود الرماد إلى مبدأ، أي الأرض، بعد أن كانا ممتزجين متآلفين في الفحم و الحطب.

  • كُلُّ شَيءٍ يَرْجِعُ إلى أصلِهِ، أصل الجنّة الطهارة و النزاهة، و أصل جهنّم القذارة و الدَّنَس، و على المؤمن الذي يريد الذهاب إلى الجنّة أن يتخلّى عن جوانبه الظلمانيّة العارضة فيذهب دونها، و إلّا لما قدر على الذهاب.

  • كما إنّ على الكافر الذي يريد الحركة إلى جهنّم أن يترك جوانبه النورانيّة العارضة، و إلّا لما تمكّن من الحركة في ذلك الاتّجاه.

  • و هناك نكتة مهمّة أخرى يلزم ذكرها، و تستحقّ العناية و التأمّل، و هي إنّ مَن كان باطنه جميلًا حسناً فسعى- بالإيمان الحقيقيّ بالله تعالى2

  • معرفة المعاد ؛ ج2 ؛ ص81
    1. الآية 55: من السورة 54: القمر.
    2. حسينى طهرانى، سيد محمد حسين، معرفة المعاد، 10جلد، دار المحجة البيضاء - بيروت - لبنان، چاپ: 1، 1416 ه.ق.

معرفة المعاد ج۲

82
  • و بالتقوى و العمل الحسن- في حفظ هذا الباطن غضّاً حيّاً، فإنّ العمل القبيح الذي يبدر منه ليس قبيحاً في الحقيقة، بل إنّ له صورة قبيحة فقط.

  • و ذلك لأنّ باطنه الحسن لا يتقبّل هذا العمل و لا يسمح له بالاقتراب منه، فإذا ما بدر من المؤمن أحياناً عمل بسبب غضبه. و شهوته، متعمّداً كان أم غير متعمّد، فإنّ ذلك الباطن سيُبعد ذلك العمل عنه و يطرده باستمرار.

  • كما إنّ الشخص المتعدّي المتجاوز الذي ينزع باطنه إلى الدنيا، و الذي أفسد ذلك الباطن بعمله الغير مقبول فأدّى إلى فساده و تعفّنه، إذا ما صدر منه عمل حسن، فإنّ ذلك العمل ليس عملًا صالحاً، بل إنّ ظاهره حسن فقط، لأنّ باطن هذا الشخص لا يسمح له بفعل عمل حسن، و سيقوم ذلك الباطن باستمرار بإبعاد هذا العمل الصالح عنه رافضاً قبوله.

  • و إذا ما خضع العمل الحسن الذي يصدر من رجل خبيث الذات إلى منطق العقل و إلى واقع التجزئة و التحليل، فإنّ رائحة الرياء و التظاهر و دواعي الصيت و السُّمعة و الشُّهرة ستتصاعد منه فتزكم الانوف.

  • و حين يريد كلّ إنسان أن يرحل عن الدنيا، و حين يريد الله الحقّ أن يعيد كلّ موجود إلى أصله، فيأخذ الملكوت إلى الملكوت، و العلّيّين إلى العلّيّين، و السجّين إلى السجّين، فإنّ عالم الحقّ و الحقيقة سيظهر و حجاب الاعتبار سيُهتك و يُزاح جانباً، فيُساق أهل الجنّة إلى الجنّة و يوضع كلّ منهم في درجته الخاصّة، و يُساق أهل جهنّم إلى جهنّم و يوضع كلّ منهم في الدرك الخاصّ به، ثم يُصار إلى تجزئة الإنسان بالمحكّ الملكوتيّ و الشرارة الكهربائيّة الربّانيّة، فتذهب الحسنات إلى جهة و السيّئات إلى أخرى، و تتحرّك الحسنات العارضة إلى الحسنات الذاتيّة الثابتة، في حين تتحرّك السيّئات العارضة صوب السيّئات الذاتيّة.

معرفة المعاد ج۲

83
  • يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ.1

  • تقول الآية 37 من سورة الأنفال:

  • لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَ يَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ.

  • و من جانب آخر، و بالملازمة، فإنّ الطيّب سيُجعل بعضه على بعض فيُريكم جميعاً فيُجعل في الجنّة.

  • رُوي في كتاب «علل الشرايع» رواية مفصّلة عن أبي إسحاق إبراهيم الليثيّ، عن الإمام أبي جعفر محمد الباقر عليه السلام في طينة المؤمن و المنافق و أعمال المؤمنين و المعاندين، إلى قول الإمام عليه السلام:

  • إحتجاج الإمام الباقر على إبراهيم الليثيّ في لحوق المؤمنين و المنكرين باصولهم

  • احتجاج الإمام الباقر عليه السلام على إبراهيم الليثيّ

  • أخْبِرْنِي يَا إبْرَاهِيمُ عَنِ الشَّمْسِ إذَا طَلَعَتْ وَ بَدَا شُعَاعُهَا في الْبُلْدَانِ، أ هُوَ بَايِنٌ مِن الْقُرصِ؟

  • قُلْتُ: في حَالِ طُلُوعِهِ بَايِنٌ.

  • قَالَ: أ لَيْسَ إذَا غَابَتِ الشَّمْسُ اتَّصَلَ ذَلِكَ الشُّعَاعُ بِالْقُرْصِ حتّى يَعُودُ إلَيْهِ؟

  • قُلْتُ: نَعَمْ.

  • قَالَ: كَذَلِكَ يَعُودُ كُلُّ شَيءٍ إلى سِنْخِهِ وَ جَوْهَرِهِ وَ أصْلِهِ؛ فَإذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَزَعَ اللهُ تعالى سِنْخَ النَّاصِبِ وَ طِينَتَه مَعَ أثْقَالِهِ وَ أوْزَارِهِ مِنَ الْمُؤمِنِ فَيُلْحِقُهَا كُلَّهَا بِالنَّاصِبِ؛ وَ يَنْزِعُ سِنْخِ الْمُؤمِنِ وَ طِينَتَهُ مَعَ حَسَنَاتِهِ وَ أبْوَابِ بِرِّهِ وَ اجْتِهَادِهِ مِنَ النَّاصِبِ فَيُلْحِقُهَا كُلَّهَا بِالْمُؤمِنِ.

    1. الآية 98، من السورة 11: هود.

معرفة المعاد ج۲

84
  • أ فَتَرَى هَاهُنَا ظُلْمَاً وَ عُدْوَانَاً؟

  • قُلْتُ: لَا، يَا بْنَ رَسُولِ اللهِ.

  • قَالَ: هَذَا وَ اللهِ الْقَضَاءُ الْفَاصِلُ وَ الْحُكْمُ الْقَاطِعُ وَ الْعَدْلُ الْبَيِّنُ، لَا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ.

  • هَذَا يَا إبْرَاهِيمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ، فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ؛ هَذا مِنْ حُكْمِ الْمَلَكُوتِ.

  • قُلْتُ: يَا بْنَ رَسُولِ اللهِ، وَ مَا حُكْمُ الْمَلَكُوتِ؟

  • قَالَ: حُكْمُ اللهِ وَ حُكْمُ أنْبِيائِهِ وَ قِصَّةِ الْخِضْرِ وَ موسى عَلَيْهِما السَّلَامُ حِينَ اسْتَصْحَبَهُ، فَقَالَ: إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً، وَ كَيْفَ تَصْبِرُ على مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً.

  • إفْهَمْ يَا إبْرَاهِيمُ وَ اعْقِلْ، أنْكَرَ موسى على الْخِضْرِ وَ اسْتَفْظَعَ أفْعَالَهُ؛ حتّى قَالَ لَهُ الْخِضْرُ: يَا موسى؟ مَا فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي، إنَّمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِ اللهِ تعالى، مَنْ هَذَا وَيْحَكَ يا إبراهيمُ قُرآنٌ يُتْلى وَ أخبارٌ تُؤْثَرُ عَنِ اللهِ تعالى مَن رَدَّ مِنْها حَرْفَاً فَقَدْ كَفَرَ وَ أشْرَكَ وَ رَدَّ عَلَى اللهِ تعالى.

  • قَالَ اللَّيثيّ: فَكَأنِّي لَمْ أعْقِلُ الآيَاتِ وَ أنَا أقْرَاهَا أرْبَعِينَ سَنَةً إلَّا ذَلِكَ الْيَوْمَ.

  • فَقُلْتُ: يَا بْنَ رَسُولِ اللهِ! مَا أعْجَبَ هَذا، تُؤخَذُ حَسَنَاتُ أعْدَائِكُمْ فَتُرَدُّ عَلَى شِيعَتِكُمْ؛ وَ تُؤخَذُ سَيِّئاتُ مُحِبِّيكُمْ فَتُرَدُّ على مُبْغِضِيكُمْ؟

  • قَالَ: أي وَ اللهِ الذي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ، فَالِقُ الْحَبَّةِ وَ بَارِئُ النَّسَمَةِ وَ فَاطِرُ الأرْضِ وَ السَّمَاءِ؛ مَا أخْبَرْتُكَ إلَّا بِالْحَقِّ، وَ مَا أنْبَئْتُكَ إلَّا الصِّدْقَ، وَ مَا ظَلَمَهُمُ اللهِ، وَ مَا اللهُ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ، وَ إنّ مَا أخْبَرْتُكَ لَمَوْجُودٌ في الْقُرءَانِ كُلَّهُ.

  • قُلْتُ: هَذا بِعَيْنِهِ يُوجَدُ في الْقُرآنِ؟

معرفة المعاد ج۲

85
  • قَالَ: نَعَمْ، يُوجَدُ في أكْثَرِ مِنْ ثَلاثِينَ مَوضِعَاً في الْقُرآنِ.1

  • مصائب المؤمن في الدنيا كفّارة ذنوبه، و لذّات الكافر فيها أجر حسناته

  • ورد في أخبار كثيرة إنّ المؤمن الذي يخلو قلبه من الغلّ و الغش و الإنكار، و الذي لا يتظاهر الرياء، و لا يجحد الحقّ إذا وعاه في أي أمر كان، و يقوم بفعل ما يتمكّن عليه من الخير، إذا ما بدر منه غفلة أو ذنب، فإنّ الله يؤدّبه عليه في الدنيا ببعض المحن الدنيويّة كالمرض و الدَّيْن و الفقر و أمثالها، فيُزيل عنه الذنب و يُبرأه منه، و هكذا فإنّ أي حمّى تصيب المؤمن ليست إلّا كفّارة ذنوبه. فما ذا تعني كفّارة الذنب؟ إنّها تعني تساقط و تهاوي ذلك الدَّنس الظاهريّ.

  • كما إنّ الكافر حين يلتذّ بأيّ لذّة في الدنيا فليست إلّا جزاء أعماله الحسنة التي فعلها، لأنّ الكافر لا يفعل شيئاً لله، بل هو لا يعرف الله و لا يُدرك معنى التقوى و التقرّب، و ليست الأعمال الحسنة التي تصدر منه إلّا من أجل النوايا و المقاصد الدنيويّة. لذا فإنّ الله سبحانه يؤجره عليها بأجر دنيويّ تبعاً لتلك النوايا و الأهداف، و ذلك بإعطاء المال و الجاه و أنواع النِّعَم التي يعطيه إيّاها جزاء عمله و مقابل حسناته.

  • لذا يموت هذا الكافر حين يموت و ليست لديه حسنة؛ فأيّ عمل سيتقاضى أجره من ربّه يا ترى؟ لقد عمل العمل الحسن في الدنيا للمقاصد

    1. «علل الشرايع»، الباب 385، نوادر العلل، الرواية 81، طبع المطبعة الحيدريّة في النجف سنة 1385، ص 606- 610، و سند الرواية هو: الصدوق عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن محمّد بن أحمد، عن أحمد بن محمّد بن السياريّ، عن محمّد بن عبد الله بن مهران الكوفيّ، عن حنان بن سدير، عن أبيه، عن أبي إسحاق إبراهيم الليثيّ، عن الإمام الباقر عليه السلام.

معرفة المعاد ج۲

86
  • الدنيويّة ثمّ نال القصد و النتيجة الدنيويّة.

  • أمّا السيّئة و الذنب الذي يرتكبه المؤمن فهو خارج عن حدود وجوده، و منفصل عن إيمانه و هدفه السامي، لذا يبتلي الله سبحانه ذلك المؤمن باتبلاءات من أجل محو ذلك الذنب، فتصبح تلك الابتلاءات سبباً لتيقّظه و انتباهه، و هو معنى الكفّارة و محو الذنب.

  • و هكذا فإنّ المؤمن يموت فيتحرّك- باعتباره صاحب هدف سامٍ و التزام و مسؤولية أمام الأمر الإلهيّ- إلى ذلك المكان السامي، فقد جوزي على ذنبه الذي ارتكبه في هذه الدنيا، و تحمّل عقاباً بأنواع الابتلاءات بما يتناسب مع ذلك الذنب، فإنّه يحلّق إلى عالم القدس بريئاً طاهراً منزّهاً.

  • ظهور الشيطان محكّ فصل الحسنات عن السيّئات

  • ظهور الشيطان للمؤمن عند الموت و يأسه منه

  • ورد كثيراً في الروايات إنّ المؤمن حين يريد الرحيل عن الدنيا فإنّ الشيطان يأتي إليه فيحاول بمختلف الوسائل و الوعود و الآمال أن يزلزله و أن يُصادر منه إيمانه، إلّا إنّ المؤمن الحقيقيّ يشخّصه جيداً فلا يقبل بوعوده و لا ينخدع بها أبداً.

  • يروي الكلينيّ في كتاب «الكافي»، عن عليّ بن محمّد بن بندار، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن محمّد بن عليّ، عن عبد الرحمن بن أبي هاشم، عن أبي خديجة، عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام.

  • قَالَ: مَا مِنْ أحَدٍ يَحْضُرُهُ الْمَوْتُ إلَّا وَكَّلَ بِهِ إبْلِيسُ مِنْ شَيْطَانِهِ أنْ يَأمُرَهُ بِالْكُفْرِ وَ يُشَكِّكَهُ في دِيِنِه حتّى تَخْرُجَ نَفْسُهُ، فَمَنْ كَانَ مُؤمِنَاً لَمْ يَقْدِرْ علَيْهِ، فَإذَا حَضَرْتُمْ مَوْتَاكُمْ فَلَقِّنُوهُمْ شَهَادَةَ أنْ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ وَ إنّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ صلّى الله عَلَيه وَ آلِهِ حتّى يَمُوتُ.1

    1. «فروع الكافي»، كتاب الجنائز، باب تلقين الميّت، الطبعة الحيدريّة، ج 3، ص 123، و الطبعة الحجريّة، ج 1، ص 34. و لكن حسب نقل« وسائل الشيعة» ج 2 ص 663 عن« الكافي» فقد ذكر بدل عبارة« شيطانه أن يأمره» عبارة« شياطينه مَن يأمره»، و ربّما كان هذا اللفظ أقرب للصواب.

معرفة المعاد ج۲

87
  • و من الواضح إنّ الشيطان يوسوس في باطن الإنسان و يتحكّم فيه عن طريق قوّة الخيال، فيجلّي له مناظر خلّابة جميلة، و يذكّره بسلسلة نوايا و خواطر نفسانيّة، لينصرف الإنسان عن محبّة لقاء الله و يغفل عن الدرجات و المقامات العلويّة و عن رضوان الله تعالى، و ليتعلّق قلبه من جديد بالدنيا و زينتها، فينفصم ميثاق ضميره مع الامور الأبديّة و الموجودات المجرّدة الروحانيّة، مثل الله و رسوله و الأئمّة خلفائه صلوات الله عليهم أجمعين، و ينعطف قلبه نحو امور الغرور و زخرف الدنيا و الآمال السابقة، ثمّ يقضي نحبه في هذه الحال التي التفت فيها إلى الدنيا و أقبل عليها.

  • أمّا المؤمن الذي أوكل قلبه إلى الأبديّة، و صار عاشقاً للقاء المحبوب، مولّهاً بمقام جماله و التطلّع إلى مظاهر الرحمة من النفوس القدسيّة الإلهيّة و الأرواح الطيّبة للمولّهين به، فأنى له الالتفات إلى هذه الوساسوس! فهو حين يرى جميع هذه المناظر الخدّاعة و وساوس الشيطان يرى أنها أحبولة خداع و شبكة صيد، فينظر إليها نظرة احتقار و نفور، و لا يعطف باطنه إليها أبداً، بل هو بكلّه في انتظار أمر الدخول و التحليق في سماء التوحيد المطلق و السير في أسماء و صفات الربّ الودود، و في تلك الحال التي يلتفت فيها بقلبه إلى تلك الأجواء فإنّ روحه تخلد في عالم الخُلد.

  • و بناءً على هذا الأمر فقد قال الصادق عليه السلام: إ ذَا حَضَرْتُمْ

معرفة المعاد ج۲

88
  • مَوْتَاكُمْ فَلَقِّنُوهُمْ شَهَادَةَ أنْ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ وَ إنّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه و آله حتّى يَمُوتُ. و ذلك لتقوية الميّت في هذا الجانب و لكسر صولة الشيطان.

  • و ينبغي أن لا يدخل في غرفة المحتضر جُنب، و أن يدخلها المرء على وضوء، و أن يُقرأ القرآن، و أن يقرأ فيها سورتي «ياسين» و «الصافّات» و دعاء «العديلة»، و أن تعطّر الغرفة لأنها محلّ نزول الملائكة الذين يستأنسون برائحة العطر، عكس الشياطين التي تهرب من العطر و من القرآن و من ذكر «بسم الله الرحمن الرحيم».

  • و بالطبع فإنّ مجيء الشيطان و وسوسته هو للامتحان الذي يميّز المطهّرين عن الملوّثين المدنّسين، و يميّز الإيمان المستقرّ الثابت عن الإيمان المستودع المُعار، و يجعل الكلم الطيّب يرفع إلى الخالق جلّ و علا.

  • تقول الآية 16 من سورة الحشر:

  • كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ.

  • إنّ الشياطين الذين خلقهم الله سبحانه هم محكّ لتمييز المدنّس من المطهّر، لذا فإنهم لم يُخلقوا عبثاً، بل خلقهم الله تعالى لمصلحة معيّنة، فالشيطان هو الموجود الذي يميّز الخبيث عن الطيّب.

  • إنّ جميع الناس، سعيدهم و شقيّهم، يريدون الذهاب إلى الله تعالى و الاستقرار في مقام الأمن، الفاسق منهم و العادل، المؤمن و الكافر، الصائن لحقوق الناس و القائم بها و المتعدّي و المتجاسر عليها؛ و هم جميعاً يرغبون في السكن في مقام الصدّيقين، فيأتي الشيطان و يمتحن الناس بمحكّه الخاصّ فيميّز الأشقياء عن السعداء. فالذين هم أهل الله لن

معرفة المعاد ج۲

89
  • يستجيبوا له و لن يُخدعوا به مهما دعاهم إلى الأباطيل، أمّا الذين لم يتعمّق الإيمان فيهم و ظلّ سطحيّاً تقليديّاً، فسرعان ما يرتدّون، و سرعان ما يجد خداع إبليس الطافح بالمكر و التلبيس منفذاً إلى قلوبهم.

  • لذا فإنّ الشيطان مأمور من جانب الله و مكلّف بوظيفته و واجبه، تماماً كمثل تلك الشرارة التي تحلّل الماء و تجزّأه إلى قسمين و مادّتين.

  • كما إنّ الشيطان يضحك بعد قيامه بواجبه و خداعه للناس ذوي المذهب القشريّ السطحيّ، فيقول: لقد أوقعتُكم في حبائلي جيّداً و أظهرتُ باطنكم و نشرتُ على الملأ تدنّسكم و عفونتكم المغطّاة المستترة. و هو معنى الآية الكريمة السابقة.

  • المؤمنون في الامتحان كالجبل الراسخ لا تحرّكه العواصف

  • إنّ الشيطان لا يظهر للإنسان اشمئزازه و نفوره في الوهلة الأولى، لأنّ الإنسان لا ينخدع به حينئذٍ، بل يقوم بإراءة الإنسان باب روضة غنّاء يانعة، و بإظهار الأخلاق و الفضائل و المعنويّات و طهارة الفكر و العدالة و عبوديّة الله كأمرٍ تافه غير ذي بال، و حين يخدع الإنسان فإنه يقول له آنذاك: أيها العبد الطائش، أيها الفرد الخالى من الالتزام و المسئوليّة، أيها الإنسان المجرّد من الوجدان و الهابط عن مرتبة الإنسانيّة، لقد كنتَ إنساناً لك مقام الإنسانيّة و شرفها، فانخدعتَ بخداعي أنا الشيطان و كفرتَ بربّك الرحيم و الحيّ العليم القدير الذي أوجدك من العدم و ربّاك بيده الحانية، و تخيلتَ الموجودات الوهميّة و الاعتباريّة إلهك، و وضعتَ محور أصالتك بناءً عليها، فاذهب فإنّ مكانك في الجحيم مأوى الكافرين؛ لكن ألْمُؤمِنُ كَالْجَبَلِ الرَّاسِخِ لَا تُحَرِّكُهُ الْعَوَاصِفُ.

  • يروي في «تفسير العيّاشي» عن صفوان بن مهران، عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال:

  • إنّ الشَّيْطَانَ لَيَأتِي الرَّجُلَ مِنْ أوْلِيَائِنَا (فَيَأتِيهِ) عِنْدَ مَوْتِهِ، يَأتِيهِ عَنْ

معرفة المعاد ج۲

90
  • يَمِينِهِ وَ عَنْ يَسَارِهِ لِيَصُدَّهُ عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ؛ فَيَأبَى اللهُ لَهُ ذَلِكَ وَ كَذَلِكَ قَالَ اللهُ «يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ».1

  • و القول الثابت هو التوحيد و الولاية، يثبت الله الذين آمنوا بهذا القول الثابت في الحياة الدنيا و في الآخرة.

  • و مراد الإمام من قوله «عَنْ يَمِينِهِ» الجوانب الإيمانيّة و المعنويّة، و «عَنْ يَسَارِهِ» الجوانب المادّية و الدنيويّة؛ أي إنّ الشيطان يرد من كلا الجانبين فيوسوس للإنسان من طريق الله و من طريق المادّة. و بناءً على هذا القول فهو حين يقول:

  • ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَ مِنْ خَلْفِهِمْ وَ عَنْ أَيْمانِهِمْ وَ عَنْ شَمائِلِهِمْ وَ لا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ.2 فإنّ المراد أيضاً من جانب اليمين و جانب الشمال سيكون هذا المعنى.

  • إنّ الذين آمنوا و استقرّ في وجودهم التوحيد العمليّ، أي الولاية، فإنّ الله و رسوله و الأئمّة سيكونون حافظيهم و صائنيهم، لذا فإنّ على الإنسان أن يكون دوماً على ثقة و أمل و رجاء، فلا لليأس إلى نفسه سبيلًا، و إذا ما بدر منه ذنب أحياناً غسله و طهّره بالتوبة و لم يترك ذلك الذنب يسري إلى باطنه، و إذا ما خالف لله أمراً تدارك عصيانه سريعاً، و إذا ما آذى أحداً أسرع بالاعتذار إليه، و إن أخذ مالًا لأحد أعاده إليه سريعاً، أو أجحف في حقّ أحد تدارك ذلك بلا تأخير، و هكذا في كلّ زلل يصدر منه فإنه يتلافاه و يصلحه، و لا يدع الذنوب تتراكم على بعضها فتنفذ من

    1. «تفسير العيّاشيّ»، ج 2، ص 225، طبع المطبعة العلميّة، قم.
    2. الآية 17، من السورة 7: الأعراف.

معرفة المعاد ج۲

91
  • الظاهر إلى الباطن فتدنّسه و تلوّثه، إذ سيعسر عند ذلك الأمر و يصعب.

  • يروي المرحوم الشيخ المفيد في «المجالس»، و الشيخ الطوسيّ في «الأمالي»، و عليّ بن عيسى الأربليّ في «كشف الغمّة»، و أبو جعفر محمّد ابن أبي القاسم الطبريّ في كتاب «بشارة المصطفى لشيعة المرتضى» روايةً باختلاف يسير في اللفظ، و نورد هنا عين عبارة «مجالس المفيد» و نشير في الهامش إلى مواضع الاختلاف:

  • قول أمير المؤمنين عليه السلام للحارث الهمدانيّ: إنّ دين الله لا يُعرف بالرجال

  • يروي الشيخ المفيد عن أبي الحسن عليّ بن محمّد بن الزبير، عن محمّد بن عليّ بن مهدي، عن محمّد بن عليّ بن عمرو،1 عن أبيه، عن جميل بن صالح، عن أبي خالد الكابليّ، عن الأصبغ بن نباته أنه قال:

  • دَخَلَ الْحَارِثُ الْهَمْدَانِيّ عَلَى أمِيرِ الْمُؤمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلَامُ في نَفَرٍ مِنَ الشِّيعَةِ وَ كُنْتُ فِيهِمْ، فَجَعَلَ الْحَارِثُ يَتَئِدُّ2 في مَشْيَتِهِ وَ يَخْبِطُ الأرْضَ بِمِحْجَنِهِ وَ كَانَ مَرِيضَاً.

  • فَأقْبَلَ عَلَيْهِ أمِيرُ المُؤمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلَامُ- وَ كَانَتْ لَهُ مِنْهُ مَنْزِلَةٌ- فَقَالَ: كَيْفَ تَجِدُكَ يَا حَارِثُ؟

  • فَقَالَ: نَالَ الدَّهْرُ يَا أميرَ الْمُؤمِنِينَ مِنِّي، وَ زَادَنِي أوَارَاً3 وَ غَلِيلًا

    1. ورد في نسخة« بحار الأنوار»، المجلّد السادس، ص 178، و نسخة« بشارة المصطفى» و نسخة« أمالى الطوسيّ» بلفظ« عن أبيه عن جميل بن صالح»؛ إلّا أنه أورده في« مجالس المفيد» بلفظ« عن أبي جميل بن صالح» بدلًا من« عن أبيه».
    2. ورد في نسخة المجلسيّ نقلًا عن« أمالى المفيد»:« يتّئدُ في مشيته»؛ و في نسخة« أمالى الشيخ المفيد» بنقل المجلسيّ« يتأوّد»، و في نسخة عندنا بلفظ« يتأوّذ» و في نسخة« بشارة المصطفي» بلفظ« يتلوّذ»، و في نسخة« أمالى المفيد» الموجودة في« كشف الغمّة» بلفظ« يتأوّد».
    3. ورد في نسخة المجلسيّ حيث يروي عن« أمالى الشيخ الطوسيّ» و في نسخة« أمالى المفيد» و نسخة« كشف الغمّة» بلفظ« أواراً و غليلًا»؛ و في نسخة« البحار» نقلًا عن« أمالى المفيد» بلفظ« أوباً غليلًا»؛ و في نسخة« أمالى الشيخ» بلفظ« أوراً غليلًا»؛ و في نسخة« بشارة المصطفي» بلفظ« غليلًا» فقط.

معرفة المعاد ج۲

92
  • اخْتِصَامُ أصْحَابِكَ بِبَابِكَ.

  • قَالَ: وَ فِيمَ خُصُومَتُهُم؟

  • قَالَ: فِيكَ وَ في الثَّلاثَة1 الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ؛ فَمِنْ مُفْرِطٍ مِنْهُمْ غَالٍ وَ مُقْتَصِدٍ2 قالٍ وَ مِنْ مُتَرَدِّدٍ مُرْتَابٍ لَا يَدْرِي أ يُقْدِمُ أمْ يُحْجِمُ.

  • فَقَالَ: حَسْبُكَ يَا أخَا هَمْدَانَ؛ ألَا إنّ خَيْرَ شِيعَتِي النَّمَطُ الأوْسَطُ، إلَيْهِمْ يَرْجِعُ الْغَالِي وَ بِهِمْ يَلْحَقُ التَّالِي.

  • فَقَالَ لَهُ الْحَارِثُ: لَوْ كَشَفْتَ فِدَاكَ أبي وَ امِّي الرَّيْنَ عَنْ قُلُوبِنَا وَ جَعَلْتَنَا في ذَلِكَ على بَصِيرَةٍ مِنْ أمْرِنَا.

  • قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: قَدْكَ3 فَإنَّكَ امْرُءٌ مَلْبُوسٌ عَلَيْكَ؛ إنّ دِينَ اللهِ لَا يُعْرَفُ بِالرِّجَالِ بَلْ بِآيَةِ الْحَقِّ. فَاعْرِفِ الْحَقَّ تَعْرِفْ أهْلَهُ.4

    1. يقصد أبا بكر و عمر و عثمان.
    2. ورد في« أمالى الشيخ الطوسيّ» بنفس اللفظ، أمّا في« بشارة المصطفي» فقد ورد بلفظ« مقتصد والٍ»؛ و في« كشف الغمّة» بلفظ« مُبغضٍ قالٍ»؛ و في« بحار الأنوار» نقلًا عن« مجالس المفيد» بلفظ« و مُقتَصِدٍ تالٍ».
    3. ورد في جميع النسخ بلفظ« قدك» إلّا في« بشارة المصطفي» فقد جاء بلفظ« فذاك».
    4. يقول في كتاب« سيرى در نهج البلاغة»( تُرجم باسم: في ظِلال نهج البلاغة) ما ترجمته:
      ينقل« طه حسين» الأديب و الكاتب المصريّ الشهير المعاصر في كتاب« عليّ و بنوه» خبر الرجل الذي تردّد يوم الجَمَل في أمر عليّ عليه السلام، فكان يقول في نفسه: كيف يمكن أن يكون مثل طلحة و الزبير على خطأ؟ ثمّ شكا شكّه ذلك إلى عليّ أمير المؤمنين عليه السلام و سأله منه: أ يمكن أن تجتمع على باطل شخصيّات عظيمة لم يصدر منها خطأ قبلًا؟- فالتفت إليه عليّ عليه السلام و قال له: إنَّكَ لَمَلْبُوسٌ عَلَيْكَ. إنّ الْحَقَّ وَ الْبَاطِلَ لَا يُعْرَفَانِ بِأقْدَارِ الرِّجَالِ. إعْرِفِ الْحَقَّ تَعْرِفْ أهْلَهُ. وَ اعْرِفِ الْبَاطِلَ تَعْرِفْ أهْلَهُ.
      ثُم يقول( طه حسين) بعد نقله هذه الكلمات: ما أعرف جواباً أروع من هذا الجواب بعد أن سكت الوصيّ و انقطع خبر السماء. انتهى.
      و ينبغي العلم إنّ مطلب الدكتور طه حسين الذي نقله المؤلّف المحترم لكتاب« سيرى در نهج البلاغة» ليس في شأن الحارث بن الأعور الهمدانيّ الذي نقلنا هنا تفصيل كلامه مع أمير المؤمنين عليه السلام، بل يعود إلى الحارث بن حوت الذي كان يتحدّث مع أمير المؤمنين في شأن أصحاب الجمل. و قد أورد السيّد الرضيّ في« نهج البلاغة»، باب الحِكَم، ص 199، طبع مصر شرح محمّد عبده:
      و قيل إنّ الحارث بن حوت أتاه فقال: أ تراني أظنُّ أصحاب الجمل كانوا على ضلالة؟ فقال عليه السلام: يا حارث إنّك نظرتَ تحتك و لم تنظر فوقك فَحِرْتَ. إنّك لم تعرف الحقّ فتعرف أهله، و لم تعرف الباطل فتعرف من أتاه؛ فقال الحارث: فإنّي اعتزل مع سعيد بن مالك و عبد الله بن عمر؛ فقال عليه السلام: إنّ سعيداً و عبد الله بن عمر لم ينصرا الحقّ و لم يخذلا الباطل.
      و ينقل في« تفسير العيّاشيّ»، ج 1، ص 136 رواية شيّقة في هذا الشأن عن الأصبغ بن نباتة، ذيل الآية« تلك الرُّسل فَضَّلنا بعضهم على بعضٍ»: قال الأصبغ: كنتُ واقفاً مع أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام يوم الجمل، فجاء رجل حتّى وقف بين يديه، فقال: يا أمير المؤمنين كبّر القومُ و كبّرنا، و هلّل القومُ و هلّلنا، و صلّى القومُ و صلّينا، فعلامَ نقاتلهم؟ فقال: على هذه الآية:
      تلك الرسل فضّلنا بعضهم على منهم مَن كلّمَ اللهُ و رفع بعضهم درجات و آتينا عيسى ابن مريم البيّنات و أيّدناه بروح القُدُس. و لو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم( فنحنُ الذين مِن بعدهم) مِن بعدِ ما جاءتهم البيّنات و لكن اختلفوا فمنهم مَن آمن و منهم من كفر و لو شاء الله ما اقتتلوا و لكنّ الله يفعل ما يريد.
      « فنحنُ الذين آمنّا و هم الذين كفروا». فقال الرجل: كفر القومُ و ربِّ الكعبة ثمّ حمل فقاتل حتّى قُتل رحمه الله. و هذه الآية هي الآية 253 من سورة البقرة فلاحظْ و تأمّلْ!

معرفة المعاد ج۲

93
  • يَا حَارِثُ؟ إنّ الْحَقَّ أحْسَنُ الْحَدِيثِ، وَ الصَّادِعُ بِهِ مُجَاهِدٌ، وَ

معرفة المعاد ج۲

94
  • بِالْحَقِّ اخْبِرُكَ فَأرْعِنِي1 سَمْعَكَ، ثُمَّ خَبِّرْ بِهِ مَنْ كَانَ لَهُ حَصَافَةٌ2 مِنْ أصْحَابِكَ.

  • كلام أمير المؤمنين للحارث الهمدانيّ في درجاته و مقاماته

  • ألَا إنِّي عَبْدُ اللهِ وَ أخُو رَسُولِهِ وَ صِدِّيقُهُ الأوَّلُ (الأكبر خ ل)، صَدَّقْتُهُ وَ آدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَ الْجَسَدِ؛ ثُمَّ إنِّي صِدِّيقُهُ الأوَّلُ في امَّتِكُمْ حَقَّاً.

  • فَنَحْنُ الأوَّلُونَ وَ نَحْنُ الآخِرُونَ، وَ نَحْنُ خَاصَّتُهُ يَا حَارِثُ وَ خَالِصَتُهُ.

  • وَ أنَا صَفْوُهُ وَ وَصِيُّهُ وَ وَلِيُّهُ وَ صَاحِبُ نَجْوَاهُ وَ سِرِّهِ؛ اوتِيتُ فَهْمَ الْكِتَابِ وَ فَصْلَ الْخِطَابِ وَ عِلْمَ الْقُرونِ وَ الأسْبَابِ وَ اسْتُودِعْتُ ألْفَ مِفْتَاحٍ يَفْتَحُ كُلُّ مِفْتَاحٍ ألْفَ بَابٍ يُفْضِي كُلُّ بَابٍ إلى ألْفِ ألْفِ عَهْدٍ.

  • وَ ايِّدْتُ3 وَ اتُّخِذْتُ وَ امْدِدْتُ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ نَفْلًا؛ وَ إنّ ذَلِكَ يَجْرِي لي وَ لِمَنْ اسْتُحْفِظَ4 مِنْ ذُرِّيَّتِي مَا جَرَى اللَّيْلُ وَ النَّهارُ، حتّى يَرِثَ اللهُ الأرْضَ وَ مَنْ عَلَيْهَا.

  • وَ ابَشِّرُكَ يَا حَارِثُ! لَتَعْرِفَنِّي5 عِنْدَ الْمَمَاتِ وَ عِنْدَ الصِّرَاطِ وَ عِنْدَ

    1. وردت في جميع النسخ بلفظ« فارعني»، إلّا في نسخة« بشارة المصطفي» فقد جاءت بلفظ« فأعرني».
    2. في« أمالى المفيد» و« بشارة المصطفي» بلفظ« حَصَافَةٌ»؛ و في« أمالى الشيخ» و في نسخة« بحار الأنوار» نقلًا عن« أمالى المفيد» بلفظ« حَصَانَةٌ»؛ و في« كشف الغمّة» بلفظ« حصاة.» يُقال: امروٌ ذو حصاة أي ذو عقلٍ و لبّ.( م)
    3. وردت في« مجالس المفيد» و محكيّ« البحار» عنه بلفظ« وَ ايِّدْتُ وَ اتُّخِذْتُ و امْدِدْتُ» إلّا أنها وردت في« أمالي الشيخ» و« كشف الغمّة» و« بشارة المصطفي» بلفظ:« وَ ايِّدْتُ أو قَال امْدِدْتُ».
    4. في« أمالى المفيد» و« أمالى الشيخ» و« كشف الغمّة» بلفظ« من استُحفظ»؛ و في« بحار الأنوار» نقلًا عن« أمالى المفيد» بلفظ« لمن تحفظ»؛ و في« بشارة المصطفي» بلفظ« و المتحفّظين».
    5. في نسخة« أمالى المفيد» و« بشارة المصطفي» و حكاية« بحار الأنوار» عنه بلفظ« لتعرفني»؛ أمّا في نسخة« أمالى الشيخ» و« كشف الغمّة» فقد وردت بلفظ« ليعرفني- و الذي فلق الحبّة و برئ النّسمة- وليّي و عدوّي في مواطن شتّى؛ ليعرفني عند الممات و عند الصراط و عند المقاسمة».

معرفة المعاد ج۲

95
  • الْحَوْضِ وَ عِنْدَ الْمُقَاسَمَةِ.

  • قَالَ الْحَارِثُ: وَ مَا الْمُقَاسَمَةُ؟

  • قَالَ: مُقَاسَمَةُ النَّارِ؛ اقَاسِمُهَا قِسْمَةً صَحِيحَةً1 أقُولُ: هَذَا وَلِيِّي فَاتْرُكِيهِ، وَ هَذَا عَدُوِّي فخُذِيهِ.

  • ثُمَّ أخَذَ أمِيرُ الْمُؤمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِيَدِ الْحَارِثِ فَقَالَ: يَا حَارِثُ! أخَذْتُ بِيَدِكَ كَمَا أخَذَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه و آلهِ بِيَدِي؛ فَقَالَ لي وَ قَدْ شَكَوْتُ2 إلَيهِ حَسَدَ قُرَيْشٍ وَ الْمُنَافِقِينَ لي: انَّهُ إذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أخَذْتُ بِحَبْلِ اللهِ وَ بِحُجْزَتِهِ- يَعْنِي عِصْمَتِهِ مِن ذِي الْعَرْشِ تعالى- وَ أخَذْتَ أنْتَ يَا عليّ بِحُجْزَتِي؛ وَ أخَذَ ذُرِّيَّتُكَ بِحُجْزَتِكَ وَ أخَذَ شِيعَتُكُمْ بِحُجْزَتِكُم.3

  • فَمَا ذَا يَصْنَعُ اللهُ بِنَبِيِّهِ، وَ مَا [ذَا] يَصْنَعُ نَبِيُّهُ بِوَصِيِهِ؟4

    1. في نسخة« أمالى المفيد» و محكيّ« البحار» عنه بلفظ« قسمة صحيحة»؛ و في« أمالى الشيخ» و« كشف الغمّة» و« بشارة المصطفي» بلفظ« قسمةً صحاحاً».
    2. في« أمالى المفيد» و محكيّ« البحار» عنه بلفظ« و قد شكوتُ إليه حسد قريش»؛ و في« أمالى الشيخ» و« كشف الغمّة» و« بشارة المصطفي» بلفظ« و اشتكيتُ اليه حسدة قريش».
    3. في« مجالس المفيد» و« أمالى الشيخ الطوسيّ» و« بشارة المصطفي» بلفظ« بِحُجزَتِكُم»؛ و في« كشف الغمّة» و« بحار الأنوار» نقلًا عن« أمالى المفيد» بلفظ الجمع« بحجزكم».
    4. أورد في« كشف الغمّة» بعد هذه الفقرة( و ما يصنع وصيّه بأهل بيته و ما يصنع أهل بيته بشيعتهم).

معرفة المعاد ج۲

96
  • خُذْهَا إلَيْكَ يَا حَارِثُ قَصِيرَةً مِنْ طَوِيلَةٍ؛ أنْتَ مَعَ مَنْ أحْبَبْتَ وَ لَكَ مَا اكْتَسَبْتَ؛1 يَقُولُهَا ثَلَاثَاً.2

    1. أوردها في« كشف الغمّة» بلفظ« و لَكَ ما احتسبتَ- أو قال ما اكتسبت».
    2. و ما أجمل ما نظم الشعراء الناطقين بالفارسيّة هذا المقطع من كلام المولى، كما في« أمثال و حكم» دهخدا، ص 1925، الذي أورده في المجلّد الرابع عن بابا أفضل:
      تا در طلب گوهر كانى كانى--تا زنده به بوى وصل جانى جانى
      فىالجمله حديث مطلق از من بشنو--هر چيز كه در جستن آنى آنى
      --
      « يقول: ما دُمتَ في طلب معدن الجوهر فأنت جوهر، و ما دُمتَ تعيش برائحة وصل الحبيب فأنت حبيب»
      « فاسمع منّي حديثاً عامّاً مُجملًا: كلّ شيء تبحث عنه هو أنت.»
      و نقل عن كمال إسماعيل:
      آدمى بر حسب خود همّت خويش افزايد--هر چه انديشه در آن بندد چندان گردد
      --
      « يقول: إنّ البشر يرقى في همّته حسب قدر نفسه؛ فكلّما تعلّق الفكر في شيء صار مثله.»
      و أورد عن المولويّ:
      ميل تو با چيست ببين بى شك آنى بيقين--بنگر خود را كه چهاى زاغى يا باز و هما
      --
      « يقول: انظر في أي شيءٍ تنصبّ رغبتُك فأنتَ ذاك يقيناً؛ فتطلع لنفسك ما أنت: غرابٌ أم صقرٍ أو طائر اليُمن.»
      و أورد عن الأوحديّ:
      هر چه ورزش كنى همانى تو--نيكوئى ورز اگر توانى تو
      « يقول: أي شيء تمرّنت عليه كُنْتَهُ،--فتمرّن على الإحسان إن كنت تقدرُ»
      --
      و أورد عن عين القضاة الهَمَدَانيّ:
      جوياى هر چه هستى مىدان كه عين آنى--هر چه در بند آنى بندة آنى
      هر چه دلبند تست خداوند تست--و هر چه هواى تو خداى تو
      --
      « يقول: اعلم أنك عين ما تبحث عنه، و أنك عبد ما يقيّدك.»
      « و إنّ ما يتولّه قلبك به إلهك، و إنّ ما تهواه و ترغب فيه معبودك.»

معرفة المعاد ج۲

97
  • فَقَامَ الْحَارِثُ يَجُرُّ رِدَاءَهُ1 وَ هُوَ يَقُولُ: مَا ابَالِي بَعْدَهَا مَتى لَقِيتُ الْمَوْتَ أوْ لَقِيَنِي.

  • أشعار الحِميَريّ في قول مولى الموالي إلى للحارث الهَمْدَانيّ

  • أشعار السيّد الحِميري في قول أمير المؤمنين عليه السلام للحارث الهمداني

  • قال جميل بن صالح: و أنشدني أبو هاشم السيّد الحِميَريّ رحمه الله فيما تضمّنه هذا الخبر:

  • قَوْلُ عليّ لِحَارِثٍ عَجَبٌ***كَمْ ثَمَّ اعْجُوبَةً لَهُ حَمَلَا 2

  • يَا حَارِ هَمْدَانَ مَنْ يَمُتْ يَرَنِي***مِنْ مُؤمِنٍ أوْ مُنَافِقٍ قُبُلًا

  • يَعْرِفُني طَرْفُهُ وَ أعْرِفُهُ***بِنَعْتِهِ وَ اسْمِهِ وَ مَا عَمِلَا

  • وَ أنْتَ عِنْدَ الصِّراطِ تَعْرِفُنِي***فَلَا تَخَفْ عَثْرَةً وَ لَا زَلَلَا

  • أسْقِيكَ مِنْ بَارِدٍ على ظَمَأٍ***تَخَالُهُ في الْحَلَاوَةِ الْعَسَلَا

  • أقُولُ لِلنَّارِ حِينَ تُوقَفُ 3 لِلْعَرْض***دَعِيهِ لَا تَقْرَبِي 4 الرَّجُلا

  • دَعِيهِ لَا تَقْرِبِيهِ إنّ لَهُ***حَبْلًا بِحَبْلِ الْوَصِيّ مُتَّصِلًا 5 و 6

    1. ورد في« كشف الغمّة» بلفظ« يجرّ رداءه جذلًا».
    2. في« كشف الغمّة» و« ديوان الحميريّ» بلفظ« جملا» بالجيم المعجمة.
    3. في« كشف الغمّة» و« أمالى الشيخ» بلفظ« حين تُعرضُ للعرض»؛ و في الباقي بلفظ« حين تُوقفُ».
    4. في« أمالى المفيد» و نقل« البحار» عنه بلفظ« لا تقربي»؛ و في« أمالي الشيخ» بلفظ« لا تقبلي». كما ورد في بعض النسخ البديلة بلفظ« لا تقتلي»؛ أمّا في« بشارة المصطفي» فقد وردت بهذا اللفظ:« اقولُ للنار حين توقف للعرض- على حرّها دعي الرجلا». ثم أضاف بيتاً آخر.
    5. «مجالس المفيد»، طبع النجف الأشرف، ص 2- 4؛ و« بحار الأنوار» كتاب العدل و المعاد بهذا السند عن المفيد؛ و أورده في« بحار الأنوار»، طبعة الآخوند، المجلّد السادس، ص 178- 180 و في« كشف الغمّة»، الطبعة الحجريّة، ص 123 و 124 بدون ذكر السند. و أورده في« أمالى الطوسيّ»، طبع النجف، مطبعة النعمان سنة 1384 هجريّة، المجلّد الثاني، ص 238- 240 بهذا السند: أخبرنا جماعة عن أبي المفضّل، عن محمّد بن عليّ بن مهديّ الكنديّ في الكوفة و غيره، عن محمّد بن عليّ بن عمرو بن ظريف الحجريّ، عن أبيه، عن جميل بن صالح، عن أبي خالد الكابليّ، عن الأصبغ بن نباتة. و ذكره في كتاب« بشارة المصطفي»، طبع المطبعة الحيدريّة في النجف سنة 1383 هجريّة، ص 4 و 5 بسند آخر، قال: أخبرنا الشيخ أبو البقاء إبراهيم بن الحسين بن ابراهيم الرقا البصريّ بقراءتي عليه في مشهد مولانا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام في المحرّم سنة ستّ عشرة و خمسمائة قال: حدّثنا الشيخ أبو طالب محمّد بن الحسين بن عتبة في ربيع الأوّل سنة ثلاث و ستّين و أربعمائة بالبصرة في مسجد النخّاسين على صاحبه السلام، قال: حدّثنا الشيخ أبو الحسن محمّد بن الحسن بن الحسين بن أحمد الفقيه، قال: حدّثنا حمويه أبو عبد الله بن عليّ بن حمويه، قال: أخبرنا محمّد بن عبد الله بن المطّلب الشيبانيّ، قال: حدّثنا محمّد بن عليّ بن مهدي الكنديّ، قال: حدّثنا محمّد بن على بن عمر بن ظريف الحجريّ، قال: حدّثني أبي، عن جميل بن صالح، عن أبي خالد الكابليّ، عن الأصبغ بن نباتة.
    6. أورد في« بشارة المصطفي» بيتاً آخر:
      هذا لنا شيعة و شيعتنا--أعطاني اللهُ فيهم الأمَلَا
      --
      و قد وردت هذه الأبيات مع هذا البيت الأخير في« ديوان الحميريّ» ص 327 و 328. و قال جامع الديوان إنّها منقولة في« أعيان الشيعة»، ج 12، ص 263؛ و« كشف الغمّة»، ص 124؛ و« المناقب»، ج 3، ص 237؛ و« شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد»، ج 1، ص 299.

معرفة المعاد ج۲

98
  • يقول عليّ بن عيسى الأربليّ، و هو أحد كبار علماء الشيعة، في كتاب «كشف الغمّة في معرفة الأئمّة»: السيّد إسماعيل الحِمْيَرِيّ رحمه الله، كان كيسانيّاً يقول برجعة أبي القاسم محمّد بن الحنفيّة، فلمّا عرّفه الإمام جعفر بن محمّد الصادق عليه السلام الحقّ و القول بمذهب الإماميّة الاثني عشريّة ترك ما كان عليه و رجع إلى الحقّ

معرفة المعاد ج۲

99
  • و قال به.1 و شعره (رحمه الله) في مذهبه السابق و الدفاع عنه معروف و كذلك الشعر الذي أنشده بعد عدوله إلى المذهب الحقّ. مشهور لا حاجة إلى ذكره لاشتهاره. و كان نظّاماً للوقايع مُجيداً، و هو كثير الشعر، و لا يوجد من شعره إلّا القليل. و روي أنه وُجد حمّال و هو يمشي بحملٍ ثقيل، فقيل: ما معك؟ قال: ميميّات السيّد.2 و3

  • و غلب هذا الاسم عليه، فلم يكن علويّاً فإنّه بطريق تسميته السيّد يتوهّم ذلك و على ذكره.

  • قصّة موت السيّد الحِميريّ و إرسال الصّادق عليه السلام كفناً له بيد غلامه

  • أحوال السيّد الحِميريّ عند موته

  • حدّث الحسين بن عون قال: دخلتُ على السيّد بن محمّد الحِميريّ عايداً في علّته التي مات فيها، فوجدتُه يساق به، و وجدتُ عنده جماعة من جيرانه و كانوا عثمانيّة، و كان السيّد جميل الوجه رحب الجبهة عريض ما بين السالفين، فبدت في وجهه نكتة سوداء مثل النقطة من المداد، ثمّ لم تزل تنمي و تزيد حتّى طبقت وجهه بسوادها، فاغتم لذلك من حضره من الشيعة و ظهر من النّاصبة و العثمانيّة سرور و شماتة؛ فلم يلبث بذلك إلّا قليلًا حتّى بدت في ذلك المكان من وجهه لمعة بيضاء، فلم تزل تزيد أيضاً و تنمي حتّى ابيضّ وجهه و أشرق و افتر السيّد ضاحكاً و قال:

  • أشعار الحميريّ عند موته

  • كَذَبَ الزَّاعِمُونَ إنّ عَلِيَّاً***لَنْ يُنَجِّي مُحِبَّهُ مِنْ هَنَاتِ

    1. يقول ابن شهرآشوب في« معالم العلماء» في باب بعض شعراء أهل البيت عليهم السلام ص 134: كان السيّد في ابتداء أمره خارجيّاً، ثمّ صار من الكيسانيّة، ثمّ من الإماميّة.
    2. نقل هذه الحكاية في« معالم العلماء» ص 135، عن ابن المعتزّ في كتاب« طبقات الشعراء».
    3. الأشعار التي انشأها السيّد بحرف الميم،( القافية).

معرفة المعاد ج۲

100
  • قَدْ وَ رَبِّي دَخَلْتُ جَنَّةَ عَدْنٍ***وَ عَفَا لي الإلَهُ عَنْ سَيِّئاتِي

  • فَابْشِرُوا الْيَومَ أوْلِيَاءَ عليّ***وَ تَوَلُّوا عليّ حتّى الْمَمَاتِ 1

  • ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِ تَوَلَّوْا بَنِيهِ***وَاحِداً بَعْدَ وَاحِدٍ بِالصِّفَاتِ

  • ثمّ أتبع قوله هذا: أشْهَدُ أنْ لَا إلَهَ إلّا اللهُ حَقَّاً حَقَّاً، أشْهَدُ إنّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ حَقَّاً حَقَّاً؛ أشْهَدُ إنّ عَلِيَّاً أمِيرُ الْمُؤمِنِينَ حَقَّاً حَقَّاً، أشْهَدُ أن لَا إلَهَ إلّا اللهُ.

  • ثمّ أغمض عينه لنفسه، فكأنما كانت روحه ذبالة طفيت أو حصاة سقطت.

  • قال عليّ بن الحسين: قال لي أبي الحسين بن عون: و كان اذينة حاضراً فقال: الله أكبر ما مَن شهد كمن لا يشهد، أخبرني- و إلّا صُمَّتا- الفضيل بن يسار عن أبي جعفر الباقر و جعفر الصادق عليهما السلام أنهما قالا:

  • حَرَامٌ على رُوحٍ أنْ تُفَارِقَ جَسَدَهَا حتّى تَرَى الْخَمْسَةَ: مُحَمَّدَاً وَ عَلِيَّاً وَ فَاطِمَةَ وَ حَسَنَاً وَ حُسَيْنَاً بِحَيْثُ تَقَرَّ عَيْنُهَا، أوْ تَسْخَنَ عَيْنُهَا؛ فَانْتَشَرَ هَذا الْحَدِيثُ في النَّاسِ فَشَهِدَ جَنَازَتَهُ- وَ اللهِ- الْمُوَافِقُ وَ الْمُفَارِقُ.2

  • و يروي المرحوم المجلسيّ عن «أمالى الطوسيّ»، عن الشيخ المفيد، عن محمّد بن عمران، عن عبيد الله بن الحسن، عن محمّد بن رشيد، قال:

  • آخر شعرٍ قاله السيّد الحِميريّ قبل وفاته بساعة، و ذلك أنه اغمي

    1. أورده في« كشف الغمّة» بلفظ« و تولّوا عليّ ...»؛ لكنّ المجلسيّ ضبطها في« بحار الأنوار»، ج 6، ص 193، طبعة الآخوند، روايةً عن« كشف الغمّة» بلفظ« و توالوا الوصيَّ».
    2. «كشف الغمّة» الطبعة الحجريّة، ص 124؛ و نقله في« بحار الأنوار»، الطبعة الكمباني، المجلّد الحادي عشر، ص 199 عن« أمالى الشيخ الطوسيّ».

معرفة المعاد ج۲

101
  • عليه و اسودّ لونه، ثمّ أفاق و قد ابيضّ وجهُه و هو يقول:

  • احِبُّ الذي مَنْ مَاتَ مِنْ أهْلِ وُدِّهِ***تَلَقَّاهُ 1 بِالْبُشْرَى لَدَى الْمَوْتِ يَضْحَكُ

  • وَ مَنْ مَاتَ يَهوى غَيْرَهُ مِنْ عَدُوِّهِ***فَلَيْسَ لَهُ إلَّا إلى النَّارِ مَسْلَكُ

  • أبَا حَسَنٍ تَفْدِيكَ نَفْسِي وَ اسْرَتِي***وَ مَالِي وَ مَا أصْبَحْتُ في الأرْضِ أمْلِكُ

  • أبَا حَسَنٍ إنِّي بِفَضْلِكَ عَارِفٌ***وَ إنِّي بِحَبْلٍ مِنْ هَوَاكِ لَمُمْسِكُ

  • وَ أنْتَ وَصِيّ الْمُصْطَفَى وَ ابْنُ عَمِّه***وَ إنَّا نُعَادِي مُبْغِضِيكَ وَ نَتْرُكُ

  • مُوالِيكَ نَاجٍ مُؤمِنٌ بَيِّنُ الْهُدَى***وَ قَالِيكَ مَعْرُوفُ الضَّلَالَةِ مُشْرِكُ

  • وَ لَاحٍ لَحَانِي في عليّ وَ حِزْبِهِ***فَقُلْتُ لَحَاكَ اللهُ إنَّكُ أعْفَكُ 2

  • بلى، قيل إنّ سبب اسوداد وجه الحِميريّ كان لشربه الخمر الذي كان يفعله في سالف الأيّام. ينقل في «بحار الأنوار» عن مناقب ابن شهرآشوب قال: قال عبّاد بن صهيب: كنتُ عند جعفر بن محمّد، فأتاه نعي السيّد، فدعا له و ترحمّ عليه. فقال له رجل، يا ابن رسول الله، و هو

    1. يمكن أن يكون فاعل« تلّقاه» و« يضحك» راجعاً إلي« الذي»؛ أي أنّ أمير المؤمنين عليه السلام يتلقّاه ضاحكاً بالبشارة.
    2. «بحار الأنوار»، الطبعة الكمباني، المجلّد الحادي عشر، ص 198 و 199.

معرفة المعاد ج۲

102
  • يشرب الخمر و يؤمن بالرّجعة؟1 فقال عليه السلام: حدّثني أبي عن جدّي إنّ محبّي آل محمّد لا يموتون إلّا تائبين، و قد تابَ، و رفعَ مصلّى كان تحته فأخرج كتاباً من السيّد يعرّفه أنه قد تاب و يسأله الدُّعاء.2

  • و حين توفّي السيّد تجمّع الشيعة الكوفيّون الذين كانوا في بغداد بأجمعهم فشيّعوا جنازته، و قيل إنهم أهدوا إليه قبل وفاته سبعين كفناً، فأنشد السيّد قصيدة و بعثها إليهم مع غلامه، و طلب إليهم أن يتكفّلوا أمر تشييعه و تكفينه و دفنه، و أن لا يُشارك في تشييع جنازته أعداء آل محمّد و الحكّام الظالمين و قضاتهم و عمّال دواوينهم. و مطلع تلك القصيدة:

  • يَا أهْلَ كُوفَانَ إنّي رَامِقٌ لَكُمُ***مُذْ كُنتُ طِفْلًا إلى السَّبْعِينَ وَ الْكِبَرِ 3

  • و لكن وفقاً لخبر نقله في «بحار الأنوار» عن «المناقب» إنّ الإمام الصادق عليه السلام أرسل له كفناً و حنوطاً في يد غلام نوبيّ على بغلة شهباء، فجاء بها إلى منزل السيّد و سلّمها لعثمان بن عمر الكوّاء و أخبره إنّ الإمام الصادق عليه السلام يأمره أن يضعها في جهاز السيّد.4

    1. أي يقول برجعة محمّد بن الحنفيّة؛ و إلّا فإنّ الاعتقاد برجعة الأئمّة المعصومين هو من الأصول المسلّمة لدي الشيعة.
    2. «بحار الأنوار»، الطبعة الكمباني، المجلّد 11، ص 201.
    3. مقدّمة« ديوان الحِميريّ» بقلم السيّد محمّد تقي الحكيم، اقتباساً من كتابه« شاعر العقيدة»، ص 33.
    4. «بحار الأنوار»، الطبعة الكمباني، المجلد 11، ص 201.

معرفة المعاد ج۲

104
  •  

  •  

  • الْمَجْلِسُ الْحَادِي عَشَر: مُمَيّزاتُ عَالَمْ الطَّبْعَ وَ عَالَمْ الْمِثالَ وَ عَالَمْ القِيامَة

  •  

  •  

معرفة المعاد ج۲

106
  •  

  •  

  • بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

  • (مطالب القيت في اليوم الحادي عشر من شهر رمضان المبارك)

  • الحمد لله ربّ العالمين و لا حول و لا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم

  • و صلّى الله على محمّد و آله الطَّاهرين

  • و لعنة الله على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين

  • قال اللهُ الحكيم في كتابه الكريم:

  •  

  •  

  • حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ، لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَ مِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ.1

  • خصائص عالم البرزخ

  • يرحل الإنسانُ عن هذه الدنيا حين يرحل، فيرد في عالم آخر يُدعى بالبرزخ، فيُقيم هناك حتّى يُنفخ في الصُّور، فيُنشر الناسُ من قبورهم آنذاك و يردون في عالم القيامة.

  • و البرزخ بمعنى الحاجز بين ماءين أو أرضين أو بين شيئين آخرين؛ و لأنّ العالم الذي يمكثُ فيه الإنسان بعد موته يمثّل الحاجز و الفاصل بين عالم الدنيا و القيامة، فإنهم لذلك يدعونه بعالم البرزخ.

  • و لا بدّ- من أجل إلقاء الضوء على خصائص عالم البرزخ- أن يُصار إلى تقديم إيضاح أكثر في هذا المجال.

    1. الآيتان 99 و 100، من السورة 23: المؤمنون.

معرفة المعاد ج۲

107
  • إنّ هناك عالَمين موجودين بين هذا العالم؛ أي عالم الجسم و الجسمانيّات الذي نقضي فيه حياتنا الماديّة؛ و بين عالم الأسماء و الصفات الإلهيّة، أحدهما عالم المثال الذي يُدعى أيضاً بعالم البرزخ، و الآخر عالم النفس الذي يُدعى أيضاً بعالم القيامة.

  • و ما لم يعبر الإنسان من هذين العالمين و يجتازهما، فإنه لن يصل إلى مقام الأسماء و الصفات الإلهيّة؛ كما أنه ما لم يمرّ من عالم البرزخ فإنه لن يصل إلى عالم القيامة، و ما لم يعبر من عالم النفس و القيامة فإنه لن يصل إلى مقام الأسماء و الصفات الإلهيّة.

  • و المراد بالقيامة هنا القيامة الكبرى. و ذلك لأنّ لدينا قيامتين: إحداهما القيامة الصغرى، و هي عبارة عن الموت و الورود في عالم البرزخ، و إلى هذا الأصل يُشير قولُ رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم:

  • مَنْ مَاتَ قَامَتْ قِيَامَتُهُ.

  • و الأخرى القيامة الكبرى، و هي عبارة عن الخروج من عالم البرزخ و المثال و الدخول في عالم النفس و القيامة. و حين يُنشر الناس فيخرجون من عالم القبر و يتّجهون إلى عالم ظهورات النفس الكلّيّة، فإنّ قيامتهم الكبرى ستكون قد قامت.

  • و بينما يمتلك عالم المادّة الهيولائيّة و الطبع و الجسم و الجسمانيّات، فإنّ عالم النفس يمثّل التجرّد المطلق من المادّة و آثارها. و يبقى عالم البرزخ ممثّلًا للفاصل و الحاجز بين هَذين العالمين. و مع أنه ليس بمادّة، إلّا إنّ له آثار المادّة من الكيْف و الكمّ و الأيْن و غيرها.

  • إنّ المادّة جوهر يقبل التشكّل، و يعرض عليه الجسم و تطرأ عليه آثار الجسم. و بواسطة قبول التشكّل و التجسّم فإنّ تلك الأعراض الانفعاليّة التي تظهر في الجسم ستظهر أيضاً في المادّة، و ستصبح كهذه المادّة

معرفة المعاد ج۲

108
  • الموجودة في العالم، و التي ظهرت في صور مختلفة يراها الناس، كالتراب و الصخور و الماء و الشجر و بدن الإنسان و بدن الحيوان و أمثال ذلك.

  • و مع إنّ الموجودات التي في عالم البرزخ لا مادّة لها، إلّا أنها تمتلك شكلًا و صورة و حدّاً و كمّاً و كيفاً و أعراضاً فعليّة، أي إنّ لها أبعاداً و حدوداً و لوناً و رائحةً.

  • و عليه فإنّ صور الأشخاص البرزخيّين ذات لونٍ و حدّ، كما إنّ هناك فرح و مسرّة و غضب و قلق، و هناك نور أيضاً. لذا فإنّ هذه الموجودات البرزخيّة تمتلك صوراً جسميّة إلّا أنها بدون هيولى و بدون مادّة.

  • و من جهة أخرى فإنّ عالم البرزخ يُدعى أيضاً بعالم الخيال. و يعني الخيال العالَم الذي تتواجد فيه الصور المحضة، و العالم الخالى من المادّة، مع إنّ الصور الموجودة هناك أقوى بمراتب من موجودات عالم المادّة و أعظم و أسرع حركة، و أكثر إحساساً بالحزن و الغمّ و بالمسرّة و اللذّة، و ذلك لأنّ المادّة تمثّل حاجباً يحجب الكثير من هذه الخصائص. و لأنّ عالم البرزخ مطلق من المادّة، فإنّ هذه المعاني موجودة هناك على نحو الوفرة. و هناك عالم الخيال، أي الخيال المنفصل، لأن عالم الخيال المتّصل هو قوى الإنسان المتخيّلة المجاورة لبدنه الترابي و المقترنة به، أمّا الخيال المنفصل فيمثّل تلك القوى حين تفارق البدن و تتّصل بعالم الصورة المحض، و لذلك فإنّ جميع موجودات عالم البرزخ تدعى بالخيال المنفصل.

  • كما إنّ عالم البرزخ يُدعى أيضاً بالمثال المنفصل، لأنّ المثال المتّصل هو ذلك البرزخ الموجود لدى الإنسان الترابي بين بدنه و طبعه و بين عالم نفسه، و هو مجموعة قواه الذهنيّة. و حين يرحل الإنسان عن الدنيا، فإنّ عالم ذهنه سيتّصل بعالم المثال الكلّيّ، لذا فإنهم يدعون هذا

معرفة المعاد ج۲

109
  • بالمثال المتّصل، كما يدعون ذاك بالمثال المنفصل. و جميع عالم البرزخ مثال منفصل. و اعلم إنّ عالم الخيال عالم واسع للغاية و أقوى بكثير من المادّة، لا ما نتوهّمه- نحن الناطقون بالفارسيّة- من إنّ الخيال بمعنى الأمر الموهوم المتخيّل، و هو توهم خاطئ ورد على لغتنا.

  • و لذلك فإنّ بعض أهل الظاهر حين شاهدوا من الحكماء الأعلام أمثال هذه العبارات- مثل عالم الخيال- فقد تصوّروا إنّ اولئكم يرفضون الاعتقاد بعالم البرزخ الذي هو عالم المثال، و أنهم يعتقدون بأنه عالم وهميّ تصوّري ليس له حقيقة و واقع. و هو تصوّر خاطئ لا محلّ له، و ناشئ من الجهل لمصطلحات الحكماء الأعلام.

  • إنّ عالم الخيال هو عالم البرزخ و المثال بعينه، و موجوداته أقوى آلاف المرّات و أعجب و أهمّ أثراً من عالم الطبع و المادّة.

  • و نأتي بمثال لإيضاح هذا الأمر:

  • إنّ لدينا- أفراد البشر- بدناً، و هذا البدن محدود و مشخّص و معيّن، و لدينا قوى باطنيّة، كالحسّ المشترك، و قوّة الحافظة، و القوّة المفكّرة، و القوّة الواهمة، و القوّة المتخيّلة. و باستخدام هذه القوى الباطنيّة فإننا نجترح الأعاجيب، فيمكننا- مثلًا- أن نشيد في ذهننا و بزمن قصير جدّاً عمارة ذات أربعين طابقاً بكلّ تجهيزاتها و مستلزماتها. و يمكننا أن نتحوّل من شرق العالم إلى غربه في لحظة واحدة، و أن نُنجز في زمن يسير أعمالًا يستلزم إنجازها المدّة المديدة.

  • فما أكبر النسبة بين هذه السعة التي يمتلكها ذهننا بقواه و بين بدننا و قواه الطبيعيّة! فكذلك هي النسبة في السعة و العظمة بين عالم البرزخ و بين عالم الدنيا.

  • و باعتبار إنّ عالم اليوم يمثّل انموذجاً من البرزخ المنفصل (فالأحلام

معرفة المعاد ج۲

110
  • التي يراها الإنسان في بعض الأوقات) و على الرغم من إنّ النوم أضعف بكثير من الموت، و إنّ برزخ نوم الإنسان أضعف بكثير من برزخ موته؛ فإنّ الإنسان يرى في هذه الأحلام موجودات أقوى و أعظم و أعجب، و يشهد نشاطاتٍ و حركات و سُرَع أشدّ، و يحسّ بلذّات و أفراح و هموم و غموم أكثر، كما يتملّكه الخوف و الفزع بشكل أكبر. و إذا ما شاء الإنسان في هذه الدنيا أن يجتاز شارعاً ما، فإنّ عليه أن ينظر بدقّة إلى هذه الجهة و تلك تلافياً لاصطدامه بسيّارة، ثمّ يتحرّك بهدوء ليجتاز عرض الشارع. أمّا في عالم النوم و البرزخ فالأمر ليس كذلك، لأنّك حين تشاء فإنّك تنهض على الفور فتحلّق و تسير في السماء و تعلو الغيوم في حركتك بلا ريش و لا جناح مادّي، و تتفرّج على جميع العالم ثمّ تهبط و تنقضّ كالبرق الخاطف فتسبح في البحار و المحيطات فتجتازها و تطويها في لحظة واحدة!

  • نسبة سعة عالم البرزخ إلى الدنيا، و سعة عالم القيامة إلى البرزخ

  • إنّ عالم البرزخ أقوى و أعظم من هذا العالم بنفس نسبة شدّة و قوّة هذه الحركات و السرع قياساً إلى تلك الحركة في عرض الشارع.

  • إنّ عالم البرزخ المتّصل و ذهننا، قياساً إلى نفسنا، مثل نسبة بدننا قياساً إلى برزخنا ضعيف و صغير؛ كما إنّ سعة و عظمة النفس التي تخطّت الحدود و الكيفيّات الصوريّة و صار لها التجرّد المحض بالنسبة إلى عالم الذهن، إذا ما قيست إلى عالم الذهن و المثال المتّصل، فإنّ نسبتها ستكون في عظمتها و سعتها عين نسبة عالم الذهن إلى البدن المادّي و الطبعي. و عليه فإنّ عالم القيامة الكبرى، قياساً إلى عالم البرزخ، له نفس هذه النسبة في السعة و العظمة. و ذلك لأنّ عالم البرزخ يمتاز بكيفيّة المادّة و آثارها من الكمّ و الكيف، أمّا عالم القيامة فقد تجرّد من الصورة أيضاً فصار إطلاقاً محضاً.

معرفة المعاد ج۲

111
  • على إنّ هذا العالم مثال و انموذج لعالم البرزخ، و عالم البرزخ مثالٌ لعالم القيامة، و عالم القيامة مثال لعالم الأسماء و الصفات الكلّيّة الإلهيّة. و كذلك فإنّ البدن مثال و نموذج للقوى الذهنيّة، و القوى الذهنيّة مثال للنفس الناطقة، و النفس الناطقة بدورها مثال للروح الكلّيّة بوحدتها و كلّيّتها. و كلّما تخطّينا هذه العوالم المحدودة و نظرنا إلى الإطلاق، فإنّ العوالم ستصبح أكثر سعةً و عظمة؛ و على العكس فإننا كلّما هبطنا من عوالم الإطلاق و تنزّلنا إلى الأسفل، فإنّ العوالم ستصبح أضعف و أصغر.

  • تماماً كمثل الصورة المنعكسة في المرآة و الحاكيّة عن شكل و أبعاد و لون الطلعة، لا عن حقيقة و واقع ذلك الشخص صاحب الصورة، كما أنها لا تُظهر عقله أو سخاءه أو شجاته أو سائر ملكاته المعنويّة، و فوق ذلك كلّه فهي لا تُظهر نفسه الناطقة التي لا تمتلك- اصولًا- شكلًا و لا صورة.

  • و لذلك فإنّ ما نشاهده في عالم المادّة هذا ليس إلّا انموذجاً من عالم البرزخ لا نفس عالم البرزخ، ذلك العالم الواسع إلى الحدّ الذي لا يمكن مشاهدته بالأعين الظاهريّة، و لا إدراكه بالحواسّ الخمس الظاهريّة. فقد وُجدت هذه الحواسّ لربط الإنسان بعالم الطبع و المادّة، و ليس فيها قوّة لربطه بما فوق عالم المادّة.

  • و عليه فإنّ الحقائق البرزخيّة ليست- اصولًا- قابلة للنزول و الإراءة في مرآة المادّة، و ما يُظهره عالم المادّة في نفسه من عالم البرزخ إنما هو بقدر سعة المادّة و ظرفيّتها فقط.

  • كما إنّ عالم القيامة و الحقائق الظاهرة لعالم النفس ليست قابلة للنزول و الإراءة في مرآة البرزخ و الصورة المثاليّة، و ما يظهره البرزخ من عالم القيامة إنما هو بقدر سعته و ظرفيّته فقط.

  • افرضوا أنفسكم الآن في هذا الفضاء الواسع لجوّ السماء، و انظروا كم

معرفة المعاد ج۲

112
  • يكون بدنكم صغيراً قياساً إلى هذا الجوّ المحيط بكم! إنّ عالم الطبيعة و الدنيا قياساً إلى عالم المثال و البرزخ صغير بنفس النسبة.

  • و إذا ما جعلنا عالَم النَّفْس عرشَ الخالق، و جعلنا عالَم المثال عالَم الكرسيّ، فإنّ نسبة أحدهما إلى الآخر و إلى عالم الطبع و المادّة سيُشخّص جيّداً وفق الرواية الواردة عن الإمام الصادق عليه السلام:

  • يروي في «تفسير العيّاشيّ» عن محسن المثنّى (الميثميّ ظ)، عمّن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام:

  • قالَ: قَالَ أبو ذَرٍّ، يَا رَسُولَ اللهِ! مَا أفْضَلُ مَا انْزِلَ عَلَيْكَ؟ قَالَ: آيَةُ الْكُرْسِيّ؛ مَا السَّمَاواتُ السَّبْعُ وَ الأرَضُونَ السَّبْعُ في الْكُرسِيّ إلَّا كَحَلْقَةٍ مُلْقَاةٍ بِأرْضٍ بَلَاقِع، وَ إنّ فَضْلَهُ عَلَى الْعَرْشِ كَفَضْلِ الْفَلَاةِ عَلَى الْحَلْقَةِ.1

    1. وردت هذه الرواية في« تفسير العيّاشيّ»، طبع علميّة قم، المجلّد الأوّل، ص 137 بالعبارة التي نقلناها هنا، و يبدو إنّ هناك سهواً في العبارة، و إنّ تقديماً و تأخيراً قد حصل بين الكرسيّ و العرش، و إنّ العبارة كان ينبغي أن تكون و إنّ فَضْلَ الْعَرْشَ على الْكُرْسِيّ كَفَضْلِ الفلاة على الحلقة هكذا.
      و يشهد على هذا الخطأ؛ إضافةً إلى الروايات العديدة التي تعتبر العرش أفضل من الكرسيّ، التي وردت في تفسير،« البرهان»، و« الميزان» و« الصافي» ذيل آية الكرسيّ؛ ما ورد في« تفسير الصافي»، الطعبة الحجريّة، في حاشية« مجمع البيان» ص 74، و في الطبعة الحروفيّة للمكتبة الإسلاميّة، المجلّد الأوّل ص 214، و في تفسير« الميزان»، المجلّد الثاني، ص 354. فقد رويا هذه الرواية عن« تفسير العيّاشيّ» على النحو الذي صحّحناه. و يقول في تفسير« الصافي»:
      وَ فَضْلُ الْعَرشِ عَلَى الْكُرسيّ كَفَضْلِ تِلكَ الْفَلَاةِ عَلَى تِلكَ الْحَلْقَة.( رواه العيّاشيّ عن الصادق عليه السلام)
      و يقول في تفسير« الميزان»: و قد ورد في« تفسير العيّاشي» .... حتّى يصل إلى قوله: ثمّ قال: وَ إنّ فَضْلَ الْعَرْشِ عَلَى الْكُرْسِيّ كَفَضْلِ الْفَلَاةِ عَلَى الْحَلْقَةِ.

معرفة المعاد ج۲

113
  • و يعتبر الشيخ أبو عليّ بن سينا عالَم خيال الإنسان من آثار المادّة و خواصّها، و لذلك فإنه لا يعتقد أيضاً بعالم البرزخ، أي الخيال المنفصل، و ذلك لأنّ البرزخ يجب أن يكون له تجرّد مادّي لينفصل عن عالم المادّة. و في اعتقاده فإنّ من غير المتصوّر أن يكون هناك عالم كهذا له صورة محضة، و فيه حدّ و كمّ و كيف إلّا أنه ليس له مادّة. و لذا فإنه لم يعتقد و لم يقلْ بعالم البرزخ الواقع بين عالم المادّة و النفس. بَيْدَ أنه كان يقول بتجرّد النفس الناطقة، حيث أقام البراهين الساطعة على تجرّدها، بالرغم من إمكان نسبة تجرّد الخيال و البرزخ إليه، استناداً إلى بعض عباراته التي يذكرها على نحو التشكيك.

  • أمّا صدر المتألّهين الشيرازيّ، فقد أقام أدلّة متينة على تجرّد عالم الخيال المتّصل، و كان يقول في كتبه صراحةً بعالم البرزخ و المثال المنفصل، و يعدّ العبور من البرزخ للوصول إلى عالم القيامة من ضروريّات المسائل الحِكَمِيّة.

  • و قد تابعة في نهجه سائرُ الحكماء المتأخّرين عنه، و أجمعوا على القول بعالم البرزخ و القول بتجرّده.

  • و قد سار المرحوم الحاج المولى هادي السبزواريّ على هذا النهج و قام بإثبات تجرّد عالم الخيال؛ و لأنه كان يعتبر المعاد الجسمانيّ ببقاء الصور في عالم الدَّهر و عالم الكَون، فقد قال بأنّ إثبات تجرّد الخيال مفيد لإثبات المعاد الجسمانيّ.

  • هذا و قد أقام دليلين رئيسيّين في إثبات تجرّد الخيال، أحدهما برهان التحلّل، و الآخر بُرهان امتناع انطباع الشيء الكبير في الشيء الصغير. و نغضّ الطرف عن بيان كيفيّة هذين الاستدلالين، و نُرجع الراغبين في الإطلاع إلى كتب الحِكْمَة.

معرفة المعاد ج۲

114
  • يقول المرحوم السبزواريّ في منظومته:

  • تَحَلُّلُ الرُّوحِ وَ أنَّهُ امْتَنَعْ***كَوْنُ الْعَظِيمِ في صَغيرٍ انْطَبَعْ

  • دَلَّا عَلَى تَجَرُّدِ الْخَيَالِ***فَهُوَ مِثالُ عَالَمِ المِثَالِ 1

  • و اعلم إنّ البدن الذي يدخل القبر فيُهال عليه التراب هو غير الصورة المثاليّة التي تذهب إلى البرزخ، و إنّ السؤال و الحساب يوجّهان للبدن المثاليّ لا للبدن الترابيّ، فالأخير لا حركة له و لا عين و لا اذن و لا إدراك، سواءً استحال رميماً في القبر أم لم يستحل

  • التعبير عن عالم البرزخ بعالم القبر

  • . أمّا البدن المثاليّ الذي هو عالم الصورة الإنسانيّة، فإنه حيّ لا يموت، لا ينقص إدراكه أو تضعف بصيرته، بل يزدادان قوّةً و مضاءً، و هو الذي يصبح مورداً للسؤال و المؤاخذة، و مورداً للثواب أو العقاب البرزخيّ. و علّة ما ورد في كثير من الروايات من التعبير بعالم القبر، و منكر و نكير في عالم القبر، و المؤاخذة في القبر؛ هو إنّ عالم البرزخ يعقب هذه الدنيا، كما إنّ القبر يعقب هذه الحياة الدنيويّة، و لهذه المناسبة فقد عبّروا بعالم القبر عن عالم البرزخ المتعلّق بعالم القبر.

  • بلى، ستصبح الروح مع البدن الجسمانيّ في القيامة موردَ المؤاخذة و الثواب و العقاب، و المعاد الجسمانيّ من ضروريّات المذهب، و هكذا فإنّ الله تبارك و تعالى سيُحضر الروح و البدن معاً في المحشر فيجزيهما بأعمالهما خيراً أو شرّاً. و سنبحث إن شاء الله تعالى مفصّلًا في بحث الحَشْر الذي سيأتي، عن كيفيّة المعاد الجسمانيّ و بيان الآراء و المذاهب فيه.

    1. «شرح المنظومة السبزواريّة»، مبحث الطبيعيّات، مبحث النفس، غرر في النفس الباطنيّة، حيث شرح هذا الموضوع بشكل كامل من ص 286 إلى ص 288.

معرفة المعاد ج۲

115
  • و يشهد على إثبات العوالم الثلاثة المذكورة، أي عالم الطبع و عالم البرزخ و عالم القيامة، وجدانُنا بنفسه، ناهيك عن البراهين التي اقيمت في العلوم الإلهيّة و الحكمة المتعالية.

  • العوالم الثلاثة للإنسان: البدن و الذِّهن و النَّفس

  • إننا نمتلك مراتب من مراتب الوجود

  • الأولى: بدننا المنتمي إلى عالم الطبع و المادّة، و الذي يعروه و يطرأ عليه التغيّر و التحوّل و الفساد و الصلاح و العُمران، و المتغيّر دوماً مع تغييرات المادّة و الظرف الزمانيّ و المكانيّ. فالبدن بجميع أعضاءه و جوارحه من القلب و المخّ و الكبد و الرئة و الكلية و المعدة و الأمعاء و اليدين و الرِّجلين و العين و الاذن و آلاف الأعضاء و ملايين الخلايا ليس في ثبات و استقرار و لو للحظة واحدة، بل يتّخذ لنفسه دوماً في حركته الجوهريّة و الذاتيّة حالاتٍ جديدةٍ تخلف حالاته السابقة و تحلّ محلّها.

  • الثانية: مرحلة ألطف و أعلى، و هي ذهننا الذي يمتلك قوى باطنيّة من القوة المفكّرة و المتخيّلة و الواهمة و الحافظة و الحسّ المشترك، و الذي يستقبل آلاف الصور و الأشكال و المعاني، كما أنه يُوجِد بنفسه مثل هذه الصور و المعاني أيضاً.

  • فذهننا لا وزن له و لا ثقل، و ليس مادّياً، إلّا إنّ له كيفيّة المادّة و آثارها من الشكل و الصورة و اللذّة و الحزن و غيرها.

  • و يمكن لذهننا أن يُوجِد في داخله بإرادته موجوداتٍ لا يمكنها الظهور في هذا العالم بواسطة كثافة المادّة.

  • كما إنّ حركة بدننا تابعة لإرادة ذهننا و أمره، فلا يمكن للإنسان إنجاز عملٍ ما دون أن يتصورّ صورة ذلك العمل. و لقد تصوّرنا حين كنّا في

معرفة المعاد ج۲

116
  • المنزل صورة المسجد و الحركة تجاهه، و وضعنا في نظرنا فائدة ذلك، ثمّ إنّ أنفسنا أمرتنا لنعمل وفق تلك الخطّة التي رُسمت في أذهاننا من المسجد و الحركة و تصوّر فائدة المجيء للمسجد، فعملنا بذلك.

  • الثالثة: نفسنا و حقيقتنا، و هي أعلى و أوسع و ألطف بكثير من ذهننا، لأنها تفوقه في عدم امتلاكها شكلًا و لا صورة، و لا أبعاداً و لا كيفيّة. و هي تلك الماهيّة التي يُعبّر عنها ب- «أنا» و «أنت» و «هو» و «نحن» و «أنتم» و «هم».

  • و هي أعلى من القوى و من الملكات و الصفات، لأنّ جميع القوى الباطنيّة و الملكات و الصفات موجودة في شعاع وجودها و قائمة بها، و هي حقيقة مجرّدة عن المادّة، و مجرّدة عن صورة المادّة و آثارها.

  • و هذه المراحل الثلاث لوجودنا انموذج و مثال للمراحل الثلاث من وجود العالم الكلّيّ، فبدننا انموذج من عالم الهيولا و الطبع، و ذهننا و مثالنا المتّصل انموذج من عالم البرزخ و المثال المنفصل، و نفسنا الناطقة و حقيقتنا انموذج من عالم النفس الكلّيّة و القيامة الكبرى.

  • و قد اشيرَ إلى هذا الأمر في الأشعار المنسوبة إلى مولى الموالى أمير الموحّدين و المؤمنين عليه السلام:

  • دَوَاؤكَ فِيكَ وَ مَا تَشْعُرُ***وَ دَاؤُكَ مِنْكَ وَ مَا تُبْصِرُ

  • وَ تَحْسَبُ أنَّكَ جِرْمٌ صَغِيرٌ***وَ فِيكَ انْطَوَى الْعَالَمُ الأكْبَرُ

  • وَ أنْتَ الْكِتَابُ الْمُبِينُ الذي***بَأحْرُفِهِ يَظْهَرُ الْمُضْمَرُ

  • فَلَا حَاجَةَ لَكَ في خَارِجٍ***يُخَبِّرُ عَنْكَ بِمَا سُطِّرُ 1

    1. «الديوان المنسوب إلى الإمام أمير المؤمنين عليه السلام»، الطبعة الحجريّة، قافية الراءِ.

معرفة المعاد ج۲

117
  • و قد صُرّح بهذه المراتب الثلاث في وجود الإنسان في السجدة التي سجدها رسول الله صلّى الله عليه و آله في ليلة النصف من شعبان، و كذلك في الدعاء الوارد في سجدة النصف من شعبان بعد إيراد الصلاة بالكيفيّة الخاصّة.

  • روى الشيخ الطوسيّ في كتاب «مصباح المتهجّد» عن حمّاد بن عيسى، عن أبان بن تغلب قال:

  • قال أبو عبد الله عليه السلام: لمّا كانت ليلة النصف من شعبان كان رسول الله صلّى الله عليه و آله عند عائشة، فلمّا انتصف الليل قام رسول الله صلّى الله عليه و آله، عن فراشها، فلمّا انتبهت وجدت رسول الله صلّى الله عليه و آله قد قام عن فراشها، فدخلها ما يتداخل النساء و ظنّت أنه قد قام إلى بعض نسائه، فقامت و تلفّفت بشملتها و أيم الله ما كان قزّاً و لا كتّاناً و لا قطناً، و لكن كان سداه شعراً و لحمته أوبار الإبل، فقامت تطلب رسول الله صلّى الله عليه و آله في حُجَر نسائه حجرةً حجرة، فبينا هي كذلك إذ نظرت إلى رسول الله صلّى الله عليه و آله ساجداً كثوب متلبّط على وجه الأرض، فدنت منه قريباً فسمعته في سجوده و هو يقول:

  • سَجَدَ لَكَ سَوَادِي وَ خَيَالِي وَ آمَنَ بِكَ فُؤَادِي، هَذِهِ يَدَاي وَ مَا جَنَيْتُهُ على نَفْسِي، يَا عَظِيمَاً تُرْجَى لِكُلِّ عَظِيم، إغْفِرْ لي ذَنْبِي الْعَظِيمَ فَإنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذَّنْبَ الْعَظِيمَ إلَّا الرَّبَّ الْعَظِيم.

  • ثُمّ رفع رأسه و أهوى ثانياً إلى السجود و سَمِعَتْه عائشة يقول:

  • أعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الذي أضَاءَتْ لَهُ السَّمَاواتُ وَ الأرَضُونَ، وَ انْكَشَفَتْ لَهُ الظُّلُمَاتُ، وَ صَلُحَ عَلَيْهِ أمْرُ الأوَّلِينَ وَ الآخِرينَ، مِنْ فُجاءَةِ نِقْمَتِكَ وَ مِنْ تَحْوِيلِ عَافِيَتِكَ وَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ. اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي قَلْبَاً تَقِيَّاً نَقِيَّاً وَ مِنَ الشِّرْكِ بَرِيئاً لَا كَافِراً وَ لَا شَقِياً.

معرفة المعاد ج۲

118
  • ثمّ عفّر خدّيه في التراب فقال:

  • عَفَّرْتُ وَجْهِي في التُّرَابِ وَ حَقَّ لي أنْ أسْجُدَ لَكَ.

  • فلمّا همّ رسول الله صلّى الله عليه و آله بالانصراف هرولت إلى فراشها، فأتى رسولُ الله صلّى الله عليه و آله فراشَها فإذا لها نَفَسٌ عالٍ، فقال لها رسول الله صلّى الله عليه و آله: ما هذا النفس العالي؟ أ مَا تعلمين أي ليلةٍ هذه؟ هذه ليلة النصف من شعبان فيها تُقسم الأرزاق و فيها تُكتب الآجالُ و فيها يُكتب وفدُ الحاجّ، و إنّ الله ليغفر في هذه الليلة من خلقه أكثر من شعر معزى قبيلة كلب، و ينزل الله تعالى ملائكة من السماء إلى الأرض بمكّة.

  • و قد ذكر المرحوم السيّد بن طاووس هذه الرواية في «الإقبال» و أورد سندها بهذه الكيفيّة، أي: الشيخ الطوسيّ، عن حمّاد بن عيسى، عن أبان بن تغلب، عن الإمام الصادق عليه السلام، إلّا أنه ذكر- بدلًا من عائشة- إنّ رسول الله كان عند بعض نسائه. ثمّ أنه نقل عن الزمخشريّ في كتاب نابق «الفائق خ ل» إنّ امّ سلمة تبِعت النبيّ فرأته يتّجه إلى البقيع، ثمّ إنّ امّ سلمة رجعت، فشاهد النبيّ عند عودته أنفاسها المتلاحقة من إسراعها. إلّا إنّ الزمخشريّ لم يذكر في هذه الرواية أدعية النبيّ في سجوده. ثمّ يوّحد السيّد ابن طاووس بين هذه الرواية و رواية الشيخ في «المصباح»، ثمّ يختمها بنسبتها إلى امّ سلمة و بذكر الأدعية الواردة في السجدات و دعاء الخدّين.1

  • إلّا إنّ لهذه الرواية إضافة على رواية الشيخ في «المصباح» و هي

  • يَغْفِرُ اللهُ تعالى إلَّا الْمُشْرِك2 أو مُشَاجِنٍ أوْ قَاطِعِ رَحِمٍ أوْ مُدْمِنِ

    1. «الإقبال» الطبعة الحجرية، أعمال النصف من شعبان، ص 702 و 703.
    2. من الممكن أنه كان« الّا لِمُشرك»، و هو الأقرب.

معرفة المعاد ج۲

119
  • مُسْكِرٍ أوْ مُصِرٍّ على ذَنْبٍ أوْ شَاعِرٍ أوْ كَاهِنٍ.

  • كما يروي الشيخ الطوسيّ في «مصباح المتهجّد» عن الحسن البصريّ، عن عائشة؛ و الشيخُ الصدوق بسند آخر عن الإمام الحسن المجتبى عليه السلام، إنّ من جملة الأعمال التي أمر رسول الله صلّى الله عليه و آله بالإتيان بها ليلة النصف من شعبان عشر ركعات يؤتى بها بعد منتصف الليل يُتلى في كلّ ركعة فاتحة الكتاب مرّة و التوحيد عشر مرات، ثمّ يسجد فيقول:

  • اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدَ سَوَادِي وَ خَيَالِي وَ بَيَاضِي يَا عَظِيمَ كُلِّ عَظِيمٍ إغْفِرْلِي ذَنْبِيَ الْعَظِيمَ فَإنَّهُ لَا يَغْفِرُهُ غَيْرُك.

  • ثمّ قال رسول الله فإنه مَن فعل ذلك محا الله عنه اثنتين و سبعين ألف سيّئة، و كتب له من الحسنات مثلها، و محا الله عن والديه سبعين ألف سيّئة.1

  • اندكاك العوالم الثلاثة لرسول الله في الذّات الأحديّة

  • و الخلاصة فقد كان القصد من ذكر هاتين الروايتين خصوص لفظ «سواد» و «خيال» و «فؤاد» في الرواية الأولى، و لفظ «سواد» و «خيال» و «بياض» في الثانية. و ذلك لأنّ المراد بها تلك العوالم الثلاثة الموجودة في الإنسان، فالسواد كناية عن عالم البدن و المادّة، لأنّ عالم البدن و الطبع مُبتلى بالآلام و المصائب و مُعرّض للحوادث و التغييرات و للكون و الفساد، و محدود بالزمان و المكان و أعراض المادّة، حيث عُبِّر عنه في الرواية ب- «أظلم العوالم».

  • و الخيال بمعنى عالم المثال و الذهن الذي يتعامل مع الصور بشكل دائميّ، فلا تتجاوز دائرة نشاطه الشكلَ و الصورةَ و التصوّرَ و التصديقَ.

    1. «مصباح المتهجّد» الطبعة الحجريّة ص 583 و 584.

معرفة المعاد ج۲

120
  • أمّا البياض فكناية عن عالم النفس الناطقة و حقيقة الإنسان المجرّدة و المنزّهة عن المادّة و الطبع، و عن شكل و صورة و حدود و ثغور عالم المثال؛ و السبحة في بحر التحرّر و الإنطلاق. و هو معنى الفؤاد الذي ورد في الرواية الأولى، كما إنّ السجدة عبارة عن غاية التذلّل و العبوديّة و مقام الفناء.

  • و عليه فإنّ معنى ذلك سيصبح: يا إلهي، لقد قَدِمْتُ بجميع مراتب و درجات وجودي، من الطبع و البدن، و من الخيال و المثال، و من النفس و الحقيقة إلى مقام التسليم و العبوديّة المحضة و الفناء في ساحتك المقدّسة، فليس هناك في أي منها شائبة للأنانيّة و الشخصيّة و الاستكبار و الاستقلال رزقنا الله ذلك بمحمّد و آله صلواته عليهم و سلامه.

  • كلام المرحوم الميرزا جواد آقا الملكيّ التبريزيّ في العوالم الثلاثة

  • و لهذا المعنى فقد صرّح آية الحقّ و اليقين، زين الحكماء و العرفاء الشامخين، الحاجّ الميرزا جواد آقاى الملكيّ التبريزيّ أعلى الله مقامه الشريف في كتاب «المراقبات أو أعمال السنة» ص 85 ضمن أعمال ليلة النصف من شعبان بقوله:

  • وَ مِنَ الْمُهِمَّاتِ سَجَدَاتٌ بِدَعَوَاتٍ مَخْصُوصَةٍ، وَ في بَعْضِهَا إشَارَةٌ إلى الْمَراتِبِ الثَّلَاثَةِ للإنْسَانِ حَيْثُ قَالَ فِيهِ: «سَجَدَ لَكَ سَوَادِي وَ خَيَالِي وَ بَيَاضِي» وَ هُوَ كَالنَّصِّ بِعَالَمِهِ الْمَحْسُوسِ فَإنَّهُ مُرَكَّبٌ مِنْ مَادَّةٍ وَ مِقْدَارٍ، وَ عَالَمِهِ الْمِثَالِ وَ هُوَ مُرَكَّبٌ مِنْ صُورَةٍ وَ رُوحٍ، وَ عَالَمِهِ الْحَقِيقِيّ الذي بِهِ صَارَ إنْسَاناً يَعنِي حَقِيَقَةَ نَفْسِهِ وَ هُوَ عَالَمُهُ الذي لَا صُورَةَ فِيهِ وَ لَا مَادَّةَ، وَ هُوَ حَقِيقَتُهُ الْعَالِمَةُ اللَّطِيفَةُ الرَّبانِيَّةُ التي مَنْ عَرفَهَا فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ، أي تَكُونُ مَعْرِفَتُهُ وَسِيلَةً لِمَعْرِفَةِ الرَّبِّ تعالى.

  • و كذلك كتب ذلك المرحوم في إجابته على رسالة للمرحوم زين الفقهاء و جمال السالكين الحاجّ الشيخ محمّد حسين الكمبانيّ الأصفهانيّ

معرفة المعاد ج۲

121
  • سأله فيها إرشاده إلى طريقة للعمل و إلى المقدّمة المؤدّية إلى معرفة الحضرة الأحديّة؛ متعرّضاً إلى هذا المعنى يقول:

  • و العجب من التصريح بهذه المراتب في سجدة دعاء ليلة النصف من شعبان، و هو وقت وصول الرسالة؛ في قوله:

  • سَجَدَ لَكَ سَوَادِي وَ خَيَالِي وَ بَيَاضِي.

  • فأصل المعرفة ذلك الوقت الذي يفنى فيه الثلاثة معاً، حيث إنّ حقيقة السجدة عبارة عن الفناء، و عند الفناء عن النفس بمراتبها يحصل البقاء بالله.1

  • و قد روي في كتب أربعة معروفة رواية عجيبة عن السؤال في عالم القبر و عن استجواب منكر و نكير؛

  • الأوّل: في «تفسير عليّ بن إبراهيم»، ذيل الآية الشريفة:

  • يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ.2

  • يرويها عن أبيه، عن عليّ بن مهزيار، عن عمر بن عثمان، عن المفضّل بن صالح، عن جابر، عن إبراهيم بن العلاء،3 عن سويد بن غَفَلَة.4

  • الثاني: في «تفسير العيّاشيّ»، ذيل نفس الآية المباركة، عن سويد ابن غَفَلة دون ذكر السند.56

  • معرفة المعاد ؛ ج2 ؛ ص121
    1. يوجد لدي الحقير نسخة من هذه المراسلة.
    2. الآية 27، من السورة 14: إبراهيم.
    3. ورد في التفسير بلفظ ابن العلاء، إلّا أنه ذكر في« الكافي» و« أمالى الشيخ» بلفظ عبد الأعلى.
    4. «تفسير عليّ بن إبراهيم»، سورة إبراهيم، ص 346، الطبعة الحجريّة سنة 1313.
    5. «تفسير العيّاشيّ»، سورة إبراهيم، المجلّد الثاني، ص 227.
    6. حسينى طهرانى، سيد محمد حسين، معرفة المعاد، 10جلد، دار المحجة البيضاء - بيروت - لبنان، چاپ: 1، 1416 ه.ق.

معرفة المعاد ج۲

122
  • الثالث: في «الكافي»، عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن عمرو بن عثمان، و عدّة من الأصحاب، عن سهل بن زياد، عن البزنطيّ و الحسن بن عليّ جمعياً، عن أبي جميلة، عن جابر، عن عبد الأعلى؛ و كذلك عن عليّ ابن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن إبراهيم بن عبد الأعلى، عن سويد بن غَفَلة.1

  • الرابع: في «الأمالي»، الشيخ الطوسيّ، عن ابن صلت، عن ابن عقدة، عن القاسم بن جعفر بن أحمد، عن عبّاد بن أحمد القزوينيّ، عن عمّه، عن أبيه، عن جابر، عن إبراهيم بن عبد الأعلى، عن سويد بن غَفَلة.2

  • كما قام المجلسيّ بروايتها عنهم في كتابه «بحار الأنوار»3.

  • و بالطبع فقد كان اختلاف اللفظ في نسخ هذه الرواية طفيف جدّاً، إلّا أننا ننقل هنا عين عبارة «تفسير عليّ بن إبراهيم».

  • ذُعر الحيوانات و فرارها من عذاب قبر الكفّار و الظالمين

  • فبعد ذكر السند السابق يحدّث سويد بن غَفَلة عن الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام قال: إنّ ابْنَ آدَمَ إذَا كَانَ في آخِرِ يَوْمٍ مِنْ أيَّامِ الدُّنْيَا وَ أوَّلِ يَوْمٍ مِنْ أيَّامِ الآخِرَةِ مُثِّلَ لَهُ مَالُهُ وَ وُلْدُهُ وَ عَمَلُهُ، فَيَلْتَفِتُ إلى مَالِهِ فَيَقُولُ: وَ اللهِ إنِّي كُنْتُ عَلَيْكَ لَحَرِيصاً شَحِيحاً، فَمَا لي عِنْدَكَ؟

  • فَيَقُولُ: خُذْ مِنِّي كَفَنَكَ.

    1. «الكافي»، كتاب الفروع ج 1 كتاب الجنائز، باب أنّ الميّت يُمثَّل له ماله و ولده و عمله قبل موته، الطبعة الحجريّة ص 63؛ و الطبعة الحيدريّة: المجلّد الثالث، ص 231.
    2. «الأمالي» للشيخ الطوسيّ، طبع مطبعة النعمان، النجف، المجلّد الأوّل، ص 357 إلى 359.
    3. «بحار الأنوار»، كتاب العدل و المعاد، طبعة الآخوند، المجلّد السادس، ص 224 إلى 228.

معرفة المعاد ج۲

123
  • ثُمَّ يَلْتَفِتُ إلى وُلْدِهِ فَيَقُولُ: وَ اللهِ إنِّي كُنْتُ لَكُمْ لَمُحِبّاً، وَ إنِّي كُنْتُ عَلَيْكُمْ لَمُحَامِياً؛ فَمَا ذَا لي عِنْدَكُمْ؟

  • فَيَقُولُونَ: نُوَدِّيكَ إلى حُفْرَتِكَ وَ نُوارِيكَ فِيهَا.

  • ثُمَّ يَلْتَفِتُ إلى عَمَلِهِ فَيَقُولُ: إنِّي كُنْتُ فِيكَ لَزَاهِداً؛ وَ إنَّكَ كُنْتَ عليّ ثَقِيلًا؛ فَمَا ذَا لي عِنْدَكَ؟

  • فَيَقُولُ: أنَا قَرِينُكَ في قَبْرِكَ وَ يَوْمَ حَشْرِكَ حتّى اعْرَضُ أنَا وَ أنْتَ على رَبِّكَ.

  • فَإنَّ كَانَ لِلهِ وَلِيَّاً أتَاهُ أطْيَبُ النَّاسِ رِيحَاً وَ أحْسَنُهُمْ مَنْظَرَاً وَ أحْسَنُهُمْ رِيَاشَاً؛ فَيَقُولُ: ابْشِرْ بِرُوحٍ مِنَ اللهِ وَ رَيْحَانٍ وَ جَنَّةِ نَعِيمٍ؛ قَدْ قَدِمْتَ خَيْرَ مَقْدَمٍ.

  • فَيَقُولُ: مَنْ أنْتَ؟

  • فَيَقُولُ: أنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ، أرْتَحِلُ مِنَ الدُّنْيَا إلى الْجَنَّةِ؛ وَ إنَّهُ لَيَعْرِفُ غَاسِلَهُ وَ يُنَاشِدُ حَامِلِيهِ أنْ يُعجِّلُوهُ.

  • فَإذَا ادْخِلَ قَبْرَهُ أتَاهُ مَلَكَانِ، و هُمَا فَتَّانَا الْقَبْرِ؛ يَجُرَّانِ أشْعَارَهُمَا وَ يَبْحَثَانِ الأرْضَ بِأنْيَابِهِمَا؛ وَ أصْوَاتُهُمَا كَالرَّعْدِ الْعَاصِفِ؛ وَ أبْصَارُهُمَا كَالْبَرْقِ الْخَاطِفِ.

  • فَيَقُولَانِ له: مَنْ رَبُّكَ؟ وَ مَنْ نَبِيُّكَ؟ وَ مَا دِينُّكَ؟ وَ مَنْ إمَامُكَ؟

  • فَيَقُولُ: رَبِّي اللهُ، وَ مُحَمَّدُ نَبِيّي، وَ دِيني الإسْلَامُ، وَ عَلِيٌ وَ الأئِمَّةُ صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِمْ أئِمَّتِي.

  • فَيَقُولَانِ: ثَبَّتَكَ اللهُ بِمَا تُحِبُّ وَ تَرضَى وَ هُوَ قَولُ اللهِ: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ ... الآية؛ فيفسحان له في قبره مد بصره، وَ يَفْتَحَانِ لَهُ بَابَاً إلى الْجَنَّةِ؛ وَ يَقُولَانِ لَهُ: نَمْ قَرِيرَ الْعَيْنِ نَوْمَ الشَّابِّ النَّاعِمِ وَ هُوَ قَولُهُ: أصْحَابُ الْجَنَّةِ يَومَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرّاً وَ أحْسَنُ مَقِيلًا. وَ إذَا كَانَ

معرفة المعاد ج۲

124
  • لِرَبِّهِ عَدُوَّاً، فَإنَّهُ يَأتِيهِ أقْبَحُ خَلْقِ اللهِ رِياشَاً وَ أنْتَنُهُ رِيحاً. فَيَقُولُ لَهُ: أبْشِرْ بِنُزُلٍ مِنْ حَمِيمٍ، وَ تَصْلِيَةِ جَحِيمٍ؛ وَ أنَّهُ لَيَعْرِفُ غَاسِلَهُ وَ يُنَاشِدُ حَامِلِيهِ أنْ يَحْبِسُوهُ.

  • فَإذَا دَخَلَ قَبْرَهُ أتَيَاهُ مُقْتَحِمَا الْقَبْرِ، فَألْقَيَا عَنْهُ أكْفَانَهُ؛ ثَمَّ قَالا لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ وَ مَنْ نَبِيُّك؟ وَ مَا دِينُكَ؟

  • فَيَقُولُ: لَا أدْرِي.

  • فَيَقُولَانِ لَهُ: لَا دَرَيْتَ وَ لَا هُدِيتَ؛1 فَيَضْرِبَانِهِ بِمِرْزَبَةٍ ضَرْبَةً مَا خَلَقَ اللهُ دَابَّةً إلَّا وَ تَذْعَرُ لَهَا خَلَا الثَّقَلَانِ.

  • ثُمَّ يَفْتَحُ اللهُ لَهُ بَابَاً إلى النَّارِ؛ ثُمَّ يَقُولَانِ لَهُ: نَمْ بِشَرِّ حَالٍ فَهُوَ مِنَ الضِّيقِ مِثْلُ مَا فِيهِ الْقَنا مِنَ الزُّجِّ حتّى إنّ دِمَاغَهُ يَخْرُجُ مِنْهَا مِمَّا بَيْنَ ظُفْرِهِ وَ لَحمِهِ؛ وَ يُسلَّطُ عَلَيْهِ حَيَّاتُ الأرْضِ وَ عَقَارِبُهَا وَ هُوَ امُّهَا فَتَنْهَشَهُ حتّى يَبْعَثُهُ اللهُ مِنْ قَبْرِهِ، وَ أنهُ لَيَتَمَنَّى قِيَامَ السَّاعَةِ مِمَّا هُوَ فِيهِ مِنَ الشَّرِّ.

  • وهذه الرواية منقولة في الكتب المذكورة إلى هذا المقدار الذي ذكرناه، إلّا إنّ لها تتمّة في «تفسير العيّاشيّ» و في «الكافي»، و هي:

  • وَ قَالَ جَابِرُ2: قالَ أبوجَعْفَرٍ عَلَيْهِالسَّلَامُ: قَالَ النَّبِيّ صلّى الله عَلَيْهِ و آله: إنِّي كُنتُ أنْظُرُ إلى الإبِلِ وَ الْغَنَمِ وَ أنَا أرْعَاهَا؛ وَ لَيْسَ مِنْ نَبِيّ إلَّا وَ قَدْ رَعَى الْغَنَمَ، وَ كُنْتُ أنْظُرُ إلَيْهَا قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَ هي مُتَمَكِّنَةٌ في الْمَكِينَةِ، مَا حَوْلَهَا شَيءٌ يُهَيِّجُهَا حتّى تَذْعَرُ فَتَطِيرُ.

  • فَأقُولُ: مَا هَذَا وَ أعْجَبُ حتّى حَدَّثَنِي جَبْرَئِيلُ عَلَيْهِالسَّلَامُ إنّ الْكَافِرَ

    1. يُمكن أن تكون جملة« لَا دَرَيْتَ و لا هُدِيتَ» إستفهاميّة، أو أن تكون لعناً و دعاءً بالسّوء و هو الأقرب إن لم يكن متعيّناً.
    2. و هو من سلسلة رواة هذا الحديث.

معرفة المعاد ج۲

125
  • يُضْرَبُ ضَرْبَةً مَا خَلَقَ اللهُ شَيئاً إلَّا سَمِعَهَا وَ يَذْعَرُ لَهَا إلَّا الثَّقَلَيْنِ.

  • فَقُلْتُ: ذَلِكَ لِضَرْبَةِ الْكَافِرِ، فَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ.

  • قصّة آية الله الأنصاريّ و جنازة الحاكم الظالم؛ و قصّة جنازة الرجل العربيّ

  • قصّة آية الله الأنصاريّ و جنازة الحاكم الظالم في همدان

  • نقل المرحوم آية الحقّ و اليقين، ترجمان القرآن و سلمان الزمان، آية الله الحاج الميرزا جواد آقاي الأنصاريّ الهَمَدانيّ أعلى الله مقامه الشريف و جعل قبره في الرضوان. كنتُ أجتاز أحد شوارع هَمَدان، فرأيتُ جنازة محمولة على الأكتاف يُتّجه بها إلى المقبرة و يسير خلفها جمع من المشيّعين، إلّا أنه كان يُساق في الجانب الملكوتي إلى ظُلمة مُبهمة عميقة، و كانت الروح المثاليّة لهذا الرجل المتوفّى تذهب معه في أعلى جنازته و تحاول الصراخ باستمرار أن:

  • يا إلهي نجّني كي لا يأخذونني هناك! إلّا إنّ لسانه لم يكن ليجري بذكر الله، فكان يلتفت آنذاك إلى الناس و يقول لهم: أيها الناس نجّوني و لا تدعوهم يأخذونني! إلّا إنّ صوته لم يكن ليصل إلى سمع أحد و كان ذلك المرحوم أعلى الله شأنه يقول: و كنتُ أعرف صاحب الجنازة، فقد كان من أهل هَمَدان، و كان حاكماً ظالماً مستبدّاً.

  • قصّة الدكتور إحسان و جنازة الرجل العربيّ

  • في مدينة الكاظمين عليهما السلام

  • كان أحد أصدقائنا و يدعى الدكتور حسين إحسان رحمه الله رجلًا جديراً بالاحترام و التقدير، و كان له عيادة في طهران، إلّا أنه كان

معرفة المعاد ج۲

126
  • يُسافر في الشتاء إلى العتبات المقدّسة لمدّة ستّة أشهر، و كان له عيادة في كربلاء، و لم يكن يتقاضى من الفقراء أجراً، و كان يعمد إلى إعطاء بعض المحتاجين الدواءَ، بل و نفقات الغذاء أحياناً. و كان يعيش حياةً بسيطة مُفعمة بالصفاء، حيث ينقضي على رحيله خمس عشرة سنة تقريباً.

  • و قد نَقَلَ يوما: كنتُ قد تشرّفتُ يوماً بالذهاب إلى مدينة الكاظمين، و جئتُ إلى شاطئ النهر (يقصد نهر دجلة الذي يمرّ على الكاظمين و يبعد عن الحرم المطهّر مسافة قليلة)، فشاهدتُ أنهم قد جاءوا بجنازة محمولة على سيّارة، ثّم ترجّلوا و حملوها على أكتافهم متّجهين بها مع المشيّعين إلى الصحن المطهّر.

  • و كان معهوداً في العراق أنه حين يتوفّى أحد أفراد الشيعة ممّن ينتمي إلى عشيرة و قبيلة، فإنّ جنازته كانت تُوضع في تابوت و تُحمل على سيّارة خاصّة فتؤخذ إلى الكاظمين عليهما السلام تصحبها سيّارات المشيّعين العديدة، فيُطاف بها هناك، ثمّ تؤخذ إلى كربلاء فيُطاف بها هناك أيضاً، ثمّ تؤخذ إلى النجف فيُطاف بها، و تُدفن مِن ثَمّ في وادي السّلام في النجف الأشرف.

  • و كان ذلك المرحوم يقول: كنتُ عازماً على التشرّف بالذهاب للزيارة في نفس الوقت الذي كانوا يأخذون فيه تلك الجنازة إلى الصحن المطهّر، فتحرّكتُ خلفها. و حين شيّعتها مسافةً ما شاهدتُ فجأة إنّ هناك كلباً أسوداً مُخيفاً جالساً فوق الجنازة، فاستغربت كثيراً لذلك و تساءلتُ في نفسي: لماذا جلس هذا الكلب فوق الجنازة؟!

  • و لم ألتفت إلى إنّ هذا هو البدن المثاليّ للمتوفّى، و أنه ليس كلباً خارجيّاً. ثمّ سألتُ المشيّعين الذين كانوا إلى جانبي: ماذا يوجد على

معرفة المعاد ج۲

127
  • الجنازة؟

  • قالوا: لا شيء، إلّا قطعة القماش التي تراها!

  • فأدركتُ آنذاك إنّ هذا الكلب صورة مثاليّة، و أنني أراه لوحدي بينما لا يدركه الآخرون.

  • و لم أنبس بشيء بعد ذلك، حتّى وصلوا بالجنازة إلى الصحن المطهّر، ثّم رأيتُ عند باب الصحن حين أرادوا إدخال التابوت في الصحن المطهّر للطواف، إنّ ذلك الكلب قفز من فوق التابوب و وقف جانباً، حتّى طافوا بالجنازة. و ما إن جاءوا بها يريدون إخراجها من باب الصحن حتّى قفز ذلك الكلب ثانيةً فوق التابوت و جلس فوق الجنازة. و من المعلوم بالطبع إنّ صاحب تلك الجنازة كان رجلًا ظالماً و متجاوزاً، لذا فقد تجسّمت صورته الملكوتيّة في هيئة صورة الكلب، و لأنّ ذلك المرحوم كان يمتلك صفاءً باطنيّاً فقد أدرك هذا المعنى، بينما خفي ذلك على الآخرين فلم يروا شيئاً.

  • حاسِبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا

  • و الخلاصة فإنّ هذه الدنيا التي نعيش فيها قد وضعت وفق هدف و حكمة، كما إنّ كلمات الله و رسوله و الأئمّة السالكين في سبيله لم تصدر دون حساب.

  • لقد منحنا الباري سبحانه قوّتين، إحداهما القوّة الباطنيّة و العقل، و الأخرى القوّة الخارجيّة و هي الدِين و المذهب و سُنّة أولياء الله، و على الإنسان أن يتجنّب ارتكاب الخطأ، فهذا العالم لم يُخلَق لهواً و عبثاً، و الإنسان لم يُخلق مهملًا مغفولًا عنه:

  • أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَ أَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ.1

    1. الآية 115، من السورة 23: المؤمنون.

معرفة المعاد ج۲

128
  • خراميدن لاجوردى سپهر***همان گِرد گرديدن ماه و مِهر

  • مپندار كاين چرخ بازيگريست***سرا پردهاى اين چنين سرسرى است 1

  • و لم يكن عبثاً إنّ أمير المؤمنين عليه السلام كان إذا وصل إلى هذه الآية: أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً،2 كرّرها و ترنّم بها مع نفسه.

  • فلا يظنّنّ أحد إذا ما ارتكب ذنباً في خلوةٍ أنه كان بمعزل و إنّ أحداً لم يطّلع عليه، فالله هناك، و الملائكة هناك، و عالَم الغيب هناك، و عالم البرزخ و المثال هناك، و عالم تدوين الأحوال و الأعمال هناك، و عالم إثبات الصور و الأشكال هناك؛ و إن تركوا المرء اليوم دون استجواب، فسيفعلون ذلك غداً.

  • و هكذا سيلقى الذين حاسبوا أنفسهم من أمرهم يُسراً، و سيخلدون بأفضل سبيل و أحسن وجه في مقام الأمن و مقرّ الأمان الإلهيّ.

  • أمّا الذين تخيّلوا إنّ هذا العالم خلق عبثاً و أن لا مدبّر له؛ فبدرت منهم المظالم، فإنهم مُبتلون مؤاخذون، مبتلون بسكرات الموت، و إلّا فبسؤال منكر و نكير، أو بعذاب القبر، أو بالحشر و الصراط و الميزان و العرض، أو بورود النار و الإقامة في مرحلة الملكات السيّئة التي اقترنت به، و الله وحده يعلم كم يلزمهم من الوقت ليخرجوا من هذه المحن.

  • و إن لم يحاسب المرء نفسه اليوم، فإنّ من المسلّم أنه سيُحاسب غداً

    1. يقول: لا يُخيّلنّ لك أنّ تبختر السماء الزرقاء اللازورديّة، و استدارة الشمس و القمر، كان لعبَ لاعبٍ و لهوَ لاهٍ، أو أنّ كلّ هذا الوجود كان عبثاً لا طائل وراءه!
    2. الآية 36، من السورة 75: القيامة.

معرفة المعاد ج۲

129
  • و سيخرج مُثقلًا بالعار و الفضيحة.

  • قال النبيّ الأكرم: الدُّنْيَا مَزْرَعَةُ الآخِرَةِ.1

  • و قال الصادق عليه السلام:

  • ألَا فَحَاسِبُوا أنْفُسَكُمْ قَبْلَ أنْ تُحَاسَبُوا فَإنَّ في الْقِيَامَةِ خَمْسِينَ مَوْقِفَاً كُلُّ مَوْقِفٍ مقامُ ألْفُ سَنَةٍ ... الخبر.2

  • و كذلك روي في «الكافي» بسنده المتّصل، عن إبراهيم بن عمر اليمانيّ، عن الإمام موسى بن جعفر صلوات الله عليه قال:

  • لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يُحَاسِبْ نَفْسَهُ في كُلِّ يَوْمٍ، فَإنْ عَمِلَ حَسَنَاً اسْتَزَادَ اللهَ، وَ إنْ عَمِلَ سَيِّئَاً اسْتَغْفَرَ اللهُ مِنْهُ وَ تَابَ إلَيْهِ.3

  • و خلاصة الأمر، فإن تدارك الإنسان ذنبه، و قام بتأدية حقوق الآخرين و أقام على مرحلة الطاعة و التسليم لله، فإنّ سفره إلى الآخرة لن يكون فقط في غاية اليُسر، بل إنّ الملائكة السماويّين و الحور العين سيكونون في استقباله و تهنئته، و ملائكة الرحمة سيكونون في انتظاره ترقّب وصوله.

    1. «احياء العلوم»، المجلّد الرابع، ص 18.
    2. «بحار الأنوار»، الطبعة الكمباني، المجلّد 15، الجزء الثاني في الأخلاق، ص 40، رواه عن« مجالس الشيخ المفيد» و عن« أمالى الشيخ الطوسيّ». و ورد في« أمالى الطوسيّ» ج 1، ص 34 و ص 109.
    3. «اصول الكافي»، المجلّد الثاني، ص 453 من الطبعة الحيدريّة؛ و باعتبار أنّ هذا الحديث فقرة من فقرات الوصيّة التي أوصاها الإمام موسى بن جعفر عليه السلام إلى هشام ابن الحكم، و هي وصيّة طويلة و مفصّلة للغاية؛ فقد وردت هذه الفقرة أيضاً ضمن تلك الوصيّة في المجلّد الثاني من« اصول الكافي» ص 13 و في« تحف العقول» ص 383، و في المجلّد الأوّل« لبحار الأنوار» الطبعة الكمباني ص 43 نقلًا عن« تحف العقول».

معرفة المعاد ج۲

130
  • يروي المجلسيّ (ره) في «بحار الأنوار» مرسلًا عن رسول الله صلّى الله عليه و آله:

  • إذَا رَضِيَ اللهُ عَنْ عَبْدٍ قَالَ: يَا مَلَكَ الْمَوْتِ اذْهَبْ إلى فُلانٍ فَأتِنِي برُوحِهِ، حَسْبِي مِنْ عَمَلِهِ قَدْ بَلَوتُهُ فَوَجَدْتُهُ حَيْثُ احِبُّ.

  • فَيَنزِلُ مَلَكُ الْموْتِ وَ مَعَهُ خَمْسُمائَةٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مَعَهُمْ قُضْبَانُ الرَّيَاحِين وَ اصُولُ الزَّعْفَرَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُبَشِّرُهُ بِبِشَارَةٍ سِوَى بِشَارَةِ صَاحِبِهِ.

  • وَ يَقُومُ الْمَلَائِكَةُ صَفَّيْنِ لِخُرُوجِ رُوحِهِ، مَعَهُمُ الرَّيْحَانُ، فَإذَا نَظَرَ إلَيْهِمْ إبْلِيسُ وَضَعَ يَدَهُ على رَأسِهِ ثُمَّ صَرَخَ؛ فَيَقُولُ لَهُ جُنُودُهُ: مَا لَكَ يَا سَيِّدَنَا؟

  • فَيَقُولُ: أ مَا تَرَوْنَ مَا اعْطِي هَذَا الْعَبْدُ مِنَ الْكَرَامَةِ؟

  • أيْنَ كُنْتُمْ عَنْ هَذَا؟

  • قَالُوا: جَهِدْنَا بِهِ فَلَمْ يُطِعْنَا.1

  • و بالطّبع فإنّ الملائكة الخمسمائة في هذه الرواية هم بقدر سعة و قابليّة الشخص المؤمن، فإذا زادت درجات المؤمن عند الله تبارك و تعالى عن ذلك بكثير، فما أحراه سبحانه أن يُرسل آنذاك ألف ملك أو عشرة آلاف أو سبعين ألف ملك.

  • قصّة بُرير بن خضير الهمدانيّ و عبد الرحمن بن عبد ربّ الأنصاريّ

  • كان بُرير بن خُضير الهَمْدَانيّ من أصحاب سيّد الشهداء الأجلّاء، و كان ينتمي إلى قبيلة هَمْدان، و كان قارئاً للقرآن، يجلس في مسجد الكوفة فيعلّم في مدرسته العلميّة القرآن و الأحكام.

    1. «بحار الأنوار»، كتاب العدل و المعاد، طبعة الآخوند، المجلّد السادس، ص 161.

معرفة المعاد ج۲

131
  • [و كان] عبد الرحمن بن عبد ربَّه و برير بن خضير الهَمْدَانيّ على باب الفسطاط [الذي ضربه الحسين ليطلى فيه بالنورة] تحتكّ مناكبهما فازدحما أيّهما يطلي على أثره، فجعل برير يُهازل عبد الرحمن، فقال له عبد الرحمن: دعنا فو الله ما هذه بساعة باطل.

  • فقال له بُرير: و الله لقد علم قومي أنّي ما أحْبَبْتُ الباطلَ شابّاً و لا كهلًا، و لكن و اللهِ إنّي لمستبشر بما نحن لاقون، و اللهِ إنه ليس بيننا و بين الحور العين إلّا أن يميل هؤلاء علينا بأسيافهم، و لودَدْتُ أنهم قد مالوا علينا بأسيافهم الساعة.1

  • وعده وصل چون شود نزديك***آتش عشق شعله ور گردد 2

  • قَوْمٌ إذَا نُودُوا لِدَفْعِ مُلِمَّةٍ***وَ الْقَوْمُ بَيْنَ مُدَعَّسٍ وَ مُكَرْدَسِ

  • لَبِسُوا الْقُلُوبَ على الدُّرُوعِ وَ أقْبَلُوا***يَتَهافَتُونَ عَلَى ذِهَابِ الأنْفُسِ

    1. نقل المجلسيّ هذه الحكاية مرسلة في« بحار الأنوار»، الطبعة الكمباني، المجلّد العاشر، ص 192، إلّا أنّ المحدّث القمّيّ رواها في« نفس المهموم» ص 143 عن أبي مخنف، عن عمرو بن مرّة الجمليّ، عن أبي صالح الحنفيّ، عن غلام عبد الرحمن بن عبد ربّه الأنصاريّ.
    2. يقول:« إذا ما دني الوصال الموعود، تأجّجت نارُ العشق و زاد أوارها.»

معرفة المعاد ج۲

132
  •  

  •  

  • المَجْلِسُ الثّاني عَشَر: مُمَيّزاتُ عالَمْ الطَّبْعَ وَ عَالَمْ الْبَرْزَخْ وَ عَالَم القِيامَة

  •  

  •  

معرفة المعاد ج۲

134
  •  

  •  

  • بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

  • (مطالب القيت في اليوم الثاني عشر من شهر رمضان المبارك)

  • الحمد لله ربّ العالمين و لا حول و لا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم

  • و صلّى الله على محمّد و آله الطَّاهرين

  • و لعنة الله على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين

  • قال اللهُ الحكيم في كتابه الكريم:

  •  

  •  

  • وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ* فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ يَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ* يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَ فَضْلٍ وَ أَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ.1

  • أفعال الإنسان في الدنيا تحصل بواسطة الصورة المثاليّة

  • لقد ذكرنا إنّ روح الإنسان تذهب بعد الموت إلى عالم يدعى بعالم البرزخ، و إنّ عالم البرزخ يُدعى أيضاً بالمثال و عالمَ الخيال.

  • و عالم المثال يعني عالم الصورة المحضة الذي لا يحوي مادّة، بل هناك خواصّ المادّة و آثارها، مثل الكميّة و الكيفيّة.

  • و لكي يتّضح هذا المعنى قدراً فإننا نقول- من باب المثال- إنّ الإنسان إذا ما تأمّل في وجوده فإنه سيشاهد إنّ له بدناً، و لهذا البدن وزن و ثقل لأنه مادّيّ؛ كما إنّ التغيّر و التبدّل يطرأ على هذا البدن.

  • و كذلك فإنه يمتلك صورة، و هذه الصورة في هذا البدن، إلّا أنها

    1. الآيات 169- 171 من السورة 3: آل عمران.

معرفة المعاد ج۲

135
  • ليست داخل هذا البدن، بل محيطة به. فهذه الصورة هي التي منحت هذا البدن شكلَها و جعلته يتّخذ هيئتها.

  • و حين تتطلّعون في المرآة فإنّ صورتكم ترتسم في المرآة، إلّا إنّ ثقلكم لا يترك أثراً فيها، فلا تثقل المرآة لذلك. و إذا ما كنتم تحسّون بالتعب فإنّ المرآة لا تتعب؛ أو كنتم تفرحون أو تحزنون فإنّ المرآة لا يعتريها الفرح أو الحزن، بل أنّها تحكي صورتكم فقط.

  • و بالطبع فقد قلنا هذا من باب المثال، و إلّا فإنّ تلك الصورة البرزخيّة و الملكوتيّة هي أوّلًا غير الشكل و الشمائل الخارجيّة. و ثانياً فإنّ الصورة لا تظهر في المرآة، بل إنّ المرآة تعكس الأمواج (الأشعّة) فيرى الإنسان نفسه- لا المرآة- بسبب انعكاس الشعاع فوق سطع المرآة الصقيل، أي إنّ الشعاع المارّ من بؤبؤ عين الإنسان حين يرتطم بالمرآة ينعكس إلى نفس الإنسان فيرى نفسه؛1 و يُقال لهذه الصورة: الصورة المثاليّة.

  • و يحصل أن تشاهدون حلماً في عالم النوم بينما يرقد بدنكم على الأرض، فتتحرّك صورتكم المثاليّة في النوم، بينما لا يُبدي البدن أي حركة، لكنّكم تحسّون لنفسكم واقعيّة و موجوديّة معيّنة في عالم النوم، فترون نفسكم أحياء، و ترون لنفسكم علماً و قدرة، تتحرّكون و تتكلّمون و تقومون بمختلف الأعمال دون أن يحسّ بدنكم شيئاً أو أن يتحرّك أو يفعل شيئاً.

  • إنّ تلك الصورة التي كنتم تدركون موجوديّتها و شخصيّتها في النوم هي صورتكم المثاليّة و الملكوتيّة المنفصلة تماماً عن البدن الراقد.

    1. و هذا بالطبع بتعبير القدماء، أمّا في تعبير علماء الفيزياء الحديثة فليس هناك من شعاع للعين، بل إنّ الشعاع من الشيء المرئيّ يرتطم بالمرآة و ينعكس فيوجد صورةً في العين.

معرفة المعاد ج۲

136
  • الصورة المثاليّة متّحدة ببدن الإنسان

  • البدن شيء، و تلك الصورة المتحرّكة النشطة التي يقوم بها جميع وجود الإنسان في النوم يّش آخر. تلك الصورة هي الصورة المثاليّة أو الخياليّة أو البرزخيّة التي تقطع علاقتها بالبدن جملةً عند النوم، لكنّها تتّحد به حال اليقظة و تعكس الأعمال التي تقوم بها في قالب البدن فيقوم البدن بمتابعتها- لاتّحاده معها- في القيام بتلك الأعمال. و هكذا يقوم بدننا بالصلاة و الصيام و الحجّ، لأنّ الصورة المثاليّة و الملكوتيّة تقوم بهذه الأعمال.

  • و يمكن القول عموماً إنّ تلك الصورة المثاليّة المتّحدة بالبدن مهما شاءت و مهما تصوّرت، فإنّ هذا الهيكل الخارجيّ سيتحرّك بأمرها و بواسطة اتّحاده بها و عينيّته لها. و تبعاً لحركة تلك الصورة و الرسم الذي تحقّق له مثال الإنسان، فإنّ المادّة و البدن سيتحرّكان و يقومان بنشاطاتهما.

  • على إنّ هذه الصورة تقلّل من ارتباطها بالبدن في عالم النوم، فتجرّد نفسها و تجد- بدون البدن- واقعيّتها في نفسها.

  • كما إنّ حقيقة النفس تلك تنفصل أيضاً عن الصورة المثاليّة في عالم النفس و القيامة، فتتجلّى آنذاك نفسُ الإنسان في واقعيّتها بدون صورة.

  • أمّا في الدنيا، حيث يتّحد عالم المثال ببدن الإنسان، فإنّ نفس الإنسان تتّحد هي الأخرى ببدن الإنسان و مثاله، كما إنّ قوى النفس تتّحد جميعها مع مثال الإنسان فتكون جميع مراتب الإنسان الوجوديّة مجتمعة معاً.

  • ثمّ إنّ الصّورة المثاليّة تنفصل بالموت عن البدن، فتدرك تجرّدها بدون المادّة، كما إنّ نفس الإنسان تنفصل عن عالم الصورة بعد العبور من عالم المثال و الورود في عالم القيامة، فتدرك تجرّدها الحقيقيّ بدون الصورة.

معرفة المعاد ج۲

137
  • و يُدعى عالم المثال بالقيامة الصغرى، كما يُدعى عالم النفس بالقيامة الكبرى. على إنّ هذا البدن و الصورة و المثال مجتمعة معاً في هذه الدنيا، أي في عالم المادّة و عالم الطبع، ثمّ إنها تنفصل عن بعضها بالترتيب. كما إنّ اجتماعها ليس بمعنى مجاورة أحدها للآخر، بل إنّ للنفس نوعاً من السعة و الإحاطة بالصورة المثاليّة، و للصورة المثاليّة نوع من السعة و الإحاطة بالبدن. غاية الأمر إنّ الناس الرازحين تحت أسر الطبع في هذه الدنيا لا يمكنهم إدراك أكثر من إنّ وجودهم هو هذا البدن، لذا فإنهم يتخيّلون وجودَهم منحصراً في هذا البدن، و يتصوّرون إنّ حقيقتهم النفسانيّة أو المثاليّة هي هذا البدن، في حين إنّ البدن له حكم اللباس و حكم القالب و حكم الجلد، فهو يسقط عند تبديل هذا الجلد و يُزاح جانباً، فلا يعلم بعدُ إنّ لتلك الصورة حقيقة.

  • و الأمر كذلك في عالم البرزخ و المثال، فالنفس تتخيّل إنّ حقيقتها هي صورتها، و لا تعلم إنّ الصورة من متعلّقات النفس. و حين تُدرك النفس واقعيّتها و تصل إلى التجرّد و تخلع البدن و الصورة، فإنها ستفهم آنذاك إنّ حقيقتها قد كانت نفسها التي هي أعلى و أسمى بكثير من عالم الصورة، و الصورة أعلى و أسمى بكثير من عالم البدن.

  • و عليه فإنّ الصورة المثاليّة التي نأخذها بنظر الاعتبار هي الآن معنا، و إلّا فإنّ بدننا لن يتحرّك و لن يقدر على إنجاز عمل، بَيْدَ أنها ليست داخل البدن و ليست منفصلة عنه.

  • و من الممكن لبعض الأفراد الذين يعملون بالتعاليم الشرعيّة و يسلكون طريق السير و السلوك و تهذيب النفس أن يحصل لهم الموت الاختياري، و يمكنهم أن يتخلّوا عن البدن متى شاءوا حال حياتهم، فتقوم صورتهم المثاليّة بمغادرة البدن. كما يمكن للبعض أن يتركوا و يتخلّوا عن

معرفة المعاد ج۲

138
  • صورتهم المثاليّة فتخرج تلك النفس المجرّدة عن الصورة، ثمّ ترجع إليها ثانية، فيعودون أحياء يتحرّكون كالأفراد الآخرين.

  • و تبعاً لهذا فإنّ مقولة البعض ممّن تصوّروا إنّ الله عزّ و جل أوجد في عالم البرزخ صورة مثاليّة للإنسان منفصلةً عنه، و إنّ الإنسان يموت حين يموت فتخرج روحه و ترد في ذلك البدن المثاليّ البرزخيّ، مقولةٌ خاطئة.

  • فليس القالب المثاليّ خارجاً عن حقيقة الإنسان ليخلقه الله فتحلّ الصورة فيه، و تذهب الروح فيه. الصورة المثاليّة لها اتّحاد و معيّة مع الإنسان، و هناك خلع و لبس يحصل بينهما، تماماً كما إنّ للإنسان نوع من الاتّحاد مع لباسه، إلّا أنه يخلع اللباس و يُلقي به، ثمّ يرتديه على جسده من جديد.

  • إنّ حقيقة الإنسان لا تنغمر في قالبٍ خارجٍ عنه، و لا تخرج من قالبٍ خارجٍ عنه؛ كما إنّ الصورة لا تدخل في بدن خارج عن حقيقتها، و لا تخرج من بدنٍ خارج عنها، فلها مع هذا البدن نوعٌ من الوحدة و المعيّة.

  • كما يُخطيء البعض ممّن يتخيّلون إنّ الصورة المثاليّة لا معنى لها أصلًا، و إنّ ما يبقى من الإنسان بعد الموت أجزاء لطيفة و صغيرة جدّاً واقعة في البدن بحيث يقوم بها البدن، و حين يموت هذا البدن و يُدفن تحت التراب و يتلاشى فإنّ تلك الأجزاء الممعنة في اللطافة و الصغر و التي تقوم بها حقيقة الإنسان و قوامه، و التي ترتبط بها نُطفة الإنسان في أصل الخلقة و بدءها، ستبقى حيّةً فيتعلّق بها العقاب أو الثواب و الجزاء. فهذه هي الأخرى مقولة خاطئة.

  • و ذلك لأنّ تلك الأجزاء مهما تناهت في اللطف و الصغر، فإنها أخيراً مادّة و من الأجزاء المادّيّة لهذا العالم، و عالم المادّة سينطوي بعد الموت، و سيكون الحساب و السؤال للصورة التي رحلت عن هذه الدنيا

معرفة المعاد ج۲

139
  • و وصلت إلى تجرّدها، لا للمادّة.

  • دلالة الآيات القرآنيّة على الحياة البرزخيّة

  • و من جملة الأدلّة التي يمكن إقامتها على حياة الإنسان بعد الموت، هاتان الآيتان اللتان ذُكرتا في مطلع الحديث:

  • وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ* فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ يَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ.

  • فبالوصول إلى مقام الولاية، أي العبوديّة المطلقة، سيزول عنهم أي نوع من الخوف و الحزن الذي هو من لوازم الكثرة و من آثار التفرقة و الثُّنائيّة.

  • و سيحصل لديهم في ذلك العالم الذي يذهبون إليه اطّلاع على أرواح المؤمنين الذين لم يموتوا بعد، و ذلك بسبب هذا النوع من السعة و التجرّد الذي يمتلكونه، فيبشّرون اولئك بهذا المقام الذي أنعم خالقُهم به عليهم.

  • يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَ فَضْلٍ. و قد ذكر سابقاً إنّ المراد بهذه النعمة مرتبة الولاية، أي الفناء في سبيل الله. و علاوة على ذلك فإنّ الربّ سبحانه سيُنيلهم المُنى من فضله فيُدركون حقيقة معنى: وَ أَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ.

  • قال في هذه الآية: وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ؛ و لم يقل: إنّ الله يُحييهم يوم القيامة، بل هم أحياء عند موتهم؛ و هو دليل على الحياة و المعيشة البرزخيّة.

  • و بالطبع فإنّ الجميع أحياء، و كلّ من يموت فهو حيّ، إلّا إنّ خصوصيّة و ميزة اولئكم التي ميّزهم القرآن بها جاءت في ذيل الآية: عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ.

  • و من الثابت في علم الحكمة المتعالية إنّ رزق الجواهر المجرّدة

معرفة المعاد ج۲

140
  • المتلألئة هو مقارنة الصفات و الأسماء الإلهيّة. فما أن تُوضع أمام نور الأسماء و الصفات، و ما أن تتجلّى فيها وحدة الذات المقدّسة للخالق سبحانه، فإنّ جواهر وجودهم ستتلألأ فتبعث فيهم البهجة و المسرّة التي لا تُوصَف، و ستكون المعارف الإلهيّة هي رزق الأرواح المجرّدة في تلك الحالة.

  • إنّ الله تعالى يُنعم عليهم بتلك الأرزاق، و هم- من جهة أخرى- يدركون إنّ هذا الرزق من الله تعالى، و هذا الإدراك و التعقّل لهذا الرزق له قيمة و لذّة أكبر لديهم. لذا يقول: يُرْزَقُونَ بالمعارف الإلهيّة، و يُصقَل جوهر وجودهم بواسطة مقارنتهم لأسمائه و صفاته. كما أنهم منعّمون على الدوام فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، مسرورون مبتهجون بأنّ الله سبحانه قد عني بهم و تجلّى في الجوهر المجرّد لوجودهم، و بأن أسماء ذات الحقّ الأزليّ و صفاته قد ظهرت فيهم.

  • و هذه الآية صريحة في الحياة بعد الموت، و علاوة على دلالتها على الحياة بعد الموت فإنها تدلّ- باعتبار إنّ رزقهم بعد موتهم هو ذلك الغذاء الملكوتيّ و ذلك الصلاح في عالم البرزخ- على تنعّم أرواح الموتى بالأرزاق المعنويّة و الملكوتيّة.

  • و لهذه الآية نظير في سورة البقرة (الآية 154):

  • وَ لا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَ لكِنْ لا تَشْعُرُونَ.

  • الّتي تدلّ على الحياة بعد الموت.

  • و يقول في الآية 25 من سورة نوح:

  • مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً.

  • أي أنهم حالما اغرقوا في البحر فقد ادخلوا النار، و ذلك لأنّ الفاء

معرفة المعاد ج۲

141
  • في العربيّة تأتي للترتيب الاتّصاليّ. يُقال: رأيتُ زيداً فقلتُ له: أي إنني قلتُ لزيد حالما رأيتُه، لا بعد ساعة مثلًا من رؤيتي له.

  • يقول «ابن مالك» النحويّ في معنى «الفاء» و «ثمّ» و الفرق بينهما:

  • وَ الْفَاءُ لَلتَّرتِيبِ بِاتِّصَالِ***و ثُمَّ لِلتَّرتِيبِ بِانْفِصَالِ

  • و عليه فإنه يمكن الاستفادة من الآيات المباركة من سورة الفجر:

  • يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَ ادْخُلِي جَنَّتِي.1

  • و التي يخاطب فيها الله سبحانه النفوس التي وصلت إلى مقام السكينة و الاطمئنان:

  • «يا أيّتها النفس المطمئنّة» بإدراك التوحيد و الولاية، «ارجعي إلى ربّك راضيةً» عن ربّك مرضيّة منه، «فادخلي» في زمرة عبادي و أوليائي، «و ادخلي جنّتي».

  • الورود في البرزخ يحصل بعد العبور من الدنيا مباشرةً

  • إنّ الإنسان ما أنْ يرجع إلى ربّه- و رجوعُه موتُه- فإنه يرد فوراً في زمرة أولياء الله و عباده الخاصّين و يدخل جنّته.

  • كما يقول أيضاً في الآيات 88- 94 من سورة الواقعة:

  • فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَ رَيْحانٌ وَ جَنَّةُ نَعِيمٍ وَ أَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ وَ أَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ وَ تَصْلِيَةُ جَحِيمٍ.

  • حيث يبيّن الخالق العظيم في هذه السورة واقعة سكرات الموت و قُربَه من الإنسان عند تلك السكرات. ثمّ يقول: إنّ مَن كان من المقرّبين فإنّ الرَّوح و الريحان و جنّة نعيم الله سيصلهم بعد سكرات الموت مباشرة،

    1. الآيات 27- 30: من السورة 89: الفجر.

معرفة المعاد ج۲

142
  • أي أنهم سيردون في هذه النعم بعد موتهم مباشرة؛ و أما أصحاب اليمين فإنّ الثواب و السلام من الله سيلحقهم فوراً؛ و أمّا المكذِّبين الضالّين فإنّ طعامهم طعام الجحيم الذي يُعَدّ لضيوف النار، و سيصبّ الحميم الشبيه بالمعادن المصهورة في حلقومهم، ثمّ يصلون نار جهنّم. و هذا هو العذاب البرزخيّ قبل عذاب القيامة.

  • و هذه الآية صريحة أيضاً في إنّ الثواب و العقاب يلحقان الإنسان بعد موته مباشرة، و هما الثواب و العقاب البرزخيّ بالطبع لا ثواب و عقاب القيامة، فتلك مرحلة أخرى سيأتي البحث في كيفيّتها مفصّلًا.

  • روي المرحوم المجلسيّ في «بحار الأنوار»:

  • رُويَ عَنِ النَّبِيّ صلّى الله عَلَيْهِ وَ آلِهِ أنَّهُ وَقَفَ عَلَى قَلِيبِ بَدْرٍ فَقَالَ لَلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ قُتِلُوا يَؤمَئذٍ وَ قَدْ الْقُوا في الْقَلْيِبِ؛ لَقَدْ كُنْتُمْ جِيرَانَ سُوءٍ لِرَسُولِ اللهِ صلّى الله عَلَيْهِ وَ آلِهِ أخْرَجْتُمُوهُ مِنْ مَنْزِلِهِ وَ طَرَدْتُمُوهُ، ثُمَّ اجْتَمَعتُمْ عَلَيْهِ فَحَارَبْتُمُوهُ. فَقَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقَّاً.

  • فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا خِطَابُكَ لِهَامٍ قَدْ صَدِيَت؟

  • فَقَالَ لَهُ: مَهْ يَا بْنَ الْخَطَّابِ، فَوَ اللهِ مَا أنْتَ بِأسْمَعَ مِنْهُمْ، وَ مَا بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ أنْ تَأخُذَهُمُ الْمَلَئِكَةُ بِمَقَامِعِ الْحَدِيدِ إلَّا أنْ أعْرِضَ بِوَجْهِي هَكَذَا عَنْهُم.1

    1. «بحار الأنوار»، طبعة الآخوند، ج 6، ص 254 و 255. و يقول في الهامش: في« شرح العقائد» بعد قول رسول الله صلّى الله عليه و آله« فقد وجدتُ ما وعدني ربّي حقّاً» زيادة: فهل وجدتهم ما وعدكم رَبُّكم حقّاً؟ و أورد الغزالي نظير هذا الحديث في« إحياء العلوم» باب ما يلقاه الميّت في القبر إلى نفخة الصّور( ج 4، ص 422- 423):
      وَ لمّا قتل صنا ديد قريش يوم بدر ناداهم رسولُ الله صلّى الله عليه[ و آله] و سلّم فقال: يا فُلان يا فُلان يا فلان قد وجدتُ ما وعدني رَبِّي حقّاً فهل وجدتم ما وَعَدَ رَبُّكُم حقّاً. فقيل: يا رسول الله أ تناديهم و هم أموات؟! فقال صلّى الله عليه[ و آله] و سلّم: و الذي نفسي بيده إنهم لأسمع لهذا الكلام منكم إلّا أنهم لا يقدرون على الجواب. ثمّ يقول العراقيّ مستخرج أحاديث« الإحياء» في الهامش: و قد روى مسلم هذا الحديث عن عمر بن الخطّاب.

معرفة المعاد ج۲

143
  • و روي عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه أنه ركب بعد انفصال الأمر من حرب البصرة فصار يتخلّل بين الصفوف حتّى مرّ على كعب بن سورة- و كان هذا قاضي البصرة، ولّاه إيّاها عمرُ بن الخطّاب، فأقام بها قاضياً بين أهلها زمن عمر و عثمان، فلمّا وقعت الفتنة بالبصرة علّق في عنقه مصحفاً و خرج بأهله و ولده يقاتل أمير المؤمنين عليه السلام فقُتلوا بأجمعهم- فوقف عليه أمير المؤمنين و هو صريع بين القتلى، فقال: أجلسوا كعب بن سورة، فاجلس بين نفسين، فقال: يَا كَعْبَ بن سورة! قَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقَّاً، فَهَلْ وَجَدْتَ مَا وَعَدَكَ رَبُّكَ حَقَّاً؟ ثمّ قال: أضجعوا كعباً؛ و سار قليلًا فمرّ بطلحة بن عبيد الله صريعاً فقال: أجلسوا طلحة، فأجلسوه. فقال له كما قال لصاحبه ثمّ قال: أضجعوا طلحة. فقال له رجل من أصحابه: يا أمير المؤمنين! ما كلامك لقتيلين لا يسمعان منك؟ فقال: يا رجل! فو الله لقد سمعا كلامي كما سمع أهل القليب كلام رسول الله صلّى الله عليه و آله.1

  • و لهذا الدليل فقد وردت زيارة أهل القبور في روايات الشيعة و السنّة. بألفاظ: السَّلامُ عَلَيْكَ وَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَ السَّلَامُ عَلَى أهْلِ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ.

  • كلمات النبيّ الأكرم صلّى الله عليه و آله على الحياة البرزخيّة

  • و من جملة الأدلّة على الحياة في البرزخ قول رسول الله صلّى الله عليه و آله:

    1. «بحار الأنوار»، طبعة الآخوند، ج 6، ص 255.

معرفة المعاد ج۲

144
  • ألْقَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ أوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النِّيرَانِ.1

  • كما روي مضمون هذا الحديث عن الإمام سيّد الساجدين عليه السلام أيضاً.2

  • و مع إنّ الإنسان لم يصل بعد موته إلى تلك الجنّة أو النار اللتين يراهما يوم القيامة، إلّا إنّ مثالًا و انموذجاً سيظهر له منها، و هو تلك الروضة من رياض الجنّة أو الحفرة من حفر النيران.

  • و الدليل الآخر على الحياة البرزخيّة قول رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم: مَنْ مَاتَ قَامَتْ قِيَامَتُهُ.3

  • و الدليل الآخر قول رسول الله صلّى الله عليه و آله:

  • إنّ أوْلِيَاءَ اللهِ لَا يَمُوتُونَ وَ لَكِنْ يُنْقَلُونَ مِنْ دَارٍ إلى دَارٍ.

  • و قد بيّن الإمام الفخر الرازيّ في تفسيره جميع هذه الوجوه، ذيل تفسير هذه الآية المباركة من سورة آل عمران: بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ.

  • كما قال الشيخ الطبرسيّ في تفسير «مجمع البيان» ذيل هذه الآية:

  • و روي عنه [عن رسول الله صلّى الله عليه و آله] أنّه قال لجعفر بن أبي طالب و قد استشهد في غزاة مؤتة:

  • رَأيْتُهُ وَ لَهُ جَنَاحَانِ يَطِيرُ بِهِمَا مَعَ الْمَلائِكَةِ في الْجَنَّةِ.

  • فإن كانت الروح البرزخيّة و الصورة تموتان بمجرّد موت الإنسان،

    1. «بحار الأنوار»، ج 6، ص 205، نقلًا عن الفخر الرازيّ في تفسيره، ذيل قوله تعالى: بَلْ أحْيَآءٌ وَ لكِنْ لَا تَشْعُرُونَ. و أورده في« إحياء العلوم»، باب ما يلقاه الميّت في القبر، ج 4، ص 423، و يقول العراقيّ في الهامش: و قد روي الترمذيّ هذا الحديث عن أبي سعيد[ الخدريّ].
    2. «بحار الأنوار»، ج 6، ص 214 و 215.
    3. «إحياء العلوم»، ج 4، ص 423.

معرفة المعاد ج۲

145
  • فإنّ امتلاك الجناحين و الطيران في الجنة سيكونان أمراً لا معنى له.

  • و علاوة على ما ذُكر، فإننا سنورد أيضاً في المباحث التالية آيات و روايات لها دلالة على الثواب و العذاب البرزخيّ لئلّا يبقى هناك محلّ للشبهة.

  • و قد أورد الشيخ الطبرسيّ في «الاحتجاج» ضمن حديث طويل يطرح فيه أحدُ الزنادقة أسئلة على الإمام الصادق عليه السلام، جاء فيه إنّ ذلك الزنديق قال للإمام: أخبرني عن السِّراج إذا انطفأ أين يذهب نوره؟

  • قال: يذهب فلا يعود.

  • قال: فما أنكرتَ أن يكون الإنسان مثل ذلك، إذا مات و فارقت الروح البدن لم ترجع إليه أبداً كما لا يرجع ضوء السِّراج إليه إذا انطفأ؟

  • قال: لم تُصِب القياس. إنّ النار في الأجسام كامنة و الأجسام قائمة بأعيانها كالحجر و الحديد، فإذا ضرب أحدهما بالآخر سطعت من بينهما نار تقتبس منها سراج له الضوء. فالنار ثابتة في أجسامها و الضوء ذاهب، و الروح جسم رقيق قد ألبس قالباً كثيفاً ليس بمنزلة السِّراج الذي ذكرت.

  • إنّ الذي خلق في الرحم جنيناً من ماءٍ صافٍ، و ركّب فيه ضروباً مختلفة من عروق و عصب و أسنان و شعر و عظام و غير ذلك هو يُحييه بعد موته و يُعيده بعد فنائه.

  • قال: فأين الروح؟

  • قال: في بطن الأرض حيث مصرح البدن إلى وقت البعث.

  • قال: فمن صُلِبَ أين روحه؟

  • قال: في كفّ المَلَك الذي قبضها حتّى يودعها الأرض.

  • قال: أ فيتلاشى الروح بعد خروجه عن قالبه أم هو باقٍ؟

  • قال: بل هو باقٍ إلى وقت يُنفَخُ في الصُّور، فعند ذلك تبطل الأشياء

معرفة المعاد ج۲

146
  • و تفنى، فلا حسّ و لا محسوس، ثمّ اعيدت الأشياء كما بدأها مدبِّرُها، و ذلك أربعمائة سنة يسبت فيها الخلق، و ذلك بين النفختين.1

  • تشييع رسول الله لسعد بن معاذ، و كلامه مع أُمُّ سعد

  • و قد روى الشيخ الطوسيّ في «الأمالي» بسنده عن الشيخ أبي عبد الله الغضائريّ، عن الشيخ الصدوق؛ و روى المرحوم الصدوق في كتاب «علل الشرايع» عن أبي الحسن بن إبراهيم الهمدانيّ، عن جعفر بن يوسف الأزديّ، عن عليّ بن نوح الحنّاط، عن عمرو بن اليَسع، عن عبد الله بن سنان، عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قال: أتى رسول الله صلّى الله عليه و آله فقيل إنّ سعد بن معاذ قد مات. فقام رسول الله صلّى الله عليه و آله و قام أصحابه فحمل فأمر فَغُسِّل على عضادة الباب، فلمّا أن حُنِّط و كُفِّن و حُمِل على سريره تبعه رسول الله، ثمّ كان يأخذ يمنة السرير مرّةً و يسرة السرير مرّة حتّى انتهى به إلى القبر فنزل به رسولُ الله صلّى الله عليه و آله حتّى لحّده و سوّى عليه اللبِنَ و جعل يقول: ناولني حجراً ناولني تُراباً رطباً يسدّ به ما بين اللبن؛ فلمّا أن فرغ و حثا التراب عليه و سوّى قبره قال رسول الله صلّى الله عليه و آله: إنِّي لأعْلَمُ أنَّهُ سَيَبْلِى وَ يَصِلِ إلَيْهِ الْبلى وَ لَكِنَّ اللهَ تعالى يُحِبُّ عَبْدَاً إذَا عَمِلَ عَمَلًا أحْكَمَهُ، فلمّا أن سوّى التربة عليه قالت امُّ سعد من جانب: هنيئاً لك الجنّة.

  • فقال رسول الله صلّى الله عليه و آله: يا امَّ سعد مه لا تجزمي على ربِّك فإنّ سعداً قد أصابته ضمّةٌ.

  • قال: و رجع رسول الله صلّى الله عليه و آله و رجع الناس، فقالوا: يا رسول الله لقد رأيناك صنعتَ على سعد ما لم تصنعه على أحد، إنك

    1. «الاحتجاج» للطبرسيّ، ج 2، ص 96 و 97 طبع النجف، ذكره ضمن حديث طويل.

معرفة المعاد ج۲

147
  • تبعتَ جنازتَه بلا رداء و لا حذاء!

  • فقال صلّى الله عليه و آله: إنّ الملائكة كانت بلا حذاء و لا رداء فتأسّيتُ بهما.

  • قالوا: و كنتَ تأخذ يمنة السرير مرّةً و يسرة السرير مرّةً.

  • قال: كانت يدي في يد جبرئيل آخذُ حيث ما أخذ.

  • فقالوا: أمرتَ بغسله و صلّيتَ على جنازته و لحّدته ثمّ قلتَ: إنّ سعداً قد أصابته ضمّة!

  • قال: فقال رسول الله صلّى الله عليه و آله: نعم، إنّه كان في خُلقه مع أهله سوء.1

  • و قد أورد المرحوم الصدوق هذه الرواية في كتاب «الأمالي» أيضاً.2

  • مكاشفة للمرحوم النراقيّ و كلامه مع ميّت دُفن حديثاً في وادي السلام

  • و لقد وقعت قصّة عجيبة في هذه الدنيا لسماحة آية الله، رئيس الملّة و الدين، شيخ الفقهاء و المجتهدين، المرحوم الآخوند المولى محمد مهدي النَّراقيّ3 أعلى الله مقامه الشريف.

  • و كان المرحوم النَّراقيّ من كبار العلماء، و كان جامعاً للعلوم العقليّة و النقليّة و حائزاً لمرتبة العلم و العمل و العرفان الإلهيّ، و كان في الفقه و الاصول و الحكمة و الرياضيّات و العلوم الغريبة و الأخلاق و العرفان من علماء الإسلام الذين عزّ نظيرهم. و المرحوم النراقيّ جدّنا الأكبر لُامنا، أي أنه كان أباً لجدّة جدّة الحقير لأمّة. و كان ولده الكريم الحاج المولى أحمد

    1. «الأمالي» للشيخ الطوسيّ، طبع النجف، المجلد الثاني، الجزء 15، ص 40- 42 و« علل الشرائع» طبع حيدري- النجف، الباب 262- العلّة التي من أجلها يكون عذاب القبر ص 309، ج 1.
    2. «الأمالي» الطبعة الحجريّة، المجلس 61، ص 231.
    3. نِراق على وزن عِراق.

معرفة المعاد ج۲

148
  • النراقيّ- خالُنا- استاذاً للمرحوم الشيخ الأنصاريّ، و كان من العلماء البارزين و له تصانيف عديدة و كان الشيخ الأنصاريّ قد جاء من العتبات المقدّسة إلى إيران أوان دراسته، فذهب إلى أصفهان، ثمّ قدم إلى قاسان (كاشان) فأفاد من محضر و درس الآخوند المولى أحمد النَّراقيّ أربع سنوات كاملة، عاد بعدها إلى النجف الأشرف.

  • و هذه القصّة مشهورة بين علماء و طلّاب النجف الأشرف، كما أنها تُعدّ بين أرحامنا و أقاربنا من جهة الامّ من الامور المسلّمة لأحوال المرحوم النَّراقيّ.

  • لقد سكن المرحوم النَّراقيّ النجف الأشرف و توفّي فيها، و مقبرته في النجف مُلحقة بالصحن المطهّر، و قد مرّ عليه خلال أيّام إقامته في النجف يومٌ من أيّام شهر رمضان لم يكن لديه شيء في منزله للإفطار، فقالت له زوجته: ليس في البيت من شيء، فاخرج و أحضر شيئاً!

  • و يغادر المرحوم النراقيّ البيت و ليس في جيبه فلس واحد، فيتوجّه مباشرةً إلى وادي السلام في النجف لزيارة أهل القبور، و يجلس مدّة بين القبور يقرأ الفاتحة، حتّى مالت الشمس للغروب و بدأ الظلام ينتشر رويداً رويداً.

  • ثمّ يرى المرحوم في تلك الحال جماعة من العرب و قد جاءوا بجنازة و حفروا لها قبراً، ثمّ إنهم وضعوا الجنازة في القبر و التفتوا إلى المرحوم النَّراقيّ فقالوا: إنّ لدينا عملًا و نحن في عجلة من أمرنا لنعود إلى مكاننا، فقمْ أنت بباقي تجهيزات هذه الجنازة. ثمّ إنهم تركوا الجنازة و ذهبوا.

  • يقول المرحوم النَّراقيّ: دخلتُ القبر لأفتح الكفن و أضع خدّ الميّت على التراب ثمّ أضع فوقه اللبِنَ و أهيل عليه التراب، فشاهدتُ فجأة نافذةً، ثمّ دخلتُ تلك النافذة لُاشاهد روضة كبيرة ذات أشجار خضراء يانعة متكاتفة محمّلة بالثمار المتنوّعة.

معرفة المعاد ج۲

149
  • و كان هناك طريقٌ من باب هذه الروضة إلى قصرٍ مجلّل، و قد فُرش هذا الطريق بأجمعه بحصى صغار من المجوهرات.

  • وردتُ بلا إرادة منّي، و توجّهتُ مباشرةً إلى ذلك القصر، فرأيت أنه قصر فخم مبنيّ بطابوق من المجوهرات، ثمّ صعدتُ السلّم و دخلتُ غرفةً كبيرة فشاهدتُ شخصاً يتصدّر تلك الغرفة و أشخاصاً جالسين في أطراف الغرفة فسلّمت عليهم و جلستُ، فردّوا عليّ السلام.

  • ثمّ شاهدتُ إنّ هؤلاء الجالسين في أطراف الغرفة كانوا يُديمون السؤال من ذلك الجالس في صدرها عن أحواله، و يستفسرون عن أحوال أقاربهم و خاصّتهم، فكان يجيب على أسئلتهم. كان ذلك الرجل مبتهجاً مسروراً و هو يجيب على أسئلة الجالسين واحداً بعد الآخر.

  • ثمّ انقضت مدّة فشاهدتُ فجأة إنّ ثعباناً قد دخل من باب الغرفة و توجّة مباشرةً إلى ذلك الرجل فلدغه ثمّ خرج من الغرفة. و لقد امتقع وجه ذلك الرجل من ألم لدغة الثعبان و تورّم بعض الشيء، ثمّ أنه عاد إلى حاله الأولى تدريجاً، فشرعوا من جديد بالحديث مع بعضهم و بالاستفسار عن الأحوال و السؤال عن أخبار الدنيا من ذلك الرجل.

  • ثمّ انقضت ساعة فشاهدتُ مرّة أخرى إنّ ذلك الثعبان دخل من الباب من جديد و لدغ الرجل بنفس الطريقة و عاد من حيث أتى. فاضطربت حالُ الرجل و امتقع وجهه، ثمّ أنه عاد إلى حاله الأولى.

  • فسألته في تلك الحال: من أنت أيها السيّد؟ و أين هذا المكان؟ و لمن هذا القصر؟ و ما هذا الثعبان؟ و لما ذا يقوم بلدغك؟

  • قال: أنا الميّت الذي وضعتَه توّاً في القبر، كما إنّ روضة الجنّة البرزخيّة هذه لي، أنعم الله عليّ بها فظهرتْ من نافذة فُتحت من قبري إلى عالم البرزخ. هذا القصر لي، و هذه الأشجار المجلّلة، و هذه المجوهرات،

معرفة المعاد ج۲

150
  • و هذا المكان الذي تراه جنّتي البرزخيّة، و ها قد جئتُ إلى هنا. كما إنّ هؤلاء الجالسين في أطراف الغرفة أقاربي و أرحامي الذين توفّوا قبلي، و ها هم قدموا لرؤيتي و للسؤال عن أهليهم و أرحامهم و أقاربهم في الدنيا، فكنتُ احدّثهم عن أحوال اولئكم.

  • قلتُ: فلما ذا يلدغك هذا الثعبان؟!

  • قال: إليك الأمر: أنا رجلٌ مؤمن، من أهل الصلاة و الصيام و الخُمس و الزكاة، و مهما فكّرتُ فإنني لا أجد إنّ خطاً قد بدر منّي لأستحقّ عليه عقوبةً كهذه. و هذه الروضة بهذه المواصفات هي النتيجة البرزخيّة لأعمالى الصّالحة تلك. اللّهمّ إلّا أني كنتُ أسير في الزقاق يوماً في حرّ الصيف، فرأيتُ صاحب دكّان ينازع أحد الذين يشترون منه، فاقتربتُ منهما لأصلح بينهما، فرأيت صاحب الدكّان يقول: إنني أطلبك ثلاثمائة دينار (ستّة شاهيّات)، بينما المشتري يقول: إنني مدين بخمسة شاهيّات.

  • فقلتُ لصاحب الدكّان: تنازل عن نصف شاهي. و قلتُ للمشتري: تنازل أنت أيضاً و ارفع يدك عن نصف شاهي، فأعطِ خمسة شاهيّات و نصف لصاحب الدكّان! فسكتَ صاحبُ الدكّان و لم يقلْ شيئاً.

  • و لأنّ الحقّ كان لصاحب الدكّان، و لأني كنتُ بقضائي الذي لم يرضه صاحب الدكّان قد أضعتُ نصف شاهي من حقّه، فإنّ الله عزّ و جل- جزاءً لهذا العمل- قد عيّن لي هذ الثعبان ليلد غني بهذا المنوال كلّ ساعة إلى يوم يُنفخ في الصّور فيحضر الخلائق في المحشر للحساب، و أنجو آنذاك ببركة شفاعة محمّد و آل محمّد عليهم السلام.

  • ثمّ إني حين سمعت بذلك نهضتُ و قلتُ: إنّ أهلي ينتظروني في البيت، و عليّ أن أذهب فآخذ لهم إفطاراً.

  • فنهض ذلك الرجل الجالس في صدر الغرفة فشايعني إلى الباب،

معرفة المعاد ج۲

151
  • و حين أردت الخروج أعطاني كيساً صغيراً من الرزّ و قال: هذا رزّ جيّد، فخذه لعيالك!

  • فأخذتُ الرزّ و و ودعته و خرجتُ من الروضة من النافذة التي كنتُ قد دخلتُها من قبل، فرأيتني داخل ذلك القبر، و كان الميّت راقداً على الأرض و ليس هناك من نافذة. ثمّ إني خرجتُ من القبر و وضعتُ عليه اللَبن و أهلتُ التراب، و توجّهت إلى منزلي و جلبتُ كيس الرزّ فطبخنا منه.

  • و انقضت مدّة و نحن نطبخ من ذلك الرزّ فلا ينفد، و كلّما طبخنا منه شيئاً فاحت منه رائحة طيبّة فعطّرت أرجاء المحلّة، و كان الجيران يتساءلون: من أين اشتريتم هذا الرزّ؟

  • و أخيراً حلّ يومٌ لم أكن فيه في المنزل، فقدم إلينا أحد الضيوف، و قامت زوجتي بطبخ شيء من ذلك الرزّ و تركته على النار لينضج، و كان العطر الفوّاح يتصاعد منه فيملأ فضاء البيت. و يتساءل ذلك الضيف: من أين لكم هذا الرزّ الذي يفوق في عطره جميع أنواع الرزّ العنبر؟

  • فاستحيت زوجتي و شرحت له القصّة؛ ثمّ إنهم طبخوا القدر الباقي من الرزّ بعد ذلك فنفد جميعه و لم يبقَ منه شيء.

  • بلى، هذه هي أطعمة الجنّة التي يرزقها الله سبحانه للمقرّبين من حضرته.

  • مائدة عالم الملكوت التي هبطت في محراب مريم سلام الله عليها

  • و قد ورد في القرآن الكريم في أمر مريم عليها السلام:

  • كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللهِ إنّ اللهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ.1

  • لقد جاءوا بمريم عليها السلام إلى بيت المقدس للعبادة، فَوضعت

    1. الآية 37، من السورة 3: آل عمران.

معرفة المعاد ج۲

152
  • تحت كفالة زكريّا على نبيّنا و آله و عليه السلام و انشغلت بالعبادة. و لم يكن هناك دجاج أو حساء، بل كان الطعام هناك الجوع و الصيام، لأنها كانت قد وضعت تحت التعليم و التربية الروحانيّة. بَيْدَ إنّ زكريّا كلّما دخل على مريم سلام الله عليها المحراب وجد عندها من فواكه الجنّة و من الأرزاق المعنويّة. فكان يقول: يا مريم أنى لك هذا؟ فتجيبه: هذا طعام ملكوتيّ قدّره الله لي، إنه يرزق من هذه الأرزاق المعنويّة مَن يشاء بغير حساب.

  • فإذا ما اجتنب امرؤ المحرّمات، و تورّع عن الشبهات، فإنّ نصيبه سيكون من أمثال هذه الأرزاق المباركة. أمّا اذا تناول امرؤ طعاماً من حرام، فإنّ دعاءه لن يُستجاب لأربعين يوماً، كما إنّ قلبه سيسود و يتكدّر.

  • المائدة السماوية التي نزلت على الزهراء سلام الله عليها

  • روى المجلسيّ رضوان الله عليه عن كتاب «الخرائج و الجرائح» للشيخ سعيد بن هبة الله القطب الراونديّ: روي إنّ عليّاً عليه السلام أصبح يوماً فقال لفاطمة عليها السلام: عندكِ شيء تغذّينيه؟ قالت: لا. فخرج و استقرض ديناراً ليبتاع ما يُصلحهم، فإذا المقداد في جهدٍ و عيالُه جياع، فأعطاه الدينار و دخل المسجد و صلّى الظهر و العصر مع رسول الله صلّى الله عليه و آله. ثمّ أخذ النبيّ بِيَدِ عليّ و انطلقا إلى فاطمة و هي في مصلّاها و خلفها جفنةٌ تفور.

  • فلمّا سمعت كلام رسول الله صلّى الله عليه و اله خرجت فسلّمت عليه و كانت أعزّ الناس عليه، فردّ السلام و مسح بيده على رأسها ثمّ قال: عَشِّينا غفر اللهُ لَكِ و قد فعل! فأخذت الجفنةَ فوضعتها بين يدي رسول الله صلّى الله عليه و آله.

  • قال: يا فاطمة! أنى لك هذا الطعام الذي لم أنظر إلى مثل لونه قطٌّ و لم أشمَّ مثلَ رائحته قطٌّ و لم آكل أطيبَ منه؟ و وضع كفّه بين

معرفة المعاد ج۲

153
  • كتفي.1 و قال: هذا بدلٌ عن دينارك، إنّ الله يرزق من يشاء بغير حساب.2

  • و روى المجلسيّ نظير هذه الرواية أيضاً عن «تفسير العيّاشيّ».3

  • يقول المجلسيّ- ذيل الرواية التي أوردناها-: قال الزمخشريّ في «الكشّاف» عند ذكر قصّة زكريّا و مريم عليهما السلام، و عن النبيّ صلّى الله عليه [و آله] و سلّم أنه جاع في زمن قحط فأهدت له فاطمة رغيفين و بضعة لحم آثرتهُ بها فرجع به إليها فقال: هلمّي يا بنيّة! و كشفت عن الطبق فإذا هو مملوء خبزاً و لحماً، فبهتت و علمت أنّها نزلت من الله، فقال لها: أنى لكِ هذا؟ قالت: هو من عند الله إنّ الله يرزق من يشاء بغير حساب. فقال عليه السّلام: الحمد لله الذي جعلكِ شبيهةَ سيّدةِ نساء بني إسرائيل، ثمّ جمع رسول الله صلّى الله عليه [و آله] و سلّم عليّ بن أبي طالب و الحسن و الحسين و جميع أهل بيته عليهم السلام شبعوا و بقي الطعام كما هو و أوسعت فاطمة عليها السلام على جيرانها.

  • بلى! إنّ الصورة الملكوتيّة للجوع و العطش في سبيل الله و تقرّباً إليه عزَّ و جلَّ هي المائدة السماويّة و الماء العذب المَعين اللذان سيكونان من نصيب هذا السالك.

  • مثلما روى المقرّم عن «مقتل الخوارزميّ» ج 2، ص 31، و عن

    1. لم يرد لفظ« أمير المؤمنين» في عبارة المجلسيّ التي ينقلها عن« الخرائج»؛ بَيد أنه يتّضح إنّ لفظ عليّ بن أبي طالب قد سقط من قلم النسّاخ في هذه الرواية التي نقلناها، و ذلك يُستفاد أوّلًا من قرينة إنّ مُخاطَبَ رسولِ الله كان أمير المؤمنين عليه السلام، و ثانياً من قرينة روايةٍ أخرى يرويها المجلسيّ في البحار، ج 10، ص 18 من الطبعة الكمباني، و في ج 43 ص 59 طبعة الآخوند. نقلًا عن« تفسير فرات بن إبراهيم» ورد فيها لفظ علي بن أبي طالب.
    2. « بحار الأنوار»، الطبعة الكمباني، ج 10، ص 10؛ و طبعة الآخوند، ج 43، ص 29.
    3. «بحار الأنوار»، الطبعة الكمباني، ج 10، ص 11؛ و طبعة الآخوند، ج 43، ص 29.

معرفة المعاد ج۲

154
  • «مقتل العوالم»، ص 95:

  • [و لمّا قَتل عليّ الأكبر سلام الله عليه في الدفعة الأولى مائة و عشرين فارساً عاد من المعركة] وَ قَد اشْتَدَّ بِهِ الْعَطَشُ فَرَجَعَ إلى أبِيهِ يَسْتَرِيحُ وَ يَذْكُرُ مَا أجْهَدَهُ مِنَ الْعَطَشِ، فَبَكَى الْحُسَيْنُ عليه السلام وَ قَالَ: وا غَوْثَاهُ مَا أسْرَعَ الْمُلْتَقَى بِجَدِّكَ فَيَسْقِيكَ بِكَأسِهِ شَرْبَةً لَا تَظْمَأ بَعْدَهَا، وَ أخَذَ لِسَانَهُ فَمَصَّهُ وَ دَفَعَ إلَيْهِ خَاتَمَهُ لِيَضَعَهُ في فِيهِ.1

  • لكأنّ عليّ الأكبر أراد أن يُعْلِمَ أباه بأنّ رسول الله قد سقاه في الدفعة الثانية حين حاربَ فقطّعوه إرباً إرباً. لذا فقد:

  • وَ نَادَى رَافِعاً صَوْتَهُ: عَلَيْكَ مِنِّي السَّلَامُ أبَا عَبْدِ اللهِ، هَذَا جَدِّي قَدْ سَقَانِي بِكَأسِهِ شَرْبَةً لَا أظْمَا بَعْدَهَا وَ هُوَ يَقُولُ إنّ لَكَ كَأساً مَذْخُورَةً.2

  • لقد حقّ للأبّ؛ من أجل شهادة هكذا مظهر للقدس و التقوى؛ أن يرفع أنينه فيقول: على الدنيا بعدك العفا.

  • حيث يروي الطبريّ بسنده عن حميد بن مسلم قال:

  • سِماعُ اذُنِي يومئذٍ مِنَ الْحُسَيْنِ يَقُولُ: قَتَلَ اللهُ قَوْماً قَتَلُوكَ يَا بُنَيّ! مَا أجْرَأهُمْ عَلَى الرَّحْمَنِ، وَ على انْتِهَاكِ حُرْمَةِ الرَّسُولِ! على الدُّنْيَا بَعْدَكَ الْعَفَاءُ.

  • قَالَ: وَ كَأني أنْظُرُ إلى امْرَأةٍ خَرَجَتْ مُسْرِعَةً كَأنهَا الشَّمْسُ الطَّالِعَةُ تُنَادِي: يَا اخَيَّاهُ؟ وَ يَا بْنَ اخَيَّاهُ!

  • قَالَ: فَسَألْتُ عَنْهَا فَقِيلَ: هَذِهِ زَيْنَبُ ابْنَةُ فَاطِمَة ابْنَةِ رَسُولِ اللهِ

    1. «مقتل الحسين» للمقرّم، ص 298؛ و نقلها في كتاب« عليّ الأكبر» للمقرّم، ص 80 عن« اللهوف» بهذه العبارة: العطشُ قتلني و ثقلُ الحديد أجهدني فهل إلى شربةِ ماءٍ أتقوّي بها على الأعداء؟
    2. « مقتل المقرّم»، ص 300.

معرفة المعاد ج۲

155
  • صَلَى اللهُ عَلَيهِ [و آله] وَ سَلَّمَ، فَجَاءَتْ حتّى أكَبَّتْ عَلَيْهِ، فَجَاءَهَا الْحُسَيْنُ فَأخَذَ بِيَدِهَا فَرَدَّهَا إلى الْفُسْطَاطِ.1

    1. «تاريخ الطبريّ»، الطبعة الثانية، دار المعارف، مصر، المجلّد الخامس، ص 446.

معرفة المعاد ج۲

156
  •  

  •  

  • المَجْلِسُ الثّالِث عَشَر: مَفْتَرَقُ طَريقَي السَّعَادَةَ و الشَّقاءَ يَصْبَحُ في الْبَرْزَخ طَريقاً واحِداً

  •  

  •  

معرفة المعاد ج۲

158
  •  

  •  

  • بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

  • (مطالب ألقيت في اليوم الثالث عشر من شهر رمضان المبارك)

  • الحمد لله ربّ العالمين و لا حول و لا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم

  • و صلّى الله على محمّد و آله الطاهرين

  • و لعنة الله على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين

  •  

  •  

  • الآيات التي قرنت الجزاء بالزمان مختصّة بعالم البرزخ

  • قال الله الحكيم في كتابه الكريم:

  • يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَ سَعِيدٌ* فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَ شَهِيقٌ12

  • يقول عليّ بن إبراهيم في تفسيره: فهذا هو في نار الدنيا قبل القيامة ما دامت السموات و الأرض. و قوله «وَ أَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها» يعني في جنّات الدنيا التي تُنقل إليها أرواح المؤمنين «ما دامَتِ السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ» يعني

    1. يمكن أن يُقال إنّ الزفير و الشهيق عائد لجهنّم، أي تلك الشُعل الملتهبة و الألسنة الناريّة المتأجّجة، كما يمكن أن يقال إنّ زفير و شهيق جهنّم من نفس الجهنميّين، كما يدلّ عليه لفظ« لهم».
    2. الآيات 105، إلى 108، من السورة 11: هود.

معرفة المعاد ج۲

159
  • غير مقطوع من نعيم الآخرة في الجنّة بل يكون متّصلًا به، و هو ردُّ على مَن يُنكِر عذاب القبر و الثواب في الدنيا، في البرزخ قبل يوم القيامة.1

  • و كما يظهر من كلام هذا الرجل الجليل، فإنّ المراد من جنّة و جهنّم الدنيا، جنّة و جهنّم البرزخ. و قد عُبّر عن عالم البرزخ بالدنيا باعتباره تتمّةً لعالم الدنيا، و لأن فيه وجوداً من الصورة و الكمّ و الكيف.

  • كما يقول عليّ بن إبراهيم في مقدّمة تفسيره:

  • و امّا الردّ على من أنكر الثواب و العقاب، فقوله:

  • يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَ سَعِيدٌ* فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَ شَهِيقٌ* خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ.

  • و أمّا قوله «ما دامَتِ السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ» إنما هو في الدنيا، فإذا قامت القيامة تبدّل السموات و الأرض، و قوله:

  • النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَ عَشِيًّا.2

  • فالغدوّ و العشيّ إنما يكون في الدنيا في دار المشركين، و أمّا في القيامة فلا يكون غدوّاً و لا عشيّاً. و قوله:

  • وَ لَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَ عَشِيًّا.3

  • يعني في جنان الدنيا التي تنتقل إليها أرواح المؤمنين، فأمّا في جنّات الخلد فلا يكون غدوّاً و لا عشيّاً. و قوله:

  • وَ مِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ.4

    1. «تفسير عليّ بن إبراهيم»، الطبعة الحجريّة، ص 314 و 315.
    2. الآية 46، من السورة 40: غافر
    3. الآية 62، من السورة 19: مريم
    4. الآية 100، من السورة 23: المؤمنون

معرفة المعاد ج۲

160
  • فقال الصادق عليه السلام: البرزخ القبر، و فيه الثواب و العقاب بين الدنيا و الآخرة. و الدليل على ذلك أيضاً قول العالِم عليه السلام:

  • وَ اللهِ مَا نَخَافُ عَلَيْكُمْ إلَّا الْبَرْزَخَ.

  • (و أمّا في القيامة فالشفاعة هناك بأيدينا فنحن أولى بالشفاعة لكم).

  • و قوله تعالى:

  • وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ* فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ يَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ.1

  • قال الصادق عليه السلام:

  • يَسْتَبْشِرِونَ وَ اللهِ في الْجَنَّةِ بِمَنْ لَمْ يَلْحَقْ بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ مِنَ الْمُؤمِنِينَ في الدُّنْيَا. (أي إنّ الدنيا لا تزال قائمة، فالقيامة لم تقم بعدُ، و لم يحن حين جنّة القيامة بعدُ؛ و عليه فإنّ المراد بالجنّة في هذه الآية الكريمة المباركة الجنّة البرزخيّة التي تتلائم و بقاء الدنيا.)

  • في عالم البرزخ مثالٌ من الجنة و الجحيم الموجودين في عالم القيامة

  • و مثله كثير ممّا هو ردّ على من أنكر عذاب القبر.2

  • و قد روى سماحة العلّامة الطباطبائيّ مدّ ظلّه3 في رسالة المعاد «الإنسان بعد الدنيا» نظير هذا الاستدلال في دلالة الآيات على الجنّة البرزخيّة عن تفسير النعمانيّ عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام.4 و56

  • معرفة المعاد ؛ ج2 ؛ ص160
    1. الآيتان 169 و 170، من السورة 3: آل عمران.
    2. «تفسير عليّ بن إبراهيم» الطبعة الحجريّة، ص 18.
    3. الف هذا الكتاب في حياته( قدّه)، و آثرنا الإبقاء على تعبير المصنّف.( م)
    4. رسالة« الإنسان بعد الدنيا»، ص 11.
    5. و يقول في« تفسير عليّ بن إبراهيم»، ص 412، ذيل الآية الشريفة« و لهم رزقهم فيها بكرةً و عشيّاً»: ذلك في جنّات الدنيا قبل القيامة. و الدليل على ذلك قوله« بُكرةً و عشيّاً»، فالبكرة و العشيّ لا تكون في الآخرة في جنّات الخلد، و إنما يكون الغدوّ و العشيّ في جنّات الدنيا التي تنتقل إليها أرواح المؤمنين و تطلع فيها الشمس و القمر.
      و يقول أيضاً في نفس التفسير، ص 586 ذيل الآية المباركة« النار يُعرضون عليها غدوّاً و عشيّاً»:
      ذلك في الدنيا قبل القيامة، و ذلك إنّ في القيامة لا يكون غدوّاً و لا عشيّاً، لأن الغدوّ و العشيّ إنما يكون في الشمس و القمر، ليس في جنان الخلد و نيرانها شمس و لا قمر.
      قال: و قال رجل لأبي عبد الله[ الصادق] عليه السلام: ما تقول الناس فيها؟ فقال: يقولون إنّها في نار الخلد و هم لا يعذّبون فيما بين ذلك. فقال عليه السلام: فهم من السعداء؟ فقيل له: جُعلتُ فداك فكيف هذا؟ فقال: إنما هذا في الدنيا، و أمّا في نار الخلد فهو قوله:« و يوم تقوم السّاعة أدخلوا آل فرعون أشدّ العذاب».
    6. حسينى طهرانى، سيد محمد حسين، معرفة المعاد، 10جلد، دار المحجة البيضاء - بيروت - لبنان، چاپ: 1، 1416 ه.ق.

معرفة المعاد ج۲

161
  • و الخلاصة، فإنّ الاستدلال بهذه الآيات التي فيها دلالة على عالم البرزخ و الثواب و العقاب البرزخيّ يعتمدُ و يستند إلى آياتٍ أخرى صُرّح فيها بأنّ وجود السموات و الأرض و النجوم و الجبال و غيرها سيضحمل و يتلاشى عند قيام القيامة، فآنذاك ستتناثر السموات و تتفرّق عن بعضها، و ستنشقّ الأرض، و تنكسف الشمس، و تتساقط النجوم، و يستحيل العالم عالماً آخر.

  • إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ* وَ أَذِنَتْ لِرَبِّها وَ حُقَّتْ.1

  • إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ* وَ إِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ.2

  • إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ* وَ إِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ.3

  • يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَ السَّماواتُ وَ بَرَزُوا لِلَّهِ.4

    1. الآيتان 1 و 2، من السورة 84: الانشقاق.
    2. الآيتان 1 و 2، من السورة 82: الانفطار.
    3. الآيتان 1 و 2، من السورة 81: التكوير.
    4. الآية 48، من السورة 14: إبراهيم.

معرفة المعاد ج۲

162
  • يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ* وَ تَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ.1

  • يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ* وَ تَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ.2

  • فهذه الآيات تبيّن القيامة الكبرى و مقام تجلّي النفس هناك، و لأنّ النفس أعلى من الصورة و المثال، و لأنّ حقيتها غير متعيّنة أو محدّدة بالكمّ و الكيف، فليس هناك من سماء و لا أرض و لا نجم و لا جبل، بل ستكون السماء و الأرض في صورة أخرى غير السماء و الأرض.

  • و على ذلك فإنّ جميع الآيات التي قدّرت فيها نِعَمُ الجنّة أو نِقَمُ جهنّم و حُدّدت ببقاء و دوام السموات و الأرض، و اعتبرت فيها دائمة بدوام وجودها؛ ستكون عائدة إلى الجنّة المثاليّة و البرزخيّة [و إلى جهنّم المثاليّة و البرزخيّة].

  • و لأنّ البرزخ عالم الصورة، فإنّ فيه سماء و أرض، كما إنّ الموجودات و النفوس البرزخيّة لها اطّلاع على الدنيا و على السموات و الأرض، و بالطبع فإنّ حياة اولئكم في ملكوت السموات و الأرض.

  • و أمّا تلك الآية المباركة:

  • النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَ عَشِيًّا وَ يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ.3

  • فيمكن الإفادة منها من جهات عديدة بأنها عائدة إلى عالم البرزخ لا إلى عالم القيامة الكبرى.

  • الجهة الأولى: من عنوان «الغدوّ و العشيّ»، لأنه- و لما ذُكر- ليس

    1. الآيتان 4 و 5، من السورة 101: القارعة.
    2. الآيتان 8 و 9، من السورة 70: المعارج.
    3. الآية 46، من السورة 40: غافر.

معرفة المعاد ج۲

163
  • هناك ليل أو نهار في القيامة الكبرى.

  • يُفتح في عالم البرزخ بابٌ إلى الجنّة أو بابٌ إلى جهنّم

  • الثانية: من عنوان «يُعرضون عليها»، لأنّ معناه إنّ المشركين يعرضون على النار، و معنى العرض ليس الإبقاء في النار، بل المرور إلى جانبها، و الوضع في جوارها، فتُعرض عليهم النار بحيث لا يشملهم لهبها و شعلتها، و لكنّ شيئاً من حرارتها يصلهم إجمالًا، فيتألّمون و يتأثّرون من منظرها المُذهل المحيّر. و كما قلنا سابقاً فليس هناك في البرزخ جنّة و لا جهنّم للقيامة، بل إنّ البرزخ ممرّ القيامة و نافذة عليها:

  • يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إلى الْجَنَّةِ، أ وَ يُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إلى النَّارِ.

  • الثالثة: قوله بعد الآية:

  • وَ يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ.

  • فبعد أن يُعرض هؤلاء على النار غدوّاً و عشيّاً، يستمرّ هذا المعنى حتّى تصل ساعة القيامة فيأتي الخطاب إلى ملائكة العذاب أن أدخلوا آل فرعون في الحال «في» أشدّ العذاب. فيتضح إذن أنهم كانوا في العذاب قبل القيامة، إلَّا إنّ ذلك العذاب لم يكن في غايته و درجته القصوى، و ها هو العذاب الغائيّ و النهائيّ ينالهم؛ فذلك المحلّ و العالم الذي كان فيه آل فرعون معذّبون بغير العذاب النهائيّ، يُقال له عالم البرزخ.

  • أمّا علّة اختصاص آية لَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَ عَشِيًّا1 بالبرزخ، فهي إنّ هناك صباحاً و مساءً و تدريجاً زمانيّاً ينشأ من حركة الشمس و القمر و الأرض، أو فلك الأفلاك و النِسَب الخاصّة بينها، أو من امتداد الحركة الجوهريّة التي تظهر في باطن الموجودات و ذواتها، بينما ليس هناك في القيامة أرض و لا سماء، لذا فلا وجود بينها للنسبة التي يُنتزع منها الزمان.

    1. الآية 62، من السورة 19، مريم.

معرفة المعاد ج۲

164
  • مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَ لا زَمْهَرِيراً.1

  • فليس هناك من شمسٍ لتُشاهَد، و لا لزمهرير ليؤذي برده الأبرار أو يزعجهم.

  • إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَ السَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ* فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ.2

  • إنّ اولئك الذين يُجادلون في آيات الله و يكذّبون بآياته و بما أرسل به أنبياءَهُ، سرعان ما يحصل لهم العلم، حين تعلّق السلاسل و الأغلال في أعناقهم فيجرّون إلى الحميم ثمّ يُسجرون و يُحرقون في النار.

  • و الحميم يُقال للشئ الحارّ، كالماء الحارّ، و الهواء الحارّ و أمثال ذلك؛ و السحب بمعنى الجرّ؛ و السَّجْر بمعنى الإحراق، سَجَر التنور: أشعله.

  • كما إنّ «ثُمَّ» تفيد- كما ذكرنا سابقاً- التراخي و الانفصال، أي بعد مدّة و زمن ما. لذا فإنّ معنى هذه الآية سيكون:

  • إنّ هؤلاء المجادلين و المكذّبين سيجرّون أوّلًا في الهواء الحارّ أو الماء الحارّ، ثمّ يُلْقَون في النار فيُسجرون و يُحرقون.

  • و من المعلوم إنّ المراد من السحب في الحميم هو عالم البرزخ، حيث يعانون هناك من الحرارة؛ و المراد بالسَجْر: في نار عالم القيامة، حيث يحترقون هناك بكلّ ما في الكلمة من معنى، و يرون جزاءهم الأخير.

  • و يمكن أيضاً الاستدلال بهذه الآية:

  • حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَ هُمْ لا يُفَرِّطُونَ* ثُمَ

    1. الآية 13، من السورة 76: الإنسان( الدهر).
    2. الآيتان 71 و 72، من السورة 40: غافر.

معرفة المعاد ج۲

165
  • رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَ هُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ.1

  • فحين يحين زمن موت أحدكم فإنّ ملائكتنا الموكّلين بقبض الأرواح سيقبضون روحه و لا يفرّطون أو يقصرّون في عملهم هذا، ثمّ إنهم يردّون إلى الله مولاهم الحقّ.

  • و «ثمّ» بمعنى الفاصلة، و هذه الفاصلة بمعنى البرزخ، و ذلك لأن قيام الناس للعرض على الله سبحانه ليس في عالم البرزخ؛ لأنّ البرزخ كمثل الدنيا إلّا إنّ له تجرّداً أكثر و هو التجرّد عن المادّة. بل إنّ قيامَ الإنسان عند الحقّ تعالى و عالَم السؤال و الميزان و الحساب و مقام العرض يحصل في عالم القيامة الذي هو مقام قيام حقيقة النفس بذاتها و واقعها، لا بصورتها و مثالها فقط.

  • لذا فقد عبّر ب- «ثُمَّ» فقال «ثُمَّ رُدُّوا» و لم يقل «فَرُدُّوا»؛ أي إنّ هناك فاصلة بين قبض الأرواح من قبل الملائكة و بين القيامة الكبرى، و ينبغي بعد طيّ هذه الفاصلة أن يُردّوا إلى الله مولاهم الحقّ.

  • سؤال الملائكة في البرزخ لباطن الإنسان

  • و الخلاصة، فإنّ الآية التي ذكرت في مطلع الحديث:

  • يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ.

  • لها دلالة على إنّ أحداً لا يمكنه الكلام في عالم البرزخ إلّا بإذن الباري عزّ و جلّ، و إنّ الاختيار يُسلب من الإنسان من بداية شروع عالم البرزخ، و هو انتهاء عالم الدنيا و نقطة الموت الحائل و الفاصل بين نشأتي الدنيا و البرزخ، فلا ينفعَنّ الإنسانَ بعد ذلك اختلاقُ الأكاذيب و الأفكار المصلحيّة التي كان يتوسّل بها في هذه الدنيا لنيل المنافع الوهميّة، لأنّ ملائكة قبض الأرواح و الملائكة الآخرين الذين سيلتقون بالإنسان بعد

    1. الآيتان 61 و 62، من السورة 6: الأنعام.

معرفة المعاد ج۲

166
  • ذلك و يصادفونه سيتكلّمون مع باطنه و حقيقته، و يتحدّثون مع روحه الملكوتيّة و صورته المثاليّة، لا مع لسانه الظاهريّ أو أفكاره المموّهة المشوّهة.

  • سيسلب ملائكة الموت روحه، أمّا بدنه فسيأخذه أهله الباقون إلى المكفن و المغتسل و المصلّى و المدفن، و ستتحرّك الروح التي لها في الجملة علاقة و ارتباط بالبدن وراءه و تُشرف عليه.

  • ثمّ تحلّ الليلة الأولى للقبر، فيتكلّم الملائكة مع القالب المثاليّ و الصورة الملكوتية، لا مع البدن المادّيّ.

  • و على كلّ حال، فإنّ الإنسان يتكلّم في هذه الدنيا و يسير و يتحرّك و يقوم بهذه الأعمال بهذه الصورة المثاليّة، غاية الأمر إنّ هناك للبدن نوعاً من الاتّحاد مع الصورة المثاليّة، لذا يتصوّر الإنسان إنّ الكلام و السير و الحركة كانت بإرادة البدن و سيطرته.

  • و بعد أن يرحل الإنسان و يُهاجر من هذا العالم و يرد عالم البرزخ، و بعد أن تبتعد الصورة المثاليّة عن البدن، فيرى الإنسان حقيقته و وجوده في القالب المثاليّ و الصورة المثاليّة، فإنه سيفهم آنذاك إنّ كلّ ما قام به و أنجزه في عالم الدنيا قد حصل بالصورة المثاليّة و القالب الملكوتيّ.

  • إنّ الملائكة يتكلّمون في عالم المثال مع تلك الصورة الملكوتيّة، فذلك العالم ليس بعالم الخيال و التفكير المصلحيّ، و ليس بعالم الاعتبار و ترتيب المقدّمات التخيّليّة لنيل النتائج الموهومة؛ ذلك العالم عالم الحقيقة و عالم الحقّ.

  • إنّ الكذب يتعلّق بعالم الدنيا هذا، العالم الذي امتزج فيه الحقّ و الباطل، و الشهوة و الوهم، و الغضب و العقل، و السعادة و الشقاء، بينما العالم هناك عالم الحقّ، و الأمر منجّز هناك دفعة واحدة؛ هذا من جهة.

معرفة المعاد ج۲

167
  • و من جهة أخرى فإنّ الملائكة يتحدّثون هناك مع باطن الإنسان، فيجيبهم الإنسان بباطنه و واقعه، و لذلك فلا يمكنه أن يموّه الأمر على الملائكة باختلاق الكذب و الافتراء.

  • و إذا ما كذب أحد في هذه الدنيا، فإنّ واقعه و وجدانه سيحكي شيئاً، بينما سيحكي لسانه شيئاً آخر، و الكذب هو الوليد لهذا الاختلاف في الزاوية بين الحقيقة و بين القول باللسان؛ الكذب هو التوافق بين المحتوى القلبيّ و بين المقولة اللسانيّة.

  • لا إمكان هناك للكذب في عالم البرزخ

  • أمّا هناك، حيث تفتح الأبصار على الحقيقة و الواقع، و حيث يسلب طريق الانحراف و الالتواء الذي تمثّله الغرائز المختلفة، و حيث الحقيقة و الواقعيّة المحضة؛ فإنّ كلام الملائكة سيكون مع باطن الإنسان و حقيقته، أي إنّ جهة الحديث ستكون مع قلب الإنسان فقط، و لن يكون هناك عالم للرياء و الخداع و المكر و الحيلة و النظر المصلحيّ الموهوم الاعتباريّ، حتّى يحاول الإنسان التثبث بهذه الوسائل لجعل عمله موافقاً للحقّ و منطبقاً عليه، و ليموِّه بنحوٍ ما أفعاله السابقة و ينكّرها بلباس التمويه و التشويه فيبدلها إلى صورة الحقّ.

  • إنّ من الممكن للإنسان ألّا يرتكب ذنباً في هذه الدنيا، ليس من أجل رضا الله سبحانه أو من أجل الموافقة بين عمله و بين الحقّ و الواقع، بل لجهاتٍ أخرى غيرها. فقد لا يكذب لأنّ رفيقه سيفهم و يُدرك أنه قد كذب، و قد لا يسرق لأن سرقته ستَتّضح و تنفضح، و قد لا يخون و لا يظلم لئلّا تسقط شخصيّتهُ و مكانته في المجتمع.

  • إلّا إنّ من المسلّم إنّ فرداً كهذا لو واجه وضعاً و ظروفاً أخرى بحيث يتيقّن بشكل أكيد إنّ أحداً لن يطّلع على كذبه أو اختلاسه أو ظلمه أو خيانته، و إنّ كرامته و ماء وجهه لن يهدرا، فإنه سيفقد الرادع و المانع

معرفة المعاد ج۲

168
  • الذي يحول بينه و بين ارتكاب هذه الجرائم.

  • إنّ هذا الاختلاف في الأساليب مسبّب عن اختلاف الظاهر و الباطن الذي يرى الإنسان نفسه مواجهاً له في الدنيا.

  • أمّا في عالم البرزخ، فليس هناك اختلاف بين الظاهر و الباطن، و مهما كان باطن الإنسان فإنه سيتجلّى هناك على تلك الصورة، الباطن الحسن سيتجلّى حسناً، و الباطن السيّئ سيّئاً، و ما يقوله قلب الإنسان و يعتقده و يُذعن به، فإنّ لسانه الملكوتيّ سيقرّه أيضاً و يشهد على صحّته و صوابه.

  • سيُقال للإنسان هناك: مَنْ ربّك؟ فيردّ الإنسان و يذكر الربّ و المقصود الذي كان له في هذه الدنيا، و الذي كان يتوسّل به و ينشده.

  • و معنى «الإله» مَن يتوجّه إليه قلب الإنسان و يكون معه دوماً، و يطوف حول حرمه، و الذي يملأ القلب في مواقع الخلوة و الجلوة، و مَن يكون الإنسان في ذكره دوماً فلا تخلو منه خواطره، فهذا هو مقصود الإنسان و معبوده، و هذا هو مألوه الإنسان و معبوده.

  • هناك مَنْ معبوده و مقصوده امرأته، مهما سعى و جدَّ فلها؛ و هناك مَن معبوده ولده، أي إنّ السماء و الأرض و النبيّ و القرآن جميعاً لا تعدل لديه شيئاً مقابل محبّة ولده، فهو يتعشّقه بكلّ وجوده و كيانه، و يقدّم حبّه في مجال رغباته و طلباته على ذكر الله و النبيّ و القرآن.

  • و هناك مَن معبوده تجارته، و مَن معبوده ثروته، و مَن معبوده شخصيّته و سيادته، و مَن معبوده علمه و فكره، و مَن معبوده إيمانه و دينه، كما إنّ هناك مَن معبوده نفسه و روحه.

  • هؤلاء هم الآلهة التي تجلّت في الدنيا بشكل مشتّت و متفرّق بعنوان مقصود و معبود لبني آدم، فاختار كلّ امرئ واحداً منها فخصّصه للعبادة

معرفة المعاد ج۲

169
  • تبعاً لذوقه و طبيعته.

  • لقد خاطب النبيّ يوسف على نبيّنا و آله و عليه الصلاة و السلام صاحبيه في السجن: يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ.1

  • «أرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ» أي أصحاب الولاية في قلب الإنسان، الذين أسّسوا و أقاموا حكومتهم التخيّليّة في قلب الإنسان على أساس عالم الكثرة و الاعتبار و التفرّق. «أرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ» يعني هؤلاء الحكّام الجائرين و الرؤساء المستبدّين و طواغيت العصر الذين يدعون الإنسان إلى طاعتهم و العبوديّة لهم.

  • من الممكن للإنسان أن يصلّي و أن يصوم و أن يبني مسجداً أيضاً، إلّا إنّ ذلك يمتلك قدراً و قيمة حين يكون له دلالة على العلاقة و الارتباط بالله سبحانه، أي حين يكون كذلك في المنزل وحيداً فيغتسل غسل الجنابة و لا يترك صلاته، و حين يكون كذلك خلف الميزان فلا يجحف و لا يظلم في بيعه على مشترٍ جاهل قرويّ لا يعلم شيئاً عن الحساب، فلا يتقاضى منه أكثر ممّا يجب عليه أو يُعطيه أقلّ ممّا يجب له؛ لأنّ الله موجود. الله موجود في منتصف الليل و المرء راقد في فراشه، و الله موجود حين ينهض المرء من النوم. كما إنّ العلاقة بالزوجة و الولد و الثروة و الاعتبار يجب أن تكون في طول العلاقة و المحبّة مع الله لا في عرضها و آنذاك فإنّه إذا ما سُئل: مَن رَّبُّكَ؟

  • فسيجيب: اللهُ جَلَّ جَلَالُهُ رَبِّي.

  • فيقول له الملائكة: قَدِمْتَ خَيْرَ قُدومٍ، نَزَلْتَ خَيْرَ مَقَامٍ، أهْلًا

    1. الآية 39، من السورة 12: يوسف.

معرفة المعاد ج۲

170
  • وَ سَهْلًا.

  • أمّا اولئكم الذين يقولون في الظاهر: إنّ ربّنا ربّ السماوات و الأرض، إلّا أنهم لا يعتقدون به عملًا، و الذين لا تعدو شهادتهم أن تكون مجرّد لقلقة لسان؛ اولئك الذين يتشدّقون دوماً بالكلام عن الإيمان و الشرف و التقوى و العدالة، إلّا أنهم يبيعون- في مقام العمل- جميع هذه الامور بفلسٍ واحد، ذلك لأنّ ربّهم و آلهتهم في ميزان الواقع و تقييم الحقيقة هو الدرهم و الدينار و الذهب و الفضّة و البطن. كما قد أخبر الرسول الأكرم صلّى الله عليه و آله عن أهل آخر الزمان:

  • ءَالِهَتُهُمْ بُطُونُهُمْ وَ نِسَاؤُهُمْ قِبلَتُهُمْ وَ شَرَفُهُمْ الدَّرَاهِمُ وَ الدَّنَانِيرُ.

  • و هؤلاء إن سئل أحدهم في عالم البرزخ: مَنْ رَبُّكَ؟ لأجاب بحقيقة الأمر، و لقال أحدهم: بَطْني، بَطْنِي.

  • فيقولون له: الويل لك! فتوسّل بالاهك، و اطلب من بطنك لتنجيك من عذابنا!

  • و يسألون الآخر: مَنْ رَبُّكَ؟ فيجيب: امرأتي!

  • فيقولون: فاسئل امرأتك أن تغيثك و تُعينك!

  • و يسألون الآخر: مَنْ رَبُّكَ؟

  • فيجيب: ولدي؛ لقد كنتُ رجلًا عجوزاً فسعيتُ و جهدتُ حتّى أعددتُ النقود فأعطيتها لولدي فذهب إلى الخارج ليصبح مهندساً أو طبيباً، إلّا أنه كان بعيداً عن الإنصاف ففقد إيمانه و تلبّس بنهج الكفّار و آثارهم، و مهما حاولنا أن نعيده إلى صوابه فإنه لم يرعو و لم يستجب. ثمّ يغالط في كلامه و يقول: إنّ البلد يحتاج إلى الطبيب و المهندس، فهؤلاء ضروريّون للمجتمع. بَيد أنه يكذب، فالطبيب و المهندس ليس من أجل خدمة المجتمع، بل لتفريغ جيوب الفقراء و الضعفاء، و لكنز الثروات التي

معرفة المعاد ج۲

171
  • لا تُحصى.

  • فيُقال: فاذهب الآن و اجلب ابنك الطبيب و المهندس لينقذك من براثن أفكار الندم التي تجلّت في هذا العالم في هيئة ملائكة العذاب.

  • كما يجيب البعض الآخر على سؤال (مَنْ رَبُّكَ؟) فيقول: تجارتي، صكوكي، كمبيالاتي، عنواني و اعتباري، جاهي و رئاستي، غرور علمي و فهمي؛ فهؤلاء، جميعاً آلهة معبودون.

  • إنّ عالم طلوع الحقائق و بروز السرائر لَعالمٌ عجيب! لقد قال الله سبحانه إننا سنشاهده يوماً ما، لكنّ علينا أن نكون في مستوى السؤال فنجيب كما ينبغي. و الأمر الآن كذلك، غاية الأمر إنّ النفس لم تطّلع، و ما اختفى عليها لم يَظهر بعد، و سيظهر و يبرز آنذاك.

  • وَ بَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ.1

  • يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ.2

  • فمن أجاب كما ينبغي، فقال: ربّي الله الواحد الأحد الصمد خالق السماوات و الأرضين. فإنّه سيقال له: نَمْ قَرِيرَ العَيْنِ، نَمْ نَومَةَ العَرُوسِ.

  • عدم إمكان عودة النفوس البرزخيّة إلى عالم الدنيا

  • يحدّث الشيخ الصدوق محمّد بن عليّ بن بابويه القمّيّ في كتابه «الأماليّ» بسنده المتّصل عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال:

  • إذا مات المؤمن شيّعه سبعون ألف مَلَك إلى قبره، فإذا أدخل قبره أتاه منكر و نكير فيقعدانه و يقولان له: مَنْ رَبُّكَ؟ وَ مَا دِينُكَ؟ وَ مَنْ نَبِيُّكَ؟ فيقول: ربّي الله و محمّد نبيّي و الإسلام ديني. فيفسحان له في قبره

    1. الآية 48، من السورة 14: إبراهيم.
    2. الآية 16، من السورة 40: غافر.

معرفة المعاد ج۲

172
  • مدّ بصره و يأتيانه بالطعام من الجنّة و يُدخلان عليه الرَّوح و الرَّيحان، و ذلك قوله عزّ و جل: «فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَ رَيْحانٌ»، يعني في قبره، «وَ جَنَّةُ نَعِيمٍ» يعني في الآخرة.

  • لو رُدّ الكافر إلى الدنيا، لعاد لما نُهي عنه

  • ثمّ قال عليه السلام: إذا مات الكافر شيّعه سبعون ألفاً من الزبانيّة إلى قبره، و إنه ليناشد حامليه بصوتٍ يسمعه كلُّ شيء إلّا الثقلان و يقول لو أن لي كرّةً فأكون من المؤمنين، و يقول: «رَبِّ ارْجِعُونِ* لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ»1، فتجيبه الزبانية: كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها.2

  • و يناديهم مَلَك: لَوْ رُدَّ لَعَادَ لِمَا نُهِى عَنْهُ.

  • فإذا ادخل في قبره و فارقه الناس أتاه منكر و نكير في أهول صورة، فيُقيمانه ثمّ يقولان له: مَنْ رَبُّكَ؟ وَ مَا دِينُكَ؟ وَ مَنْ نَبِيُّكَ؟

  • فيتلجلج لسانه و لا يقدر على الجواب، فيضربانه ضربةً من عذاب الله يذعر لها كلّ شيء، ثمّ يقولان له: من ربّك، و ما دينك، و من نبيّك؟ فيقول: لا أدري! فيقولان له: لَا دَرَيْتَ وَ لَا هُدِيْتَ وَ لَا أفْلَحْتَ.3

  • ثمّ يفتحان له باباً إلى النار و يُنزلان إليه الحميم من جهنّم، و ذلك قول الله عزّ و جلّ: «وَ أمَّآ إن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّآلِّينَ فَنُزُلٌ منْ حَمِيمٍ* وَ تَصْلِيَةُ جَحِيمٍ» يعني في الآخرة.4

  • روى المرحوم العلّامة المجلسيّ رضوان الله عليه عن كتاب «كشف اليقين» للعلّامة الحلّيّ رحمة الله عليه، عن تفسير الحافظ محمّد بن مؤمن

    1. الآيتان 99 و 100، من السورة 23: المؤمنون.
    2. هذه الجملة مقتبسة من الآية 100، من السورة 23: المؤمنون.« كلّا إنها كلمة هو قائلها».
    3. و هو دعاءٌ بالسوء و لعن، بصيغة الإثبات.
    4. «الأمالي» للصدوق، الطبعة الحجريّة، ص 174 و 175.

معرفة المعاد ج۲

173
  • الشيرازيّ، بسنده مرفوعاً قال: أقبل صخر بن حرب (أبو سفيان) حتّى جلس إلى رسول الله صلّى الله عليه و آله فقال: يا محمّد هذا الأمر لنا بعدك أم لمن؟ قال: يا صخر الأمر بعدي لمن هو منّي بمنزلة هارون من موسى، فأنزل الله تعالى «عَمَّ يَتَساءَلُونَ» يعني يسألك أهلُ مكّة عن خلافة عليّ بن أبي طالب «عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ» منهم المصدّق بولايته و خلافته و منهم المكذّب «كُلا» و ردّ عليهم «فَسَيَعْلَمُونَ» سيعرفون خلافته بعدك إنّها حقّ يكون «ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ» سيعرفون خلافته و ولايته إذ يُسألون عنها في قبورهم، فلا يبقى ميّت في شرق و لا غرب و لا في برّ و لا في بحر إلّا و منكر و نكير يسألانه عن ولاية أمير المؤمنين بعد الموت، يقولان للميّت: مَنْ رَبُّكَ؟ وَ مَا دِينُكَ؟ وَ مَنْ نَبِيُّكَ؟ وَ مَنْ إمَامُكَ.1

  • و هناك تتمّة للرواية التي نقلناها في المجلس الحادي عشر عن أحد الكتب الأربعة في شأن السؤال في عالم القبر و استجواب منكر و نكير. فقد كانت في رواية «العيّاشيّ» و «الكافي» التي ينقلانها بسندهما المتّصل عن جابر، تتمّة في ذيلها نوردها هنا مجدّداً للمناسبة:

  • إحساس الحيوانات بعنف قبض روح الظالمين

  • قال جابر: قال أبو جعفر [الباقر] عليه السلام: قال النبيّ صلّى الله عليه و آله: إنّي كنتُ أنظرُ إلى الإبلِ و الغنمِ و أنا أرعاها، و ليسَ مِن نَبيّ إلّا و قد رعى الغنَم، و كُنتُ أنظُر إليها قبلَ النبوّة و هي متمكّنة في المكينة ما حَوْلها شيءٌ يهيّجها، حتّى تذعُر و تطيرُ، فأقول: ما هذا؟ و أعجبُ، حتّى حدّثني جبرئيلُ عليه السّلامُ إنّ الكافرَ يُضربُ ضَرْبةً ما خلقَ اللهُ شَيئاً إلّا سمعها و يذعرُ لها إلّا الثقلين، فقلتُ:

  • ذلك لضربة الكافرِ فنعوذُ باللهِ من عذابِ القبرِ.2

    1. «بحار الأنوار»، الطبعة الحروفيّة، ج 6، ص 216.
    2. «فروع الكافي»، الطبعة الحجريّة، ص 63؛ و الطبعة الحيدريّة، ج 3، ص 233.

معرفة المعاد ج۲

174
  • و ترون أحياناً إنّ الكلاب تبدأ بالنباح فجأة، و إنّ الطيور تصخب، و الديكة تصيح، و الخيول تصهل؛ و ذلك لارتباطها الكبير بعالم الصورة و المثال. فهي لا ترتبط بصورة الإنسان الواقعيّة، التي هي مقام تجلّي النفس و الروح، بل ترتبط بالإنسان في عالم الخيال.

  • يقول الملائكة: لقد جاء بك الله إلى الدنيا و سخّر لك الشمس و القمر و الليل و النهار، و خلق ما على الأرض لأجلك، ثمّ قضيتَ عمرك، فما الذي جئتَ به معك؟

  • لقد وردتَ الدنيا بالفطرة الإلهيّة، فلِمَ خرجتَ منها أعمى؟ أي غفلةٍ أعقبت لك هذه الحياة الشاقّة التي ترزح تحتها؟

  • وَ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَ نَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى.1

  • و قد ورد في بعض الروايات إنّ المراد بالمعيشة الضنك عذاب عالم البرزخ.

  • يقول المجلسيّ رضوان الله عليه ذيل خبر مرويّ عن الإمام السجّاد عليه السلام في شأن عذاب القبر، عدّ فيه المعيشة الضنك من جملة أنواع ذلك العذاب.

  • قال: هذا الخبر يدلّ على إنّ المراد بالمعيشة الضنك في الآية هو عذاب القبر، و يؤيّده ذكر القيامة بعدها، و إليه ذهب كثير من المفسّرين، و لا يجوز أن يُراد بها سوء الحال في الدنيا، لأنّ كثيراً من الكفّار في الدنيا في معيشة طيّبة هنيئة، و المؤمنين على العكس من ذلك.2

    1. الآية 124، من السورة 20: طه.
    2. «بحار الأنوار»، ج 6، ص 215، الطبعة الحيدريّة.

معرفة المعاد ج۲

175
  • كما قال [الطبرسيّ] في «مجمع البيان»: و قيل هو (أي المعيشة الضنك) عذاب القبر، عن ابن مسعود و أبي سعيد الخدريّ و السدّيّ. و رواه أبو هريرة مرفوعاً.1

  • و يذكر الشيخ الطوسيّ في «الأمالي» رسالة كتبها الإمام أمير المؤمنين عليه السلام لأهل مصر و أرسلها مع محمّد بن أبي بكر، و هي رسالة مفصّلة و حاوية لمطالب قيّمة في التعليم و التوعية و الوعظ، و قد ورد فيها الكلام عن الموت و عواقبه مفصّلًا، إلى أن ذكر لهم عليه السلام:

  • وَ إنّ الْمَعِيشَةَ الضَّنْكَ التي حَذَّرَ اللهُ مِنْهَا عَدُوَّهُ عَذَابُ الْقَبْرِ.2

  • لا وجود للتفكير المصلحيّ و المنافع الشخصيّة في البرزخ

  • و الخلاصة، فقد يستطيع امرؤ أن يتجنّب الإجابة الصحيحة و يُعرض عن حقيقة الأمر صفحاً، و يلجأ إلى الكذب و الافتراء، إذا ما كانت الجهات المختلفة من القوى الطبيعيّة و الاختيار قد بقيت لديه، و إذا ما لجأ إلى الكذب على أساس التفكير المصلحيّ فراراً من العقاب أو الفضيحة.

  • و لكن هيهات؟ فالشخص الميّت الذي فقد هذه الجهات بموته، و الذي سُلب منه الاختيار، لن يكون بميسوره التخلّف عن إظهار متن الواقع و الحقيقة، و سينطق بالصدق و الحقّ و يصدع به جبلّة و اضطراراً.

  • إنّ البعض يصدُقون حال سُكرهم فيبيّنون حقائق الامور الواقعة بلا زيادة أو نقصان، فإن كانت فطرتهم سليمة نزيهة و عقيدتهم ثابتة راسخة، فإنّهم سيقومون حال السكر أيضاً بالثناء على الله و على النبيّ و الإمام و الإسلام؛ أمّا إذا كانت عقيدتهم منحرفة و ضمائرهم فاسدة، فإنهم سيتكلّمون بالسوء حال سكرهم على الله و الكائنات و الإمام و النبيّ

    1. نفس الموضع من كتاب البحار.
    2. «الأمالي» للشيخ الطوسيّ، طبع النجف، المجلّد الأوّل، ص 27.

معرفة المعاد ج۲

176
  • و سيقذفوهم بأقذع الأقوال. على الرغم من إنّ هذين الصنفين من السكارى يقفان حال الوعي في صفٍّ واحد، و يتكلّمان بنمط واحد بسبب مراعاة الظاهر. لكنّ هذا الاختلاف في الزاوية قد نشأ إثر السكر و إثر فقدان الاختيار، و إثر ظهور الحقائق و تجلّيها.

  • كما إنّ الإنسان غالباً ما يعمل في نومه وفق رغباته الباطنيّة، مع أنه لا يفعل ذلك حال صحوه و انتباهة.

  • و لذا فقد قال الإمام الباقر عليه السلام بأنّ النَّوْمُ وَ الْمَوْتُ مِنْ مَقُولَةٍ وَاحِدَةٍ.

  • إنّ محادثات الملائكة مع الشخص المحتَضَر عند النزع و المتوفّى عند التشييع و التكفين و التغسيل و الدفن، و في أوّل ليلة في القبر و على مدى عالم البرزخ، تحصل بأجمعها مع الروح الملكوتيّة لذلك المتوفّى، لذا لا يطّلع عليها الآخرون الذين لم تُفتح بصائرهم بعدُ على الملكوت، فلا يدركون تلك المكالمات و المحادثات.

  • يقول المرحوم جمال الحقّ و آية الله العظمى السيّد جمال الدين الگلبايگانيّ رحمة الله عليه- و هو أحد أساتذتنا في الأخلاق-:

  • ذهبتُ يوماً إلى وادي السلام لزيارة أهل القبور في النجف الأشرف، و كان الجوّ حاراً، فجلستُ بعد أداء فريضة الظهر وسط الوادي تحت سقف ظليل ذي أربع طاقات- و كان المرحوم السيّد جمال الدين كثيراً ما يذهب إلى وادي السلام فيجلس و يتأخرّ، و كنّا نظنّ إنّ له اتّصالًا بالأرواح الطيّبة، و إنّ تبادلًا كان يحصل بينه و بينهم، قال: ما إن جلستُ و أشعلتُ سيجارتي لأستريح هنيئة، حتّى شاهدتُ مجموعة من الأرواح و قد جاءوا صوبي و هم على أسوأ حال، ملابسهم متهرئة و قذرة و ملوّثة، و كانوا يضرعون: أيّها السيّد، تعال و أغثنا و اشفع لنا؟ و كانت هذه الأرواح متعلّقة بالقبور

معرفة المعاد ج۲

177
  • التي كنتُ أجلس بينها، و كانوا بأجمعهم من شيوخ العرب و كبارهم، و كان لهم في دنياهم نخوة و تكبّر و جاه و اعتبار، و كانوا يلحّون في توسّلهم و ضراعتهم و يلوذون بي.

  • فرددتُهم جميعاً و قد تكدّر خاطري و قلتُ: يا من جانبتم الإنصاف و العدل، لقد عشتم في الدنيا فأكلتم أموال الناس ظلماً و ارتكبتم الجرائم و الجنايات، و سلبتم حقّ الضعيف و اليتيم و كلّ من لا ملجأ له و لا سند؛ و كنّا مهما صرخنا بكم أعرتمونا آذاناً صمّاء. و ها أنتم تأتون و تقولون: اشفع لنا! فاذهبوا و اعزبوا عن وجهي!

  • طردتُهم جميعاً فتفرّقوا طرائق قدداً.

  • إلّا أنّه كان يشفع للبعض بعد تأديبهم في عالم البرزخ، إن كانوا من أهل الإيمان حقّاً، و كان عذاب البرزخ لم يُصفِّهم و يُنقِّهم بعدُ من التبعات.

  • مواعظ المرحوم آية الله القاضي للمرحوم الآمليّ

  • و لقد نقل الكثير من تلامذة المرحوم آية الحقّ، آية الله العظمى الحاج الميرزا عليّ القاضي رضوان الله عليه أنه كان كثيراً ما يذهب إلى وادي السلام في النجف لزيارة أهل القبور، و كانت زيارته تستغرق ساعتين أو ثلاثاً أو أربع ساعات و كان يجلس في زاويةٍ ما ساكتاً، حتّى يملّ تلامذته فيعودون و يقولون في أنفسهم: إنّ للُاستاذ عوالمه التي تجعله يجلس ساكناً هكذا لا يملّ و لا يكلّ! و كان هناك عالِم جليل و متّقٍ في طهران، هو المرحوم آية الله الحاجّ الشيخ محمّد تقي الآمليّ رحمة الله عليه، و كان امرءاً حسناً حقّاً، و هو من تلامذة الدورة الأولى للمرحوم القاضي في الأخلاق و العرفان.

  • و قد نُقل عنه أنه قال: كنت اشاهد لمدّةٍ إنّ المرحوم القاضي كان يجلس في وادي السلام ساعتين أو ثلاثاً، و كنتُ أقول في نفسي: على الإنسان أن يزور و يدخل السرور بقراءة الفاتحة على أرواح الموتى ثمّ

معرفة المعاد ج۲

178
  • ينصرف، فهناك أعمال أكثر أهميّة و ضرورة ينبغي فعلها.

  • كان هذا الإشكال يعتمل في قلبي، إلّا أنني لم أظهره لأحد، حتّى لأقرب و أخلص رفقائي من تلامذة الاستاذ.

  • و مرّت مدّة كنتُ أذهب خلالها إلى الاستاذ للإفادة من محضره، ثمّ صممتُ على العودة من النجف الأشرف إلى إيران، إلّا أنني كنت متردّداً في مدى صلاح هذا السفر، و كانت هذه النيّة تعتمل في ذهني أيضاً، و لم يكن لأحد علمٌ بها. حتّى جاءت ليلة، و كنت أريد النوم. و كان في الغرفة التي كنت فيها رفّ للكتب إلى الأسفل من قدمي، يضمّ كتباً علميّة و دينيّة. و بالطبع فقد كانت أقدامي ستتّجه عند النوم تجاه تلك الكتب، فقلتُ في نفسي: هل أنهض و أغيّر محلّ نومي أم إنّ ذلك ليس ضروريّاً، فالكتب ليست مقابل قدمي تماماً، و هي أعلى من مستوى قدميّ، فلا يتحقق هتك، لاحترام الكتب.

  • و هكذا بقيتُ في تردّدي و حديثي مع نفسي، ثمّ إنني اعتبرت أن لا هتك هناك فنمتُ على تلك الحال.

  • و حلّ الصباح فذهبتُ إلى محضر الاستاذ المرحوم القاضي و سلّمتُ فردّ: عليكم السلام، ليس في صلاحكم أن تذهبوا إلى إيران، كما إنّ مدّ الأرجل تجاه الكتب هتك للاحترام.

  • فقلتُ مأخوذاً دون شُعور: من أين عرفتم أيها السيّد؟! من أين عرفتم؟!

  • قال: عرفته من وادي السلام!

  • روى المرحوم الكلينيّ في كتاب «الكافي»، عن عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن عمرو بن شمر، عن جابر قال: قال عليّ بن الحسين عليهما السلام: ما ندري كيفَ نصنعُ بالناسِ، إن حدّثنا بما سَمعنا من رسولِ الله صلّى الله عليه و آله ضَحكوا، و إن سكتنا لم يسعنا.

معرفة المعاد ج۲

179
  • قال: فقال ضمرة بن معيد (سعيد خ ل): حدِّثْنَا!

  • فقال: هَلْ تدرونَ ما يقولُ عدوُّ الله إذا حُمِلَ على سريره؟

  • قال: فقلنا: لا!

  • قال: فإنه يقول لِحَمَلَتِهِ: أ لا تسمعون إني أشكو إليكم عَدُوَّ الله خَدَعني و أوردني ثمّ لم يُصْدِرْنِي، و أشكو إليكم إخواناً وَاخَيْتُهُمْ فَخَذَلُوني، و أشكو إليكم أولاداً حَامَيْتُ عنهم فخذلوني، و أشكو إليكم داراً أنفقتُ فيها حَرِيبَتِي فصارَ سكّانُها غَيْري، فارفقوا بي و لا تستعجلوا!

  • قال: فقال ضمرة: يا أبا الحسن! إن كان هذا ليتكلّم بهذا الكلام يوشك أن يثبَ على أعناقِ الَّذينَ يحملونه؟

  • قال: فقال عليّ بن الحسين عليهما السلام: اللهم إن كان ضمرةُ هَزَأ من حديثِ رسولِ الله صلّى الله عليه و آله فخُذهُ أخذةَ أسف.

  • قال: فمكث أربعين يوماً ثمّ مات، فحضره مولى له.

  • قال: فلمّا دُفن أتى عليّ بن الحسين عليهما السلام فجلس إليه فقال له: من أين أتيتَ يا فلان؟ قال: مِنْ جنازةِ ضمرة، فوضعتُ وجهي عليه حين سُوِّيَ عليه فسمعتُ صوتَهُ و اللهِ أعرفُه كما كنتُ أعرفه و هو حَيّ يقول: وَيْلَكَ يا ضمرة بن معيد، اليوم خَذَلَكَ كُلُّ خليلٍ و صار مصيرُك إلى الجحيم فيها مسكُنك و بيتُك و المقيلُ. قال: فقال عليّ بن الحسين عليهما السلام: أسْألُ اللهَ العافيةَ. هذا جزاءُ مَنْ يَهزأ مِنْ حديثِ رسولِ اللهِ صلّى الله عليه و آله.1

  • رحلة فاطمة بنت أسد و تشييع رسول الله لها و تكفينه لها بأحد ثيابه

  • و يروي محمّد بن الحسن الصفّار في كتاب «بصائر الدرجات»2-

    1. «فروع الكافي»، الطبعة الحجريّة، ج 1، ص 64؛ و الطبعة الحيدريّة ج 3، ص 234 و 235.
    2. كتاب« بصائر الدرجات» موضوعه فقط روايات في فضائل آل محمّد و الأئمّة عليهم السلام، و هو كتاب لا نظير له في طريقته، و يعدّ من جهة اعتباره من الكتب المعروفة و المشهورة.

معرفة المعاد ج۲

180
  • و هو من كتب الشيعة النفيسة و من الأصول المعتمدة للمؤلّفين، يتقدّم مؤلّفة زمناً على الكلينيّ و الصدوق، و هو من مشايخ الصدوق في الإجازة، و كان قد أدرك زمن الإمام الحسن العسكريّ عليه السلام و روي عنه، و كانت سنة مائتين و تسعين للهجرة- بسنده المتّصل عن إبراهيم بن هاشم، عن عليّ بن أسباط، عن بكر بن جناح، عن رجل آخر، عن الإمام الصادق عليه السلام قال: لمّا ماتت فاطمة بنت أسد أمّ أمير المؤمنين، جاء عليّ إلى النبيّ صلّى الله عليه و آله، فقال له رسول الله صلّى الله عليه و آله: يا أبا الحسن ما لك؟

  • قال: أمّي ماتت.

  • فقال النبيّ صلّى الله عليه و آله: و أمّي و الله، ثمّ بكى و قال: وَا امَّاهُ، ثمّ قال لعليّ عليه السلام: هذا قميصي فكفّنها فيه، و هذا ردائي فكفّنها فيه، فإذا فرغتم فآذنوني. فلمّا اخرجتْ صلّى عليها النبيّ صلّى الله عليه و آله صلاةً لمْ يصلِّ قبلها و لا بعدها على أحدٍ مثلَها، ثمّ نزل على قبرها فاضطجع فيه، ثمّ قال لها: يَا فَاطِمَةُ!

  • قالت: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ!

  • فقال: فهل وجدتِ ما وعد ربُّك حقّاً؟

  • قالت: نعم، فجزاك الله خير جزاء.

  • و طالت مناجاتُه في القبر، فلمّا خرج قيل: يا رسول الله لقد صنعتَ بها شيئاً في تكفينِكَ إيّاها ثيابك، و دخولِكَ في قبرها، و طولِ مناجاتِكَ، و طولِ صلاتِكَ، ما رأيناك صَنَعْتَهُ بأحدٍ قبلها!

  • قال: أمّا تكفيني إيّاها فإنّي لمّا قلتُ لها: يُعرض الناسُ يوم يُحشرون

معرفة المعاد ج۲

181
  • من قبورهم، فصاحت و قالت: وَا سَوْأتَاهُ! فلبّستُها ثيابي و سألتُ الله في صلاتي عليها أن لا يُبلى أكفانها حتّى تدخل الجنّة، فأجابني إلى ذلك؛ و أمّا دخولي في قبرها فإنّي قلتُ لها يوماً: إنّ الميّتَ إذا ادخل قبره و انصرف الناسُ عنه دخل عليه ملكان: مُنكر و نكير يسألانه، فقالت: وَا غَوْثَاهُ بِاللهِ، فما زلتُ أسأل ربّي في قبرها حتّى فُتح لها بابٌ من قبرها إلى الجنّة فصار روضةً من رياض الجنّة.1

  • و قد أورد العلّامة المجلسيّ رضوان الله عليه هذه الرواية في «بحار الأنوار»،2 كما روي مضمونها مفصّلًا عن كتابي «فضائل ابن شاذان» و كتاب «الروضة» و هو كتاب في فضائل أهل البيت عليهم السلام.3

  • و فاطمة بنت أسد من أعلام النساء المسلمات، و كان لها محبّة زائدة لرسول الله، و كانت أوّل امرأة تبعت النبيّ في الهجرة إلى المدينة، و قد وردت المدينة في غاية المشقّة و العسر بينما كان رسول الله لا يزال في مسجد قبا.

  • و كانت أقدامها قد تورّمت و ملئت جراحات و فقاقيع، فأمر رسول الله أن تخلد للراحة، و قدمت عليها نساء المدينة لمعالجة قدميها.

  • و قبر فاطمة بنت أسد في البقيع مقابل قبور الأئمّة الأربعة عليهم السلام، و ينبغي الدعاء و التوسّل عند (قبرها) للمنزلة الرفيعة التي تحظى بها أمّ أمير المؤمنين عند الله سبحانه.

  • صدقات رسول الله إلى فاطمة بنت أسد و خديجة بنت خويلد

  • و كان رسول الله يدعو لفاطمة بنت أسد و يستغفر لها و يتصدق عنها كما كان صلّى الله عليه و آله يتصدّق كذلك عن خديجة بعد ارتحالها عن دار الدنيا،

    1. «بصائر الدرجات»، الطبعة الحجريّة، ص 81.
    2. «بحار الأنوار»، ج 6، ص 232، الطبعة الحيدريّة.
    3. «بحار الأنوار»، ج 6، ص 241، الطبعة الحيدريّة.

معرفة المعاد ج۲

182
  • و كان يذبح الشاة فيُطعمها للفقراء مع أنه صلّى الله عليه و آله كان أقلّ عمراً من خديجة بخمس عشرة سنة. و كانت عائشة تعترض عليه أن: لما ذا تذكر إلى هذا الحدّ امرأةً من قريش رحلت عن الدنيا و مرّ على وفاتها سنين، و تهب الذبائح لأجلها؟

  • فيقول: أ تعلمين أي امرأةٍ كانت؟ أنى لي نسيانها! لقد ساندتني حين تركني الناس، و آمنت بي حين أشرك الناس و رفضوا دعوتي، و كانت معي في المشاكل خطوةً بعد خطوة!

  • و في السنة العاشرة من المبعث رحل أبو طالب عليه السلام عن الدنيا في أواخر شهر رجب، ثمّ لحقته خديجة بعد ثلاثين يوماً أو خمس و ثلاثين؛ فغمر الحزنُ النبيّ الأكرم في تلك السنة، فلم يكن ليخرج من داره. و سُمّي ذلك العام بعام الحزن، و كان مروره على رسول الله عسيراً شديد الوطأة حقّاً. و لم يكن لفاطمة بنت رسول الله من خديجة من العمر آنذاك الّا خمس سنوات، فترعرعت فاطمة بلا أمّ في أحضان رسول الله.

  • الأخبار الغيبيّة لفاطمة الزهراء سلام الله عليها، و الذين صلّوا عليها

  • ثمّ إنّ رسول الله هاجر إلى المدينة بعد ثلاث سنوات، ثمّ ارتحل صلوات الله عليه و آله بعد إقامته في المدينة لعشر سنين، و لحقته الزهراء عليها السلام. أي إنّ الزهراء عاشت دون أمٍّ ثلاث عشرة سنة، و ترعرعت في رعاية النبيّ و عواطفه، فكانت روحُها روح رسول الله، و سرُّها سرّ رسول الله؛ و كان الملكوت مشهوداً لديها، فكانت تتكلّم مع الموتى، كما كانت الملائكة تحدّثها، فدُعيت لذلك ب- (المحَدَّثَة). و كانت تبيّن لأبيها من أخبار الغيب أحياناً، كما صارت تبيّن لأمير المؤمنين من تلك الأخبار.

  • و لقد رحل رسول الله صلّى الله عليه و آله و فاطمة عليها السلام عالمة حقّ العلم كيف يريد هؤلاء القوم الفاسدون قلب أساس الإسلام و زعزعة اصوله المسلّمة متلبّسين بلباس اتّباع الحقّ.

معرفة المعاد ج۲

183
  • كانت فاطمة بنت رسول الله ترزح بين ضغطي الباطن و الظاهر، ثمّ رحلت بعد مدّة يسيرة فكفّنت و دُفنت ليلًا حسب وصيّتها فلم يُعْلَمْ أحد من الناس لمراسم التجهيز و الصلاة و الدفن.

  • و في دجنّة الليل البهيم كان سبعة نفر فقط هم الذين صلّوا على فاطمة!

  • و كما يروي الشيخ الكشّي عن جبرائيل بن أحمد الفاريابيّ، عن حسين بن خرذاذ، عن ابن فضّال، عن ثعلبة بن ميمون، عن زرارة، عن الإمام أبي جعفر محمّد الباقر عليه السلام، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ بن أبي طالب عليه السلام قال:

  • ضَاقَتِ الأرْضُ بِسَبْعَةٍ بِهِمْ تُرْزَقُونَ وَ بِهِمْ تُنْصَرُونَ وَ بِهِمْ تُمْطَرُونَ، منهم سَلْمَانُ الْفَارِسيّ وَ الْمِقْدَادُ وَ أبُو ذَرٍ وَ عَمَّارُ وَ حُذَيْفَةُ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِمْ، وَ كَانَ عليّ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ: وَ أنَا إمَامُهُمْ وَ هُمُ الَّذِينَ صَلُّوا عَلَى فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلَامُ.1

  • و قد نقل الشيخ الحرّ العامليّ هذه الرواية في رسالته باسم «مَعْرِفَةُ الصَّحَابَة» و كذلك يروي الشيخ المفيد بسنده إنّ أمير المؤمنين عليه السلام قال:

  • خُلقت الأرض لسبعة بهم تُرزقون ... إلى آخر الرواية المذكورة؛2 إلّا إنّ الشيخ الصدوق ينقل هذه الرواية في «الخصال»، ص 360 و 361 بهذه الكيفيّة:

  • حدّثنا محمّد بن عمير البغداديّ الحافظ قال: حدّثني أحمد بن الحسن بن عبد الكريم أبو عبد الله قال: حدّثني عتاب يعني ابن صهيب قال: حدّثنا عيسى بن عبد الله العامريّ قال: حدّثني أبي عن أبيه عن جدّه عن

    1. «رجال الكشّيّ» طبع بمبئي، ص 4، ضمن ترجمة سلمان الفارسيّ.
    2. «الاختصاص»، ص 5.

معرفة المعاد ج۲

184
  • عليّ عليه السلام قال: خُلقت الأرض لسبعةٍ بهم يُرزقونَ و بهم يُمطرونَ و بهم يُنصرونَ:

  • أبو ذرٍ، و سلمان، و المقداد، و عمّار، و حذيفة، و عبد الله بن مسعود. قال عليّ عليه السلام: و أنا إمامُهُمْ و هم الَّذين شَهِدُوا الصَّلاةَ على فاطمةَ عليها السلام.

  • لقد كان لفاطمة عليها السلام ذلك القدر من الحزن الطافح، إلّا أنها لم تُشرك معها به أحداً و لم تبح به لأحد.

  • و حين وضعها أمير المؤمنين عليه السلام في قبرها و أهال عليها التراب، شرع يبثّ همّه و شجوه إلى رسول الله صلّى الله عليه و آله:

  • السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ عَنِّي وَ عَنِ ابْنَتِكَ النَّازِلَةِ في جِوَارِكَ وَ السَّرِيعَةِ اللِّحَاقِ بِكَ؛ قَلَّ يَا رَسُولَ اللهِ عَنْ صَفِيَّتِكَ صَبْرِي وَ رَقَّ عَنْهَا تَجَلُّدِي إلَّا إنّ لي في التَّأسِّي بِعَظِيمِ فُرْقَتِكَ وَ فَادِحِ مُصِيبَتِكَ مَوْضِعَ تَعَزٍّ.

  • إلى أن يقول:

  • وَ سَتُنبِّئُكَ ابْنَتُكَ بِتَضَافُرِ امَّتِكَ عَلَى هَضْمِهَا فَأحْفِهَا السُّؤَالَ وَ اسْتَخْبِرْهَا الْحَالَ، هَذَا وَ لَمْ يَطُلِ الْعَهْدُ وَ لَمْ يَخْلُ مِنْكَ الذّكْرُ وَ السَّلَامُ عَلَيْكُمَا سَلَامَ مَوَدِّعٍ لَا قَالٍ وَ لَا سَئمٍ فَإنْ أنْصَرِفْ فَلَا عَنْ مَلَالَةٍ وَ إنْ اقِمْ فَلَا عنْ سُوءِ ظَنٍّ بِمَا وَعَدَ اللهُ الصَّابِرِينَ.1

    1. «نهج البلاغة» عبدة، طبع مصر، باب الخطب ج 1، ص 417.

معرفة المعاد ج۲

186
  •  

  •  

  • المَجْلِسُ الرّابِع عَشَر: تَجَلّي الانْسَانَ وَ أعْمالِهِ في عَالَم الْبَرْزَخ في صُوَرِتَهِمَا الْمَلَكُوتِيّة

  •  

  •  

معرفة المعاد ج۲

188
  •  

  •  

  • بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

  • (مطالب ألقيت في اليوم الرابع عشر من شهر رمضان المبارك)

  • الحمد لله ربّ العالمين و لا حول و لا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم

  • و صلّى الله على محمّد و آله الطَّاهرين

  • و لعنة الله على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين

  • قال الله الحكيم في كتابه الكريم:

  •  

  •  

  • أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَ فَرْعُها فِي السَّماءِ* تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ* وَ مَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ* يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ وَ يُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَ يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ.1

  • لقد ذُكر سابقاً إنّ الإنسان حين يرحل عن الدنيا فإنّ عالمه و نشأته سيَتبدّلان، فهذا العالم عالمٌ تمتزج فيه السعادةُ و الشقاء، و الحقّ و الباطل، و الصّدق و الكذب، و الخلوص و التلوّث؛ أمّا ذلك العالم فعالمُ الصدق المحض و الحقيقة و الواقعيّة المحضة.

  • و إذا ما حصل هنا أحياناً تدليس و تلبيسٌ في هذا العالم، فإنه لن يكون ممكناً هناك، إذ ستظهر حقيقة الأشياء هناك كما هي، فلا يمكن

    1. الآيات 24 إلى 27، من السورة 14: إبراهيم.

معرفة المعاد ج۲

189
  • لأحد أن يقدّم نفسه أو يُجلّيها بغير ما هي عليه.

  • إنّ ذوات و ملكات الإنسان و أخلاقه و أعماله التي سار عليها في الدنيا ستتجلّى و تتمثّل هناك في صورتها و هيئتها الواقعيّة، فلا يكون هناك اختلافٌ بين الظاهر و الباطن، لكأنّ البواطن و الخفايا صارت جميعها ظاهرةً لا باطنَ لها، أو كأنّها بواطن لا ظاهر لها، أي أنها حقيقة واحدة لا غير.

  • كما إنّ سبيل سعادة أي إنسان أو شقائه في هذه الدنيا إلى حين موته ليس مشخّصاً أو محدّداً، و لكن بمجرّد موت الإنسان فإنّ سبيله و طريقه سيصبح مباشراً إمّا إلى الجنّة أو إلى النار، إمّا إلى السعادة أو إلى الشقاء.

  • تجلّي الإنسان في البرزخ في صورة ملكوتيّة

  • إنّ الموجودات التي سيشهدها الإنسان في ذلك العالم ستتجلّى له في صورها الواقعيّة، و هكذا فإنّ الأعمال التي قام بها الإنسان ستتجلّى له في صورها الواقعيّة الملكوتيّة البرزخيّة، كما إنّ الملكات التي اكتسبها في الدنيا و الأخلاق التي تحلّى بها ستكون مشهودةً له هناك في صورة واقعيّة ملكوتيّة. يُضاف إلى ذلك إنّ أفراد الإنسان أنفسهم سيتمثّلون و يتشكّلون في صورهم الواقعيّة، و سيخرجون في قوالبهم الصوريّة المثاليّة.

  • و قد علمنا من الروايات التي ذُكرت في العديد من المجالس الأخيرة في شأن أعمال الإنسان التي تتجسّم له في عالم البرزخ، بما فيها أعماله الحسنة أو الخبيثة؛ إنّ صورة جميلة ذات قوام فاتن و حديث جذّاب ستتجسّم له- مثلًا- فيقول لها الإنسان: من أنت؟ فإني لم أرَ من قبلُ صورة أجمل منك و لا أطيب رائحةً و لا أحسن لباساً؟

  • فتجيبه: أنا عملك الصالح الذي قمتَ به في الدنيا، فأنا معك إلى يوم الجزاء!

  • و قد تتجسّم له صورة قبيحة كريهة و مُنفّرة تبعث على الاشمئزاز

معرفة المعاد ج۲

190
  • و التقزّز و الضجر بسبب قبحها و رائحتها الكريهة، فيقول لها الإنسان: من أنت؟ فإني لم أشاهد من قبلُ صورةً بهذا القبح و الكراهة و النفور، و لم أشمّ من قبل كمثل رائحة عفونتك؟

  • فتجيبه: أنا عملك القبيح الكريه الذي قمتَ به في الدنيا، فأنا معك إلى يوم القيامة!

  • ارتباط الملكوت مع أشكال الموجودات و صورها

  • إنّ الإنسان يمكنه في هذه الدنيا أن يُدرك إنّ الأعمال التي تصدر منه لها و جهان: الأوّل الوجه الظاهر، و هو متن العمل و جسده و هيكله، و الثاني: الوجه الباطن، و هو روح العمل؛ أي الاختيار و الخلوص و النيّة الطاهرة و التقرّب إلى الربّ المتعال، أو- لا سامح الله- السُّمعة و الرياء و حبّ الظهور و التظاهر الخاطئ و التعدّي؛ تلك النيّات التي يقوم الإنسان بعمله على أساسها.

  • فيمكن للإنسان أن يصلّي في هذه الدنيا، إلّا أنه قد يصلّي لربّه، كما أنه قد يصلّي حبّاً للظهور، و يمكن أن يقوم بذلك بنيّتين مختلفتين؛ لذا فإنّ روح الصلاة ستكون مزدوجة بينما يبقى هيكل الصلاة، أي العمل الظاهريّ واحداً.

  • على أنه ليس لأحد غير عالِم الغيبِ عِلْمٌ بروح الأعمال و باطنها، فقد يمكن أن يصلّي الإنسان فلا يُدرك رفيقه الذي يقف إلى جواره هل أدّى هذه الصّلاة خالصةً لوجه الله الكريم، أو أقامها لباعثٍ و داعٍ آخر.

  • و قد يصوم أو يزكّي أو يُقيم جسراً أو يبني مسجداً أو ينشر كتاباً، تلك الأعمال التي تستلفت الأنظار بظاهرها، إلّا إنّ أحداً لا يعلم بباطنها، فقد يكون فَعَلَ هذه الأعمال من أجل رضا الله سبحانه، و قد يكون أنجزها حبّاً للجاه و الشهرة.

  • لقد كان ظاهر العمل جيّداً و جميلًا، إلّا إنّ له باطنين مختلفين

معرفة المعاد ج۲

191
  • و متعارضين، فإن كان قد فعله لله تعالى و في سبيله، فإنه سيكون عملًا مؤدّياً إلى التقرّب و ذا باطن حسن و محبوب، و سيجعل ذلك الباطن الحَسنُ الممدوحُ روحَه خفيفةً مُبتهجةً، و سيبعث الراحة في نفسه و سيرفع الحجب الظلمانيّة و النورانيّة عنه، فيوصله شيئاً فشيئاً إلى حريم أمن الله و أمانه.

  • أمّا إذا كان قد قام به لغير وجه الله تعالى، فإنّ باطن هذا العمل سيكون فاسداً و مهلكاً؛ و بدلًا من أن يسوقه إلى الجنّة فإنه سيدنيه إلى جهنّم، لأنه رياء و الرياء حرام، الرياء عبادة أصنام و عبادة إنسان و شرك بالله، و سيبعث هذا العمل الخمولَ في روحه و الملل و التعب في نفسه، و سيحدّ من قدرته على التحليق في فضاء عالم القُدس، و يُبعده شيئاً فشيئاً عن حريم القُرب، ثمّ يجرّه في النتيجة إلى مَظهر عالم البُعد: (جهنّم).

  • و بنفس الدرجة التي يحسّ بها الإنسان في هذه الدنيا بالملل و الوهن و الضجر من العمل القبيح، و بالبهجة و اللذة من العمل الحسن المقبول؛ فكذلك الأمر في عالم البرزخ، حيث يزداد ظهور المخفيّات و انكشاف السرائر، و حيث يسقط قالب المادّة فتظهر الصور البرزخيّة للأعمال التي قام بها الإنسان تبعاً إلى روحها الملكوتيّة، و حيث يتجلّى للإنسان كلّ عمل بما يتناسب و ذلك العالم؛ فسيكون أثر بواطن الأعمال أكثر بالآف المرّات، و سيجد الإنسان هذه الآثار القويّة و هي تُمسك بتلابيبه. و لذلك فإننا إذا ما أغضينا عن ظاهر الذنب و هيكل العمل، فإنّ باطن و روح الكذب و الزنا و الغشّ في المعاملة و الغضب و الشهوة في غير موضعها، و البخل و الحسد و الحقد و العبوديّة لغير الحقّ ستُعلن وجودها بحقائقها و واقعيّاتها. كما إنّ الأعمال الصالحة من الصلاة و الزكاة و إعانة الفقراء و التواضع للحقّ و العزّة و الشرف و الحياء و العصمة و العبوديّة للمعبود المطلق ستكون-

معرفة المعاد ج۲

192
  • هي الأخرى- موجودة بواقعياتها و حقائقها.

  • لكأنّ العالم يتبدّل و هيكله يتقوّض، و كأنّ تلك الأعمدة و الأسس التي شُيّدَ عليها ذلك العالم أعمدة عجيبة غير الأعمدة و الأسس التي شُيّد عليها هذا العالم، و كأنّ فضاء ذلك العالم فضاء آخر غير هذا الفضاء.

  • إنّ الأفراد الذين يعيشون في هذه الدنيا هم جميعاً في هيئة إنسانيّة، إلّا إنّ أخلاقهم تتباين و تختلف مع بعضها، و قد أدّى ذلك الاختلافُ في الأخلاق و الملكات، و التفاوتُ في الغرائز إلى اختلاف في الأشكال و الصور. و هذه المسألة من أدقّ مسائل العلوم الإلهيّة و كيفيّة نزول الوحدة في عالم الكثرة. بحيث أننا لو فرضنا إنّ العلوم المادّيّة ستترقّى بحيث يمكنها كشف علاقات المادّة مع المعنى، فإنه سيُمكن في تلك الحال، من ملاحظة الأشكال المختلفة للأنبياء و الأئمّة و أولياء الله، الوقوف على حقيقة مقام بواطنهم، و سيمكن من الأشكال و السيماء و الملامح المختلفة لكلّ فرد من الأفراد، الوقوفُ على غرائزه و ملكاته و أخلاقه. حيث إنّ هذا المعنى ثابت للأنبياء و الأئمّة و أولياء الله الذين يتعرّفون على أخلاقيّات و ملكات أي فرد من ملاحظته و مشاهدته مرّةً واحدة، و يمكن القول حقّاً إنّ هذه معجزة للقرآن الكريم حيث يقول:

  • وَ قُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَ رَسُولُهُ وَ الْمُؤْمِنُونَ.1

  • كما إنّ اختلاف أشكال الحيوانات و صورها مبنيّ- هو الآخر- على اختلاف غرائزها و ملكاتها و صفاتها، فأحدها على هيئة القطّة، و الآخر بشكل الكلب، و آخر بصورة الثعلب، و آخر بشكل الذئب، و آخر بشكل الأسد، و آخر على هيئة الفيل، و هكذا سائر أصناف الحيوانات من

    1. الآية 105، من السورة 9: التوبة.

معرفة المعاد ج۲

193
  • الوحوش و الزواحف و الحشرات و الطيور في السماء و الأسماك في البحار، حتّى الذبابة و البعوضة و أمثالها.

  • عالم الطبع نزول لعالم الملكوت

  • و هذا الاختلاف ناشئ من اختلاف كميّة و كيفيّة غرائزها و صفاتها، فقد أدّى اختلاف و كيفيّة نظامها و هيكلها الروحيّ و الملكوتيّ إلى اختلاف كيفيّة صورها و أشكالها و اختلاف الكميّة و الكيفيّة في بدنها المادّيّ و جسمها الطبيعيّ، بحيث تشكّل البدن الطبيعيّ لكلّ حيوان؛ و الذي له نوع من الاتّحاد مع نفس ذلك الحيوان؛ بالشكل النازل لنفس ذلك الحيوان.

  • فإذا ما ارتقينا بسلّم المعرفة من بدن حيوانٍ ما، فإننا سنصل إلى نفسه الملكوتيّة فنلاحظ و نشاهد تلك النفس كما هو حقّه، كما أنّنا لو ارينا النفس الملكوتيّة لحيوانٍ ما لم يسبق لنا مشاهدة شكله الظاهريّ و بدنه الجسمانيّ و الطبيعيّ، لاستطعنا- عند وجود قوّة المعرفة- أن نرسم و نصف الشكل الظاهريّ لذلك الحيوان كما هو حقّه.

  • مقطع من القصيدة المشهورة للميرفندرسكي في اتّحاد العالم العلويّ و السفليّ

  • و لربّما كانت أشعار القصيدة المعروفة للفيلسوف و العارف الجليل المرحوم الميرفندرسكي تفيد معنى عامّاً يشمل هذه المسألة مورد البحث حيث يقول:

  • چرخ با اين اختران نغز و خوش و زيباستى***صورتى در زير دارد آنچه در بالاستى

  • صورت زيرين اگر بر نردبان معرفت***بر رود بالا همان با أصل خود يكتاستى

  • ين سخن را در نيابد هيچ وَهم ظاهرى***گر أبونصرستى و گر بو على سيناستى

  • جان اگر نه عارض استى زير اين چرخ كبود***اين بدنها نيز دائم زنده و برپاستي

معرفة المعاد ج۲

194
  • هر چه عارض باشد او را جوهرى بايد نخست***عقل بر اين دعوى ما شاهد گوياستى

  • ................ .........

  • هر كه فانى شد به او يابد حياتى جاودان***ور به خود افتاد كارش بى شك از موتاستى

  • اين گهر در رمز دانايان پيشين سفتهاند***پى برد بر رَمزها هر كسى كه او داناستى

  • زين سخن بگذر كه اين مهجور اهل عالم است***راستى پيدا كن و اين راه رو گر راستى

  • هر چه بيرونست از ذاتت نيايد سودمند***خويش را كن ساز اگر امروز اگر فرداستي

  • ................ .........

  • نفس را چون بندها بگسيخت يابد نام عقل***چون به بى بندى رسد بند دگر برجاستى

  • گفت دانا نفس ما را بعدِ ما حشر است و نشر***هر عمل كامروز كرد او را جزا فرداستى

  • گفت دانا نفس ما را بعد ما باشد وجود***در جزا و در عمل آزاد و بىهمتاستى

  • گفت دانا نفس را آغاز و انجامى بود***گفت دانا نفس بى انجام و بى مَبداستي

  • ................ .........

  • نفس را اين آرزو در بند دارد در جهان***تا ببند آرزوئى بند اندر پاستي

معرفة المعاد ج۲

195
  • خواهشى اندر جهان هر خواهشى را در پى است***خواهشى بايد كه بعد از وى نباشد خواستي 1

    1. يقول:« إنّ هذا الفَلَك بهذه النجوم الجميلة الرائعة له صورة و نفس مستورة تكمن خلف ظاهره.
      و إذا ما ارتقت تلك الصورة السفلى بسلّم المعرفة فإنها ستكون واحدة مع أصلها.
      و هذا الكلام لا يرقى إليه أي وَهم ظاهريّ، سواءً كان من أبي نصر[ الفارابيّ] أو أبي علي بن سينا.
      إنّ الروح لو لم تكن عارضاً تحت هذا الفلك الأزرق، لكانت الأبدان حيّةً قائمة دوماً.
      لذا فإنّ كلّ عارض يجب أن يُسبق بجوهرٍ ينتهي إليه، و العقلُ على مدّعاها شاهدٍ ناطق.
      ................
      كلُّ مَن فَني فيه[ في الله] وجد حياةً خالدة، أمّا من تهاوى في نفسه و داخله فمن الموتى بلا شبهة.
      و لقد صاغ العلماء القدامى هذه الجوهرة في صياغة رمزية و سيصل إلى سرّها من كان عالماً.
      و دَعْ عنك هذا الكلام الذي هجره أهل العالم، و جِدِ الحقيقة و اسلك هذا الدرب إن كنت صادقاً.
      إنّ كلّ ما تعدّى ذاتك لن ينفعك شيئاً، فأصلح نفسك إنِ اليومَ أو غداً.
      .............
      إنّ النفسَ حين تكسر القيودَ ستُسمّى بالعقل، و حيث تتحرّر من القيود فسيبقى هناك قيد آخر.
      قال العالم: إنّ نفوسنا ستذهب بعدنا للحشر و النشر، و إنّ ما عملتُه النفسُ اليومَ سيكون جزاءَها غداً
      قال العالم*: إنّ نفوسنا ستوجد و تبقى من بعدنا، و ستكون طليقة في الجزاء و في العمل و بلا ندّ.
      قال العالم: إنّ النفس لها مبدأ و منتهى، و قال العالم: إنّ النفس لا أوّلَ لها و لا آخر.
      .............
      إنّ هذا الأمل يقيّد النفس في هذا العالم، و ما دمت على قيد الأمل فرجلك مقيّدة و كلّ طلب في العالم سيعقبه طلب آخر، و ينبغي أن يكون هناك طلب ليس بعده من طلب!» يُشير بقوله( قال العالِم) إلى آراء مختلفة طرحها بعض العلماء.( م)

معرفة المعاد ج۲

196
  • إنّ القطّة التي تلاحظونها بهذا الشكل و الهيئة، صارت كذلك بسبب امتلاكها صورة ملكوتيّة خاصّة. بحيث أننا لو أردنا أن نلبّس تلك الصورة الملكوتيّة بلباس المادّة لما كانت شيئاً غير شكل القطّة و هيئتها هذه. كما إنّ الصورة الملكوتيّة للكلب هي الافتراس و الغضب و الوفاء، مضافاً إليها احترام الغنيّ و عضّ الفقير؛ لذا فإنّ لباسه المادّيّ و الجسميّ الطبيعيّ بهذا الشكل و الهيئة. لأنّ الدبّ قد اهبط من ذلك العالم فإنه صار في هيئة و صورة كهذه التي يمتلكها.

  • و انظروا إلى الشاة، و تطلّعوا في عيني هذا الحيوان، فإنهما سيحكيان عالَماً من سلامة نفسه و سريرته، لذا فإنّ أكل لحمه جائز في الإسلام. أمّا الخنزير، الحيوان الذي يتبع الشهوات بلا عفّة و لا عصمة، فإنّ صورته الروحانيّة هكذا؛ و لأنّ تناول لحمه سيسبّب انتقال تلك الملكات و الأخلاق إلى الشخص الآكل، فقد حُرّم الاستفادة و الأكل من لحمه في الشريعة الإسلاميّة.

  • و على أساس هذا المعيار و المناط، فإنّ المحرّمات في الإسلام لا يمكن عدّها منوطة فقط بالأشياء التي تسبّب ضرراً جسميّاً، فالضرر الروحيّ و انتقال الخصائص المعنويّة للمأكول إلى الآكل أعلى من الضرر الجسميّ و أبعد أثراً.

  • إنّ الجواد يتمتّع بالصفاء و الوفاء روحيّاً، كما أنّه نجيب في ذاته، و قد تشكّل في هذا الشكل و الهيئة؛ فانظروا إلى عينيه فإنكم ستجدون فيهما عالَماً من المعاني السَّكِينة و الصبر و التحمّل. أمّا الحرباء و الضبّ الذي قد

معرفة المعاد ج۲

197
  • تكونوا شاهدتموه في الصحاري، فإنّ الحقد و الحسد و البغضاء تبدو جليّة في عينيه، و ذلك العِناد الذي يُلاحظ فيه مشهودٌ في عينيه بشكل كامل.

  • أمّا الإنسان فمعجون بديع اودع فيه جميع هذه الغرائز و الصفات، فإذا تبعَ العقل و قهر جميع غرائزه و ملكاته و طوّعها لهذه الملكة القدسيّة، فإنه سيتصوّر في عالم البرزخ بصورة الإنسان الحقيقيّة.

  • أمّا إذا قهر عقله و نَكَبَهُ و تبع ميوله و رغباته النفسانيّة، و إذا ما اقتفى أثر غضبه و شهوته و قواه الوهميّة، فإنه سيُحشر على هيئة الحيوان الذي كانت تلك الصفة فصلًا مميّزاً له. و ذلك لأنّ إنسانيّة الإنسان بالعقل و القوّة الناطقة، و الفصل المميّز للإنسان تلك المَلكة الإلهيّة العاقلة، و ما لم يصل الإنسان بنفسه إلى هذا المقام، و ما لم يصل بنفسه إلى مقامه الواقعيّ، أي الإنسانيّة، فإنه سيقف- شئتَ أم أبيتَ- في صفّ و رتبة أوطأ من الإنسان، أي في صفّ الشياطين أو الحيوانات، و سيحرز وجوده في عالم البرزخ في الصورة البرزخيّة لذلك الشيطان أو ذلك الحيوان.

  • إراءة الباقر و الصادق عليهما السلام لأبي بصير الصور الملكوتيّة

  • روى محمّد بن الحسن الصفّار في كتاب «بصائر الدرجات» عن محمّد ابن الحسين، عن عبد الله بن جبلّة، عن عليّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير قال:

  • حججتُ مع أبي عبد الله عليه السلام، فلمّا كنّا في الطواف قلتُ له: جُعلتُ فداك يا ابن رسول الله يَغْفِرُ اللهُ لِهَذَا الْخَلْقِ؟

  • فقال: يا أبا بصير إنّ أكثر مَن ترى قردة و خنازير.

  • قال: قلتُ له: أرنيهم.

  • قال: فتكلّم بكلمات ثمّ أمرّ يده على بصري فرأيتهم قردةً و خنازير فهالني ذلك، ثمّ أمرّ يده على بصري فرأيتهم كما كانوا في المرّة الأولى.

  • ثمّ قال: يَا أبَا مُحَمَّد أنْتُمْ في الْجَنَّةِ تُحْبَرُونَ وَ بَيْنَ أطْبَاقِ النَّارِ تُطْلَبُونَ فَلَا تُوجَدُونَ، وَ اللهِ لَا يَجْتَمِعُ في النَّارِ مِنْكُمْ ثَلَاثَةٌ لَا وَ اللهِ

معرفة المعاد ج۲

198
  • وَ لَا إثْنَانِ لَا وَ اللهِ وَ لَا وَاحِدٌ.1 و2

  • نقل أحد أصدقائنا- و كان ذا ضمير صاف- إنّ شخصاً من أهل المراقبة و التفكّر كان جالساً في زاوية من صحن الإمام الرضا عليه السلام غارقاً في بحر من التفكير و التأمّل، فانتابته فجأةً حالة فشاهد الصور الملكوتيّة للأفراد الذين كانوا في الصحن المطهّر فرأى عجباً!

  • كانت صوراً مختلفة قبيحة تبعث على الأذى، صوراً لبعض أنواع الحيوانات، و كان بعضها صوراً تحكي عن تركيب من عدد من الحيوانات؛

    1. «بصائر الدرجات»، الطبعة الحجريّة، ص 75؛ و« بحار الأنوار»، الطبع الكمباني، أحوال الإمام الصادق عليه السلام، المجلّد الحادي عشر، ص 126؛ و في الطبعة الحروفيّة ج 47، ص 79، نقلًا عن« بصائر الدرجات».
    2. و قد أورد ابن شهرآشوب نظير هذه الواقعة عن أبي بصير و الإمام محمّد الباقر عليه السلام في« المناقب»، الطبعة الحجريّة، المجلّد الثاني، ص 276:
      قال أبو بصير للباقر عليه السلام: ما أكثر الحجيج و أعظم الضجيج؟ فقال: بل ما أكثر الضجيج و أقلّ الحجيج؟ أ تحبّ أن تعلم صدق ما أقوله و تراه عياناً؟
      فمسح على عينيه و دعا بدعوات فعاد بصيراً فقال: انظر يا أبا بصير إلى الحجيج!
      قال: فنظرتُ فإذا أكثر الناس قردة و خنازير و المؤمن بينهم كالكوكب اللامع في الظلماء.
      فقال أبو بصير: صدقتَ يا مولاي ما أقلّ الحجيج و أكثر الضجيج. ثمّ دعا بدعوات فعاد ضريراً.
      فقال أبو بصير في ذلك، فقال عليه السلام: ما بخلنا عليك يا أبا بصير و إن كان الله تعالى ما ظلمك إنما خار لك و خشينا فتنة الناس بنا و أن يجهلوا فضل الله علينا و يجعلونا أرباباً من دون الله و نحن له عبيد لا نستكبر عن عبادته و لا نسأم من طاعته و نحن له مسلمون.
      و قد نقل المجلسيّ هذه الرواية في« بحار الأنوار»، ج 46 ص 261 من الطبعة الحروفيّة عن« المناقب».

معرفة المعاد ج۲

199
  • و كان يتفحّص الناس مليّاً فلا يجد بين هذا الجمع ملامح إنسان، اللهم إلّا لحلّاق كان جالساً في زاوية من الصحن و قد فتح حقيبته و انشغل بحلاقة شعر رأس شخص ما، فقد شاهد أنه كان لوحده في صورة الإنسان و هيئته. فعجل له من بين الجمع، و كان يجلس في الصحن قريباً منه، فسلّم عليه و قال: ما الأمر أيّها السيّد؟ ضحك الحلّاق و قال: لا تعجب أيها السيّد، خُذ المرآة و انظر إلى نفسك! فنظر إلى نفسه في المرآة، و شاهد إنّ وجهه- هو الآخر- في هيئة حيوان، فرمى بالمرآة إلى الأرض في غضب.

  • قال الحلّاق: اذهب أيها السيّد و أصلح نفسك، فالمرآة لا ذنب لها؟

  • روى فخر الشيعة في علم التفسير و الحديث: عليّ بن إبراهيم القمّيّ في تفسيره الشريف في أوّل سورة الإسراء في مقام بيان كيفيّة المعراج، مسلسلًا و بسند صحيح عن أبيه إبراهيم1 بن هاشم، عن محمّد بن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام، روايةً مفصّلة في حدود عشرة صفحات تشتمل على مطالب عالية و تعليميّة، و نأتي هنا بعدّة فقرات منها لمناسبتها لبحثنا.2

  • قال رسول الله صلّى الله عليه و آله: ... ثمّ مضيتُ فإذا أنا بقومٍ بين أيديهم موائد من لحم طيّب و لحمٍ خبيث يأكلون الخبيث و يدعون الطيّب، فقلتُ: من هؤلاء يا جبرئيل؟

    1. كان السابقون يعدُّون الروايات التي تنتهي إلى إبراهيم بن هاشم حسنة كالصحيحة، و كانوا يعلّلون ذلك بأنّ القميّين لم يوثّقوه، إلّا أنّ المتأخّرين أثبتوا وثاقته و صحّة روايته بالشواهد و الأدلّة؛ و يراجع لهذا المطلب« قصص العلماء» للتنكابنيّ، أحوال الشيخ البهائيّ، ص 177 من الطبعة الحجريّة.
    2. أورد المصنّف ترجمةً لبعض فقرات الرواية، و قد عمدنا إلى المجيء بنصّ فقرات الرواية.( م)

معرفة المعاد ج۲

200
  • مشاهدة رسول الله الصور الملكوتيّة لأفراد الامّة ليلة المعراج

  • فقال: هؤلاء الذين يأكلون الحرام و يدعون الحلال و هم من امّتك يا محمّد ...

  • ثمّ مضيتُ فإذا أنا بقومٍ لهم مشافر كمشافر الإبل يُقرض اللحمُ من جنوبهم و يُلقى في أفواههم، فقلتُ: مَن هؤلاء يا جبرئيل؟

  • فقال: هؤلاء الهمّازون اللمّازون.

  • ثمّ مضيتُ فإذا أنا بقوم تُرضخ رؤوسهم بالصّخور، فقلتُ: مَن هؤلاء يا جبرئيل؟

  • فقال: هؤلاء الذين ينامون عن صلاة العشاء.

  • ثمّ مضيتُ فإذا أنا بأقوامٍ تُفذفُ النارُ في أفواههم و تخرج من أدبارهم، فقلتُ: مَن هؤلاء يا جبرئيل؟

  • فقال: هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً و سيصلون سعيراً.

  • ثمّ مضيتُ فإذا أنا بأقوامٍ يريدُ أحدُهم أن يقوم فلا يقدرُ مِن عِظم بطنه، فقلتُ: مَن هؤلاء يا جبرئيل؟

  • قال: هؤلاء الذين يأكلون الربا، لا يقومون إلّا كما يقوم الذي يتخبّطه الشيطان من المسّ فإذا هم مثل آل فرعون يُعرضون على النار غدوّاً و عشيّاً يقولون: ربنا متى تقوم الساعة.

  • قال: ثمّ مضيتُ فإذا أنا بنسوانٍ معلّقات بثديهنّ. فقلتُ: مَن هؤلاء يا جبرئيل؟

  • فقال: هؤلاء اللواتي يورّثن أموالَ أزواجهنّ أولادَ غيرِهم.1

  • و قد وردت في القرآن الكريم آيات لها دلالة واضحة على تجسّم

    1. «تفسير عليّ بن إبراهيم»، الطبعة الحجريّة، ص 370 و 371.

معرفة المعاد ج۲

201
  • الأعمال في صورها الملكوتيّة، إحداها الآية العاشرة من سورة النساء.1

  • الروايات الواردة في ظهور الأعمال في صورها الملكوتيّة في البرزخ و القيامة

  • و الروايات التي وردت عن رسول الله صلّى الله عليه و آله و عن الأئمّة عليهم السلام و العائدة إلى ظهور حقيقة الأعمال و بروزها سواءً في عالم البرزخ أو في عالم القيامة كثيرة و جمّة، و نكتفي بذكر عدّة روايات قصيرة منها كنموذج علاوةً على ما ذُكر سابقاً.

  • روى الغزاليّ في «إحياء العلوم» عن رسول الله صلّى الله عليه و آله:

  • إيَّاكُمْ وَ الظُّلْمَ فَإنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ- الحديث.2

  • ألْجَنَّةُ قِيعَانٌ وَ إنّ غِرَاسَهَا لَا إلَهَ إلَّا اللهُ.

  • و يروي الغزاليّ أيضاً عن رسول الله صلّى الله عليه و آله:

  • ألْغَضَبُ قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ.3

  • و يروي أيضاً عن رسول الله صلّى الله عليه و آله:

  • مَنْ شَرِبَ في آنِيَةٍ مِنْ ذَهَبٍ أوْ فِضَّةٍ فَكَأنما يُجَرْجِرُ في بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ.45

  • معرفة المعاد ؛ ج2 ؛ ص201
    1. إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَ سَيَصْلَوْنَ سَعِيراً. و قد عُبّر في هذه الآية الكريمة عن أكل مال اليتم ظلماً بأكل النار، و يقول بتحديدٍ و حصر: إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً[ و إنما تُفيد الحصر]
      و الموضوع الآخر في سورة التوبة، الآيتان 34 و 35:\i وَ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّةَ وَ لا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ* يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَ جُنُوبُهُمْ وَ ظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ.\E
      و كما يُلاحظ في هذه الآية الكريمة، فقد عُدّ الذهب و الفضّة المحميّان اللذان يُكوى بهما هؤلاء عينَ تلك الذخائر و الكنوز التي كانوا يكنزونها في الدنيا
    2. «إحياء العلوم» المجلّد 3، ص 219.
    3. المصدر السابق، ج 4، ص 22.
    4. المصدر السابق، ج 4، ص 79.
    5. حسينى طهرانى، سيد محمد حسين، معرفة المعاد، 10جلد، دار المحجة البيضاء - بيروت - لبنان، چاپ: 1، 1416 ه.ق.

معرفة المعاد ج۲

202
  • و ظاهر العبارة أنها رواية. و يقول في التعليقة: حديثٌ متّفقٌ عليه، عن امّ سلمة عن رسول الله صلّى الله عليه و آله، لكنّ المصنّف لم يصرّح بكونه حديثاً في كتاب «المُغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار» للحافظ زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقيّ.

  • و يروي أيضاً عن رسول الله صلّى الله عليه و آله:

  • إذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ فَارْتَعُوا! قِيلَ: وَ مَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: مَجالِسُ الذِّكْرِ.1

  • و روى كذلك عن رسول الله صلّى الله عليه و آله أنه قال لـ (عبَادَة بن الصَّامِت) حين أرسله لجمع الصّدقات:

  • اتَّقِ اللهَ يَا أبَا الْوَلِيدِ، لَا تِجِيء يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِبَعِيرٍ تَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِكَ لَهُ رُغَاءٌ أوْ بَقَرَةٍ لَهَا خُوَارٌ أوْ شَاةٍ لَهَا تُؤاجٌ!

  • فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؟ أ هَكَذَا يَكُونُ؟

  • قَالَ: نَعَمْ وَ الذي نَفْسِي بِيَدِهِ إلَّا مَنْ رَحِمَ اللهُ.

  • قَالَ: فَوَ الذي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أعْمَلُ على شَيءٍ أبَداً.2

  • و كان رسول الله يريد إفهام عبادة إنّ أحداً إذا ما ظلم الناس في أخذ الصّدقات فتقاضى منهم أكثر من الحدّ المعيّن، أو إذا أخذ الصدقة ممّن ليس عليه صدقة، فإنّ عمله سيكون يوم القيامة على هيئة بعير أو بقرة أو شاة يحملها على رقبته رغاء أو خوار و تؤاج3 على التوالي.

    1. المصدر السابق، ج 1، ص 30.
    2. «إحياء العلوم»، ج 2، ص 121.
    3. و يمكن أن يكون المراد بالبعير أو البقرة أو الشاة الضاجّة بأصواتها في هذه الرواية الأموال التي يأتي بها الناس إلى الحكّام أو العاملين على الصدقات لاستمالة قلوبهم من أجل أن يُخفّفوا عليهم و يتغاضوا عن بعض ما عليهم من الصدقات يشهد على ذلك الرواية التي وردت في« إحياء العلوم»: روى أبو حميد الساعديّ إنّ رسول الله صلّى الله عليه[ و آله] و سلّم بعث والياً على صدقات الأزد، فلمّا جاء إلى رسول الله صلّى الله عليه[ و آله] أمسك بعض ما معه و قال: هذا لكم و هذا لي هديّة. فقال عليه السلام: أ لا جلستَ في بيت أبيك و بيت امّك حتّى تأتيك هديّتك إن كنتَ صادقاً؟ ثمّ قال: مالى أستعمل الرجلَ منكم فيقول هذا لكم و هذا لي هديّة، ألا جلس في بيت أمّه ليُهدى له! و الذي نفسي بيده لا يأخذ منكم أحدٌ شيئاً بغير حقّه إلّا أتى الله يحمله. فلا يأتينّ أحدكم يوم القيامة ببعير له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة بعير. ثمّ رفع يديه حتّى رأيت بياض ابطيه ثمّ قال: اللّهمّ هل بلّغتُ؟

معرفة المعاد ج۲

203
  • و كذلك يروي عن رسول الله صلّى الله عليه و آله:

  • رِيحُ الْوَلَدِ مِنْ رِيحِ الْجَنَّةِ.1

  • نفقة الملائكة في أبنية الجنّة تسبيح المؤمن و تكبيره و تحميده و تهليله

  • و أكثر من جميع هذه الروايات وضوحاً و جلاءً، رواية يرويها عليّ بن إبراهيم القمّيّ في مقدّمة تفسيره عن أبيه، عن حمّاد، عن الصادق عليه السلام:

  • قال النبيّ صلّى الله عليه و آله:

  • لَمَا اسْرِيَ بِي إلى السَّمَاءِ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَرَأيْتُ فِيهَا قِيعَاناً يَقَقَاً2، وَ رَأيْتُ فِيهَا مَلَائِكَةً يَبْنُونَ لِبْنَةً مِنْ ذَهَبٍ وَ لِبْنَةً مِنْ فِضَّةٍ وَ رُبَّمَا أمْسَكُوا. فَقُلْتُ لَهُمْ: مَا لَكُمْ رُبَّمَا بَنَيْتُمْ وَ رُبَّمَا أمْسَكْتُمْ؟

  • فَقَالُوا: حتّى تَجِيئَنَا النَّفَقَةُ.

  • قُلْتُ: وَ مَا نَفَقَتُكُمْ؟ قَالُوا: قَوْلُ الْمُؤمِنِ في الدُّنْيَا سُبْحَانَ اللهِ وَ الْحَمْدُ للهِ وَ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ وَ اللهُ أكْبَرُ؛ فَإذَا قَالَ بَنَيْنَا وَ إذَا أمْسَكَ أمْسَكْنَا.3

  • كما إنّ اغتياب المؤمن كأكل لحمه ميتاً.4

    1. «إحياء العلوم»، ج 2، ص 194.
    2. اليقق: البيضاء الناصعة البياض.
    3. «تفسير عليّ بن إبراهيم»، الطبعة الحجريّة، ص 20.
    4. هناك رواية في تفسير آية سورة النبأ:« يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً» عن البراء بن عازب تقول: كان معاذ بن جبل جالساً قريباً من رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم فسأل معاذ رسول الله عن آية« يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً» و عن باقي الآيات، فأجابه رسول الله: يا معاذ سألتَ عن عظيمٍ من الأمر. ثمّ أرسل عينيه ثمّ قال: تحشر عشرة أصناف من امّتي أشتاتاً قد ميّزهم الله تعالى من المسلمين و بدّل صورهم، فبعضهم على صورة القردة، و بعضهم على صورة الخنازير، و بعضهم منكّسون أرجلُهم من فوق و وجوهُهم من تحت ثمّ يُسحبون عليها، و بعضهم عميٌ يتردّدون، و بعضهم بُكمٌ لا يعقلون، و بعضهم يمضغون ألسنتهم يسيل القيح من أفواههم لعاباً يتقذّرهِم أهل الجمع، و بعضهم مقطّعة أيديهم و أرجلهم، و بعضهم مصلّبون على جذوع من نار، و بعضهم أشدّ نتناً من الجيف، و بعضهم يلبسون جباباً سابغة من قطران لازقة بجلودهم؛ فأمّا الذين على صورة القردة فالقتّات من الناس، و أمّا الذين على صورة الخنازير فأهل السُّحت، و أمّا المنكّسون على رؤوسهم فأكلة الرِّبا، و العمي: الجائرون في الحكم، و الصمّ البكم: المُعجبون بأعمالهم، و الذين يؤذون الجيران، و المصلّبون على جذوع من نار فالسعاةُ بالناس إلى السلطان، و الذين هم أشدّ نتناً من الجيف فالذين يتمتّعون بالشهوات و اللذّات و يمنعون حقَّ الله في أموالهم، و الذين يلبسون الجباب فأهل التجبّر و الخُيلاء.
      و قد جرى في هذه الرواية الشريفة بيان خصائص الصور الملكوتيّة لأهل الكبائر، و خاصّة اولئك الذين يحضرون في المحشر على هيئة القردة و الخنازير.
      و قد أورد غالبيّة المفسّرين هذه الرواية في تفسير آية( فتأتون أفواجاً)؛ و من جملتهم الزمخشريّ في« الكشّاف» ج 2، ص 518؛ و الطبرسيّ في« مجمع البيان»، ج 5، ص 423؛ و أبو الفتوح الرازيّ، طبع مظفري، ج 5، ص 462؛ و الإمام الفخر الرازيّ، ج 8، ص 423 و 434؛ و« الدرّ المنثور»، ج 6، ص 307؛ و تفسير« الصافي» ص 555؛ و تفسير« البرهان» ج 2، ص 1169؛ و تفسير« روح البيان»، ج 10، ص 299؛ و أورده المرحوم المجلسيّ في« البحار»، الطبعة الحروفيّة، ج 7، ص 89، في باب صفة المحشر، نقلًا عن« مجمع البيان».

معرفة المعاد ج۲

204
  • وَ لا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ.1

  • المؤمن هو الكلمة الطيّبة و الشجرة التي تؤتي اكُلها كلّ حين بإذن ربّها

  • و لنأتي الآن إلى تفسير الآية التي عنونّاها في مطلع البحث:

  • أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ

    1. الآية 12، من السورة 49: الحجرات.

معرفة المعاد ج۲

205
  • وَ فَرْعُها فِي السَّماءِ.

  • فانظر كيف يضرب الله مثل الكلمة الطيّبة للروح المنزّهة الطاهرة و لروح المؤمن!

  • إنّ جميع الموجودات هي كلمة الله، غاية الأمر أنها تختلف و تتباين باختلاف سعة أو ضيق ماهيّة وجودها.

  • به نزد آنكه جانش در تجلّى است***همه عالم كتاب حقّ تعالى است

  • عَرَض إعراب و جوهر چون حروفست***مراتب همچو آيات وقوفست

  • از و هر عالمى چو سورة خاص***يكى زان فاتحه ديگر چو اخلاص 1

  • فالموجود الواحد هو كلمة حسنة، كلمة طيّبة، و كلمة رفيعة، و هذه الكلمات هي أسماء و صفات ذي الجلال التي تجلّت في أفراد الإنسان بحسب سعتهم و ظرفيّتهم المختلفة، فصار كلُّ فرد من أفراد الإنسان مظهر اسم أو أسماء منه. و مثل المؤمن الطاهر المنزّه المطهّر الطيّب الذي طوى مرحلة عالَم الإخلاص، و وضع قدمه في عالم الخلوص فصار من المخلَصين، كمثل الشجرة الطيّبة أصلُها و جذورها راسخةٌ ضاربةٌ في الأرض، إلّا إنّ فرعها و أفنانها مترامية في عنان السماء.

    1. يقول:« إنّ العالَم بأرجائه عند مَن نفسه و ذاته في تجلٍّ و ظهور، يمثّل كتاباً للحقّ تعالى.
      العَرَض فيه كالإعراب، و الجوهر كحروف الكتاب؛ كما أنّ المراتب و الدرجات كآيات الوقوف و علاماته.
      كلّ عالمٍ فيه كمثل سورة معيّنة، أحدهما كالفاتحة، و الآخر كالإخلاص».

معرفة المعاد ج۲

206
  • تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها.

  • فالمؤمن الذي وصل درجة الإيقان، و الذي تجلّت فيه حال الطمأنينة و السَّكِينة، أصله ثابت و هو الارتباط بربّه، ذلك لأنّ المؤمن له عهد مع الله، و عهده هو ارتباطه، و هو أصالته و جذوره.

  • أمّا فروعه التي طبّقت آفاق المُلك و الملكوت و التي تؤتي ثمارها كلّ حين، فتفيض من عالم القدس على هذا العالم، و تصبح واسطة للخير و الرحمة و البركة، فتُروي فواكهُها المعطّرة اللذيذة جميع ذوات الإمكان المستقرّين في درجات الكثرة و تُشبعهم و تُبهجهم.

  • إنّ المؤمن سيطوي بقدمٍ راسخة جميع المنازل في جميع مراحل العبور من هذا العالم، عند سكرات الموت، و عند سؤال منكر و نكير و مبشّر و بشير، و خلال إقامته في عالم البرزخ، و في الحشر و مواطن القيامة من العَرْض و السؤال و الحساب و الميزان و الصراط و الجزاء و تطاير الكتب و غيرها؛ و سيستقرّ في طمأنينة في مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ.1 و ما ذلك إلّا لارتباطه بالله سبحانه، و لأنّ ينبوع قلبه يرتوي من مركز ينبوع العلوم و الأسرار الإلهيّة، فيهب جميع الموجودات الخير و الرحمة و البركة من ينابيع الحكمة التي يجريها الباري المنّان من قلبه على لسانه.

  • وَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ.

  • و ليس المؤمن شجرةً في الحقيقة، بل إنّ الله سبحانه يمثّله بهذه الشجرة الثابتة الأصيلة المحمّلة بالثمار و الطافحة بالفائدة، و هذا المثال من أجل أن يُدرك الناس مقام عظمة المؤمن الذي حظي بهذا الفوز العظيم إثر

    1. الآية 55، من السورة 54: القمر.

معرفة المعاد ج۲

207
  • الطاعة للأوامر الإلهيّة.

  • وَ مَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ.

  • أمّا مثل الإنسان الكافر المنكر المُعاند، الإنسان الظالم المتعدّي المتجاوز، الذي لم يُحرم لوحده من وجوده فقط، بل أوجب كذلك محروميّة أبناء نوعه من الماء المعين لنبع الحقيقة الزلال؛ فهو كالشجرة الخبيثة المنكرة التي اجتثّت و اقتُلعت من الأرض، فجذورها ملقاة على الأرض لا ارتباط لها بأصلها و مبدئها، و لا مسند لها تستند عليه.

  • إنّ الرجل الكافر الظالم الذي لا ارتباط له بعالم السرّ و الخفيّات كمثل هذه الشجرة اليابسة بلا فائدة و بلا ارتباط بمصدر الغذاء و الارتواء.

  • و هؤلاء هم الأفراد الذين لم يطهّروا بواطنهم، و الذين تتلوّن أعماقهم بأنواع الرذائل و الصفات القبيحة الذميمة، و هم المتردّدون المتلوّنون في الامور، المتردّدون في شكّهم و ريبهم بشأن ذات القيّوم، و المتكبّرون المغرورون المُعجبون بأنفسهم مقابل أبناء نوعهم، الشاكّون في الحقائق و الامور الأصيلة، و المعتمدون على الأمور الواهية التي لا أساس لها.

  • و هؤلاء مهما كان لهم في دنياهم و امورهم الاجتماعيّة من شخصيّة و اعتبار و جاه و شوكة و نفوذ كلمة و قدرة، إلّا أنهم في عالم الواقع و في ميزان تقييم الحقائق و الواقعيّات تافهون فارغون لا وزن لهم و لا فكر و لا أصالة.

  • أتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ رِيحٍ لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِنُورِ الْعِلْمِ وَ لَمْ يَلْجَأوا إلى رُكْنٍ وَثِيقٍ.1

  • لأنهم فصموا حبل ارتباطهم بربّهم، فلم يلجأوا إلى ركنٍ مكين

    1. «نهج البلاغة»، باب المواعظ و الحكم، ص 172 من ج 2، طبعة عبدة، مصر.

معرفة المعاد ج۲

208
  • يعتمدون عليه، و لم تشرق قلوبهم بنور العلم، فهم- لذلك- سيميلون مع كلّ ريح حيث مالت.

  • يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ.

  • إنّ الله جلّت عظمته يثبّت بالقول الثابت اولئك الذين آمنوا، أي الذين وجدوا حبل ارتباطهم بربّهم، و الذين صار لهم نزوع إلى تلك الذات المقدّسة؛ يثبّتهم في الحياة الدنيا و في العليا، أي دار الجزاء.

  • و القول الثابت هو الكلمة الطيّبة، و هو الارتباط بالربّ الودود. فالله سبحانه يثبّت هؤلاء بالقول الثابت في جميع العوالم؛ في الدنيا، و في سكرات الموت، و في النشئات التي تلي ذلك؛ كي يطووا هذا الطريق بقدم ثابتة و إرادة راسخة و قلب قويّ و فكرٍ مُضاء.

  • روح المؤمن هي الكَلم الطيِّب، و العمل الصالح هو الذي يرفعه

  • إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ.1

  • و الكلم الطيّب هو الروح الطاهرة المنزّهة ترتفع إلى الخالق سبحانه، و العمل الصالح هو الذي يرفعها إلى حيث مقام العزّة، إلى حيث العزّة المطلقة؛ إذ يقول قبل هذه الجملة:

  • مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً.

  • على طالب العزّة أن يعلم إنّ جميع درجات العزّة و مراتبها منحصرة اختصاصاً بالربّ سبحانه، إنّ الكلمة الطيّبة في الآية مورد البحث، و التي كان لها أصل ثابت و فاكهة و اكل دائم، هي الكلم الطيّب الذي يرتفع إلى الله سبحانه فيَصل إلى مقام العزّة المطلقة، كما ورد في المناجاة الشعبانيّة:

  • إلَهِي وَ ألْحِقْنِي بِنُورِ عِزِّكَ الأبْهَج فَأكُونَ لَكَ عَارِفَاً وَ عَنْ سِوَاكَ مُنْحَرِفاً.2

    1. الآية 10، من السورة 35: فاطر.
    2. «الإقبال» الطبعة الحجريّة، ص 687.

معرفة المعاد ج۲

209
  • العمل الصالح كالوقود الذي يسبّب حركة طائرة الروح إلى فضاء عالم القدس، العالم الذي فيه حياة بلا موت، و عزّة بلا ذلّ، و غنى بلا فقر.

  • و إذن فالقول الثابت الذي ثبّت الربّ العليّ الأعلى المؤمنين به هو النزوع و الارتباط الذي أقرّه بينهم و بين ذاته المقدّسة، و هو موجب للعمل الصالح، و العمل الصالح بدوره موجب لحركة الكلمة الطيّبة و روح المؤمن الطاهرة إلى عالم القدس، و هذه الحركة هي حركة الإنسان في صورة إنسان واقعيّ؛ و الله يعلم كم يبلغ لذّة و بهجة و نور و سرور و حبور، هذا الإنسان الذي يذهب في صورته الإنسانيّة تلك إلى مضيّفه الباري تعالى شأنه.

  • كما إنّ من آثارها المعيّة و الرفقة مع الأرواح المقدّسة لأولياء الله و الأبرار الأخيار و الصالحين و الشهداء و الأنبياء، و ستكون حقيقتها التحقّق بمقام:

  • إنّ الله لا يهدي الظالمين في نهجهم إلى عالم النور و السرور

  • لَا يَسَعُنِي أرْضِي وَ لَا سَمَائِي بَلْ يَسَعُنِي قَلْبُ عَبْدِيَ الْمُؤمِن بِي.1

  • وَ يُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَ يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ.

  • أمّا الظالمون فإنّ الله سبحانه لا يهديهم في نهجهم إلى عالم النور و السرور، بل إنّ سبيل اولئكم وفق رغباتهم و ميولهم النفسيّة باتّجاه الظلمة و الضلال. لأنّ نفوسهم لا تحكي عن صورة النفس الإنسانيّة، فإنه لا سبيل لها إلى مقام الإنسانيّة بل ينحصر طريقها بذلك العالم الذي وضعت نفسها الهيولائيّة على صورته؛ فإن كانت أنفسهم صورةً للشيطان فإنها ستتّجه إلى عالم الشيطان، أو كانت صورة للحيوان فإنها ستتّجه إلى ذلك العالم، و سيضيع اسمها و ينطمس و تبطل صفاتها و موجوديّتها و فعليّتها

    1. و قد وردت في رسالة« مرصاد العباد»، طبع( بنگاه ترجمه و نشر كتاب)، الصفحات 208 و 274 و 613 بهذه العبارة: لا يسعني أرضي و لا سمائي و إنما يسعني قلب عبدي المؤمن.

معرفة المعاد ج۲

210
  • في مقام الإنسان و في عالم الإنسان.

  • وَ ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ.1 و في سورة آل عمران، الآية 117 بهذه العبارة: وَ ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَ لكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ.

  • ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ.*2

  • ثمّ إنّ هؤلاء يُخاطبون بأنّ هذه النتائج السلبيّة، و جهنّم الموقدة، و تغيّر الصورة الإنسانيّة و مسخها إلى صورة إبليس و حيوان كانت مسبّبة عن ذلك النهج و الاسلوب القبيح و السلوك اللامرضيّ الذي قدّمتموه معكم، و ليس الله سبحانه بظلّام لعباده.

  • لقد كانت المحادثات التي وردت في كثير من الروايات التي تطرّقت إلى أمر الحديث مع الأفراد بعد موتهم؛ سواءً اولئكم الذين شاهدهم الأئمّة الأطهار عليهم السلام بأنفسهم و تحدّثوا معهم، أو الذين أروهم للآخرين، أو الأفراد الآخرون الذين حدث أن شاهدوا الموتى و تحدّثوا معهم أحياناً؛ بأجمعها محادثات مرتبطة بعالم البرزخ المثال، و كانت لقاءات و مصادفات حدثت في مكاشفات صوريّة و مثاليّة، و كانوا قد شاهدوا اولئكم الموتى في صور عاديّة أحياناً، كما شاهدوهم في صور برزخيّة نورانيّة أو ظلمانيّة أحياناً أخرى.

  • روى الشيخ المفيد في «الاختصاص» بسنده المتّصل عن إدريس بن عبد الله قال: سمعتُ أبا عبد الله [الصادق] عليه السلام يقول: بينا أنا و أبي متوجّهين إلى مكّة و أبي قد تقدّمني إلى موضع يُقال له ضجنان3، إذ جاء

    1. الآية 33، من السورة 16: النحل.
    2. الآية 182، من السورة 3: آل عمران؛ و الآية 51، من السورة 8: الأنفال.
    3. ضَجَنان- بالتحريك- جبل بتهامة.( م)

معرفة المعاد ج۲

211
  • رجل في عنقه سلسلة يجرّها فأقبل عليّ فقال: اسقني اسقني، فصاح به أبي: لا تسقه لا سقاه الله.

  • قال: و في طلبه رجلٌ يتبعه، فجذب سلسلته جذبةً طرحه بها في أسفل دركٍ من النار.1

  • و قد روى الشيخ المفيد في «الاختصاص» مضمون هذه الرواية بأربع أسناد أخرى عن الإمام محمّد الباقر و الإمام جعفر الصادق عليهما السلام، و يتّضح من إحدى هذه الروايات إنّ نظير هذه القضيّة قد اتّفقت للإمام الباقر حين كان ذاهباً مع أبيه زين العابدين عليهما السلام إلى مكّة.2

  • و قد روى الشيخ محمّد بن الحسن الصفّار في «بصائر الدرجات» عن محمّد بن عيسى، عمّن أخبره، عن عباية بن ربعة الأسديّ قال: دخلتُ على أمير المؤمنين عليه السلام و عنده رجل رثّ الهيئة و أمير المؤمنين عليه السلام مُقبلٌ عليه بكلمة (يكلّمه خ ل)، فلمّا قام الرجل قلتُ: يا أمير المؤمنين عليه السلام، مَن هذا الذي يشغلك عنّا؟

  • قال: هذا وصيّ موسى عليه السلام.3

  • قدوم شمعون وصيّ موسى إلى صفّين في صورته البرزخيّة

  • و روى الشيخ المفيد في «المجالس» بسنده المتّصل عن قيس غلام أمير المؤمنين عليه السلام قال:

  • إنّ عليّاً أمير المؤمنين عليه السلام كان قريباً من الجبل بصفّين، فحضرت صلاة المغرب، فأمعن بعيداً ثمّ أذّن، فلمّا فرغ من أذانه إذا رجل مقبل نحو الجبل، أبيض الرأس و اللحية و الوجه، فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين و رحمة الله و بركاته، مرحباً بوصيّ خاتم النبيّين، و قائد

    1. ( 1 و 2)-« الاختصاص»، الطبعة الرصاصيّة، ص 275 إلى 277؛ و« بصائر الدرجات» الطبعة الحجريّة، ص 80 و 81.
    2. ( 1 و 2)-« الاختصاص»، الطبعة الرصاصيّة، ص 275 إلى 277؛ و« بصائر الدرجات» الطبعة الحجريّة، ص 80 و 81.
    3. ( 1 و 2)-« الاختصاص»، الطبعة الرصاصيّة، ص 275 إلى 277؛ و« بصائر الدرجات» الطبعة الحجريّة، ص 80 و 81.

معرفة المعاد ج۲

212
  • الغرِّ المحجِّلين، و الأغرِّ الميمون، و الفاضل الفائز بثواب الصِّدِّيقين، و سيِّد الوصيِّين.

  • فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: وَ عَلَيْكَ السَّلَامُ كيف حالك؟

  • فقال: بخير، أنا منتظر روح القدس، و لا أعلم أحداً أعظم في الله عزّ و جلّ اسمُهُ بلاءً، و لا أحسن ثواباً منك، و لا أرفع عند الله مكاناً. اصبر يا أخي على ما أنت فيه حتّى تلقى الحبيب، فقد رأيت أصحابنا ما لا قوا بالأمس من بني إسرائيل، نشروهم بالمناشير، و حملوهم على الخشب، و لو تعلم هذه الوجوه التّربة الشَّائهة- و أومأ بيده إلى أهل الشام- ما اعِدَّ لهم في قتالك من عذاب و سوء نكال لأقصروا، و لو تعلم هذه الوجوهُ المبيضَّة- و أومأ بيده إلى أهل العراق- ما ذا لهم من الثَّواب في طاعتك لودَّت أنها قرّضت بالمقاريض، وَ السَّلَامُ عَلَيْكَ وَ رَحْمَةُ اللهِ وَ بَرَكَاتُهُ. ثمّ غابَ من موضعه.

  • فقام عَمَّارُ بْنُ يَاسِر، وَ أبُو الهَيْثَمِ بْنِ التَّيِّهَان، وَ أبُو أيُّوب الأنْصَارِيّ، وَ عِبَادَةُ بْنُ الصَّامِت وَ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِت، وَ هَاشِمُ الْمِرقَال. في جماعة من شيعة أمير المؤمنين عليه السلام- و قد كانوا سمعوا كلام الرجل- فقالوا: يا أمير المؤمنين من هذا الرجل؟

  • فقال لهم أمير المؤمنين عليه السلام: هذا شَمْعُون [بن حمون الصفا] وصيّ عيسى عليه السلام، بعثه الله يصبّرني على قِتال أعدائه.

  • فَقَالُوا له: فِدَاكَ ءَأبَاؤُنَا وَ امَّهَاتُنَا وَ اللهِ لَنَنْصُرَكَ نَصْرَنَا لِرَسُولِ اللهِ صلّى الله عَلَيْهِ وَ آلهِ وَ لَا يَتَخَلَّفُ عَنْكَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الأنْصَارِ إلَّا شَقِيّ!

  • فقال لهم أمير المؤمنين عليه السلام معروفاً.1

    1. «المجالس» للمفيد، الطبعة الرصاصيّة، النجف ص 60 إلى 62.

معرفة المعاد ج۲

213
  • و كان لهؤلاء الأفراد مجاهدات عظيمة في حرب صفّين، حيث قُتل معظمهم فيها، مثل عمّار، و هاشم المرقال، و خزيمة، و عبادة، و أبو أيّوب، الذين كانوا من خواصّ أصحاب الإمام و أنصاره الأوفياء.

  • و هؤلاء الأفراد من جملة اولئك النفر المائة الذين بايعوا أمير المؤمنين عليه السلام و عاهدوا على أن لا يُغمدوا سيوفهم عن قتالٍ حتّى يُقتلوا. و كان آخرهم أويس القرنيّ. و حكاية شهادة هؤلاء الطيّبين الطاهرين و العاشقين الذين أعطوا كلّ ما لديهم، و هؤلاء العُبّاد الناسكين الذين يُعدّون من حواريي الإمام، و جميعهم من أصحاب رسول الله؛ حكاية عجيبة إلى الحدّ الذي يبهت و يحيّر كلّ إنسان ذي وجدان و حميّة.

  • و يرفع معاوية المصاحف على رؤوس الرماح في منتهى الحيلة و المكر بمعونة من عمرو بن العاص و إشارةٍ منه، و يعدّ نفسه مسلماً تابعاً للقرآن، فيحكّم القرآن في الأمر. و يُثير تلك الفتنة و الاضطراب في جيش العراق، و يوقع ذوي الظواهر المقدّسة في الحيرة و يجعلهم أحياناً أسرى سوء الظنّ.

  • أمّا عمّار بن ياسر فقد كان من اولئك الذين لم تتزلزل عزائمهم، و كان ينادي: و الله لو هزمونا حتّى بلغنا سَعَفَات هَجَر،1 و لو سيطروا على جميع هذه البلاد العريضة، لبقينا على يقيننا بأنّا على الحقّ و أنّهم على الباطل.

  • لقد رسخ الإيمان بالله في سويداء قلب عمّار و رفقائه في الجهاد، بحيث إنّ الدنيا لو تظافرت بأجمعها و شاءت إسقاط أو زعزعة أمثال هؤلاء الرجال الصادقين، ليوث التوحيد، بالأجواء المفتعلة و بالخدع التي تنطلي على العوامّ، فإنها لن تحصد إلّا الخُسران المبين.

    1. المُراد بسعفات هجر بساتين النخيل في المدينة أو اليمن. و ذكر في القاموس( هَجَر) بفتحتين.

معرفة المعاد ج۲

214
  • لذا يأتي قطب عالم الإمكان و محور الولاية و مركز الحقّ و الحقيقة: أمير المؤمنين عليه السلام فيذرف دموع الرحمة في عزائهم و مأتمهم، و يتأوّه حين يتذّكر أبطال عالم اليقين اولئكم و يتمنّى الموت لِلُقياهم و رؤيتهم.

  • خطبة أمير المؤمنين في مسجد الكوفة في الاسبوع الذي استُشهد فيه

  • ففي خطبة خطبها في مسجد الكوفة قبل أسبوع من شقِّ مفرقه المبارك بضربة ابن مُلجم المُراديّ، يقول في آخرها:

  • ألَا إنَّهُ قَدْ أدْبَرَ مِنَ الدُّنْيَا مَا كَانَ مُقْبِلًا وَ أقْبَلَ مِنْهَا مَا كَانَ مُدْبِراً وَ أزمَعَ التَّرْحَالَ عِبَادُ اللهِ الأخْيَارُ وَ بَاعُوا قَلِيلًا مِنَ الدُّنْيَا لَا يَبْقَى بِكَثِيرٍ مِنَ الآخِرَةِ لَا يَفْنَى. مَا ضَرَّ إخْوَانُنَا الَّذِينَ سُفِكَتْ دِمَاؤُهُمْ وَ هُمْ بِصِفِّينَ أنْ لَا يُكُونُوا الْيَوْمَ أحْيَاءً!

  • إلى أن يقول:

  • أيْنَ إخْوَانِيَ الَّذِينَ رَكَبُوا الطَّرِيقَ وَ مَضَوا عَلَى الْحَقِّ؟ أيْنَ عَمَّارُ وَ أيْنَ ابْنُ التَّيِّهانِ وَ أيْنَ ذُو الشَّهَادَتَيْنِ وَ أيْنَ نُظَراؤُهُمْ مِنْ إخْوَانِهِمُ الَّذِينَ تَعَاقَدُوا على الْمَنِيَّةِ وَ ابْرِدَ بِرُؤسِهِمْ إلى الْفَجَرَةِ.

  • ثمّ وضع يده على لحيته المقدسة الشريفة و بكى طويلًا ثمّ قال:

  • أوَّهْ على إخْوَانِيَ الَّذِينَ تَلَوا الْقُرآنَ فَأحْكَمُوهُ، وَ تَدَبَّرُوا الْفَرْضَ فَأقَامُوهُ، أحْيَوا السُّنةَ وَ أمَاتُوا الْبِدْعَةَ؛ دُعُوا لِلْجَهَادِ فَأجَابُوا وَ وَثِقُوا بِالْقَائِدِ فَاتَّبَعُوهُ.1

  • و على كلّ حال فإنّ هؤلاء الرجال الكرام الذين يخاطبهم الإمام ب- «أوِّهِ على إخواني» قد كانوا هم الكلمة الطيّبة التي تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ

    1. «نهج البلاغة» عبدة، طبع مصر- ص. 343 و 344 و الملّا فتح الله، الطبعة الحجريّة، ص 318- 319.

معرفة المعاد ج۲

215
  • بِإِذْنِ رَبِّها؛ و هم الذين ينثرون على الدوام الثمار اللذيذة الطريّة للحياة المعنويّة في عالم الوجود على جميع المستعدّين، و ذلك بنظر رحمة الله سبحانه و الفيض الذي كان يُفيضه عليهم، و هو ما عُبّر عنه «بِإذْنِ رِبِّهَا».

  • كما أنهم بالنسبة لنا الكلمة الطيّبة، لأنّ ذكرهم و فكرهم و تأريخهم و نهج حياتهم، و زهدهم و عبادتهم و انقيادهم و تسليمهم لإمامهم، و محبّتهم و ودّهم و إيثارهم كان كلّه- بعد قرون أربعة عشر- المحيي و المُلهم لحياتنا و نهجنا، كما أنهم كانوا النماذج البارزة و المضيئة لطريقتنا و خطّ سيرنا، و أخيراً فهم الهادون لوجودنا إلى الوطن الأصليّ للإيمان و إلى مقرّ الإيقان.

  • إنّ قطرات الدموع هذه التي تنساب الآن على وجناتكم قد ارتبطت ببرزخ اولئكم، فهي ترى سرّها متّصلًا و مرتبطاً بهم، و هي تلك الثمرة التي اوتيت في سمائهم الملكوتيّة بإذن ربّهم فتنعّمنا بها، و ها نحن جالسون على مأدبتهم ننعم بهذه المائدة السماويّة.

  • و لقد كان كلّ واحد من أنصار سيّد الشهداء عليه السلام كلمةً طيّبة أضاءت بقدرها و سعتها سماء التوحيد و الإيثار، فملأتها نوراً و حرارة بثمرات حياتهم الطافحة بالبركة.

  • شهادة مسلم بن عوسجة و بطولته في أرض كربلاء

  • و كان من أصحابه عليه السلام مُسْلِمُ بْنُ عَوْسَجَة، الشيخ القارئ للقرآن و فقيه أهل الكوفة، و كان رجلًا شجاعاً و فاضلًا فقيهاً قارئاً، و كان وكيل مسلم بن عقيل في الكوفة، و كان مولهاً بمقام الولاية، فأعطى روحه و كلّ ما لديه لهذه المدرسة المباركة.

  • و كان يوم عاشوراء أحد أبطال جيش الحسين بن عليّ سيّد الشهداء عليه السلام، ثمّ يستشهد الحُرُّ بْنُ يَزِيدِ الرِّيَاحِيّ، وَ عَبْدُ اللهِ بن وَهَبْ، و بُرَيْر بن خُضَيْر و رجلان آخران، فيتقدّم أحد أصحاب سيّد الشهداء إلى

معرفة المعاد ج۲

216
  • الميدان، و اسمه نَافِعُ بنُ هِلَال، و كان رجلًا شجاعاً، فخرج لمبارزته أحد قادة جيش عمر بن سعد، و اسمه مزاحم بن حريث، فأرداه نافع بضربة واحدة من سيفه.

  • و عند ما شاهد هذا المنظر عَمْرو بنُ الحَجَّاج الزّبَيْدِيّ، و هو أحد قادة جيش عمر بن سعد، و كان مأموراً مع أربعة آلاف نفر بالمحافظة على شريعة الفرات، صرخ بأعلى صوته، لا يبرزن إلى هؤلاء أحد، فهم ليوث الآجام الشجعان، و قد وضعوا قلوبهم على أكفّهم و وطّنوا أنفسهم على الموت.

  • أو لم تروا كيف قضى هذا على صاحبنا بضربةٍ واحدة؟ إنكم لو بارزتموهم رجلًا لرجل لأفنوكم جميعاً، و لكن إذا كنتم عليهم يداً واحدة فأحطتم بهم فإنكم ستقتلونهم جميعاً بغير قتالٍ بسيف أو برمح و لكن رمياً بالحجارة. فكونوا يداً واحدة و حاصروهم من كلّ صوب!

  • فقال عُمَرُ بنُ سعد: صدقت! الرأيُ ما رأيت. و أرسلَ إلى الناس يعزم عليهم: ألّا يبارزنّ رجلٌ منكم رجلًا منهم.

  • ثمّ دنا عمرو بن الحجّاج في أربعة آلاف فارس من ميمنة سيّد الشهداء، و تقدّم عمر بن سعد بقلب جيشه، فصار متعيّناً على أصحاب الإمام أن يواجهوا هجوم ثلاثين ألف نفر؛ و حسب قولهم فإنهم لو رموا بالحجارة لسحقوا جميع الأنصار.

  • و لقد دافع أصحاب الإمام دفاعاً لا نعلم عن خصوصياته، إلّا أنهم إجمالًا ترجّلوا عن جيادهم فصاروا صفّاً فولاذيّاً مرصوصاً فأوقعوا برماحهم فقط الفزع و الرعب في نفوس الأعداء. ثمّ إنهم اقتتلوا ساعة، فثارت لشدّة الجِلاد غبرة طبّقت الآفاق فلا يرى فيها أحدٌ أحداً، ثمّ عاد عمر بن سعد إلى مقرّه و رجع عمر بن الحجّاج، فما انجلت الغبرة إلّا و مُسْلِم بن عَوْسَجَة

معرفة المعاد ج۲

217
  • صريعاً على الأرض و به رمق، فأسرع الحسين إليه و التفت إليه و قال له: فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَ ما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا.1

    1. الآية 23، من السورة 33 الأحزاب.