/ 221

معرفة المعاد ج۱

1

معرفة المعاد ج۱

2
  •  

  •  

  • مقدمة المؤلّف

  •  

  •  

معرفة المعاد ج۱

4
  •  

  •  

  • بسم الله الرحمن الرحيم

  •  

  •  

  • حمداً و شكراً يفوق العدّ و الحصر، مختصّاً بالربّ الودود ذي الجلال و الإكرام البارئ المنّان، الذي هدى البشر بعد الخلقة و الهداية التكوينيّة، و خلع عليه خلعة الحركة إلى الكمال بالهداية التشريعيّة؛ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ.

  • و أطهر و أسمى الصلاة و التحيّة و الإكرام على أنبياء الله و أصفيائه و سُبل الهداية إلى معارفه الحقّة، الذين قادوا البشر بهدايتهم من ظلمات الجهل إلى وادي أنوار العلم و المعرفة الالهيّة، و فكّوا عقاله من الجمود و الركود، ليحلّق في مقام سعة إطلاق الحقائق و الواقعيّات و فتحها.

  • و خاصّةً خاتم الأنبياء و سيّد المرسلِين مُحمّد بن عبد الله صلّى الله عليه و آله و خليفته سيّد الوصييّن أمير المؤمنيِن علي بن أبي طالب و أولاده الأحد عشر الأماجد، الذين أناروا العالم بنور وجودهم الواحد تلو الآخر، و قادوا قافلة البشريّة- بتحمّلهم أعباء الخلافة و الأمانة الإلهيّة- إلى ميقات الله و لقاءه، و الذين أوصلوا طنين جرس هذه القافلة الى أسماع العالم كلّه.

  • اولئكم الذين أدخلوا في قلوب الناس النور و السرور و الحبور من النفحات القدسيّة، و ألحقوا تلك القلوب بمقام عزّ الله، و أشاروا بصدق و دقّة الى سبيل تخطّي عقبات النفس المخوفة و منعطفاتها المهولة، و عرّفوا الإنسان بالمراحل و المنازل التي تتضمّنها المسيرة، و هدوه إلى

معرفة المعاد ج۱

5
  • آخر منازله، أي مقام المقرّبين و الصّديقين و المخلَصين في حرم أمن و أمان الخالق الجميل و الجليل. فَلِلهِ دَرُّهُمْ وَ عَلَيْهِ أجْرُهُمْ و سلامه عليهم أجمعين.

  • و لقد شمل التوفيق الإلهي حال هذا العبد الفقير، ليقوم بشكل منتظم في أيّام شهر رمضان المبارك لسنة 1396، و في ليالي نفس الشهر لسنة 1399 هجرية قمريّة ببيان بحث المعاد؛ و هو من بين أشرف و أجمل البحوث العقائديّة؛ لجمعٍ من إخوة الإيمان و أخلآء الروح. و الحمد و الشكر لله الرحمن الرحيم الذي منّ بتأييداته التي لا نفاد لها، و بتسديداته التي تكرّم بها ليُصار الى تدوين هذه المذاكرات و كتابتها على هيئة مجالس، لتكون واعزاً للذكرى للحقير نفسه و لإخوة الإيمان الأعزاء المحترمين. و ستبيّن هذه المجالس التي تجاوزت الستّين بقليل كيفية سير الإنسان و حركته في دنيا عالم الغرور و كيفية تحوّل نشأة الغرور الى عالم الحقائق و الواقعيّات، ثم ارتحال الإنسان الى الله و غاية الغايات.

  • و ستضمّ هذه المجالس بالترتيب بحوثاً عن عالم الصورة و البرزخ و كيفية ارتباط الأرواح هناك بهذا العالم، و عن كيفية خلقة الملائكة و وظائفهم، و عن نفخ الصور و موت جميع الموجودات، ثم بعثها جميعاً و قيام الإنسان في محضر الذات الأحديّة، و عن عالم الحشر و النشر و الحساب و الكتاب، و الجزاء و العَرْض، و السؤال، و الميزان، و الصراط، و الشفاعة، و الأعراف، و الجنّة و النّار.

  • و قد ضمّت هذه المجالس قدراً وافراً من الآيات القرآنية و أخبار المعصومين كما اشتملت على الأدلة العقلية و الفلسفية و المطالب الذوقية و العرفانية، و لم يقصر فيها عن ذكر المسائل الأخلاقية و المواعظ أيضاً في حدود الإمكان.

معرفة المعاد ج۱

6
  • و ستكون هذه الأبحاث في حدود عشر مجلدّات تشكل قسم (معرفة المعاد) من سلسلة العلوم و المعارف الإسلامية.

  • و تضمّ هذه الدورة في سلسلة العقائد ثلاث دورات: «معرفة الله»، «معرفة الإمام»، و «معرفة المعاد»، كما تشمل في قسم الأحكام و المسائل بحوثاً عن القرآن الكريم و المسجد و الدعاء و الصلاة و الصيام و الأخلاق و بعض المسائل الأخرى، يُرجى أن تصبح تدريجاً- بحول الله و قوّته- مورد استفادة عموم الناس.

  • وَ ما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ إِلَيْهِ أُنِيبُ.

  • رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَ إِلَيْكَ أَنَبْنا وَ إِلَيْكَ الْمَصِيرُ.

  • وَ هُوَ الْمُسْتَعَانُ وَ عَلَيْهِ التُّكلانُ.

  • السيد محمّد الحسين الحسيني الطهراني

معرفة المعاد ج۱

8
  •  

  •  

  • المجلس الاول: في الحَقائِق وَ الإعْتِبَارِيَّاتِ

  •  

  •  

معرفة المعاد ج۱

10
  •  

  •  

  • بسم الله الرحمن الرحيم

  • و به نستعين

  • (ألقيت هذه المطالب في اليوم الأول من شهر رمضان المبارك لسنة 1396)

  • و الحمد لله ربّ العالمين و لا حول و لا قوّة الّا بالله العليّ العظيم

  • و صلّى الله على سيّدنا محمّد و ءاله الطاهرين

  • و لعنة الله على أعدائهم أجمعين من الآن الى يوم الدين

  • قال الله الحكيم في كتابه الكريم:

  •  

  •  

  • بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَ التِّينِ وَ الزَّيْتُونِ، وَ طُورِ سِينِينَ، وَ هذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ، لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ، فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ، أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ.

  • يُقسم الله سبحانه في هذه السورة؛ و هي السورة الخامسة و التسعين من القرآن الكريم؛ بالتين و الزيتون، و المراد1 بهما هاتان الفاكهتان المعروفتان، أو شجرتاهما، أو جبل التين الذي تقع على سفحه مدينة دمشق و جبل الزيتون الذي على سفحه مدينة بيت المقدس و هما مبعث جمع غفير من الأنبياء و المرسلين، و يُقسم بطور سيناء الذي كان موضع مناجاة موسى كليم الله على نبيّنا و آله و عليه السلام، و بمدينة مكّة المكرّمة و هي البلد الأمين الذي جعله الله حرماً آمناً.

    1. تفسير الميزان، طبعة الآخوندي، ج 20، ص 454.

معرفة المعاد ج۱

11
  • أفضليّة الإنسان على الملائكة.

  • و يقول: لقد خلقنا الإنسان في أفضل1 قوام في الوجود و الماهيّة، و في أسمى طينة و خلقة و أفضل هيكل و بناء، ثم رددناه الى أسفل الدرجات و المنازل، الّا الذين آمنوا بالله و عملوا الأعمال الصالحة الحسنة الذين لهم بالطبع الثواب و الأجر الدائم المستمرّ.

    1. يمكن استنباط مسألة أفضليّة الانسان على الملائكة من آيات القرآن بوجوه عديدة، أوّلها أنّ الله تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم، و لا معنى لأن يصبح وجود ناقص محلّ سجود وجود كامل، بالرغم من انّ علّة السجدة كانت ذلك السرّ الذي أودعه الله في آدم، و لكن صار آدم على كلّ حال مسجوداً له.
      الثاني: قوله في سورة البقرة( 2)، الآية 30:\i وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً\E و خلافة الله على نحو مطلق هي للموجود الأكمل.
      الثالث: قوله في سورة ص( 38)، الآية 71 و 72:\i« إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ، فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ، فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ، إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَ كانَ مِنَ الْكافِرِينَ، قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ، قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ\E. فقد صرّح هنا ان علّة السجدة هي نفخ روح الله، و كذلك قول الله سبحانه انّه خلق آدم بيديه، و المقصود بذلك تلك التجليات لجميع الصفات الجمالية و الجلالية.
      و الرابع: قوله في سورة المؤمنون( 32)، الآية 14 في شأن خلقة الإنسان:\i« فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ»\E
      و قد روى الشيخ الصدوق في« علل الشرائع» عن أبيه، باسناده عن عبد الله بن سنان قال: سألتُ أبا عبد الله جعفر بن محمّد الصادق عليهما السلام فقلت: الملائكة أفضل أم بنو آدم؟
      فقال: قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام: انّ الله عز و جل ركّب في الملائكة عقلًا بلا شهوة، و ركّب في البهائم شهوةً بلا عقل، و ركّب في بني آدم كليهما، فمن غلب عقله شهوته فهو خير من الملائكة، و من غلبت شهوته عقله فهو شرّ من البهائم.( الباب 6، ص 4، العلّة التي من أجلها صار في الناس مَن هو خير من الملائكة و صار فيهم مَن هو شرّ من البهائم)./ و قد حكى هذا الحديث في وسائل الشيعة أيضاً، الطبعة الحروفية، ج 11، ص 164، نقلًا عن علل الشرايع، و رواه أيضاً الشيخ هادي كاشف الغطاء في مستدرك نهج البلاغة، طبع مكتبة الاندلس- بيروت، ص 172، عن أمير المؤمنين عليه السلام. و قد نظمه المثنوي شعراً:
      در حديث آمد كه خلّاق مجيد--خلق عالم را سه گونه آفريد
      يك گرُه را جمله عقل و علم وجود--آن فرشته است و نداند جز سجود
      نيست اندر عنصرش حرص و هوى--نور مطلق زنده از عشق خدا
      يك گروه ديگر از دانش تهى--همچو حيوان از علف در فربهى
      او نبيند جز كه إصطبل و علف--از شقاوت غافل است و از شرف
      وان سِوُم هست آدميزاد و بشر--از فرشته نيمى و نيمش ز خر
      نيم خر خود مايل سِفلى بود--نيم ديگر مايل علوى شود
      تا كدامين غالب آيد بر نبرد--زين دوگانه تا كدامين بُرد نَرد
      --
      « مثنوي» الدفتر الثالث، طبع ميرخاني ص 361
      يقول: جاء في الحديث انّ الخلاق المجيد خَلَقَ العالَم في ثلاث مجموعات:
      الاولى كلّها عقل و علم وجود، و هم الملائكة الذين لا يفقهون الّا الذكر و السجود.
      وجودهم و عناصرهم تخلو من الحرص و الهوى، فهم نورٌ محض مطلق، يعيشون بعشق الله.
      و مجموعةٌ لا حظّ لها من العلم و الفكر، مثل الحيوان الذي ينمو و يسمن بتناول العلف فقط.
      فهو لا يرى غير العلف و الاصطبل، غافلًا عن الشرف و عن الشقاء.
      و المجموعة الثالثة هم البشر من بني آدم، الذين نصف وجودهم من الملائكة و النصف الآخر من الحمير و البهائم.
      فنصف البهائم يميل الى الضَّعة و التسافل، بينما ينزع النصف الآخر إلى العلوّ

معرفة المعاد ج۱

12
  • فلهذا فانّ يوم الجزاء حقّ لا يمكن إنكاره و جحوده، لأن الله سيحكم فيه بين الناس حسب اختلاف حالاتهم و درجاتهم، و هو الحاكم بالحقّ الذي يقوم حكمه على أسس متينة و راسخة.

معرفة المعاد ج۱

13
  • و قد نوينا بمشيئة الله المتعال- إن شملتنا عنايته و توفيقه- أن نبيّن دورة في بحث المعاد مستنبطة من الآيات القرآنية الشريفة و أخبار أئمّة أهل البيت عليهم السلام، يُذكر فيها بالترتيب و بما يتّسع له المجال من

معرفة المعاد ج۱

14
  • تفصيل مسائل عن خصوصيات الانسان التي يجدها في سكرات الموت، و عن كيفية عالم البرزخ و الانتقال منه الى القيامة الكبرى، و عن اجتماع الخلائق في الحشر و النشر، و السؤال، و الميزان، و العَرض، و الصراط، و الشفاعة، و الأعراف، و الكوثر، و الجنّة و النّار.

  • يبيّن الله سبحانه في سورة التين المباركة التي تُليت في مطلع الحديث موقع الانسان من العالم العلوي الى عالم الطبع و المادة و الحياة الدنيا و منطق الإحساس، بأنّا خلقناه في أحسن خلقة و قوام، ثم انزلناه الى أسفل مرتبة من الحدود و القيود و الأسر في ظلمات عالم الحسّ، و البُعد عن عالم الأنس و الجمع و المعرفة، ليعود فيرتقي بقدمه و اختياره و إرادته الى أعلى الدرجات، و ينال الذورة المتسامية لمدارج مقام الإنسانية و معارجها، فيصير في تلك الحال مقيماً عند ربّه، و ينال الأجر و الثواب غير المقطوع.

  • فالإنسان، من بين جميع الموجودات من الجماد و النبات و الحيوان، يمتلك شرفاً و خاصيّة تميزه عن الباقين و تجعله في صفّ خاص، و هي القوى العاقلة و إدراك الكليّات و إمكان العروج و الإرتقاء الى العوالم العليا و المجرّدات من النفوس القدسيّة العقلانيّة.

  • و بالرغم من أنّ العلوم التجربيّة لم تستطع حتّى الآن اثبات الشعور و القدرة لجميع الموجودات، إلّا أنّه قد جرى الإثبات و البرهنة في الفلسفة الكليّة الالهيّة على أنّ كلّ موجود يمكن أن نسمّيه موجوداً- حتّى لو كان قطعة صغيرة من التبن أو ذرّة لا يمكن رؤيتها- يتمتّع بنعمة الحياة و العلم و القدرة، و على أن الوجود يتلازم مع هذه الخواصّ الثلاث، غاية الأمر انّ كلّ موجود يمتلك تلك الدرجة من الحياة و العلم و القدرة التي تتناسب و سعته الوجوديّة، الموجودات المادّية بقدر سعتها، و النباتات

معرفة المعاد ج۱

15
  • و الحيوانات بقدر سعتها الوجودية، كما يمتلك الانسان و الملائكة أيضاً هذه الخواص بحسب قابليّتهم.

  • على انّ الانسان يمتلك من بين جميع الموجودات قوى متضادّة و غرائز مختلفة، و يتنازعه صراع الرغبات النفسية و الشهوات من جهة، و القوى العاقلة و المجرّدة من جهة أخرى.

  • و بينما تتحدّد دائرة نشاط الحيوانات و يتحدّد اختيارها و إرادتها، فهي انّما تتحرك لاستجلاب المنافع و دفع المضارّ، فتطير الطيور في الفضاء، و تتحرك الحيوانات البحرية في البحر سعياً وراء الصيد، كما ان الوحوش و الحيوانات البريّة لا تتعدّى و لا تتخطّى أمر تمتّع الحسّ و التناسل و اعمال غرائزها البسيطة و المحدودة، إذ انها لا تمتلك هدفاً و لا أمنية الّا ضمن طريق و سلوك محدود، لذا فانّ مجتمعاتها تكون بسيطة و محدودة.

  • امّا بالنسبة للانسان فقد تحوّلت الحياة لديه الى شكل آخر، حيث أدّى دخول الاعتباريّات في ساحة الحياة الانسانية الى توسعة دائرة نشاطاته في مختلف زوايا الحياة بصورة مستمرّة.

  • الامور الاعتبارية هي هوة الحقيقة و حافتها.

  • فقد صارت الأعمال الحقيقية للإنسان مقرونة بسلسلة من الامور الاعتباريّة، و أدّت المصالح لحفظ الشأن و الحيثيّة، و لتحقيق الرغبات النفسية، و شئون الحياة الموهومة، و الرئاسة و المرءوسيّة، و الملكية و المملوكيّة، و حبّ الجاه و حسّ التفاخر و حبّ التكاثر، الى ان يقوم الانسان بسلسلة واسعة من الفعاليّات و النشاطات.

  • على أنّ النزوع الشديد و الميل الحادّ لهذه الأمور الاعتباريّة يبعد الانسان بطبيعة الحال عن عالم المعنى و الحقيقة، و لا يدعه يصل إلى هدفه كما ينبغي له.

معرفة المعاد ج۱

16
  • و على سبيل المثال فانّ الشخص يحتاج الى الغذاء لإدامة حياته، كما أن الغذاء الذي يتكفّل أمر حياته يمكن نيله بسهولة و يُسر كبيرين، بيد أن مشكلات عجيبية من الامور الاعتباريّة تكتنف ذلك و تحيط به.

  • فهو يقول: ما الذي ينبغي أن أختار من غذاء كي لا يُهدر ماء وجهي؟ و كي لا ينتقدني عليه رفيقي لو رآني في تلك الحال، أو يعاتبني فيه ضيفي الذي يأتي الى منزلي؟

  • و ليست هذه الامور الّا سلسلة من الامور الاعتباريّة مُزجت مع ذلك الأمر الحقيقي، فأدّت الى ان يشمل ذلك العمل كلا الوجهين: تحصيل الواقع مع لحاظ الأمر الإعتباري، و ما أكثر ما يؤدي تزاحم و كثرة توارد الأمور الاعتباريّة الى الذهاب كليّاً بذلك الأمر الواقعي و ابتلاعه و القضاء عليه.

  • انّ جميع الأمور التي تحصل للانسان في الدنيا، او التي يقوم بها الانسان نفسه، من قبيل البيع و الشراء، الصلح، الهبة، الوكالة، الإجارة، المزارعة، المساقاة، المضاربة، النكاح و الطلاق تتضخّم بشكل جدّي على أساس الإعتباريات، بحيث يحصل كثيراً أن يدفع الانسان بنفسه الى حافّة الموت و الهلاك من أجل حفظ تلك الاعتبارات و صيانتها، فيبادل حياته الغالية بتلك التضخّمات الاعتبارية و المصالح الموهومة، و يخسر بلاعوض في لعبة شطرنج الدهر.

  • أدنى العوالم حكومة منطق الحسّ

  • على أنّ عالم الأمور الاعتباريّة هذا هو أسفل السافلين، أي أكثر العوالم إنحطاطاً عن حدود الحقيقة و متن الواقع، لأنّ الإنسان الذي يتوجّب عليه في مسيرته التكاملية أن يطابق بشكل تام و كامل بين وجوده و بين الحقائق، و أن يحرز الرقي المتزايد كلّ يوم في حركته للإفادة من مواد العالم الحقيقيّة و الوصول للواقعيّات في سلّم الرقي و التعالي، قد انحطّ به

معرفة المعاد ج۱

17
  • الأمر حتّى صار يصرف جميع عمره و ثروته الوجودية من العقل و العلم و الحياة و القدرة في الحديث عن أساطير و خرافات زيد و عمر، و يؤمّل نفسه و يتعلّق- من أجل الشأن و الحيثيّة- بسلسلة أمنيات بعيدة لا يعلم أحد هل سيصل اليها أم لا.

  • إنغماس الإنسان في الأمور الاعتباريّة:

  • و من أجل نيل و تحقيق تلك المُنى و الآمال الخيالية يقوم الانسان بنشاطات جادة و سريعة، فتكون النتيجة هي رحيله عن الدنيا بأيدٍ صفر خالية، لم يتمتّع بعدُ بثمرات الحياة، و لم يدرك بعدُ ثمار عمره الفجّة أوان نضجها و حلاوتها، فيتأمّل عمره المنقضي بحال انكسار و فتور، و تتملكّه الحسرة و الندامة و تملأ كيانه، إذ ما العمل أمام عمر ضائع و ملفٍّ مطوي و مُنادٍ يُهيب بالرحيل مُعجّلًا؟

  • الدين هو منظّم العلائق بين الأمور الحقيقيّة و الإعتباريّة

  • لقد جاء الدين من قِبل الله تعالى ليشخّص و يعيّن سلسلة اعتباريات الانسان في حدود معيّنة بحيث تكون نافعة للانسان، و غير معيقة لرقيّه و تكامله، كما جاء ليبعد عن الانسان الكثير الذي لا ينفعه منها، بل الذي يجرّه الى جهنّم، و ليعلّمه سلسلة تعاليم تقوده الى عالم الوجود و الحياة.

  • و بلا شكّ فانّ اولئك الذين يقتفون اثر هذه التعاليم ستدرك ثمرة وجودهم مرحلة كمالها، و سيقومون بالاستفادة القصوى من القوى و الإمكانات التي أعطيت لهم لدفع قواهم الوجودية الى مرحلة الفعليّة. لذا يواجهون الموت في هذه الحالة ببشاشة، لانّهم تخطّوا المراحل الابتدائية للتكامل و وصلوا الى سرّ العالم، و انكشفت لهم الحقائق جليّة، و ارتبطوا بالله ربّهم و ضمّوا وجودهم الجزئي الى كليّة هذا العالم، و انغمروا و فنوا في العلم و الحياة و القدرة الكليّة، فلم يبقَ لهم أيّ حال منتظرة لم يدركونها.

معرفة المعاد ج۱

18
  • هؤلاء لا يخشون الموت بل يعشقونه و يهيمون به، من أجل ان يروا أمامهم تلك العوالم التي لم يشاهدوها هنا، و التي أخفيت و سُترت عنهم لمصلحةٍ ما.

  • أمّا اولئك الذين يُعرضون عن هذه التعاليم صفحاً، و ينشغلون باللعب و اللهو طيلة أعمارهم، و لا يتخطّون دائرة الاعتبار خارجاً و لو بقدم واحد، فإنّ حركتهم إلى العالم الأخير ستكون قهراً مقرونة بضعف و نقص وجودهم، و سيرحلون عن هذا العالم في حال انكسار و همّ و غم و حسرة و غصّة، عطاشى لم ينالوا مراماً أو يدركوا هدفاً، و ذلك لانّ الباطل كان قد سخّر قلوبهم، و الحقيقة التي تلبّست بالباطل بصوره المزيّنة الخيالية قد شغلت أفكارهم، فقضوا حياتهم بلا نيل لثمرات عالم الوجود المانحة للحياة، و بلا إدراك لمقصد الخلقة و سرّها، و بلا الفة بالوطن الأصلي، و لا ارتباط بالعالم الكلي، و لا المناجاة و الأنس بربّهم.

  • الفرق بين المؤمن و الكافر في اتّباع العقل و الحسّ

  • رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَ لا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَ إِقامِ الصَّلاةِ وَ إِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَ الْأَبْصارُ* لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَ يَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَ اللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ* وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَ وَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ وَ اللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ1

  • انّ اشعاع نور الحقيقة و التجلّي الالهي سيضئ قلوب رجال لم تصرفهم التجارة و لا البيع و الشراء عن ذكر الله و إقامة الصلاة و الزكاة، و لم تشغلهم الامور الاعتباريّة بهذا العالم عن ذلك المقصد و المقصود و عن

    1. الآية 37- 39، من السورة 24: النّور.

معرفة المعاد ج۱

19
  • ذلك الهدف و المعبود، بل كان هؤلاء في خوف و فزع من العاقبة الوخيمة للأعمال القبيحة التي تجعل القلوب و الأبصار تتقلّب.

  • بلى، ان الله سبحانه سيجزيهم و يكافئهم بأحسن الثواب و الجزاء الذي يفخرون به، و سيزيدهم من فضله و رحمته، و سيرزقهم بمنّه من رزقه الوافر بلا حساب.

  • أمّا الذين كفروا برّبهم فان أعمالهم و سلوكهم قد جعل مقصدهم و هدفهم كالسراب، ذلك الماء الخيالي و غير الواقعي الذي مهما سار المرء اليه ليجد الماء فانّه لن يناله، لانّه ليس الّا سراباً نشأ من انعكاس أشعة الشمس المتلألئة على الرمل و الحصي، فصار يُرى من بعيد كمنظر الماء فيحسبه الإنسان الظمآن ماءً، و هكذا حال الكافر المتعطّش للرغبات، الذي يسعى الى الماء في الصحراء القاحلة المحرقة لعالم الإعتبار من أجل ان يرتوي من الماء، فلا يصل الى الماء و لا يَرتوي منه أبداً، ثم ينقضي عمره و يخسر نعمة الحياة.

  • و ذلك لانّ هذا الكافر لم يتحرك في الصراط المستقيم، و لم يرمّم نقاط وجوده الضعيفة، و لم يبدّل نقصان وجوده الى الكمال، فبقي ظمآناً لم ينهل من ماء الحياة. و على العكس فقد سعى لاهثاً خلف السراب و فقط السراب الذي لا يروي الإنسان، فخسر في النتيجة عمره، و سيبقى مخزيّاً في محضر الله و عالم الحقيقة، و سيُحاسب و يؤاخذ على أعماله تلك.

  • و يُستفاد هنا أنّ الكفار يسعون هم أيضاً في طلب الماء، الكفّار يسعون هم أيضاً الى الله، فهم كذلك يسعون الى شيء يفتقدونه، فهم في حركة و تفتيش و بحث للحصول عليه، و هم في سعي و تنقيب لنيل ذلك الشيء. بيد انّ هؤلاء قد ضلّوا الطريق، و كان عليهم ان يسلكوا سبيل الماء لا طريق السراب.

معرفة المعاد ج۱

20
  • المؤمن يسعى الى الماء، و يسلك سبيل الماء فيصل نبع الحقيقة و ماءها الزلال الهانئ فيرتوي منه، في حين ينسى الكافر طريق الماء في سعيه لنيل الماء وري عطشه، فيلتزم طريق السراب، ثم يزداد عن طريق الحقيقة بُعداً و عن السراب قُرباً كلّما زاد سعيه لزيادة اعتباريّات الدنيا من الجاه و الزوجة و الولد و الرئاسة و الحكومة، فتلهب حرارة الشمس و لظى الصحراء القاحلة كبده من الظمأ، و ينقضي العمر فتمحي كلّ طرق العودة، ثم يُدفن منكوباً مصاباً في آماله، و يُقبر في خيالاته و أفكاره الباطلة.

  • تقسيم المراحل الإعتباريّة طيلة حياة الإنسان من وجهة نظر القرآن الكريم

  • و ما أبدع التشبيه الرائع الذي ذكره القرآن الكريم لهذا الأمر:

  • حقيقة الدنيا و أسر الإحساسات:

  • اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ وَ زِينَةٌ وَ تَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَ تَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَ الْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً وَ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَ مَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَ رِضْوانٌ وَ مَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ.1

  • فتأمّلوا كيف يجسّد العلي الأعلى الحقيقة للانسان فيقول: انّ هذه الحياة الدنيا، هذه الحياة التي يقضي البشر عمره- بهذه المساحة الواسعة من الاعتبارات و الرغبات و الآمال- على أساسها، و يطابق ساعاته و دقائقه معها، ثم يرحل عنها أخيراً بلا زاد صفر اليدين، هذه الدنيا لا تخلو من أحد امور خمس.

  • هذه الحياة التي لا تعدو في الحقيقة عن دورة حياة الحيوانات و البهائم، و هذه الاعتباريّات التي أشغلت البشر و أبعدتهم عن الحقائق،

    1. الآية 20، من السورة 57: الحديد

معرفة المعاد ج۱

21
  • و انحطّت به إلى أسفل من حياة الوحوش. مركّبة من لَعِب يقوم به المرء دون الرغبات النفسيّة؛ و لَهْو يقوم به الانسان تبعاً لرغباته و نوازعه النفسيّة و لا يترتّب عليه غرض عقلائي صحيح، و زِينَة، اي تمويه وجه الباطل و الاعتبارات بلباس الحقيقة، و اظهار الأمور الفانية في هيئة الامور الباقية؛ وَ تَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ و غرور، و ادارة أمور الحياة على أساس الفخر و المباهاة؛ وَ تَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَ الْأَوْلادِ و السعي و اللهاث الدائمي لزيادتها. و للمرحوم الشيخ بهاء الدين العاملي (ره)1 كلامٌ لطيف في تفسير هذه الآية يقول فيه: انّ الخصال الخمس المذكورة في الآية مرتّبة بحسب سير عمر الانسان و مراحل حياته، فهو يُولع أوّلًا باللعب و هو طفل أو مراهق، ثم اذا بلغ و اشتدّ عظمه تعلّق باللهو و الملاهي، ثم اذا بلغ أشدّه اشتغل بالزينة من الملابس الفاخرة و المراكب البهية و المنازل العالية و تولّه بالحسن و الجمال، ثم اذا اكتهل أخذ بالمفاخرة بالأحساب و الأنساب، ثم اذا هَرِم سعي في تكثير المال و الولد.

  • بلى، ان الانسان يجد الرغبة بعد انقضاء فترة صباه و بلوغه الى تزيين نفسه، فيعمد الى ترتيب لباسه و عمله و حياته و مكانه، و أخيراً جميع الأمور المتعلّقة به على نحوٍ يجعل نقش البقاء و العيش على نحو الحياة الأبديّة يغطيّان وجه حقيقة الفناء، فيختفي واقع الأمر و حقيقته و يضيعان تحت هذه النقوش الزائفة الباطلة.

    1. نقل هذا المطلب عن الشيخ البهائي، العلّامة الطباطبائي مدّ ظلّه العالي* في حاشية الرسالة المخطوطة« الانسان في الدنيا»، كما نقلها عن المرحوم الشيخ بواسطة في« تفسير الميزان»، ج 19، ص 188 ضمن تفسير هذه الآية من سورة الحديد.
      * ألّف هذا الكتاب في زمن حياة العلّامة قدّس سرّه، فآثرنا إبقاء التعبير كما ورد في المتن( م).

معرفة المعاد ج۱

22
  • و اذا تخطيّنا هذه المرحلة فانّه يقول في مرحلة التفاخر و المباهاة: انّ قدرتي كذا، و علمي كذا، حتى انّه يرتجز و يفخر بجرأة كبيرة بالعظام النخرة المهترئة لآباءه و أسلافه، و بالنقوش البالية و الأطلال و الخرائب، فيضعها في المتاحف المجلّلة العظيمة، و ينشد فيها الأشعار الحماسيّة، و أخيراً فانّه يركّز طاقته الوجوديّة في آخر مراحل حياته في زيادة المال و الولد.

  • و بالطبع فانّ الانسان كلّما زاد عمره زاد حرصه معه، فهو يمتنع الآن من الانفاق في سبيل الله، ذلك الانفاق الذي كان يفعله في شبابه، حتى انّه صار يفتقد الآن الإيثار و المسامحة و العفو.

  • انّ الطبيعة البشريّة تقوم على انّ النفس اذا ما ربّيت على أساس معيّن فانّها تتحجّر على ذلك الأساس و ترسخ عليه، و ان الحالات المؤقّتة لها تصير ملكات ثابتة، و بالطبع فانّ الانسان ان لم يربِّ نفسه على محور قانون الدين و الحقّ، فان نتيجته و عاقبته النفسيّة ستكون آخر العمر تراكم تلك الأحوال و الطبائع و تحجّر تلك الخواطر و الأفكار.

  • قصّة الرجل العجوز و هارون و الأمل البعيد

  • قيل انّ هارون الرشيد قال يوماً لخواصّه و ندمائه: أرغب أن أزور شخصاً قد تشرّف بإدراك الرسول الاكرم (صلّى الله عليه و آله) و سمع منه حديثاً، لينقل لي عنه بلا واسطة.

  • و باعتبار انّ خلافة هارون كانت سنة مائة و سبعين هجريّة، فقد كان من الجلي- مع هذه المدّة الطويلة- انّ أحداً لم يبقَ من زمن النبي، و إن وجد فانّه سيكون في غاية الندرة. لذا فقد سعى رجال هارون و ملازموه في العثور على شخص بهذه الأوصاف و فتّشوا الأطراف و الأكناف، فلم

معرفة المعاد ج۱

23
  • يعثروا الّا على رجل عجوز متداعٍ متهالك في غاية الضعف و الوهن، لم يبقَ منه الّا أنفاس تتردّد في كومة عظام بالية، فوضعوه في زنبيل و جاءوا به الى بلاط هارون في غاية العناية و أدخلوه عليه فوراً، فسرّ هارون بذلك كثيراً، لأنه شاهد شخصاً أدرك رسول الله و سمع منه.

  • ثم قال له: أيّها العجوز! أ رأيت النبي الأكرم؟ قال: بلى.

  • فقال هارون: متى رأيته؟

  • قال العجوز: أخذ أبي بيدي يوماً في طفولتي و اصطحبني إلى رسول الله (صلّى الله عليه و آله)، ثم لم أدرك محضره حتّى رحل عن الدنيا.

  • قال هارون: أ فسمعتَ من رسول الله شيئاً ذلك اليوم؟

  • أجاب: بلي! سمعتُ من رسول الله ذلك اليوم انّه قال: يَشِيبُ ابْنُ آدَمَ وَ تَشُبُّ مَعَهُ خِصْلَتَانِ: الْحِرْصُ وَ طُولُ الأمَلِ1 فسرّ هارون كثيراً بسماعه رواية على لسان رسول الله بوساطة واحدة فقط، و أمر فأعطوا

    1. أورده في كتاب أربعين جامي، طبع العتبة الرضوية المقدّسة( آستان قدس رضوي) بهذا اللفظ: يَشِبُ ابْنُ آدَمَ وَ يَشُبُّ فِيهِ خَصْلَتَانِ الْحِرْصُ وَ طُولُ الأمَلِ.
      و يقول في مجموعة ورّام ابن أبي فراس بإسم« تَنْبِيهُ الْخَوَاطِر و نُزْهَةُ النّواظر»، الطبعة الحجرية، ص 204: و قال صلّى الله عليه و آله و سلّم: يَهْرَمُ ابْنُ ءادَم وَ تَشُبُّ مِنْهُ اثْنَتَان( خَصْلَتَانِ نسخه ل) الْحِرْصُ وَ طُولُ الأمَلِ.
      و أورد الصدوق في الخصال، طبع الاسلامية سند 1389، باب الاثنين، ج 1، ص 73 بسند واحد عن أنس: إنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه و آله قال: يَهْلِك- أو قال يَهْرَمُ- ابْنُ ءَادَمَ وَ يَبْقِى مِنْهُ اثْنَتَانِ: الْحِرْصُ وَ طُولُ الأمَلِ.
      و أورد بسند آخر عن أنس عن رسول الله صلّى الله عليه و آله قال:
      يَهْرَمُ ابْنُ ءادَمَ وَ يَشُبُّ مِنْهُ اثْنَانِ: الْحِرْصُ على الْمَالِ وَ الْحِرْصُ على الْعُمْرِ. و قد ذكر هاتين الروايتين الأخيرتين المحدّث النوري في كتاب مستدرك وسائل الشيعة، الطبعة الحجريّة 1319، ج 2، ص 335، عن نوادر السيّد فضل الله الراوندي باسناده المتّصل.

معرفة المعاد ج۱

24
  • العجوز كيساً من الذهب جائزةً له، ثم اخرج عنه. و حين أرادوا اخراج العجوز من البلاط رفع صوته في أنين واهن ضعيف قائلًا: ردّوني إلى هارون فلدي معه كلام.

  • قالوا: لا إمكان في ذلك.

  • قال: لا بدّ من رجوعي اليه، فلديّ سؤال ينبغي أن أسأله منه ثم أخرج. و هكذا أعادوا الزنبيل و فيه العجوز الى هارون، فقال: ما الأمر؟ قال العجوز: لدي سؤال.

  • قال هارون: قُلْ. فقال: أيّها السلطان! أعطاؤك الذي تفضّلتَ به علي اليوم لهذه السنة فقط أم هو عطاء يتجدّد كلّ عام؟ فتعالت قهقهة هارون و قال متعجّباً:

  • صَدَقَ رَسُولُ اللهِ (صلّى الله عليه و آله)؛ يَشِيبُ ابْنُ آدَمَ وَ تَشُبُّ مَعَهُ خِصْلَتَانِ الْحِرْصُ وَ طُولُ الأمَلِ.

  • انّ هذا العجوز لا رمق له، و لم أكن لأظنّ انّه سيبقى حيّاً حتّى خروجه من البلاط، و ها هو يقول: أ هذا العطاء مختصّ بهذه السنة أم انّه عطاء لكلّ سنة. لقد أوصله الحرصُ على زيادة المال و طولُ الأمل الى أن صار يتوقّع لنفسه عمراً فهو في صدد أخذ عطاء جديد.

  • بلى، هذه هي نتيجة عدم تربية النفس الانسانية بالأدب الالهي، ممّا دعى بالحرص و الأمل الى بسط نفوذهما في وجود الانسان في طيف واسع متزايد لا حدّ له ليقف عنده.

  • امّا أولئك الذين ترحّلوا بمتاعهم الى العالم الباقي، و أمّلوا قلوبهم بالكليّة و الأبدية، و ذلك بإيمانهم بالمبدأ الأزلي الأبدي و النزوع الى الوجود السرمدي لحضرة ذي الجلال و الإكرام، اولئك الذين يضعون- بالعمل الصالح- اسلوب حياتهم على أساس العدل و الإنصاف، فانّ

معرفة المعاد ج۱

25
  • أجرهم عند الله، أجر غير ممنون لا انقطاع له و لا أمد.

  • إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ.1

  • ذلك الأجر و الجزاء الذي لا حدّ له و لا حساب، و هؤلاء سينعمون في الجنّة الخالدة و عالم الأبديّة و الخلود بأفضل النعم المعنوية و الحقيقية:

  • فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ.2

  • يصلهم فيها رزقهم من ربّهم صباحاً و مساءً:

  • وَ لَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَ عَشِيًّا.3

  • و بعد بيان الله سبحانه لهذه المراحل الخمس من الحياة الدنيا التي ينقضي كلّ منها و يزول و يتصرّم و يمرّ مرّ السحاب فلا يعود من ذات هذه المراحل حقيقةٌ الى الانسان، يقدّم الله تعالى تمثيلًا لها فيقول:

  • كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً.4

  • تمثيل الدنيا بالنبات المخضرّ اليانع الذي يصفّر ثم يكون حطاماً و هشيماً:

  • تمثيل الحياة الدنيا في القرآن بالنباتات اليانعه و جفافها

  • هذا اللعب و اللهو و الزينة، و هذه المرحلة في التفاخر و التكاثر في الأموال و الاولاد ستزول جميعاً، كما ان طراوة الشباب و نضارته و غرور الجمال و عزّ الجلال ستعصف به الطوفانات فلا تذر له أي أثر، تماماً كالغيث المنهمر من السماء بقطراته المنعشة الباعثة على الحياة، ينهمر فيروي الأرض العطشى فتنشقّ عن يانع النبت و طريّه ممّا يُحار لرونقه و جماله الزرّاع، ثم تتبدّل تلك الطراوة و النضارة بحركة واحدة إلى الإصفرار و الجفاف، فتتحوّل تلك اللطافة خشونة، فيصير النبات اليانع

    1. الآية 25، من السورة 84: الانشقاق.
    2. الآية 40، من السورة 40: غافر.
    3. الآية 62، من السورة 19: مريم.
    4. الآية 20، من السورة 57: الحديد.

معرفة المعاد ج۱

26
  • يابساً يتحوّل الى هشيم و حطام و رماد.

  • هذا هو مثال و انموذج الحياة الدنيا التي يتصاعد فيها العلم و القدرة و الحياة و سائر الثروات الانسانيّة و ترقى إلى أوجها و غايتها، و تظهر فيها القابليّات و تتخايل في مرحلتها القصوى من الفعليّة، فتغيّر النطف الباردة الى إنسان ملئ بالنشاط مشحون بالحرارة و الحماس كالنار الملتهبة في الموقد، ثم تتنازل فجأة من نقطة الذروة و القمّة متهاوية الى الحضيض، فتتناقص جميع هذه الصفات و تتضاءل، و يتهدّد الضعفُ و الخمول الانسان من كلّ صوب، حتى يرد به شيئاً فشيئاً الى مشارف الموت و العبور من عالم الطبع هذا و تخطّيه. بيد انّه ينبغي العلم انّ هذه المرحلة ليست المحطّة الأخيرة للحياة، و أنّ مراحل الحياة لن تنتهي عند هذه النقطة، بل:

  • وَ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَ مَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَ رِضْوانٌ وَ مَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ.1

  • انّ الناس ينقسمون في عالم الروح و الحقيقة، عالم الآخرة الذي يمثّل نتيجة هذا العالم و عاقبته، الى قسمين و مجموعتين:

  • المجموعة الأولى: أولئك الذين قنعوا بهذه الأمور الظاهريّة، فلم يتخطّوا زينة الدنيا و غرورها، و لم يتجاوزوا الإعتباريّات و اللذائذ المؤقتة، و لم يرتووا من معين الحياة الأبديّة الخالدة، أو يحظوا بلقاء ربّهم أو يفيدوا من اشعاع صفات جماله و جذباته الربّانيّة، فلم يكن كلّ ما نالوه الّا سرابًا. ثم زالت اللذائذ الفانية و تصرّمت، و لم يكونوا قد تزوّدوا من اللّذات الدائميّة، لذا فان نصيبهم في الآخرة لن يكون غير الحرمان

    1. الآية 20، من السورة 57: الحديد.

معرفة المعاد ج۱

27
  • و الخسران.

  • كما إن عاقبة الإنغماس في اللّذات الإعتباريّة و الانصراف عن مقام العدل و العبوديّة للحقّ جلّ و علا، و التمرّد على تعاليم العقل و الفطرة و الشرع، و الإعتماد على النفس الأمّارة سيكون ذلك العذاب الأليم يوم الجزاء.

  • امّا المجموعة الثانية فهم الذين لم يمنحوا لأمور هذه الدنيا الظاهريّة عنوان العالم الأبدي، و لم يفنوا أنفسهم في المقصد المخوف للاعتباريّات، و لم ينفقوا جميع وجودهم و قواهم في اللذائذ المؤقتة الفانية، و لم يكتفوا بالسراب عن الماء المعين بدلًا، بل كان لهم في موازاة طيّ هذه الحياة نظرٌ الى باطن هذا العالم، و كان لهم نصيب في الحياة الأبدية المثمرة، و نصيب في الارتباط بالله تعالى، و أمل التطلّع إلى الجمال الأزلي، و عقد الأمل على الأنوار السرمديّة.

  • و هكذا فان عاقبة الاستقامة و الثبات من أجل نيل مقام العظمة، و الرسوخ و التحمّل في المقام المتين للصدق و الحقيقة هو رضوان الله و التمتّع بصفاته الحسنى و أسمائه العليا و التمتّع بمقام المغفرة.

  • استنباط لطيف للعلّامة الطباطبائي مدّ ظلّه من القرآن في أنّ الآخرة هي باطن الدنيا.

  • يقول الاستاذ الجليل العلّامة الطباطبائي مدّ ظلّه العالي في رسالة «الإنسان في الدنيا» التي لم تُطبع بعد، و هي مجموعة مع رسائل ستّ أخرى تعدّ من بين آثاره النفسية غير المطبوعة:

  • من الممكن أن تكون هذه الفقرة في الآية المباركة «وَ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَ مَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَ رِضْوانٌ» معطوفة على كلمة لعب، فيصبح المعنى على ذلك: إنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا في الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَ مَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَ رِضْوَانٌ؛ أي أنّ هذه الحياة الدنيا الظاهرية المتشكّلة من المراحل الخمس لها باطن سيظهر و يتجلّى في هيئة عذاب شديد أو مغفرة من الله.

معرفة المعاد ج۱

28
  • و عليه فانّ عالم الآخرة هو باطن الدنيا، و الدنيا هي ظاهر الآخرة، يشهد على هذا المعنى قول الله سبحانه بعد هذه الآية مباشرةً: سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ جَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ.1

  • فالسبق الى المغفرة و إلى جنّة الله أمر موجود في هذه الدنيا، و حاصلٌ في هذه الحياة اذا ما كان نظر الانسان الى باطن الدنيا و سلسلة نشاطاته و مساعيه منظّمة على أساسها.

  • على أنّ جميع الأمور الدنيويّة التي تشكّل الأساس لمعيشة البشر و حياته في هذا العالم، كالمعاملات، التجارات، الزراعات، الصناعات، النكاح و الطلاق و غيرها هي أمور مشتركة بين المؤمن و الكافر. فالمؤمن يحصل منها على نتيجة حقيقيّة لأنه يتوجّه الى أصالتها، و الكافر يحصل على نتيجة إعتباريّة لأنه يتوجّه الى ظاهرها بصورة محضة.

  • لقد كان أمير المؤمنين عليه السلام يمسك بالمسحاة، فيبذر البذور و يزرع الأرض و يزرع النخل فيوجد بساتين النخيل، و كان يحفر الأرض و يجري قنوات الماء الجاري، كما كان الكفرة يعملون نفس هذه الأعمال، فما الفارق يا ترى؟! فهذه هي الغفلة و تلك هي اليقظه و الصحو، فهذا كان ينقّب و يبحث بأمل التمتّع من هذه اللّذات و الإفادة على أساس حبّ النفس و زيادة الثروة و المال و الأولاد، و ذاك لإعانة المساكين و الفقراء و مدّ يد المساعدة اليهم، و كان يفعل ذلك من أجل العدل و الرحمة، و من أجل رضا الخالق، و سعياً لعالم أبديّة المعنى و الروح و أصالتها.

  • لما ذا كان أمير المؤمنين يحفر الآبار و يجري القنوات؟ لما ذا كان

    1. الآية 21، من السورة 57: الحديد

معرفة المعاد ج۱

29
  • يخطب في الناس؟ و لما ذا كان يحمل سيفه بيده و يجهد في الحرّ و القرّ في مواجهة آلاف المشاكل؟ أ كان ذلك لزيادة المال، أو لحبّ الرئاسة، أو للاختيال بمظاهر كماله و جماله؟!

  • أبداً أبداً، بل انّه كان يعمل ذلك ببصيرة نافذة، و بعين تتطلّع الى ربّها، كان يعمل لأن نفس العمل كان مطلوباً، في حين كان الآخرون يعملون للمقاصد الجزئيّة. و هذا- لا غير- هو الفاصل و الفارق بين الطريقتين و الأسلوبين.

  • انّ المؤمن و الكافر يطويان عمرهما بموازاة أحدهما الآخر، يلهوان و يلعبان و ينعمان بالدنيا، و ينشغلان بالتجارة و الزراعة و الصناعة، و ينكحان و يتزوّجان و يُنجبان، بيد أنّ المؤمن يقوم بتلك الاعمال مستنداً الى أساس أصالة الإيمان بالمعنى و الروح و مظاهر الله، و اعتماداً على البقاء، في حين يفعل الكافر ذلك على أساسٍ واهٍ من الدعاوي النفسيّة و اللذائذ الفانية و الشهوات و مظاهر الزينة الخادعة.

  • الكافر ينظر الى الظاهر، و المؤمن ينفذ بنظره الى أعماق الظاهر فينظر الى الباطن.

  • مسيرة المؤمن الحقيقة و الواقع، و طريق الكافر الزينة و الغرور.

  • معنى كون الدنيا زينةً و غروراً

  • الزينة هي ما ينزع بالانسان من الحقّ الى الباطل، و يُظهر الباطل للانظار في هيئة الحقّ، و القبح بصورة الجمال و الفتنة. فالشخص الذي يتزيّن يفعل ذلك ليظهر نفسه جميلًا، و المرأة حين تتزيّن فتجمّل ظفائرها و طلعتها و ترتدي السوار و القلادة و القرط فانّما تفعل ذلك لتغطّي عيوبها و تظهرها في هيئة جميلة، أو كي تزيد من حسنها إن خلت من العيوب.

معرفة المعاد ج۱

30
  • و باعتبار ان الشخص الذي يتزيّن لا يمتلك جمالًا و حسناً حقيقيّاً، و انّ الزينة تمتلك الجمال، فانّ هذا الشخص يقوم بتزيّنه بصرف نظر الناظر من قبحه و جماله الناقص الى حسن الزينة و جمالها، فيكون نظر الشخص الناظر في النتيجة مصروفاً من صاحب الزينة و إدراك قبحه الى حُسن الزينة، في حسّ نتيجةً انّ صاحب الزينة حَسَن و جميل.

  • و لو كانت يد امرأة ما جميلة و حسنة بحيث لا تحتاج معها الى زينة السوار و الخاتم، فانّ تلك المرأة لن تعمد مطلقاً الى لبس سوار في يدها، او خاتم في اصبعها، و لن تزيّن صدرها و عضدها و أذنيها بالقلادة و الدُّمْلُج و الأقراط. و ذلك لأن أمثال هذه الزينة ستمنع في هذه الحالة من تجلّي حسنها و نضارتها التي وهبها الله، و ستحدّ من بروز حُسنها، و حينذاك فانّ الزينة ستفقد عنوان الزينة.

  • لذا فان استعمال جميع أنواع الزينة هو من أجل صرف النظر الصائب عن واقع الأمر و متنه الى جهات إعتباريّة و نسب مجازية غير صحيحة، و في الحقيقة فانّ الزينة تعني الخداع و التحايل و التمويه و نصب الحبائك واسعة لصرف الافكار و عطفها الى المحاسن المجازيّة، و هذا هو معنى الغرور.

  • الدنيا دار الزينة و الغرور، أي أنّها تغرّ الانسان و تخدعه فتُظهر الاعتباريّات الفانية في نظره على هيئة حقائق واقعيّة، فيقع الانسان في حبائل الهوس و الهوى من أجل الحصول على تلك الحقائق المتخيّلة، و ينشغل دوماً بالزينة و الغرور، فيخسر في مقامرة العشق مع هذه الأمور الاعتباريّة الخيالية، و يوثق عقد حبّه و هيامه لهذه الصور القبيحة المُنفرة من الفناء و الزوال و البوار و العدم، حتى يخسر في عاقبة الأمر ثروة وجوده بلا عوض.

معرفة المعاد ج۱

31
  • أمّا رجل الصدق و الاستقامة فلا يعير زينة الدنيا أدنى اهتمام، و ينظر الى حقيقتها بعين بصيرته النافذة المضاءة، فلا يمنح الأمور الاعتبارية و اللذائذ الفانية عنوان البقاء و الدوام، و لا يخدع نفسه فيعقد عقد نكاحه على عجوز شمطاء قد تجمّلت للأنظار و جرّت آلاف الأزواج الى الموت في أحضانها بآلاف الخدع و الأحابيل.

  • إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا، وَ إِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيداً جُرُزاً.1

  • إنّا جعلنا ما على الأرض زينة و جمالًا لها لنختبر أهلها و نبلوهم أيّهم يمتلك ميلًا أشدّ الى الحقيقة و عملًا أحسن و أجمل، ثمّ اننا في عاقبة الأمر سنجعل ما على الأرض صعيداً و تراباً خالصاً لا خاصيّة له و لا أثر.

  • فالماء الجاري على الأرض زينة، و النباتات و الاشجار و المناظر الخلّابة من الجبال و الشلّالات زينة كلّها، الطيور و الدجاج زينة، و الأنعام و الدوابّ زينة، النساء و الأولاد، الأرحام و العشيرة، الأصدقاء و الإخوان هم زينة كلّهم. جعلهم الله جميعاً زينةً للمادة و للهيولى التي لا شكل و لا لون و لا رائحة و لا جمال و لا فتنة لها، و ذلك من أجل أن يبلو الناس و يختبرهم فيما سيفيدونه من هذا العمر و من سني الحياة المتوالية، و كيف سيجتازون هذا الاختيار، و كيف سيصيرون خالصين منزّهين.

  • فهذه الأشكال و الصور ستتبدّل جميعاً في موقد الدهر الى رماد، كما ستتحول هذه الطراوة و الجمال الى أشكال كريهة و مناظر عجيبة، و ستنتهي الأرض الخضراء اليانعة قفراً قاحلة.

  • فالله سبحانه يختبر بهذه الأمور عباده ليعلم أيّهم لا ينخدع في هذه

    1. الآية 7 و 8، من السورة 18: الكهف

معرفة المعاد ج۱

32
  • المعمعة من المناظر الخدّاعة و الفخاخ الكثيرة المنصوبة، و أيّهم لا يتخطّى قوانين الفطرة و العقل و الاخلاق الفاضلة و العمل الصالح و الايمان بخالق هذا العالم الغريب، و لا يتجاوز العبودية في فنائه المقدّس الخارج من الشكل و اللون و الرائحة، و الذي لا يبخل بالانفاق و الإيثار المقرون بالإلتفات الواعي الى الواقعية و الحقيقة، الذي لا يعقد آماله و لا يمنّي قلبه بهذا اللون و تلك الرائحة فيفسد قلبه بضياعها و يُدفن في ديار الهلاك و الفناء و البوار.

  • يقول أمير المؤمنين عليه السلام ضمن الخطبة 155 من نهج البلاغة:

  • فَمَنْ شَغَلَ نَفْسَهُ بِغَيْرِ نَفْسِهِ تَحَيَّرَ في الظُّلُمَاتِ، وَ ارْتَبَكَ في الْهَلَكَاتِ، وَ مَدَّتْ بِهِ شَيَاطِينُهُ في طُغْيَانِهِ، وَ زَيَّنَتْ لَهُ سَيِّئَ أعْمَالِهِ، فَالْجَنَّةُ غَايَةُ السَّابِقِينَ، وَ النَّارُ غَايَةُ الْمُفَرِّطِينَ.1

  • إعْلمُوا أنَّمَا الدنْيَا تُطْلَبُ لِثَلَاثٍ: لِلْعِزِّ وَ الْغِنَي و الرَّاحَةِ

  • و يقول في موضعٍ آخر:

  • الدُّنْيَا دَارُ غُرُورٍ وَ فَنَاءٍ، وَ مُلْتَقَى سَاعَةٍ وَ وَداعٍ، وَ النَّاسُ مُتَصَرِّفُونَ فيهَا بَيْنَ وَرْدٍ وَ صَدْرٍ، وَ صَائِرُونَ خَبَراً بَعْدَ أثَرٍ، غَايَةُ كُلِّ مُتَحَرِّكٍ سُكُونٌ، وَ نِهَايَةُ كُلِّ مُتُكُوِّنٍ أنْ لَا يَكُونَ، فَإذَا كَانَ ذَلِكَ كَذلِكَ، فَلِمَ التَّهَالُكُ على هَالِكٍ، وَ اعْلَمُوا أنَّمَا الدُّنْيَا تُطْلَبُ لِثَلاثٍ: لِلْعِزِّ وَ الْغِنَي وَ الرَّاحَةِ، فَمَنْ قَنَعَ عَزَّ، وَ مَنْ زَهِدَ اسْتَغْنَى، وَ مَنْ قَلَّ سَعْيُهُ اسْتَراحَ.

  • فما الذي يعنيه الإمام في قوله «صائرون خبراً بعد أثر»؟ أي لا أثر بعدُ من وجودهم، و من قدرتهم و علمهم، و من حياتهم الدنيويّة، و لا أثر من جميع صفاتهم و مخلّفاتهم، فلقد صاروا خبراً مضى و انقضى. كانوا بالأمس أثراً فصاروا اليوم خبرا، و تبدّلت هويّاتهم، فمن كان يُذكر

    1. نهج البلاغة شرح عبده، مطبعة عيسي البابي الحلبي بمصر، ج 1.

معرفة المعاد ج۱

33
  • ب- «السيّد ... أيدّه الله» صار يذكر اليوم ب- «المرحوم ... رحمه الله». اليوم يقولون: شافي الله فلاناً! اقرأ وا له سورة الحمد؛ و سيقولون غداً: رحمه الله! اقرءوا له الفاتحه. أين صار إخوتنا؟ و آباؤنا؟ و أجدادنا؟ أين ذهب أجدادنا؟ لقد صاروا جميعهم خبراً، و كانوا يوماً ما أثراً، و أي أثر مهم! كانت الدنيا تهتزّ تحت أقدامهم، و آذان الأفلاك تصمّ من صراخ أنانيّتهم، كان ذلك جميعه أثراً. كانوا يأتون الى المساجد فيجلسون و يصغون الى النصائح و المواعظ، لكنّ ذلك كلّه كان أثراً، و صار أولئكم اليوم خبراً بأجمعهم. و نحن أيضاً اليوم أثر، نتحدّث و نسمع و نتحرك بحيويّة و نشاط، و صائرون في الغد خبراً، و سيُقال عنّا: رحمهم الله، كانوا بالأمس أثراً و صاروا اليوم خبراً.

  • بيد انّ هذه القرعة لا يخرج سهمها بإسمهم فقط، بل انّها كالجَمَل الذي سيبرك على عتبة كلّ دار، و الذي سيستقبل كلّ شخص.

  • انّ نهاية كلّ متحرك الى السّكون، و عاقبة كلّ من ارتدى لباس الحياة و الوجود أنْ لا يَكُون. و حين يكون الأمر كذلك فبأي دليل و بأي مجوّز عقلي يُلقي الشخص بنفسه في فم الهلاك الفاغر من أجل نيل أشياء فانية تالفة، و يتسابق في التهالك و إلقاء النفس في التهلكة للوصول الى هذه الأمور الفانية الزائلة؟

  • اعلموا ايّها الناس انّ الدنيا انّما طُلبت لثلاثة أمور: للعزّة و للغنى و للراحة؛ فمن زهد في الأمور الدنيويّة و لم يرغب فيها استغنى دوماً، و من سلك سبيل القناعة عَزّ دوماً، و من قلّل سعيه و مجهوده للوصول الى الدنيا كان في راحة.

  • لقد جاء الدين من قِبل الله تعالى ليقول للإنسان: أيّها الانسان لستَ مُهْمَلًا مغفولًا عنه، و لستَ موجوداً متفرّداً معزولًا عن جميع الموجودات،

معرفة المعاد ج۱

34
  • لستَ متفرّقاً مشتّتاً، بل متّصل بجميع العالم، و مرتبط بإلهك. أنت جزء و فرد من مجموعة عالم الكون، جئت لهدف معيّن، و تعيش في هذه الدنيا لمقصد خاصّ، و ستذهب من هنا الى مكان آخر.

  • رَحِمَ اللهُ امْرَءً عَلِمَ مِن أيْنَ وَ في أيْنَ وَ إلى أيْنَ.

  • و قد جاء في الرواية انّ اميرالمؤمنين كان يقرأ هذه الآية (الآية 36 من السورة 75): أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً.1

  • فكان يكرّرها و دموعه تنساب جارية من عينيه.2

  • انّ جميع فيض و رحمة الخالق من عوالم الغيب تشمل حال الفرد الذي لا يرى نفسه مهملًا و مخلوقاً عبثاً في عالم الوجود و ساحة الخلقة، بل يرى انّه قد جاء من عند الله و ورد هذه الدنيا لمهمّة معيّنة وفق برنامج معيّن ينبغي العمل به و تطبيقه، فهو يتحرّك في هذه الدنيا صوب خالقه سعيداً مبتهجاً، و يرحل عنها بيُسر و شوق و لهفة قاصداً مقام رضوان ربّه.

  • و اذا ما أدرك الانسان هذا المعنى جيّداً، و وضع أعماله و سلوكه وفق هذا الأساس و الفكر المتين الراسخ، فانّ موته و رحيله سيكون من اليُسر و السهولة بحيث يفوق في سهولته سحب شعرة من اللبن.

  • تأثير ميزان التعلّق بالدنيا في سهولة الموت و صعوبته

  • و حين يقدم عزرائيل لقبض روح العبد المؤمن، فيراه متثاقلًا

    1. الآية 36، من السورة 75: القيامة
    2. الغدير، المطبعة الاسلامية، الطبعة الثانية 1372، ج 6، ص 172، ضمن قصّة ينقلها عن كنز العمال، ج 3، ص 179؛ و عن مصباح الظلام للجرداني ج 2 ص 56.
      كما ينقل الشيخ محمد تقي الشوشتري هذه القصة بجميع تفاصيلها في كتاب( قضاوتهاى أمير المؤمنين عليه السلام) ص 147 و 148، عن كتاب( التشريف بالمنن في التعريف بالمحن) للسيّد على بن طاوس، الذي- طُبع في النجف بإسم( الملاحم و الفتن) و وردت في كتاب( الملاحم و الفتن) ص 154 و 155.

معرفة المعاد ج۱

35
  • في حركته الى ذلك العالم لُانسه بأولاده و أرحامه و أقاربه و متعلّقاته، و يلحظ في المؤمن قدراً من التأنّي و التأمّل في استقبال الموت، فانّ ذلك الملك المقرّب يعود الى الربّ الودود و يعرض له علّة تأنّي المؤمن، فيأتي الخطاب: اكتب على راحة يدك بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. و أرها ايّاه.

  • فيكتب عزرائيل على راحة يده اليمنى بسم الله الرحمن الرحيم و يُريها للمؤمن، فيرى المؤمن نفسه فجأةً في عالم آخر يرتع في بحبوحات الجنّة و النعيم، و لا يدرك كيفيّة حركته و موته، هذه هي حال المؤمن. و لكن، و العياذ بالله من سكرات موت الكافر الذي أنفق عمره كاملًا في جهة معاكسة لعالم الحياة، و الذي أفسده في اللهاث المحموم وراء زخارف الدنيا و زينتها و زبرجها، و قضى ساعات عمره و دقائقه وراء الجاه و الاعتبار، متناسياً ربّه الرحيم الرءوف، فخسر لذلك رصيد عمره في صفقته مع أعدائه الذين ينزعون به الى عالم الاعتبار و العدم، و صارت كلّ واحدة من هذه المتعلّقات في حاله تلك أشبه بسلسلة فولاذيّة أوثقت قلبه فصارت تجرّه صوبها.

  • فكيف سيتأتّى الرحيل بيُسر مع آلاف التعلّقات و آلاف السلاسل؟ و هكذا فانّ ذرات جسد هذا الكافر لو مُزّقت كلّ ممزّق فانّه لن يختار الرحيل بإرادته. و يأتي الخطاب هنا أنْ:

  • خُذُوهُ فَغُلُّوهُ، ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ.1

  • و ما إن يدرك مغزى النداء حتى يُساق مدهوشاً مذعوراً الى عالم الغُربة و الظلمات.

  • أفضل الأعمال الإجتناب عن المحرّمات؛ و خطبة رسول الله في شهر شعبان.

  • لقد وعظ رسول الله صلّى الله عليه و آله الناس في خطبته التي ألقاها

    1. الآية 30 و 31، من السورة 69: الحاقّة.

معرفة المعاد ج۱

36
  • في آخر جمعة من شهر شعبان، بأنّ هذا الشهر المقبل عليكم هو شهر البركة و الرحمة، و شهر المغفرة و الدعاء و الإجابة، شهر الصلاة و شهر تلاوة القرآن، شهر الصدقة و صلة الرحم و الإيثار، شهر أداء الفرائض و الصيام و الإنفاق، و ربيع المغفرة و العفو و التخفيف على المستخدم و العطف على الصغير و توقير الكبير، و ذلك في بيان مفصّل بيّنه صلوات الله و سلامه عليه.

  • و معنى ذلك انّ المؤمن لا ينبغي عليه فقط أن يجتنب في شهر رمضان الآداب السيئة التي ذكرها الفقهاء في كتبهم العلميّة، بل عليه في شهر الرحمة هذا أن يستجلب الرحمة بكلّ أرجاء وجوده، و أن يتحلّى بالخشوع و الخضوع و يشتغل على الدوام بذكر الله سبحانه، و أن يُسابق الى كلّ ما يقرّبه الى الله زلفى، و أن يفرّ من كلّ ما يبعده عن الله، و أن يعمل بما أمر الله و يجتنب ما نهى عنه، و أن يغضّ بصره عمّا لا يحلّ له النظر اليه، و ان يجتنب سماع ما نُهي عن سماعه. و خلاصة الأمر فقد بيّن الرسول بكلامه في خطبته ذلك الصراط المستقيم الذي يمثّل الفاصلة القصوى بين الإنسان و بين الله.

  • ثم يقول أمير المؤمنين عليه السلام في نهاية هذه الرواية التي نقلها عن الرسول:

  • فَقُمْتُ وَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا أفْضَلُ الأعْمَالِ في هَذا الشَّهْرِ؟

  • فَقَالَ: يَا أبَا الْحَسَنِ! أفْضَلُ الأعْمَالِ في هَذَا الشَّهْرِ الْوَرَعُ عَنْ مَحَارِمِ اللهِ! ثُمَّ بَكَى فَقُلْتُ: مَا يُبْكِيكَ يَا رَسُولَ اللهِ!

  • فَقَالَ: أبْكِي لِمَا يُسْتَحَلُّ مِنْكَ في هَذَا الشَّهْرِ، كَأنِّي بِكَ وَ أنْتَ تُصَلِّي لِرَبِّكَ وَ قَدْ انْبَعَثَ أشْقَى الأوَّلِينَ وَ الآخِرِينَ، شَقِيقُ عَاقِرِ نَاقَةِ ثَمُود فَضَرَبَكَ ضَربَةً على قَرْنِكَ فَخُضِبَتْ مِنْهَا لِحْيَتُكَ!

معرفة المعاد ج۱

37
  • فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ في سَلَامَةٍ مِنْ دِينِي؟ فَقَالَ صلّى الله عليه و آله و سلّم: في سَلَامَةٍ مِنْ دِينِكَ.

  • ثُمَّ قَالَ: يَا على مَنْ قَتَلَكَ فَقَدْ قَتَلَنِي، وَ مَنْ أبْغَضَكَ فَقَدْ أبْغَضَنِي لإنَّكَ مِنِّي كَنَفْسِي وَ طِيْنَتُكَ مِنْ طِينَتِي وَ أنْتَ وَصِيِّي وَ خَلِيفَتِي في أمَّتِي.1

    1. يروي أصل هذا الحديث الشريف مع تتّمته التي- ستُذكر فِيما بعد، الصدوق في كتاب« عيون أخبار الرضا»، الطبعة الحجرية، الباب 28، ص 192، و في« الأمالي»، ص 57 و 58. و قد رواه أيضاً صاحب الوسائل في« وسائل الشيعة» عن العيون الى لفظ« الورع عن محارم الله»، الّا انّه قام بتقطيع الحديث باعتبار انّ باقيه لا يتعلّق بالأعمال المستحبّة و الاجتهاد في الصلاة. لكنّ السيد ابن طاوس يرويه بتمامه في اوّل كتاب« الإقبال» عن محمد بن أبي القاسم الطبري في كتاب« بشارة المصطفي لشيعة المرتضى»، باسناده عن الحسن بن على بن فضال، عن الامام علي بن موسى الرضا عن آبائه الكرام الواحد تلو الآخر الى أمير المؤمنين عليه السلام. كما يرويه الشيخ بهاء الدين العاملي في الحديث التاسع من كتابه« الأربعين» الطبعة الحجرية، ص 81- 83 عن المرحوم الصدوق محمد بن علي بن الحسين ابن بابويه القمّي، و يرويه كذلك المرحوم الفيض القاساني في كتاب الوافي، باب فضل شهر رمضان، عن كتاب عرض المجالس للصدوق، و هو نفس كتاب الأمالي، عن أحمد بن الحسن القطان، عن أحمد بن محمد بن سعيد. و تتمّة الرواية: إن الله تبارك و تعالى خلقني و إياك! فاختارني للنبوة، و اختارك للإمامة. فمن أنكر إمامتك فقد أنكر نبوّتي، يا علي أنت وصيّي و أبو ولدي، و زوج ابنتي، و خليفتي على أمتّي في حيوتي و بعد موتي، أمرك أمري، و نهيك نهيي، أقسم بالذي بعثني بالنبوّة و جعلني خير البريّة انّك لحجّة الله على خلقه، و أمينه على سرّه و خليفته على عباده. انتهي.
      و قد روى هذه التتمّة المحدث العظيم السيد هاشم البحراني في« غاية المرام» الطبعة الحجرية ص 29، عن ابن بابويه باسناده عن الأصبغ بن نباته عن أمير المؤمنين عليه السلام، و رواها الشيخ القندوزي الحنفي في« ينابيع المودّة» طبع اسلامبول، سنه 1301، ص 53، عن كتاب المناقب.

معرفة المعاد ج۱

38
  •  

  •  

  • الْمَجْلِسُ الثَّانِي: في الحَيَاةِ الْمؤقَّتَةِ وَ الحيَاةِ الدَّائِمَة

  •  

  •  

معرفة المعاد ج۱

40
  •  

  •  

  • بسم الله الرحمن الرحيم

  • (ألقيت هذه المطالب في اليوم الثاني من شهر رمضان المبارك)

  • و الحمد لله ربّ العالمين و لا حول و لا قوّة الّا بالله العليّ العظيم

  • و صلّى الله على محمّد و ءاله الطاهرين

  • و لعنة الله على أعدائهم أجمعين من الآن إلى يوم الدين

  •  

  •  

  • الدنيا ظاهر الحياة، و الآخرة باطنها

  • قال الله الحكيم في كتابه الكريم:

  • يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ هُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ* أَ وَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَ أَجَلٍ مُسَمًّى وَ إِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ.1

  • يمكن الاستنتاج من جعل ظاهر الحياة الدنيا في الآية الاولى في مقابل الآخرة انّ الآخرة هي باطن الدنيا و حقيقتها، و انّ الحياة الدنيا لها ظاهر و باطن، و ذلك بقرينة تقابلهما و كون أحدهما قسيماً للآخر.

  • و كما اشير في المجلس السابق فانّ من الممكن ان تكون عبارة «و في الآخرة عذاب شديد و مغفرة من الله و رضوان» الواردة في الآية مورد البحث معطوفة على لفظ لعب؛ اي انّ الحياة الدنيا هي في الأخرة عذاب شديد و مغفرة من الله و رضوان. فالحياة الدنيا ظاهرها تلكم المراتب الخمس: لهو، و لعب، و زينة، و تفاخر بينكم، و تكاثر في الأموال و الأولاد، و باطنها- أي الآخرة- عذاب شديد و غفران الربّ

    1. الآية 7 و 8، من السورة 30: الروم.

معرفة المعاد ج۱

41
  • الودود و رضوانه.

  • و عليه فانّ هذه الآية التي نبحثها في هذا المجلس تأييد لمعنى الآية السابقة في سورة الحديد.

  • و يشهد على هذا المعنى انّ الآية التي تلتها و عُطفت عليها، و القائلة: أ وَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَ أَجَلٍ مُسَمًّى تفيد هذا المعنى، و ذلك لأنّ خلق السماوات و الأرض و ما بينهما بالحقّ و أجل مسمّى هو نفسه واقعيّة الدنيا و حقيقتها التي غفل عنها الناس، فاكتفوا بظاهر الدنيا و غضّوا طرفاً عن لقاء الله و عن الآخرة. بلى، يمكن الافادة من هذه الآيات، و من آيات كثيرة أخرى وردت في القرآن الكريم بهذا البيان و التعبير، انّ خلق السماوات و الأرض و ما فيهما له أجل معيّن و مدّة محدودة، و أنّ عمرها سينقضي بحلول ذلك الأجل و تصرّم تلك المدّة.

  • و لكن، ما حكم غير السماوات و الأرض و الموجودات التي فيها؟ أ هي الأخرى تمتلك أجلًا مسمى و مدّة حياة معيّنة تؤول بعدها الى الفناء و الزوال أم لا؟ ليس هناك آية من آيات القرآن تناولت بصراحة و تفصيل خصوصياتها و كيفية مبدأها و مُنتهاها، مع انّه يمكن- إجمالًا- إفادة دوامها و بقائها من آيات مباركة عديدة:

  • ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَ ما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ.1

  • وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَ ما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ.2

  • فقد بيّنت هاتان الآيتان لنا انّ حقائق موجودات الدنيا و عالم الطبع3

  • معرفة المعاد ؛ ج1 ؛ ص41
    1. الآية 96، من السورة 16: النحل.
    2. الآية 21، من السورة 15: الحجر.
    3. حسينى طهرانى، سيد محمد حسين، معرفة المعاد، 10جلد، دار المحجة البيضاء - بيروت - لبنان، چاپ: 1، 1416 ه.ق.

معرفة المعاد ج۱

42
  • و المادّة لها خزائن عند الله المتعال موجودة على الدوام، لا يطرأ عليها الفناء و الزوال، بالرغم من ان هذه الحقيقة يمكن فهمها من نفس الآية مورد البحث. فهي تقول: مَا خَلَقَ اللهُ السَّمَاواتِ وَ الأرْضَ وَ مَا بَيْنَهُمَا إلَّا بِالْحَقِّ وَ أجْلٍ مُسَمَّى و يمكن من هذا القول إدراك انّ نفس الحقّ و الأجل المسمّى لا يندرجان تحت حقّ و أجل مسمّى آخر، و أن لا زمان لها هي الأخرى، و الّا لزم التسلسل و الدور، فهي فوق الأجل و التدرّج الزماني. و سيأتي هذا البحث- ان شاء الله تعالى- في بعض المباحث القادمة تحت عنوان: الموجودات الخالدة عند الله تعالى؛ امّا بحثنا الفعلي فهو عن السماوات و الأرض و ما بينهما، و من جملتها الإنسان.

  • و باعتبار انّ الله سبحانه يقول اننا خلقنا السموات و الأرض بأجل مسمّى و زمان معيّن مشخّص، فانّه يتضّح لنا انّ مدّتها جميعاً- و من بينها مدّة حياة الإنسان- معلومة و محدودة، فلا يمكنها ان تعيش و تبقى بعد ذلك الأجل و الزمن الذي قُدّر لها.

  • على انّ كمال الإنسان و كمال موجودات عالم الطبع هو في تكاملها في هذا الزمن المعلوم و الأجل المسمّى المقدّر لها، فهي أعجز من أن تتخطّى دائرة هذا الزمن فتسبق أجلها و تتعدّاه، أو أن تطيله أو تؤخرّه.

  • إنّ الموجودات المادّية و الطبيعية التي تمتلك المادّة و الطبع لا تستطيع أبداً و في أي وقت من الاوقات الخروج على هذا القانون العام و تبديل زوالها و فنائها و محدوديّة أجلها و مدّة حياتها الى حيث البقاء و الدوام و الاستمرار و الخلود، و هذه الحقيقة مستفادة من الآيات القرآنيّة الصريحة. أمّا في خصوص الإنسان فتقول:

  • وَ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً

معرفة المعاد ج۱

43
  • وَ لا يَسْتَقْدِمُونَ.1

  • و نظير هذه الآية:

  • ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَ ما يَسْتَأْخِرُونَ.2

  • انّ مسألة الموت تعدّ من المسائل المستعصية، فقد بذل أفراد البشر الجهود المضنية و تحمّلوا المحن و المشاق ليمكنهم جعل الحياة في هذه الدنيا خالدة دائمة، و ليحلّوا مسألة الموت و يفكّوا رموزها فيزيلوا هذه المشكلة، بيد انّ أحداً لم يوفّق في مسعاه هذا.

  • استعصاء لغز الموت على الحلّ لدى الفلاسفة

  • و لقد بذل أكثر السلاطين اقتداراً، و العظماء، و العلماء و الحكماء و الفلاسفة و المفكّرون طيّ القرون المتطاولة قصارى وسعهم و جهدهم و طاقتهم المادية و المعنويّة و الفكريّة عسى ان يفلحوا في فهم أسرار هذا اللغز و فكّ طلاسمه، من أجل أن يتمكن البشر من العيش في الدنيا أبداً، و أن لا ينتظر ورود الموت المريع و المخيف و لكنهم فشلوا.

  • و من بين الأشعار المعروفة و المشهورة لفيلسوف الشرق و مروّج مدرسة المشّائين الشيخ الرئيس أبي علي سينا قوله:

  • از قعر گِلِ سياه تا أوج زحل***كردم همه مشكلات گيتى را حل

  • بيرون جستم ز قيد هر مكر و حيل***هر بند گشاده شد مگر بند أجل 3

    1. الآية 34 من السورة 7: الأعراف.
    2. الآية 5 من السورة 15: الحجر.
    3. أورد هذا الرباعي في« لغت نامه دهخدا» من بين الأشعار الفارسيّة لأبي علي سينا في مادّة« أبو علي سينا»، ص 654، و وردت كذلك في المجلّد الاول من كتاب« جشن نامه ابن سينا» انتشارات جمعيّة دار الآثار، سنة 1371: تاليف الدكتور ذبيح الله صفا، ص 114 من جملة أشعاره بالفارسية و يقول في ص 217 من نفس الكتاب: كتب هذا الرباعي بالخطّ« النستعليق» على صخرة رخاميّة من يزد في الكتابات المنقوشة أعلى بوّابة مقبرة ابن سينا، و لكن نُقل هذا الرباعي في ص 97 من كتاب« رباعيّات الخيّام» تقديم الدكتور فريد رخ روزن و المطبوع في برلين سنة 1304 شمسية و نُسب الى الخيّام:
      از جرم حضيض خاك تا اوج زحل--كردم همه مشكلات گردون را حل
      بيرون جستم ز بند هر مكر و حيل--هر بند گشاده شد مگر بند أجل
      --
      يقول:
      حللتُ كلّ مشكلات الكون من قعر الصلصال المسوّد الى أوج زُحل.
      و تخطيّتُ قيود كل مكر و حيله، فانحلّ أمامي كلّ قيد إلّا قيد الأجل.

معرفة المعاد ج۱

44
  • و كذلك يقول الحكيم الخيّام الذي يعدّ نفسه كاشف المعضلات و مبيّن غوامض العلوم:

  • خيّام كه خيمههاى حكمت مىدوخت***در كورة غم فتاد و ناگاه بسوخت

  • مقراض أجل طناب عمرش ببريد***دلّال أمل برايگانش بفروخت 1

  • يقول أمير المؤمنين عليه السلام في الأيّام التي ضُرب فيها الضربة التي استشهد بها، ضمن خطبة له:

  • أيُّهَا النَّاسُ كُلُّ امْرِئٍ لَاقٍ مَا يَفِرُّ مِنْهُ في فِرَارِهِ، وَ الأجَلُ مَسَاقُ النَّفْسِ إلَيْهِ، وَ الْهَرَبُ مِنْهُ مُوافَاتُهُ، كَمْ اطَّردَتِ الأيَّامُ أبْحَثُهَا عَنْ مَكْنُونِ هَذَا الأمْرِ، فَأبَى اللهُ إلَّا إخْفَاءَهُ، هَيْهَاتَ عِلْمٌ

    1. «ديوان رباعيات خيّام»، ط برلين، 1304 شمسيّة، ص 20.
      يقول:
      انّ الخيّام الذي كان يخيط خِيام الحكمة قد سقط فجأة في موقد الغمّ فاحترق.
      فقد قطع حبلَ عمره مقراضُ الأجل، و باعه مجّاناً دلّال الأمل.

معرفة المعاد ج۱

45
  • مَخْزُونٌ.1

  • و العجب كيف انّ الانسان يقترب من الموت بفراره منه! فهو يُسرع راكضاً في عبور الشارع لئلّا تصدمه سيّارة، فتسبّب سرعته نفسها اصطدامه و موته، فهو في ظاهره فرار من الموت و في واقعه و حقيقته استقبالٌ له. و ما أكثر ما راجع مريضٌ طبيباً ليعالج له مرضه فمات من اشتباه بسيط للطبيب! أو ذهب إلى مستشفى لاجراء عمليّة جراحيّة تمكّنه أن يعيش قدراً أكثر في الدنيا فمات تحت مبضع الجرّاح!

  • و ما أكثر الأمثلة في هذا الأمر! بل يمكن القول انّ الإنسان يسعى في جميع الساعات و اللحظات التي تمرّ عليه ليُنجي نفسه من براثن الموت و ليحفظ وجوده مُصاناً، فيفعل ما يفيده لإدامة حياته و يحترز عمّا يسبب قطعها و زوالها. هذه هي غريزة جميع أفراد البشر، بيد انّه مع وجود هذه الغريزة التي تجعل سعي الانسان منصبّاً بشكل كامل على بقائه، حتّى انّه يمتلك في النوم كذلك حسّ تمالك و حفظ النفس هذا، فانّه- في متن الواقع و الحقيقة- يقترب بنفسه من الموت كلّ لحظة، و يتقدّم بها بهذه النشاطات التي تقترن بانقضاء الزمن و طيّه، و التي تخرج عن دائرة إرادته و اختياره شاء أم أبى، يتقدّم بها لحظةً بعد لحظة لاستقبال أجله و الاقتراب منه، و هذا هو معنى قول المولى عليه السلام: وَ الْهَرَبُ مِنْهُ مَوَافَاتُهُ.

  • قصّة النبي سليمان مع الرجل الخائف و ملك الموت

  • قيل انّ رجلًا فزعاً جاء صباح يوم عند سليمان على نبيّنا و آله

    1. الخطبة 147 من نهج البلاغة، شرح محمّد عبدة ج 1، طبع مصر، عيسي البابي الحلبي، ص 268. و قد أورد المجلسي الجملة الاولى للإمام الى لفظ« موافاته» في بحار الأنوار، كتاب العدل و المعاد، ص 126 من الجزء السادس لطبعة الآخوندي.

معرفة المعاد ج۱

46
  • و عليه الصّلاة و السلام، فلمّا شاهد سليمان اصفرار وجهه و ازرقاق شفاهه من شدّة الخوف و الهلع، سأله: ما بالك ايها المؤمن و ما علّة خوفك و فزعك؟!

  • أجاب الرجل: لقد نظر إليّ عزرائيل نظر غضب و حقد فأفزعني ذلك كما ترى.

  • فقال سليمان: و ما هي حاجتك الآن؟

  • قال: يا نبي الله الريح طوع أمرك، فمُرها لتأخذني الى الهند، لعلّني أنجو هناك من براثن عزرائيل.

  • فأمر النبي سليمان الريح لتحمله على وجه السرعة الى الهند. و في اليوم التالي جلس سليمان في مجلسه فجاء عزرائيل لرؤيته، فقال له: يا عزرائيل! لما ذا نظرتَ الى ذلك العبد المؤمن نظرة مغضب حافد فدفعتَ بذلك المسكين الفزع الى الفرار من أهله و بيته الى ديار الغربة؟

  • فقال عزرائيل: لم انظر اليه قطّ نظرة مغضب، و لقد أساء الظنّ بي، فقد كان الربّ ذو الجلال أمرني بقبض روحه في الهند في الساعة الفلانيّة، فوجدته هنا قريباً من تلك الساعة، فغرقتُ لذلك في دنيا من العجب و الدهشة و تحيّرت في أمري، فخاف ذلك الرجل من تحيّري و ظنّ خطأ اني أريد السوء به. لقد كان الاضطراب من جهتي أنا، و كنتُ أحدّث نفسي: لو امتلك هذا الرجل ألف جناح لما أمكنه الطيران بها و الذهاب إلى الهند في هذا الزمن القصير، فكيف سأنجز هذه المهمّة التي أوكلها الله لي؟

  • ثم قلتُ لنفسي: فلأذهب كما أمرت فليس ذلك من شأني. و هكذا فقد ذهبتُ بأمر الحقّ الى الهند ففوجئتُ به هناك فقبضتُ روحه.1

    1. الدفتر الأول للمثنوي، طبع ميرخاني، ص 26.

معرفة المعاد ج۱

47
  • أيُّهَا النَّاسُ كُلُّ امْرِيءٍ لَاقٍ مَا يَفِرُّ مِنْهُ في فِرارِهِ.

  • فهو في فراره من الموت يستقبله و يسقط بين أحضانه، و انّما الفرار عين الاستقبال، و ليس من أحد قادر على الفرار، لانّ أيّ فرار مهما كانت كيفيته و صورته، هو نفسه غوصٌ في فم الموت الفاغر.

  • و للأجل معنيان، أحدهما بمعنى المدّة و الزمان؛ فالتعبير بأن أجل فلان خمسون سنة معناه انّ مدّة عمره هي هذا المقدار، و تعبير لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ يعني ان لكلّ أمّة و جماعة مهلة و زمن خاصّ معيّن. و المعنى الآخر للأجل هو الحين و الموعد، فأجل الدين يعني حلول الموعد الذي ينبغي قضاؤه فيه و استيفاؤه، و في التعبير فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ، يعني اذا جاء الزمن الذي يحين فيه حينهم و تنتهي فيه حياتهم. و قد ورد في سورة سبأ (34)، الآية 30:

  • قُلْ لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَ لا تَسْتَقْدِمُونَ.

  • و الميعاد هنا بمعنى رأس المدّة و زمن حلول الوعد، فقل أيها النبي ان لكم موعداً لا يمكنكم التعجيل فيه ساعةً، و لا دفعه و تأخيره حين حلوله ساعة واحدة.

  • معنى نوعي الأجل في القرآن الكريم: الأجل و الأجل المسمّى

  • حين يحلّ ذلك اليوم، فان العمر سيكون قد انقضى و الأجل قد حلّ، بيد انّ نكتة ظريفة وردت في القرءان الكريم في هذا الشأن تستلفت الاهتمام و العناية، و هي قوله في إحدى الآيات:

  • هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ.1

  • حيث يستبين هنا انّ لدينا أجلين، أحدهما أجل عيّنه الله لنا،

    1. الآية 2، من السورة 6: الأنعام.

معرفة المعاد ج۱

48
  • و الآخر أجل مسمّى عند الله.

  • و باعتبار علمنا وفق الآية 96، من السورة 16: النحل، القائلة: ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَ ما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ. انّ ما لدينا ينفد و يفنى، و أنّ ما عند الله يبقى، فانّ الأجل المسمّى سيكون- باعتبار كونه عند الله- من الامور التي ستبقى و لا يطرأ عليها العدم و الفناء. و عليه فانّ مدّة عمرنا (أجلنا) ستنقضي الّا انّ الأجل المسمّى سيبقى.

  • و علينا ان نرى كيف انّ لدينا أجلين؟ و ما هو الفرق بينهما؟ و كيف انّ أحدهما فانٍ و الآخر باقٍ؟

  • لتحليل هذا الموضوع نقول بأنه جاء في الآية 24 من السورة 10: يونس:

  • إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَ الْأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَ ازَّيَّنَتْ وَ ظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ.

  • فهذه الآية تبيّن أن حياة الإنسان في الدنيا على هذا النحو، أي أنّ النطف الباردة تستقرّ في مجمرة أصلاب الآباء، ثمّ في أرحام الامّهات، و تقضي دورة تكاملها في الرحم في منتهى الدفء و الحرارة، ثم يقدم الإنسان الى الدنيا و يسعى وراء العلم و القدرة و الجاه و المال و الولد و أنواع التعيّنات و الاعتباريّات و أقسامها، من أجل أن يمتلك العلم و التجربة و قوّة التشخيص و الإدراك و المعرفة من مختلف وجوهها، و ليقدر على القيام بجميع النشاطات في هذه الأرض، و إجمالًا: ليصل الى الأوج و الذروة من جهة الحياة الدنيوية، ثم يفاجئه الموت بغتةً من حيث لم يخطر له على بال، و يأتي عزرائيل فيطوي ملفّ حياته و يُلاشي آثاره

معرفة المعاد ج۱

49
  • و خصائصه لتصبح كلها فانية كأن لم يكن من قبل شيئاً، كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ و كأنه لم يُقم في الأرض أو يسكن فيها.

  • يقول الله تعالى في هذه الآية المباركة: أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً، فيتّضح انّ نهاية الحياة في الدنيا بأمر الله سبحانه، و أمر الله بيده و عنده، و هو الأجل المسمّى الذي ذكرناه.

  • و عليه فانّ انقضاء العمر و مجيء الأجل مترتّب على الأجل المسمّى و الأمر الالهي الذي يأتي فيختم هذا الأجل فلا تبقى معه للانسان مهلة.

  • و يتضّح هنا كيفية و نحو هذين الأجلين: أجل دنيوي زمني يمثّل المدّة التي تشكّل مرحلة عمر الإنسان، و التي تطوي و تنقضي بطيّ الزمان، و نحو وجودها تدريجيّ، ثم تزول في النهاية فيحلّ حينُ الانسان و تنتهي مهلته بشكل متزامن مع وفاته. و أجل مسمّى عند الله. أمرٌ الهي لا ينتمي الى عالم الزمان و لا يطرأ عليه الهلاك و الفناء، بل هو عند الله ثابت على الدوام. و انّما ينظّم و يضع أساس هذا الأجل الدنيوي. فنحن- مثلًا- قد أدّينا الصّلاة اوّل الظهر ثم دعونا، ثم انقضت تلك الأزمنة و أحالتنا الى هذا الزمن الفعليّ الذي نشتغل فيه بالتحدّث الى الأصدقاء الأعزّاء، و هذا الزمن ينقضي هو الآخر بدوره و يدفعنا لحظةً بعد لحظة الى الأمام في دائرة طيّ الزمان و تدرّجه ساعاتٍ و أيّاماً و شهوراً و سنيناً، حتى يوصلنا الى آخر نقطة الأجل التي تمثّل يوم الميعاد و الميقات. أمّا الأجل المسمّى الالهي فهو ثابت لا يطوي بطيّ الزمان و مروره، و ذلك الأجل المسمّى هو عمر الإنسان من أوّله الى آخره الذي عُيّن له في عالم المعنى و الملكوت، لا تجاوز و لا تخطٍّ فيه، و على ذلك الأساس و الأصل الثابت يخطط أساس مشروع العمر الدنيويّ و الزمني. فذلك الأجل موجود في عالم فسيح أوسع من نشأة الدنيا، و في عالم الملكوت الذي توجد على

معرفة المعاد ج۱

50
  • أساسه جميع موجودات عالم المادّة و الطبع التي نزلت الى هذا العالم. ذلك العالم هو عالم القدوة و النموذج و الحقيقة، و هذا العالم عالم المثال و المجاز و النقصان، فانقضاء العمر الذي نراه زائلًا من وجهة نظر تدريج المادّة لدرجة أنه اذا ما نظرنا اليه بفهم و إدراك أفضل و أعمق، او اذا ما أدركنا عالم الملكوت بالحسّ و المشاهدة، فاننا سنجد ذلك الأجل الثابت و المسمّى موجوداً هناك و ثابتاً لا يفنى و لا يزول أبداً. يشهد على هذا المعنى قوله تعالى:

  • مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ.1

  • و أجل الله هو الأجل المسمّى، و هو نفسه الأمر الالهي.

  • اي أنّ اولئك الذين يحدوهم الأمل بلقاء الله، ينبغي أن يصلوا الى عالم الملكوت ليدركوا ذلك الأجل المسمّى و خصوصيّاته من البداية إلى الخاتمة، او ينبغي أن يعبروا الأجل الدنيويّ- بالموت الاختياري او الاضطراري- ليصلوا الى عالم الملكوت، لانّ لقاء الله بدون طيّ عالم الملكوت و إدراك الثابتات- و من جملتها الأجل المسمّى- من الأمور المستحيلة.

  • و يمكن القول بتعبير آخر انّ الأجل المسمّى و الأجل الدنيوي حقيقة واحدة و أمر واحد، غاية الأمر انّ النظر اليها يجري من زاويتين مختلفتين، فإحدى وجهتي هذه الحقيقة و أحد أطرافها عالم الطبع و المادّة و هو قضاء العمر، و وجهتها و طرفها الآخر عالم الملكوت الثابت، و هو طريق العبور الى أسماء الربّ الودود و صفاته، و الفناء أخيراً في الذات المقدّسة الربوبيّة، و سيكون الأجل المسمّى الموجود في عالم الملكوت من منازل طريق الوصول الى ذلك الأمل و هو لقاء الله تعالى.

    1. الآية 5، من السورة 29: العنكبوت.

معرفة المعاد ج۱

51
  • و قد وردت آيات كثيرة في القرآن الكريم لها دلالة على عودة الانسان و جميع الأشياء الى الله سبحانه:

  • أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ.1

  • وَ إِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ.*2

  • وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ.3

  • وَ إِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ.*4

  • ثُمَ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ.*5

  • إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى.6

  • إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ.*7

  • ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ.*8

  • إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ.9

  • يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ.10

  • فرجوع نفس الانسان، و حلول الأجل الدنيوي، و الوصول للأجل

    1. الآية 53، من السورة 42: الشوري.
    2. الآية 42، من السورة 24: النور؛ و الآية 18 من السورة 35: فاطر.
    3. الآية 123، من السورة 11: هود.
    4. الآية 4، من السورة 35: فاطر؛ و الآية 5، من السورة 57: الحديد.
    5. الآية 11، من السورة 32: السجدة؛ و الآية 15، من السورة 45: الجاثية.)- الآية 11، من السورة 32: السجدة؛ و الآية 15، من السورة 45: الجاثية.
    6. الآية 8، من السورة 96: العلق.
    7. الآية 48 و 105، من السورة 5: المائدة؛ و الآية 4، من السورة 11: هود.
    8. الآية 164، من السورة 6: الأنعام؛ و الآية 7 من السورة 39: الزمر.
    9. الآية 156، من السورة 2: البقرة.
    10. الآية 6، من السورة 84: الانشقاق.

معرفة المعاد ج۱

52
  • المسمّى، و الانتقال من المادة الى عالم المثال و الصورة ليست الّا الموت، و بالطبع فانّ حقيقة الموت ليست امراً محسوساً يمكن لمسه أو إدراكه بالحواس، لأنّه انتقال من عالم الطبع و الحسّ إلى عالم ما فوق الحسّ الذي يُقال له عالم البرزخ و المثال، و هو- لهذا- لا يُدرك بالحسّ، لأن الموت حركة من عالم الطبع و المادة و أنّى له أن يُدرك بالحسّ و هو نفسه من الطبع و المادّة؟

  • مقولة ابن سينا في علّة خوف الناس من الموت

  • و للشيخ الرئيس أبي علي سينا مطالب بشأن حقيقة الموت و علّة الخوف منه وردت في كتاب «الشفاء» نوردها هنا:

  • «و أمّا من يجهل الموت و لا يعرف حقيقته فأبيّن له انّ الموت ليس أكثر من ترك النفس الإنسانيّة لآلاتها التي تستعملها، أي أعضائها التي يُسمّى مجموعها بالبدن، كما يترك الشخص الصانع آلات عمله.

  • و ذلك لانّ نفس الانسان جوهر غير جسماني، و ليست عرضاً من الأعراض، و لا تقبل الفساد و التلف، و حين يفارق هذا الجوهر البدن فانّه سيبقى ببقاءٍ يُناسبه، و يصفو من أكدار عالم الطبيعة و ينال سعادته التامّة، فلا سبيل الى زواله و فنائه و انعدامه، لأنّ الجوهر لا يفنى و لا تبطل ذاته، و ما يبطل هو تلك النسب و الإضافات و الأعراض و الخواصّ و الأمور التي بينه و بين الأجسام و الرابطة بينهما.

  • أمّا الجوهر الروحاني فلا يقبل أبداً الاستحالة و الانقلاب، و لا يتغيّر في ذاته، بل يقبل كمالات و تماميّة صورته فقط، فكيف يُتصوّر انعدامه و تلاشيه؟

  • و أمّا من يخاف من الموت فلأنه لا يعلم أين ستكون عودته و رجوعه، أو لأنّه يظنّ انّ ذاته ستنحلّ، و نفسه و حقيقته ستبطل بانحلال بدنه و بطلان تركيبه، فهو يجهل بقاء نفسه و لا يعلم كيفية المعاد، فهو

معرفة المعاد ج۱

53
  • في الواقع لا يخاف من الموت بل يجهل أمراً كان حريّاً به أن يعلمه. و علّة خوفه انّما هي جهله، هذا الجهل الذي دفع بالعلماء الى طلب العلم و مشقّة سبيله، و جعلهم يتركون لذّات الجسم و راحة البدن في سبيله».1

  • الإشتياق للموت هو معيار القرآن في معرفة المؤمن

  • و بناءً على هذه الحقيقة فانّ الموت سوف لن يوجد الاضطراب و لا الحيرة و الفزع للعارف و المؤمن، بل انّه سيُثير فزع الافراد الذين ابتعدوا عن تجرّد النفس بالإنغماس في عالم المادّة و الشهوات، و الذين لم يعرفوا ربّهم بسبب عدم معرفة عوالم القرب و عدم الأنس بها، اولئك الذين يجعلهم جهلهم في فزع و اضطراب دائمين.

  • أمّا المؤمن الذي لم يتخطّ طريق الحقّ قدماً واحداً، و الذي وافق بين عمله و صفاته و بين الحقّ و أمر الحقّ، فطوى كشحه في هذه الدنيا عن عالم الغرور و تجافى عنه، و مال الى دار الخلود و الأبديّة، و كان عاشقاً و محبّاً للقاء الله، فهو كذلك عاشق للموت، عاشق للتجرّد، لأنّه محبّ لله مؤمن بفردانيّته، فهو يتمنّى كلّ يوم أن يخلع لباس البدن و يرتدي خلعة التجرّد و زيّه، بل انّه يسعى على الدوام ليقلّل كلّ يوم درجةً من غروره و مجازه، و يقترب كلّ يوم درجةً من إدراك المعنى و الحقيقة، حتّى يصل إلى الحد الذي تصبح لديه جميع الأمور الدنيويّة الفانية مدفونة في سراب البطلان و العدم، و حتى يتحقّق لديه تجلّي عالم الأنوار و الحقيقة.

  • يقول الباري عزّ و جل في خطابه لليهود:

  • قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ، وَ لَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ

    1. كتاب الشفاء، مجلّد الالهيّات، و قد خُطّت عين عبارة بو علي العربيّة حول الأطراف الأربعة لصندوق قبره الموضوع على محلّ دفنه في همدان.

معرفة المعاد ج۱

54
  • وَ اللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ.1

  • يا أيّها النبي قل لليهود (الذين يدّعون انّهم مقرّبون عند الله، و انّ الآخرة و الجنّة ملكهم المنحصر بهم) قل: إن كانت الجنّة و المنزل الخالد عند الله لكم فقط لا يستفيد منه الآخرون، و إن صدقتم في ادّعائكم هذا فتمنّوا الموت. و لن يتمنّونه أبداً بسبب أساليبهم و أعمالهم الظالمة التي اجترحوها و قدّموها قبلهم، و الله سبحانه عليم بالظالمين.

  • أي انّ من عمل صالحاً، و لم يتجاوز على حقوق الآخرين، و لم ينحرف عن مقام عبوديّته لله سبحانه، سيكون قد وجد الارتباط بالله و المعرفة به، و هذا الأنس و العلاقة سيوجبان محبّته و نزوعه إلى لقائه و النظر اليه عزّ و جل، و باعتبار انّ الموت يمثّل جسر العبور للّقاء و الوصال، فانّ المؤمن ينبغي أن يكون عاشقاً للموت، لانّ عاشق الحبيب يعشق أيضاً الطريق الذي يقوده الى حبيبه.

  • و يقول تعالى أيضاً:

  • قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* وَ لا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ.2

  • انّ من يعقد آماله على عالم الغرور، فينحصر نظره الى عالم الوجود من نافذة الشهوة و الغضب و الاستثمار و التعيّن و الحكومات غير اللائقة، أي انّ من انغمس في عين الجهل و ابتعد عن عالم الحقيقة الماثل في متن الواقعية، و ابتعد عن الله سبحانه و لم يُبدِ خضوعاً في مقام العبوديّة له، فهو

    1. الآية 94 و 95، من السورة 2: البقرة.
    2. الآية 6 و 7، من السورة 62: الجمعة.

معرفة المعاد ج۱

55
  • ليس عاشقاً لله أبداً، بل هو مُدّعٍ كاذب و ليس من أولياء الله، لانّ الولي عاشق لمولاه، كما انّه ليس محبّاً لأنّ المحبّ مشتاق لزيارة و لقاء حبيبه.

  • انّ اليهود يدّعون انّهم النخبة و الصفوة من ولد آدم، و انّهم لن يحترقوا في نار جهنّم يوم القيامة الّا أيّاماً معدودات هي الأربعين يوماً التي تمرّدوا فيها على هارون وصيّ موسى فعبدوا العجل، و هم كاذبون في ادّعائهم هذا، لأنّ آثار المحبّة لا تتبين في هيكل وجودهم و في أرجاء عملهم و اسلوبهم و سلوكهم المعرّف بصفاتهم و ذواتهم و طريقة تفكيرهم.

  • اولئكم عشّاق الدنيا، المتلهّفون لكنز المال و الثروة، و هم لذلك يعشقون ايّ سبيل ينهج بهم الى معشوقهم و معبودهم، و لو كان قتل النفوس البريئة و نهب الأموال المحترمة. اولئكم عشّاق حياة عالم الغرور لا عشّاق الأبديّة و السرمديّة.

  • آزمودم مرگ من در زندگى است***چون روم زين زندگى پايندگى است

  • اقتلوني اقتلوني يا ثقاة***إنَّ في قتلي حياةً في حياة 1

  • و في رواية عن أمير المؤمنين عليه السلام قال:

  • لمّا أراد الله تبارك و تعالى قبض روح ابراهيم عليه السلام أهبط ملك الموت فقال: السلام عليك يا ابراهيم!

  • قال: وَ عَلَيْكَ السَّلَامُ يَا مَلَكَ الْمَوتِ. أ دَاعٍ أمْ نَاعٍ؟

  • قال: بل داعٍ يا ابراهيم، فأجب.

    1. يقول: وجدتُ في حياتي موتي، ادركتُ انّ الخلود في رحيلي عن هذه الحياة اقتلوني اقتلوني ...

معرفة المعاد ج۱

56
  • قال ابراهيم: فَهَلْ رَأيْتَ خَلِيلًا يُمِيتُ خَلِيلَهُ؟

  • قال: فرجع ملك الموت حتّى وقف بين يدي الله جلّ جلاله فقال:

  • الهي قد سمعتَ ما قال خليلُك ابراهيم.

  • فقال الله جلّ جلاله: يا ملك الموت اذهب اليه و قل له: هَلْ رَأيْتَ حَبِيبَاً يَكْرَهُ لِقَاء حَبِيبِهِ؟ إنَّ الْحَبِيبَ يُحِبُّ لِقَاءَ حَبِيبِهِ.1

  • خطبة أمير المؤمنين عليه السلام المتضمّنة انسه بالموت

  • و كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول:

  • وَ اللهِ لَابْنُ أبِي طَالِبٍ آنَسُ بِالْمَوتِ مِنَ الطِّفْلِ بِثَدْي امِّهِ.2

  • و جملة الإمام هذه من بين فقرات خطبة ألقاها بعد رحلة رسول الله صلّى الله عليه و آله حين التفّ حوله الزبير و أبو سفيان و جماعة من المهاجرين يحرّضونه على النهوض و المطالبة بحقّه3، و كان عليه السلام خبيراً بنواياهم، و كان يعلم انّ الهمّ الوحيد لأكثرهم كان في الحكومة الظاهريّة و الرئاسة الدنيويّة، لذا فقد ردّهم جميعاً و قال في خطبته انّ الأرضيّة لم تمهّد لي بعدُ لتشكيل حكومة الهيّة، و انّ الامور لم تستوسق بعدُ، شأنها كلقمة اعترضت في الحلق، او كفاكهة فجّة تقطف من الشجر في غير أوانها. و لست أحكم للحصول على تاج المفاخرة و الغرور الدنيوي، و لست أحكم طمعاً بالمُلك، كما ليست التقيّة و السكوت نابعة من خوفي من الموت، ثمّ أنشأ الجملة الغرّاء السابقة،

    1. بحار الانوار طبع الاسلامية، ج 6، ص 127، نقلًا عن أمالي الصدوق، عن الدقاق، باسناده عن ابن ظبيان، عن الصادق عليه السلام عن آبائه الواحد تلو الآخر الى أمير المؤمنين عليه السلام كما يرويه في ج 12، ص 78 بنفس السند عن الأمالي و علل الشرايع.
    2. نهج البلاغة، شرح محمّد عبده، ط مصر، ص 41، الخطبة 5.
    3. شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد، المجلّد الأول، ص 218 و 219 من الطبعة ذات العشرين مجلّداً.

معرفة المعاد ج۱

57
  • و قال بعدها:

  • بَلِ اندَمَجْتُ على مَكْنُونِ عِلْمٍ لَوْ بُحْتُ بِهِ لَاضْطَرَبْتُم اضْطِرَابَ الأرشِيةِ1 في الطُّوَى الْبَعِيدَةِ.2

  • كان حبّ أمير المؤمنين لله و شوقه اليه يجعله مشتاقاً للموت، و كان عشقه للقاء الله يجعله يأنس بالموت أشدّ من أنس الطفل بثدي أمّه، لذا فقد نادى حين هوى سيف ابن ملجم المرادي على فرقه الشريف:

  • بِسمِ اللهِ وَ بِاللهِ وَ على مِلَّةِ رَسُولِ اللهِ فُزْتُ وَ رَبِّ الْكَعْبَةِ.

  • معنى أشقى الآخرين، و إخبار الإمام عن شهادته على يد ابن ملجم

  • يروي ابن الأثير الجزري في كتاب (أسد الغابة) بسلسلة سنده عن عثمان بن صهيب، عن أبيه، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال:

  • قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عَليه [و آله] و سلّم: مَنْ أشقى الأوَّلِينَ؟

  • قُلتُ: عَاقِرُ النَّاقَةِ. قَالَ: صَدَقْتَ. قَالَ: فَمَنْ أشقى الآخِرِينَ؟

  • قُلتُ: لَا عِلْمَ لِي يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: الذي يَضْرِبُكَ على هَذَا، وَ أشَارَ بِيَدِهِ إلى يَا فُوخِهِ.

  • و كَانَ يَقُولُ: وَدَدْتُ أنَّهُ قَد انْبَعَثَ أشْقَاكُمْ فَخَضَبَ هذِهِ مِن هَذِهِ. يَعْنِي لِحْيَتَهُ مِنْ دَمِ رَأسِهِ.3

  • و يروي ابن الأثير أيضاً بسنده المتّصل عن أبي الطفيل: إنَّ عَلِيَّاً

    1. الحبال.
    2. طوي: جمع طوية، كقُرى و قرية، و ه- البئر؛ و يمكن ان تكون العبارة هكذا: في الطويّ البعيدة، كعلي، و الطوي بمعني السّقاء و القربة، و في هذه الحال تكون« البعيدة» صفة تتعلق بموصوفها« الطوي»، أي: في الطوي البعيدة محلّها و مقرّها، أي كالسّقاء المستقرّة في أعماق البئر البعيدة القعر.
    3. اسد الغابة، طبع الاسلامية في احوال أمير المؤمنين على بن أبي طالب- ج 4، ص 34 و 35. و كذلك ذكرت هذه الرواية في الصواعق المحرقة ص، 74. طبع المكتبة المرتضوية، طهران.

معرفة المعاد ج۱

58
  • جَمَعَ النَّاسَ لِلْبَيْعَةِ فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ مُلْجِمِ الْمُرادِي فَرَدَّهُ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ قَالَ عَلِيٌّ: مَا يَحْبِسُ أشْقَاهَا فَوَ اللهِ لَيَخْضِبَنَّ هَذِهِ مِن هَذِهِ؟ ثُمَّ تَمَثَّلَ:

  • اشدُدْ حَيازِيمَكَ لِلْمَوتِ***فَإنَّ الْمَوْتَ لَاقِيكَ

  • وَ لَا تَجْزَعَ من الْقَتْلِ***إذَا حَلَّ بِوَادِيكَ 1

  • و يقول مالك الأشتر: كنتُ ألحظ أمير المؤمنين عليه السلام دوماً، فكان لونه يتغيّر عند الصلاة، و روحه تذهب الى الملأ الأعلى، فيلاقي ربّه. و لم أره يتزلزل أو يخاف في شيء من الحروب و الأهوال، حتّى كأنّ الموت لم يكن له عنده من معنى.2

  • و يقول الأصبغُ بن نباته: لَمَّا ضُرِبَ أمِيرُ المؤمنين عليه السّلام دَخَلْتُ عليه وَ أكْبَبتُ عليه فَقَبَّلْتُهُ وَ بَكَيْتُ. فَقَالَ لِي: لا تَبكِ يَا أصبَغُ فَانَّهَا وَ اللهِ الجَنّةُ. فَقلتُ له: جُعِلْتُ فِدَاك إنِّي أعْلَمُ وَ اللهِ إنَّكَ تَصيرُ إلى الجَنَّةِ وَ إنَّمَا أبكِي لِفِقداني إيَّاكَ.3

  • و لقد كان قرّة عينه و قرّة عين الزهراء: سيّد الشهداء المولّه بحب الله و العاشق للقائه يقول في تلك الساعات الأخيرة في مناجاته مع ربّه:

  • إلَهي رِضًى بِقَضَائِكَ تِسْلِيما لأمْرِكَ لَا مَعْبُودَ سِوَاكَ يَا غِيَاثَ الْمُستَغِيثِينَ.

  • تَرَكْتُ الْخَلْقَ طُرًا في هَواكَا***وَ أيتمْتُ الْعِيَالَ لِكَي أرَاكَا

  • فَلَوْ قَطَّعْتَنِي في الْحُبِّ إربًا***لَمَا حَنَّ الْفُؤادُ إلى سِوَاكَا

    1. أسد الغابة، ج 4، ص 35.
    2. لم نعثر على أصل الرواية، فترجمنا النصّ الفارسي( م).
    3. بحار الأنوار المطبعة الحيدرية، ج 42، ص 204.

معرفة المعاد ج۱

60
  •  

  •  

  • المَجْلِسُ الثَّالِثُ: في عِلَّةِ الخوْفِ مِنَ الموْتِ

  •  

  •  

معرفة المعاد ج۱

62
  •  

  •  

  • بسم الله الرحمن الرحيم

  • (ألقيت هذه المطالب في اليوم الثالث من شهر رمضان المبارك)

  • و الحمد للَه ربّ العالمين و لا حول و لا قوّة إلّا بالله العلي العظيم

  • و صلّى الله على محمد و ءاله الطاهرين

  • و لعنة الله على أعدائهم أجمعين من الآن إلى يوم الدين

  • قال الله الحكيم في كتابه الكريم:

  •  

  •  

  • إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَ رَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَ اطْمَأَنُّوا بِها وَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ، أُولئِكَ مَأْواهُمُ النَّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ.1

  • لقد انتهى بنا البحث الى انّ الموت عبارة عن انتقال نفس الانسان من نشأة الدنيا و تعلّق عالم المادّة الى الآخرة و عالم البرزخ و الصورة، و من ثَمّ الى القيامة الكبرى، و ذلك لأنّ النفس ليست مادّية و لا من آثار المادّة، بل هي جوهرة مجرّدة و لطيفة ربّانيّة.

  • و سواءً قلنا الآن بأنّ اصل خلق الروح كان من عالم التجرّد في حين كان البدن من عالم المادّة، فأنزل الله الروح من العالم العلوي و أسكنها في البدن، فاستخدمت الروح آلات البدن و أعضاءه بعنوان أدوات و وسائل للعمل، ثم انّها تتركها عند الموت كما يترك الصانع آلاته و أدواته التي كان يعمل بها، كما اعتقد بذلك الشيخ الرئيس ابو علي سينا في قصيدته العينيّة، على الرغم من انّه وضع قواعد مباحث النفس في آثاره و كتبه

    1. الآية 7 و 8، من السورة 10: يونس.

معرفة المعاد ج۱

63
  • الأخرى على أساس آخر.1

  • نظريّتان مختلفتان لابن سينا و صدر المتألّهين في كيفيّة حدوث

  • و ذلك لأنّ الشيخ يقول في أشعاره المعروفة المشهورة التي تعدّ من قصائده الرائعة في باب النفس:

  • 1- هَبَطَتْ إلَيْكَ مِنَ الْمحَلِّ الأرْفَعِ***وَرْقَاءُ ذَاتُ تَعَزُّزٍ وَ تَمَنُّعِ

  • 2- مَحجُوبَةٌ عَنْ كُلِّ مُقْلَةِ عَارِفٍ***وَ هي التي سَفَرَتْ وَ لَمْ تَتَبَرْقَعِ

  • 3- وَصَلَتْ على كُرْهٍ إلَيْكَ وَ رُبَّمَا***كَرِهَتْ فِرَاقَكَ فَهي ذَاتُ تَفَجُّعِ

  • 4- أنِفَتْ وَ مَا أنِسَتْ فَلَمَّا وَاصَلَتْ***ألِفَتْ مُجَاوَرَةَ الْخَرَابِ الْبَلْقَعِ

  • الى قوله:

  • 18- وَ تَعُودُ عَالِمَةً بِكُلِّ خَفِيَّةٍ***في العَالَمِينَ فَخَرْقُهَا لَمْ يُرْقَعِ

  • 19- وَ هي التي قَطَعَ الزَّمَانُ طَرِيقَهَا***حتّى لَقَدْ غَرَبَتْ بِغَيْرِ الْمَطْلَعِ

  • 20- فَكَأنَّهَا بَرْقٌ تَألَّقَ بِالْحِمى***ثُمَّ انْطَوَى فَكَأنَّهَا لَمْ يلْمَعِ 2

    1. اختار الشيخ الرئيس في آثاره الأخرى كالشفاء و النجاة القول بتزامن النفس و البدن، لكن نظريّته في قصيدته العينيّة المذكورة اقتربت من حكمة الإشراق.
    2. وردت هذه القصيدة بأكملها في« لغت نامه دهخدا»، مادّة أبو علي سينا، ص 653. و أوردها كذلك الدكتور ذبيح الله صفا في كتاب( جشن نامه ابن سينا)، المجلّد الاول، ص 116 و 117. و يقول في ص 116: و هناك في اليد شروح متعدّدة لهذه القصيدة، مثل شرح تلميذ الشيخ: عبد الواحد بن محمد الجوزجاني، و شرح عفيف الدين التلمساني( المتوفي سنه 690 هجرية) و اسمه الكشف و البيان في علم معرفة الإنسان، و شرح سليمان الماحوزي البحراني، و شرح داود الأنطاكي، و شرح سديد الدين المنائي، و شرح محيي الدين ابن العربي، و شرح مير سيد شريف الجرجاني، و شروح أخرى للمتأخرّين.
      و يقول أيضاً: و قد طبعت هذه القصيدة أيضاً في« طبقات الأطبّاء» لابن أبي صبيعة( ج 2، ص 10- 11)، و كتاب« نامه دانشوران»، و« كشكول الشيخ البهائي»( طبع مصر، ص 186)، كما قام كاردفكسBaron Carrade Vaux بترجمتها إلى الفرنسية و نشرها في المجلة الآسيوية( الدورة التاسعة، ج 4، ص 157- 173). و في اليد أيضاً ترجمتها باللغة التركيّة للسيّد حريمي، و كذلك فان ترجمتها الفارسيّة موجودة، انتهى. ثم ذكر بعد القصيدة العربية قصيدة بالفارسيّة كشرح لها و لا يُعلم اسم الشارح فقد كتب في نهاية الشرح: كتبت على يد أضعف عباد الله أقلّ الطلبة غلام حسين الطبيب في شهر شعبان المعظم من شهور سنة تسع و تسعين و مائتين بعد الألف من الهجرة. و يمكن ان يكون الشارح هو غلام حسين الطبيب نفسه أو شخص آخر غيره قام غلام حسين بكتابة الشرح نقلًا عنه، حيث جمع ذلك الشرح مع أصل القصيدة العربيّة و رسالة حيّ بن يقظان و تفسيرها عن أبي منصور بن رتليه في مجموعة واحدة ضمّها كتاب واحد.
      ،- مهرَجَان ابن سينا

معرفة المعاد ج۱

64
  • و قد شبّه الشيخ في قصيدته هذه الروح الانسانيّة و النفس الناطقة باليمامة الورقاء ذات التحليق البعيد و الوجود العزيز و المحلّ المنيع، التي هبطت من عشّها العالي ذلك الى قفص البدن و سجنه. فيقول في وصفها:

  • 1- لقد هبطت و رقاء الروح ذات المقام العزيز و المحلّ المنيع من ذُراها و محلّها الرفيع السامي و اتّجهت نحو بدنك.

  • 2- و لقد كانت لطيفة الروح تلك محتجبة عن أنظار كلّ عارف و خبير مع انّها- و يا للعجب- لم تسدل على طلعتها نقاباً، بل برزت سافرة أمام أنظار الجميع.

  • 3- و لم يكن اتّصال تلك الروح و اللطيفة الناطقة و اقترانها بالبدن

معرفة المعاد ج۱

65
  • طوعيّاً، بل كان اقتراناً اكرهت عليه و أجبرت على قبوله، بيد انّها- و يا للعجب- صارت بعد وصولها للبدن تأبى مفارقته، و لا ترضى بمغادرة قفص البدن و سجنه، فهي تتفجّع و تئنّ في مأتمها لفراقه، و تنهمك محزونةً في الغمّ و الغصّة الشديدين.

  • 4- لقد شُغلت تلك النفس الناطقة في مقامها بنفسها فأنفت أن يكون لها ارتباط بعالم المادّة، كما انّها لم تأنس بالطبع، لكنّها بمجرّد اتّصالها ببدن الانسان ألفت دير الخراب و الصحراء القفر القاحلة للجسد بواسطة علاقة المجاورة معها.

  • 18- و ستعود هذه النفس الناطقة إلى محلّها الأوّل و قد صارت عالمةً بخفايا العالم و أسرار هيكل الوجود الشامخ، لذا فقد جبرت بذلك ذلّة انكسارها و هبوطها، و رقعت الخرق الذي أصابها بهبوطها، بل انّها قد سمت بامتزاجها بنور العلم و معرفة أسرار الخلقة فكأنّها لم تهبط قبلًا و لم يصبها خرق و انكسار أبداً.

  • 19- و لطيفة الروح هذه هي التي قطع الزمان طريقها، فقد جاءت و ذهبت بسرعة بحيث غربت قبل طلوع و بروز مقاماتها و كمالاتها و درجاتها في هذا العالم، فكأنّها اختفت في مغربها قبل طلوعها.

  • 20- و لقد كان تعلّقها بعالم المادّة و البدن الإنساني كالبرق الذي لمع فجأة فأضاء الحمى، ثم اختفى و تلاشى بسرعة، حتّى كأنّه لم يلمع و لم يبرق. و هذه هي عقيدة أبي علي سينا و مذهبه في خلقة الروح و كيفية تعلّقها بالبدن و مفارقتها له.

  • أو إذا قلنا بأنّ أساس تكوّن النفس الناطقة كان جسمانيّاً ثم صار اثر الحركة الجوهريّة و طيّ مدارج الكمال و معارجه روحانيّاً، فتجسّم على هيئة موجود مجرّد، كما اعتقد بذلك المرحوم صدر المتألّهين الشيرازي

معرفة المعاد ج۱

66
  • و قام بوضع هويّة النفس و موجوديتها على هذا المبنى، فقال:

  • ألنّفْسُ جِسمانيّة الحدوث و روحانيّة البقاء.

  • و قد تابع المرحوم الحاج المولى هادي السبزواري هذا النهج و سار عليه، فقال في غرر الفرائد:

  • ألنَّفْسُ في الْحُدُوثِ جِسْمَانِيَّة***وَ في البَقَا تَكُونُ رُوحَانِيَّة

  • و بالطبع فاننا لو لاحظنا النفس في الحركة و الاستهلاك- لا في مرحلة الوقوف و الفعليّة- لوجدناها تمتلك مراحل كهذه، و قد عمدوا- توضيحاً للأمر- الى تشبيه النفس في مراتب و درجات حيازتها لكمالاتها بمراتب و درجات الحرارة التي تنبعث في الفحم. فلو وضع الفحم بجوار النّار لسخن أوّلًا و ارتفعت حرارته، ثم يحمرّ و يتوهّج في المرحلة الثانية، ثم يشتعل و يلتهب في المرحلة الثالثة، و يصل في المرحلة الرابعة الى الإضاءة و بعث النور. و على هذا الأساس قال العطّار:

  • تن ز جان نبود جدا عضوى ازوست***جان ز كل نبود جدا جزوى ازوست 1

  • نتيجة واحدة لكلتا النظريتين في انتقال الروح بعد الموت الى عالم

  • و بناءً على كلا المنهجين فإن الموت عبارة عن انتقال الروح عن البدن و ترك تعلّقها بالمادّة و آثارها، فذلك الجوهر المجرّد سينتقل الى محلّه المنيع و درجته الرفيعة تاركاً قالب البدن و قفصه الذي حُبس فيه.

  • روى المرحوم الصدوق و غيره عن الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله أنّه قال:

    1. يقول: انّ البدن ليس منفصلًا عن النفس بل هو عضو منها، كما ان النفس ليست منفصلة عن الجمع بل هو- جزء منه.
      أورده الحكيم السبزواري في شرح المنظومة في هامش غرر النفس الناطقة؛ طبع ناصري، ص 289.

معرفة المعاد ج۱

67
  • مَا خُلِقْتُمْ لِلْفَنَاءِ بَلْ خُلِقْتُمْ لِلْبَقَاءِ وَ إنَّمَا تَنْتَقِلُونَ مِنْ دَارٍ إلى دَارٍ.1

  • و روى في علل الشرايع ضمن حديث، باسناده عن السكوني، عن الامام الصادق عليه السلام قال:

  • فَهكَذَا الإنسَانُ خُلِقَ مِنْ شَأنِ الدُّنْيَا وَ شَأنِ الآخِرَةِ فَإذَا جَمَعَ اللهُ بَيْنَهُمَا صَارَت حَيوتُهُ في الأرْضِ لأنَّهُ نَزَلَ مِن شَأنِ السَّمَاءِ إلى الدُّنْيَا، فَإذَا فَرَّقَ اللهُ بَيْنَهُمَا صَارَتْ تِلْكَ الفُرْقَةُ الْمَوتَ تُرَدُّ شَأنُ الأخرى إلى السَّمَاءِ؛ فَالْحَيَاةُ في الأرْضِ وَ الْمَوتُ في السَّمَاءِ، وَ ذَلِكَ أنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَ الأرْوَاحِ وَ الْجَسَدِ فَرُدَّت الرُّوحُ و النُّورُ إلى الْقُدْرَةِ الاولى وَ تُرِكَ الْجَسَدُ لأنَّهُ مِن شَأنِ الدُّنْيَا ... الحديث2

  • و من هنا كان التعبير عن الموت في القرآن المجيد بالحقّ، اي أنّه أمر واقعي حقيقي و ليس حادثة تخيلية و موضوعاً توهميّاً.

  • وَ جاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ3

  • و يقول في الآيات 16- 22، من السورة 50: ق

  • وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَ نَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ، إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَ عَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ،

    1. رسالة( الانسان بعد الدنيا) العلّامة الطباطبائي، مخطوطة، ص 2، و أصل هذا الحديث في رسالة عقائد الصدوق، حيث أورد المجلسي في بحار الانوار، الطبعة الكمباني، المجلّد 14، ص 409: قال الصّدوق رضي الله عنه في رسالة العقائد:
      قول النبي صلّى الله عليه و آله و سلّم: مَا خُلِقْتُمْ لِلْفَنَاءِ بَلْ خُلِقْتُمْ لِلْبَقَاءِ وَ إنَّمَا تَنْتَقِلُونَ مِنْ دَارٍ إلى دَارٍ وَ إنَّهَا في الأرْضِ غَرِيبَةٌ وَ في الأبْدَانِ مَسْجُونَةٌ.
    2. علل الشرايع، ط النجف سنة 1385، ص 107، الباب 96، علّة الطبايع و الشهوات و المحبّات.
    3. الآية 19، من السورة 50: ق.

معرفة المعاد ج۱

68
  • ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ* وَ جاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ* وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ* وَ جاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَ شَهِيدٌ* لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ.

  • بيان معنى رواية: أكيس المؤمنين أكثرهم ذكراً للموت و أشدّهم استعداداً له

  • و لذلك فانّ من الكياسة و الفطنة أن يدرك الانسان معنى الموت و مفهومه الحقيقي و يستعّد له.

  • روى المجلسي رحمة الله عليه في كتاب «العدل و المعاد» عن كتابي الحسين بن سعيد، و هو من كبار المحدّثين، مسنداً عن الامام الباقر عليه السلام قال:

  • سُئلَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه و آله: أيُّ الْمُؤمِنِينَ أكْيَسُ؟

  • قَالَ: أكْثَرُهُمْ ذِكْرَاً لِلْمَوتِ وَ أشَدُّهُمْ اسْتِعْدَاداً لَهُ.1

  • و قد وردت أيضاً رواية في كتاب «روضة الكافي» عن رسول الله صلّى الله عليه و آله2، و في أمالي الشيخ الصدوق عن الامام الصادق عليه السلام عن رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم3 انّه قال:

  • أكْيَسُ النَّاسِ مَنْ كَانَ أشَدَّ ذِكْرَاً لِلْمَوتِ.

  • و اذا ما كان الموت بمعنى هذا الأمر المعلوم و المشهود، من تلف البدن و فساده و انقطاع سلسلة الفعالية و النشاط، فانّه سيكون أمراً لا ريب و لا شكّ فيه لأحد من جميع أصناف الناس و طبقاتهم، و سيكون من أوضح الواضحات و البديهيات.

  • فأي موت- ترى- يكون ذكره و الاستعداد له مفيداً و مؤثراً، و يعدّ

    1. بحار الانوار، ج 6، طبعة الآخوندي، ص 126.
    2. المصدر السابق، ص 135.
    3. المصدر السابق، ص 130.

معرفة المعاد ج۱

69
  • الإيقان به من فضائل الإنسان و كمالاته، و خاصّة من قبل المؤمنين بالله و عدله؟!

  • من البيّن انّ المراد بذلك هو المنازل و المراحل التي يطويها الانسان بعد الموت، حيث يحصل الانسان على نتيجة عمله، فهي التي توجب الشكّ و التردّد، و هي التي عُهد من أجلها للأنبياء و الأولياء بالمهامّ الشاقّة و الابلاغات الصعبة، و التي يقيم من أجلها الحكماء و الفلاسفة الالهيّون البراهين و الأدلّة لإثبات تجرّد النفس و بقائها، و يوصلون الأمر الى مرحلة الاثبات و القطع و اليقين.

  • و علّة هذا الشك و التردّد انّ الانسان يريد أن يحسّ جميع تلك المنازل و المراحل و عواقب أعماله في هذه الدنيا، و يلمس حقيقتها بأعضائه و قواه المادّية الحسيّة، و لإستحالة هذا الأمر فانّ الشك و التردُّد سيطرأ على هذا الأمر.

  • امّا استحالة ذلك فسببها انّ تلك المنازل و المراحل ينبغي- حسب الفرض- ان تأتي بعد الموت لا قبله، و الّا لما كانت معاداً، و لما كانت منازل متحقّقة بعد الموت، بل منزلًا من منازل الدنيا كسائر الامور التي تتكرّر يوميّاً و تواجه الانسان في تاريخ حياته و الحوادث التي تصادفه في معيشته.

  • عدم إمكان معرفة أحوال ما بعد الموت الّا بالتجريد

  • و الآخر انّه وفقاً للأدلّة المتقنة لتجرّد النفس الناطقة و بقائها، فانّ ما يدركه الانسان بعد الموت لا يحصل بحواسه الظاهريّة و قواه الماديّة التي يستعملها في الدنيا و في عالم البدن، بل انّه ادراك يحصل بالقوى المجرّدة بعد تلف البدن و بقاء النفس. فكيف يمكن آنذاك تصوّر انّ ما ينبغي ادراكه بالقوى المجرّدة الفعليّة بعد الموت و تلف البدن و خرابه سيمكن ادراكه بالحواس الظاهريّة و القوى الماديّة، و انّه سيمكن وجدانه بشكل

معرفة المعاد ج۱

70
  • ملموس و مشهود. و لهذا فانّ البشر يسعى لفهم أسرار ما بعد الموت (اي الأسرار التي ينبغي ان توجد حقيقتها بعد الموت) في زمن حياته (أي قبل الموت)، بيد انّه لن يفهمها.

  • كما انّ البشر يحصل له شكّ و تردّد في الذات المقدّسة للحضرة الأحديّة جلّ و عزّ، لانّه يريد أن يدرك بالحسّ ذلك الوجود السامي الرفيع، مع انّ المفروض في الأمر انّ ذلك الوجود المقدّس ليس موجوداً محسوساً، فكيف- على هذا- يمكن لمسه و مشاهدته بالحسّ؟!

  • كما انّ البشر يريد أن يدركه بالقوى المفكّرة و المتخيّلة، و المفروض في الأمر انّ ذلك الوجود السبحاني خالق أزلي سرمدي غير متناه، فكيف يتصوّر أن يسعه الذهن أو تتسلّط عليه أو تقيّده قوى الفكر البشري و هو خلاف الافتراض؟

  • و هكذا فكما انه ينبغي الاعتقاد اجمالًا بوجود الله مع عدم حصول حقيقة المعرفة بساحة قدسه الّا بعد مرحلة الفناء و الانعدام في ذاته، فكذلك ينبغي الاعتقاد- اجمالًا- بوجود عوالم ما بعد الموت، تلك العوالم التي يشهد على وجودها القلب و الوجدان، مع ترك حقيقة المعرفة و العلم بخصوصيّاتها و كيفياتها الى ما بعد الموت، و هو أمر لا مناص منه.

  • و ذلك لأنّ معنى الموت العبور من عالم الطبيعة الى عالم التجرّد الذي هو ماوراء الطبيعة و المادّة، و هذا المعنى لا يحصل الّا بزوال حركة الحواسّ الظاهريّة و الباطنيّة و تعطّلها، و عليه فانّ هذا الأمر لا يمكن إدراكه بالعين الماديّة و الحركات الماديّة، بينما نريد نحن ان نرى الموت و نشاهد الورود في عالم آخر بهذه العين، و ندركه بهذا البدن المادي و الفكر المادي.

  • و باعتبار انّ هذا المعنى معنى غير مقبول و غير ممكن التحقّق، فانّ

معرفة المعاد ج۱

71
  • أفراد البشر يصيبهم الشكّ و التردّد في ما سيحدث بعد الموت، و فيما اذا كان هناك حساب بعد الموت، و يتساءلون فيما اذا كان الانسان هو هذه المجموعة الماديّة، و انّه سيتلاشى بمجيء الموت فلا روح له و لانفس، و الذي سينعدم كأن لم يكن شيئاً مذكورا.

  • لَمْ يَخْلُقِ اللهُ يَقِينًا لا شَكَّ فِيهِ أشْبَهَ بِشَكٍ لا يَقِينَ فِيهِ مِنَ الْمَوتِ.

  • يروي الشيخ الصدوق في كتاب «الخصال»، عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد البرقي، عن ابن أبي عمير، عن حمزة بن عمران، عن الامام الصادق عليه السلام انّه قال:

  • لَمْ يَخْلُقِ اللهُ يَقِينًا لا شَكَّ فيهِ أشْبَهَ بِشَكٍ لا يَقِينَ فيهِ مِنَ الْمَوتِ.1 و2

  • و قد روى المرحوم السيّد ابن طاوس نظير هذه الرواية بتفصيل أكثر في كتاب «فلاح السائل» عن كتاب «الأشعثيّات» لمحمّد بن مُحمد بن الأشعث، باسناده عن أمير المؤمنين عليه السلام.3

  • انّ الموت حقّ و يقين لا شبهة فيه و لا شكّ، بيد انّه أشبه بأمر

    1. «الخصال»، المطبعة الحيدرية، طبع سنة 1398 هجرية، ص 14. و قد أوردها أيضاً في كتاب« من لا يحضره الفقيه»، باب النوادر ج 38، من كتاب الأموات، المجلّد الاول، ص 124، ط النجف.
    2. و قد أورد اليعقوبي في تاريخه، طبع دار صادر- بيروت سنة 1379، ج 2، ص 100، في فصل خطب و كلمات رسول الله صلّى الله عليه و آله:
      خطب رسول الله على ناقته فقال:
      يَا أيُّهَا النَّاسُ! كَأنَّ الْمَوتَ على غَيْرِنَا كُتِبَ، وَ كَأنَّ الْحَقَّ على غَيْرِنَا وَجَبَ، وَ كَأنَّ الَّذِينَ يُشَيَّعُونَ مِنْ الْامْوَاتِ سَفرٌ عَمَّا قَلِيلٍ إلَيْنَا رَاجِعُونَ، نُبَوِّئُهُمْ أجْدَاثَهُمْ، وَ نَأكُلُ تُرَاثَهُمْ، كَأنَّا مُخَلَّدُونَ بَعْدَهُمْ. قَدْ نَسِينَا كُلَّ وَاعِظَةٍ وَ أمَّنَا كُلَّ جَائِحَةٍ؛ طُوبَى لِمَن شَغَلَهُ عَيْبُهُ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ وَ أنْفَقَ مِنْ مَالٍ قَدْ اكْتَسَبَهُ مِنْ غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، وَ رَحِمَ وَ صَاحَبَ أهْلَ الذِّلِّ وَ الْمَسْكَنَةِ، وَ خَالَطَ أهْلَ الْفِقْهِ وَ الْحِكْمَةِ، طُوبَى لِمَنْ أذَلَّ نَفْسَهُ وَ حَسُنَتْ خَلِيقَتُهُ وَ صَلُحَتْ سَرِيرَتُهُ، وَ عَزَلَ عَنِ النَّاسِ شَرَّهُ وَ وَسِعَتْهُ السُّنَّةُ وَ لَمْ يُبْعِدْهَا إلى الْبِدْعَةِ.
    3. بحار الانوار، ج 6، ص 137، طبعة الآخوندي.

معرفة المعاد ج۱

72
  • مشكوك بحيث انّ الكثير من أفراد البشر يتعاملون معه بموازين الامور المشكوكة و المشتبهة، لكأنّه لا يمتلك أبداً أساساً من اليقين و جذوراً من الحقيقة و الواقعيّة.

  • و ليس هناك من موجود كالموت، مع انّ جميع أفراد البشر يرونه أمام أعينهم رأي العين يختطف أخوتهم و أخواتهم و آباءهم و أمّهاتهم و أولادهم و أرحامهم و أصدقاءهم و رفقاءهم و أشباههم، و يلحظون كيف انّ جميع الأتعاب و المساعي و المحن التي تَحمّلها اولئك قد ضاعت من أيديهم فلم يبق منها أثر، و أنّ اولئكم قد رقدوا لوحدهم في طيّات التراب، الّا انّ هؤلاء أيضاً يكرّرون نفس أعمال و تصرّفات اولئك، ثُم يرحلون مثلهم الى تلك الديار، حتّى كأنّ الله سبحانه قد كتب الموت على اولئك لا على هؤلاء، و لكأنّ الموت أمر مختص باولئك الذين ماتوا و رحلوا، و كأنّه لم يكتب على الأحياء.

  • و هكذا تخيّل اولئك الذين ماتوا و بنوا افتراضاتهم في معيشتهم، فكانوا يقولون أنّ الموت مختصّ بالذين ماتوا و رحلوا، لكنّ هذا الحكم لم يكن صائباً لاولئك، كما انّه لن يكون صائباً للأحياء الحالتين.

  • هذا هو اليقين الذي هو بالشكّ أشبه، فهو في شبهه الى الحدّ الذي يُخال للمرء انّ الموت اليقيني لم يقع أساساً في العالم، و انّ جميع الأفراد الذين ماتوا كان موتهم مشكوكاً لا يقين فيه.

  • بينما كان الأمر على العكس تماماً، فقد كانت جميع تلك الموتات يقينيّة، و ليس هناك من فرد واحد كان موته مشكوكاً فيه، و يقال في المثل عن الموت: انّه كالجمل الذي سيبرك على عتبة كلّ بيت.

  • العلّة الحقيقيّة لفرار الناس من الموت:

معرفة المعاد ج۱

73
  • السبب الحقيقي لخوف الناس من الموت

  • و علينا أن نرى لما ذا تظهر مسألة الموت معكوسة في أذهان الناس فيتبادل اليقين و الشك فيها مواقعهما لديهم.

  • انّ الحياة الدنيا لها وجه و ظهر يعبّر عنهما بلسان العلم و القرءان بالظاهر و الباطن.

  • فظاهر الدنيا الطراوة و الجمال مع الركون اليها و تعلّق القلب بها و الاستغراق في اللذات و الشهوات، و لو اقترن ذلك بالصحّة و السلامة، امّا باطنها فالأخلاق و الوجدان و النيّة السليمة و النظر النزيه و القول الصالح و الخدمة و ايثار عبودية الله و العلم و التقوى و معرفة الأسرار.

  • صعوبة الموت لغير المؤمن بسبب العلائق الدنيويّة

  • فأولئك الذين يعيشون في هذه الدنيا، و يركنون الى ظاهرها معرضين عن الباطن تماماً، لا يستمدّون العون و القوّة من وجدانهم المرتبط في حقيقة الأمر بالله تعالى، و لا يهتمّون بسلوكهم، بل يعيشون مرخى العنان بلا مسؤولية و لا التزام و لا محاسبة للنفس، سيغمر قلوبهم على الدوام حبّ الدنيا و آثارها، ذلك الحبّ المتزايد كلّ آن، حتى يصبح محبوبهم و مقصودهم الوحيد الذي لا يتخيّلون محبوباً سواه.

  • كما ان الموت سيكون غاية في الصعوبة بالنسبة لهؤلاء الافراد الذين عاشوا عمراً كان كلّ ثروتهم الوجوديّة، و قضوا ساعاته في السعي وراء الامور الدنيويّة من المال و الجاه و الاعتبار، و لم يدّخروا وسعاً من أجل ترسيخ مكانتهم و وجودهم في قلوب الناس، و تحمّلوا المحن و المشاكل من أجل أولادهم حتّى جمعوا ثروة من المال صارت مورد اعتمادهم و محطّ آمالهم، اولئك الذين صرفوا ايام البرد و الحرّ و ساعات عمرهم للحصول على هذه الأمور.

  • و اجمالًا فقد قضى هؤلاء جميع مراحل عمرهم المنطبقة على المقاطع الزمنيّة من السنين و الشهور و الأيّام و الساعات و الدقائق

معرفة المعاد ج۱

74
  • و اللحظات للحصول على مثل هذه الامور، لذا فانّ المحبّة و التعلّق بكلّ واحد من هذه الأشياء سينشأ لديهم قهراً، فيصبح كلًا منها قيداً يقيّد قلوبهم و رغباتهم و يشدّها اليه. و ها هو أحدهم يريد الرحيل عن هذه الدنيا، فيرى قلبه موثقاً بآلاف السلاسل و القيود تشدّه من كلّ صوب و حدب الى هذه الأمور.

  • كلّ قسم من أمواله يجرّ بقلبه اليه، أصدقاؤه و أحبّاؤه يجرّونه اليهم، أولاده و زوجته و عشيرته يجرّونه اليهم، الآمال الطوال التي تعاهدها في خياله فصار لها- اثر التوهّم و التخيّل- موجوديّة تخيّليّة و موهومة، هذه الآمال تجرّه اليها هي الأخرى، و ها هو هذا الشخص يريد الرحيل و يحاول الحركة. فما الذي يعنيه ذلك؟ أي أنّه قد حزم أمتعة السفر الى الآخرة، فهو يريد التوديع الى حيث لا رجعة و لا عودة، الى حيث لن يرى وجه هذا العالم من جديد و لو للحظة واحدة، الى حيث تودع كلّ هذه الذخائر و الأحبّة و المقاصد في زاوية النسيان، حتّى أنّه يلحظ بأمّ عينيه انّ بدنه- مع العشق الذي كان يمتلكه له، و يجعله يتوسّل بالطبيب لعلاج خدش في جلد يده- ينبغي أن يُقبر في التراب أمام أنظاره، فيصبح طعاماً لحيّات الأرض و ديدانها، و يصبح محلّ دفنه مكاناً لتجوال الزواحف الأرضيّة، و تستحيل مسارب بدنه محلّ ترددّ الحيّات و العقارب، و يرى انّ التراب الثقيل سيُهال أكداساً على جثّته فتتبدّل في طياتها إلى تراب و رماد. يرى كلّ ذلك مجسّماً أمام ناظريه.

  • و من جهة أخرى فانّه لم يتحرّك على أساس من منطق الوجدان و العقل، و لم يسعَ لإنارة طريق آخرته، و لم يتعرّف على ناموس الله، بل كان على الدوام في حال نزاع و جدال و خصومة مع العلوم الباطنيّة و عوامل تجرّد النفس، و كان منحرفاً عن سبيل العدالة، متعدّياً على حقوق نفسه

معرفة المعاد ج۱

75
  • و حقوق سائر أفراد الناس المحترمة عند الله سبحانه المبدأ الأصيل للعالم، و خارجاً عن مقام العبوديّة لله، لم يُحنِ رأسه في سجود التسليم و التذلّل أمام مُظهر هذه المظاهر العجيبة و المناظر المدهشة في العالم، و لم يؤثر على نفسه أحداً، و لم يُعن بائساً و ضعيفاً، و لم يُحيي روحه بحياة ذلك العالم بأعماله الصالحة و لم يشعل قبساً للظلمات و العقبات و طرقات الطبع المتعرّجة.

  • و ها هو يريد الذهاب من الدنيا على هذا الحال و بهذه الكيفية، و مع هذه المشكلات التي تعترضه من كلّ حدب، و تحيط به و تكتنفه من كلّ صوب، فهو حائر مدهوش، و مفلس خسران، يريد الهجرة مع الخسارة، و الندم و الحسرة التي تغمر كيانه و تتقاطر من وجوده، و قد نودي بالرحيل فلا وقت للتأخير و لا لتدارك الأمر و تلافيه.

  • و على الأخصّ لو كان هذا الشخص قد نال هذه الأمور الفانية الدنيوية بتحمّل المحن و بالسعي الدؤوب، و حصل عليها بمشقّة و جهد، إذ ستكون علاقته بها إذ ذاك أشدّ، و قطع تعلّق قلبه بها أصعب و أقسى، لأنّ هناك نسبة موازية بين ميزان الجهد و السعي و المشقّة التي يتحمّلها المرء في سبيل الحصول على شيء ما مع ميزان شدّة المحبّة لذلك الشيء و التعلّق به و صعوبة مفارقته و قطع الأمل منه.

  • و لو قال أحد لهذا الشخص مع هذه الخصوصيّات: انّك ستموت بعد سنة، أو بعد عشرة سنين مثلًا، لأظلمت الدنيا في عينه، و كأنّ جميع أنواع العذاب و المحن قد صبّت عليه، و كأنّ الجبال قد هُدّت على أمّ رأسه.

  • اشتياق المؤمن للموت

  • أمّا لو قيل للمؤمن الذي ارتبط بربّه و الهه، و وصل الى المدينة الفاضلة إثر تهذيب النفس و تزكية الأخلاق، و هاجر من ظاهر عالم الغرور الى باطن دار الخلود، و ارتبط مع موجودات عالم التجرّد و المعنى في عبوديّته لله، المؤمن الذي لم يقصر في إطاعة أوامر الله، فصقل نفسه

معرفة المعاد ج۱

76
  • الأمّارة بصقل العفو و الإيثار و الإنفاق و الإطعام و الجهاد و الصلاة و الصيام و الإنصاف مع الخلق و الإحسان اليهم و إعانة الضعفاء و المساكين و أمثال ذلك؛ لو قيل له: انّك ستموت بعد يوم أو بعد ساعة مثلًا، لقال مجيباً: الحمد لله، سأحزم أمتعتي من هنا الى ملك الخلود، و من الغرور الى عالم الأبديّة، و من الكوخ المحدود الى عوالم لا تتناهى، و من خارج الحَرَم الى داخله، و ها أنا أرتدي لباس الإحرام و أفدي روحي لتفنى في قِدم المحبوب الأزلي و خلوده.

  • اين جان عاريت كه به حافظ سپرده دوست***روزى رخش ببينم و تسليم وى كنم 1

  • همه روز حرف من اينست و همه شب سخنم***كه چرا غافل از احوال دل خويشتنم

  • ز كجا آمدهام، آمدنم بهر چه بود***به كجا مىروم آخر ننمائى وطنم

  • من به خود نامدهام تا كه به خود باز روم***آنكه آورد مرا باز برد در وطنم

  • مرغ باغ ملكوتم نيم از عالم خاك***چند روزى قفسى ساختهاند از بدنم

  • چه خوش آن روز كه پرواز كنم تا بر دوست***به هواى سر كويش پر و بالى بزنم 2

    1. يقول: هذه الروح عارية اودعها الحبيب لحافظ و سأرى وجهه يوماً من الايام فأردّها اليه.
    2. يقول: حديثي طوال نهاري و ليلي: لما ذا أنا غافل عن أحوال قلبي. من أين جئتُ؟ و ما علّة مجيئي؟ و أين سأذهب؟ فوطني لم يتّضح لي أخيراً.
      و لم آتِ بطوع إرادتي لأذهب بِمشيئتِي، بل انّ من جاء بي سيردّني إلى وطني.
      فأنا طائر روضة الملكوت و لست من عالم التراب، و لقد صنعوا لي قفصاً من بدني لأيّام معدودات.
      فما أسعد ذلك اليوم الذي سأحلّق فيه إلى الحبيب، و أخفق بأجنحتي بهوى دياره.

معرفة المعاد ج۱

77
  • هنالك حيث عالم الفضاء الفسيح الواسع، عالم عظيم لا همّ فيه و لا تعب و لا نصب، لا مرض أعصاب و لا خوف و لا قلق و لا تهديد، هناك عالم الحياة و الهداية المحضة، و مركز نشر الحياة الى العوالم، حيث الجمال المطلق و تلألؤ نورانيّة الموجودات المنَزّهة المجرّدة، و حيث الأرواح المطهّرة للملائكة و الأنبياء و الأئمة و أولياء الله، و حيث معدن العظمة و عزّ القدس و النور المحض و العرفان الخالص.

  • لذا فانّ المؤمن لا يحسّ بالقلق و الاضطراب، بل يتلقّى هذا الموت برحابة صدر، و يخطو لاستقباله في ابتهاج.

  • و لو افترضنا انّ المؤمن كان قد عاش في الدنيا في منتهى الراحة و الأبّهة و العظمة، و كان ميسورا له فيها التنعّم بجميع أنواع الجمال و أقسام اللذائذ المشروعة، فانّه مع ذلك كلّه سيفرح لو قيل له انّك ستموت، لأنه يقول: وَ الْآخِرَةُ خَيْرٌ وَ أَبْقى.1

  • منزل الآخرة هو المختار، و هو منزل الأبديّة و البقاء، و هو عالم اللقاء و العرفان، حيث هناك محلّ ادراك الحقائق و كشف الدقائق بلا ساتر و لا حجاب، لذا فانّ المؤمن سيسرع بالحركة عند اخباره بالموت، و يسعى اليه خفيفاً نشطاً.

  • و لو افترضنا في المقابل انّ الكافر الذي قطع علاقته مع الباطن

    1. الآية 17، من السورة 87: الأعلى

معرفة المعاد ج۱

78
  • و المعنى كان قد صّبّت عليه جميع أنواع المحن و المصائب و الأمراض، و تحمّل صنوف الفقر و الفاقة، بيد انّه لو قيل له أنّك سترحل فانّه لن يرضى بذلك، فهو يعلم أنّ المكان الذي سيذهب اليه أكثر ضيقاً و عُسراً، و أشدّ ظلمةً و إزعاجاً، لأنّه سيكون غريباً في تلك العوالم، غريباً محضاً لا مؤنس له، باطن المؤمن أفضل من ظاهره، و باطن الكافر أسوأ من ظاهره و أشدّ تلوّثاً.

  • اشتياق المؤمن للموت:

  • المؤمن يؤمّل لقاء الله تعالى، و الطريق أمامه سالك معبّد ممهّد، لأنه يرى ان نتيجة أتعاب عمره في هذا السبيل لم تضع هدراً في ناموس عالم الوجود، و ها هو يخطو بقدمه خارج هذه المرحلة فيجد كلّ شيء جاهزاً و معدّاً أمام عينيه، الأجر و الثواب، الجنّة و الرضوان، و لقاء المحبوب، يجدها جميعاً حاضرة أمامه، و لقد تجلّى هنا أمامه مشهوداً ما كان خافياً عنه في هذه الدنيا.

  • سيزول عنه ستار البدن و حجابه الذي كان يحجبه الى حدٍّ ما و يَمنعه إجمالًا من الوصول الى منتهى مراتب التجرّد و غايتها، و سيجد بموته انّه صار يرتع في أحضان السعادة و التنعّم بِجمال الحضرة الازليّة، فيبقى في ذلك اللقاء و الوصال الممتدّ السرمدي، لذا فانّ موته أشبه بليلة زفاف و وصل. يقول حافظ:

  • روز هجران و شب فرقت يار آخر شد***زدم اين فال و گذشت اختر و كار آخر شد

  • آن همه ناز و تنعّم كه خزان ميفرمود***عاقبت در قدم باد بهار آخر شد

معرفة المعاد ج۱

79
  • شكر ايزد كه بإقبال كُلَه گوشه گل***نخوت باد دى و شوكت خار آخر شد

  • صبح اميد كه بُد معتكف پرده غيب***گو برون آى كه كار شب تار آخر شد 1

  • قصّة المرحوم الحاج مؤمن الشيرازي و ملاقاته لأحد أولياء الله مشهد المقدّسة.

  • كان لي صديق من أهل شيراز يُدعى الحاج مؤمن التحق بالرحمة الأبديّة قبل حوالي خمس عشرة سنة، و كان رجلًا مُشرق القلب صافي الضمير مؤمناً متّقياً، و كان الحقير قد عقد معه عهد الأخوة، ولى في أدعيته و الاستشفاع به كبير الأمل.

  • كان يقول: لقد نلتُ الشرف كراراً بلقاء الحجّة بن الحسن العسكري عجّل الله فرجه. و كان ينقل الكثير من المطالب و يأبى الإفصاح عن بعضها الآخر. و كان يقول في جملتها: قال لي يوماً أحد أئمّة الجماعة في شيراز: تعال نذهب معاً إلى زيارة الامام علي بن موسى الرضا عليه السلام؛ و كان قد استأجر سيّارة خاصّة و في معيّته عدّة من التّجار.

  • و هكذا فقد تحرّكنا في سفرنا حتّى وصلنا مدينة قم، فتوقفنا هناك ليلةً أو ليلتين لزيارة السيّدة المعصومة عليها السلام، فحصلت لي حالات عجيبة و انكشف لي الكثير من الحقائق. هذا و قد التقيت عصر أحد الأيّام

    1. يقول: انقضي نهار الهجر و ليل الفراق، فلقد تفألّت بذلك و صار الأمر وفق مرادي.
      و لقد أنهت قدم نسيم ربيع الوصل بخطوتها الميمونة دلال خريف الهجر و تنعّمه.
      فشكراً لله! فقد انكسرت نخوة ريح الشتاء و عنفوان الأشواك ببزوغ طلائع الورد من أكمامها.
      فقل لصباح الأمل المعتكف خلف ستار الغيب: أسفِرْ فقد لفظ الليل البهيم أنفاسه!

معرفة المعاد ج۱

80
  • بشخص جليل في الصحن المطهّر للمعصومة سلام الله عليها و وعدني بأمور.

  • ثم تحرّكنا صوب طهران، و منها في اتّجاه مشهد المقدّسة، و حين اجتزنا مدينة نيشابور شاهدنا رجلًا في هيئة عوام الناس يسير بمحاذاة الطريق متّجهاً إلى مشهد و هو يحمل جراباً على ظهره، فقال ركّاب السيّارة: دعونا نحمل معنا هذا الرجل، ففي ذلك ثواب لنا، كما انّ في السيارة مكاناً له.

  • توقّفت السيارة و ترجّل منها عدّة أشخاص و كنتُ في جملتهم، فدعونا ذلك الرجل للركوب معنا في السيارة فلم يوافق، ثم قبل بعد إلحاح شديد و اشترط علي أن يركب إلى جانبي، و أن أطيعه فيما يقوله فلا أخالف له أمراً.

  • ركب الرجل السيّارة و جلس الى جانبي، فكان يتحدثّ معي طيلة الطريق و يُخبر عن كثير من الوقائع و يصف حالاتي واحدةً واحدة الى آخر العمر، و كنتُ أجد في نصائحه و مواعظه لذّة كبيرة و أعدّ لقائي بشخص كهذا من مواهب الخالق السنيّة و من كرم ضيافة الإمام الرضا عليه السلام.

  • و هكذا سرنا حتّى وصلنا الى منطقة «قدمگاه»، ذلك المكان الذي كان معاونو السّواق يأخذون نقوداً من المسافرين عند وصوله كبشارة لرؤية القبّة المقامة هناك.

  • فترجّلنا جميعاً من السيارة. و كان قد حلّ وقت تناول الطعام، فأردت الالتحاق برفقائي الذين جئت معهم من شيراز، و الذين كنت حتى الآن أتناول معهم الطعام على مائدة واحدة.

  • فقال الرجل: لا تذهب هناك، و تعال لنأكل معاً!

معرفة المعاد ج۱

81
  • فاستحييتُ أن أنصرف عن رفقائي الشيِرازييِن الذين كنت حتّى الآن أشاركهم الطعام بشكل منتظم، بيد انّي كنتُ مُلزماً بعدم مخالفة كلامه، لذا فقد أجبرت على الموافقة، فذهبتُ معه الى حيث جلسنا في زاوية ما، و قام الرجل بإخراج منديل من الجراب الذي معه ففتحه، فكان فيه خبز طازج و قدر من الزبيب الأخضر، فشرعنا بتناول الطعام حتّى اكتفينا، و كان طعاماً لذيذاً هانئاً.

  • ثمّ قال لي ءانذاك: إن أحببتَ الآن أن تذهب لترى رفقاءك و تتفقّدهم فلا ضير في ذلك. فنهضتُ و ذهبتُ اليهم و رأيتُ- و يا للهول- أنّ الإناء المشترك الذي يأكلون منه كان مليئاً بالدم و الأقذار، و أنّهم كانوا يتناولون منه فيأكلون، كانت أيديهم و أفواههم ملوّثة هي الأخرى، و لم يكونوا يعلمون أبداً بما كانوا يفعلون، و بأيّ ذائقة كانوا يأكلون.

  • لم أنبس ببنت شفة، لأني كنت مأموراً بالسكوت في جميع الأحوال، ثم عدتُ إلى ذلك الرجل فقال: إجلس! أ رأيتَ ما كان يأكل رفقاؤك؟ لقد كان طعامك أنت الآخر من هذه الأشياء ابتداءً من شيراز الى هنا، لكنّك لم تكن تعلم، فالأكل الحرام و المشتبه حاله هكذا. لا تتناول من أغذية المقاهي فانّ طعام السوق مكروه!

  • قلت: سأفعل إن شاء الله تعالى، أعوذ بالله و أستكفيه.

  • قال الرجل: ايّها الحاج مؤمن! لقد حان موتي، و سأذهب الى أعلى هذا التلّ فأموت هناك، فخُذ هذه الصرّة فانّ فيها نقود عليك أن تنفقها في تغسيلي و تكفيني و دفني، و عليك ان تدفنّي حيثما أشار السيد هاشم. (السيد هاشم هو إمام الجماعة الشيرازي الذي قدم الجماعة في معيته الى مشهد).

  • قلتُ: يا للويل! أ تريد أن تموت؟!1

  • معرفة المعاد ؛ ج1 ؛ ص81
    1. حسينى طهرانى، سيد محمد حسين، معرفة المعاد، 10جلد، دار المحجة البيضاء - بيروت - لبنان، چاپ: 1، 1416 ه.ق.

معرفة المعاد ج۱

82
  • قال: صَهْ! انّني سأموت، فلا تخبِر بذلك أحداً.

  • ثم وقف مستقبلًا المرقد المطهّر للإمام عليه السلام فسلّم عليه و أكثر من البكاء، ثم قال: لقد جئت الى هنا للثم أعتابك، بيد انّه لم يُكتب لي من السعادة أكثر من ذلك بحيث أحظى بالتشرّف بالوصول الى مرقدك.

  • ثمّ ارتقى ذلك الرجل التلّ، و كنتُ حائراً مدهوشاً، لكأنّ عنان تفكيري و إرادتي قد خرج من يدي.

  • ثم ارتقيت التلّ، فرأيته مستلقياً على ظهره مستقبلًا القبلة بوجهه و قدميه، و قد فارق الحياة باسماً، يُخال للمرء انّ ألف سنة قد مرّت على موته.

  • هبطتُ الى الأسفل و توجّهت نحو السيّد هاشم و سائر الرفقاء و أخبرتهم بالأمر، فتأسّفوا لذلك كثيراً و لاموني قائلين: لِمَ لَمْ تخبرنا بذلك و تطلعنا على هذه الوقائع؟

  • قلتُ: لقد أمرني نفسه بذلك، و لو كنت أعلم أنه لا يرضى بذلك بعد موته، لما أظهرته لكم الآن. فأظهر سائق السيّارة و معاونه و السيّد و سائر الرفقاء أسفهم، ثم ارتقينا الى أعلى التلّ فأنزلنا الجنازة و وضعناها داخل السيّارة و اتجهنا نحو مشهد المقدّسة.

  • و كان السيد (هاشم) يقول: لقد كان هذا الرجل حقّاً من أولياء الله، و قد جعل الله شرف صحبته من نصيبك، و ينبغي أن تُدفن جنازته باحترام. و ردنا مشهد المقدّسة فذهب السيّد على الفور الى أحد العلماء هناك و أطلعه على هذه الواقعة، فجاء ذلك العالم مع جماعة كثيرة للتجهيز و التكفين، فغسّله و كفّنه و صلّى عليه، ثم دُفن في إحدى زوايا الصحن المطهّر، و كنتُ أنفق على مصارف ذلك من الصرّة، حتى إذا فرغنا من الدفن نفدت نقود الصرّة، لم تنقص و لم تزد شيئاً، و كان مجموع نقود

معرفة المعاد ج۱

83
  • تلك الصرّة اثني عشر توماناً.

  • قصّة المرحوم الحكيم الهيدجي و الموت الاختياري

  • كان المرحوم الشيخ محمّد الحكيم الهيدجي من علماء طهران، و قد بقي الى آخر عمره يقطن غرفة في المدرسة المنيرية المتّصلة بقبر ذريّة الامام: السيد ناصر الدين (الذي يرجع نسبه الى أحد الأئمة الأطهار). و قد هُدمت تلك المدرسة فيما بعد بسبب تعريض الشارع و توسعته.

  • و كان رجلًا حكيماً و عارفاً منزّهاً عن طريقة أهل الغرور، و كان مراقباً ذا ضمير صاف و قلب مشرق مُضاء و فكرٍ سام.

  • و قد اشتغل الحكيم الهيدجي بالتدريس الى آخر عمره، فكان يشرح لأيّ طالب من طلبة العلوم الدينيّة ماشاء من الدروس، ابتداءً من شرح المنظومة السبزواريّة، و أسفار الملّا صدرا، و الشفاء، و الإشارات، وصولًا الى دروس العربيّة التي تدرس في البدايات، كجامع المقدّمات. كان يشرح ذلك كلّه بلا إباء، و كان يستقبل الجميع في تعليم الدروس الدينيّة لا يستثني منهم أحداً.

  • و من بين تلامذة المرحوم الهيدجي: الآخوند المولى على الهمداني، العالم المتّقي الذي يعدّ حالياً من علماء همدان البارزين، حيث درس لديه الحكمة و تتلمذ فيها عنده.

  • قيل أنّ المرحوم الهيدجي كان يُنكر حصول الموت الإختياري، و يعدّ الخلع و اللبس الإختياري أمراً محالًا، و يتصوّر هذه الدرجة و الكمال أمراً بعيد المنال عن الناس، و كان يُنكر ذلك و يرفضه بشدّة في بحثه مع تلامذته.

  • و حصل ليلةً أن كان في غرفته مشغولًا بورده بعد فراغه من فريضة

معرفة المعاد ج۱

84
  • العشاء، فدخل عليه فجأة رجل قروي عجوز فسلّم و وضع عصاه في زواية الغرفة و قال: ما شأنك يا سماحة الشيخ و هذه الأمور؟

  • ردّ الهيدجي: أيّ أمور؟!

  • قال الرجل العجوز: الموت الإختياري و إنكاره، فما علاقتك أنت بمثل هذه الكلام؟

  • قال الهيدجي: هذا واجبنا. البحث و النقد و التحليل عملنا، فنحن ندرّس و لدينا مطالعات حول هذه الأمور بذلنا فيها جهوداً و أتعاباً، نحن لا نقول شيئاً من عندنا!

  • قال العجوز: أ لا تقبل بالموت الإختياري؟

  • قال الهيدجي: كلّا!

  • فمدّ العجوز رجليه تجاه القبلة أما أعين الهيدجي، و استلقى على قفاه و قال: إنَّا لِلهِ وَ إنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ، و رحل عن الدنيا لكأنّه توفّي منذ ألف سنة.

  • فاضطرب الحكيم الهيدجي أن: يا الهي، ما هذا البلاء الذي حلّ بنا الليلة؟ ما ذا ستفعل الحكومة بنا؟ سيقولون: أخذتَ رجلًا غريباً الى غرفتك فقتلتَه سمّاً أو خنقاً.

  • يقول الهيدجي: هُرعتُ بلا شعور فأخبرت الطلّاب، فجاءوا الى الغرفة و تحيّروا بأجمعهم و لفّهم القلق من هذه الحادثة. ثم صار الاتّفاق على ان يقوم خادم المسجد بجلب تابوت لينقلونه ليلًا الى ساحة المدرسة المسيّجة، على ان نقوم غداً بأمور تجهيزه و اعداد الاستشهادات المطلوبة. و فجأة نهض الرجل من مكانه جالساً و قال: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم، ثم التفتَ الى الهيدجي و قال ضاحكاً، أ صدّقتَ الآن؟

  • ردّ الهيدجي: نعم! صدّقتُ، باللهِ لقد صدّقتُ. لقد زعزعتني الليلة

معرفة المعاد ج۱

85
  • و أهلكتني.

  • فقال: العجوز: أيّها العزيز، ليس الأمر بقراءة الدروس فقط، عبادة نصف الليل هي الأخرى واجبة. التعبّد أيضاً مطلوب، الأمر الفلاني مطلوب و مطلوب و مطلوب ... إلخ. انّك تقرأ و تكتب و تتحدّث فقط، أ فهذا وحده كافٍ للأمر؟!

  • و هكذا فقد غيّر الحكيم الهيدجي طريقته منذ تلك الليلة، فصار يصرف نصف ساعاته للمطالعة و الكتابة و التدريس، و النصف الآخر للتفكرّ و الذكر و عبادة الله جلّ و عزّ، و صار يتجافى عن المضجع اذا جنّه الليل، و مجمل الأمر انّه وصل الى حيث ينبغي له أن يصل، فصار قلبه منوّراً بنور الله، و تنزّه سرّه عن غير الله سبحانه، و صار له الأنس و الألفة بربّه في كلّ حال. و يمكن فهم حالاته و أطواره من ديوان شعره بالفارسيّة و التركيّة، كما انّ له حاشية على شرح المنظومة السبزواريّة في غاية الفائدة.

  • هذا و قد طُبعت وصيّته آخر ديوانه، و هي وصيّة جميلة تستحقّ المطالعة، فقد كتب بعد حمد الله و بيان الشهادتين و تقسيم أثاثه و كتبه يقول: «و أرجو من الرفقاء أن لا يضعوا عمامتي عند موتي على التابوت، فليس هناك من داعٍ لإثارة الضجّة، و ان لا يكون مجلس الفاتحة عليّ مدعاةً لإزعاج أحد، فقد خُتم عمري و خُتم عملي، فليفرح أصدقائي لأنيّ أنجو من سجن الطبيعة و أذهب الى المقصود و أحصل على عمر دائميّ. و اذا ما كان الأصدقاء مغتميّن للفراق، فانّهم سيأتون إن شاء الله فنزور بعضنا البعض هناك. و لقد كان بودّي أن يكون لدي نقود لأعطيها للرفقاء ليعدّوا مجلس فرح و سرور في ليلة رحيلي ليبعث ذلك على السرور، و ذلك لأن تلك الليلة كانت ليلة وصالي. و قد كان المرحوم الرفيق الشفيق السيد مهدي

معرفة المعاد ج۱

86
  • رحمة الله عليه و عدني أن يضيفني و سَيفي بوعده إن شاء الله تعالي».

  • كان جميع طلّاب المدرسة المنيريّة يقولون انّ المرحوم الهيدجي قام عند حلول الليل بجمع الطلّاب جميعاً فنصحهم و وعظهم و دعاهم إلى التحلّي بالأخلاق، و كان يضحك و يمزح كثيراً، و كنّا نعجب: لما ذا يمزح الليلة كلّ هذا المزاح هذا الرجل الذي طالما شُغل بالعبادة ليلًا؟! و لما ذا يشغلنا بعبارات النصائح؟ بيد اننا لم نكن نعلم بحقيقة الأمر.

  • و لقد صلّى الهيدجي صلاة الصبح أوّل حلول الفجر الصادق ثم دخل غرفته فأخلد للنوم، ثم دخلوا عليه الغرفة بعد ساعة فوجدوه نائماً مستقبلًا القبلة و قد أسلم الروح، رحمة الله عليه.

  • قصّة المرحوم الحاج هادي الأبهري و المرحوم ءاية الله الشيخ مرتضى الطالقاني

  • كان لي فيما مضي صديق يمتلك ضميراً حيّاً و قلباً مضاءاً، و كان متّقياً مخلصاً وَلِهاً من العشّاق الحسينيّين الحقيقيّين ذا فهم واسع يدعى الحاج هادي خان صنمي الأبهري. و قد عاش 82 سنة و رحل عن الدنيا منذ خمس سنين. و قد دامت رفقتي له ما يقارب الثمان عشرة سنة، و كنتُ قد عقدتُ معه عهد الأخوّة و آمل في شفاعته لي.

  • و قد نقل لي هذا الشخص: حصل في أحد أسفاري التي تشرّفت فيها بزيارة العتبات المقدّسة، أن بقيت للزيارة في النجف الأشرف عدة أيّام، فلم أجد أحداً اجالسه و أبثّه همّي عسى أن يجد قلبي الولهان برد الراحة و الاطمئنان.

  • ثم تشرّفت يوماً بالذهاب الى الحرم المطهّر، فأدّيت الزيارة و جلستُ مدّة في الحرم فلم أعثر على أحد. فالتفتُّ الى أمير المؤمنين عليه السلام و قلتُ: فديتُك يا مولاي! نحن ضيوفك، و أنا أدور في النجف

معرفة المعاد ج۱

87
  • منذ عدّة أيّام فلا أجد أحداً، حاشى لكرمك!

  • ثم خرجتُ من الحرم و وردتُ بلا اختيار منّي في سوق الحُوَيْش، حتى وصلتُ الى مدرسة المرحوم السيد محمّد كاظم اليزدي، فجلست في ساحة المدرسة على منصّة تقابل إحدى الغرف.

  • ثمّ حلّ الظهر فشاهدت أمامي في الطابق العلوي شيخاً قد خرج من غرفته، و كان مشرق القلب و في غاية الوسامة و النضارة، فذهب إلى سطح المدرسة فأذّن للصلاة و عاد، و حين أراد الدخول الى غرفته سقط بصري على وجهه فرأيت عارضيه يتلألآن إثر الأذان كسفطي نور، ثم دخل الشيخ الغرفة و ردّ الباب.

  • شرعتُ بالبكاء و قلتُ: يا أمير المؤمنين، وجدتُ رجلًا بعد عدّة أيّام، لكنّه لم يعرني اهتماماً.

  • و فجأة فتح الشيخ باب الغرفة و التفت إلى و أشار: تعال الى فوق. نهضتُ و صعدتُ الى الطابق العلوي و دخلتُ غرفته فاعتنقنا و بكينا مدّة، ثم جلسنا صامتين ننظر الى بعضنا، ثم انفصلنا عن بعضنا. و كان ذلك الشيخ ذو الضمير المشرق هو المرحوم الشيخ مرتضى الطالقاني أعلى الله مقامه الشريف، الذي كان يمتلك ملكات نفسيّة فاضلة، و الذي عاش في المدرسة الى آخر عمره، و كان يشتغل بالتدريس شأنه شأن الحكيم الهيدجي، فكان يشرح لكلّ فرد من الطلّاب ما يشاء من الدروس، من جامع المقدّمات، و المغني، و المطوّل، و شرح اللمعة، و مكاسب الشيخ، و شرح المنظومة، الى الأسفار. و كانت طريقته في التدريس انّ الطلّاب يقرأون المتن فيشرح لهم و يفسّر المعاني.

  • و ينقل طلّاب مدرسة السيّد «اليزدي» بأجمعهم: جمع المرحوم الشيخ مرتضى جميع الطلبة ليلة رحلته، و كان مبتهجاً سعيداً طوال الليل،

معرفة المعاد ج۱

88
  • يمزح مع الجميع و يذكر النكات المضحكة، و كان كلّما أراد طلّاب المدرسة الذهاب الى غرفهم يقول لهم: انّ ليلة واحدة غنيمة. و لم يكن لأحد منهم خبر عن موته.

  • و عند طلوع الفجر الصادق ذهب الشيخ الى سطح المدرسة فأذّن، ثم نزل و ذهب الى غرفته، ثم وجدوه و الشمس لم تبزغ بعدُ نائماً في غرفته مستقبلًا القبلة و قد وضع على بدنه ملاءة و أسلم الروح.

  • إخبار المرحوم ءاية الله الشيخ مرتضى الطالقاني عن موته

  • يقول خادم مدرسة السيّد «اليزدي»: صادفني الشيخ في ساحة المدرسة عند عبوره عصر اليوم الذي سبق وفاته، فقال لي:

  • (أنْتَ تَنَامُ اللَّيْلَةَ وَ تَقْعُدُ بِالصُّبْحِ وَ تَرُوحُ إلى الْخَلْوَةِ وَ تَجِيء يَمَّ الْحَوضَ تَتَوَضَّا، يَقُولُونَ شَيْخَ مُرتْضَى مَاتَ.)

  • - و قد تكلّم المرحوم بهذه العبارات باعتبار ان خادم المدرسة كان عربيّاً- يقول الخادم: لم أدرك قصده أبداً، و تلقيّت هذه الجملات باعتبارها كلاماً بسيطاً مقروناً بالمزاح و النكتة، لكنني نهضت صباح اليوم التالي و كنت مشغولًا بالوضوء جنب حوض الماء حين سمعت طلبة المدرسة يقولون: مات الشيخ مرتضى. رحمة الله عليه رحمةً واسعة.

  • مرگ اگر مرد است گو نزد من آى***تا در آغوشش بگيرم تنگ تنگ

  • من ز او جانى ستانم پر بها***او ز من دلقى ستاند رنگ رنگ 1

  • يروي الشيخ الصدوق في كتاب «معاني الأخبار»، عن محمد بن ابراهيم، عن أحمد بن يونس المعاذي، عن أحمد بن محمد بن سعيد

    1. يقول: لو كان الموت رجلًا فأخبره ليأتيني، فسأضمّه بشدة إلى صدري.
      فسأستعيد منه روحاً ثمينةً غالية، و سيستعيد منّي خرقةً ملوّنةً بالية.

معرفة المعاد ج۱

89
  • الكوفي، عن محمد بن محمد بن الأشعث، عن موسى بن اسماعيل، عن أبيه، عن جدّه، عن الامام جعفر الصادق عليه السلام: قال:

  • كان للحسن بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليهما صديق، و كان مرحاً فتباطأ عليه أيّاماً، فجاءه يوماً فقال له الحسن عليه السلام:

  • كيف أصبحتَ؟

  • فقال: يا بن رسول الله أصبحتُ بخلاف ما أحبُّ و يحبُّ اللهُ و يحبّ الشيطان.

  • فضحك الحسن عليه السلام، ثم قال: و كيف ذاك؟

  • قال: لأن الله عزّ و جلّ يحبّ أن أطيعه و لا أعصيه و لستُ كذلك، و الشيطان يحبّ أن أعصي الله و لا أطيعه و لستُ كذلك، و أنا أحبّ أن لا أموت و لستُ كذلك.

  • فقام اليه رجل فقال: يَا بنَ رَسولِ اللهِ! مَا بَالَنَا نَكْرَهُ الْمَوتَ وَ لا نُحِبُّهُ؟

  • قال: فقال الحسن عليه السلام: لأنَّكُمْ أخرَبْتُمْ آخِرَتَكُمْ وَ عَمَّرتُمْ دُنْيَاكُمْ، و أنْتُمْ تَكْرَهُونَ النَّقْلَةَ مِنَ الْعُمْرانِ إلى الْخَرَابِ.1

  • كلام الإمام السجّاد عليه السلام في كيفيّة إشراق سيماء سيد الشهداء عليه السلام.

  • و يروي الصدوق في كتاب «معاني الأخبار» أيضاً عن مفسّر، عن أحمد بن الحسن الحسيني، عن الحسن بن علي الناصري، عن أبيه، عن أبي جعفر الجواد، عن آبائه عليهم السلام، عن علي ابن الحسين عليهما السلام:

  • لَمَّا اشتَدَّ الأمْرُ بِالحُسَيْنِ بنِ عَلِيّ بنِ أبِي طَالِبٍ عليه السَّلامُ نَظَرَ الَيْهِ مَنْ كَانَ مَعَهُ، فَاذَا هُوَ بِخِلَافِهِمْ؛ لأنَّهُمْ كُلَّمَا اشتَدَّ الأمْرُ تَغَيَّرَتْ ألْوَانُهُمْ،

    1. معاني الأخبار، المطبعة الحيدرية، سنة 1379، باب نوادر المعاني، ص 389، و ص 39، الرواية التاسعة و العشرون.

معرفة المعاد ج۱

90
  • وَ ارْتَعَدَتْ فَرَائِصُهُمْ، وَ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ، وَ كَانَ الْحُسَيْنُ عليه السلامُ وَ بَعْضُ مَنْ مَعَهُ مِنْ خَصَائِصِهِ تَشْرَقُ ألْوَانُهُمْ، وَ تَهْدَا جَوَارِحُهُمْ، وَ تَسْكُنُ نُفُوسُهُمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ:

  • انْظُرُوا لَا يُبَالِي بِالْمَوتِ!

  • فَقَالَ لَهُم الْحُسَينُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: صَبْراً بَنِي الْكِرَامِ! فَمَا الْمَوتُ إلَّا قَنْطَرَةٌ تَعْبُر بِكُمْ عَنِ الْبُؤسِ وَ الضَّرّاءِ إلى الْجِنَانِ الْوَاسِعَةِ وَ النَّعِيمِ الدَّائِمَةِ. فَأيُّكُمْ يَكْرَهُ أن يَنْتَقِلَ مِنْ سِجْنٍ إلى قَصْرٍ؟

  • وَ مَا هُوَ لأعْدَائِكُمْ إلَّا كَمَنْ يَنْتَقِلُ مِنْ قَصْرٍ إلى سِجْنٍ وَ عَذَابٍ. إنَّ أبِي حَدَّثَنِي عَنْ رَسُولِ اللهِ صلّى الله عَلَيْهِ وَ آلِهِ: إنَّ الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤمِنِ وَ جَنَّةُ الْكَافِرِ وَ الْمَوتُ جِسْرُ هَؤُلَاءِ إلى جَنَّاتِهِمْ، وَ جِسْرُ هؤلاءِ إلى جَحِيمِهِمْ، ما كَذِبْتُ وَ لَا كُذِبْتُ.1

    1. معاني الأخبار، باب معني الموت، ص 288 و ص 289

معرفة المعاد ج۱

92
  •  

  •  

  • المَجْلِسُ الرَّابِعُ: في أنَّ الْعُمرَ هُوَ الرَّأسُمَالِ الأفْضَلِ لِتَكَامُلِ الانْسَانِ وَ رُقِيِّهِ

  •  

  •  

معرفة المعاد ج۱

94
  •  

  •  

  • بسم الله الرحمن الرحيم

  • (القيت هذه المطالب في اليوم الرابع من شهر رمضان المبارك)

  • و الحمد لله ربّ العالمين و لا حول و لا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم

  • و صلّى الله على محمد و ءاله الطاهرين

  • و لعنة الله على أعدائهم أجمعين من الآن إلى يوم الدين

  • قال الله الحكيم في كتابه الكريم:

  •  

  •  

  • وَ ما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا وَ مَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَ مَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَ سَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ.1

  • يستفاد من هذه الآية المباركة انّ الدنيا هي محلّ الاختيار، فقد خلق الله سبحانه الإنسان مختاراً، و وهبه الغرائز المختلفة من الإحساسات و العواطف و القوى العقليّة و الرغبات الطبعية و الماديّة و المعنويّة، ليقوم الإنسان بطيّ هذا الطريق باختياره و إرادته.

  • فإن كان هدفه من الحياة على ظهر الأرض ركوب الشهوات و غلبة الإحساسات على القوى العقليّة، و في النتيجة التجاسر على حقوق الآخرين و التعدّي عليها، فان النتيجة ستكون هذه المتع و اللذائذ الفانية و غلبة العواطف الزائلة المؤقّتة فقط، امّا اذا عيّن اسلوبه على أساس من منطق العقل، و عدّل مسار أحاسيسه على الدوام بتلك الطاقة العظيمة المقتدرة،

    1. الآية 145، من السورة 3: آل عمران.

معرفة المعاد ج۱

95
  • فأفاد من كلّ منها بالقدر اللازم، و في موقع الحاجة، فانّ العاقبة ستكون أيضاً محفوظة عند الله الذي سيجزيه ثوابه وفق ذلك القانون الأصيل

  • مقولة أبي ذر في علّة الخوف من الموت.

  • . روي في كتاب «جامع الأخبار» انّ رجلًا سأل أبا ذر الغفاري:

  • مَا لَنَا نَكْرَهُ الْمَوتَ؟ قَالَ: لأنَّكُمْ عَمَّرتُمُ الدُّنْيَا وَ خَرَّبْتُمُ الآخِرَةِ، فَتَكْرَهُونَ أن تَنْتَقِلُوا مِن عُمْرانٍ إلى خَرَابٍ.

  • قِيلَ لَهُ: فَكَيْفَ تَرَى قُدُومَنَا على اللهِ؟

  • قَالَ: أمَّا الْمُحْسِنُ فَكَالْغَائِبِ يَقْدِمُ على أهْلِهِ، وَ أمَّا الْمُسِيء فَكَالآبِقِ يَقْدِمُ على مَوْلَاهُ.

  • أي سرور و نشاط و لذّة لا توصف يحسّ بها ذلك الغائب الذي يعود إلى بيته فيلتقي بأهله و أقاربه؟ ذلك السرور و النشاط الذي لا حدّ له سيحسّ الغائب به حين يرد على ربّه المحسن فيصبح مورداً لإنعامه و إكرامه و إحسانه الذي لا يتناهى، و سينعم هذا الشخص بالجمال الظاهر للشاهد الأزليّ.

  • أمّا قدوم المذنب المسيء على ربّه فأشبه بورود الغلام الآبق الفارّ على مولاه حين يُعتقل و يؤتى به، فأي حال سيتملّك ذلك الغلام المتمرّد المتجرّئ الذي يرى نفسه تحت حلول أو سلطان غضب المولى و سخطه الذي لا حدود له؟ تلك الحال شبيهة بحال المسيء الذي تخطّى ساحة العبوديّة للخالق العزيز، و تجاسر و تعدّى على حقوقه و حقوق مخلوقاته، و تمرّد و تهوّر و تظاهر بأكثر ممّا هو فيه من مقام، حين يحضر عند ربّه الرءوف اللطيف المنتقم، و ستغمره حالة من الخجل و الخزي لا نهاية لها، و سيرى نفسه جديراً و معرّضاً لأيّ نوع من العذاب و العقاب.

  • قِيلَ: فَكَيْفَ تَرَى حَالَنَا عِنْدَ اللهِ؟ قَالَ: إعْرِضُوا أعْمَالَكُمْ على كِتَابِ اللهِ تَبَارَك وَ تعالى: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وَ إِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ.

معرفة المعاد ج۱

96
  • قَالَ الرَّجُلُ: فَأيْنَ رَحْمَةُ اللهِ؟ قَالَ: إنَّ رَحَمَةَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ.1

  • لا أن يتصور الإنسان أنه بالرغم من اقترافه كل انواع التعديات و كل جرم و جناية فهو في نفس الوقت موضع رحمة الله فهذا الرجاء رجاء كاذب.

  • العمل بالحق صعب و بغير الحق سهل و ملائم للنفس

  • و قد روى العامّة و الخاصّة عن رسول الله صلّى الله عليه و آله أنّه قال:

  • الْجَنَّةُ مَحْفُوفَةٌ بِالْمَكَارِهِ وَ الصَّبْرِ، فَمَنْ صَبَرَ على الْمَكَارِهِ في الدُّنْيَا دَخَلَ الْجَنَّةَ. وَ جَهَنَّمُ مَحْفُوفَةٌ بِاللَّذَّاتِ وَ الشَّهَواتِ، فَمَنْ أعْطَى نَفْسَهُ لَذَّتَهَا وَ شَهْوَتَهَا دَخَلَ النَّارَ.2

  • و يمكن الافادة من هذا الحديث الشريف انّ جميع الأعمال التي يقوم بها الإنسان ينبغي أن تكون على أساس الحقّ، و انّ العمل وفقاً للحقّ أمر لا يخلو من الصعوبة، فحين يرغب الانسان مثلًا في إطعام الفقراء و في تقديم معونة الى يتيمٍ ما، فانّ هذا الأمر يستلزم فعاليّة و جهداً، و يتطلّب صرف المال، و يستدعي فقدان الراحة و الهدوء.

  • و اذا ما أراد عيادة مريض، فانّ عليه ان يقطع الطريق اليه، يصطحب معه هديّةً له، و أن يجلس مقابله لحظات، فيرى المريض في حال مرضه و سقمه، و يسمع تأوّهاته، و يُصغي الى شكواه، ثم يسعى الى تهدئته و مشاركته ألمه و حزنه ببيانٍ لطيف مناسب، و الى دعوته الى الصبر و التحمّل. و على هذا العائد ان يتغاضى بأناةٍ و كرامة إن بدرت من المريض

    1. بحار الأنوار، ج 6، ص 137، عن كتاب جامع الأخبار.
    2. مصباح الفلاح، تاليف الآخوند الملّا محمد جواد الصافي الگلبايگاني، ص 30 و 31.

معرفة المعاد ج۱

97
  • عبارة خشنة لنفاد صبره اثر شدّة المرض أو طوله، و أصولًا فانّ على الانسان عيادة المريض و لو باعدت بينهما سنوات طويلة من التنافر و الخصام. و هي امور يشقّ على الانسان القيام بها، و ينبغي عليه ان يتسلّط على رغباته و ميوله بقوى العقل و التقوى ليمكنه فعل شيءٍ منها.

  • كما انّ الانسان يرغب في أداء صلاة الليل، فيرقد في الليل في نوم مريح هانيء، و يصافحه النسيم العليل في رقوده، فيصعب عليه النهوض و التجافي عن فراش الدعة و الراحة.

  • و كذلك يعسر الصيام في شهر رمضان في ايّام الصيف الحارّة الطويلة، و يعسر الجهاد في سبيل الله و البُعد عن الوطن و تعريض النفس للسهام و السيوف، و يعسر القيام بالحجّ و ترك الأهل و البيت، و الحركة حاسراً حافياً الى الكعبة الحقيقيّة في أرض مكّة، كما انّ الطواف و السعي و الذهاب الى عرفات و المجيء ليلًا الى المشعر و القيام بمناسك مني هي كلّها أمور يصعب القيام بها.

  • كذلك فانّ التحلّي بالأخلاق الحسنة في معاشرة الناس، و العفو و التغاضي، و مسامحة الجاهل على جهله و تعدّيه هي الأخرى امور يشقّ تحمّلها على النفس.

  • و كذلك فانّ الرحمة بالأتباع، و العطف على الفقراء و الضعفاء، و معاشرتهم و مخالطتهم و مجالستهم و الأكل معهم على مائدة واحدة أمر صعب.

  • كما انّ التحلّي بالحلم و سعة الصدر مقابل شتم الناس و سبّهم و لعنهم، و مسالمة الجاهلين أمر شاق و صعب أيضاً.

  • و خلاصة الأمر انّ الإنسان اذا شاء أن يعيش في الدنيا عيشة شريفة حميدة، و أن يجعل سلوكه على أساس من الفضيلة و النزاهة، و أن لا يفتر

معرفة المعاد ج۱

98
  • أو يتراخى في مقام عبوديته و تسليمه لأمر الحقّ المتعال، و ان يشارك الرجال الالهيّين في السرّاء و الضرّاء، و أن يؤدّب نفسه بالرياضات الشرعيّة، فانّ أرجاء حياته ستواجه العراقيل و المشاكل، و على الرجل الالهيّ ان يخطو بقدمٍ راسخة ثابتة في ميدان الجهاد هذا، لأن هذه الامور هي سبيل الجنّة و الرضوان، و مقدّمة طهارة النفس و تهذيبها، و ما لم تنزّه النفس و تهذّب، فانّ الوصول للجنّة سيكون أمراً بعيداً غير ممكن.

  • أمّا جهنّم فهي طافحة بالشهوات و اللذّات بغير قيد و لا حساب.

  • مشحونة بالكذب و الغيبة و الخيانة و الفسق و الفجور و القمار و شُرب الخمر و التعدّى على أموال الناس و نواميسهم، و الاعتداء على حقوق الزوجة و الولد و الجار و الشريك و الرفيق و العالم و الإمام و النبيّ.

  • انّ العين التي لا يقيّدها شيء طامحة مفتوحة ترى ما شاءت، كما انّ القلب يتمنّى من هذه النافذة ماشاء ان يتمنّى، ثم تعمد النفس الأمّارة موافقةً لرغبة القلب الى أمر الإنسان بكلّ قبيح شاهدته العين و تمنّاه القلب، وصولًا الى اشباع النفس من القبائح. و هي جميعاً من نتائج جهنّم، لأنّ سبيل جهنّم ليس الّا سبيل إرخاء العنان و رفض القيود و الحدود، و طريق عدم الالتزام و فقدان المسئوليّة.

  • بلى، انّ من لم يتّبع في مسيره الدنيوي الميزان الصحيح و المقياس الصائب و لم يعمل وفق واجباته الانسانيّة، و عدّ نفسه مهملًا، و افترض أن لا حساب عليه و لا جزاء، و من رأى نفسه منعزلًا عن هذا العالم المدهش و الدنيا العجيبة القائمة على هذا النظام البديع، لا تربطه به رابطة، فتصرّف كما يحلوله، فانه سيكون مسؤولًا و محاسباً أمام الجهاز المنظّم لهذا العالم، و سيؤاخذ على عمله و يلقّى جزاءه و عقابه. و هذا هو معنى جهنّم.

معرفة المعاد ج۱

99
  • معنى الدنيا المذمومة: ورد في الأخبار انّ الدنيا ملعونة عند الله؛ فقد ورد انّ الرسول صلى الله عليه و آله قال في جملة وصاياه لأبي ذر الغفاري: يَا أبَا ذَر! إنَّ الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ مَا فِيهَا.1

  • كما ورد ذمّ الدنيا في الكثير من الروايات، و عُدّ الابتعاد عن الدنيا و الإعراض عنها سبباً للسعادة، كما عُدّ الإقبال عليها سبباً للشقاء.

  • و معنى الدنيا العيش على أساس التخيّلات و الشهوات و اللذائذ الفانية، و الغفلة عن البرنامج الحقيقي للإنسان، و الجهل بالله و الغفلة عنه.

  • معنى الدنيا اتباع منطق الإحساس و العواطف الحيوانيّة و الغرائز البهيميّة، و الإعراض و الابتعاد عن منطق العقل. هذا هو معنى الدنيا، اي الحياة المتدنّية مقابل الحياة العليا، أي المتعالية في مستوي الفضائل الانسانية.

  • و لذلك فقد عُدّت الحياة الدنيا في القرآن الكريم مقابل الآخرة:

  • يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ هُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ.2

  • الحياة الآخرة- أي باطن الدنيا- هي الحياة العليا، حياة الإنسان العقلاني، أما حياة الدنيا فهي حياة منطق الإحساسات و الحياة النفسانيّة.

  • و ليس المقصود بالدنيا المذمومة العيش على الأرض و التمتّع بنعم الخالق المنّان، فليس ذنباً للانسان أن يعيش على الأرض و ينعم بالعمر الطويل و الصحّة و السلامة و الأمان و راحة البال و اطمئنان القلب و سكينة الخاطر، ذلك لأننا لم نأت إلى هذه الدنيا و نعيش عليها باختيارنا، كما اننا

    1. كتاب مكارم الأخلاق للشيخ الطبرسي، الطبعة الحجريّة، ص 258، ضمن وصيّة مفصّلة لرسول الله صلى الله عليه و آله و سلم يوصيها لأبي ذر الغفاري، يقول: يا أبا ذر!
      انّ الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها الّا ما ابتُغي به وجه الله.
    2. الآية 7، من السورة 30: الروم.

معرفة المعاد ج۱

100
  • لا نرحل عنها باختيارنا، و هذا المجيء و الذهاب ليس هو الدنيا المذمومة.

  • كما ان الأرض لم تقترف ذنباً، و الجبال و المياه و الشلّالات و المراتع و المناظر العجيبة الغريبة على الأرض، و الريح و المطر و تعاقب الفصول الأربعة و المناظر المذهلة لطلوع الشمس و غروبها، و مناظر القمر و النجوم و المجرّات لم تجترح سيّئة.

  • لقد عاش على الأرض الأنبياء و الأئمة و أولياء الله و لا يزالوا يعيشون و هم ليسوا بملعونين ... و حياتهم على الأرض لن تكون منقصة و ذلة لهم. فهم لم يبتعدوا عن رحمة الله و لن يبتعدون ...

  • الحياة على الأرض على أساس التقوى و العدالة ليست حياةً دنيويّة.

  • المقصود بالدنيا المعيشة الحيوانيّة، أي حين يقوم الانسان الذي ينبغي له- بامتلاكه القوى العقليّة- أن يصل الى ذروة قوس الصعود و الإرتقاء الى أعلى قمم مدارج الانسانية و معارجها، بالحطّ من حياته الى أسفل السافلين حيث يعيش على أساس منطق الحيوان، و يغفل عن التفكير في عالم الخلقة العجيب هذا، و عن التأمّل في برنامج الانسانيّة و هدفها، فيجعل همّه منحصراً في المأكل و المشرب و مواثبة الآخرين، و هدفَه و مرامه في القتل و الغارة و الاعتداء على الضعفاء، و تنظيم حياته على أساس الخيالات الواهية و الآمال الجوفاء التي يستحيل لها اكتساب التحقّق و الواقعيّة.

  • و قد التبس هذا المعنى على الكثير من الناس الذين فهموا من معنى الحياة الدنيا الحياة على الأرض و الحياة الماديّة، و لذلك فقد عدّوا المقصود بذمّ الدنيا ذمّ الحياة الماديّة و ذمّ التمتع بالمواهب الالهيّة المشروعة على الأرض، و هو توهّم كبير و خاطيء جداً. لأن الحياة على الأرض و التنعّم بما انعمه الباري اذا اقترن بالتقوى و الورع و العدل و الملكات الحسنة، و توأم مع العبوديّة في محضر ذات الله المقدّسة، فانّه سيكون أفضل وسيلة

معرفة المعاد ج۱

101
  • لنيل الجنّة و الرضوان، و حقيقته هي الحياة العليا مقابل الحياة الدنيا.

  • لقد كانت هذه الأرض بآثارها و خصائصها مهداً تربّى فيه النزهاء المخلَصون المطهّرون، أولئك الذين التحقوا بالعالم العلوي مباشرة و لم يردوا في الحياة الدنيا طرفة عين، بل جعل اولئكم على الدوام مأواهم و مستقرّهم في الحياة العليا بالرغم من تمتّعهم بالمواهب الالهية على الأرض.

  • و ذلك لأن العيش على الأرض، و الحياة الماديّة، و سلامة البدن، و طول العمر و هدوء البال هي أفضل أسس الآخرة و سبل السعادة و طرق تكامل الإنسان، بل هي الوسيلة الوحيدة للكمال و السعادة.

  • و قد ورد في روايات كثيرة أنّ الأنبياء و الأئمّة عليهم السلام كانوا يعملون و يشتغلون بالتجارة و الزراعة، و يرعون الأغنام، و ينظّمون الحدائق و بساتين النخيل و يعملون على سقيها بإجراء قنوات الماء.

  • فإن كانت هذه الامور من الحياة الدنيا، و إن كانت مذمومةً مُستقبحة، فلِمَ أقدم هؤلاء على أعمال كهذه؟!

  • ما أكثر قنوات الماء التي أجراها أمير المؤمنين عليه السلام، و ما أكثر أشجار النخيل التي غرسها، لكنّها كانت في الحياة العليا لا الحياة الدنيا، فقد كان عليه السلام يوقفها على الفقراء و المساكين و الضعفاء و ذوي القربى.

  • كان أمير المؤمنين عليه السلام يحمل على ظهره يوماً جراباً فيه وسق نوى، فسأله أحد أصحابه: ما هذا يا أبا الحسن؟ قال: مائة ألف نخل إن شاء الله تعالى. فغرسه فلم يغادر منه نواةً واحدة.1

    1. بحار الأنوار، ج 41، ص 32، ط الآخوندي.

معرفة المعاد ج۱

102
  • لقاء محمّد بن المنكدر مع الإمام الباقر عليه السلام.

  • التقى يوماً أحد الصوفيين الساكنين في المدينة، و اسمه محمّد بن المنكدر بالامام الباقر عليه السلام و هو متّكٍ على غلامين له أسودين في طريقه الى بساتين النخل، و كان بديناً.

  • فقال ابن المنكدر في نفسه: شيخٌ من شيوخ قريش في هذه الساعة على هذه الحال في طلب الدنيا، أشهدُ لأعظنَّه.

  • فدنى منه فقال: أصلحك الله، شيخ من أشياخ قريش في هذه الساعة على هذه الحال في طلب الدنيا، لو جاءك الموت و أنت على هذه الحال؟! فوقف الإمام و التفت الى ذلك الرجل و قال له:

  • لو جاءني- و اللهِ- الموتُ و أنا على هذه الحال جاءني و أنا في طاعة من طاعات الله تعالى أكفّ بها نفسي عنك و عن الناس. و انّما كنت أخاف الموت لو جاءني و أنا على معصية من معاصي الله.

  • فقال: يرحمك الله، أردتُ أن أعظك فوعظتني.1

  • و قد عقد في كتب الروايات بابٌ في صدقات أمير المؤمنين عليه السلام و أوقافه، ذُكر فيه جميع المزارع و الآبار التي جعلها الامام عليه السلام في وجوه البرّ المختلفة.

  • و قد ورد في تفسير الآية الشريفة: رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً

    1. أورد المفيد هذه الرواية في كتاب الارشاد في باب محمد بن على الباقر عليه السلام، عن ابي محمد الحسن بن محمد، عن جدّه، عن يعقوب بن يزيد، عن محمد بن أبي عمير، عن عبد الرحمن بن الحجّاج، عن الصادق عليه السلام. و رواها كذلك الشيخ الطبرسي( ره) في كتاب« إعلام الوري بأعلام الهدي»، ص 263، في فصل مناقب الامام و خصائصه عن محمد بن أبي عمير، بنفس السند.

معرفة المعاد ج۱

103
  • وَ فِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً.1 انّ المراد بالحسنة في الدنيا المال الحلال الذي يحصل عليه الانسان.2

  • و ورد في رواية: الْكَادُّ على عِيَالِهِ كَالْمُجَاهِدِ في سَبِيلِ اللهِ.3

  • و مال كهذا ليس من الحياة الدنيا، بل محسوبٌ من الآخرة.

  • و ينبغي لذلك الالتفات الى هذه النكتة، فاذا طرق سمع الانسان انّ الدنيا لا تنفع شيئاً لأنّ الإنسان سيموت في عاقبة الأمر، فإن المعنى بذلك دنيا الشهوة و الغفلة، فتلك هي الدنيا التي لا تنفع، لا الدنيا الصحيحة، فهذه الأخيرة ليست دنيا.

  • و إن لم يكن للإنسان دنيا صحيحة فانّه لن يكون له آخرة أيضاً، لأنّ الآخرة قائمة على أساس الدنيا الصحيحة. كما انّ جميع الكمالات التي نحوزها نكتسبها في الدنيا، لذا فانّ الآخرة متوقّفة على الدنيا مرهونة عليها، يضاف الى ذلك انّ تلك الكمالات يُصار الى اكتسابها خلال مدّة العمر، لذا فانّ العمر من أعلى و أثمن المواهب و الثروات الالهيّة.

  • يروي المرحوم الشيخ الصدوق في كتاب «معاني الأخبار» عن أبيه، عن سعيد بن عبد الله، عن ابن فضال، عن يونس بن يعقوب، عن شعيب العقرقوفي، قال: قلتُ لأبي عبد الله عليه السلام: شيءٌ يروى عن أبي ذر- رحمة الله عليه- أنه كان يقول: ثلاثة يبغضها الناس و أنا أحبّها: احبُّ الموت، و احبُّ الفقر، و احبُّ البلاء. فقال إنّ هذا ليس على ما يرون، إنّما عنى: الموت في طاعة الله أحبُّ الي من الحياة في معصية الله و الفقر في

    1. الآية 201، من السورة 2: البقرة.
    2. مجمع البيان، مطبعة العرفان، صيدا، ج 1، ص 297. و يقول في ص 298: قيل ه- المال في الدنيا، و في الآخرة الجنّة، عن أبي زيد و السدي.
    3. وسائل الشيعة، ج 12، ص 43، طبع المكتبة الاسلامية- طهران.

معرفة المعاد ج۱

104
  • طاعة الله أحبُّ الي من الغنى في معصية الله، و البلاء في طاعة الله أحبُّ اليّ من الصحّة في معصية الله.1

  • و أورد المفيد في مجالسه باسناده عن ابن فضّال رواية مثلها.2

  • و ينقل الصدوق في كتاب (عيون أخبار الرضا) عن مفسّر، عن أحمد بن الحسن الحسيني، عن أبي محمّد العسكري، عن آبائه عليهم السلام قال:

  • جَاءَ رَجلٌ إلى الصَّادِقِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ: قَدْ سَئِمْتُ الدُّنْيَا، فَأتَمَنَّى على اللهِ الْمَوتَ. فَقَالَ تَمَنَّ الْحَيَاةَ لِتُطِيعَ لَا لِتَعْصِيَ؛ فَلَئِن تَعِيشَ فَتُطِيعَ خَيرٌ لَكَ مِن أن تَمُوتَ فَلَا تَعْصِيَ وَ لَا تُطِيعَ.3

  • و يروي المرحوم الشيخ الصدوق في كتاب (معاني الأخبار) عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن البرقي، عن محمّد بن على، عن حارث بن الحسن الطحّان، عن ابراهيم بن عبد الله، عن فضيل بن يسار، عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال:

  • لَا يبلغُ أحدُكُمْ حَقِيقةَ الإيمانِ حتّى يكونَ فيه ثلاثُ خِصالٍ، حتّى يكونَ الموتُ أحَبَّ اليهِ مِنَ الحياةِ، و الفقرُ أحبَّ اليهِ مِنَ الغِنى، و المرضُ أحبَّ اليهِ مِنَ الصِّحَةِ. قُلنا: و مَن يكونُ كَذلكَ؟ قال: كُلُّكُمْ؛ ثمَّ قالَ: أيمّا أحبّ إلى أحدِكُمْ يَمُوتُ في حبِّنَا أو يعيشُ في بُغضِنَا؟

    1. معاني الأخبار، ص 165.
    2. أمالي المفيد، المجلس الثالث و العشرون، ص 112، عن أحمد بن محمد، عن أبيه محمّد بن الحسن بن الوليد القمّي، عن محمّد بن الصفّار، عن عباس بن معروف، عن على بن مهزيار، عن الحسن بن على الفضّال، عن يونس بن يعقوب، عن شعيب العقرقوفي، عن الامام الصادق عليه السلام.
    3. بحار الأنوار، ج 6، ص 128.

معرفة المعاد ج۱

105
  • فقلتُ: نَمُوتُ و اللهِ في حُبِّكُمْ أحبُّ إلينا.

  • قال: و كذلكَ الفقرُ و الغِنى و المرضُ و الصحّةُ. قلتُ: إي و اللهِ1

  • بلى، حين يقول أبو ذر انّ الموت خيرٌ لي من الحياة، فان مقصوده كان صحيحاً ايضاً نظير هذا المعنى، و لم يكن ليريد القول (انني لا أريد الحياة على الأرض أصلًا).

  • البدن آلة رقيّ النفس و تكاملها.

  • لقد منّ الله علينا بالعقل و العلم و القدرة، و وهبنا الأعضاء و الجوارح من العين و الاذن و الأيدي و الأرجل، ليمكننا بواسطتها ان نعمل شيئاً في كلّ لحظة فنطوي درجةً نحو الكمال، و نحوز في النتيجة مرتبة يوم القيامة. و لو مات الانسان و خسر قواه هذه، فانّ نفسه لن تترقّى و لن تتعالى أبداً.

  • يقول أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة:

  • وَ لَو لَا الآجالُ التي كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمْ، لَمْ تَسْتَقِرَّ أرْوَاحُهُمْ في أجْسَادِهِمْ طَرْفَةَ عَيْنٍ شَوْقاً إلى الثَّوَابِ، وَ خَوْفَاً مِنَ الْعِقَابِ.2

  • و مفاد هذا الكلام يرجع الى انّ علّة عدم التحليق الى العالم الأعلى، عدم حلول الحين و الأجل المعهود الذي عيّنه الله لكمال الأفراد و صلاحهم، و في هذه الحال فانّ الحياة أفضل من الموت.

  • و على كلّ حال فانّ الدنيا محلّ اكتساب مكارم الاخلاق، و نيل الفضيلة و الكمال، و ما دام. الانسان حيّاً فان عليه ان يعرف قدر نفسه، و ما دامت أنفاسه تتردّد فان عليه ان يقول «لا اله الّا الله»، فاذا انقطع النَّفَس انقطعت معه القدرة على تلفّظ حرف واحد.

    1. معاني الأخبار، ص 189.
    2. من جملة فقرات الخطبة 191 في نهج البلاغة، و ه- الخطبة المعروفة بخطبة همام.

معرفة المعاد ج۱

106
  • كنونت كه چشم است اشكى ببار***زبان در دهانت عذرى بيار

  • كنون بايدت عذر تقصير گفت***نه چون نفس ناطق ز گفتن بخفت

  • غنيمت شمار اين گرامى نَفَس***كه بى مرغ قيمت ندارد قفس 1

  • كان أخونا المتوفي المرحوم الحاج هادي الأبهري مريضاً، و كنّا نسعى كثيرا لمعالجته و مداواته، فقال لأحد رفقائنا يوماً: انني سأرحل، و هذا السيد محمّد حسين يعلم أيضاً انّني سأرحل، لكنّه يسعى بهذه الجهود كي يمكنني قول كلمة «لا اله الّا الله» واحدة أكثر.

  • و هو كلام صحيح جداً، فتلفّظ كلمة «لا اله الّا الله» واحدة أكثر هو أيضاً في يد الله، و سيتّضح بعد قولها انّ الأجل لم يكن قدحان قبلها، و انّ الارادة الأزليّة للحضرة الربوبيّة لم تكن قد تعلّقت بالموت بعدُ، بيدَ انّ هذا لا يسلب الاختيار، و على الانسان- ما دام مختاراً- أن يسعى لقول «لا اله الّا الله».

  • إنّ الانسان يرتحل و ينتقل من هذا العالم الى ذلك العالم، فيجد نتيجة كلّ عمل قام به في هذه الدنيا مُحضراً ثابتاً، فالذين يقولون: مَن- ترى-

    1. تفسير روح البيان، طبع دار السعادة، 1330، في عشر مجلدّات، المجلّد الثاني، ص 219. يقول الشاعر:
      فلتذرف الدمع سخيناً ما دمتَ تمتلك أعيناً، و لتعتذر ما دام لسانك يدور في فمك.
      الآن عليك أن تعتذر عن تقصيرك، لا أن تدخرّ ذلك ليومٍ تخمد فيه نفسك الناطقة و يُلجمها الخرس.
      فاغتنم هذه الأنفاس الثمينة الغالية، لانّ القفص الفارغ بلا طائر لا قيمة له.

معرفة المعاد ج۱

107
  • ذهب الى الآخرة ليأتي بالخبر أنّ هناك جنّة و ناراً، و أنّ هناك حورالعين، و مالك جهنّم و خازن الجنّة؟! فاسعد ايّها السيّد بهذه الدنيا فهذه الامور بأجمعها خرافات لفقّها الأنبياء ليمكنهم السيطرة على البشر المتمرّد المتعدّي، و ليقرّوا العدالة الإجتماعية في المجتمعات!

  • هذا المنطق هو منطق الأفراد السطحيين قصيري النظر، و ذلك أوّلًا: إنّ حسّ المسئولية في الانسان العاقل المختار يعدّ جزء من فطرته و طينته، و لا علاقة له بالأنبياء، و هذا العالم لم يُخلق عبثاً أو باطلًا، و هذا النظام العجيب منطبق على الحقّ، كما انّ الانسان جزء من هذا العالم الواسع العجيب، فاختياره يحدّده و يضعه في عالم التكوين على مفترق طريقي الخير و الشرّ، و هذا هو معنى إلتزام الانسان و مسؤوليته، شأنه في ذلك شأن كلّ موجود من موجودات نظام الخلقة، بل و كلّ ذرّة من ذرّاته.

  • أمّا إخراج الانسان من هذا الأمر العام و عدّه مهملًا و مخلوقاً عبثاً، و تقديمه على أنّه خُلق بلا هدف و غاية، فلا يعني الّا توجيه ضربة و تفتيت و سحق أساس هذا العالم مرجعها إنكار أساس المبدأ و أصالة عالم الوجود.

  • و ثانياً: إنّ انكار الوحي و عدم إمكان الارتباط بعالم الغيب، و انكار عالم ماوراء الطبيعة (الميتافيزيقيا) أمر فقد اليوم رونقه بين المفكّرين، و صار لجامعات العالم السبل الكفيلة بالوصول الى هذه الحقائق هم في صدد طيّها و انتهاجها، كما انّ الاقتراب من الحكمة الالهية و العرفان الربوبي يفتح نافذة أمل لإشعاع نور الحقيقة على قلوبهم.

  • و لقد بُرهن في الحكمة المتعالية بالبراهين القاطعة على وجود عوالم الغيب و الملكوت، بحيث لم تبق مجالًا للشك و الاعتراض في مدرسة الفكر و التعقّل.

معرفة المعاد ج۱

108
  • إخبار الرسول الأمين بعوالم ما بعد الموت.

  • و لقد ذهب نبيّنا الأكرم صلى الله عليه و آله الى المعراج و أخبر عن جميع مشاهداته العجيبة في أحوال الجنّة و النار و الأفراد المعذّبين و المنعّمين، و لا نعرف أحداً أصدق لهجة من النبي، فليس ما قاله الّا الحق الصريح الذي أخبرنا به و نبّأنا عنه.

  • و بغضّ النظر عن ذلك، فانّ النبيّ حين ذهب و رأى و أخبر بالخبر اليقين، فانّه لم يرَ ذلك بالعين الماديّة، لأنّ العين الحسيّة الماديّة يمكنها فقط أن تلحظ الأجسام و آثارها، لا أن ترى عالم المعنى و الصور المعنويّة، كما انّ ادراك الجنّة و جهنّم و أحوالها و خصائصها في المراحل و المنازل المختلفة، و ادراك عالم القدس يحتاج الى عين القلب و البصيرة.

  • و عليه فانّ اولئك القائلين بأنّ أحداً لم يذهب فيخبر عمّا هناك، يقصدون انّ أحداً من الموتى لم يعد ليصف لنا بلسانه ما شاهده بأمّ عينيه، و هو منطق خاطيء. و لو افترضنا انّ ميّتاً قد عاد، فانّه سيصف ما شاهده بعين قلبه و بصيرته، كما انّ لسانه حين يتكلّم فانما يحكي عن لسان قلبه. فمن المحال للميّت أن ترى عينه الحسيّة الواقعة في رأسه ليجيء بالخبر، و لذلك فانّ الميّت لو جاء فتكلّم و أخبر، فانّ من المسلّم أنّه قد شاهد ما شاهد بعين قلبه و بصيرته، فهو يتكلّم عن لسان القلب بلسان الحسّ، و هذا المعنى صادق على الأنبياء العظام و نبيّنا الأكرم صلّى الله عليه و آله، لأنّم ذهبوا و أخبروا بما عاينوا. كما انّ المعراج يعني الحركة و السفر من عالم البرزخ هذا و عالم القيامة و الأسماء و الصفات الالهية و الورود في حرم الحضرة الكبريائيّة و حريم مقام العزّ و العظمة. و ليس معراج رسول الله صلّى الله عليه و آله أمراً يعتريه الشكّ و التردّد.

  • و ثالثاً: قولهم انّ أحداً لم يذهب ليأتي بالخبر؛ و هذه الجملة ليست كافية في مقام الاستدلال لرفع المسئوليّة عن الإنسان، كما انّها لا تدع

معرفة المعاد ج۱

109
  • الانسان حرّاً طليقاً ليفعل ما يحلوله.

  • و ذلك لأنّ أحداً لم يذهب ليأتي بالخبر، لا أنّ أحداً قد ذهب ليأتي بالخبر أنه ليس هناك من شيء، و بين هذين المعنيين فارق كبير.

  • فلو كان أحدٌ ما قد ذهب و جاء بالخبر أن ليس هناك من جنّة و لا نار لكان ذلك كافياً، لكنّ عدم ذهاب أحد و عدم جلب الخبر لا يدّل على عدم وجود تلك الامور، لأنّ من المحتمل في مقام الإمكان أن تكون امور كهذه موجودة في الواقع، و مع ذلك فانّ من ذهب أو رحل عن الدنيا لم يأتِ بالخبر عنها.

  • لقد ذهب آباؤنا و أمّهاتُنا و أرحامنا و أصدقاؤنا و لم يأتوا بخبرٍ ما، لا عن وجود تلك الامور و لا عن عدمها، فمن أين سيُعلم أنّها ليست موجودة حقّاً؟

  • و لهذا فانّ أصل تحقّق القيامة و الحساب و الكتاب أمر ممكن، كما أنّ الدليل و البُرهان لم يقم على عدمه، فبأيّ مجوّز عقلي يحقّ للإنسان ان يرى نفسه متروكاً و مهملًا؟!

  • كلام أبي علي سينا في وجوب جعل المسموعات ممكنةً لحين إقامة العقلي

  • يقول أبو علي سينا:

  • كُلَّمَا قَرَعَ سَمْعَكَ مِنَ الْغَرَائِبِ فَذَرهُ في بُقْعَةِ الإمْكَانِ مَا لَمْ يَذُدكَ عَنْهُ قَائِمُ الْبُرهَانِ.1

    1. هذه عبارة الشيخ المعروفة التي نُقلت عنه في الكثير من الكتب، و المراد بالإمكان هنا الاحتمال العقلي لا الإمكان الذاتي. يقول الحكيم السبزواري في شرح المنظومة، ص 46 ضمن شرح غرر« المعدوم لا يُعاد بعينه»: و معنى الإمكان خلاف الاعتقاد الجازم، اعني احتمال في مثل قولهم« ذر في بقعة الامكان» ما موصولة« لم يذده» أي لم يدفعه« قائم البرهان» اشارة الى جواب دليل آخر اقناعي لهم، و هو انّ الأصل فيما لا دليل على امتناعه و وجوبه هو الإمكان كما قال أحد الحكماء:« كلّما قرع سمعك من الغرائب فذره في بقعة الامكان ما لم يذدك عنه قائم البرهان». و للشيخ الرئيس عبارة في آخر كتاب الاشارات بعد بيان جميع الاشارات، تحت عنوان نصيحة، يقول فيها« ايّاك أن يكون تكيّسك و تبرّوك عن العامّة، هو أن تنبري مُنكراً لكلّ شيء، فذلك طيش و عجز، و ليس الخرق في تكذيبك ما لم يستبن لك بعد جليّته دون الخرق في تصديقك ما لم يقم بين يديك بيّنة؛ بل عليك الاعتصام بحبل التوقّف، و إن أزعجك استنكار ما يوعاه سمعك، ما لم تتبهن استحالته لك؛ فالصواب أن تسرح أمثال ذلك الى بقعة الامكان، ما لم يذدك عنه قائم البرهان). و قد ورد هذا الكلام في الصفحة الأخيرة من الإشارات، الطبعة الحجريّة. و في الصفحة 159 و 160 من المجلد الرابع للإشارات، الطبعة المصريّة الحديثة الثانوية.

معرفة المعاد ج۱

110
  • و باعتبار إمكان تحقّق القيامة هنا- ناهيك عن ان الصادق الشاهد، و المصدّق المؤيّدَ رسولنا الأكرم و نبيّنا الأعظم صلّى الله عليه و آله يخبر عن هذا التحقّق و الوقوع- فانّ نفس الاحتمال منجّز، و دفع الضرر المحتمل من مستقلّات العقل.

  • لقد كان للامام الصادق عليه السلام كلامٌ ضمن بحث مع رجل ملحد من الدهريين يُنكر وجود خالق عالم قادر حيّ لهذه الدنيا، توصّل الامام فيه الى اثبات المعاد و وجود الحساب و الجزاء و أفحم ذلك الدهري. ثم قال الامام عليه السلام لذلك الرجل ذي النزعة المادّية:

  • إن يكن الأمر كما تقول [بأن لا وجود لله و لا للمعاد و الجزاء]- و ليس كما تقول- نجونا و نجوتَ، و إن يكن الأمر كما نقول [بأنّ هناك إلهاً و معاداً و جزاءً]- و هو كما نقول- نجونا و هلكتَ.1

  • و لا مناص أمام رفع هذا الاحتمال من الالتزام في الأعمال و السلوك و العقائد الحسنة.

  • و رابعاً: لقد شاهد كلٌّ منا في حياته حلماً عن شخص متوفّي بيّن فيه حاله قليلًا أو كثيراً، و كثيراً ما يحصل ان يُخبر اولئك عن أمور لم يكن

    1. الاحتجاج للطبرسي، ج 2، ص 336.

معرفة المعاد ج۱

111
  • لأحد علم بها، كأن يقول مثلًا: انّ على ديناً بمبلغ كذا للشخص الفلاني الذي يسكن المحلّة الفلانية، فأدّوه عنّي. و حين يُراجع ذلك العنوان يتّضح انّه كان مديوناً فعلًا بنفس المبلغ بلا زيادة و لا نقصان. و كثيراً ما يحدث أن يكون نفس الشخص الدائن لا يعلم بذلك الأمر، ثم يستبين له ذلك بمراجعة دفاتره و حساباته. ثم يرى ذلك الشخص في النوم فيقول: لقد استرحتُ. و يُبدي شكره و امتنانه من الشخص الذي أدّى عنه دينه.

  • هذه هي الارتباطات التي تقوم بها نفس الإنسان مع عالم المثال، فتكتسب أموراً منه امّا في النوم أو الصحو و تجلبها معها الى عالم الحسّ هذا.

  • و ما أكثر ما وجد أفرادٌ ذوو ضمير مشرق و طويّة سليمة نزيهة في عالم الصحو المحض ارتباطاً مع عالم البرزخ، فتكلّموا مع الأرواح ثم بيّنوا لنا حساب عالم القبر الذي هو عالم البرزخ.

  • و هؤلاء الأفراد قد حازوا أوّلًا مقام العدالة و التقوى و الصدق بحيث لا يرد احتمال كذبهم و لو بنسبة واحد في المليون. و ثانياً فانّ هؤلاء الأفراد- بالرغم من قلّتهم و نُدرتهم نسبةً الى عامّة الناس- الّا انّهم في حدّ أنفسهم أفراد غير قلائل. و ثالثاً: ان كيفية اخبارهم متشابهة بلحاظ بيان الواقع، فقد بيّن كلٌّ منهم- بصور و أشكال مختلفة- قصصاً عن ستار الغيب ذلك.

  • قصّة المرحوم المحدّث القميّ في وادي السلام في النجف الأشرف.

  • انّ المرحوم المحدّث القمّي صاحب التأليفات النافعة مثل سفينة البحار و الكنى و الألقاب و غيرها، لا شكّ في ورعه و تقواه و صدقه بين أهل العلم قاطبة، و قد نقل أفراد موثّقون عنه بلا واسطة انّه قال: ذهبتُ يوماً إلى وادي السلام في النجف الاشرف لزيارة أهل القبور و أرواح

معرفة المعاد ج۱

112
  • المؤمنين، فسمعتُ فجأة من بعيد رغاء بعير يريدون كيّه، و كان يهدر و يئنّ بحيث كانت أرض وادي السلام تهتزّ من صراخه، فقصدتُ نحوه لاسنتقذه، و حين اقتربتُ من مصدر الصوت رأيت أن ليس في الأمر من بعير!! كانت هناك جنازة جيء بها لتدفن، و كان ذلك الصراخ يتعالى منها، الّا ان الأفراد القائمين بأمر الدفن لم يكن لديهم اطلّاع على ذلك أبداً، فكانوا مشغولين بعملهم في هدوء و برود.

  • لقد كانت هذه الجنازة بلا ريب لرجل ظالم متعدّ ناله في أوّل وهلة من ارتحاله عقوبة كهذه، اي انّه قد خاف و فزع قبل الدفن و قبل عذاب القبر من مشاهدة الصور البرزخيّة، فكان يئنّ و يضجّ بالصراخ.

  • قصّة المرحوم ءاية الله الگلبايگاني في مقبرة «تخت فولاد» أصبهان.

  • كان للمرحوم آية الله السيد جمال الدين الگلبايگاني رضوان الله عليه مطالب كثيرة من هذا القبيل، و كان من العلماء و مراجع التقليد الأجلاء في النجف الأشرف و من التلامذة المبرزين للمرحوم آية الله النائيني، و كان في علمه و عمله حديث الخاصّة، و قد كان في عظمة قدره و كرامة منزلته و نزاهة نفسه مورد تصديق الجميع، فليس هناك من محلّ للشكّ في كلامه، كما كان حائزاً على المقام الأعلى في مراقبة النفس و الاجتناب عن الأهواء النفسيّة.

  • و كان لجيرانه حكايات عن أصوات مناجاته و بكائه، و كانت الصحيفة المباركة السّجاديّة مقابله دوماً في غرفة الخلوة، ينشغل بقراءتها حالما يفرغ من المطالعة، و كانت ءاهاته حرّى و دموعه جارية فيّاضة، و كلامه مؤثّراً و قلبه مفعماً بالإخلاص. و قد عاش ما يزيد على تسعين سنة، حيث انقضى على رحيله حتى الآن تسع عشرة سنة. و قد درس في

معرفة المعاد ج۱

113
  • فترة شبابه في اصبهان، و كان رفيق المرحوم ءاية الله الحاج حسين البروجردي في الدرس و المباحثة، فكان ءاية الله البروجردي يكتب له الرسائل و يستعين به بالنسبة الى بعض المسائل الغامضة و الحوادث الواقعة، سواءً في الاوقات التي كان فيها في بروجرد، أو الأوقات التي عاش فيها في قم.

  • و كان الحقير قد تشرّف بالذهاب الى النجف الأشرف للتحصيل و الدراسة لمدة سبع سنوات، فكنت أتردّد على منزله مرّة أو مرّتين اسبوعيّاً فأجلس عند ساعة من الزمن، و مع انّه كان من أهل التقيّة و الكتمان لدرجة كبيرة، الّا انّه كان ينقل لي مطالب عن وارداته القلبيّة في مدّة عمره، سواءً في أصبهان أو في النجف، و كانت مطالب يُخفيها حتّى عن خواصّه و المقرّبين اليه.

  • و كان منزله يقع في محلّة الحويش، و لديه غرفة صغيرة تقع أعلى الدار يقضي فيها أوقاته. و كان يقصّ علي من وارداته و مكاشفاته، أو عن حالاته و مقاماته حين كنت أتشرّف بالمثول عنده، فاذا ما سمع صوت أقدام تصعد السلّم قطع حديثه و اشتغل ببحث علمي أو فقهي ليخال للقادم انّنا كنّا مشغولين في هذه المدّة بالمذاكرة و البحث العلمي، و كان يفعل ذلك حتّى لو كان الوارد من أخصّ خواصّه.

  • كان يقول: درستُ أوان شبابي في أصبهان درس الأخلاق و السير و السلوك عند استاذين كبيرين: المرحوم الآخوند الكاشي و جهانگيرخان، و كانا معلّمي في هذا المجال.

  • و كانا قد أمراني بالذهاب ليالي الخميس و الجمعة خارج أصبهان إلى مقبرة (تخت فولاد) للتفكر في عالم الموت و الأرواح، قدراً و بالعبادة قدراً آخر ثم العودة صباح اليوم التالي.

معرفة المعاد ج۱

114
  • و هكذا فقد اعتدتُ على الذهاب ليالي الخميس و الجمعة للتجوال و التفكّر ساعة أو ساعتين بين القبور، استريح بعدها عدّة ساعات، ثم أنهض لصلاة الليل و المناجاة، ثم أصلي صلاة الصبح و أعود الى أصبهان.

  • و كان يقول: كانت ليلة من ليالي الشتاء، و كان الهواء بارداً جداً، و الثلج يتساقط من السماء، و كنتُ قد جئتُ من أصبهان إلى مقبرة (تخت فولاد) للتفكّر في أرواح وادي ذلك العالم و ساكنيه، و ذهبتُ الى إحدى الغرف و أردتُ فتح منديلي لأتناول لقيمات من الطعام فأنام بعدها الى منتصف الليل و أنهض لأشتغل بأعمالي و عبادتي حسب الطريقة التي أمرتُ بها.

  • و في تلك الأثناء طرُق باب المقبرة، و كانوا يريدون إدخال جنازة لأحد أرحام صاحب المقبرة جاءوا بها من أصبهان، على أن يقوم قارئ القرءان- و هو المسئول عن المقبرة- بالتلاوة عليها حتّى يعودوا صباحاً لدفنها. و هكذا فقد وضع اولئك الجماعة الجنازة و ذهبوا و انشغل قارئ القرءان بالتلاوة.

  • و حصل بمجرّد أن فتحت المنديل و أردتُ الانشغال بتناول الطعام أن شاهدتُ ملائكة العذاب و قد جاءوا و شرعوا بالتعذيب. (و أنقل هنا عين عبارة المرحوم): كانوا ينهالون على رأسه بدبابيس ناريّة بحيث يتصاعد لهب النار الى السماء، و كانت صرخات هذا الميّت تتصاعد كأنّ جميع هذه المقبرة العظمية كانت تتزلزل منها.

  • و لا أعلم أيّ صنف من العاصين كان، أ كان من الحكّام الظالمين الجائرين ليستحقّ العذاب على ذلك النحو؟

  • كان ذلك يحدث و قارئ القرءان يجلس في هدوء عند الجنازة مشغولًا بالتلاوة لا يعلم شيئاً من ذلك أبداً. و كنتُ قد تداعيتُ عند مشاهدة

معرفة المعاد ج۱

115
  • ذلك المنظر، فكان بدني يهتزّ و يرتجف، و وجهي يشحب و يصفرّ، و كنتُ أشير الى صاحب المقبرة أنّ: إفتح الباب فأنا أريد الذهاب؛ فلا يفهم ذلك، حاولت أن أقول ذلك فكان لساني محتبساً في فمي لا يقوى على الحركة.

  • ثم أفهمته أخيراً: إفتح مغاليق الباب فأنا أريد الذهاب.

  • قال: ايّها السيّد، انّ الجوّ بارد، و قد غطّى الثلج الأرض، و هناك ذئاب في الطريق ستفترسك.

  • و عبثاً حاولتُ إفهامه أن لا طاقة لي على البقاء، فلم يكن ليدرك ما أعنيه، فاضطررتُ الى أن أجرّ نفسي الى باب الغرفة ففتحته بنفسي و خرجت و مع انّ المسافة من هناك الى أصبهان لم تكن بعيدة الّا انّي قطعتها في غاية المشقّة حيث سقطت على الأرض عدّة مرّات، ثم جئت الى غرفتي فسقطت مريضاً اسبوعاً كاملًا. و كان المرحوم الآخوند الكاشي و جهانگيرخان يأتيان الى غرفتي لتطييب خاطري، و كانا يُعطياني الدواء و كان جهانگيرخان يُنضج اللحم المقدّد (الكباب) فيطعمنيه بالإكراه، حتّى استرجعت قوّتي شيئاً فشيئاً.

  • و ينبغي أن نسأل منكري المعاد هنا: أ هذه الامور أيضاً تقبل الإنكار؟!

  • الصور البرزخيّة:

  • كان المرحوم السيد جمال يقول: حين تشرّفتُ بالمجيء من أصبهان الى النجف الأشرف كنت أرى الناس مدّة في صورهم البرزخيّة في هيئة الوحوش و الحيوانات و الشياطين، حتى سئمتُ من كثرة المشاهدة، فتشرّفت يوماً بزيارة الحرم المطهر و سألتُ أمير المؤمنين عليه السلام أن

معرفة المعاد ج۱

116
  • يسلب تلك الحال منّي فلا طاقة لي بها، فاستجاب لي أمير المؤمنين عليه السلام و صرت أرى الناس بعد ذلك في هيئتهم العاديّة.

  • لقاء ءاية الله الگلبايگاني مع الأرواح في وادي السلام.

  • و كان يقول أيضاً: ذهبتُ مرة في يوم حارّ الى وادي السلام لقراءة الفاتحة لأهل القبور و لأرواح المؤمنين، و كان الجوّ قائضاً حارّاً جداً فلجأتُ الى طاق كانوا قد بنوه على أحد القبور و جلستُ في ظلّه، ثم خلعتُ عمامتي و عباءتي لأستريح هنيئة و أعود، فشاهدت في تلك الحال جماعة من الموتى بملابس متهرّئة رثّة و هيئة قذرة جدّاً و هم يتّجهون نحوي و يطلبون الشفاعة منّي: انّ وضعنا سيّء و صعب، فاسأل الله أن يعفَو عنّا!

  • فنهرتُهم و قلت: انّكم لم تُصغوا الى كلّ ما قيل لكم في الدنيا، و ها أنتم تطلبون العفو حين قُضي الأمر، فاذهبوا أيّها المستكبرون!

  • و كان يقول: كان اولئك الموتى من شيوخ العرب الذين عاشوا عيشة مستكبرة في الدنيا، و كانت قبورهم في اطراف القبر الذي جلستُ عنده.

  • لقاء ءاية الله الگلبايگاني بحوريّات الجنّة في روضة برزخيّة من رياض الجنّة:

  • لقاء المرحوم ءاية الله الگلبايگاني بحوريّات الجنّة.

  • و كان يقول: كنتُ جالساً يوماً ما، فوردتُ فجأة في روضة مجلّلة في غاية العظمة ذات مناظر تخلب الألباب، و كان حصى أرضها يستهوي الافئدة، و أشجارها مفعمة بالطراوة و الغضارة، و النسائم المنعشة تهبّ خلالها. فوردت تلك الروضة و ذهبت مباشرة الى وسطها فشاهدت حوضاً مترامي الأطراف مليئاً بالماء الرقراق البرّاق، و كان ماؤه صافياً بحيث كان الحصى في قعره ظاهراً للعيان.

  • و كان لهذا الحوض حافّة جلست عليها فتيات حسان لم تَرَ العينُ

معرفة المعاد ج۱

117
  • مثلهنّ يجلسن بأبدان عارية حول هذا الحوض و هنّ يلعبن بالماء و يُمسكن بحافة الحوض بيد و يُهلن باليد الأخرى ماء الحوض على حافّته.

  • و كانت تترأسهنّ فتاة أكبر منهنّ تفوقهنّ جلالًا و جمالًا، فكانت تُنشد الشعر فيرددنّه بعدها و يُجِبنَ عليه.

  • و كانت تترنّم بصوت عال بقصيدة طويلة تقرأها فقرة فقرة، و كانت كلّ فقرة من فقرات القصيدة خطاباً الى الله تعالى أن: لِمَ أهلكتَ قومَ عاد، و لِمَ أهلكتَ قومَ ثمود، و لِمَ أغرقتَ الفراعنةَ في اليمّ، و ...

  • و باعتبار انّ كلّ فقرة من هذا الشعر كانت ترجع الى قوم معيّنين، فقد كانت تلكم الفتيات يقلن جميعاً: بأيّ علّة؟ و لأيّ سبب؟ و هكذا فقد كانت تلك الفتاة الرئيسة تذكر اعتراضاتها، و الفتيات الباقيات يؤيّدن كلامها في أجوبتهنّ.

  • و كنتُ قد وردتُ ذلك المكان لكني شاهدتُ ان جميع تلكم الفتيات أجنبيّات عنّي، لذا فقد عدت في حركتي حول الحوض من حيث أتيت و غادرتُ تلك الروضة.

  • لقد كان المرحوم السيد جمال تلميذاً و تابعاً مؤمناً من أتباع القرآن الكريم، و كان شخصاً تربّى بعدّة وسائط على منهج رسول الله صلّى الله عليه و آله، و لكن باعتبار حصول هذه المكاشفة لديه قبل وصوله الى مقام الكمال الروحي، حيث لم تكن مسألة هلاك قوم عاد و ثمود و نوح بأيدي العوامل الغيبيّة قد حُلّت بعدُ في سرّ وجوده، فقد تجلّى ذلك في عالم المعنى على هيئة اعتراض حوريّات الجنّة، و بغير ذلك فلا معنى للإعتراض في عالم المعنى و التجرّد، إذ أنّ جميع أهل الملأ الأعلى منهمكون في تسبيح و تقديس وجود و صفات و أفعال الحضرة الأحديّة.

  • و من دواعي الفرح انّ ذلك المرحوم قد شاهد ان تلكم الحوريّات كُنّ

معرفة المعاد ج۱

118
  • أجنبيّات عنه، و هو بشارة روحيّة بأنه سيعبر هذا المنزل الذي هو محلّ الشبهة و الاعتراض، و سيصل الى منزل التسبيح و التقديس المطلق، كما تجلّى هذا المعنى فعلا في المكاشفات التي حصلت له أواخر عمره، رحمة الله عليه رحمةً واسعة.

  • أ قيمة كلام الله و بيانات رسوله أضعف من كلمات السيّد جمال و أمثاله و أقصر تعبيراً؟!

  • ما أفضل ما بيّنه الله جلّ و عزّ في سورة القيامة (75)، الآيات 22- 4: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ، إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ.

  • وجوهٌ غضّة طريّة ناظرة الى الجمال الخالد لخالقها، تتطلّع الى تجليّاته فتجده في تلك التجليات.

  • وَ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ، تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ.

  • و هناك في نفس الوقت وجوه مغمومة حزينة عابسة، يحيط بها الحزن و الكدر و الغمّ.

  • كَلَّا إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ، وَ قِيلَ مَنْ راقٍ، وَ ظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ، وَ الْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ، إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ.

  • كلّا، ليس أبداً كما يتصورّون أو يظنّون، فيُنكرون يوم القيامة. بل إذا بلغت روح الانسان صدره و ارتطمت بعظام ترقوته و حلقومه في آخر أنفاسه الإنسانيّة، فانّه سيُقال له: من الذي يشفيك، و من الذي يعطيك دعاءً و تعويذة و يكتب لك رُقية؟

  • ءانذاك حين ستكون يداه قد قصرت عن فعل أيّ شيء، و يكون أمله قد انقطع، و رأى الفراق قريباً، و التصقت ساقاه ببعضهما فلا قدرة له بعدُ على الحراك. او حين تلتفّ حال الاحتضار و سكرات الموت هذه التي تمثّل حال أفول البدن، بساق الآخرة، اي طلوع عالم الغيب.

معرفة المعاد ج۱

119
  • أو حين يكون ملائكة الرحمة او الغضب قد التفّوا عليه و تقاطروا عليه بكثرة فساقوا بينهم هذا العبد إلى مقصده و غايته.

  • ذلك الوقت هو وقت الحركة و السوق الى ربّك أيّها النبيّ.

  • فَلا صَدَّقَ وَ لا صَلَّى، وَ لكِنْ كَذَّبَ وَ تَوَلَّى، ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى، أَوْلى لَكَ فَأَوْلى، ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى.

  • و هذه الآيات نزلت في شأن أبي جهل الذي كان يسخر بالنبيّ صلّى الله عليه و آله، و بدعوته للصلاة و الزكاة، و يعد يوم الجزاء من الأساطير و الخرافات.

  • تقول الآيات: لم يكن يتصدّق و لا يصلّي، بل كان يُنكر الله و يكذّب بيوم القيامة، و يُعرض عن حقائق العالم و عن كلام الله و رسوله (ص). ثم كان يذهب الى أهله من عند رسول الله باستكبار و خُيلاء، فيفتخر عندهم بالتجاسر على رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم.

  • بلى ان جهنّم أولى به و أجدر، نار جهنّم أولى به من أي شيء آخر.

  • أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً، أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى، ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى، فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَ الْأُنْثى، أَ لَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى.

  • أ يتخيّل الإنسان أنّه خُلق مُهملًا ملهياً عنه، فلا مسؤولية و لا التزام له أمام عالم الخلقة؟ أ وَ لَم يكن أصل هذا الإنسان من مني يُمنى و يُراق؟ ثم انّه صار في رحم أمّه في هيئة علقه، ثم صوّره ربّه في شكل و هيئة معينة ذي أعضاء و جوارح و حواسّ، و سواه بالغرائز و الملكات، ذلك الربّ الذي جعل من الانسان الزوجين الرجل و المرأة. أ فلا يستطيع ربّ قادر كهذا أن يُحيي الموتى فيُجازيهم على أعمالهم و سلوكهم؟

  • و قد ورد في رواية انّ أمير المؤمنين عليه السلام كان يُكثر تلاوة

معرفة المعاد ج۱

120
  • هذه الآية: أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً. فتجري دموعه غريرةً من عينيه، و كان يكررّها كلّما قرأها.

  • لقد كان أمير المؤمنين عليه السلام مطّلعاً على ماوراء هذا الستار، فهو إمامٌ عالمٌ بالسرّ و الخفيات، مشهودٌ لديه عالم الغيب و الشهادة.

  • يكتب ابن حجر الهيثمي المكّي:

  • فَلَمّا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ الذي قُتِلَ فِيهِ يَفْطُرُ عَلِيٌّ لَيْلَةً عِنْدَ الْحَسَنِ وَ لَيْلَةً عِنْدَ الْحُسَيْنِ وَ لَيْلَةً عِنْدَ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ وَ لَا يَزِيدُ على ثَلَاثِ لُقَمٍ وَ يَقُولُ: أحِبُّ أن ألْقَى اللهَ وَ أنَا خَمِيصٌ.1

  • إخبار أمير المؤمنين عليه السلام عن شهادته.

  • فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ التي قُتِلَ في صَبِيحَتِهَا عَلِيُّ بنُ أبِي طَالِبٍ أكْثَرَ الْخُرُوجَ وَ النَّظَرَ إلى السَّمَاءِ، فَقَالَ: و الله مَا كَذَبْتُ وَ مَا كُذِبْتُ، وَ إنَّهَا هي اللَّيْلَةُ التي وُعِدْتُ.2

  • بلى، هذه الليلة هي ليلة الوصال، ليلة لقاء المحبوب و زيارته، كانت حال الامام منقلبة كثيراً تلك الليلة، و كان انقلاب حال الإمام و تغيّره نابعاً من سعة نفسه و عظمة قابليّته و رحابته، فقد كانت سعته تشمل جميع الموجودات لأنّ الإمام قلب العالم، فكلّ موجود يحصل على إفاضة الوجود من ذات الخالق المقدّسة بوسيلته و واسطته، لذا فانّ رحلته هذه ستكون بمثابة هزّة لجميع الموجودات الأرضيّة و السماويّة، و سيحصل الانقلاب على اثرها في سرّ كلّ موجود، و هذا هو معنى انقلاب حال الإمام وقت رحيله.

  • كانت ملامح و سيماء أمير المؤمنين عليه السلام و طلعته المنيرة حاكية عن ظهور جميع الموجودات، و كان قلبه المبارك ينبض بضربات قلب جميع الموجودات.

    1. الصواعق المحرقة، ص 80.
    2. الصواعق المحرقة، ص 80.

معرفة المعاد ج۱

121
  • لقد كانت سعة أمثال الهيدجي و أمثال الطالقاني بقدر سعة وجودهم و ظرفيّته، فاذا امتلاء كأسهم طفح و فاض فلم يعد يسعهم تمالك أنفسهم من الفرح و الجذل.

  • لكنّ سعة أمير المؤمنين و ظرفيته كانت تزيد على السماوات و الأرض و على جميع قلوب البشر و قلوب الجنّ و الملك.

  • فهو الحائز لجميع مقامات الملك و الملكوت، كما انه يجسّد مقام الولاية الكليّة الالهية و المتصرّف في عالم الإمكان، لذا فانّ حركةً كهذه ستوجد هزّةً و زلزلة في عالم الوجود.

  • وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ، وَ سِعَةُ السموات و الأرض لا تُقاس بسِعة عرش الله، و عرش الله قلب المؤمن. و أيّ مؤمن؟!

  • أمير المؤمنين عليه السلام الذي يمثّل ثمرة عالم الخليقة و نتيجة و عُصارة الخلق و جوهرة الوجود.

  • كان أمير المؤمنين يريد الرحيل، الرحلة المطلقة نحو الحبيب، فما الذي حدث في تلك الليلة؟ و ما التقدير الذي قدّره الله سبحانه فيها؟ و بأيّ صورة يريد استقبال وزيره و خليفته الوحيد على الأرض و فخر بني آدم أجمع؟ ما حال الحوريّات و ملائكة السماء؟ و ما هذه الضجّة و الغوغاء لدى طيور السماء و حيتان البحر و دوابّ الأرض؟ لِمَ تبكي الصخور بدل الدموع الجارية دماً؟ ما حال الأنبياء العظام و المرسلين و كيف ينتظرون قدوم علي؟ و ما هو حال رسول الله صلّى الله عليه و آله؟

  • سخن سربسته گفتى با حريفان

  • خدا را زين معمّا پرده بردار12

    1. يقول: لقد تكلّمت مع خصومك بإبهام و غموض، فباللهِ عليك لو كشفتَ عنه الغطاء!
    2. حسينى طهرانى، سيد محمد حسين، معرفة المعاد، 10جلد، دار المحجة البيضاء - بيروت - لبنان، چاپ: 1، 1416 ه.ق.

معرفة المعاد ج۱

122
  •  

  •  

  • الْمَجْلِسُ الخَامِسُ: في تَجَانُسِ الْنَّوْمِ وَ الْمَوتِ

  •  

  •  

معرفة المعاد ج۱

124
  •  

  •  

  • بسم الله الرحمن الرحيم

  • (القيت هذه المطالب في اليوم الرابع من شهر رمضان المبارك)

  • و الحمد لله ربّ العالمين و لا حول و لا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم

  • و صلّى الله على محمد و ءاله الطاهرين

  • و لعنة الله على أعدائهم أجمعين من الآن الى يوم الدين

  •  

  •  

  • الموت و النوم ينتميان الى مقولةٍ واحدة باختلاف الشدّة و الضعف.

  • قال الله الحكيم في كتابه الكريم:

  • اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَ الَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَ يُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ1.

  • هذه الآية المباركة صريحة في انّ الموت و النوم من جنس واحد و انّهما يمتلكان حكماً واحداً، فالله سبحانه هو الذي يتوفّى الأنفس عند الموت و عند النوم كليهما، فيمسك بروح من حان أجله و يُرسل روح من لم يحن أجله بعدُ عند استيقاظه من نومه.

  • و هي مسألة تستحقّ التأمّل الوافر.

  • أ وّلًا: لبيانه أخذ الروح المشترك بين النوم و الموت بلفظ التوفّي و ليس بلفظ القبض، لانّ معنى التوفّي: الأخذ بتمام المعنى، بينما يعني القبض الأخذ و السلب؛ فالله سبحانه يأخذ الروح بحقيقة الأخذ و السلب في

    1. الآية 42 من السورة 39: الزمر.

معرفة المعاد ج۱

125
  • حال الموت و النوم، لكنّه في حال الموت يزيد على هذا الأخذ و القبض فيمسك الروح و لا يُعيدها، بينما يكتفي بالتوفّي في حال النوم ثمّ يعيد الروح و يطلقها عند الإستيقاظ.

  • و قد ورد التعبير بلفظ التوفّي في آية أخرى وردت في شأن النوم: وَ هُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَ يَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.1

  • و ثانياً: انّ ما يتوفّاه الله سبحانه هو أرواح الآدمييّن، يَتَوَفَّى الأنفُسَ، و النفس هي الروح.

  • و عليه فانّ روح الإنسان تنتقل حال الموت و النوم من بدن الانسان و من هذا العالم الى عالمٍ آخر.

  • يستقرّ بدن الانسان عند النوم على الأرض في حين تسير روحه في عوالم أخرى ثمّ تعود. و يستقرّ بدن الانسان عند الموت على الأرض أو تحتها و تنتقل روحه الى عوالم أخرى فلا تعود، يشهد على هذا المعنى انّ التعبير جاء في هذه الآية بلفظ يَتَوَفَّاكُمْ؛ كما ان نفس الانسان هي حقيقته التي يعبّر عنها في المحاورات و المحادثات ب- «أنا» و «أنت» و «هو» و «نحن» و «أنتم» و «هم»، فإن قال أحد: أنا فعلت كذا و قلتُ كذا؛ فانّ المراد بلفظ «أنا» روحه و نفسه لا بدنه؛ و حقيقة أنا و أنت و هو و «كُمْ» و غيرها من الضمائر العربيّة هي الروح التي يتوفّاها الله و يقبضها عند الموت.

  • و الشاهد الآخر قوله في الآية 6، من السورة 84: الانشقاق:

  • يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ.

    1. الآية 60 من السورة 6: الأنعام.

معرفة المعاد ج۱

126
  • فهذا الخطاب موجّه الى حقيقة الانسان أي روحه، و ليس موجّهاً إلى بدنه.

  • و لقد خلق الله سبحانه الروح من عالم التجرّد و وهبها البدن لاستكمال القوى، كي تتمكّن من الحركة في هذا العالم و تتجّه دوماً- بعد طيّ العوالم الأخرى- الى الله سبحانه فتنال مقام لقاء حضرته.

  • و الشاهد الآخر انّ الله سبحانه يخاطب أهل جهنّم في الآية 112، من السورة 23: المؤمنون.

  • قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ، قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ، قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ.

  • فقد عُبّر في هذه الآيات عن الحياة و العيش في الأرض بلفظ اللبث الذي يمتلك معنى التوقّف و الإقامة المؤقّتة، و هو ما يصدق على من يطوي طريقاً طويلًا ثمّ يتوقّف أثناء الطريق فيمكث قليلًا. كما لو انّ الانسان يأتي الى هذا العالم من عالم آخر فيلبث فيه و يتوقّف مدّة ثمّ يرحل عن هذا العالم و يُهاجر، و هو ما يصدق على الروح و النفس الآدميّة التي كانت في عوالم الذرّ ثمّ جاءت الى عالم المادّة فارتدت لباس المادّة على الأرض، ثمّ خلعت هذا اللباس و تركته مرتحلة نحو عالم البرزخ و القيامة. انّ الروح تخلع لباس البدن المهترئ فترتدي الخلعة الالهية أو تبتلى بالعقاب جزاء أعمالها.

  • لذا فانّ التعبير عن توقّف الروح في الدنيا بلفظ اللبث في هذه المحاورات تعبيرٌ صحيح، امّا لو كان الخطاب موجّهاً لإنسان قوامه بدنه فهو يفنى بفناء بدنه و موته، فلا ينبغي آنذاك التعبير بلفظ اللبث و التوقّف، بل ينبغي استخدام لفظ السكن و الإقامة و أمثالها.

  • الموت تطهير و تزكية للإنسان.

  • يروي الصدوق في كتاب «معاني الأخبار» عن محمّد بن القاسم

معرفة المعاد ج۱

127
  • المفسّر، عن أحمد بن الحسن الحسيني عن الامام الحسن بن علي العسكري عليه السلام قال: دخل علي بن محمّد عليه السلام على مريض من أصحابه و هو يبكي و يجزع من الموت، فقال له: يا عبد الله تخاف من الموت لانّك لا تعرفه، أ رأيتك إذا اتّسختَ و تقذّرتَ و تأذّيتَ من كثرة القذر الوسخ عليك و أصابك قروح و جرب و علمتَ أنّ الغسل في حمّام يُزيل ذلك كلّه أ ما تريد أن تدخله فتغسل ذلك عنك أو ما تكره أن لا تدخله فيبقى ذلك عليك؟

  • قال: بلى يا ابن رسول الله.

  • قال: فذاك الموت هو ذلك الحمّام و هو آخر ما بقي عليك من تمحيص ذنوبك و تنقيتك من سيّئاتك فإذا أنت وردتَ عليه و جاوزتَه فقد نجوتَ من كلّ همّ و غمّ و أذى، و وصلتَ الى كلّ سرور و فرح، فسكن الرجل و استسلم و نشط و غمض عين نفسه و مضى لسبيله.1

  • و كذلك يروي المرحوم الصدوق في «معاني الأخبار» بنفس السند عن الإمام على النقيّ عليه السلام أنّه قال:

  • قيل لأبي محمّد الجواد محمّد بن علي بن موسى صلوات الله عليهم: ما بال هؤلاء المسلمين يكرهون الموت؟ قال: لأنّهم جهلوه فكرهوه و لو عرفوه و كانوا من أولياء الله عز و جل لاحبّوه و لعلموا أنّ الآخرة خيرٌ لهم من الدنيا، ثمّ قال عليه السلام: يا أبا عبد الله ما بال الصبي و المجنون يمتنع من الدواء المنقي لبدنه و النافي للألم عنه؟ قال: لجهلهم بنفع الدواء.

  • قال: و الذي بعث محمّداً بالحقّ نبيّاً إنّ من استعدّ للموت حقّ الاستعداد فهو أنفع له من هذا الدواء لهذا المتعالج، أما إنهم لو عرفوا

    1. معاني الأخبار ص 290.

معرفة المعاد ج۱

128
  • ما يؤدّي اليه الموت من النعيم لاستدعوه و أحبّوه أشدّ ما يستدعي العاقل الحازم الدواء لدفع الآفات و اجتلاب السّلامات.1

  • و كذلك يروي في نفس الكتاب عن محمّد بن القاسم المفسّر الجرجاني، عن أحمد بن الحسن الحسيني عن الحسن بن علي الناصري، عن أبيه، عن محمّد بن على الجواد عليه السلام قال: قيل لعليّ بن الحسين عليهما السلام: ما الموت؟ قال: للمؤمن كنزع ثياب و سخة قملة، و فكّ قيود و أغلال ثقيلة، و الاستبدال بأفخر الثياب و أطيبها روائح و أوطئ المراكب، و آنس المنازل، و للكافر كخلع ثياب فاخرة، و النقل عن منازل أنيسة، و الاستبدال بأوسخ الثياب و أخشنها، و أوحش المنازل و أعظم العذاب2.

  • الموت هو نوم ثقيل، و النوم هو موت خفيف.

  • لقد كان القصد من ذكر هذه الروايات بيان أنّ الروح حيّة بعد الموت معذّبة أو منعّمة، أشبه بالحلم الذي يراه الإنسان في النوم فهو امّا مسرور برؤية المناظر الخلّابة أو مغموم بمشاهدة المناظر المرعبة المحيّرة، فكلاهما ينبع من مقولة و أساس واحد.

  • يشهد على هذا الأمر انّه يروي عن كتاب معاني الأخبار بنفس السند الأخير الذي ذُكر، عن الامام محمّد النقي عليه السلام أنّه سُئل عن حقيقة الموت فقال:

  • هو النوم الذي يأتيكم كلّ ليلة الّا أنّه طويل مدّته لا ينتبه منه الّا يوم القيامة، فمن رأى في نومه من أصناف الفرح ما لا يقادر قدره و من أصناف الأهوال ما لا يقادر قدره؟ فكيف حال فرح في النوم و وجل فيه؟

    1. معاني الأخبار ص 290.
    2. معاني الأخبار ص 289.

معرفة المعاد ج۱

129
  • هذا هو الموت فاستعدّوا له1.

  • فهذه الرواية صريحة في ان النوم و الموت كلاهما واحد، غاية الأمر انّ الموت أعمق و أثقل بقدرٍ ما، بينما النوم أخفّ و أكثر سطحيّة. و لذا يمكن القول أنّ الموت هو نوم ثقيل، و انّ النوم هو موتٌ خفيف سطحي.

  • و على هذا الأساس فقد ورد في مصباح الشريعة، طبع «مركز نشر كتاب» طهران 1379 ه- ق، الباب 44، ص 29: قال الصادق عليه السلام:

  • إنّ النَّوْمَ أخُو الْمَوْتِ وَ اسْتَدلَّ [به] على الْمَوْتِ الذي لَا تَجِدُ السَّبِيلَ إلى الإنْتِبَاهِ فِيهِ وَ الرُّجُوعِ إلى إصْلَاحِ مَا فَاتَ عَنْكَ.

  • و كذلك روي في الجامع الصغير للسيوطي ج 2 ص 189 شركة مكتبة و مطبعة مصطفى البابي الحلبي بمصر، الطبعة الرابعة، عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلّم: النَّوْمَ أخُو الْمَوْتِ وَ لَا يَمُوتُ أهْلُ الْجَنَّةِ.

  • و رواه في كنوز الحقائق، ص 143، بهذه العبارة:

  • النَّوْمَ أخُو الْمَوْتِ وَ أهْلُ الْجَنَّةِ لَا يَنَامُونَ وَ لَا يَمُوتُونَ.

  • لقد تحيّر جميع فلاسفة العالم و حكماؤه الكبار في ماهيّة حقيقة النوم، كما انّهم متحيّرون في ماهيّة الموت، فلم يستطع أحد منهم حتّى الآن أن يدرك أسرار النوم و يكشف الستار عنه، كما لم يستطع أحدهم أن يدرك أسرار الموت و يصل الى حقيقته.

  • و الفارق الذي يمكن وضعه بين هذين الاثنين أنّ البدن يسكن حال النوم فتقلّ فعاليته و أعماله التي يقوم بها، فيقلّ جريان الدم و ترتاح الاعصاب و تسترخي بدرجة أكبر، و ينبض القلب و تعمل سائر الأعضاء

    1. معاني الأخبار ص 289 الحديث باب معني الموت. طبع جامعة المدرسين في الحوزة العلمية قم المقدسة.

معرفة المعاد ج۱

130
  • الرئيسيّة و الثانويّة و الجوارح و الأمعاء بدرجة أخفّ و تستمر في عملها، و يفقد البدن من حرارته الى حدّ معيّن، لذا يكثر إصابة الإنسان بالبرد حال النوم، و يتوجّب عليه لذلك تدثير نفسه بدثار و غطاء، لكن الأمر ليس كذلك حال الاستيقاظ، فَلِمَ يكون ذلك؟

  • ذلك لأن الروح تقلل علاقتها و رابطتها بالبدن حال النوم، لكنها لا تقطع تلك العلاقة و الرابطة، بل تبقى تلك العلاقة باقية اجمالًا، لذا فانّ البدن يقوم بأعماله بواسطة هذا القدر من العلاقة الاجمالية. امّا عند الموت فانّ الروح تقطع علاقتها و رابطتها بالبدن كليّاً و تنصرف الى عالم التجرّد المحض المطلق.

  • و كما انّ الروح تتحرّك حال النوم الى عالم التجرّد عموماً، و هو نفسه عالم الملكوت الأسفل و عالم الصورة و المثال، فيرقد البدن على الأرض؛ فكذلك تتحرك الروح عند الموت الى ذلك العالم أو الى الملكوت الأعلى و عالم المعنى و عالم النفس فتترك البدن و تدعه و شأنه. لذا فانّ النوم هو الموت لعدّة ساعات، كما أنّ الموت هو النوم الدائمي المستمر، و لا فرق هناك بين الموت لعدّة سنوات أو لعدّة مئات من السنين أو لعدّة آلاف منها؛ كما لا فرق هناك بين النوم لدقيقة واحدة أو لساعة واحدة أو لعدّة ساعات.

  • و كما قد لوحظ انّ هناك حالات متفاوتة لدرجات النوم، فالبعض ينامون نوماً خفيفاً بحيث يستيقظون لأدنى صوت أو حركة، بينما ينام البعض الآخر نوماً ثقيلًا، و البعض الآخر نوماً أثقل بحيث لا توقظهم الحركات الشديدة و هدير الطائرات و صوت الرعد، فانّ بعض الناس لهم موت خفيف، فهم يُبعثون و يهاجرون بمجرّد الدعوة الى مقام عزّ ذي الجلال و الحركة للقيامة الكبرى، في حين انّ موت البعض الآخر ثقيل

معرفة المعاد ج۱

131
  • و أثقل بحيث ينبغي النفخ في الصور لتستيقظ الأرواح و تُبعث فتحضر في القيامة الكبرى.

  • و يمكن القول اجمالًا بعبارة أخرى انّ الانسان ينام حال حياته و عيشه نوماً مؤقّتاً و قصيراً ثمّ يستيقظ، و لكنّه ينام حال موته نوماً طويلًا ثم يستيقظ بعده و يُبعث حيّاً.

  • تمثيل نوم الإنسان و موته بالمراحل المختلفة لدودة القزّ، و التشابه بينهما.

  • دودة القزّ و تشابه دورة حياتها بدورة حياة الانسان و موته:

  • انّ دودة القزّ و المراحل المختلفة التي تمرّ عليها تبعث على الدهشة و توجب الاعتبار و العِظة، فالافراد الذين شاهدوا مراحل حياتها المختلفة من المراحل الابتدائية الى المراحل النهائية سيمكنهم الاتّعاظ و الاعتبار بها، كما سيمكنهم مشاهدة دورة كاملة لدرس المعاد في هذا الموجود.

  • و لقد كان للحقير زمن الصبا علاقة بتربيتها، فكنت أربّي مقداراً منها في المنزل في فصل الربيع لسنوات طويلة.

  • بيوض هذه الدودة بيضاء اللون أكبر قليلًا من بذور الخشخاش، و حالما تبدأ شجرة التوت باخراج البراعم في فصل الربيع فانّ هذه البيوض تفقس عن ديدان سوداء صغيرة بضخامة رأس الدبّوس و بطول عدّة مليمترات، فتخرج من تلك البيوض و تقتات على أوراق التوت فتكبر تدريجاً، ثمّ تمر بمرحلة السبات الذي يستغرق يومين كاملين، واضعةً أرجلها عند نومها على الأرض و رافعةً رأسها و أيديها، فهي لا تتحرّك و لا تأكل أبداً. و اذا ما حرّ كناها فانها ستبدي حركات ضئيلة لا يُعلم منها الّا انّها لا تزال على قيد الحياة.

  • ثم تستيقظ من سباتها بعد يومين فتغيّر جلدها و تُلقي جلدها السابق و تخرج منه بجلد جديد و بدن جديد طريّ، و تكون في هذه الحالة أكبر

معرفة المعاد ج۱

132
  • في الحجم و أشدّ بياضاً من السابق. ثمّ تنشغل هذه الدودة بتناول الغذاء الخاصّ بها، أي أوراق التوت الى عدّة أيّام، فتكبر تدريجياً و يصبح لونها أكثر إشراقاً و بياضاً.

  • ثم تسبت ثانية فتقضي يومين كاملين بنفس المنوال السابق، و تستيقظ بعد ذلك فتبدّل جلدها من جديد و تتّجه نحو أوراق التوت ببدن أكثر طراوة و نشاطاً.

  • ثم تنشغل بالتغذية عدّة أيّام و تمرّ بعد ذلك بحالة السبات و النوم و تستيقظ بعد يومين كاملين و تغيّر جلدها و تبدو هذه المرّة بشكل يختلف كثيراً عن السابق، فتكون مفاصل بدنها قد اتّضحت و تميّزت، و صار رأسها مميّزاً شاخصاً، و صار شكل أيديها و أرجلها معلوماً واضحاً، حتّى انّ شكل ورود الهواء و خروجه من رئتها الواقعة قرب ظهرها الذي هو بمنزلة العمود الفقري للإنسان صار مشهوداً و معلوماً حال التنفّس.

  • و تنشغل هذه الدودة بتناول الغذاء، فتمضغ أوراق التوت بصوت يشبه صوت المنشار الدقيق، و تمرّ عليها عدّة أيّام على هذا المنوال، ثم ترقد هذه الحشرة المعصومة من جديد كالسابق و تستيقظ و تبدّل جلدها فيتّضح الآن انّ الحشرة قد بلغت مرحلة بلوغها و صار لونُها أبيضاً تماماً يميل الى الزُّرقة، و سمكها بقدر سمك حبّة من الحمّص أو نواة تمر، و طول قامتها سبعة أو ثمانية سانتمترات و تستمر بتناول الغذاء حتى تبلغ مرحلة كمالها.

  • و ها هي الآن تريد توديع هذه الحياة، فتصنع هذه الحشرة لنفسها قبراً، و تنتابها حالة الموت تدريجيّاً خلال صنعها لهذا القبر، ثمّ تغلب عليها سكرات الموت فيصيبها الدوار و الاعياء. و ليس قبرها الّا شرنقتها التي تحوكها من لعابها، ذلك اللعاب الشبيه بخيط متّصل دائميّ تخرجه من

معرفة المعاد ج۱

133
  • فيها. و هذا القبر يعد ضروريّاً لها، لانّها إن لم تُخفِ نفسها فيه فان النملة التي تُعدّ من أشد أعدائها ستقطّعها في الوهلة الاولى و تجرّها الى بيتها، كما ان العصافير ستبتلعها في لقمة واحدة فتُنهى أمرها، و قد تُسحق تحت الأيدي و الأقدام.

  • و هي تبني هذه الشرنقة أو القبر بين أغصان شجرة التوت، أو في نفس الصندوق أو الوعاء الذي وُضعت فيه، تبنيها بحجم ظريف و لطيف يرى الانسان نفسه محتاجاً له فيفيد منه على هيئة حرير يعدّ منه ملابسه. انّ هذه الحشرة تقوم عند ما تنتابها سكرات الموت و حين يحين موتها بافراز لعاب فمها فتحوكه على بدنها و تلفّه عليه، و تستمرّ في ذلك الى مدّة يوم كامل تقريباً تصبح فيه هذه الشرنقة محيطةً بها بشكل كامل، و تبدأ هذه الدودة بالتناقص في الطول تدريجاً حتى تصبح قامتها عند انتهاء حياكة الشرنقة تقارب ثلث قامتها الأصليّة.

  • و حين تكمل حياكة الشرنقة فان الحشرة ترقد في داخلها رقوداً طويلًا لمدّة عشرين يوماً، لكنّ هذه الحشرة لم تعد خلال هذه المدّة بشكل دودة، فقد التفّت على نفسها و انقبضت و انغرس رأسها و أيديها و أقدامها في جسمها، و قصرت طولًا الى حدّ لم يعد لها أيّ شبه مع تلك الدودة السابقة، فقد صار طولها الآن يعادل سانتيمتراً واحداً، فاذا شُقّت الشرنقة شوهدت هذه الحشرة أشبه بحبّة لوبياء محترقة، أو كبيضة النحل، متيبّسة و ميّتة بما في الكلمة من معنى.

  • هذه الحشرة لا تشبه الّا موجوداً ميّتاً جامداً، بيد انّها ليست ميّتة، فما هو- يا ترى- السير الذي تطويه في شرنقتها؟ و ما هي الحركات الموجودة في جوهر وجودها التي تجذّبها كلّ لحظة من مرحلة الى أخرى و تحوّلها من حال الى آخر و ترتقي بها بشكل متواصل أعلى المدارج في

معرفة المعاد ج۱

134
  • مقام السير التكاملي لوجودها، حتى تصبح حيّة بشكل تدريجي و تنهض من سباتها الثقيل فتشقّ قبرها بلعاب فمها و تخرج من الشرنقة أو القبر فتحضر صحراء المحشر.

  • و ما أعجب ما اتّخذت من شكل! و ما أغرب ما تباينت ملامحها! فلقد استحالت تلك الدودة الطويلة فراشةً لها جناحان كبيران فوقهما جناحان آخران صغيران، و صار لها عينان برّاقتان متلألئتان كعيون الفراشة، و قرنان كقرني الفراشة. و صارت الآن أقدامها التي كانت في مؤخّرتها أسفلَ رأسها، و استحالت بطنها كبطن الفراشة تنقسم الى قسمين أعلاهما ضخم و سميك و أسفلهما نحيف. و لقد صار بدنها و أجنحتها من الظرافة بحيث اذا لمسها لامس تناثر من مسحوقها اللطيف على يده.

  • فسبحان الله! ما الأمر؟ و أي موجود هذا؟ و أيّ تطوّر و تكامل هذا؟ هذا هو أحد أمثلة و نماذج الموت و تطوّراته و البعث و النشور، بالرغم من انّ الحالات التي بينّاها لهذه الحشرة ليست مثالًا للموت بل مجرّد تشبيه، و ذلك لأنّ جميع المراحل التي طوتها هذه الدودة كانت متعلّقة بأجمعها بعالم الطبع و المادّة، و لم تتّصل بعالم البرزخ و الصورة بسبيل، بيد انّه تشبيه مفيد للغاية لتطوّرات الانسان و موته و حياته اللاحقة.

  • و هو تشبيه يستحقّ التأمّل و العناية لمراحل موت الانسان و رقوده في القبر و فقدانه تماماً لشكله و هيئته الأولي، و فناء العيون و الآذان و الجوارح، و للإشارة الى ان هذه التغييرات لا تدلّ على فقدان الحياة.

  • فهذا الانسان سيحضر يوم القيامة في هيئة أخرى و شكل آخر، هو الصورة و الهيئة الواقعيّة لنفسه الناطقة، غاية الأمر انّ قيامة هذه الدودة كانت بعد عشرين يوماً و قيامة الإنسان أبعد من ذلك.

معرفة المعاد ج۱

135
  • و كما انّ هذه الدودة قد رقدت ثمّ استيقظت، فكذلك الانسان يرقد ثم يستيقظ، و كما ان هذه الدودة ماتت ثمّ بُعثت، فكذلك الانسان يموت ثم يُبعث.

  • و من أجل ايضاح هذا المطلب فلا بد من تقديم إيضاح سهل، مع اننا نسعى لتكون المطالب التي نذكرها في هذا المجال بسيطةً سهلة الإدراك.

  • ثلاث مراحل وجوديّة للإنسان: الطبع و المادّة، الذهن و البرزخ، الروح و النفس

  • ان الانسان يمتلك مراحلًا ثلاثاً، الاولى: بدنه الذي يعبّر عنه بعالم الطبع و المادّة. و الثانية: القوى الفكريّة و التخيّليّة التي يعبّر عنها بعالم المثال و الصورة. و الثالثة: روحه و نفسه التي يعبّر عنها بعالم النفس.

  • فهذه المراحل الثلاث غير منفصلة عن بعضها، بل متّصلة و متداخلة. فهي ليست كمثل حبّة من الحمص نضعها جنب حبّة من اللوبياء، و لا كمثل ملعقة نضعها داخل كوب و نضع الكوب داخل وعاء، بل لا انفكاك للبدن عن الصورة و لا للصورة عن الروح، البدن مندكّ في الصورة و الصورة مندكّة في النفس.

  • تشبيه: انّ الجوزة الواحدة او حبّة اللوز الواحدة تمتلك جسماً، و تمتلك زيتاً، و تمتلك عصارة، فالمرحلة الاولى هي جسمها الذي يمثّل هيكلها، و المرحلة الثانية: الزيت الذي ليس خارجاً عن الجسم، بل منتشر مبثوث في جميع أعضاء و أجزاء هذا الجسم و له حكم روحه.

  • و المرحلة الثالثة: الجوهر و العصارة الذي ليس منفصلًا هو الآخر عن الزيت، بل منتشر في جميع ذرّات الزيت و له حكم روحه.

  • بيد أنّ هذا التشبيه يتفاوت مع مورد بحثنا في اندكاك البدن في الصورة، و الصورة في النفس في جهتين:

  • الاولى: انّ العصارة و الجوهر في حبّة اللوز مندكّة في الزيت، و الزيت مندكّ في حبّة اللوز، في حين أن الأمر معكوس في مورد البحث،

معرفة المعاد ج۱

136
  • فالجسم مندكّ في الصورة و المثال، و المثال مندكّ في النفس.

  • و الجهة الثانية: انّ العصارة في حبّة اللوز هي داخل الزيت حقيقةً، و الزيت داخل أجزاء الحبّة حقيقةً؛ أمّا في مورد البحث فليس في الأمر تداخل؛ بل ان للروح إحاطة بالمثال و شمول له، و للمثال إحاطة بالبدن و شمول له، لكننا نقول من باب ضيق التعبير بانّ البدن داخل في المثال و المثال داخل في النفس.

  • و على كلّ حال فاننا نقول في هذا التشبيه بأنّ بدن الانسان يشبه حبّة اللوز، و عالم المثال و الصورة في الانسان كزيت اللوز، كما ان عالم نفس الانسان و روحه كجوهر اللوز و عُصارته.

  • اننا نرى جميعاً بدن الانسان- الذي هو طبعه و مُلكه- و نحسّ به، أمّا مثاله الذي هو عالم ذهنه فمجرّد يمثّل عالم ملكوته الأسفل، كما انّ نفسه التي هي روحه لها تجرّد أكثر، فهي تمثّل عالم ملكوته الأعلى. ان روح الانسان و نفسه الناطقة لا تخضع للتغيّر و التبدّل منذ ولادته الى زمن رحيله، بل تبقى معه فتحدّد معالم شخصيّته الإنسانيّة، بيد انّها تمتلك تكاملًا يرتقي بها من مراحل الاستعداد و القابليّة الى مرحلة التعيّن و الفعليّة.

  • إنّ عالم ذهن الانسان و مثاله، الذي يُدعى أيضاً بعالم البرزخ، لا يتغيّر و لا يتبدّل بل يطوي مراحل من مراحل التكامل.

  • على انّ بدن الانسان في حال تغيّر و تبدّل دائمي، فهو يفقد كلّ يوم أجزاء منه و يضيف الى نفسه أجزاء جديدة أخرى، حيث يقوم الغذاء بتعويض الأجزاء المنحلّة و التالفة من الجسم، و عليه لذلك ان يصل الى تلك الأجزاء فيملأ مكان الأجزاء التالفة و يرمّمها.

  • و حين ينام الانسان فانّه يريح بدنه على الأرض، لكنّ عالم مثاله

معرفة المعاد ج۱

137
  • و ذهنه لا يرقد على الأرض، بل يبقى متيقّظاً متحرّكاً يحلّ المسائل الفكريّة و يقوم بالعبادة و بالمجادلات و المنازعات، و بالنكاح، و يحلّق في السماء و يسبح في البحر و يقوم بآلاف الاعمال بصور مختلفة نعبّر عنها بالحلم و الرؤيا.

  • و هكذا نراه يصبح في بعض الأحلام عصبيّاً و منزعجاً ينازع و يقاتل و الخوف و الحيرة تملأ كيانه، كما نراه في بعضها الآخر مستغرقاً في السرور و الانبساط ليّناً مسالماً الى أبعد الحدود.

  • ثمّ ينهض من النوم فيخيّل اليه انّ بدنه قد قام بتلك الأعمال و انّه قد حلّق فعلًا بهذا البدن الترابيّ و نازع و جادل و قاتل و قام بالأسفار الطويلة. فيستفسر من رفيقه و صاحبه الذي كان صاحياً: ما الذي فعلتُ؟ و أين ذهبتُ؟ و كم شخصاً قتلتُ؟ و ما المباهج التي تمتّعتُ بها؟ فيقول رفيقه في جوابه: لا شيء، لا شيء مطلقاً، فقد كان بدنك مطروحاً على الأرض بلا حراك، و لم يبدر منك أبداً أي حركة و لا كلام.

  • بلى، لم يقم بدنه بتلك الأعمال، و لم يرتجل لسانه اللحميّ تلك الخُطب، كما لم تشاهد عيناه الظاهريّتان القابعتان في فجوتي رأسه مناظر الحلم العجيبة المدهشة، و لا سمعت أذناه اللتان قوامها اللحم و العظم تلك الأصوات و ذلك الهدير و الضوضاء.

  • الأفعال التي يفعلها الإنسان النائم في حال الرؤيا و الموت، يفعلها ببدنه المثالي

  • لقد كانت روحه تتحرك في عالم النوم ببدنه الملكوتي و المثالي، و كان بدنه المثالي و الصوري يجترح هذه الأعمال، و لا علاقة في الأمر أبداً بالبدن المادي اللحمي.

  • و كذلك فانّ الأعمال التي يقوم بها الانسان حال الصحو و الاستيقاظ انّما تقوم بها روحه بصورتها الملكوتيّة تلك، غاية الأمر انّ عالم الطبع قوى و عالم المثال ضعيف، لذا فانّ الروح لا تقوى على انجاز جميع الاعمال

معرفة المعاد ج۱

138
  • التي ترغب في انجازها بواسطة البدن، و تمنع غلبةُ عالم الطبع الروحَ من كثير من رغباتها. على أنّ هذه الروح تقوم بصورتها المثالية حال الصحو و الاستيقاظ بالكثير من الأعمال، فتحرّك جسد الانسان و بدنه في متابعتها، مثل جميع الاعمال التي يقوم بها البدن.

  • و لكنّها أيضاً تقوم بالكثير من الأعمال مستغنيةً عن البدن؛ و فقط تقوم بها في هيئتها المثالية، كما يحصل حين يكون المرء جالساً فيتحرّك بقواه الذهنيّة الى مكّة المكرّمة، فيحرم في الميقات، و يدخل مكّة فيطوف و يصلّي صلاة الطواف، ثمّ يسعى بين الصفا و المروة، و يقصّر و يقوم بأعمال الحج من الاحرام و الوقوف بعرفات و المشعر و الهدي و رمي الجمار و الحلق و باقي المناسك ثمّ يعود الى حيث كان، و قد قام بجميع هذه الأعمال بصورته الملكوتية حال الصحو، و لم يتحرّك بدنه خلالها من مكانه أبداً.

  • و ذلك لأن أفراد الناس يقومون حال اليقظة بصرف اهتمامهم الحقيقي الى بدنهم فلا يستطيعون انجاز جميع اعمال النفس بهذا البدن، أمّا في عالم النوم فيصبح الاهتمام و العناية بالبدن أضعف، فتدرك روح الانسان حقيقتها بصورتها المثالية بدون ملاحظة البدن المادي، و تقوم بجميع الأعمال التي تشاءها في قالب المثال و الصورة.

  • في حال الصحو و اليقظة تكون الغلبة للتوجه الى البدن و صرف الاهتمام اليه، لذا يخال للانسان انّ البدن هو حقيقته، امّا في حال النوم فانّ الغلبة للاهتمام بالصورة و القالب المثالي، لذا يتصوّر الانسان انّ حقيقته هي تلك الصورة و البدن المثالي.

  • و حين تتصوّرون حال اليقظة انكم تذهبون الى مكّة، بينما تجلسون هنا، فانكم قد تصوّرتم مكّة و قيامكم بالمناسك، أمّا في عالم النوم فانكم

معرفة المعاد ج۱

139
  • قد ذهبتم بأنفسكم الى مكّة، و ذلك لأن الصورة المثالية في النوم هي حقيقة الانسان، و لم يكن الأمر انّكم كنتم هنا فتصوّرتم الذهاب الى مكّة خارج وجودكم.

  • و على هذا الأساس فانّ الانسان يمكنه القيام بأعمال مهمّة في عالم النوم يعجز عنها في عالم اليقظة، لأنّه يحاول أن يفعل ذلك حال اليقظة ببدنه الماديّ فلا تسعفه القدرة على فعل ما يشاء، امّا عند النوم فانّه يُلقي ببدنه المادي و يفعل أفعاله ببدنه الصوري و المثالي الذي يفوق البدن المادي قدرته آلاف المرّات، فيجترح الأعاجيب، و يحلّق في السماء، و يجتاز من المشرق الى المغرب في لحظة واحدة، و يسبح في المحيط الأطلسي فيعبره، و يخترق الجدار، و ينفذ من فتحة صغيرة ضيّقة بقدر الاصبع، و يختم القرآن في لحظة واحدة، و أمثال هذه الأمور التي يعجز عن فعلها حال الصحو و اليقظة.

  • كما انّ الانسان يخلع بدنه كليّاً عند الموت فيصبح تجرّده آنذاك أقوى و روحه أكثر تحرّراً و قدرة، لذا تصبح أعماله أعجب، فيصير بإمكانه أن يقوم في لحظة واحدة باكتساب العلم بجميع الجهات من عوالم الطبيعة و كيفياتها، و ان يمرّ على جميع أهله و عشيرته فيطّلع على أحوالهم، و أن يقبل جميع الهدايا التي يرسلها اليه أصدقاؤه و أرحامه على هيئة خيرات و مبرّات تظهر بصورة رحمة و نور يمثل غذاءه المعنوي الذي يتمتّع به، كما يمكنه ان يفوز بالعلوم الكليّة الالهيّة، و ان يطّلع على حالات نفوس الناس و على اوضاع أهل جهنّم و أهل الجنّة و كيفية الوقوف و الحساب و الميزان بالنسبة لهم. و نظير هذه الإحاطة العلميّة تحصل لأولياء الله في هذه الدنيا حال حياتهم و يقظتهم، و كثيراً ما أمكن حصول ذلك لسالكي طريق الله الذين لم يصلوا بعد إلى مقام التجرّد

معرفة المعاد ج۱

140
  • المطلق، و ذلك بصورة الحال في النوم او في اليقظة لا بعنوان ملكة مستديمة.

  • رؤيا عجيبة لأحد الأرحام ذات دلالات كثيرة على عالم الغيب.

  • حُلم و رؤيا في زمن قصير.

  • لقد ذهب أحد رفقائنا و أصدقائنا و ممّن يمتّ الينا بالقرابة- و كان له حال جيدة- قبل عشرين سنة تقريباً الى مشهد المقدّسة لزيارة الأعتاب المباركة لعلي بن موسى الرضا عليه السلام، فبقي هناك يومين أو ثلاث و عاد بعدها، فقصّ في عودته رؤيا عجيبة رآها هناك.

  • قال: لم أدخل الحرم عند ورودي بل وقفت بأدب إلى جانب باب الحرم فسلّمتُ و قلتُ في نفسي: لا ينبغي لي أن أدخل الحرم و أنا الذي لم أعرف الامام و حقّه معرفة حقيقيّة، حتّى يقضي الإمام حاجتي فيعرّفني بحقّه و حقّ ربّه. كانت ليلة الجمعة، و كان الجوّ بارداً جدّاً فغلبني النوم منتصف الليل في أحد الأروقة الواقعة الى خلف الرأس المبارك قريباً من محلّ حفظ الأحذية، فرأيت في عالم الرؤيا انّ الإمام قد جاء فطرق برأس اصبع رجله عليَّ عدّة مرّات قائلًا: قُمْ، قُمْ و اعمل، فالأمر لا يتمّ بلا عمل. فألقيت بنفسي على قدمي الإمام لِلثمهما، فانحنى كالمستحيي و أمسكني من تحت كتفي فلم يدعني أفعل ذلك و قال: ما هذه الأعمال؟

  • ثم نهضتُ و ذهبتُ الى صحن «گوهرشاد» فتوضّأت و لففت عباءتي على جسدي في أحد ايوانات المسجد و انشغلت بقراءة دعاء كميل، ثمّ غلبني النوم وسط الدعاء فرأيت في النوم كأنّ شخصاً له لحية حمراء بلون الحنّاء قد جاء قربي فلاطفني كثيراً و قال: أ تريد أن نذهب للتجوال معاً؟ قلت: بلى، أنا جاهز!

  • فتحرّكنا سويّاً فدار بي حول الكرة الأرضيّة في تحليق فوق جميع المدن بحيث كنتُ أرى جميع أفراد تلك المدن و أعرف محسنهم من مسيئهم، ثم عبرنا البحار و المحيطات و ذهبنا لزيارة قبر الرسول الأكرم

معرفة المعاد ج۱

141
  • و الصدّيقة الكبرى و أئمة البقيع عليهم الصلاة و السلام، ثمّ عرّجنا لزيارة النجف الأشرف و كربلاء المشرّفة و أئمة الكاظمين و سامراء عليهم السلام.

  • و كان ذلك الرجل يقرأ لي في كلّ مشهد متن الزيارة و ينقل لي مطالب عجيبة، و كان دائماً مشغولًا بالكلام معي اثناء الطريق، فكنت أسأله كثيراً عن حالات العظماء و الأرحام و عن عاقبة أمرهم فيجيبني على ذلك، كما كنت أسأله عن حالات الكثير من الموتى من الأجداد و الأرحام و العظماء فيجيب على أسئلتي واحداً تلو الآخر.

  • ثم أخذني الى السماء فتشرّفنا بلقاء الملائكة و أرواح الأنبياء و الأولياء، و تجوّلنا في الجنّة و شاهدنا أنواع النعم فيها، فكانت أشياء تستحيل على الوصف، ثمّ عبرنا في طرفة عين على جهنّم و شاهدنا كيفية عذابها الذي لا يوصف.

  • ثم قال لي بعد هذا السير و التجوال: أ تريد الرجوع؟ قلتُ: نعم! فعدنا سويّاً و وردنا مسجد «گوهرشاد» فقال لي و هو يريد الإنصراف: لقد استغرق كلّ هذا التجوال و السير خمس دقائق.

  • قلتُ: خمس دقائق فقط؟! قال: لقد قلتُ خمس دقائق لئلّا يغمرك الفزع، و الّا فانّها لم تستغرق خمس دقائق بل حصلت في آنٍ واحد و لحظة واحدة، فليس هناك من زمان و لا من ساعة و لا من دقيقة!

  • ثمّ انّه ودّعني في منتهى البشارة و الرحمة و ذهب، فقلت: أين تذهب؟ انّ لدي عمل معك. قال: يجب أن أذهب، و سآتي اليك ان شاء الله كلّما استدعى الأمر ذلك.

  • قلتُ: لقد أريتني الكثير من العجائب و الغرائب في هذا الزمن القصير و أخذتني الى كثير من نقاط الأرض و العالم العلويّ!

معرفة المعاد ج۱

142
  • قال: لا عجب في الأمر، ثمّ ودّع و ذهب.

  • ثم استيقظتُ و نظرتُ الى ساعتي فرأيتُ انني أغفيت خمس دقائق، و من ثم شرعت بقراءة بقيّة دعاء كميل.

  • لقد كانت هذه الرؤيا في درجة من الغرابة، كما ان مطالبها شيّقة و طويلة لدرجةٍ لا يمكن معها ذكرها، و اجمالًا فقد كان هذا الشخص ينقل رؤياه هذه لنا طيلة ثلاثة أيّام، فيأتي صباحاً و يقصّ علينا الى قرب الظهر حيث نذهب الى المسجد، ثمّ يأتي بعد الظهر فينقل بقيّته الى قرب الغروب حيث نستعدّ للذهاب الى المسجد، و هكذا على هذا المنوال الى ثلاثة ايّام استغرقها نقل رؤياه. و لقد كان هذا الحلم عجيباً لدرجة ان الحقير نقله الى آية الله جمال السالكين و زين الفقهاء و المجتهدين و آية الحقّ و اليقين الشيخ محمّد جواد الأنصاري الهمداني رضوان الله عليه حين تشرّفت عنده في تلك الأيّام التي كنت أحضر لديه، فتعجّب من ذلك و قال: انّ هذه الرؤيا لا يوجد لها نظير أو يعزّ نظيرها في هذا العصر، و يتّضح منها أنّ من رآها شخص يتمتّع بقابليّة و استعداد فذّ.

  • عجيب هو عالم الأرواح، فأين هي الأرواح يا ترى؟ و ما ذا تفعل؟ و ما هي العلاقات و الارتباطات التي تمتلكها؟

  • ما الأمر يا الهي؟! انّ دودة القزّ تقضي في الشرنقة عدّة أيّام ثم تخرج على هيئة فراشة، فنقول انّها ماتت ثمّ بُعثت. بيد انّ الأمر ليس كذلك. فهذه الحشرة منذ ان دخلت الشرنقة فنامت، لا تغتذي طعاماً و لا تريم حراكاً، فهي كاملًا في قالب و شكل مخلوقٍ ميّت، الّا انّها مشغولة في ذاتها و جوهرها بالسير و الترقي و التكامل، لها في كلّ لحظة سير تتخطّى فيه عالماً معيّناً و ترد عالماً جديداً آخر، حتى تخرج على هيئة فراشة بأجنحة عجيبة و عيون برّاقة لامعة.

معرفة المعاد ج۱

143
  • سعة الاطّلاع حال التجرّد و خلع المادّة

  • و هكذا حال الانسان، فالأرواح التي تموت لا تعدم، بل هي حيّة بأجمعها، و ما دامت مع البدن المادي فانّ سيرها و تكاملها كان بواسطة ذلك البدن، ذلك البدن الذي يمنع من السير الخارق للعادة و من الأعمال العجيبة المدهشة، امّا بعد الموت فليس هناك من بدن، و لا حجاب للزمان و المكان و المادّة، لذا فانّ الأرواح القويّة تفعل الأعاجيب بمجرّد إرادتها.

  • اليوم هو الخامس من شهر رمضان، و لنا جميعاً الرغبة في تقديم طعام الافطار عند الغروب، و لو تمكّنّا لبسطنا مائدة بين مشرق العالم و مغربه فندعو اليها جميع المؤمنين و المؤمنات، بيد اننا عاجزون عن ذلك، لأننا لا نستطيع ايصال دعوتنا الى جميع الصائمين في العالم، و لا نمتلك المال الكافي لذلك، و لا نستطيع الحركة بين المشرق و المغرب، و ليس لدينا مائدة بهذا الطول.

  • امّا حين يرحل الانسان من الدنيا فيترك حجاب الزمان و المكان و المادّة و العلائق، و يتحرّر من قيود و حدود عالم الطبع و المادّة، فانّه سيتمكّن من فعل إطعام كهذا بكلّ سهولة و يُسر، بتلك السهولة و اليسر الذي استطعنا به الآن تقديم هذا الأفطار في نيّتنا و تصوّرنا.

  • هذا الأمر و أمور عجيبة أخرى تحصل جميعاً بواسطة تسلّط الروح في عوالم التجرّد التي تفعل فيها كلّ ما تشاء بمجرّد إرادتها لذلك، و خاصّة الأرواح الطيّبة الطاهرة التي وصلت الى مقام الاخلاص، فانّ الله سبحانه يمنّ عليها بقدرات لا يمكن وصفها.

  • لقد كان للعلّامة الطباطبائي: الحاج السيد محمّد حسين التبريزي، الأستاذ العظيم القدر الذي يدين القرن العلمي الحاضر لخدماته و أفكاره السامية و لفضله و كماله، و العالم الجليل الذي استطاع بالهزّة العلمية التي أوجدها في الحوزة العلمية ايجادَ نهضة علمية فيها، و الذي قام بتعريف

معرفة المعاد ج۱

144
  • طلاب العلوم الدينية من خلال تدريس التفسير و الحكمة على حقائق المعارف الالهية، و الذي كان الوحيد الذي وضع الحجر الأساس لحصن مكين متين و أساس رصين لدحر الكفر و الردّ على الملحدين، صاحب تفسير الميزان و الكتب النفيسة الأخرى، و استاذ الحقير في التفسير و الأخلاق و الفلسفة و الهيئة القديمة؛ أخ في تبريز اسمه الحاج السيد محمد حسن الهي الطباطبائي، كان هو الآخر عالماً جليلًا و متّقياً زاهداً عابداً و معلّماً للأخلاق و المعارف الالهية و مربّياً للنفوس الصالحة يسوقها الى مقام الأمن و حرم الأمان الالهي. و قد رحل منذ عدّة سنوات و التحق بعالم البقاء و الخلود، و على اثر شدّة العلاقة التي كانت للسيّد الاستاذ بأخيه فقد أصيب في عزاءه به بمرض قلبي.

  • و كان السيد الاستاذ يقول: كان لأخي في تبريز تلميذ يدرّسه الفلسفة، و كان ذلك التلميذ يقوم بإحضار الأرواح، فاستطاع أخي بواسطة تلميذه ذاك الاتّصال بالكثير من الأرواح.

  • و إجمال ذلك انّ التلميذ كان يرغب في دراسة الفلسفة قبل ان يرتبط بأخي، فقام لهذا السبب باحضار روح أرسطو و طلب منه القيام بتدريسه، فقال أرسطو في جوابه: خُذ كتاب اسفار المولى صدرا و اذهب الى الحاج السيد محمّد حسن الهي فادرس!

  • و هكذا قام هذا التلميذ بشراء كتاب الأسفار و جاء اليه فنقل له قول أرسطو (الذي عاش قبل حوالي ثلاثة آلاف سنة)، فقال في جوابه: أنا مستعدّ لتدريسك، و لا مانع لدي في الأمر.

  • و هكذا صار التلميذ يأتي نهاراً إلى محضر أخي فيدرس لديه.

  • و كان المرحوم يقول: لقد ارتبطنا بواسطة هذا التلميذ بالكثير من الأرواح و طرحنا عليها الأسئلة، و كان بعضها يتضمّن الأسئلة

معرفة المعاد ج۱

145
  • المستعصية في الحكمة، و التي كنّا نطرحها على المؤلفين أنفسهم، فقد كنّا نسأل افلاطون الحكيم- مثلًا- عن المشكلات و المبهمات الموجودة في عباراته، و نستفسر عن مشكلات الأسفار من المولى صدرا.

  • و قد اتصلنا بافلاطون مرّة فقال: انّ عليكم أن تعرفوا قدر أنفسكم في انكم تتمكّنون من قول «لا اله إلّا الله» على الأرض، فلقد كانت الوثنيّة و عبادة الأصنام طاغية في زماننا فلم نكن نقدر على التلفّظ ب- «لا اله إلّا الله» مرّة واحدة. و كان هذا التلميذ قد أحضر أرواح الكثير من العلماء و سأل منهم أسئلة عجيبة و مستعصية، بحيث ان ذلك التلميذ لم يسبق له العلم بتلك الأمور أصلًا، و لم يكن ذلك التلميذ الذي كان يدرس الفلسفة ليفهم او يمتلك قدرة إدراك المسائل الغامضة التي كان يطرحها السيّد الهي على لسان تلميذه على معلّمي هذا الفن من الأرواح و يحصل على جوابها، لكنّ السيّد الهي كان يفهم أقوالهم التي يسمعها على لسان التلميذ.

  • و كان يقول: لقد أحضرنا أرواح الكثير من العلماء و طرحنا عليها الأسئلة إلّا انّنا لم نستطع حتّى الآن احضار روح نفريْن، أحدهما روح المرحوم السيّد ابن طاوس و الأخرى روح المرحوم السيّد مهدي بحر العلوم رضوان الله عليهما، و كان هذان الشخصان قد قالا: نحن وقف خدمة أمير المؤمنين عليه السلام و لا مجال لنا للنزول أبداً.

  • عتب والد العلّامة الطباطبائي بواسطة الارتباط بعالم الغيب.

  • و كان العلّامة الطباطبائي يقول:

  • و كان من الأمور المحيّرة العجيبة حين وصلت الينا رسالة من أخينا في تبريز كتب فيها انّ هذا التلميذ قام باحضار روح أبينا و سأله أسئلة فأجاب عنها، ثمّ قال ضمن حديثه: انني عاتب عليكم في انّكم لم تشركوني في ثواب التفسير الذي كتبتموه.

  • و كان يقول: لم يكن ذلك التلميذ يعرفني أو يعلم شيئاً

معرفة المعاد ج۱

146
  • عن تفسيري، كما انّ أخي لم يتكلّم عنّي أمامه بشيء، و لم يكن لأحد غير الله و غيري علم بأنّي لم أُشرك أبي في ثواب التفسير، حتّى انّ أخي لم يكن ليعلم بذلك، فقد كان ذلك من الأمور المرتبطة بقلبي و نيّتي.

  • و لم تكن مسألة عدم إشراكي لأبي في ثواب التفسير عائدة الى شحّي أو بخلي بذلك، بل لتردّدي في مدى قيمة الأعمال التي أفعلها حتّى اسهم أبي فيها، فلم اكن لأرى في نفسي القابلية و اللياقة في الخدمة (و للعلم فانّ تفسير الميزان تفسير لم يسبق له نظير من صدر الاسلام حتّى الآن من جهة ترابط الآيات و البيانات القرآنية، و قد قلتُ يوماً في محضره: انّ القلم قد استرسل في بعض مواضع هذا التفسير فربط الآيات ببعضها بحيث لا يمكن الّا أن نقول انّ التأييدات الالهية و الإلهامات السبحانيّة قد أجرت ذلك آنذاك على فكركم و لسانكم و قلمكم، و لا محمل للأمر على شيء آخر، و اذا ما جرى تدريس هذا التفسير في الحوزات العلميّة و ربيّت به الأفكار، فستتّضح قيمة هذا التفسير بعد مائتي سنة.

  • لاحظوا مدى تواضع و جلالة هذا الرجل الذي كتب تفسيراً بهذه الكيفية فصار يعدّ في زمن حياته جزءاً من أصول معارف الشيعة لا يستغني عنه العلماء و الكبار في جميع الدنيا، حين يقول: فما الذي عملنا يا ترى؟ و أيّ عمل مهمٍ أنجزناه حتّى الآن؟)

  • و كان يقول: وصلت رسالة أخي بيدي، فانفعلت كثيراً و غمرني الخجل، فقلتُ: يا الهي! إن كان تفسيري مقبولًا لديك و مستحقّاً للثواب فانّي أهدي ثوابه الى روح أبي و أمّي.

  • و لم أكن قد أرسلتُ الى تبريز بعدُ جواب رسالة أخي لأعلمه بهذا الأمر، حين وصلت بعد أيّام رسالة من أخي يقول فيها: لقد تحدثنا مع أبي فكان سعيداً و قال: أطال الله عمره و أيّده، فلقد أرسل السيّد

معرفة المعاد ج۱

147
  • محمد حسين هديّتنا.

  • و لا يخفى أنّنا نقلنا قصّة احضار الأرواح بنيّة الاستشهاد بها فقط في أمر تجرّد النفس و بقاء الروح بعد خلع المادة و البدن العنصري، لا بقصد تأييد جواز هذا العمل، بالرغم من أنّه لا تردّد هناك في صحّة هذا العمل و في امكان الارتباط و التكلّم مع الأرواح مجملًا، لكنّ هذا المعنى لا يُنافي عدم التجويز الشرعي لجهات معيّنة عند الشارع المقدّس، كما هو الأمر في علم الموسيقى الذي يعدّ من فروع العلوم الرياضيّة و لا شكّ و لا تردّد في صحّته و آثاره الواقعيّة المترتّبة عليه، كإدخال الغم أو الفرح أو الإضحاك أو الإبكاء، و التسبب بخفّة النفس أو ثقلها، و أحياناً الخلع و اللبس؛ لكنّ الشارع المقدّس قد حرّمه للمفاسد التي تترتّب على هذا العلم الصحيح، و كمثل علم السحر و الارتباط مع الجنّ و تسخير نفوس الشمس و القمر و الزهرة و عطارد و سائر الكواكب التي حرّمها الشارع و سدّ باب الإفادة من هذه الطرق للمفاسد المتضمّنة فيها، و مع وجود واقعيّتها و حقيقتها المشهودة إجمالًا من آثارها.

  • فهكذا الأمر في علم إحضار الأرواح الذي هو شعبة من الكهانة، و الذي مُنع و حُرّم في الشرع الأنور، و كان الاستاذ العلّامة الطباطبائي مدّ ظلّه يؤمن بهذا الرأي و يسير وفقه.

  • و قد حصل يوماً حين كان الحقير يشتغل بالتحصيل في النجف الأشرف أن ذهبت لزيارة اهل القبور في وادي السلام، و كان ذلك عصر يوم الخميس فكنت أتجوّل بين القبور حين التقيت بالمرحوم آية الله الحاج الشيخ آقا بزرگ الطهراني، و هو من العلماء البارزين و من الزهّاد و العابدين و المتخصّصين في فنّ الحديث و الرجال، و كان استاذاً للحقير في هذين الفنيّين، كما انّه صاحب كتاب «الذريعة الى تصانيف الشيعة»،

معرفة المعاد ج۱

148
  • و كتاب «أعلام الشيعة» التي تعدّ من نفائس الكتب المدوّنة في العصر الحاضر. و قد عاش ذلك المرحوم ما يزيد على مائة سنة، حيث ينقضي على رحلته عدّة سنوات، و له مع الحقير علاقة سببيّة1 كما انّه من مشايخ الحقير في الإجازة، و كان رجلًا متواضعاً ليّن العريكة كثير المعونة قليل المئونة سليماً جليلًا، و كانت له مع أبي علاقات ممتدّة، و قد أدرك محضر جدّي المرحوم السيد ابراهيم الطهراني حيث ينقل عنه حكايات عديدة، و كان يظهر محبّته لي و كنت أتردّد على منزله مرّة كل اسبوع أو كل اسبوعين فأفيد منه كثيراً.

  • الإرتباط بالأرواح في عالم النوم.

  • قصة رؤيا أبي المرحوم ءاية الله الشيخ آقابزرگ الطهراني بشأن زوجته

  • التقيت بسماحته في وادي السلام فسلّمت عليه، و كنّا نقرأ الفاتحة و نسير حتّى وصلنا الى موضع مسطّح مربّع الشكل مبنيّ بالطابوق و قد نُصبت عليه قطع رخام تشير الى القبور داخله، فقال: تعال لنقرأ الفاتحة هنا، فهذا قبر أبي و أمّي و خالي و البعض الآخر من أرحامي. فجلسنا و قرأنا الفاتحة لكلٍّ منهم، ثمّ نقل رواية حاصلها انّ من يذهب عصر يوم الخميس عند قبر أمّه و أبيه فيستغفر لهما فانّ الله عزّ و جل يفيض على قلبيهما أطباقاً من نور و يُدخل السرور عليهما و يقضي حاجات هذا الشخص، فانّ ارحام الانسان ينتظرون هديةً تُرسل اليهم عصر يوم الخميس، لذا تراني أترقّب طوال الاسبوع مجيء عصر يوم الخميس كي آتي هنا فأقرأ الفاتحة لهم. ثمّ نهضنا و سرنا فقال أثناء الطريق:

  • كنتُ صبيّاً صغيراً و كان منزلنا في طهران في منطقة «پامنار»، و كانت أيّام قلائل قد انقضت على وفاة جدّتي (أمّ أبي)، و كانت مجالس

    1. الشيخ هو أب زوجة ابن خالي، و ذلك لانّ اقا الميرزا محمّد الطهراني صاحب كتاب مستدرك البحار رحمة الله عليه هو خال أبي، و كان ولده الميرزا مهدي شريف عسكري الطهراني قد تزوّج بابنة المرحوم الشيخ آقا بزرگ.

معرفة المعاد ج۱

149
  • الترحيم قد عُقدت لأجلها ثمّ اختتمت.

  • و حصل يوماً أن كانت والدتي قد أعدّت طبيخ الكرز الأحمر (آلبالو پلو) في المنزل، فمرّ سائل في الزقاق يسأل شيئاً، و كانت والدتي تعمل في المطبخ حين طرق سمعها صوت السائل، فأرادت إعطاءه شيئاً من الطعام و اهداء ثواب ذلك الى روح جدّتي (أم زوجها) التي رحلت حديثاً، بيد انّه لم يكن هناك إناء نظيف في متناول يدها لتضع فيه الطعام، و كانت في عجلة من أمرها تخشى أن يمرّ السائل على باب المنزل و ينصرف، فصبّت مقداراً من ذلك الطبيخ في آنية الحمّام التي كانت في متناول يدها و قدّمته الى السائل، و لم يكن لأحد علم بهذا الأمر. و في منتصف الليل من ذلك اليوم استيقظ والدي من نومه فأيقظ والدتي و سألها: ما ذا فعلتِ اليوم؟ أجابت والدتي: لا أعلم.

  • قال: رأيت الآن والدتي في عالم الرؤيا فقالت: انّني عاتبة على زوجة ولدي، فقد أراقت اليوم ماء وجهي أمام الموتى، لأنّها أرسلت طعامي في آنية الحمّام، فما الذي فعلته؟

  • قالت أمّي: فكّرتُ مليّاً فلم يخطر على ذهني شيء، ثمّ تذكّرت فجأة انّني أعطيت السائل هذا الطعام بقصد اهداء ثوابه الى روح المتوفّاة حديثاً فكان طعام تلك المرحومة في ذلك العالم. و لأنّه قد قدّم على هيئة غير مستحسنة الى السائل، فقد اخذ على تلك الهيئة في عالم الملكوت الى والدة زوجي فعتبت علي.

  • لقد اشتكت المتوفّاة لأنّ طعامها الذي كان في صورته الملكية على هيئة طبيخ الكرز الأحمر المقدّم الى السائل، و في صورته الملكوتيّة على هيئة طبق من النور قُدّم اليها و قد صبّ في آنية الحمام، فكانت إهانة السائل اهانة الى روح المتوفي.

معرفة المعاد ج۱

150
  • إنّ أيّ احسان يريد الإنسان فعله ينبغي ان يقوم به مع غاية الاحترام و التجليل للسائل و الفقير و مع رعاية توقير الفقير و إكرامه.

  • كما أنّ أي عمل يفعله الانسان في سعة و عن اختيار بحيث يمكن ان يكون ذلك العمل نافعاً له ينبغي ان يفعله في حياته، امّا اذا قضي الأمر فلم يعد يسعه فعل شيء فانّه سيفقد القدرة على أن يبدّل اناء طعامه الملكوتي من آنية الحمام فيتناوله في إناء بللوري.

  • هذه الأحلام هي جميعاً دروس للعظة و الاعتبار، و يسعى هذا الحقير كي تكون الحكايات و المشاهدات في النوم او اليقظة التي انقلها في هذه المجالس من درس المعاد منقولة عن أشخاص ثقاة أجلّاء أدركتُ محضرهم و سمعتها منهم شفاهاً، و ان تكون مطالب و أمور وقعت في زمننا هذا، لا مطالب منقولة عن كتب و مؤلّفات كبار المؤلفين السابقين و التي تبدّلت لطول المدّة و مرور الزمن من المعاينة الى الخبر، و من المشاهدة و الأثر الى القول و الكلام، و من المسلّم انّ تأثير آثار حيّة فعليّة كهذه سيكون أعمق و أشدّ في النفس، و أفضل في ترغيب الغافلين للاستعداد للموت و لاصلاح العمل.

  • يروي محمّد بن ادريس الحلّي في مستطرفات كتاب السرائر عن كتاب أبي القاسم بن قولويه رحمه الله عن الامام الصادق عليه السلام انّه قال: بلغ أمير المؤمنين عليه السلام موتُ رجلٍ من أصحابه، ثمّ جاء خبر آخر انّه لم يمت، فكتب اليه: بسم الله الرحمن الرحيم، امّا بعد فانّه قد كان أتانا خبرٌ ارتاع له إخوانُك، ثمّ جاء تكذيب الخبر الاوّل فأنعم ذلك سرورنا. و انّ السرور يوشك [على] الانقطاع يبلغه عمّا قليل تصديق الخبر الاوّل. فهل أنت كائن كرجل قد ذاق الموت و عاين ما بعده يسأل الرجعة فاسعف بطلبته، فهو متأهّب دائب ينقل بأسره من ماله إلى دار قراره

معرفة المعاد ج۱

151
  • لا يرى انّ له مالًا غيره، و اعلم انّ الليل و النهار لم يزالا دائبين في قصر الأعمال و إنفاذ الأموال و طيّ الآجال.

  • هيهات هيهات قد صبحا عاداً و ثموداً و قروناً بين ذلك كثيراً، فأصبحوا لا يبليهما قد أمرا به مستعدان لمن بقي بمثل ما أصابا فيه من مضى. و اعلم انّما أنت نظير إخوانك و أشباهك مثلك كمثل الجسد قد نزعت قوّته فلم يبق الّا حشاشة نفسه ينتظر الداعي. فنعوذ بالله ممّا نعظ به ثمّ نقصر عنه.1

  • خطبة أمير المؤمنين عليه السلام في شأن الموت؛ و معنى «انَّ وَرَاءَكُمُ لسَّاعَةَ تَحْدُوكُمْ».

  • و من كلامٍ لأمير المؤمنين عليه السلام:

  • فَإنَّ الْغَايَةَ أمَامَكُمْ، وَ إنَّ وَرَاءَكُمُ السَّاعَةَ تَحْدُوكُمْ، تَخَفَّفُوا تَلْحَقُوا، فَإنَّمَا يُنْتَظَرُ بِأوَّلِكُمْ آخِرُكُمْ.2

  • و كما يحدو سائقو الظّعن بالجمال في الطرق البعيدة و الصحاري اللاهبة كي تطوي هذه المسافات و لا تحسّ بطول الطريق حتّى يصلون بها أخيراً الى مقصدها و يحطّون برحالها على الأرض؛ فانّ أمير المؤمنين عليه السلام يشبّه الأجل بحُداء الحادي الذي يحدو بالانسان من خلفه دوماً ليوصله الى هذا المنزل.

  • تَخَفَّفُوا تَلْحَقُوا، يقول: انّ أرواح الأنبياء و الأئمّة و الأولياء و المنزّهين قد رحلت جميعاً فاختارت منازلها في الجنّة، و لقد استقرّت أرواح المخلصين و المقرّبين في مقصدها، و وصلت القافلة الى منزلها. فيا عباد الله، ما تعلّلكم؟ انّ ثقل الأوزار و العلائق الماديّة و الشهوات المتكاثرة قد انقض ظهوركم و أخّركم عن السير و أضجركم و تقاعد بكم

    1. كتاب السرائر، الطبعة الحجريّة، باب المستطرفات، ص 20 من هذا الباب.
    2. الخطبة 21 من نهج البلاغة ج 1، ص 58، شرح محمّد عبده ط مصر.

معرفة المعاد ج۱

152
  • عن الحركة.

  • فتخفّفوا منها و ألقوها! اقطعوا أساس العلائق و جذورها! تحفّفوا لتلحقوا بقافلتكم قافلة الرحمة و لقاء الله و لا تتخلّفوا عنها.

  • فَإنَّمَا يُنْتَظَرُ بِأوَّلِكُمْ آخِرُكُمْ؛ يقول: انّ القيامة لن تقوم، و البعث و الحشر لن يحصل ما لم يلحق المتأخّرون بالمتقدّمين، و انّكم انّما عجزتم عن اللحاق بأرواح المنزّهين و المخلصين بسبب أوزاركم و قبائحكم، فهم يترقّبون قدومكم و ينتظرونكم، فاسعوا في اللحاق بقافلة الطيّبين و الطاهرين بأعمالكم الحسنة و أخلاقكم الحميدة، و ملكاتكم الفاضلة و عقائدكم السليمة، و أنهوا انتظار اولئكم و ترقّبهم لكم، و لو افترض انّكم عمّرتم في الدنيا طويلًا فانّ عمركم هذا إن اقترن بسلامة قلبكم و طويّتكم و بحسن أخلاقكم و معاملتكم في حياتكم، فانّ أرواحكم ستتعلّق بالعالم العلوي و الملأ الأعلى، و ستصل الى مقام الطهارة و القرب، و تلتحق بأرواح المخلصين و المنزّهين.

  • يقول السيّد الرضي رحمة الله عليه جامع نهج البلاغة في ذيل هذه الخطبة:

  • أقول: إنّ هذا الكلام لو وُزن بعد كلام الله سبحانه و بعد كلام رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلم بكلِّ كلامٍ لمال عليه راجحاً و برَّز عليه سابقاً. فأمّا قوله عليه السلام «تَخَفَّفُوا تَلْحَقُوا» فما سُمع كلامٌ أقلَّ منه مسموعاً و لا أكثر محصولًا. و ما أبعدَ غورَها من كلمة و أنقع نطفتها من كلمة1!

  • ما أكثر ذكر أمير المؤمنين عليه السلام للموت، و ما أكثر ما كان

    1. شرح نهج البلاغة محمّد عبدة، ط مصر، ص 59.

معرفة المعاد ج۱

153
  • يلفت اليه أصحابه، و يرتجل الخطب بشأنه في الملأ العام، يقول السيد الرضي رحمة الله عليه: و من كلامٍ له عليه السلام كان كثيراً ما ينادي به أصحابه1:

  • تَجَهَّزُوا رَحِمَكُمُ اللهُ فَقَدْ نُودِيَ فِيكُمْ بِالرَّحِيلِ، وَ أقِلُّوا الْعُرْجَةَ عَلَى الدُّنْيَا وَ انْقَلِبُوا بِصَالِحِ مَا بِحَضْرَتِكُمْ مِنَ الزَّادِ، فَإنَّ أمَامَكُمْ عَقَبَةً كَؤُوداً، وَ مَنَازِلَ مَخُوفَةً مَهُولَةً، لَا بُدَّ مِنَ الْوُرُودِ عَلَيْهَا، وَ الْوُقُوفِ عِنْدَهَا.

  • وَ اعْلَمُوا أنَّ مَلاحِظَ الْمَنِيَّةِ نَحْوَكُمْ دَانِيَةٌ، وَ كَأنَّكُمْ بِمَخَالِبِهَا وَ قَدْ نَشِبَتْ فيكُمْ وَ قَدْ دَهَمَتْكُمْ فيهَا مُفْظِعاتُ الامُورِ، وَ مُعْضِلَاتُ الْمَحْذُورِ.

  • فَقَطِّعُوا عَلَائِقَ الدُّنْيَا، وَ اسْتَظْهِرُوا بِزَادِ التَّقْوَى2.

  • و يقول ابن حجر الهيثمي المكّي في (الصواعق المحرقة):

  • وَ سُئِلَ عَلِيٌّ وَ هُوَ على الْمِنْبَرِ بِالْكُوفَةِ عَنْ قَوْلِهِ تعالى (رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَ ما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا)3

  • فَقَالَ: اللّهُمَّ غَفْراً، هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في وَ في عَمّي حَمْزَةَ وَ في ابنِ عَمِّي عُبَيْدَةَ بْنِ الْحَرْثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَأمَّا عُبَيْدَةُ فَقَضَى نَحْبَهُ شَهيداً يَوْمَ بَدْرٍ، وَ حَمْزَةُ قَضَى نَحْبَهُ شَهيداً يَوْمَ احُدٍ، وَ أمَّا أنَا فَأنتَظِرُ أشْقَاهَا يَخضِبُ هَذِهِ مِنْ هَذِهِ- وَ أشَارَ بِيَدِهِ إلى لِحْيَتِهِ وَ رَأسِهِ- عَهْدٌ عَهِدَهُ إلى حَبِيبِي أبُو الْقَاسِمِ صلّى الله عليه [و آله] وَ سَلَّمَ.4

    1. المصدر السابق ص. 418
    2. المصدر السابق ص 418، الخطبة 202.
    3. الآية 23، من السورة 33: الأحزاب.
    4. الصواعق ص 80.

معرفة المعاد ج۱

154
  •  

  •  

  • المَجْلسُ السَّادِسُ: في أنَّ فِعْلَ مَلَائِكَةِ قَبضِ الأرْوَاحِ وَ مَلَكِ الْمَوْتِ هُوَ عَيْنُ فِعْلِ اللهِ سُبْحَانَهُ

  •  

  •  

معرفة المعاد ج۱

156
  •  

  •  

  • بسم الله الرحمن الرحيم

  • (القيت هذه المطالب في اليوم السادس من شهر رمضان المبارك)

  • و الحمد لله ربّ العالمين و لا حول و لا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم

  • و صلّى الله على محمد و ءاله الطاهرين

  • و لعنة الله على أعدائهم أجمعين من الآن إلى يوم الدين

  • قال الله الحكيم في كتابه الكريم:

  •  

  •  

  • قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ.1

  • ينسب الله جلّ و عزّ في هذه الآية المباركة قبض أرواح الناس إلى عزرائيل ملك الموت، كما ينسب ذلك الى نفسه مباشرة في الآية الشريفة التي جرى البحث في شأنها مفصّلًا في المجلس السابق.

  • في نسبة قبض الروح إلى الله و إلى ملك الموت و للملائكة:

  • اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها2.

  • كما انّه ينسب قبض الروح في آية أخرى لا الى ملك خاص معيّن، بل الى الملائكة:

  • وَ هُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَ يُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ

    1. الآية 11، من السورة 32: السّجدة.
    2. الآية 42 من السورة 39: الزمر.

معرفة المعاد ج۱

157
  • الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَ هُمْ لا يُفَرِّطُونَ1.

  • و يقوم في آية رابعة بنسبة السلام و التحيّة الى الملائكة الذين يقومون بقبض أرواح الطيّبين و المخلَصين:

  • الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.2

  • و يذكر في آية أخرى في نفس السورة انّ الظالمين و الجائرين يعمدون الى المسالمة مع الملائكة حين يأتون لقبض أرواحهم، كما يعمدون الى إنكار أعمالهم و قبائحهم التي ارتكبوها، و لكن بلا جدوى:

  • الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.3

  • و بعد أن يُجيبهم الملائكة بهذا الخطاب، يخاطبونهم من جديد قائلين: فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ.4

  • و كما يُلاحظ في هذه الآيات فانّ قبض الروح قد نُسب في بعض هذه الآيات الى الله سبحانه، و في بعض الى ملك الموت، كما نسب في البعض الآخر الى الملائكة الذين يقبضون بطريقة معينة أرواح الطيّبين و المخلصين، و يقبضون بطريقة أخرى أرواح الظالمين و الجائرين.

  • فما الذي يفيده الجمع بين هذه الآيات؟ إنْ كان الله يقوم بنفسه بقبض الروح فما الذي يفعله عزرائيل و سائر الملائكة؟ و إن كان ذلك من فعل عزرائيل لوحده فما هو عمل باقي الملائكة؟ و ما معنى نسبة هذا الفعل الى الذات المقدّسة للربّ جلّ و عزّ؟ و اذا كان ذلك من فعل الملائكة، فما

    1. الآية 61 من السورة 6: الأنعام.
    2. الآية 32 من السورة 16: النحل.
    3. الآية 28 من السورة 16: النحل.
    4. الآية 29، من السورة 16: النحل.

معرفة المعاد ج۱

158
  • هو عمل ملك الموت؟ و ما الذي تعنيه نسبة قبض الروح الى الله هنا أيضاً؟

  • تلك مسألة ينبغي إلقاء الضوء عليها، و ذلك لأنّه علاوة على عدم وجود تناقض في القرآن الكريم، فانّ هذه الآيات تبيّن أصلًا مهمّاً من أصول التوحيد المتقنة.

  • فعل ملك الموت عين فعل الله تعالى.

  • فعل ملك الموت و ملائكة قبض الأرواح هو عين فعل الله تعالى:

  • و لإيضاح هذا المعنى نقول: إنّ الدين الإسلامي المقدّس قائم على أساس التوحيد، التوحيد في الذات، التوحيد في الصفات، و التوحيد في الأفعال؛ فالتوحيد في الذات يعني أن ليس هناك في جميع عوالم الوجود الّا وجوداً مستقلًا واحداً قائماً بالذات، و ذلك الوجود يعود للذات المقدّسة لمفيض الوجود و واهبه جلّ و علا، امّا باقي الموجودات فليس وجودها الّا وجود ظلّي و تبعي و معلول و ناقص و ممكن.

  • امّا التوحيد في الصفات فانّه يعني أنْ ليس هناك في جميع عوالم الوجود الّا علم مطلق واحد و حياة مطلقة واحدة و قدرة مطلقة واحدة؛ و كذلك الأمر في سائر الصفات، و انّ هذه الصفات مختصّة بالذات المقدّسة للحيّ القديم العالم القدير، كما انّ الصفات التي تشاهد في باقي الموجودات من العلم و القدرة و الحياة هي جميعها من اشعاع علم و قدرة و حياة واجب الوجود، و ليست مستقلّة بنفسها، بل انّ نسبتها الى الصفات الالهيّة كنسبة الظلّ الى الشاخص، و في حكم الإشعاع المضيء من مصدر النور و القدرة و العلم و الحياة.

  • أفعال الموجودات عين فعل الله بنسبتين.

  • و كذلك الأمر في التوحيد في الأفعال الذي يعني أن ليس هناك في جميع عوالم الوجود إلّا فعل واحد مستقل قائم بالذات، و انّ جميع الأفعال التي تصدر من الموجودات الممكنة هي جميعاً إشعاع ذلك الفعل المستقلّ بالذات، القائم بوجود واجب الوجود. كما ان تلك الأفعال في نفس الوقت

معرفة المعاد ج۱

159
  • الذي تمتلك النسبة الى الممكنات، فانّها تمتلك أيضاً النسبة الى الخالق جلّ و عز. اي انّ الفعل الذي يصدر من الموجودات هو ظهور و طلوع من فعل الربّ عزّ و جل، فذلك العمل متعلّق حقيقة بالله سبحانه، فهو يظهر و يطلع في ذلك الموجود بأمر الله و إذنه، و على هذا الأساس فانّ الظهور يجد النسبة أيضاً الى ذلك الموجود.

  • و لذلك فانّ الفعل الذي يقع من موجود معيّن، و الذي ينسب الى ذلك الموجود، هو في حقيقة الأمر و واقعه منسوب الى الله سبحانه، غاية الأمر انّ هاتين النسبتين ليستا في عرض بعضهما، بل هما في طول بعضهما. و ذلك لانّ أيّا من الله تعالى و ذلك الموجود لم ينجز ذلك الفعل بصورة مستقلّة، كما انّهما لم يشتركا في فعله سويّاً، بل انّ ذلك الفعل قد صدر و ظهر أوّلًا و بالذات من مصدر الفعل و الوجود، و هو الذات المقدّسة للَه تعالى، ثمّ ظهر و نشأ في هذا المورد ثانياً و بالعرض.

  • و قد قال الحكيم السبزواري في هذا الشأن:

  • فَالكُلُّ بِالذَّاتِ لَهُ دِلَالة***حَاكِيَةٌ جَمَالَهُ جَلَالَه

  • وَ كُلُّ جُزْئِيٍّ مِنَ الأسْمَا وُضِعْ***وَضْعَاً إلهيّاً لِمعنى مَا صُنعْ

  • إذْ عَرَضُ الدَّلالَةِ الْعرْضِيّة***تَزُولُ لَا الذَّاتِيَّةُ الطُّولِيَّة 1

  • يقول: انّ جميع الموجودات هي ذاتاً آيات و مرايا لذات الحقّ، دالّةٌ على وجوده و حاكية عن جماله و جلاله، و انّ كلّ واحد من الموجودات و الأسماء الجزئيّة له دلالة على ذاته بالوضع الالهي و الواقعي،

    1. المنظومة السبزواريّة، غرر في تكلّمه تعالى، ط ناصري، ص 177 و 178.

معرفة المعاد ج۱

160
  • لا بالدلالة الوضعيّة و التصنّعيّة، و سبب ذلك انّ الدّلالة إن كانت عرضيّة فانّها ستفنى خلافاً للدلالة الطوليّة الناشئة من العلّة و المعلوليّة و الموجودة بالذات الموجودة في حاقّ وجوده.

  • و لذا ينبغي القول بانّ ملك الموت الذي يمثّل مرآة للدلالة على الذات المقدّسة للربّ الودود، و سائر ملائكة قبض الأرواح الذين يمثّلون مرآةً لملك الموت، لهم الاتّحاد جميعاً مع الذات المقدّسة للباري تعالى شأنه العزيز، أي انّ لهم العينيّة معها، و ليس هناك انفصال و بينونة يمكن تصوّرها بينهم و بينها في مقام الفعل.

  • انّ فعل قبض الأرواح ينشأ و يظهر من الذات المقدّسة للخالق عزّ و جلّ، ثمّ يظهر في الوهلة الاولى في مرآة وجود ملك الموت، ثمّ يطلع و يظهر منه الى الملائكة الآخرين حسب اختلاف درجاتهم و مراتبهم حتّى يصل أخيراً الى مجموعة الملائكة الذين هم أخفف منهم في جميع الدرجات و سعة الوجود. و لانّ هذه الأفعال تقع طوليّاً لا عرضيّاً بالنسبة الى أحدها الآخر، فانّها جميعاً في الحقيقة فعل واحد، لذا فانّ ذات الخالق المقدّسة مستقلّة في فعل قبض الأرواح و لا يمكن أبداً افتراض مساعد أو معين في هذا العمل بالرغم من انّ هذا الفعل يحصل على يد ملك الموت و على يد سائر الملائكة التابعين له.

  • و بناءً على هذا الأساس العام، يُشاهد انّ القرآن الكريم حين يبحث في موضوعات كمثل موت الموجودات و حياتها و رزقها، و مثل الحوادث السماويّة و الأرضيّة، فانّه ينسبها بوضوح الى عللها السفليّة أو العلويّة في نفس الوقت الذي ينسبها فيه الى ذات الخالق المقدّسة التي يعدّها وحيدة متفرّدة في هذه الأفعال لا شريك لها1.

    1. لمزيد من الاطلاع يمكن الرجوع الى تفسير الميزان طبعة الآخوندي، المجلّد الاوّل، ص 72 تحت عنوان« تصديق القرآن لقانون العليّة العامّة»، و ص 406 من نفس المجلّد تحت عنوان« كلام في استناد مصنوعات الإنسان الى الله سبحانه».

معرفة المعاد ج۱

161
  • فنراه في مسألة الخلقة مثلًا ينسب الى الانسان كثيراً من أفعاله في عين الحال التي ينسبها الى ذات الله المقدّسة:

  • وَ اللَّهُ خَلَقَكُمْ وَ ما تَعْمَلُونَ1.

  • و يقول في آية أخرى:

  • ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ.2

  • و في آية ثالثة:

  • قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَ هُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ.3

  • و كذلك فانّ الآية 62، من السورة 39: الزمر، و الآية 62، من السورة 40: غافر، و الآية 24، من السورة 59: الحشر، لها دلالة مشابهة على ما ذكر.

  • و هكذا الأمر في موضوع المِلكيّة و المَلِكية؛ فمع انّه ينسب مُلك جميع الموجودات و مِلكها بشكل خالص محض الى الله سبحانه، كمثل قوله: لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما فِيهِنَ.4

  • و الكثير من الآيات القرآنية التي استعمل فيها تعبير لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ؛ لكنّه في نفس الوقت ينسب المِلك و المُلك مرّة الى آل ابراهيم:

  • فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ آتَيْناهُمْ مُلْكاً5

  • معرفة المعاد ؛ ج1 ؛ ص161
    1. الآية 96، من السورة 37: الصافات.
    2. الآية 102، من السورة 6: الأنعام.
    3. الآية 16، من السورة 13: الرعد.
    4. الآية 120، من السورة 5: المائدة.
    5. حسينى طهرانى، سيد محمد حسين، معرفة المعاد، 10جلد، دار المحجة البيضاء - بيروت - لبنان، چاپ: 1، 1416 ه.ق.

معرفة المعاد ج۱

162
  • عَظِيماً.1

  • وَ شَدَدْنا مُلْكَهُ وَ آتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَ فَصْلَ الْخِطابِ.2

  • وَ مَا مَلَكَتْ أيْمَانُكُمْ.3

  • وَ ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ.4

  • كيفيّة ظهور نور الفعل الالهي في مظاهر عالم الإمكان و نشأة الموجودات.

  • و من هذا القبيل الآيات التي نبحث عنها، و التي نسب فيها قبض الروح الى الله سبحانه و نسبها أيضاً الى ملك الموت و سائر ملائكة قبض الأرواح، تماماً كمثل الشمس التي تنعكس متلألئةً في مرآة كبيرة، ثمّ تشعّ من تلك المرآة الى مرايا صغيرة كثيرة، حيث انّ النور و الاشعاع مختصّ أوّلًا و بالذات بالشمس، ثمّ ينتسب ثانياً و بالعرض الى هذه المرايا.

  • انّ الإرادة الأزليّة للحقّ تعالى تظهر في ملك الموت، ثمّ تظهر منه في كلّ واحد من ملائكة قبض الأرواح حسب اختلافهم في قبض روح المؤمن و الكافر و المنافق و العادل و الفاسق، و الذين يختلفون في أشكالهم و صورهم.

  • فهذه الظهورات تقع في طول بعضها، و لا تجتمع في عرض بعضها فتقبض الروح مستقلّة أو مجتمعة. كما انّ ملك الموت يمثّل مظهر اسم الْقَابِض او الْمَيت، بينما يمثّل الملائكة الآخرون المظاهر الجزئيّة لهذا الإسم.

  • ينقل الشيخ الطبرسي (ره) رواية مفصّلة في كتاب (الاحتجاج) عن

    1. الآية 54، من السورة 4: النساء.
    2. الآية 20، من السورة 38: ص.
    3. الآية 3، 24، 25 و 36، من السورة 4: النساء. و الآية 71، من السورة 16: النحل. و الآية 6، من السورة 23: المؤمنون، و ... و ...
    4. الآية 50، من السورة 33: الأحزاب.

معرفة المعاد ج۱

163
  • زنديق جاء الى أمير المؤمنين عليه السلام و قدّم مجموعة من الإشكالات و من جملتها انّ هناك في القرآن الكريم اخباراً و أموراً يناقض بعضها بعضاً، فإن أجبتني عليها دخلتُ في دينكم.

  • و كان من جملة اعتراضاته ادّعاؤه وجود تناقض في آيات توفّي الأرواح و قبضها و فاعلها.

  • يقول: أجد اللهَ يقول: قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ1

  • و في موضع آخر يقول: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها.2

  • الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ3، و ما أشبه ذلك فنسب قبض الروح الى نفسه في بعضها، و الى ملك الموت في بعض، و الى الملائكة في البعض الآخر4.

  • فأجابه الإمام: فأمّا قوله: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها و قوله يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ)، (تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا)، (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ؛ فهو تبارك و تعالى أجلّ و أعظم من أن يتولّى ذلك بنفسه، و فعل رسله و ملائكته فعله، لأنّهم بأمره يعملون، فاصطفى جلّ ذكره من الملائكة رسلًا و سفرةً بينه و بين خلقه، و هم الذين قال الله فيهم:

  • اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَ مِنَ النَّاسِ5.

  • فمن كان من أهل الطاعة تولّت قبض روحه ملائكةُ الرحمة، و من كان من أهل المعصية تولّت قبض روحه ملائكةُ النقمة، و لملك الموت

    1. الآية 11، من السورة 32: السجدة.
    2. الآية 42، من السورة 39: الزمر.
    3. الآية 32، من السورة 16: النحل.
    4. «الاحتجاج»، طبع النجف، مطبعة النعمان س 386، المجلّد الاوّل، ص 364.
    5. الآية 75، من السورة 22: الحجّ.

معرفة المعاد ج۱

164
  • أعوان من ملائكة الرحمة و النقمة، يصدرون عن أمره، و فعلهم فعله، و كلّ ما يأتون منسوب اليه. و على هذا كان فعلهم فعل ملك الموت، و فعل ملك الموت فعل الله، لأنّه يتوفّى الأنفس على يد من يشاء و يعطي و يمنع و يُثيب و يُعاقب على يد من يشاء، و انّ فعل أمنائه فعله: وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ.*1

  • كيفيّة قبض ملك الموت أرواح أفراد كثيرين في لحظة واحدة.

  • و علينا أن نرى الآن كيفية قبض الروح، و كيف يتمكّن ملك الموت من قبض أرواح أفراد كثيرين في نفس الوقت، مع انّ بعضهم يقع في المشرق و البعض الآخر في المغرب فقد يغرق جمع كثير في البحر و يموتون في لحظة واحدة، و قد ينهار جبل عليهم أو يسيخون في الأرض عند حدوث زلزلة، او يموتون برياح سامّة تهبّ عليهم، أو بصاعقة من السماء؛ فكيف- يا ترى- يخطف ملك الموت أرواح هذه النفوس جميعاً مع إمكان تجاوزها للآلاف أو الملايين أحياناً؟ الإجابة على ذلك، اوّلًا.

  • اننا نشاهد في الأمور الماديّة انّ هناك إمكاناً لصدور أفعال مختلفة من مبدأ و مصدر واحد، بدون أدنى تغيير أو تفاوت في زمن وقوعها.

  • فالشمس التي تتحرك في السماء مثلًا لها حركة واحدة و نور واحد، لكنّها و هي ترسل الى الأرض نوراً واحداً، تضيء في نفس الوقت آلاف البيوت و الأوكار و الشوارع و المحلّات و القرى و المدن، كما تضيء الصحاري و الجبال و البحار. فهذه الإضاءة التي حصلت في كلّ واحد من هذه البيوت و الأعشاش و الأوكار تختلف عن تلك الحاصلة في البيت

    1. الآية 30، من السورة 76: الدهر؛ و الآية 29، من السورة 81: التكوير.

معرفة المعاد ج۱

165
  • و العشّ الآخر، و تتميّز عنها بحدود و مواصفات خاصّة، فالنور الذي حصل في هذا البيت هو غير النور الذي حصل في البيت الآخر، لأنّه يمثّل حصّة خاصّة من شعاع الشمس بينما يمثّل الآخر حصّة خاصّة أخرى، في حين انّ الشمس كانت واحدة في كلّ الأحوال، كما انّ الأشعّة التي ترسلها إلى الأرض واحدة.

  • تمثيل قبض ملك الموت و أعوانه أرواح الخلائق بمحطّة الطاقة الكهربائيّة.

  • و توضّح لنا قصّة الأمواج الكهربائيّة و الضوئيّة هذه المسألة بشكل واضح و جليّ، فالمرسلة التي تقع في إحدى زوايا العالم تُرسل بحركتها الكهربائية النور و الصوت و تنشره في العالم، فيمكن لجميع الأفراد على سطح الأرض على اختلاف تواجدهم، سواءً في الجوّ أو الصحراء أو على قمم الجبال، سماع ذلك الصوت بجهاز خاصّ يدعى بجهاز الاستقبال، كما يمكنهم مشاهدة تلك الصورة التي ولدت على هيئة أمواج اثر الحركة الكهربائيّة في الهواء، و ذلك عند تمركزها في جهاز الاستقبال ذلك.

  • و لقد كان المتكلّم واحداً و كان فعله واحداً و خطبته و كلامه واحداً، و كان يقرأ القرآن الكريم، لكنّ الملايين من نفوس البشر كانوا يستفيدون من ذلك. اي انّ من الممكن أن يطلع ذلك الفعل الواحد و يظهر- مع الاحتفاظ بوحدته و تفرّده- في مئات الملايين من الممرّات و السبل فيجعل الجميع يفيدون منه و يتمتّعون به.

  • و هكذا الأمر في محطّة الطاقة الكهربائية التي ترسل طاقة كهربائية واحدة عبر سلك مفتول واحد الى المدينة، ثم تنشعب هذه الطاقة عبر أجهزة تبديل تدعى بالمحوّلات تبدّل الطاقة العالية القويّة الى طاقة أضعف، ثم تمرّ بمحوّلات أضعف تقع في طريق المدينة تقوم بتحويلها الى طاقة أضعف يمكن الإفادة منها في البيوت و في الأجهزة الحراريّة و الميكانيكيّة، فيمكن بواسطة هذا النوع من المحوّلات تبديل الطاقة

معرفة المعاد ج۱

166
  • العالية العظيمة لهذه المحطّة و البالغة 000/ 50 قولتاً الى 220 قولتاً او 110 قولتاً، أو حتّى الى 6، 4 و 2 قولتاً في الأجهزة الصغيرة و مصابيح النوم.

  • أو يمكن أن يقال: كيف يمكن لسلك مفتول واحد متّصل بمحطّة الطاقة ان يضيء كلّ هذه البيوت و يشغّل كلّ هذه المعامل و يحرّك في لحظة واحدة جميع الأجهزة الموجودة فيها؟

  • كيف يمكن أن يحصل جريان التيار الكهربائي في جميع هذه الأشياء بإشارة واحدة و بوصل مفتاحٍ واحد؟

  • انّ أحداً لا يمكنه أن يتساءل عن ذلك، لأنّ الفعل فعل واحد جرى تبديله بواسطة هذه الأجهزة من قويّ الى ضعيف، فارتدى لباس الكثرة، و ظهر في قوالب كثيرة متعدّدة.

  • و هكذا فانّ الملَك الالهي الأعظم الذي يمتلك وظيفة قبض الأرواح و اسمه عزرائيل له حكم مصدر الطاقة و معدنها و حكم الشمس و أشعتها الواحدة في عنان السماء، و هو اسم الله «الْمَيِت» و «الْقَابِض»، كما انّ اسرافيل الذي ينفخ الحياة في الأبدان و يفيض الأرواح على الموجودات هو اسم الله «المُحْيِي»، و كما انّ جبرائيل الذي يفيض العلوم هو اسم الله «الْعَلِيم» و «الْبَصِير» و «الْخَبِير»، و كما انّ ميكائيل المسئول عن ايصال الرزق هو اسم الله «الرَّزَّاق» و «الرَّازِق». ثم يتشعّب ذلك الإسم الكلّي بواسطة ملائكة أصغر الى وحدات، ثم بواسطة ملائكة ينقسم ذلك الاسم الصغير و الجزئي الى وحدات أصغر حتّى يصل الى كلّ واحد من الملائكة الجزئيين الذين يُعهد لهم مهمّة خاصّة لأمرٍ معيّن من الإحياء و الإماتة و التعليم و إيصال الرزق. و لقد صار في يومنا هذا؛ و بواسطة هذه الأجهزة العجيبة و إرسال النور و الصوت و أمثالها الى النقاط القصيّة؛ أمرُ ادراك كيفية عمل الملائكة بسيطاً و ميسوراً للأفهام، امّا في ذلك الزمان الذي كان

معرفة المعاد ج۱

167
  • ينبغي فيه اشعال الفانوس بقدح الأحجار ببعضها أو بواسطة الكبريت، ممّا كان يوجب توهّج الفوانيس الواحد تلو الآخر، فقد كان تصوّر هذه المعاني أمراً بعيداً و صعباً على الإدراك و الفهم.

  • و يقال هذه الايّام انّهم في صدد اختراع أجهزة يمكنهم بواسطتهم توجيه نور الشمس خلال الليل من نصف الكرة الأرضيّة المضيء إلى نصفها المظلم و جعل الناس يستغنون في ظلمة الليل عن المصباح الكهربائي حين يتبدّل الليل المظلم الى نهار مضيء. فهم يعمدون في هذه الطريقة الى بناء محطّات متعدّدة في نقاط الأرض المختلفة يأخذون من خلالها نور الشمس الذي يجاورها فيحوّلونه الى المحطّة التي تقرب منها و يسوقونه بهذه الطريقة الى النقاط البعيدة، و في هذه الحال فانّ كلًّا من هذه المحطّات التي تنصب في نقاط الأرض المختلفة بفواصل معيّنة يقوم بإضاءة أطرافها الى الشعاع المتّصل بشعاع المحطّات الأخرى، كما انّه يقوم علاوة على ذلك باستلام النور من الشمس مباشرة أو من المحطّات التي تسبقه فينقله الى المحطّات التي تأتي بعده. و نتيجة لذلك فانّ نصف الكرة المعتم سيستحيل في الليالي المظلمة مضيئاً.

  • و في بحثنا هذا فانّ ملك الموت له حكم تلك المحطّة القويّة و ملائكة قبض الأرواح في حكم المحطّات التي تقع في وسط الطريق، و هو جواب بسيط و واضح و قابل لادراك العموم.

  • عدم التضادّ أو التزاحم في عالم المعاني و المجرّدات

  • لا تزاحم و لا تضادّ في المعاني و المجرّدات:

  • و أمّا الجواب الآخر فانّ عمل ملك الموت ليس فعلًا مادّياً لأنّه موجود مجرّد و معنوي، و أساساً فليس هناك تشابه بين المعنى و التجرّد مع المادّة و آثارها و أحكامها.

معرفة المعاد ج۱

168
  • و كما أشير في الأيّام السابقة فانّ قبض الروح يحصل من باطن الإنسان لا من ظاهره، فملك الموت انّما يقوم بقبض روح الآدمي، كما انّ عزرائيل نفسه موجود ملكوتي يخطف الروح و يسلبها بقوّة ملكوتيّة و معنويّة لا بقوّة ماديّة.

  • و من باب المثال: حين اتكلّم معكم الساعة فتسمعون كلامي جميعاً و تدركونه، هل يوجد هناك تزاحم بين ادراككم و تعقّلكم مع ادراك رفيقكم و تعقّله؟ أهناك تضادّ بينها؟ هل يمكن القول كيف يكون المعنى الواحد قابلًا لإدراك آلاف الناس في آنٍ واحد.

  • بلى، لو شئت الجلوس في هذا المكان الخاصّ، و شاء كلٌّ منكم الجلوس فيه في نفس الوقت لكان ذلك محالًا، لأن هذا المكان أمر ماديّ له سعة موجود ماديّ واحد بقدره، اما القوّة المفكّرة و المتخيّلة و الحافظة فليست ماديّة، و لا مانع هناك من القاء معنى واحد لأفراد متعدّدين. و اذا افترض انّ كلامي قد أذيع الى جميع الدنيا بواسطة مكبّر الصوت هذا، فانّ جميع أفراد البشر سيدركونه، و لن يكون هناك مصادمة و لا تضادّ بين ادراك و فهم كلّ منهم مع ادراك و فهم الآخرين.

  • و لذلك فانّه لا يتصوّر أبداً ايّ تناف أو تضادّ بين فعل الحقّ عزّ و جل و بين فعل ملك اموت و سائر الملائكة، باعتبار انّ ذلك الفعل ليس فعلًا ماديّاً، بل هو فعل واحد يظهر و يبرز في المرايا و النوافذ المختلفة بحيث تعكسه كلّ واحدة منها الى الأخرى.

  • يقول الحكيم السبزواري في كيفية حصول التكثّر حسب طريقة الاشراقيّين:

  • كيفيّة طلوع و ظهور نور واجب الوجود في ملائكة قبض الأرواح.

  • كيفية طلوع و ظهور نور واجب الوجود في ملك الموت و سائر ملائكة قبض الأرواح:

معرفة المعاد ج۱

169
  • وَ هكَذَا سَوَانِحُ الأنوَارِ***تَضاعَفَتْ لِمَبلَغٍ مِكْثارِ

  • عَلَيهِ قِسْ بِوَسَطٍ وَ غَيرِه***شُهُودَ كُلٍّ وَ شُرُوقَ نُورِه

  • إذْ لَا حِجَابَ في الْمُفَارِقَاتِ***وَ إنَّمَا اخْتَصَّ الْمُقَارِنَاتِ

  • فَكَانَ في كُلٍّ جَمِيعُ الصُّور***كُلٌّ مِنَ الْكُلِّ كَمَجْلَى الآخَرِ 1

  • و بهذا الطريق و الكيفيّة فانّ الأنوار السانحة؛ مثل نور وجود ملك الموت الذي يستمدّ من حضرة نور الأنوار فيتجلّى فيه؛ ستتكثّر في المراتب النازلة بشكل مضاعف. و على هذا الأساس و الكيفيّة ينبغي ملاحظة إشراقات الأنوار التي تظهر في المراتب الأوطأ، و المشاهدات التي تقوم بها من الأنوار العالية و الموجودات المجرّدة القاهرة.

  • و دليل ذلك انّه ليس هناك في الموجودات المجرّدة حجابٌ للمادّة و آثارها مثل الزمان و المكان، و هي ليست محجوبة عن بعضها لأنّ الحجاب مختصٌّ بالموجودات الماديّة و آثارها. و لذلك فانّه سينعكس في كلّ واحد من الموجودات المجرّدة جميع صور الموجودات المجرّدة الأخرى، فيكون كلّ واحد منها في حكم المرآة بالنسبة للآخرين.

  • و قد روى الشيخ الصدوق في كتاب «من لا يحضره الفقيه» عن الامام الصادق عليه السلام قال:

  • قِيلَ لِمَلَكِ الْمَوْتِ عَلَيْهِ السَّلامُ: كَيْفَ تَقْبضُ الأرْوَاحَ وَ بَعْضُهَا

    1. شرح المنظومة السبزواريّة، طبع ناصري، ص 190 و 191.

معرفة المعاد ج۱

170
  • فِي الْمَغْرِبِ وَ بَعْضُهَا في الْمَشْرِقِ في سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ؟

  • فَقَالَ: أدْعُوهَا فَتُجِيبُني.

  • قَالَ: فَقَالَ مَلَكُ الموتِ عَلَيْهِ السَّلامُ: إنَّ الدُّنْيَا بَيْنَ يَدَيَّ كَالْقَصْعَةِ بَيْنَ يَدَيْ أحَدِكُمْ يَتَنَاوَلُ مِنْهَا مَا شَاءَ؛ وَ الدُّنْيَا عِنْدِي كَالدِّرْهَمِ في كَفِّ أحَدِكُمْ يُقَلِّبَهُ كَيْفَ يَشَاءُ1.

  • و روى كذلك في نفس الكتاب انّه سُئل الصادق عليه السلام عن قول الله عزّ و جل «اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها»، و عن قول الله عزّ و جل «قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ»، و عن قول الله عزّ و جل «الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ» و عن قول الله عزّ و جل «تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا»، و عن قوله عزّ و جلّ «وَ لَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ»، و قد تموت في الساعة الواحدة في جميع الآفات ما لا يحصيه إلّا الله عزّ و جل فكيف هذا؟

  • فقال: إن الله تبارك و تعالى جعل لملك الموت أعواناً من الملائكة يقبضون الأرواح، بمنزلة صاحب الشرطة له أعوان من الإنس يبعثهم في حوائجه، فَتَتَوفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ وَ يَتَوَفَّاهُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مَعَ مَا يَقْبض هُوَ، وَ يَتَوَفَّاهَا اللهُ عَزَّ وَ جَل مِنْ مَلَكِ الْمَوْتِ2.

  • و يستفاد من هذه الرواية انّ ملك الموت يقبض أرواح البعض بدون توسّط الأعوان من الملائكة، بل يتصدّى بنفسه لقبض أرواح هؤلاء؛ و سنتحدّث عن هذا الموضوع في خاتمة هذا المجلس إن شاء الله تعالى.

  • و ينقل الشيخ الصدوق عليه الرحمة في كتاب «التوحيد» رواية عن

    1. «من لا يحضره الفقيه»، باب غسل الميّت، طبع النجف، ج 1، ص 80.
    2. «من لا يحضره الفقيه»، باب غسل الميّت، طبع النجف، المجلّد الأوّل، ص 82.

معرفة المعاد ج۱

171
  • أحمد ابن الحسن القطّان، عن أحمد بن يحيي، عن بكر بن يد الله بن حبيب، عن أحمد بن يعقوب بن مطهر، عن محمد بن الحسن بن عبد العزيز الأحدب الجند بنيسابور، قال: وجدتُ في كتاب أبي نجطّة: حدّثنا طلحة بن يزيد، عن عبيد الله بن عُبيد، عن أبي معمر السعداني، انّ رجلًا أتى أمير المؤمنين على بن أبي طالب عليه السلام فقال: يا أمير المؤمنين إنّي قد شككتُ في كتاب الله المُنْزَلِ قال له عليه السلام: ثكلتك أمك و كيف شككت في كتاب الله المنزل؟

  • قال: لأنّي وجدتُ الكتاب يكذّب بعضُه بعضاً فكيف لا أشكّ فيه. فقال على بن أبي طالب عليه السلام: انّ كتاب الله ليصدّق بعضه بعضاً و لا يكذّب بعضه بعضاً، و لكنّك لم تُرزق عقلًا تنتفع به، فهاتِ ما شككتَ فيه من كتاب الله عزّ و جل.

  • فشرع الرجل ببيانها و أمير المؤمنين عليه السلام يجيب عليها واحداً بعد الآخر، و هذه الرواية مفصّلة جداً و طويلة نُقلت بأجمعها في كتاب توحيد الصدوق، الطبع الحيدري، من ص 96 الى ص 254.

  • الّا اننا اقتطعنا منها موضع حاجتنا المتعلّق بإدّعاء التناقض و التنافي في آيات قبض الروح، نذكره هنا:

  • فقال عليه السلام: و أمّا قوله: «قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ»، و قوله «اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها»،

  • و قوله «تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَ هُمْ لا يُفَرِّطُونَ» و قوله «الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ»، و قوله «تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ» فإن الله تبارك و تعالى يدبّر الأمور كيف يشاء، و يوكّل من خلقه من يشاء بما يشاء، أمّا ملك الموت فانّ الله يوكّله بخاصّة من يشاء من خلقه، و يوكّل رسله من الملائكة خاصّة بمن يشاء من خلقه، و الملائكة الذين سمّاهم الله

معرفة المعاد ج۱

172
  • عزّ ذكره وكّلهم بخاصّة بمن يشاء من خلقه، انّه تبارك و تعالى يدبّر الأمور كيف يشاء.

  • لَيْسَ كُلُّ الْعِلْمِ يَسْتَطِيعُ صَاحِبُ الْعِلْمِ أنْ يُفَسِّرَهُ لِكُلِّ النّاسِ.

  • ثمّ قال: وَ لَيْسَ كُلُّ الْعِلْمِ يَسْتَطِيعُ صَاحِبُ الْعِلْمِ أنْ يُفَسِّرَهُ لِكُلِّ النَّاسِ، لأنَّ مِنْهُمُ الْقَوِي وَ الضَّعِيفُ، وَ لأنَّ مِنْهُ مَا يُطَاقُ حَمْلُهُ وَ مِنْهُ مَا لَا يُطَاقُ حَمْلُهُ إلَّا مَنْ يُسَهِّلُ اللهُ لَهُ حَمْلَهُ وَ أَعَانَهُ عَلَيْهِ مِنْ خَاصَّةِ أوْلِيَائِهِ.

  • وَ إنَّمَا يَكْفِيكَ أنْ تَعْلَمَ أنَّ اللهَ هُوَ الْمُحْيِي الْمُمِيتُ، وَ أنَّهُ يَتَوَفَّى الأنْفُسَ على يَدَي مَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ مِنْ مَلَائِكَتِهِ وَ غَيْرِهِمْ.

  • قَالَ: فَرَّجْتَ عَنِّي فَرَّجَ اللهُ عَنْكَ يَا أمِيرَ الْمُؤمِنينَ وَ نَفَعَ اللهُ الْمُسْلِمِينَ بِكَ.1

  • و كما هو مُلاحظ فقد قام أمير المؤمنين عليه السلام هنا بإضافة تعبير «وَ غَيْرِهِمْ»، اي انّ الأرواح تُقبض أيضاً على يد غير الملائكة. و علينا أن نرى ما الذي يعنيه هذا التعبير؟ فليس بإمكاننا غضّ الطرف عن هذه الجملة، لأنّ الامام- ولى مصدر الفعل الالهي- قد تلفّظ بها، و هو الذي أخبر بأن قبض الروح يتمّ أحياناً بدون مباشرة الملائكة.

  • و لهذه الجملة احتمالان:

  • الأوّل: أن يكون لفظ (غَيْرِهِمْ) معطوفاً على الملائكة، و هو ما يقتضيه ظاهر الكلام أيضاً، أي أنّ الله سبحانه يقبض الأرواح أحياناً على يد بعض مخلوقاته من غير صنف الملائكة، و تلك المخلوقات موجودات أعلى من الملائكة، بل هي أشرف و أجلّ من ملك الموت، و هم ما يعبّر عنهم في منطق القرآن و تعبيره ب- «العالين».

    1. توحيد الصدوق، كتاب التوحيد، باب الردّ على الثنويّة و الزنادقة، طبع الحيدري، سنة 1387، ص 268 و ص 269.

معرفة المعاد ج۱

173
  • فحين خلق الله تبارك و تعالى آدم، أمر الشيطان بالسجود له فيمن أمر، فلم يمتثل الشيطان الأمر، فوبّخه الله سبحانه بقوله:

  • أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ؟

  • و باعتبار انّ الأمر بالسجود قد عمّ جميع الملائكة، فيتّضح أنّ العالين لم يكونوا من الملائكة ليؤمروا بالسجود، بل انّهم- كما يبدو من اسمهم- كانوا موجودات ذات رتبة رفيعة جليلة القدر و المنزلة.

  • فمن هم اولئك الذين لم يؤمروا بالسجود لآدم لجلالة قدرهم و سموّ مقامهم؟ لو شئنا الخوض في هذا الموضوع بالتفصيل لجرّنا ذلك الى الخروج عن بحث المعاد الذي يمثّل محور بحثنا، لكنّ ما يمكن بيانه هنا إجمالًا وفقاً لآيات القرآن انّ اولئك هم من المخلَصين الذين لا سبيل للشيطان الى التعرّض لساحة قُدسهم.

  • العالون عبارة عن أرواح الطيّبين و الطاهرين من الأنبياء و الأولياء و الأئمة المطهّرين الذين وردوا في مقام الأمن و الأمان الالهيّ في مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ، و الذين فازوا بدرجات الاخلاص و القرب الالهي.

  • اولئك هم الأفراد الذين وصلوا في سيرهم التكاملي نحو ذات الخالق المقدّسة الى الأسماء الكليّة الالهية، و اتّصفوا بالصفات الكليّة الالهية، و فازوا بالفناء المطلق في ذات الله عزّ و جل؛ و الذين تخطّوا الاخلاص فصاروا مخلَصين.

  • قبض الروح من قبل موجودات أفضل من الملائكة موسومة ب «العالين».

  • و باعتبار فناء هؤلاء في الأسماء و الصفات الكليَّة الالهية، و لأن هذه الدرجة من الفناء تستلزم ظهور و طلوع تلك الأسماء و الصفات في مرآة وجودهم الواسعة، فانّ بإمكانهم- بإذن الله و أمره- القيام بإحياء الموتى و إماتة الأحياء و إيصال الرزق، كما انّ سائر الأفعال التي تصدر

معرفة المعاد ج۱

174
  • من الله سبحانه ستظهر و تصدر من وجودهم، و سيقومون بفعلها بإذن الله و إرادته. اولئكم هم المظهر التام و الكامل للأسماء الإلهيّة، فهم يقومون بإحياء الموتى بواسطة ظهور و تجلّي اسم المُحيي، و يُميتون الأحياء بظهور و تجلّي اسم المُميت.

  • كما انّ الآيات القرآنية صريحة في انّ عيسى بن مريم على نبيّنا و آله و عليه الصلاة و السلام كان يُحيي الموتى و يشفي الأعمى و الأبرص:

  • وَ أُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَ الْأَبْرَصَ وَ أُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ1. لأنّه عليه السلام كان مظهراً لإسم المُحيي من أسماء الخالق تعالى، شأنه في ذلك شأن إسرافيل. كما انّ موسى على نبيّنا و آله و عليه الصلاة و السلام الذي كان يُلقي عصاه فتصير ثُعباناً كان مظهراً لهذا الإسم؛ و قد وردت في الأخبار روايات من هذا القبيل في احياء الموتى من قبل رسول الله و أمير المؤمنين و بعض الأئمّة عليهم السلام، كما انّ إحياء الطيور المقطّعة على قلل الجبال بدعاء ابراهيم عليه السلام كان من هذا القبيل أيضاً.

  • و يمكن القول بانّ إشارة الإمام على بن موسى الرضا عليه السلام الى صورة الأسد المنقوشة على ستار مجلس المأمون و إحياءه و قيام ذلك الأسد بتمزيق و افتراس ذلك الرجل الهازئ كان من قبيل إسم المُحيي و المُميت.2

    1. الآية 49، من السورة 3: آل عمران.
    2. اورد الشيخ الصدوق قصّة إحياء الأسد و افتراسه حاجب المأمون في كتاب« عيون أخبار الرضا»، الطبعة الحجريّة، الباب الأربعين، ص 344 و 345. و رواها الشيخ الحرّ العاملي في كتاب« اثبات الهداة بالنصوص و المعجزات» المطبعة العلمية قم، في الباب الخامس و العشرين في معجزات الامام الرضا عليه السلام، المجلّد السادس، ص 55 عن كتاب العيون. امّا أصل الرواية في كتاب العيون فكانت ان المرحوم الصدوق يروي عن أبي الحسن بن القاسم المفسّر، عن يوسف بن محمّد بن زياد و علي بن محمّد بن سيّار، عن أبويهما، عن الإمام الحسن بن على العسكري، عن أبيه على بن محمّد، عن أبيه محمّد بن على الجواد عليهم السلام؛ ... ثمّ يذكر الامام الرواية مفصّلًا حتى يصل الى انّ حاجب المأمون الذي كان مأموراً بالحطّ من قدر الامام في المجلس انبرى للامام فقال له: يا بن موسى لقد عدوتَ طورك و تجاوزتَ قدرك أن بعث الله بمطرٍ مقدّر وقته لا يتقدّم و لا يتأخّر جعلتَه آيةً تستطيلُ بها، و صولة تصول بها، كأنّك جئت بمثل آية الخليل ابراهيم عليه السلام لمّا أخذ رؤس الطير بيده و دعا أعضاءها التي كان فرّقها على الجبال، فأتينه سعياً و تركّبن على الرءوس و خفقن و طرنَ بإذن الله تعالى، فإن كنت صادقاً فيما توهم فأحيي هذين و سلّطهما عليّ فإنّ ذلك يكون حينئذٍ آية معجزة ... و كان الحاجب أشار الى أسدين مُصوّرين على مسند المأمون الذي كان مستنداً عليه، و كانا متقابلين على المسند، فغضب عليّ بن موسى عليه السلام و صاح بالصورتين: دونكما الفاجر فافترساهُ و لا تُبقيا له عيناً و لا أثراً! فوثبت الصورتان و قد عادتا أسدين فتناولا الحاجب و رضّاه و هشّماه و أكلاه و لحسا ادمه، و القوم ينظرون متحيّرين ممّا يبصرون. فلمّا فرغا منه أقبلا على الرضا عليه السلام و قالا: يا وليّ الله في أرضه ما ذا تأمرنا نفعل بهذا؟ أنفعل به ما فعلنا بهذا؟ يُشيران الى المأمون، فغشي على المأمون ممّا سمع منهما، فقال الرضا عليه السلام: قفا! فوقفا، ثمّ قال الرضا عليه السلام: عودا الى مقرّ كما كما كنتما، فصارا الى المسند و صارا صورتين كما كانتا.

معرفة المعاد ج۱

175
  • و هذه الواقعة تستحقّ التأمّل كثيراً؛ و قد ورد نظير هذه المعجزة عن الامام موسى بن جعفر عليه السلام.1

  • قصّة إحياء أسد منقوش على سترٍ على يد الإمام موسى بن جعفر عليه السلام.

    1. روى ابن شهرآشوب في كتاب« المناقب» ضمن أحوال موسى بن جعفر عليهما السلام( ج 2، ص 364 و 365)، الطبعة الحجريّة، عن على بن يقطين قال:
      استدعى الرشيد رجلًا يُبطل به أمر أبي الحسن[ الكاظم] و يُخجله في المجلس، فانتُدب له رجلٌ معزّم، فلمّا أُحضرت المائدة عمل ناموساً على الخبز، فكان كلّما رام خادم أبي الحسن تناول رغيف من الخبز طار من بين يديه، و استقر هارون الفرح و الضحك لذلك، فلم يلبث أبو الحسن أن رفع رأسه الى أسد مُصوَّر على بعض الستور فقال له: يا أسدَ الله خُذْ عدوَّ الله؛ قال: فوثبت تلك الصورة كأعظم ما يكون من السباع فافترس ذلك المعزّم، فخرّ هارون و ندماؤه على وجوههم مغشيّاً عليهم و طارت عقولهم خوفاً من هول ما رأوه، فلمّا أفاقوا من ذلك بعد حين قال هارون لأبي الحسن عليه السلام: أسألك بحقي عليك لمّا سألتَ الصورة أن تردّ الرجل. فقال: إن كانت عصا موسى ردّت ما ابتلعته من حبال القوم و عصيّهم فان هذه الصورة تردّ ما ابتلعته من هذا الرجل.
      و يقول المحدّث القميّ في« منتهى الآمال» طبع الاسلامية، سنة 1371، ج 2، ص 126 بعد روايته لهذه القصّة عن ابن شهرآشوب ما ترجمته: روى بعض الفضلاء- و لعلّه السيّد الأجل السيد حسين المفتي- هذا الحديث عن الشيخ البهائي بهذا الطريق، قال: حدّثني ليلة الجمعة السابع من جمادى الآخرة سنة 1003 مقابل ضريحيْ الإماميْن المعصومين موسى بن جعفر و أبي جعفر الجواد عليهما السلام، عن أبيه الشيخ حسين، عن مشايخه، ثمّ يذكر مشايخه الى الشيخ الصدوق، عن ابن الوليد، عن الصفّار، عن سعد بن عبد الله عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن حسن بن على بن يقطين، عن أخيه حسين عن ابيه على بن يقطين ... و ذكر رجال هذا السند و جميعهم من الثقات و شيوخ الطائفة، ثمّ ذكر الحديث كما ورد بلا اختلاف، إذ انّه لم يرد فيه ذكر الخادم بل ورد فيه( كلّما رام الامام تناول رغيف من الخبز)، و كذلك في انّ الأسد المصوّر كان على بعض ساحات المنزل لا على بعض الستور، و توافقا في باقي الرواية.
      ثمّ قال بعد هذه الرواية انّ الشيخ البهائي ادام الله أيّامه أنشدني ثلاثة أبيات قالها في مدح الإمام موسى بن جعفر و الامام محمّد الجواد عليهما السلام، و هي:
      ألَا يَا قَاصِدَ الزَّوْرَاءِ عَرِّجْ--عَلَى الْغَرْبِيِّ مِنْ تِلكَ الْمَغَاني
      وَ نَعْلَيْكَ اخْلَعَنْ وَ اسْجُدْ خُضُوعاً--إذَا لَاحَتْ لَدَيْكَ الْقُبَّتَانِ
      فَتَحْتهما لَعَمْرُكَ نَارُ موسى--وَ نُورُ مُحمّدٍ مُتَقَارِنَانِ
      --

معرفة المعاد ج۱

176
  • قصّة المرحوم القاضي و مثال لتجلّي إسم «المُميت» و إماتة الحيّة.

  • قصّة ءاية الحقّ و اليقين الحاج الميرزا علي آقا القاضي و إماتة الحيّة في حضور الشاكّ:

  • نقل بعض رفقائنا و أصدقائنا النجفيّين عن أحد كبار رجال العلم و المدرّسين في النجف الأشرف أنّه قال: كنتُ في شكّ في أمر المرحوم استاذ العلماء العاملين و قدوة أهل الحقّ و اليقين و السيّد الأعظم و السند الأفخم و طود أسرار ربّ العالمين الحاج الميرزا علي آقا القاضي الطباطبائي رضوان الله عليه و بشأن أحواله التي تطرق سمعي و المطالب

معرفة المعاد ج۱

177
  • التي تنقل عنه أحياناً.

  • و كنت أتساءل: أ صحيح أنّه يمتلك هذه الأمور أم لا؟ أو صحيح انّ هؤلاء التلامذة الذين يقوم بتربيتهم يمتلكون كذا و كذا من الحالات و الملكات و الكمالات أم أنّ ذلك أمر و همى؟

  • ظلّ هذا الأمر حديث نفسي لمدّة من الزمن، و لم يكن لأحد علم بذلك، حتّى ذهبتُ يوماً الى مسجد الكوفة لأداء الصلاة و العبادة و لأداء بعض الأعمال التي وردت لذلك المسجد. و كان المرحوم القاضي (رضوان الله عليه) كثيراً ما يذهب الى مسجد الكوفة، و كان له حجرة خاصة للعبادة هناك، و كان له تعلّق خاصّ بهذا المسجد و بمسجد السهلة، فكان يقضي فيهما الكثير من الليالي ساهراً في العبادة الى الصباح.

  • يقول: التقيتُ بالمرحوم القاضي (رحمة الله عليه) خارج المسجد فسلّمنا على بعضنا و تبادلنا الاستفسار عن الأحوال و تحدّثنا مع بعضنا مدّة حتّى وصلنا خلف المسجد فجلسنا على الأرض بجوار تلك الجدران العالية التي تشكّل حيطان المسجد من جهة القبلة لنستريح هنيئة ثمّ نذهب الى المسجد. و كنّا مشغولين بالحديث، و كان المرحوم القاضي (رحمة الله عليه) يحكي قصصاً و حكايات عن الأسرار و الآيات الالهيّة، و يبيّن مطالب عن مقام جلالة التوحيد و عظمته و عن السير في هذا الطريق، و في انّه الهدف الوحيد من خلق الانسان، و يقيم الأدلّة على هذا الأمر.

  • و لقد حدّثتني نفسي آنذاك فقلت: انّنا فعلًا في شكّ و شبهة لا نعلم ما الأمر، و اذا ما انقضى العمر على هذا المنوال، فلنا الويل إن تبيّن انّ هناك حقيقةً ما لم نُدركها، الويل لنا عندئذٍ. و لكنّنا- من جهة أخرى- لا نعلم أصوابٌ ذلك الأمر لنتّبعه أم انّه ليس صواباً.

  • و في هذه الأثناء خرجت حيّة من الجدران و انسابت أمامنا تسير

معرفة المعاد ج۱

178
  • بمحَاذاة جدار المسجد؛ و كانت الأفاعي كثيرة في تلك المناطق بحيث يشاهدها أغلب الأهالي، بيد انّه لم يُسمع انّها لدغت أحداً حتّى الآن.

  • و حالما وصلت الحيّة أمامنا و كنتُ في فزع منها، أشار المرحوم القاضي (رحمة الله عليه) اليها و قال: مُتْ بإذْنِ اللهِ!

  • فتيبّست الحيّة في مكانها ميّتة. ثمّ عاد المرحوم القاضي (رضوان الله عليه) الى الحديث الذي كان يدور بيننا بدون أن يلقي اهتماماً للأمر، ثمّ نهضنا و ذهبنا داخل المسجد فصلّى المرحوم القاضي ركعتين في وسط المسجد ثمّ ذهب الى غرفته، و كنت أقوم ببعض أعمال المسجد على أن أعود الى النجف الأشرف بعد إكمالها. و اثناء تلك الأعمال خطر في خاطري سؤال: أ كان هذا العمل الذي اجترحه هذا الرجل واقعيّاً أم تمويهاً و خداعاً للعين كالسحر الذي يفعله السَّحرة؟ من الحريّ أن أذهب فأرى هل انّ الحية ميّتة حقاً ام انّها عادت الى الحياة و هربت.

  • كان هذا الخاطر يهاجمني بشدة حتى أنهيت الأعمال التي قرّرت القيام بها و خرجت على الفور من المسجد نحو المكان الذي جلستُ فيه مع المرحوم القاضي (رضوان الله عليه)، فشاهدتُ الحيّة متيبّسة ملقاةً على الأرض، ثمّ ركلتُها بقدمي فرأيتُ أن لا حراك فيها أبداً.

  • عدتُ الى المسجد و أنا في غاية التأثّر و الخجل لأصلّي عدّة ركعات أخرى فلم أقدر على ذلك، فقد تملّكني هذا التفكير: إن كانت هذه المسائل أموراً حقيقيّة فلم لم نلتفت اليها أبداً؟

  • كان المرحوم القاضي (رحمة الله عليه) مدّة في حجرته مشغولًا بالعبادة، ثمّ خرج منها و غادر المسجد متّجهاً الى النجف، فخرجتُ أنا الآخر و التقينا من جديد عند باب المسجد، فتبسم ذلك المرحوم في وجهي و قال: حسناً، إمتحنتَ الأمر أيضاً أيّها العزيز، إمتحنتَه أيضاً؟

معرفة المعاد ج۱

179
  • بلى، لقد تحقّق هذا العمل بواسطة اسم المُميت من أسماء الله تعالى فتمّ قبض الروح بواسطته.

  • و النكتة التي تستحقّ التأمّل و الملاحظة هنا هي انّ أمير المؤمنين عليه السلام حينما كان يفعل كلّ هذه العجائب و الغرائب في الحروب و غيرها و يقوم بخوارق العادات هذه بيد الولاية، أ كان يستعين فيها بملائكة الله و يستمدّ العون منهم، أم انّ القدرة الالهية كانت تتجلّى في وجوده و في روحه المقدّسة التي تعلو على مقام عزرائيل و سائر الملائكة الالهيّين المقرّبين بدون ان يكون لهم دور الوساطة في ذلك، فيجترح الكرامات بتلك القدرة و القوّة؟ و هو ما يتطلّب بحثاً مستقلّا ستتمّ مناقشته في موضعه ان شاء الله تعالى، و نكتفي هنا بهذه الإشارة اليه.

  • كان هذا القدر من البحث عائداً الى الاحتمال الأوّل و هو انّ لفظ غيرهم معطوف على الملائكة. امّا الاحتمال الثاني فهو انّ لفظ غيرهم كان معطوفاً على مَنْ يَشَاءُ، فيكون المعنى آنذاك انّ الله عزّ و جل يقبض الروح بواسطة من يشاء من الملائكة و يقبض الروح بدون وساطة الملائكة.

  • و يمكن في هذه الحال ان يكون المراد بغير الملائكة الوجود المقدّس للَه تعالى نفسه، على الرغم من انّ هذا المعنى يرجع الى العالين الذين يقبض الله سبحانه الأرواح بواسطتهم، لأنّ العالين هم الافراد الفانين في الذات الالهية و المتحقّقين بالأسماء الكليّة الالهيّة، و عليه فانّ فعلهم يمكن أن يُعدّ عين فعل الله حقّاً، و أن يعبّر عن قبض الأرواح بواسطتهم بأنّه قبض الأرواح بواسطة الله تعالى.

  • قبض أرواح المقرّبين للعرش الإلهي يحصل بيد الحق جلّ و عزّ.

  • يروي محمّد بن يعقوب الكليني (ره) في كتاب الكافي عن عدة من الأصحاب، عن أحمد بن محمد بن محمد بن على عن آخر يصرّح الراوي باسمه، عن جابر عن أبي جعفر الباقر عليه السلام انّه قال:

معرفة المعاد ج۱

180
  • كَانَ عَلِيٌّ بْنُ الْحُسَيْنِ عليهما السَّلامُ يَقولُ: إنَّهُ يُسَخِّي نَفْسِي في سرعة الْمَوْتِ وَ الْقَتْلِ فِينَا قَوْلُ اللهِ (أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها) وَ هُوَ ذِهابُ الْعُلَمَاءِ.1

  • أي انّ الله سبحانه يقوم بنفسه بقبض أرواح علماء الأمّة، و هو ما يخفّف الموت على حين اتذكّره، و يجعل نفسي تسخو على الموت الذي يحث الخُطى الينا.

  • و يتّضح من هذا انّ الامام قد اعتبر لفظ أطراف الوارد في الآية الشريفة جمع طَرْف بسكون الراء أو جمع طَرِف بكسر الراء، لأنه يعني في هاتين الحالتين معنى الجليل و كريم الأبوين، و هو ما فسّره الإمام بالعالم و المرء الجليل. و ما ألذّ قبض الأرواح حين يحصل على يد الله سبحانه! ذلك الأمر الذي كان يجعل الامام كلّما تلا هذه الآية في القرآن الكريم أو تذكّرها فانّ نفسه الشريفة كانت تحاول الانطلاق من حبس الجسد و التوجّه بلهفة الى حرم عزّ الخالق سبحانه الذي يباشر بنفسه أمر ادخال مُخْلَصي عباده في حرمه. و عليه فانّ الله سبحانه يقوم بقبض الروح بواسطة العالين من خاصّة أوليائه، كما يقوم بذلك الملك المقرّب للَه: ملك الموت، إضافة الى أتباعه من الملائكة.

  • و يمكن من هذا استنتاج مطلب مهمّ، و هو ان الافراد المؤمنين يمتلكون درجات متباينة، فضعفاء الإيمان يقوم بقبض أرواحهم ملك من الملائكة الأضعف الذين يمكنهم التغلّب على ذلك المؤمن عند نزع الروح فقط فيقبضون روحه، أمّا الأفراد الأقوى إيماناً و الأرسخ عقيدة،

    1. الكافي، كتاب فضل العلم، باب فقد العلماء الطبع الحيدري، سنة 1381، المجلّد الأوّل للأصول، ص 38، و الآية المذكورة فيه ه- الآية 41، من السورة 13: الرعد.

معرفة المعاد ج۱

181
  • فانّ اولئك الملائكة الضعفاء لا قدرة لهم على قبض أرواحهم، فيستلزم ذلك ملائكة أقوى ليمكنهم الغلبة على أرواحهم و قبضها.

  • و هكذا فانّ لكل مجموعة من المؤمنين ملائكة تتناسب قوّتهم مع قوّة ايمان المؤمنين و سمّو أرواحهم ليمكنهم الغلبة و الحكومة عليها، حتّى يصل إيمان المؤمن الى الحدّ الذي يفوق قدرة الملائكة التابعين فيتولّى عزرائيل- و هو من الملائكة المقرّبين- قبض روحه بلا واسطة من الملائكة التابعين. أمّا تلك الدرجة التي يصل اليها المؤمنون الذين نالوا مقام المُخْلَصين فانّ قبض أرواحهم يتمّ على يد الذات القدسيّة للخالق عزّ و جلّ نفسه.

  • و علينا أن نرى لما ذا يختلف قبض الأرواح الحاصل للأفراد، و لما ذا يختلف قبض روح المؤمنين عن الكفّار، و قبض روح المحسنين عن المسيئين الخاطئين.

  • لما ذا يحصل قبض روح المؤمن في هيئة جميلة و يحصل نفسه للكافر في هيئة قبيحة منكرة؟

  • لما ذا يظهر قبض الروح لذوي النفوس الزكيّة في هيئة معيّنة، و للأنبياء في هيئة أرقى و أسمى، و اجمالًا لما ذا يظهر لأنواع الناس و أصنافهم بأشكال و هيئات مختلفة؟

  • تجلّي ملك الموت لإبراهيم الخليل عليه السلام في هيئة مُنكرة.

  • روي في كتاب (جامع الأخبار) انّ ابراهيم الخليل عليه السلام قال لملك الموت: هل تستطيع أن تريني صورتك التي تقبض بها روح الفاجر؟ قال: لا تُطيق ذلك. قال: بلى. قال: فأعرض عنّي؛ فأعرض عنه ثمّ التفتَ فإذا هو برجل أسود قائم الشعر مُنتن الريح أسود الثياب يخرج

معرفة المعاد ج۱

182
  • من فمه و مناخره لهب النار و الدخان، فغشي على ابراهيم ثمّ أفاق فقال: لو لم يَلْقَ الفاجر عند موته الّا صورة وجهك كان حسبه.1

  • انّ عزرائيل الذي يمكنه أن يظهر لروح الفاجر في هيئة سقط ابراهيم الخليل من هولها مغشيّاً عليه، يمكنه أيضاً ان يظهر عند قبضه روح المؤمن الطاهر القلب السليم الطويّة في هيئة من الجمال و الروعة بحيث يفقد المحتضر القدرة على تحمّلها فيُسلم الروح في شدّة انجذابه لها و في استغراقه باللذة لمرآها.

  • لقد عجزت النساء المصريّات عن تحمّل مشاهدة جمال يوسف عليه السلام فولهن به حين مرّ بهنّ و قطعن أيديهنّ بدل الاترنج و قلنَ حاش للَه ما هذا بشرا ...

  • فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَ قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ.2

  • و لذلك فليس بمستبعد أن نقول انّ عزرائيل يتجلّى في قبضه الأرواح الطيّبة بدرجة من الجمال الذي يستهوي الأفئدة، و العطر الذي يأخذ بمجامع القلوب فلا يترك للمؤمن طاقة على التحمّل، فيحلّق طائر روحه في لحظة من اللحظات الى الأعالي.

  • ملك الموت كالمرآة التي يرى المحتضر فيها نفسه.

  • ملك الموت أشبه بالمرآة التي يرى المحتضر نفسه فيها عند نزعه:

  • انّ ملك الموت و أعوانه من الملائكة الآخرين لا يمتلكون ماهيّات مختلفة ليمكنهم اظهار وجودهم في قالب أحدها متى عنَّ لهم ذلك، بل انّهم- باعتبارهم موجودات ملكوتيّة و مجرّدة- يكونون كالمرآة الصافية

    1. جامع الأخبار، ص 170؛ و بحار الأنوار، ج 6، ص 143، طبعة الآخوندي.
    2. الآية 31، من السورة 12: يوسف.

معرفة المعاد ج۱

183
  • المضيئة لا تُظهر نفسها بل هي مظهرة لغيرها، لذا فانّهم حين يصبحون مقابل روح ايّ شخص محتضر فانّ انعكاس كمالات تلك الروح أو قبائحها ستظهر في تلك المرآة، و هكذا فانّ الشخص سيرى حال نزعه صورته الملكوتيّة و صفاته و أخلاقه حسنةً كانت أو سيّئة في صورة الملائكة و جمالهم، فهو يرى في الحقيقة فيهم حُسن نفسه الناطقة و جمالها أو قبحها و مساوءها. و باعتبار اختلاف الأفراد الطيّبين من المؤمنين في الصفات و الكمالات، حيث يغلب على بعضهم حال العبادة، و على البعض حال السخاء و الكرم، و على البعض العلم و المعرفة، و في البعض الإيثار و الشجاعة، و في البعض العطف و الرحمة و المودّة، و في البعض الآخر الصلابة و الحميّة؛ لذا يتباين جمالهم الملكوتي و يظهر بأشكال جميلة مختلفة، و تظهر أحياناً الصورة الملكية بشكل جذّاب يسلب الألباب حين يكون حبّ الله شديداً و طاغياً لديهم.

  • و بناءً على هذه النظرة فانّ تشكّل و تصوّر ملائكة قبض الأرواح سيتباين لهؤلاء، و في نفس الوقت الذي يتميّز هؤلاء الملائكة بالجمال، فانّهم سيجلّون لهؤلاء المؤمنين من جهة الكيفية و جمال الهيئة بأشكال و صور مختلفة.

  • و بناءً على هذا القياس فانّ الخبيثين من الكافرين و المنافقين يتفاوتون في الصفات و الملكات، فيغلب على بعضهم حال الانكار و الجحود، و على البعض حال العناد و القتال، و على البعض حال البخل و الإمساك، و على البعض التحجّر و الخشونة، و على البعض الجمود و الاستكبار، كما يغلب على البعض الآخر التفرعن و الاستبداد؛ لذا فانّ أنفسهم الملكوتيّة متباينة هي الأخرى و مختلفة في أشكال القبح و الفظاعة، تصل في بشاعتها و قبحها إلى حدّ كبير عند البعض الذي يزداد لديهم العناد

معرفة المعاد ج۱

184
  • و الاستكبار على الله. و بناءً على ذلك فان تشكّل ملائكة قبض الأرواح و تصوّرهم لهؤلاء سيكون متفاوتاً هو الآخر، فهو مع شمول قبحه و بشاعته لجميع هؤلاء، يظهر لهم في كيفية قبحه و تجلّي شناعته بأشكال و صور مختلفة.

  • و العلّة في جميع هذه الاختلافات انّ ملك الموت و أعوانه من الملائكة يُظهرون للإنسان باطنه و ملكوته عند قبضهم روحه، لذا فانّ كلّ ملكة و صفة أيّ شخص ستتجلّى فيهم، و ذلك التجلّي سيؤثر على حواس المحتضر فيشاهد وجودهم في المرآة العاكسة، و في الحقيقة فانّه سيُشاهد نفسه و ملكوته فيهم.

  • و بالطبع فانّ هذه الصورة الملكوتيّة موجودة في الانسان، موجودة في باطن الانسان في نفس هذه الدنيا الفانية، بيد انّها تتغيّر بواسطة الأعمال الحسنة او الأعمال السيّئة، و بواسطة الإيمان أو الكفر، و يمكن لها أن تتغيّر من صورة الى أخرى، إذ ان التغيّر الحاصل ينحصر في هذه الدنيا التي تمثّل دار العمل لا دار الحساب و الجزاء.

  • أمّا عند الموت فانّ هذ التغيير سيتوقّف، و سيكون حاصل التغيّر و التبدّل لهذه الصور الملكوتيّة حال الحياة هو حصول الصورة الملكوتيّة الثابتة التي لا تتغيّر عند الموت.

  • و قد أبان المُلّا الرومي هذه الحقيقة في المجلّد الثالث من كتابه «مثنوي»، ص 288 و 289، طبع ميرخاني في قوله:

  • مرگ هر يك اى پسر همرنگ اوست***آينه صافى يقين همرنگ اوست

  • پيش تُرك آئينه را خوش رنگى است***پيش زنگى آينه هم زنگى است

معرفة المعاد ج۱

185
  • اى كه مىترسى ز مرگ اندر مزار***آن ز خود ترسانى اى جان، هوشدار

  • اى كه مىترسى ز مرگ اندر مزار***آن ز خود ترسانى اى جان، هوشدار

  • زشت روى تست نى رخسار مرگ***جان تو همچون درخت و مرگ برگ

  • از تو رُستست ار نكويست ار بدست***ناخوش و خوش هم ضميرت از خود است 1

  • المَلَك و الشيطان لا يغيّران شكلهما في ذاتهما و جوهرهما.

  • و ينبغي معرفة أنّ الملائكة هم موجودات خاصّة مقابل الشيطان و الانسان و الحيوان و سائر الموجودات الأخرى، فهم عاجزون عن تغيير ماهيّاتهم الى ماهيّات أخرى، كما انّهم لا يرتدون أبداً لباس المادّة.

  • و كلّ ما يمكن فعله للشيطان و للملائكة هو أن يؤثّروا فقط على أحاسيس الإنسان تأثيراً حسناً أو سيّئاً، فيراهم الإنسان لذلك في أحاسيسه بصور و أشكال مختلفة، دون أن يتمكّنوا في حقيقة الأمر و متنه من الظهور في صور و أشكال مختلفة، و من الوجود بماهيّات متباينة من الإنسان و الحيوان.

  • و هذه الفرضيّة (فرضيّة قابليّة التبدّل الى ماهيات أخري) تخالف

    1. يقول: انّ موت كلّ امرئ يُماثله، كما انّ المرآة الصافية تُظهر كلّ امرئ بلونه الذي- هو عليه.
      فالمرآة مقابل التركي لها لون جميل، الّا انّها مقابل الزنجيّ تظهر سوداء زنجيّة
      فيا مَنْ تخاف من الموت و تفرّ منه، احذر و تيقّظ فانّك إنّما من نفسك تخاف!
      انّ وجهك هو القبيح لا سحنة الموت؛ لكأنّ روحك شجرة و الموت أوراقها.
      فإن كانت الأوراق حسنةً أو سيّئة فهي قد نمت منك؛ أو كانت سليمة أو مريضة فهي ضميرك و خيالاتك.

معرفة المعاد ج۱

186
  • البراهين الفلسفية و الآيات و الروايات.

  • و قد تفضّل العلّامة الجليل و الأستاد الكامل في كتاب تفسير الميزان ضمن البحث في سورة الأعراف عن خلقة الشيطان بالقول:

  • و الذي ذكره بعضهم: انّ أهل العلم أجمعوا على انّ ابليس و ذريّته من الجنّ، و ان الجنّ أجسام لطيفة هوائية تتشكّل بأشكال مختلفة حتى الكلب و الخنزير، و انّ الملائكة أجسام لطيفة تتشكّل بأشكال مختلفة الّا الكلب و الخنزير- و كأنّهم يريدون بذلك تغيّرهم في ذواتهم- لا دليل عليه من نقلٍ ثابت أو عقل، و امّا ما ادّعى من الإجماع و مآله الى الاتّفاق في الفهم فلا حجيّة لمحصله فضلًا عن منقوله، و المأخذ في ذلك من الكتاب و السنة ما عرفت1. على انّ الطيّبين لا يحسّون أبداً بالنزع حين يقبض ملك الموت أرواحهم، بل انّهم يُفرغون القوالب التي كانوا يشغلونها حال رؤيتهم الطلعة الوسيمة لعزرائيل و سيماءه الجذّاب الطافح بالعظمة، فيرون أنفسهم فجأة في جنان النعيم.

  • افرضوا انّكم كنتم تركبون سيّارة تعبر بكم في الشوارع، و كنتم تشاهدون في كلّ شارع منظراً مُنفراً، ثمّ انفتحت فجأة بوّابة ما و دخلت هذه السيّارة فيها فرأيتم- و يا للعجب- روضةً تأخذ بالقلوب و الأبصار، فيها أُناس يفيضون مودّة و أنساً، و انّكم عجبتم من لذّة أطعمتها و صفاء مائها و برودته، و أخذ بأسماعكم أصواتها و نغماتها المحبّبة الى النفوس و المُنعشة للأفئدة، بحيث انّكم لم تحسّوا فيها أبداً بما يكدّر خواطركم، بل انّكم لم تحسّوا و لم تدركوا ورودكم فيها و كيفية انتقالكم لها، بل وجدتم أنفسكم وسط روضتها في منتهى اليُسر و البساطة. تلك هي كيفية قبض أرواح المؤمنين الطيّبين.

    1. تفسير الميزان، المجلّد الثامن، ص 61.

معرفة المعاد ج۱

187
  • امّا كيفية قبض أرواح أولياء الله بيد الله نفسه بواسطة نفوس العالين من المخلَصين فهو أمر يخرج عن البيان هنا. و قد علمتم انّ الامام زين العابدين قال في رواية الكافي تلك:

  • انّه يسخّي نفسي في سرعة الموت و القتل فينا قول الله (أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها) و هو ذهاب العلماء.

  • به تيغم گر كشد دستش نگيرم***و گر تيرم زند منت پذيرم

  • كمان ابروى ما را گو مزن تير***كه پيش دست و بازويت بميرم 1

  • وعد أميرالمؤمنين عليه السلام بالحضور عند جنازة المحتضر.

  • و لقد وعد أميرالمؤمنين عليه السلام بالحضور عند جسد المحتضر، و لقد بعث بوعده هذا الشوق في القلوب للموت من أجل التمتّع بمشاهدة صورته الملكوتيّة عليه السلام، و لقد جعل لطفه و مودّته و رحمته التي يفيضها على المؤمنين أرواحَهم طافحة بالعشق و الشوق للقُياه، و جعلهم يعيشون في ذكراه دوماً.

  • دوش بيمارى چشم تو ببرد از دستم***ليكن از لطف لبت صورت جان ميبستم

  • عشق من با خط مشكين تو امروزى نيست***ديرگاهيست كزين جام هلالى مستم

  • ز ثبات خودم اين نكته خوش آمد كه بجور***در سر كوى تو از پاى طلب ننشستم 2

    1. يقول: لو جاء يقتلني بسيفه فلن امسك بيده، و لو رماني بسهامه فسأكون ممتنّاً له. فقل لحبيبنا الذ- حواجبه بالقوس أشبه: لاترمنا بسهامك لاننا سنتهاوي ضحايا بين أذرعه.
    2. يقول: عيل صبري ليلة البارحة من عينيك الناعستين، بيد انّك أنعشتني بشفاهك الساحرة اللطيفة. و لم يكن ولهي بطلعة الحبيب و ليد اليوم أو البارحة، فلقد مرّ دهرٌ طويل منذ أن ثملتُ بهذه الكأس الهلالية.
      أعجبني من ثباتي في العشق انّني لم أكفّ عن الطلب و النشدان مع جورك و جفائك، في طريق الوصول الى دربك.

معرفة المعاد ج۱

188
  • فاذا كان أميرالمؤمنين عليه السلام و هو من العالين و من المخلَصين، بل من أعلى هذه الطائفة و الجماعة درجة و أرفعه مقاماً، يريد قبض الروح بنفسه و بيده يد الله، فما الذي سيفعله يا ترى؟

  • و بالطبع فانّ قبض الروح يحصل على يده الشريفة للأفراد الذين رقوا الى أعلى درجات الإيمان فخرج أمر قبض أرواحهم من عُهدة ملك الله المقرّب: ملك الموت.

  • در وفاى عشق تو مشهور خوبانم چو شمع***شب نشين كوى سربازان و رندانم چو شمع

  • بيجمال عالمآراى تو روزم چون شب است***بيكمال عشق تو در عين نقصانم چو شمع

  • رشتة عمرم به مقراض غمت ببريده شد***همچنان در آتش مهر تو خندانم چو شمع

  • همچو صبحم يك نفس باقيست بيديدار تو***چهره بنما دلبرا تا جان برافشانم چو شمع 1

    1. -( ديوان حافظ)، تنظيم الدكتور خليل خطيب رهبر، الغزل 294، ص 397.
      يقول:
      شُهرتُ في وفائي لودِّك بين أحبابِي--وصرتُ كالشمعِ ساهراً غير هيابِ
      في مصافِ مَنْ قدّموا الرؤوسَ--للعشقِ قرابينَ في المحرابِ
      استحالَ في فراقك صُبحي ظلاما--وليلًا أيا زينة العالمِ
      و ذُبتُ لولا كمال حبِّكَ كالشمع--خرّ صَريعاً بلا راحمِ
      تملّكني بحبك غَمي و همّي--فَقَطّعَ حبلَ عُمري بمقراضِهِ
      بيدَ أنّي في نار حُبك ضاحك--باسمٌ كالشمعِ مُخْفٍ لما بهِ
      يا مَنْ له طلعةٌ كالصبح مشرقةٌ--لم يَبقَ لِي في فراقك أنفاسٌ اردّدُها
      فاسفرْ بها يا خاطف القلب رائعةً--لُاسلمَ- كالشمع- روحاً حان موعدُها
      --
      [ 1]

معرفة المعاد ج۱

189
  • جعلنا الله و إيّاكم من الفائزين بذلك المقام المحمود، و المنزلة الرفيعة بمحمّد و آله الطاهرين و صلّى الله على محمّد و آله أجمعين.

معرفة المعاد ج۱

190
  •  

  •  

  • المَجْلِسُ السَّابِعُ: في أنَّ قَبْضِ الرُّوحِ وَ مُشَاهَدَاتِ حَالِ النَّزْع تَحْدُثُ بِالبَاطِنِ

  •  

  •  

معرفة المعاد ج۱

192
  •  

  •  

  • بسم الله الرّحمن الرّحيم

  • (القيت هذه المطالب في اليوم السابع من شهر رمضان المبارك)

  • و الحمد لله ربّ العالمين و لا حول و لا قوة إلّا بالله العليّ العظيم

  • و صلّى الله على محمد و ءاله الطاهرين

  • و لعنة الله على أعدائهم أجمعين من الآن الى يوم الدين

  • قال الله الحكيم في كتابه الكريم:

  •  

  •  

  • فَلَوْ لا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ، وَ أَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ، وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَ لكِنْ لا تُبْصِرُونَ، فَلَوْ لا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ، تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ، فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ، فَرَوْحٌ وَ رَيْحانٌ وَ جَنَّةُ نَعِيمٍ، وَ أَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ، فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ، وَ أَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ، فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ، وَ تَصْلِيَةُ جَحِيمٍ، إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ، فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ1.

  • انّ ملك الموت الذي يقوم بقبض روح الإنسان لا يقترب منه في عالم الطبع و المادّة، الذي ندعوه بعالم الخارج، لأنّ ملك الموت موجود غير ماديّ، بل هو ملك، و أفراد الملائكة غير ماديّين بل هم موجودات مجرّدة، لذا فانّ قُربهم و بُعدهم ليس قرباً و بعداً مكانيّاً، كما انّ ملك الموت لا يأتي إلى الانسان من عالم المادّة لقبض روحه، بل انه يقبض

    1. الآية 83- 96، من السورة 56: الواقعة.

معرفة المعاد ج۱

193
  • روحه من ملكوت الإنسان، و نفس الانسان تنتمي الى عالم الملكوت، و الملائكة جميعاً من عالم الملكوت، و ملك الموت نفسه من عالم الملكوت أيضاً، و ليس هناك في عالم الملكوت حجاب و لا ساتر ماديّ، لأن حجاب المادّة أمر يختصّ بعالم الطبع و المادّة.

  • الزمان و المكان هما علّة حجاب الموجودات المادية.

  • انّ الموجودات في عالم المادّة- حيث تقتضي الحاجة الى الزمان و المكان- تستتر و تتخفى عن بعضها بحاجب الزمان و المكان.

  • فنحن لا نملك خبراً عن أمسنا، كما لا نملك خبراً عن غدنا، لأنّ حجاب الزمان قد أوجد بيننا و بينها فاصلًا؛ و كذلك فانّنا لا نعلم عمّا هناك خلف حائط المسجد، لأنّ حجاب المكان يفصل بيننا و بينه.

  • و هكذا فانّ خفايا الموجودات بعضها عن البعض الآخر أمر مختصّ بالموجودات الماديّة، امّا في الموجودات الروحانيّة و الملكوتيّة فانّ حجاب المادّة أمر غير معقول.

  • لذا فانّ ملك الموت الذي يقبض روح الانسان و نفسه، يتماثل في كيفية وجوده مع كيفية وجود النفس و الروح، و كلاهما ملكوتي، و لهذا فانّ قبض الروح يحصل من باطن الانسان.

  • على انّ قبض الروح لا يحصل في الخارج لتكون رؤيته و إدراكه أمراً ممكناً بواسطة الحواسّ الظاهريّة التي تربطنا بعالم الطبع و المادّة، و الانسان نفسه لا يدرك بحواسّه الظاهريّة كيفيّة قبض روحه، كما انّ الافراد الذين يُحيطون بالشخص المحتضر لا يشعرون بمجيء ملك الموت و قبض روح ذلك المحتضر.

  • يقول الله تبارك و تعالى:

  • أَ فَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ، وَ تَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ.1

    1. الآية 81- 82، من السورة 56: الواقعة.

معرفة المعاد ج۱

194
  • أ تدهنون و تخادعون في كلام الله و قرآنه الكريم في الكتاب المسطور، و تتعاملون معه بهذا الإهمال و التساهل، فتجعلون رزقكم المعنوي تكذيبه، بدلًا من أن تروون عطشكم و تصلحون جميع ثغرات و نواقص وجودكم بالماء المعين لمعارفه في هذه المائدة المبسوطة للمعنويّات و الحقائق، فانّكم تواجهونه بالتكذيب و تحاولون الإرتواء بكأسكم المترعة بشراب الغرور و الحيرة و الضلالة.

  • فَلَوْ لا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ، وَ أَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ، وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَ لكِنْ لا تُبْصِرُونَ، فَلَوْ لا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ، تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. إن كنتم لا تصدّقون بالله، و لا تقيمون لكلامه (القرآن الكريم) وزناً، و إن كنتم تنكرون البعث و المعاد و الثواب و العقاب، و تسخرون بالجنّة و الرضوان، و تهزءون بالجحيم و الغضب، فلم لا ترجعون أرواحكم حين تبلغ الحلقوم في نزعها، و أنتم تنظرون بأمّ أعينكم و لا تعلمون أننا اقرب الى نفس ذلك المحتضر منه؟

  • إن كنتم لا ترون أنفسكم تحت سيطرة عالم الغيب و حكومة الله سبحانه تعالى و الجزاء و لا ترون أنفسكم مجزيّين بالقانون العام و الناموس الالهيّ، و تتخيّلون انّ القدرة جميعاً منحصرة في عالم المادّة و الطبع هذا فتبحثون عنها فيه، فلم لا ترجعون روحكم في تلك اللحظات الحاسمة الحسّاسة و تمنعونها من الارتحال؟

  • أرجعوها إن كنتم صادقين، و على عقيدتكم و نهجكم مصرّين ثابتين!

  • بلى، نحن آنذاك أقرب اليه منه، كما أنّ ملك الموت و الملائكة الذين يفعلون ما يؤمرون هم عباد ينتمون الى عالم الأمر لا يراهم الناس بأبصارهم العاديّة الدنيويّة.

معرفة المعاد ج۱

195
  • ملائكة الله ينتمون الى عالم الأمر:

  • بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ، لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ.1

  • الأمر في مقابل الخَلْق، اي أنّ أولئك الملائكة أعلى و أسمى من عالم المادّة و الطبع، و هم موجودات ملكوتيّة يعملون في عالم أمر الله بأمر الله.

  • و على هذا فانّ ملك الموت و أعوانه و مساعديه ينتمون هم أيضاً الى عالم الأمر، كما انّ فعلهم الذي هو قبض الروح من عالم الأمر و الباطن.

  • طبقات الناس الثلاث: المقرّبون، أصحاب اليمين، و المكذّبون.

  • اختلاف كيفيّة قبض أرواح المقرّبين و أصحاب اليمين و المكذّبين.

  • ينقسم الناس آنذاك الى ثلاث مجموعات: الاولى مجموعة المقرّبين الذين عبروا الدنيا و الآخرة و وصلوا الى مقام قُرب الله، و استقرّوا في حرم الأمن و الأمان الالهي. و هؤلاء مكانهم في جنّة النعيم، و طعامهم الرّوح و الريحان، تهبّ عليهم النسائم المنعشة من جهة حرم الله، و يعطِّر مشامهم عبقُ حرم الأنس و لقاء المعبود، فيجعلهم ينتشون بتلك الجذبات الالهية.

  • الثانية: أصحاب اليمين الذين لم يتمكّنوا من الفوز بتلك الذروة السامية من مدارج القُرب و معارجه كما فعل المقرّبون، بيد انّهم كانوا محسنين صالحي الأعمال عجز عالم الغرور من ابتلاعهم في الفم الفاغر لضلالته و ضياعه. و قد دُعي هؤلاء بأصحاب اليمين كناية عن السعادة و النجاة لأنّهم قضوا أعمارهم في الدنيا بصدق و أمانة، و لم يلوّثوا قلوبهم بصدأ الشرك، بل سلكوا في الدنيا وفق ادراكاتهم العقليّة و الفطريّة و الشرعيّة، و لزموا صفاءهم و حبّهم للَه و هجروا عالم الغرور. لذا فقد

    1. ذيل الآية 26 و صدر الآية 27، من السورة 21: الأنبياء.

معرفة المعاد ج۱

196
  • وردوا في اسم سلام ربّهم، فسلامٌ عليك ايّها النبي منهم، من أصحاب اليمين.

  • و الطائفة الثالثة: هم أصحاب الشمال المعبّر عنهم هنا بالمكذّبين الضالّين، و هؤلاء هم الذين سكروا بعالم الغرور و قضوا عمرهم في الاستكبار و التفاخر، فبعدوا عن المعنويّات و الحقائق، و شُغلوا بتكذيب الأنبياء و أولياء الله، و بإنكار المبدأ و المعاد، و تخيّلوا أنّ عالم الوجود انّما خُلق عبثاً.

  • و هؤلاء طعامهم يوم القيامة نزل من حميم، و النُّزُل هو الطعام الذي يُعدّ للضيف، امّا الحميم فهو المعادن المصهورة، ثمّ انّهم يردون النار المسجورة فيصْلَوْنَها خالدين. و هذه المطالب حقيقة ارتقت الى أعلى درجات اليقين الذي لا يمكن إنكاره أبداً بل هي في مرحلة الشهود و الحسّ.

  • إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ، فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ.

  • سبِّحه و نزّهه عن كل ما يخالف مقتضى مقام عدله و رحمته و جماله و جلاله، و عن كل نقص و عيب و جهل و عن آثار كل ما يدعيه هؤلاء المكذّبون الضالّون.

  • و يُستفاد من هذه الآيات التي تبيّن بالتفصيل طبقات الناس حال النزع و الاحتضار انّ الله سبحانه أقرب في كلّ حال الى الانسان من الانسان نفسه، سواء كان الانسان من المقرّبين، أم من الصالحين، أم من الأشقياء.

  • و لأنّ نزع الروح و قبضها يتمّ بيد الله سبحانه أو بيد ملائكة الموت الذين ينزعونها بأمر الله تعالى، فإنّ هؤلاء الملائكة هم أيضاً أقرب الى الإنسان من نفسه، كما انّ قبض الأرواح يحصل في الباطن:

  • وَ لَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَ أُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ.1

    1. الآية 51، من السورة 34: سبأ.

معرفة المعاد ج۱

197
  • و المراد من المكان القريب في هذه الآية الكريمة هو باطن الانسان الذي تحتلّه الملائكة لتقوم منه بسلب حقيقة الإنسان أي نفسه.

  • فهذا الباطن قريب الى الشخص المحتضر الى الحدّ الذي هو أقرب اليه من أعضاء بدنه، بل من حواسّه كالباصرة و السامعة و اللامسة، و هو أمر يتّضح بقليل من الإمعان.

  • و على سبيل الفرض و المثال، فهل لرفيقكم الذي يجلس الى جواركم علمٌ بالأفكار و النوايا التي تدور في خلدكم و بالكم؟ أ يمكنه الاطّلاع على باطنكم بدون أن تظهرونه له و تُطلعونه عليه؟

  • فرضوا الآن في أذهانكم أنّ الكعبة موجودة هنا، و انّكم تغتسلون و تنشغلون بالطواف، ثمّ تأتون الى مقام ابراهيم عليه السلام بعد الطواف لسبعة أشواط فتصلّون صلاة الطواف فيه، ثمّ تجلسون جانباً تتطلّعون الى الكعبة، لأنّ النظر الى الكعبة أمر يستحقّ الثواب.

  • و بعد أن قُمتم بهذه الأعمال في ذهنكم بدون أن تبدر من أيديكم أو أرجلكم حركة، و بدون أن يتحرّك بدنكم عن موضعه أدنى حركة، و حتّى بدون الإستعانة بقوّة أعينكم و آذانكم في مشاهدة هذه المناظر و في سماع أصوات الزحام و ضجيج الناس و صخبهم في أطراف الكعبة، ثمّ تسألون من رفيقكم الجالس الى جنبكم: أيّها السيّد، ما الذي فعلتُه؟

  • فسيُجيب: لم تفعل شيئاً.

  • و ستقولون: لقد قمتُ بالطواف و الصلاة و التفرّج مدّةً على بيت الله بقوى التصوّر و عالم الخيال الموجود لديّ.

  • فيردّ عليكم: لا علم لي بباطنكم؛ انّ عيني ترى بدنكم الذي لم يتحرّك و لم يفعل شيئاً.

  • و هكذا الأمر في حال الإحتضار حين يقبض ملك الموت الروح،

معرفة المعاد ج۱

198
  • لأنّ عمليّة قبض الروح هي من هذا القبيل.

  • افرضوا انّكم كنتم نائمين، و قد رأيتم أحلاماً مرعبة مُخيفة سيبقى أثرها ظاهراً في انفسكم لعدّة أيّام، او انّكم شاهدتم أحلاماً سعيدة مُفرحة ستظهر آثارها على انفسكم لمدّة. (فهذه الأحلام عجيبة الى الحدّ الذي يمكن أن يؤثّر بعضها فيكم طوال عمركم.)

  • بيد انّكم سألتم عند استيقاظكم من رفيقكم الذي يجلس يقظاً الى جنب فراشكم: ما الذي رأيتُ في النوم؟

  • فانّه سيجيبُ: لا أعلم!

  • فتقولون: لقد رأيتُ في النوم كذا و كذا، فكيف لم تعلم بذلك؟ فيجيب: لستُ عالماً بالسرّ و الخفيات لأطّلع على باطنكم و الحلم الذي ترونه.

  • المشاهدات في حال الاحتضار تحصل بالعين الملكوتيّة.

  • انّ عالم الموت و حالات الإحتضار و مشاهدات المحتضر من هذا القبيل، كما انّ المسرّات و المخاوف التي تتملّك الانسان عند النزع لا يطّلع عليها شخص آخر، فمخاوف المحتضر و ما يوسّع عليه من أمره و سائر صور إدراكاته هي من هذا القبيل أيضاً.

  • و كذلك فانّ رؤية ملك الموت و انفتاح أبواب الجنّة أو أبواب الجحيم، و سكرات الموت و سائر الحالات المشهودة للانسان عند الموت كلّها أمور روحيّة و ليست جسميّة.

  • يسقط جسم الإنسان الى الأرض عند موته في حين تتحرك الروح الى محلّها الذي ينبغي عليها الذهاب اليه، كما انّ ملك الموت الذي يُباشر إخراج الروح ليصحبها معه لا شأن له بالجسد، فتلك هي وظيفة عائلة الميّت و أوصيائه و مشيّعيه في أن يأخذوا الجنازة فيدفنوها حسب المراسم و الأحكام الشرعيّة.

معرفة المعاد ج۱

199
  • وَ قالُوا أَ إِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ، قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ.1

  • انّ مُنكري المعاد هؤلاء يقولون في مقام الاعتراض: انّنا حين يصادفنا الموت فنفنى و نتلاشى في أعماق الأرض و نصبح تراباً و رماداً، و حين تتناثر جميع ذرّات وجودنا في كلّ صوب و حدب؛ أ فنعود للحياة من جديد فنرتدي رداء الوجود في هيكل و خلقٍ جديد؟!!

  • بلى، ان هؤلاء يُنكرون لقاء ربّهم، و يكفرون بالسير الروحي و لقاء الحضرة الأحديّة. فقل لهم ايّها النبيّ: انّ ملك الموت يتوفّاكم و يأخذكم، بيد انّ ما يتحرّك عند الموت و يذهب هو أنتم، و هو حقيقتكم و نفسكم.

  • فليتفرّق و يتفتّت جسمكم و يفنى تحت الأرض، فليس هو الذي يحدّد و يعيّن نفسكم، فلم يكن ذلكم الّا رداءكم الذي إن خُلع من بدنكم لم يتغيّر بانخلاعه وجودكم.

  • إنّ ملك الموت ذلك الذي يُسيطر عليكم و الذي وكّله الله بمراقبة نفسكم، هو الذي سيأخذكم من عالم الطبع و المادّة الى عالم البرزخ، و هو الذي يترك الجسد ليجري له ما سيجري من الأحكام، و هكذا فانّ ورود الانسان في عالم البرزخ يمثّل ورود نفس الانسان بصورتها البرزخيّة و المثالية.

  • لقد عاشت نفس الانسان في الدنيا مدّةً ما أنست فيها بعالم الطبع و باللذات الماديّة، فما رأته بعينيها انعطف قلبها اليه، و ما سمعته بأذنيها و التذّت به انعطف قلبها نحوه، و هكذا ارتبطت النفس مع عالم الطبع

    1. الآية 10 و 11، من السورة 32: السجدة.

معرفة المعاد ج۱

200
  • و المادّة بواسطة الحواس الخمسة، و تمتّعت بمتعها و ملاذها المادّية عن طريق نوافذ الإدراك و سبله هذه.

  • ز دست ديده و دل هر دو فرياد***كه هر چه ديده بيند دل كند ياد 1

  • القلب هو تلك النفس التي كانت في الدنيا، و التي ألفتها ببريقها و زخرفها و اكتسبت عادات الناس و آدابهم و تقاليدهم و تعاملت بها مدّة، و التي التذّت بصور الدنيا و مناظرها فزاد تعلّقها بها يوماً بعد آخر.

  • و ها هي الآن تريد مغادرة الدنيا و الورود في عالم لا تألفه و لا تعلم عنه شيئاً عالم لا يشبه عالم الدنيا بأيّ وجه من الوجوه.

  • و لو كانت النفس قد أعدّت في هذه الدنيا أسباب ألفتها و معرفتها بذلك العالم، و لو كانت أعدّت زاد رحيلها و اكتسبت معرفتها و ألفتها بباطنها، لتمكّنت من التحرك بسهولة و يُسر.

  • امّا لو كانت لم تعدّ مستلزمات الألفة و المعرفة بذلك العالم، ثم انقضى عمرها فسيقت غريبة ترتحل من موطنها الى ديار الغُربة، فانّ الموت سيكون آنذاك قاسياً عليها شديد الوطء؛ فهي غريبة من جهة، عاجزة عن معرفة السبيل للتعرّف على ذلك العالم و الألفة به من جهة أخرى، لأنها تفتقد المتاع الذي يمكنها عرضه هناك في سوق البيع و الشراء، فالمتاع الذي يشترونه هناك من الانسان فيكرمون وجوده لأجله، هو غير المتاع الذي يمتلك قيمةً ما في هذه الدنيا و الذي يتهافت عليه الجميع في عالم المادّة و الغرور.

    1. يقول: الويل ممّا تفعل العين و القلب، فكلّما بصرت به العين كان القلب في ذكراه.

معرفة المعاد ج۱

201
  • الدنيا و الآخرة عالَمان مختلفان موضوعاً.

  • في هذه الدنيا تمتلك النقود قيمة، و يمتلك الذهب و الفضة قيمة، و الجاه و المنزلة قيمة، و القدرة و الاعتبارات الأخرى قيمة و وزناً، كما تمتلك كثرة الأقرباء و الأولاد و الأصدقاء و الأعوان القيمة و الوزن و الاعتبار. بيد انّ هذه الأمور لا قيمة لها هناك أبداً، و اذا ما كانت علاقة الانسان برحمه علاقة غير الهيّة فانّها ستنفصم هناك و تنقطع، لأنّ القرابة و الرحم قائمة هناك على أساس التقوى و الفضيلة.

  • لا فائدة من المال هناك، و لا فائدة من الأعوان و الأنصار؛ هناك حيث لا قيمة لحيثيّة الانسان و شخصيّته الدنيويّة، و لا لحكمه و سلطانه، و لو تمكّن أحد أن يأخذ من الدنيا شيئاً من هذه الأمور، فانّه سيصبح هناك شيئاً تافهاً لا قيمة له، شيئاً كاسداً لا يرغب فيه أحد، لأنّ تلك السوق غير هذه السوق، و ذلك الدكّان غير هذا الدكّان. افرضوا الآن انّكم في فصل الصيف حيث الجوّ حارّ و لاهب، و انّكم تمتلكون قدراً من الثلج هو كلّ رأس مالكم و ثروتكم؛ فستكون ثروتكم هذه ذات قيمة في الوضع الحالي الفعلي، لكنّها بالتأكيد ستفقد قيمتها في فصل الشتاء القارس.

  • كما انّ الشخص الماهر في فنّ النجارة، المتبحّر في النقش البارز و الحفر على الخشب، و في زخرفة الأطباق و الأشياء و نقشها باللون اللازوردي، و الخبير بدقائق هذا الفنّ و أسراره الذي يمتلك فنّه و مهارته قدراً و قيمة و اعتباراً من كلّ الوجوه؛ لو جاء يوماً الى مكان يحتاجون فيه الى حدّاد و يستخدمونه بأجور استثنائية، فانّ هذا النجّار مهما قال لهم انّه خبير بفنّه، و انّه كان معزّزاً مكرّماً في مكانه السابق، و أنّ عليهم استخدامه في هذا العمل، و مهما وعدهم بأنّه سيقدّم لهم جميع أنواع فنون صنعة النجارة و دقائقها على أفضل وجه، و انّه سيقنع منهم بمرتّب بسيط؛ فانّهم سيقولون في جوابه: نحنُ لا نحتاج نجّاراً! و مهما امتدحت حرفتك و فنّك1

  • معرفة المعاد ؛ ج1 ؛ ص201
    1. حسينى طهرانى، سيد محمد حسين، معرفة المعاد، 10جلد، دار المحجة البيضاء - بيروت - لبنان، چاپ: 1، 1416 ه.ق.

معرفة المعاد ج۱

202
  • فانهما لا يفيداننا بشيء. نحن نحتاجُ حدّاداً، فإن كان لك خبرة في فنّ الحدادة فأهلًا بك؛ و الّا فانّ وجودك هنا سيكون مدعاةً للمشاكل و التأخير.

  • و هكذا الأمر لو جاء الطبيب الاستاذ في فنّ الطبابة الى مدرسة الفلسفة فأراد أن يشغل عنوان فيلسوف و حكيم، فيقول: انني امرؤٌ عالم، بذلتُ أتعاباً جمّة، و كان لي مطالعات و دراسة للكتب؛ و سيردّون عليه: انّ كلامك صحيح بأجمعه، بيدَ انّ هذه مدرسة للفلسفة، و نحن نحتاج حكيماً و فيلسوفاً. لقد بذلتَ جهوداً في فنّ الطبّ و تحمّلت المحن و المتاعب من أجله، حتى صرتَ تعرف جميع عروق البدن و محل وجودها، و صرتَ استاذاً ماهراً في العمليّات الجراحيّة، لكننا لا نحتاج طبيباً أو جرّاحاً. انّك تجهل علم الحكمة و معرفة حقائق الأشياء، فلا مكان لك هنا! انّ الاعتبارات و الموازين التي يمتلكها الناس في الدنيا و يقيمون على أساسها حياتهم الماديّة، من المال و الولد و العشيرة و التجارة و الصناعة و الحكومة و أمثالها، أمور تدور بأجمعها حول محور الحياة الدنيويّة. و حين يتبدّل العالم و تتبدّل الحياة، فانّ من غير المعقول انّ ما كان يتصدّر مستلزمات الحياة و خصائصها سينفع هناك أيضاً في تلك الحياة الأخرى مع وجود التغيير في الموضوع و التبدّل في الأحكام و القوانين و النواميس.

  • في الآخرة يُسئل عن بضاعة العبوديّة و التقوى لا غيرها.

  • ان الاعتبارات التي اكتسبها الانسان في هذا العالم على أساس النفس الأمّارة لا تمتلك رخصة الورود هناك، و ستعدّ هناك أمتعة و بضائع مهربة سيجري التحقيق بشأنها و ترمى بعيداً في الجمارك المتمركزة في حدّ الموت الفاصل بين العالمين.

  • أمّا اذا أراد أحد أن يصحب معه شيئاً، فانّ عليه ان يُنفقه في هذا العالم في سبيل الله و من أجل رضاه؛ فالمال الذي يريد استصحابه يتوجّب

معرفة المعاد ج۱

203
  • عليه أن يُنفقه هنا لينتقل تلقائيّاً إلى هناك.

  • و العلّة في هذا الأمر انّ نفس الإنسان ستصبح طاهرة و ملكوتيّة بواسطة الإنفاق في سبيل الله، و ستألف عالم الحقائق و تتعرّف عليه، و هذه الألفة هي التي ستحظى بالتقدير هناك في ذلك العالم. انّ متاع ذلك العالم هو التوحيد و العدل و التقوى و الخطو بقدم الصدق، و التعامل بالصفاء و سلامة الطويّة، و رعاية حقوق الآخرين و عدم المساس بها، و عدم تخطّي دائرة العبوديّة للمعبود تعالى خطوة واحدة.

  • التعيّنات الدنيويّة بضاعة كاسدة في تلك الحياة.

  • و اذا ما كان أحد يحظى في الدنيا بأيّ نوع من الأمور الاعتباريّة فيها، كالأولاد و العشيرة الكبيرة مثلًا، أو بامتلاكه أفراساً مرصّعة بالجواهر؛ و اذا ما كان مستلفتاً للأنظار بجميع شئونه بلحاظ عالم الاعتبار، فكان أحد أبنائه دكتوراً و الآخر مهندساً، و كان يمتلك قصراً صيفيّاً يصطاف فيه و آخر يقضي فيه فصل الشتاء، فانّه مع ذلك كلّه لو قال هناك: انّ ابني دكتور! فانّهم سيردّون عليه: ما الذي جلبته لنا؟ نحن نريد قلباً طاهراً و عقيدة منزّهة سليمة.

  • و سيقول: انّ ابني الآخر مهندس!

  • و يردّون: كم أنفقتَ في الدنيا؟ و ما الذي قدّمت عن طريق ولدك المهندس هذا من أعمال الخير للناس سعياً لنيل رضا الله؟

  • و سيُضيف: لقد كنت أمتلك قصراً!

  • فيجيبون: أ كان ذلك القصر محلًّا لتردّد الناس و قضاء حوائجهم؟

  • أ كان ملجاً للأيتام و الضعفاء و المحتاجين؟ أ بسطتَ فيه موائدك أمام الجياع ام انّك أغلقتَ بابه فجعلتَه محلًّا خاصّاً لإطفاء شهواتك و للتمتّع بلذائذك الشهويّة؟

  • هنا عالم التوحيد، هنا عالم الحساب، هنا عالم الجزاء و مشاهدة

معرفة المعاد ج۱

204
  • عاقبة الأعمال التي اجترحتها في الدنيا حسنةً كانت أم سيّئة.

  • هذا مكانٌ لا تراب فيه و لا هواء، لا ضحك و لا سعادة ماديّة فيه و لا بكاء و لا حزن طبعيّ، ليس فيه أمّ و لا أب و لا طائفة و لا عشيرة، و لا ذهب و لا فضّة، و مهما شئت أن تقدّم أيّاً من هذه الأمور كرشوة تنجيك و تبعدك عن نتائج أعمالك القبيحة فلن يجديك نفعاً، و ذلك لأنّ ما ينفعنا هنا و ما نسأل عنه هو طهارة الباطن و تزكية الأخلاق و العمل الصالح الحسن.

  • ما مقدار العلم الذي جئتَ به؟ و ما حجم الحلم الذي جئتَ به؟ و ما حدّ العبوديّة للَه التي صدرت منك؟ ما مقدار ألفتك التي اكتسبتها بمشاهد هذا العالم بواسطة الصلاة و الصيام و الجهاد و الحجّ و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و بالزكاة و الخمس و الصدقات و صلة الرحم و قضاء حوائج إخوانك في الدين و الإيثار و المحبّة و ولاية أولياء الحقّ و أئمّة الدين؟ أهلًا و سهلًا و مرحباً بك هنا، تفضّل و تنعّم و استعد بمقدار ما جئتَ به من هذه الأمتعة.

  • امّا الشخص الذي لم يكتسب معرفة ذلك العالم و لم يألفه و ظلّ غريباً عنه، ذلك الذي عميت عيناه الملكوتيّتان، فانّه لو شاء ان يخطو الى الامام خطوة واحدة فانّه سيواجه الهلاك.

  • كيفيّة قبض أرواح الظالمين في منطق القرآن الكريم.

  • و ما أعجب ما يصف القرآن الكريم في خطابه للنبيّ الأكرم حال الظالمين في سكرات الموت:

  • وَ لَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَ الْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَ كُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ، وَ لَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ تَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ وَ ما نَرى مَعَكُمْ

معرفة المعاد ج۱

205
  • شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَ ضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ.1

  • و هذه الآيات تبيّن أنّ جميع الأمور و الجوانب التي يعوّل عليها الانسان في الدنيا تفنى و تتلاشى عند الموت. فالإنسان يعوّل في الدنيا على أمرين:

  • أحدهما المال و الثروة، من الذهب و الفضّة و الخيول المطهّمة و المتاجر و الدرهم و الدينار و بيوت السكن و أمثالها من الأمور التي يستخدمها الانسان لقضاء حوائجه المعيشيّة.

  • و الثاني: الولد و الزوجة و الرفيق و الصديق و الأقارب و الشريك و أمثالهم الذين يتوسّل بهم لسدّ احتياجاته؛ فهو يطلب أمراً من هذا الرفيق، و أمراً من ذاك، و يطلب من أمّه حاجةً، و من ولده حاجة، و من الرئيس و الحاكم و كبير المحلّة حاجة، و من الثريّ و المقتدر حاجة؛ فهو يتوسّل بهؤلاء في مواقع الحاجة و الضرورة فيقومون بفعل ما يمكنهم فعله له؛ و لا شيء آخر هناك غير هاتين المجموعتين.

  • و هكذا فانّ الانسان حين يريد الإرتحال فانّ الملائكة تخاطبه:

  • وَ لَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ.

  • لقد ولدتم من أرحام أمّهاتكم و جئتم لا تملكون درهماً و لا ديناراً، و لا بيتاً و لا زراعة و لا تجارة، لا تملكون دفتر صكوك و لا كمبيالات و لا اعتباراً، لأنّكم كنتم خالين من هذه الأمور، لا تعرفون أباً و لا أمّاً و لا أخاً، و لا تميّزون حاكماً و لا محكوماً، و لا رئيساً و لا مرؤساً، و لا مُطيعاً و لا مُطاعاً، كأنّ ذلك لم يكن شيئاً مذكوراً.

    1. الآية 93 و 94، من السورة 6: الانعام.

معرفة المعاد ج۱

206
  • أين كنتم هناك؟ كم كنتم طاهرين و منزّهين هناك؟ لكنّكم جئتم هنا فلوّثتم أنفسكم؛ و عليكم- و أنتم تريدون العودة- أن تنسوا هذه الأمور جميعاً و تركنوها في زاوية النسيان، فتعودون الينا فُرادى.

  • ثمّ انّ اولئك الملائكة يقومون بتفصيل ما أجملوا ذكره للإنسان، و يوضحون له انّ إحدى تلك المجموعتين اللتين كنت تعوّل عليهما كان المال الذي تعتمد عليه و تضع عليه أساس حياتك، لكنّك تركته الآن خلف ظهرك، و ودّعته وداع مفارق لا يعود:

  • وَ تَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ.

  • نحن خوّلناكم و أعطيناكم ما أعطيناكم من مال، و ذلك لتفيدوا منه بالطريفة الصحيحة، و لتنفقوه في مصالحكم، و في طريق الرقيّ و التكامل الروحي و ارتقاء مراتب الإنسانيّة و درجاتها، لكنّكم أسأتم التصرّف فيه، فأنفقتموه فيما يعود عليكم بالضرر، و أضعفتم أنفسكم به فألقيتم بها أخيراً في التهلكة، و ها أنتم قد تركتموه بأجمعه. هذا هو حساب أموالكم! أمّا اولئك الأعوان و الأولاد و النساء و الرفقاء و المعارف الذين كنتم تعتمدون عليهم، أولئك الذين كانوا يعينونكم في مواقع العُسر و الضرورة، و الذين كانوا يُضافون الى قواكم لإنجاز أهدافكم و مقاصدكم فيصبحون قرناءكم، و الذين كانوا أعوانكم و مساعديكم في الأمور التي تعجزون عن مواجهتها لوحدكم، فقد فارقوكم هم أيضاً فلم يأتوا معكم هنا، لأنّا لا نراهم معكم:

  • وَ ما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ.

  • لما ذا لم يأت هؤلاء؟ لما ذا لم تأتوا معكم بأبيكم، و أمّكم، و زوجتكم، و ولدكم، و معتمد محلّتكم، و رئيسكم، و معاونكم؟

  • لِمَ لَمْ يأتِ شريكُكم معكم؟ اننا- مهما أمعنّا النظر- لا نرى معكم

معرفة المعاد ج۱

207
  • منهم أحداً.

  • هذا عالمٌ نراكم فيه فُرادى وحيدين بكلّ معنى الكلمة.

  • ثمّ يبيّن الملائكة علّة عدم تمكّن الإنسان من جلب أمواله و أعوانه معه من هنا الى هناك:

  • لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ.

  • لقد حلّ بينكم الفراق، لأنّكم تهاجرون من هذه النشأة الى نشأة أخرى، و ترحلون من هذه المدينة الى ديار أخرى لا تردها آلات هذه الديار و لا أسبابها، و لا تجد فيها عادات و آداب هذه الديار سبيلًا و لا محلًّا.

  • ذلك العالم عالم الملكوت، و هذا العالم عالم المُلك. ذاك عالم علوي، و هذا عالم سفلي. هناك دار الحقيقة، و هذه دار المجاز. هناك محلّ الاستقرار، و هنا محلّ العبور و الانتقال.

  • شئون الآخرة متناسبة معها.

  • هناك حيث يجري التعامل مع الانسان على أساس الحقائق، و هنا عالم الاعتبار و التفكير بالمصالح و المحافظة عليها؛ و هناك محلّ التحقّق و الواقعيّة، و هنا محلّ الأماني و الأوهام؛ و هناك عالم الفعليّة، و هنا عالم الاستعداد و القابليّة؛ هناك حسابٌ بلا عمل، و هنا عملٌ بلا حساب. و لأنّ هذا العالم متفاوت و متباين مع ذلك العالم موضوعاً و حكماً، فقد تقطّع بينكم و بين اعتباراتكم في هذا العالم، و لهذا يقولون:

  • وَ ضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ.

  • لقد خُيّل لكم في الدنيا انّ الآخرة تقتفي أثر الدنيا و تتمحور على شأن من شئونها، فأوصيتم أنْ: ليقم الشخص الفلاني بتزيين مقبرتي بالمرايا، و ببناء قبري بالرخام، و بإعداد أثاث المقبرة و فراشها بشكل لائق، و بأن يضع على الدوام مزهريتي ورد على القبر، و ينضد حوله

معرفة المعاد ج۱

208
  • الأرائك الفخمة، و لينثر على قبري كلّ ليلة جمعة باقةً من الورود اليانعة.

  • انّ هذه أمور لا تنفع و لا تجدي شيئاً، هذه زينة عالم الغرور لا عالم الملكوت، الميّت يذهب إلى الملكوت، و ينبغي ان يُهدى له شيء ينفعه و يُجديه.

  • انّ ما سينفع الميّت آنذاك الأولاد الصالحون، و الصدقة الجارية، و العلم الذي خلّفه للناس لينتفعوا به، و الإنفاق على الفقراء و الضعفاء، و مساعدة البؤساء، و تربية الأيتام و تفقّد أحوالهم، و نشر العلم و التقوى في المجتمع، و إقامة الصلاة و تلاوة القرآن و التدبّر فيه، كما سينفعه طلب المغفرة له.

  • أمّا هذه الزينات التي سبق ذكرها، فعلاوة على أنّها لن تجديه نفعاً فهي ضارّة له، لأنّ أخذ باقات الورد الى الميّت و إهداءها الى قبره بدعة و حرام، كما انّ تزيين القبور بهذه الأشكال المذكورة حرام أو مكروه كراهة شديدة على أقلّ تقدير و هي أمور تؤذي الميّت. كما انّ تجميل المقابر بمثل هذه الكيفية مخالف لتعاليم الاسلام.

  • اننا نتخيّل- و نحن نعيش في هذه الدنيا- انّ شئون الآخرة تماثل شئون الدنيا، و هو تفكير سقيم خاطئ، فنجد الميّت يوصي: ادفنوني في هذه المقبرة فأنا أخاف من الأرض التي لا سقف لها. ذلك لأنّه يتخيّل انّ الأمر هناك كما هو هنا، فاذا دفنوه في غرفة ذات سقف فانّه سيكون مُصاناً محفوظاً، امّا لو أودعوه التراب في ارض مستوية فانّ الثلوج و الأمطار ستؤذيه، كما انّ حركة الناس فوق قبره و مزاره ستزعجه، و كفى بذلك جهلًا!

  • لقد اصطحبت الملائكة الروح الى عالم البرزخ، و صار البدن المطروح في القبر طعاماً للديدان و الأفاعي، و لقد أهلكت هذه الجهالة

معرفة المعاد ج۱

209
  • جميع أفراد البشر، و قد ضجّ القرآن الكريم بالنداء:

  • وَ ضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ.

  • لقد فنيت خيالاتكم و أوهامكم و تبدّدت في رمال العدم و في تيه الضلالة. بلى، انّ منزل الآخرة يحتاج سقفاً، و يحتاج فراشاً، و وروداً و مرايا؛ لكنّ سقفه الجُنّة من النار، و هو الاجتناب عن المحرّمات؛ و فراشه الاستقرار في محلّ الأمن، و ذلك هو التقوى؛ و مرآته صفاء الباطن ليصبح محلّ تجلّي أسماء الله و صفاته؛ كما انّ وروده نسيم الرحمة المعطّر الهابّ من جانب الجنّة، و هو التجلّي بالجمال الالهي.

  • خطبة مفصّلة لأمير المؤمنين عليه السلام في كيفيّة حال الاحتضار.

  • خطبة مختصرة للإمام في الإتّعاظ و الإعتبار و الإستعداد للموت.

  • يقول مولى الموحّدين و أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغه:

  • وَ لَا يَزْدَجِرُ مِنَ اللهِ بِزَاجِرٍ، وَ لَا يَتَّعِظُ مِنْهُ بِوَاعِظٍ، وَ هُوَ يَرى الْمَأخُوذِينَ على الغِرَّةِ- حَيْثُ لَا إقَالَةَ وَ لَا رَجْعَةَ- كَيْفَ نَزَلَ بِهِمْ مَا كَانُوا يَجْهَلُونَ، وَ جَاءَهُمْ مِنْ فِرَاقِ الدُّنْيَا مَا كَانُوا يَأمَنُونَ، وَ قَدِمُوا مِنَ الآخِرَةِ على مَا كَانُوا يُوعَدُونَ؛ فَغَيْرُ مَوْصُوفٍ مَا نَزَلَ بِهِمْ.

  • اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِمْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ وَ حَسْرَةُ الْفَوْتِ، فَفَتَرَتْ لَهَا أطْرَافُهُمْ، وَ تَغَيَّرَتْ لَهَا ألْوَانُهُمْ؛ ثُمَّ ازْدَادَ الْمَوْتُ فيهِمْ وُلُوجاً، فَحِيلَ بَيْنَ أحَدِهِمْ وَ بَيْنَ مَنْطِقِهِ، وَ إنَّهُ لَبَيْنَ أهْلِهِ يَنْظُرُ بِبَصَرِهِ وَ يَسْمَعُ بِاذُنِهِ، وَ على صِحَّةٍ مِنْ عَقْلِهِ وَ بَقَاءٍ مِنْ لُبِّهِ. يُفَكِّرُ فِيمَ أفْنَى عُمْرَهُ، وَ فِيمَ أذْهَبَ دَهْرَهُ، وَ يَتَذَكَّرُ أمْوَالًا جَمَعَهَا، أغْمَضَ في مَطَالِبِهَا، وَ أخَذَهَا مِنْ مُصَرَّحَاتِهَا وَ مُشْتَبَهاتِهَا. قَدْ لَزِمَتْهُ تَبِعَاتُ جَمْعِهَا، وَ أَشْرَفَ على فِرَاقِهَا، تَبْقَى لِمَنْ وَرَاءَهُ يَنْعَمُونَ فِيهَا وَ يَتَمَتَّعُونَ بِهَا؛ فَيَكُونُ الْمَهْنَا لِغَيْرِهِ وَ الْعِبْءُ على ظَهْرِهِ، وَ الْمَرْءُ قَدْ غَلِقَتْ رُهُونهُ بِهَا.

  • فَهُوَ يَعَضُّ يَدَهُ نَدَامَةً على مَا أصْحَرَ لَهُ عِنْدَ الْمَوْتِ مِنْ أمْرِهِ، وَ يَزْهَدُ فيمَا كَانَ يَرْغَبُ فيهِ أيَّامَ عُمْرِهِ. وَ يَتَمَنَّى انّ الذي كَانَ يَغْبِطُهُ بها وَ يَحْسُدُهُ

معرفة المعاد ج۱

210
  • عَلَيْهَا قَدْ حَازَهَا دُونَهُ.

  • فَلَمْ يَزَلْ الْمَوْتُ يُبالِغُ في جَسَدِهِ حتّى خَالَطَ لِسَانُهُ سَمْعَهُ، فَصَارَ بَيْنَ أهْلِهِ لَا يَنْطِقُ بِلِسَانِهِ، وَ لَا يَسْمَعُ بِسَمْعِهِ، يُرَدِّدُ طَرْفَهُ بِالنَّظَرِ في وُجُوهِهِمْ؛ يَرى حَرَكَاتِ ألْسِنَتِهِمْ وَ لَا يَسْمَعُ رَجْعَ كَلَامِهِمْ.

  • ثُمَّ ازْدَادَ الْمَوْتُ الْتِيَاطاً بِهِ، فَقُبِضَ بَصَرُهُ كَمَا قُبِضَ سَمْعُهُ، وَ خَرَجَتِ الرُّوحُ مِنْ جَسَدِهِ، فَصَارَ جِيفَةً بَيْنَ أَهْلِهِ، قَدْ أوْحَشُوا مِنْ جَانِبِهِ، وَ تَبَاعَدُوا مِنْ قُرْبِهِ، لَا يُسْعِدُ بَاكِياً وَ لَا يُجِيبُ دَاعِياً.

  • ثُمَّ حَمَلُوهُ إلى مَخَطِّ في الأرْضِ، وَ أسْلَمُوهُ فيهِ إلى عَمَلِهِ، وَ انقَطَعُوا عَنْ زَوْرَتِهِ، حتّى إذَا بَلَغَ الْكِتَابُ أجَلَهُ، وَ الأمْرُ مَقَادِيرَهُ وَ الْحِقُ آخِرُ الْخَلْقِ بِأوَّلِهِ، وَ جَاءَ مِنْ أمْرِ اللهِ مَا يُرِيدُهُ مِنْ تَجْدِيدِ خَلْقِهِ، أمادَ السَّمَاءَ وَ فَطَرَهَا؛ الخطبة.1

  • و قد بيّن أمير المؤمنين عليه السلام في صدر هذه الخطبة (الذي تجاوزناه و لم نذكره) مسائل عن توحيد الله عزّ و جلّ، ثمّ عن خلقة الملائكة، و تحدّث بعد ذلك عن تمرّد الناس على دعوة رسول الله صلّى الله عليه و آله و ميلهم الى جيفة الدنيا. ثمّ قال بعد ذلك:

  • وَ مَنْ عَشِقَ شَيْئاً أعْشَى بَصَرَهُ وَ أمْرَضَ قَلْبَهُ فَهُوَ يَنْظُرُ بِعَيْنٍ غَيْرِ صَحِيحَةٍ؛ حتّى يصل في كلامه الى حديثه عن هذا الشخص ذي القلب المريض و البصيرة العمياء فيذكر الكلام الذي نقلنا عباراته الشريفة.

  • و لقد أوردنا الخطبة الى هذا الحدّ حيث محلّ الحاجة لبيان أحوال الشخص المحتضر عند سكرات الموت و صرفنا النظر عن نقل كلامه

    1. نهج البلاغة، شرح محمّد عبده، ج 1، طبع مصر، من الخطبة 107، ص 212 و 213.

معرفة المعاد ج۱

211
  • عليه السلام بعد ذلك في كيفية القيامة و حصولها.

  • و لأنّ الامام عليه السلام كان يقوم باستمرار بتوعية الأمّة في خطبه، و تنبيهها الى هذه المواقع الخطيرة، فانّ خطبه الشريفة في نهج البلاغة على اختلاف و تنوّع مطالبها تدور بأجمعها على ثلاثة محاور: التوحيد، المعاد و الموت، و التقوى.

  • أيُّهَا النَّاسُ إنَّمَا الدُّنْيَا دَارُ مَجَازٍ وَ الآخِرَةُ دَارُ قَرَارٍ.

  • أيّها الناس، انّ الدنيا محلّ للعبور و الاجتياز، ليس لكم فيها إقامة و لا مكث، بل أنتم في حركة دائبة مستمرّة نحن الآن جالسون هنا، لكنّ نفوسنا لا توقّف لها و لا مكث؛ إنّ بدننا جالس هنا، لكن نفوسنا في حالة حركة.

  • لقد تحرّكنا جميعاً في هذه الساعة و تقدّمنا ساعةً الى الأمام، لقد مرّت ساعة كاملة و بَعُدت بنا عن زمن ولادتنا و اقتربت بنا الى زمن موتنا، و كنّا في جميع لحظات هذه الساعة في حركة، و كنّا نطوي مسيراً معيناً بلا لحظة من التوقّف.

  • في هذه الحركة لم يكن لنا أي اختيار، و سواءً كنّا أنفسنا في حالة حركة و انتقال أم كنّا جالسين ساكنين؛ و سواءً كنّا نائمين أم يقظين، فانّ هذه المسيرة ستطوى في كلّ الأحوال، حتى نصل الى تلك النقطة المعهودة التي تمثّل زمان موتنا. أمّا الآخرة فهي دار القرار و السكون و الهدوء، دار الإقامة و المكث. لقد كنّا في تحرّك و نصب و تعب في هذه الدنيا، و كنّا أشبه بالمسافر الذي طوى طريقه و يريد الوصول الى منزله ليخلع ملابسه و يخلد الى الراحة و السكون.

  • لذا ستنتهي في آخر نقطة و هي الموت، حركةُ سفرنا فنخلع لباس البدن البالي و نتخلص من كل آثاره و تبعاته، و نتخلّع بلباس التجرّد حيث

معرفة المعاد ج۱

212
  • سنصبح آنذاك مستعدين للسكون و الراحة.

  • فَخُذُوا مِنْ مَمَرِّكُمْ لِمَقَرِّكُمْ

  • و ذلك لأنّ هناك عالم الفعليّة و الإقامة الذي يستحيل فيه إعداد الطعام و الزاد و وسائل الراحة، لأنّ إعداد هذه الأمور يحصل بواسطة الحركة، و هو الأمر الذي يحصل في هذه الدنيا التي تمثّل محلّ الاستعداد و القابليّة و ظهور المراتب الأدنى من مرتبة الفعليّة.

  • اعملوا على أن تكون فعليّتكم جيّدة، و صفحة أعمالكم ناجحة مقبولة، انّهم هناك سيبدلون هويّتكم و يُطلقون عليكم إسماً آخر، فاسعوا ان يكون ذلك الإسم إسم المؤمن و الصالح و المتّقي، لا اسم الكافر و الطالح و المتجرّي.

  • و لو كان ذلك حاصلًا وفق الطريق الأوّل لكان ذلك المكث توأماً مع السرور و البهجة و النشاط و اللذة، امّا لو حصل بالطريق الثاني لجعل تلك الإقامة مشحونة بأنواع الغصص و المصائب.

  • وَ لَا تَهْتِكُوا أسْتَارَكُمْ عِنْدَ مَنْ يَعْلَمُ أسْرَارَكُمْ.

  • احفظوا حجب عفّتكم و أستار عصمتكم و حصانتكم من أن يعبث بها الشيطان أو تتلاعب بها النفس الأمّارة، و لا تهتكوها في محضر عظمة الباري المطّلع على خفايا أسراركم و العالم بخفاياكم.

  • وَ أخْرِجُوا مِنَ الدُّنْيَا قُلُوبَكُمْ من قَبْلُ أنْ تَخْرُجَ مِنْهَا أبْدَانُكُمْ.

  • اعملوا على أساس الحقّ لا وفق هوى النفس الأمّارة، فانّ تلك الرغبات و الميول و النزعات ستزول شيئاً فشيئاً في تلك الحال، فيصبح قلب الإنسان طاهراً نقيّاً مصفّىً، و سيحلّ محلّ تلكم النزعات و الرغبات الحقُّ و رضا الله و رغبته، و سيجد المشابهة مع عالم الأبديّة.

  • امّا القلب الذي أنس بهوى النفس فانّ سيفتقد المشابهة مع ذلك

معرفة المعاد ج۱

213
  • العالم، و سيلفّه الاضطراب و القلق و عدم الاستقرار عند الموت، اي عند خروج الروح من البدن، ذلك الاضطراب و الفزع الذي لا يوصف.

  • فَفيهَا اخْتُبِرْتُمْ وَ لِغَيْرِهَا خُلِقْتُمْ

  • لقد جئتم الى هذه الدنيا من أجل اكتساب الملكات الحميدة و العقائد المنزّهة و الأفعال الحسنة الحميدة، لذا فانّهم يضعونكم في بوتقة الامتحان و الاختبار، فيمتحنونكم كلّ ساعة ليتشخّص فيكم تقديم رغبات باطنكم على رضا الله أو عكس ذلك. بيد انّ العلّة من خلقكم ليست لهذه الدنيا، بل لغيرها من عالم الأبديّة و الفعليّة المحضة و الاستقرار في حرم أمن الله و لقائه.

  • إنّ الْمَرْءَ إذَا هَلَكَ قَالَ النَّاسُ: مَا تَرَكَ؟ وَ قَالَتِ الْمَلَائِكَةٌ: مَا قَدَّمَ؟

  • ان البشر في الدنيا ينظرون اليها لا يَعْدونها الى سواها، كما يعدّون الشخصية و الاعتبار دائرة على محور التعيّنات الدنيوية من الزوجة و الولد و المال و الشغل و العشيرة و الأعوان، لذا فانّهم يتحدّثون عن كيفية موقع الانسان وفق موازين الاعتبار هذه، كما أن تجليلهم و احترامهم له يدور حول هذا المحور، و لذلك فانهم يتفاوتون في احترامهم للميّت و تكريمهم له- و هم لا يتصوّرون منه غير جنازته- باختلاف هذا الأساس و المحور. أمّا ملائكة الله فهم ينظرون الى الملكوت، و يعتبرون مقام الميّت و منزلته هناك على أساس التقوى و الفضيلة و المعارف الإلهية و العلوم السرمديّة، لذا فانّهم يتحدّثون عن مكانته في هذا الحرم و يقيسون احترامهم له على هذا الأساس و المحور. و تبعاً لاختلاف هذا الأساس لديه فانّهم سيختلفون في تجليله و تكريمه- أي تكريم النفس الناطقة الملكوتيّة التي لا يعتبرون شيئاً غيرها- و ذلك باختلاف درجات الميّت و مراتبه، و سينشغلون تبعاً لذلك بإسكانه في المنازل المختلفة التي تليق بحاله.

معرفة المعاد ج۱

214
  • لله آبَاؤُكُمْ فَقَدِّمُوا بَعْضاً يَكُنْ لَكُمْ قَرْضاً وَ لَا تُخَلِّفُوا كُلًّا فَيَكُونُ عَلَيْكُمْ.1

  • أيّها الناس! اقسم عليكم بآبائكم أن تقدّموا شيئاً لسعادتكم في آخرتكم، فيكون لكم قرضاً و ذخيرةً محفوظة عند الخالق المنّان، و يردّ اليكم يوم فاقتكم أضعافاً مضاعفة؛ و لا تتركوا كلّ ما لديكم في الدنيا و تخلّفوه فيها فيلحقكم و باله و يكون ثقلًا تنوء به كواهلكم.

  • انّ الأموال التي يجمعها الانسان في الدنيا فيرتبط بكلّ منها بعلاقة، ثمّ تجتمع تلك العلائق فترتبط مع روحه برابطة لا تنفكّ عراها، ثمّ يأتي الوقت الذي يتحتّم عليه فيه الرحيل فيعجز عن حمل هذه الأموال و العلائق معه، و تظهر آثار هذا الارتباط و العَقد الذي قيّد روحه و أوثقها فتثقل على روحه، حتّى كأنّ جميع هذه الأموال و العلائق قد وُضعت على كتفيه فامر بحملها.

  • عيادة رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم لأمير المؤمنين عليه السلام؛ و شرح مطالب تتعلّق بالموت.

  • يروي المرحوم الكليني في كتاب الكافي عن عليّ بن ابراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: انّ أمير المؤمنين عليه السلام اشتكى عينه فعاده النبيُّ صلّى الله عليه و آله فاذا هو يصيح. فقال له النبيّ صلّى الله عليه و آله أ جزعاً أم وجعاً؟

  • فقال: يا رسول الله! ما وجعتُ وجعاً قطّ أشدّ منه.

  • فقال: يا عليّ! إنّ ملك الموت إذا نزل لقبض روح الكافر نزل معه سفود من نار فنزع روحه به فتصيح جهنّم.

  • فاستوى عليّ عليه السلام جالساً فقال: يا رسول الله أعِدْ عليَّ حديثك

    1. نهج البلاغة، الخطبة 201، ص 418 محمد عبده طبع مصر ... و هذه الفقرات المذكورة ه- من خطبة واحدة.

معرفة المعاد ج۱

215
  • فقد أنساني وجعي ما قلتَ. ثمّ قال: هل يُصيب ذلك أحداً من أمّتك؟ قال: نعم! حاكمٌ جائر و آكلُ مال اليتيم ظُلماً، و شاهدُ زورٍ.1

  • و يروي المرحوم الصدوق في كتاب «معاني الأخبار» عن محمّد بن القاسم الجرجاني، عن أحمد بن الحسن الحسيني، عن الحسن بن عليّ، عن أبيه، عن محمّد بن عليّ، عن أبيه عليهم السلام قال: دخل موسى بن جعفر عليه السلام على رجل قد غرق في سكرات الموت و هو لا يُجيب داعياً، فقالوا له: يا ابن رسول الله وددنا لو عرفنا كيف الموت و كيف حال صاحبنا. فقال: الموت هو المصفّاة يصفّي المؤمنين من ذنوبهم فيكون آخر أ لم يُصيبهم كفّارة آخر وزرٍ بقي عليهم، و يصفي الكافرين من حسناتهم فيكون آخر لذّة أو راحة تلحقهم، و هو آخر ثواب حسنة تكون لهم، و أمّا صاحبكم هذا فقد نُخل من الذّنوب نخلًا، و صُفّي من الآثام تصفيةً، و خلص حتّى نقي كما ينقى الثوب من الوسخ، و صلح لمعاشرتنا أهل البيت في دارنا دار الأبد.2

  • انّ سكرات الموت الشديدة و العسيرة على الكفّار و أهل الجحود و الإنكار، و على أهل الذنوب الكبيرة المتعلّقة بحقوق الناس، هي في الوقت نفسه يسيرة للمؤمنين و أهل اليقين و الورع الذين يحفظون حقوق الآخرين، و لذيذة الى الحدّ الذي يجعل هؤلاء غير راغبين في العودة الى الدنيا، و لو خيّروا بين الذهاب للآخرة أو العودة للدنيا لفضّلوا اللحاق بالعالم الأبدي.

  • قصّة الملاقاة مع ملك الموت و الخمسة الأطهار و الإمام موسى بن جعفر عليهم السلام.

    1. «فروع الكافي»، كتاب الجنائز، باب النوادر، ص 70 من الطبعة الحجريّة؛ و ص 253 من طبعة مطبعة الحيدري.
    2. «معاني الأخبار»، ط الحيدري، ص 289، باب معني الموت.

معرفة المعاد ج۱

216
  • نقل لي أحد أقاربنا الأجلّاء من أهل العلم، و كان يسكن في سامرّاء، ثمّ في الكاظمين، و يقطن حاليّاً في طهران، فقال: ابتليتُ بمرض الحصبة الشديد أيّام كنتُ في سامرّاء، فعالجوني هناك مدّة بلا جدوى. ثم اصطحبتني والدتي و اخوتي من سامرّاء الى الكاظمين للمعالجة، فاستأجروا غرفة في إحدى الفنادق القريبة من الصحن المطهّر و شرعوا بمعالجتي هناك، بيد انّ ذلك لم يؤثّر شيئاً، و كانت حالتي تزداد سوءاً حتّى غبتُ عن الوعي. ثمّ انّهم- و قد يئسوا من معالجة أطبّاء الكاظمين- ذهبوا يوماً الى بغداد فجاءوا بطبيب مخالف الى الكاظمين ليقوم بمعالجتي.

  • جاء الطبيب و اقترب من فراشي و أراد الشروع بالمعاينة و الفحص، فأحسست على الفور بثقل جعلني أفتح عيني بلا اختيار، فرأيت انّ هناك خنزيراً واقفاً عند رأسي، و لم أتمالك نفسي فبصقت في وجهه.

  • صاح: ما ذا تفعل، ما ذا تفعل؟ أنا دكتور، أنا دكتور!

  • فأشحتُ بوجهي الى الحائط، و شرع الدكتور بالمعاينة، ثمّ أصدر تعليماته و كتب وصفةً بالدواء.

  • و هكذا فقد جلبوا الدواء الذي وصفه، و عملوا بتعاليمه بحذافيرها، الّا انّها لم تنفع شيئاً، و كنتُ ألفظ أنفاسي الأخيرة.

  • ثمّ رأيتُ انّ عزرائيل قد دخل بملابس بيضاء، و كان جميل و سيم الطلعة هاشّاً باشًّا. ثمّ قدم الخمسة الأطهار: الرسول الاكرم و أمير المؤمنين و فاطمة الزهراء و الامام الحسن و الامام الحسين عليهم السلام بالترتيب و جلسوا جميعاً يطيّبون خاطري، فانشغلتُ بالتحدّث اليهم، و شُغلوا هُم أيضاً بالتحدّث مع بعضهم البعض.

  • و في هذه الحال التي كنتُ فيها مُغمى عليّ ظاهراً، شاهدت أمّي مضطربة هلعة و قد صعدتْ درجات السلّم الى سطح الفندق و توجّهت الي

معرفة المعاد ج۱

217
  • القبّة المطهّرة للإمام موسى بن جعفر عليه السلام و قالت:

  • يا موسى بن جعفر! لقد جئتُ بولدي الى هنا من أجلك، أ فترضى أن أدفنُه هنا و أعود لوحدي؟! حاشا و كلّا، حاشا و كلّا.

  • (و بالطبع فقد شاهد هذا المريض هذه المناظر ببصيرته و عينه الملكوتيّة لا بعيني رأسه، فقد كانت عيناه مغمضتين و بدنه على مشارف الرحيل).

  • و عند ما كانت والدتي منهمكة في مخاطبة الامام موسى بن جعفر و التضرّع اليه، شاهدتُه عليه السلام و قد جاء الى غرفتنا فقال لرسول الله: أرجو أن توافقوا على رجاء أمّ هذا السيّد!

  • فالتفت رسول الله صلّى الله عليه و آله الى عزرائيل و قال: فلتذهب الى الوقت الذي عيّنه الله تعالى، فلقد أمّد الله عمره بتوسّل والدته، و نحن أيضاً نذهب الى وقت آخر إن شاء الله تعالى.

  • ثمّ هبطتْ والدتي السلّم، و جلستُ أنا في غاية العصبيّة من فعلها، و كنتُ أقول لها: لما ذا فعلتِ ذلك؟ لقد كنتُ على و شك الذهاب مع أمير المؤمنين و مع النبيّ و مع فاطمة الزهراء و الحسنين عليهم السلام فجئتِ و منعتني و لم تتركيني أذهب معهم!

  • قصّة ملاقاة زوجة أحد أعاظم النجف، مع أمير المؤمنين في سكرات الموت.

  • قصّة أحد أعاظم النجف و ملاقاة زوجته مع أمير المؤمنين في حال سكرات الموت:

  • نقل لي أحد مفاخرنا الأعزّاء و من أعاظم اهل العلم في النجف الأشرف حاليّاً و من الرجال الأجلّاء المحترمين فقال: لقد اخترت زوجة في النجف الاشرف ثمّ سافرنا في فصل الصيف الى ايران لزيارة الأرحام و الأقارب، فزرنا ثامن الأئمة عليه السلام، و عرّجنا من هناك إلى مدينتي

معرفة المعاد ج۱

218
  • التي كنت أقطن فيها، و هي بالقرب من مدينة مشهد.

  • و صادف انّ جوّ تلك المنطقة و ماءها لم يناسب مزاج زوجتي فسقطت مريضة، و صارت حالها تسوء يوماً بعد يوم، و لم تنفع معها المعالجات التي عملناها لها، حتّى أشرفت على الموت. و كنت واقفاً عند جسدها مضطرباً أرى زوجتي تلفظ أنفاسها في تلك اللحظات، و أرى أنّ على العودة الى النجف وحيداً خجلًا أمام والدها و والدتها اللذين سيقولان: لقد أخذ فتاتنا العروس فدفنها هناك و عاد.

  • كان الاضطراب و القلق العجيب يلفّ كياني، فهرعتُ فوراً الى الغرفة المجاورة فصلّيت ركعتين و توسّلت بإمام الزمان عجّل الله تعالى فرجه الشريف و قلت: يا وليّ الله! اشفِ زوجتي. يا وليّ مصدر الفعل الالهيّ، انّ هذا الأمر بيدك و في استطاعتك!

  • توسّلت الى الامام في ضراعة و التجاء، ثمّ عدت الى الغرفة فشاهدتُ زوجتي جالسة تجهش بالبكاء، فصاحت حالما رأتني: لما ذا منعتني؟ لما ذا منعتني؟ لما ذا لم تدعني؟

  • لم أفهم ما تقول، و تصوّرت ان كلامها عاديّ، و انّ حالها وخيمة، ثمّ سقيتها ماءً و أطعمتُها شيئاً من الغذاء، فشرحت لي قضيّتها و قالت: لقد جاء عزرائيل لقبض روحي، و كان يرتدي ملابس بيضاء، وسيماً متجمّلًا و مزيّناً، فابتسم في وجهي و قال: أ حاضرةٌ أنتِ للمجيء؟ قلتُ: بلى.

  • ثمّ جاء أمير المؤمنين عليه السلام فلاطفني كثيراً في رحمة و مودّة، ثمّ قال: أريد الذهاب الى النجف، أ ترغبين أن نذهب معاً الى النجف؟

  • قلتُ: بلى، أحبّ كثيراً أن آتي معكم الى النجف.

  • ثمّ نهضتُ فارتديت ملابسي و تهيّأت للذهاب مع الإمام إلى

معرفة المعاد ج۱

219
  • النجف الأشرف، و حالما أردت الخروج معه من الغرفة شاهدتُ إمام الزمان عليه السلام و قد جاء و أنت متعلّق بأذياله، فقال لأمير المؤمنين: لقد توسّل هذا العبد بنا، فاقضوا له حاجته!

  • فأطرق أمير المؤمنين عليه السلام برأسه، ثمّ قال لعزرائيل: اذهب الى الوقت المعيّن حسب طلب المؤمن المتوسّل بولدنا. ثمّ ودّعني أمير المؤمنين و خرج. فلِمَ لَمْ تدعني أذهب؟

  • انّ هذه من الحقائق، و ناقل هذه القضيّة و زوجته- و هي من الصالحات- كلاهما على قيد الحياة.

  • لقد ورد في كثير من الروايات أن أمير المؤمنين يحضر عند جسد المحتضر

  • لقد ورد في كثير من الروايات انّ أمير المؤمنين عليه السلام يحضر عند جسد المحتضر في سكرات الموت، فإن كان مؤمناً متمسّكاً بالولاية اصطحبه معه الى الجنّة.

  • اى كه گفتى فَمَنْ يَمُتْ يَرَني***جان فداى كلام دلجويت

  • كاش روزى هزار مرتبه من***مردمى تا ببينمى رويت 1

  • انّ أمير المؤمنين يتّصل بالانسان من خلال عين الانسان الملكوتيّة، و أذنه الملكوتيّة، و قلبه الملكوتي، فيأخذه معه الى الملأ الأعلى.

  • ما أكرم و اجمل هذا اللقاء و الزيارة للمؤمن! و ما أبعثه على السعادة حقّاً!!

    1. يقول الشاعر:
      يا مَنْ قالَ مَنْ يَمُتْ يَرَني--فديتُ بروحي كلامَك الحبيب
      ليتني ألف مرّة مُتُّ كلّ يومٍ--عسى محياك يطلع لي من قريب
      --

معرفة المعاد ج۱

220
  • شب رحلت هم از بستر روم تا قصر حورالعين***اگر در وقت جان دادن تو باشى شمع بالينم

  • صباح الخير زد بلبل كجائى ساقيا برخيز***كه در سر ميكند غوغا خيال خواب دوشينم

  • گر غيرى بجاى من گزيند دوست حاكم اوست***حرامم باد اگر من جان بجاى دوست بگزينم

  • ز تاب آتش دورى شدم غرق عرق چون گل***بيار اى باد شبگيرى نسيمى زان عرقچينم 1

    1. يقول:
      لو شهدْتني أوانَ احتضاري--و أنرتَ كالشمع ليلي فصار نهاري
      لسافرتُ لا شكّ ليلة موتي--و يمّمتُ قصرَ الحور في أسفاري
      شدي العندليب بأنغامِ صباحِ ال--خير- فقمْ يا أيّها الساقي
      فحلم الأمس قد طوّف في رأ--سي خيالاتٍ بلا راقِ
      إنّ باعنِي الحبيبُ يوماً و اشتري غيري--فلستُ مخالفاً أمراً يمضّيهِ
      و لكنّ اختيار سواه من قلبي--حرامٌ لا أقارفهُ، و ذنبٌ لا أُوافيهِ
      اصطليتُ بنار هجرك كالورد--فتصببتُ عطرا
      فهاتِ من قلنسوة الخلِّ يا صَبا--نسائمَ حُلوةً تَترى
      --

معرفة المعاد ج۱

221
  • بلى، لقد حضرت الأرواح الطيّبة عند بدن أمير المؤمنين نفسه عند موته فدعوه الى الرحيل.

  • كتب المرحوم المجلسي (رضوان الله عليه) يقول، نقلًا عن بعض الكتب القديمة، ضمن رواية طويلة في بيان شهادة الإمام:

  • ثُمَّ اغْمِي عَلَيْهِ سَاعَةً وَ أفَاقَ وَ قَالَ: هذَا رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه و آله و سلّم وَ عَمِّي حَمْزَةٌ وَ أخِي جَعْفَرٌ وَ أصْحَابُ رَسُولِ اللهِ وَ كُلُّهُمْ يَقُولُونَ: عَجِّلْ قُدُومَكَ عَلَيْنَا فَإنَّا إلَيْكَ مُشْتَاقُونَ. ثُمَّ أدَارَ عَيْنَيْهِ في أهْلِ بَيْتِهِ كُلّهِمْ وَ قَالَ: أسْتَوْدِعُكُمُ اللهَ جَمِيعاً سَدَّدَكُمُ اللهُ جَمِيعاً حَفَظَكُمُ اللهُ جَمِيعاً خَلِيفَتِي عَلَيْكُمُ اللهِ وَ كَفَى بِاللهِ خَلِيفَةً. ثُمَّ قَالَ: وَ عَلَيْكُمُ السَّلَامُ يَا رُسُل رَبِّي، ثُمَّ قَالَ: لِمِثْلِ هذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَاملُونَ إنّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَ الَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ. وَ عَرَقَ جَبِينُهُ وَ هُوَ يَذْكُرُ اللهَ كَثِيراً، وَ مَا زَالَ يَذْكُرُ اللهَ كَثِيراً وَ يَتَشَهَّدُ الشَّهَادَتَيْنِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَ غَمَّضَ عَيْنَيْهِ وَ مَدَّ رِجْلَيْهِ وَ يَدَيْهِ وَ قَالَ: أشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَ أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ، ثُمَّ قَضَى نَحْبَهُ.1

    1. بحار الانوار، الطبعة الكمباني، المجلّد التاسع، ص 674.