معرفة المعاد ج6

معرفة المعاد ج6 مشاهدة المتن

المؤلّف العلامة آیة الله السيد محمد الحسين الحسيني الطهراني

القسم العقائد

المجموعة معرفة المعاد

المجلد6


الخلاصة

تشمل 75 مجلساً في كيفية سير الإنسان وحركته في الدنيا وعالم الغرور، وكيفية تبدل نشأة الغرور إلى عالم الحقائق والواقعيّات وارتحال الإنسان إلى الله وغاية الغايات. وتقع هذه المجموعة في عشر مجلّدات طبعت بأجمعها بالفارسيّة؛ وقد جرى فيها على نحوٍ وافٍ ومستفيض طرح مباحث من قبيل: عالم الصورة والبرزخ وكيفيّة ارتباط الأرواح هناك مع هذه العوالم، كيفيّة خلقة الملائكة ووظائفهم، النفخ في الصور وموت جميع الموجودات ثم إحياؤها وقيام الإنسان في ساحة الحضرة الأحديّة، عالم الحشر والنشر والحساب والكتاب والجزاء والعرض والسؤال والميزان والصراط والشفاعة والأعراف والجنة والنار؛ وذلك بالاستفادة من الآيات القرآنية وأخبار المعصومين ومن الأدلّة العقليّة والفلسفيّة والمطالب الذوقيّة والعرفانية.
/۲۱۰
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

معرفة المعاد ج٦

1

معرفة المعاد ج٦

2
  •  

  •  

  • المَجْلِسُ الخَامِسُ وَ الثَّلَاثُونَ: الْمَعَادُ حَتْمِيٌ، وَ الْبَعْثُ بِوَاسِطَةِ اسْمِ (المُحْيِي)

  •  

  •  

معرفة المعاد ج٦

4
  •  

  •  

  • بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

  • الحمد للَّه ربّ العالمين و لا حول و لا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم

  • و صلَّى الله على محمّد و آله الطاهرين

  • و لعنة الله على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين

  •  

  •  

  • ساعة القيامة لا يمكن أن تكون مشخصّة

  • قال الله الحكيم في كتابه الكريم:

  • وَ يَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ، قُلْ لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَ لا تَسْتَقْدِمُونَ.1

  • لقد كانوا يلحّون بالسؤال: متى تقوم القيامة؟ و هو سؤال خاطئ و كلامٌ لا معنى له، لأنّ الذين يتوفّون في هذه الدنيا يردون عالم البرزخ بمجرّد موتهم، فقيامتهم الصغرى هي ورودهم إلى البرزخ. ثمّ إنّهم يمكثون في البرزخ حتّى تقوم القيامة الكبرى، فيموتون آنذاك من البرزخ و يُبعثون في القيامة الكبرى. و هكذا فإنّ جميع الذين ماتوا و ارتحلوا إلى البرزخ، الواحد تلو الآخر، سينتقلون من البرزخ إلى عالم الحشر و القيامة الكبرى.

  • فإن كان الموت هو المعنيّ بهذا السؤال (متى هذا الوعد) فإنّه سيكون سؤالًا فارغاً لا معنى له، إذ إنّ جميع البشر يموتون و يرحلون عن الدنيا في ساعة معيّنة، و سواءً كانت تلك الساعة مشخّصة للإنسان أم لم تكن، فما علاقة ذلك بأصل المطلب؟! و ما الفائدة في هذا التشكيك؟ و إن كانت

    1. الآيتان 29 و 30، من السورة 34: سبأ.

معرفة المعاد ج٦

5
  • القيامة هي المراد بوعد الله، فهي أساساً غير مشخّصة و ليست قابلة للتعيين و التحديد بلحاظ عرض الزمان.

  • افرضوا- على فرض المحال- أنّ النبيّ! الأكرم يجيب على هذا السؤال: ستقوم القيامة الكبرى بعد أربعين ألفاً و خمس و ثلاثين سنة و ثلاثة أشهر و أربعة أيّام؛ أ فكنتم ستقتنعون بذلك؟ أم كنتم ستقولون:

  • و هذا أيضاً أحد الأكاذيب التي يقولها، إذ إنّ أحداً لن يمكنه طيّ هذه الفترة الزمنيّة المديدة خلال عمره المحدود، لذا فإنّ كذبه لن يفتضح و سيكون مفيداً و ناجعاً للبسطاء و العوامّ السذّج.

  • و هكذا سيُنكِر مَن هو في صدد الإنكار الأمُور البديهيّة، و يكذّب المعجزات و يعزوها إلى السحر. أ فيقبل امرؤ كهذا إخبار رسول الله بهذه المدّة الطويلة للقيامة؟ أبداً.

  • و علاوة على هذا، فإنّ قيام القيامة هو العبور من البرزخ إلى عالم القيامة الكبرى، و ليس ذلك زمناً.

  • إنّ كلّ مَن يرحل عن هذا العالم يمتلك سيراً طوليّاً صوب الله تعالى، أي أنّه سيحصل على تجرّد من المادّة فيرد عالم البرزخ و الصورة- عالم البرزخ و المثال هو عالم الصورة- و حين تحين القيامة الكبرى فإنّه سيموت مرّة اخرى فيعبر من البرزخ و الصورة إلى عالم مجرّد عن الصورة، و هو عالم النَّفس. و ليس معنى التدرّج و الزمان على هيئة الزمان المعهود لدنيا، بل إنّ التدرّج له معنى آخر هناك.

  • قدرة الله تعالى على حدٍّ سواء لآحاد الخلقة

  • و على كلّ تقدير، فإنّ الله سبحانه قد أوضح لنا بشواهد و أمثلة أنّ القيامة أمر حتميّ، و أنّ إحياء الموتى ليس أمراً عسيراً، بل هو سهلٌ يسير، و إنّما يُحتسب يُسر العمل و عُسره بالنسبة إلى الموجودات التي تمتلك قدرة محدودة. فإن كان العمل الذي ننتظره منها ممكناً لها، و إن كان

معرفة المعاد ج٦

6
  • ضمن تحمّلها و قدرتها و وسعها، كان ذلك العمل سهلًا لها يسيراً، أمّا لو خرج من دائرة قدرتها، صار صعباً عسيراً.

  • و حين يمكن للإنسان أن يحمل خمسين كيلو غراماً مثلًا، فإنّنا نقول إنّ هذا العمل يسير لديه؛ لكنّه حين ينوء بثقل مائة كيلو غرام، فإنّنا سنقول إنّه أمر عسير عليه و فوق قدرته و طاقته.

  • و أسطوانات هذا المسجد- مثلًا- يمكنها تحمّل ثقل ثلاثين طنّاً، و هو وزن ضمن حدود قدرتها و تحمّلها، بَيَد أنّها ستعجز عن تحمّل ثقل ثلاثين ألف طنّ. فإن حمّلناها ثقلًا بهذا الوزن، فإنّ من المسلّم أنّها ستنهار و تتداعى، و سيُقال حينئذٍ لمثل هذا الوزن إنّه يفوق قدرتها و يتخطّى حدود تحمّلها.

  • و عليه فإنّ تخطّي مدى القدرة أو الكون ضمن حدودها، إنّما هو بالنسبة للموجودات التي تمتلك قدرة مشخّصة محدودة. أمّا بالنسبة إلى الله سُبحانه ذي القدرة اللامتناهية الخارجة عن الحدّ و الحدود، القدرة التي لا تُقاس مُدّةً و عدّةً و شدّةً و كثرةً، فليس هناك من معنى للسهل و العسير إنّ قدرات غير الحقّ جلّ و علا متفاوتة بلحاظ الجهات الماديّة أو الملكوتيّة، الظاهريّة و الباطنيّة؛ يصدق عليها جيّداً القياس و المقارنة و الترتّب في درجات معيّنة، كما يصدق عليها عنوان السهولة و الصعوبة. أمّا قدرة الحقّ تعالى فغير متناهية، أي أنّ جميع القدرات التي تُفترض مندكّة في قدرته.

  • فكيف يمكن- و الحال هذه- تصوّر السهولة و الصعوبة؟ ما الذي تعنيه الصعوبة؟ و ما الذي تعنيه السهولة؟ و ما الذي يعنيه الأسهل؟ و ما الذي يعنيه الأصعب؟

  • ليس هناك أبداً من سبيل لهذه المفاهيم، فهي مفاهيم إذا ما أرادت التحقّق و إيجاد مصداقها في الذات القدسيّة للباري تعالى شأنه العزيز، فإنّها

معرفة المعاد ج٦

7
  • ستواجه نفير الطرد و الإبعاد و المنع.

  • و على ذلك، فإن أراد الله تعالى أن يخلق بعوضةً لا وزن لها، أو أن يخلق فيلًا و الذي هو أثقل الحيوانات البرّيّة، فإنّه يُعمل قدرته بدرجة واحدة، أي أنّ مشيئته و إرادته هي نفس إيجاده.

  • كم سيُعمل الله قدرته حين يوجِد جبل «همالايا» أكثر من إعماله لها حين يوجِد ذرّة تراب واحدة؟ الجواب: لا شيء.

  • إنّ نزول قطرة مطر واحدة من السماء، و إيجاد محيط كبير ذي أمواج متلاطمة هادرة يحصلان كلاهما بيد الله تعالى، فهو يوجدهما و يحرّ كهما على منوال واحد و اسلوب واحد. كما أنّ جميع الموجودات، الصغير منها و الكبير، المادّيّ منها و المعنويّ، الملكيّ و الملكوتيّ سواسية بالنسبة إلى قدرته كأسنان المشط، كما أنّها سواسية كذلك بالنسبة إلى علمه و حياته.

  • و هكذا فإن إحياء الموتى بالنسبة إلى الله كإبتداء خلقهم، ليس هناك أبداً من صعوبة أو سهولة، و لا عُسر و حرج، و لا يُسر و لا معاناة، و لا من ثقل و خفّة، و لا من إمكان و استحالة. كلّ ما هناك إرادة واحدة فقط: إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.1

  • لذا فقد ورد الخطاب إلى النبيّ في بعض الآيات بأن يقول لهم: لما ذا تشكّكون في القيامة؟ لقد خلقكم الله من عدمٍ محض، ثمّ إذا شاء أعاد خلقكم من جديد.

  • وَ هُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ.2

  • إنّنا نرى في أفهامنا و إدراكاتنا، بحسب الانس الذهنيّ، أنّ إيجاد

    1. الآية 82، من السورة 36: يس.
    2. مقطع من الآية 27، من السورة 30: الروم.

معرفة المعاد ج٦

8
  • شيءٍ ما من موجودات متفرّقة، أسهل من إيجاد ذلك الشيء من العدم المحض. فانظروا في خلق الإنسان و تصرّم العمر؛ أ كان الإنسان شيئاً في الحقيقة؟ أبداً. فلقد خلق الله الإنسان فطوى مراتب معيّنة، حتّى صيّره إنساناً فوهبه عيناً و اذناً و قلباً و فكراً و إحساسات و تعقلًا. و هو أمر يبدو في نظر الإنسان أعسر بكثير من إماتة الإنسان، ثمّ جمع ذرّاته- مهما تفرّقت و تبدّدت في العالم- و إحيائه من جديد.

  • ذلك لأنّ الإنسان مهما كان مفرّقاً مبدّداً، إلّا أنّ هناك شيئاً موجوداً منه في نهاية الأمر؛ و جَمْعُ الأشياء المتفرّقة أسهل من أصل الخلقة حيث أوجده الله دونما شيء مُسبق، بل من العدم المحض الصرف. و لقد جاء التعبير بالهيّن في الآية الشريفة تبعاً لإدراكاتنا و مشاعرنا، من أجل تقريب ذهننا لهذا الأمر، و لإزالة عجب الإنسان ليصبح تصديق الأمر سهلًا لديه.

  • بعث الاموات ليس بأعجب من استيقاظ أصحاب الكهف

  • إنّ عليكم أن تعجبوا من خلقكم و صعوبته، أمّا إحياء الموتى فليس أمراً عسيراً. بَيدَ أنّ حقيقة الأمر، ليس بينهما من تفاوت أبداً. ثمّ إنّه تعالى يضرب لنا مثلًا بأصحاب الكهف، و ذلك للاعتبار بهم و لإجراء الحكم المشابه بينهم و بين سائر الناس:

  • وَ كَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَ أَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها.1

  • و لقد كانت قصّة عجيبة حقّاً، مع أنّها في نظر الله و في حقيقة الأمر و في نظر حكم الأمثال و المشابهات غير عجيبة أصلًا.

  • فلقد نام أصحاب الكهف و كلبهم (و مجموعهم ثمانية نفر) ثلاثمائة و تسع سنين ثمّ استيقظوا، ثمّ جاء أحدهم إلى المدينة ليشتري طعاماً،

    1. النصف الأوّل من الآية 21، من السورة 18: الكهف.

معرفة المعاد ج٦

9
  • و لم يكن ليعلم بما جرى، فشاهد أنّ العالم قد تغيّر و تبدّل، و أنّ المدينة صارت مدينة اخرى بأبنيةٍ مختلفة، و لاحظ أن لا وجود لأفراد تلك المدينة الاولى، فعجب و تساءل: لقد نمنا ساعتين أو ثلاثاً، فلما ذا تبدّل العالم! و لم يكن ليدرك أن ثلاثمائة سنة شمسيّة قد مرّت عليهم و هم رقود، أي ثلاثة قرون شمسيّة، و هو يعني تصرّم ستّة أو سبعة أو ثمانية أجيال.

  • فتأمّلوا: لو حصل أن ذهبتم إلى المنزل ظهراً فرقدتم ساعة بعد تناولكم الطعام كعادتكم، فطال نومكم ثلاثمائة سنة، ثمّ نهضتم من نومكم بعد هذه المدّة في يومٍ مشابه للذي نمتم فيه و في ساعة تتقدّم على التي رقدتم فيها بساعة واحدة. فما الذي كنتم ستشاهدونه؟ أين ستكون زوجتكم؟ و أين سيكون أولادكم؟ لا يوجد أحد من أعمامكم و أبناء أعمامكم، و لا من أبويكم، و لا من سائر أرحامكم و معارفكم. و سيكون أفراد آخرون بدلًا منهم قد ملئوا بيوت المدينة. و مهما تكلّمتم معهم و ذكّرتموهم لم يفهموا شيئاً، ثمّ إنّ النقود و العملة صارت عملة اخرى.

  • و هذه الامور جميعاً في حالة أنّهم لم يدفنوكم تحت الأرض؛ إذ حين ينقضي زمن بسيط على موعد استيقاظ المرء دون أن يستيقظ- في حالة انعدام حسّ الإنسان و حركته و نبض قلبه- فإنّ عائلته سيتصوّرون أنّه قد مات، فيأخذونه إلى المغتسل فيغسّلونه و يكفّنونه و يدفنونه.

  • أمّا لو كان له حسّ و حركة، و كان قلبه ينبض في وهن، و باعتبار أنّه لا يجيبهم و لا يستيقظ من نومه، فإنّهم سيتصوّرون أنّه مريض، فيصبّون في فمه السوائل بأمر الطبيب و يضعون له الحقنة حتّى يموت.

  • و لو جرى ذلك في أيّامنا هذه، لنقلوه فوراً إلى المستشفى فغرزوا في بدنه حُقَن الدواء، و لداووا به من هذه الغرفة إلى تلك لالتقاط الصور الشعاعيّة و للقيام بالتحاليل الطبّيّة، و لربّما أجروا له عمليّة جراحيّة أو

معرفة المعاد ج٦

10
  • عمليّتين حتّى يقتلون ذلك المسكين حيّاً.

  • و من ثمّ فلو حصل- مثلًا- لبعض أولياء الله أن صارت له حالة خلع في هذه الأيّام، و لم يكن مرافقوه يعلمون بذلك، فما أحراهم أن يظنّونه قد أسلم الروح، فيأخذونه إلى المقبرة و يدفنونه.

  • و على هذا الأساس، و لأجل صون اولئك الفتية أصحاب الكهف، فقد أخرجهم الله من المدينة و أنامهم في كهف بحيث لا يطّلع على أحوالهم أحد، و إلّا لقتلهم أصدقاؤهم فضلًا عن أعدائهم. تماماً كالأفراد الذين يتّهمهم الناس هذه الأيّام، فإنّهم لو كانوا أحراراً طليقين لتعرّض لهم الناس بسوء، فتقوم الدولة و الحكومة بنقلهم إلى مكان آخر- و لو كان ذلك المكان سجناً- ليبقوا في حرز و مأمن من أيدي الناس. و هكذا فقد كان الكهف محلًّا خاليا هادئاً لاستراحة اولئكم دونما إزعاج.

  • فانظروا لو صادف أن حصلت لكم قصّة أصحاب الكهف و قصّة ذلك الذي جاء إلى المدينة لشراء الطعام، فأدركتم بعمق و لمستم أنّكم كنتم طيلة هذه المدّة المديدة في نوم عميق. فكم كان ذلك سيبدو لكم عجيباً مدهشاً بحيث إنّ قصّة الموت و الإحياء لن تفوقه في العجب و الغرابة، إذ ما الفرق بين النوم و الاستيقاظ بعد ثلاثمائة سنة، و بين الموت و البعث من جديد بعد ثلاثمائة سنة؟ أ وَ ليس النوم موتاً؟ و لقد فعلنا ذلك ليطّلع الناس على الوعد الحقّ الذي قطعه الله ليوم الجزاء.

  • لقد سيطر بختنصّر (نبوخذ نصّر) على اليهود فقتلهم عن آخرهم، و جاء في التأريخ أنّ الناس كانوا قد خرجوا من بيوتهم و أماكنهم، فأدركهم جيش بختنصّر (نبوخذ نصّر) في العراء فضرب رقابهم جميعاً، حيث قتل من اليهود سبعين ألف نفراً، و هذه القصّة مدوّنة في التواريخ. و كان عزير النبيّ قد فرّ من يده فتوارى في عين ماء و غاب عن الأنظار إلّا أنّه

معرفة المعاد ج٦

11
  • لم يمت، فقد حفظه الله تعالى.

  • ثمّ إنّ النبيّ إرْميا مرّ على تلك الصحراء بعد سنوات متمادية، و كانت أجساد اليهود قد تلاشت و لم يبقَ منها في تلك الصحراء إلّا العظام الملقاة، فشاهد عجباً، صحراء تملؤها عظام مبدّدة مشتّتة متداخلة، فحار في ذلك؛ قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها.1

  • إحياء الطيور المذبوحة على يد النبي إبراهيم الخليل عليه السلام

  • فأماته اللهُ و حماره معه، ثمّ أحياهما بعد مائة عام، فشاهد إرميا بامّ عينيه كيف أنّه و حماره كانا يرتديان لباس المادّة، و كيف أنّ الأجزاء المشتّتة كانت تجتمع فيكسوها اللحم، فأراه الله بذلك كيفيّة إحياء الموتى.

  • و لقد طلب النبيّ إبراهيم عليه السلام من ربّه أن يعلم الجهة الفاعلة و إعمال القدرة في إحياء الموتى، فقال: كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى.2

  • و هو غير سؤال إرميا، فقد كان سؤال إرميا عن نحو الفعل بينما كان سؤال إبراهيم عن نحو الفاعل. ذلك أنّهم يأخذون المرء أحياناً إلى المختبر فيرونه تلك المطالب التي قرأها، كما يحصل أحياناً أن يقولوا له: اعمل بنفسك و حقّق بيدك عمليّاً المطالب العلميّة و اخلع عليها رداء التحقّق. يقول إبراهيم: ربّ أرني كيف تُحي الموتى.

  • و لقد بحثنا هذا الموضوع في المجلس الخامس و العشرين تحت عنوان التحقّق بوجه الله، و سنقتصر في البحث الآن- لمزيد من الوضوح- على الجهة الفاعليّة لإحياء الموتى.

  • ربّ كيف تُحي الموتى؟ أريد أن أفهم ما هي تلك الجهة الفاعلة فيك التي تُحيي بها الموتى.

    1. مقطع من الآية 259، من السورة 2: البقرة.
    2. مقطع من الآية 260، من السورة 2: البقرة.

معرفة المعاد ج٦

12
  • أ وَ لم تؤمن بهذا الأمر يا إبراهيم؟

  • قال: بلى! أعلم أنّك تحيي الموتى بقدرتك الكاملة و باسم المحيي الذي هو من أسمائك الحُسنى، و لكن ليطمئنّ قلبي.

  • فما الذي كان يعنيه؟ يعني أنّني الآن خلف الستار، فأزحْ هذا الستار جانباً لُاشاهد دونما حجاب.

  • و لقد كان إبراهيم نبيَّاً من الأنبياء اولي العزم أصحاب الشريعة و الكتاب، و قد حاز درجات و مقامات، و طوى مدارج و معارج، و سار في عالم الولاية و وصل إلى الصفات و الأسماء الحسنى، لكنّ جانب الإحياء و اسم المُحيي لم يظهر بَعْدُ في إبراهيم نفسه، فلم يُحيي الموتى بنفسه، و لم يكن ليعلم كيفيّة إحياء الموتى من جهة حيثيّتها الفاعلة.

  • ذلك أنّ أولياء الله حين يصلون إلى مقام القرب، فإنّ جميع أسماء الله و صفاته تتجلّى في وجودهم. و قد ورد في القرآن الكريم قول عيسى ابن مريم: وَ أُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ.1

  • ليس الأمر بأن أقف جانبا فأدعوا: ربِّ أحيي الموتى! فيستجيب الله فيُحيي ميّتاً. بل إنّني احيي الموتى بنفسي بحول الله و قوّته. أنا عبدٌ و كلّ حظّ و قوّة فيّ إنّما هو من عند الله، لا حول و لا قوة إلا بالله، لكنّ العمل عملي أنا.

  • افرضوا- مثلًا- أنّني أدعو و أنا جالسٌ هنا: يا إلهي! ليسقط هذا القلم عن هذه الورقة! فيستجيب الله الدعاء و يحصل عمل خارجيّ، كأن تهبّ ريحٌ أو يأتي زيد فيضع هذا القلم على الأرض، و آنذاك فإنّ حركة القلم و سقوطه على الأرض لم يكونا بإرادتي أنا. و قد يحصل أحياناً أن أرفع

    1. مقطع من الآية 49، من السورة 3: آل عمران.

معرفة المعاد ج٦

13
  • القلم بيدي فأضعه على الأرض. فالفعل في الحالين هو فعل الله و قد حصل بحوله و قوّته، و لو لا مشيئته و إذنه لما تحرّك القلم من مكانه إلى ما بعد ألف سنة. أمّا في الحالة الثانية حيث وضعتُ القلم على الأرض بيدي فإنّ الفعل فعلي و منتسب لي.

  • لقد وصل إبراهيم عليه السلام إلى مقامات و طوى مدارج معيّنة، لكنّ اسم المحيي، أي كيفيّة الإحياء و تلك القوّة التي تظهر في أولياء الله في مقام القرب بواسطة تجلّي اسم المُحيي لم تكن قد ظهرت فيه بعدُ. و إجمالًا فإنّ إبراهيم لم يكن قد قام بنفسه بإحياء الموتى. لذا فهو يسأل: كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى؟

  • أي كيف يتجلّى فيك هذا الاسم فتُحيي بواسطته الميّت؟

  • قالَ أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ بهذه الحقيقة يا إبراهيم؟ قال: بلى! آمنتُ، و أعلم أنّك تقوم بهذا العمل باسمك المقدّس، تَقَدَّسَتْ أسْمَاؤُكَ وَ عَلَتْ صِفَاتُكَ، لكنيّ أريد أن أرى كما يرى التلميذ حين يختبر بنفسه في المختبر و يرى رأي العين. فقال له الله: فافعل هذا العمل بنفسك. خذ أربعة من الطير فاجعلهنّ يأنسن إليك، ثمّ اذبحهنّ و اخلط أوصالهنّ و ضَعْ قدراً منهنّ على قمّة كلّ جبل، ثمّ ادعهنّ فسيأتينّك سعياً، و اعلمْ آنذاك أنّ الله عزيزٌ حكيم. فأخذ إبراهيم أربعة طيور، و هي على ما في تفسير عليّ بن إبراهيم القمّيّ: الطاوس، الغراب، الحمامة و الديك؛ فطحنها معاً بحيث تداخلت جميع ذرّاتها، ثمّ وزّع أجزاءها على قمم عشر جبال، فوضع على كلّ جبلٍ منهنّ جزءاً.

  • فلتدعهنّ الآن يا إبراهيم بنفسك! ما ذا يعني ذلك؟ أي ادعهنّ بنفسك الملكوتيّة، فإنّهنّ سيجبنك و يلبّين نداءك.

  • و من هنا، فإبراهيم يُحيي الموتى لأنّه لم يعد إبراهيم، بل حول الله

معرفة المعاد ج٦

14
  • و قوّته، لا غير. و لقد ظهرت إرادة الله و مشيئته من نافذة نفس إبراهيم، و صار لإبراهيم الاسم الأعظم، و ظهر اسم المحيي في وجوده فعلًا.

  • لقد تخطّى إبراهيم نفسه خارجاً، و صار فانياً في اسم الحقّ، فليس هناك من إبراهيم بعدُ، بل هناك الله تعالى لا غير.

  • ثمّ إنّ إبراهيم أمسك مناقير الطيور واحداً بعد آخر فناداها واحداً فواحداً: أيّها الديك! تعالَ. أيّها الغراب! تعالَ. أيّها الطاوس! تعال.

  • أيّتها الحمامة! تعالى.

  • فسبحت1 ذرّات كلّ واحد من هذه الطيور في الهواء من فوق الجبال العشر و جاءت فلصقت بمناقيرها في يد إبراهيم، فنما اللحم فوق عظامها فوراً، و نما الريش و الأجنحة فوق اللحم، فصارت الطيور الأربعة كاملة الخلقة مستوية أمام إبراهيم.

  • و على كلّ حال، فقد كان نداء إبراهيم الملكوتيّ هو الذي أحيا الطيور، و لقد أحيا إبراهيم باسم الله؛ و اسم الله هو أمره و إذنه تعالى.

  • و لقد ورد في الرواية أنّ إبراهيم جاء إلى قمّة جبل أبي قبيس حين بنى الكعبة فأذّنَ في الناس بالحجّ، فأجابه بالتلبية كلّ من سمع نداءه و لو كان في أصلاب الآباء، فوفّق للحجّ مَن أجابه. فمنهم مَن لبّى مرّة واحدة، و منهم مَن لبّى مرّتين فحجّ مرّتين. و هكذا فإنّهم سيوفّقون للحجّ و لزيارة بيت الله الحرام بعدد تلبيتهم. و من الجليّ أنّ نداء إبراهيم هذا كان ملكوتيّاً هو الآخر، و إلّا لما سمعه مَن كان في أصلاب الآباء. كما أن التلبيات كانت ملكوتيّة هي الاخرى. و لقد وفّق إلى الحجّ كلّ مَن لبّى و أجاب. و إلّا فإنّ التلبيات الظاهريّة ليس لها تلازم مع التشرّف بالحجّ.

  • و هكذا فقد اطمأنّ إبراهيم، أي أنّ ذلك الاطمئنان القلبيّ! الذي كان ينشده و يصبو إليه قد حصل له، لأنّه قد فعل ما فعل بيده و إرادته.

    1. سبحت: أسرعت.( المنجد)

معرفة المعاد ج٦

15
  • و لو تحقّق أمرٌ ما في وجود الإنسان، فلمسه الإنسان و شاهده، لانقلب بالطبع من مقام التردّد و الشكّ أو عدم الاطمئنان على أقلّ تقدير، إلى مقام اليقين و الاطمئنان.

  • و لو قلتَ: إنّني لا يمكنني أن أفهم كيف يُضيء هذا المصباح الكهربائيّ!

  • فقلنا: إنّ التيّار الكهربائيّ يجب أن يسير في السلك؛ و الكهرباء، نولّدها بواسطة أمر فيزيائيّ أو كيميائيّ، كالحركة و الاحتكاك أو الفعل و الانفعال، أي أنّنا نوجد قطبين كهربائيّين موجباً و سالباً بواسطة مولّد أو بطّاريّة، بحيث يحصل كذا و كذا ... و هكذا نشرح جميع ذلك و نرسم دائرته الكهربائيّة، ثمّ نقول: أ فصدّقتَ الآن؟

  • معجزات الانبياء تظهر من نفوسهم بإذن الله تعالى

  • و ستجيب: لقد صدّقتُ، و لكن لم يحصل لي اليقين و اطمئنان الخاطر.

  • فنقول: هاتِ بنفسك أيّها السيّد وعاءً فاسكب فيه قدراً من محلول الآمُونِيوم ثمّ ضع فيه قطعتي فحم الغرافيت بعنوان قطبينِ، ثمّ صِل الفحمتين بسلكينِ، و صِلْهما بمصباح، وضع مفتاحاً للوصل في طريقهما، فسترى أنّ المصباح سيتوهّج. و ها أنت تنجز هذه الأعمال بيدك، فترى أنّ المصباح يتوهّج. إنّ جميع معجزات الأنبياء، من إحياء الموتى، و شفاء الكُمْه الذين وُلدوا عُمياناً. و شفاء البرص، و اليد البيضاء، و قلب العصا ثعباناً و شقّ القمر، و غير ذلك، كانت بأجمعها غير خارجة من دائرة إرادتهم و نفوسهم. و لم يكن الأمر بحيث إنّهم يعتبرون أنفسهم منفصلين عن الحول و المشيئة الإلهيّة، ثمّ يدعون: إلهي! شُقَّ القمر! و اقلب هذه العصا ثعباناً! و سلِّط هذا الأسد المنقوش على السِّتار على مهرّج المأمون! فيقوم الله تعالى باستجابة دعائهم خارج مَجلى و مَجرى نفوسهم، بل إنّ

معرفة المعاد ج٦

16
  • المعجزات تتجلّى من جهة نفوسهم. فلقد أشار النبيّ فانشقّ القمر نصفينِ، و تكلّم مع الحصى في كفّه. و لقد جاء أمير المؤمنين إلى المقبرة بناء على طلب شابّ حديث العهد بالإسلام قَدِم من أماكن بعيدة راغباً في الحديث مع أبيه المتوفّى، فأمر أميرُ المؤمنين فانشقّ القبر و خرج منه شيخٌ ينفض التراب عن وجهه و رأسه، فتحدّث مع ابنه عدّة جملات.

  • كما أنّ الشخص ذا النفس الطاهرة و الروح الطيّبة، حين يذهب لعيادة مريض فيرغب في شفائه أشدّ الرغبة، فإنّه يشفى فوراً بتأثير تلك النفس الطاهرة بإذن الله تعالى. و الشخص الذي يحسد الطفل فيمرض الطفل أو يموت، إنّما يفعل ذلك لنفسه الخبيثة الدنسة، حتّى لو كان ذلك الطفل ابنه، فالموت و المرض و سوء الحظّ و أمثالها هي من آثار النفوس الخبيثة. كما أنّ تأثير النفوس في البركة و العافية و الصحّة و طول العمر يحصل بواسطة طهارة تلك النفوس.

  • فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَ أَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ.1

  • إنّ آثار السوء تذهب كالزبد الذي يعلو الماء، و أمّا ما ينفع الناس و يصلهم بالخير و الرحمة فيبقى و يمكث في الأرض. و جميع هذه التأثيرات و التأثّرات التي نشاهدها في العالم متعلّقة بالنفوس، بَيدَ أنّها تحصل بإذن الله تعالى، ذلك لأنّ أيّ موجود لا يرتدي رداء الوجود في ذاته و في فعله و في أثره إلّا بإذن الله سُبحانه.

  • و ليس هذا الإذن إذناً اعتباريّاً كسائر العقود و العهود التي تحصل في عالم الدنيا و الاعتبار. كأن يقول الإنسان: إلَهي اسْتَجَزْتُ مِنْكَ؛ فيجيبه:

  • عَبْدِي أجَزْتُ لَكَ؛ بل هو إذن تكوينيّ و حقيقيّ في النفوس، مِن أثره

    1. مقطع من الآية 17، من السورة 23: الرعد.

معرفة المعاد ج٦

17
  • إمكان تأثير النفوس في المُجاز.

  • إنّ النفس تصل بظرف التكوين و الواقعيّة إلى مرتبة تتجلّى فيها الذات القدسية للحق تعالى. و بهذه الوسيلة تتحق إرادته تعالى في الخارج و ترتدي لباس الوجود. فاذهب و كُن مجرّداً لترى المجرّد و لتعمل المجرّد؛ و هو إشارة إلى تحقّق حالة الانقطاع هذه هي النفوس.

  • نحن الآن جالسون في المسجد بأجمعنا، فنحن نرى كلّ شيء، و نتطلّع إلى جميع الإصدقاء و الإخوة في الدين، لكنّنا لا نرى أنفسنا.

  • أ فنرى طلعتنا يا ترى؟ كلّا.

  • و مع أنّ جميع شرائط الإبصار موجودة، فلدينا أعين، و المصباح مضاء، لكنّنا ننظر فلا نرى أنفسنا. و ننظر إلى هذا المِذْياع فلا نرى أنفسنا؛ و ننظر إلى صفحة الورقة، و إلى البساط، و إلى السقف، فلا نرى أنفسنا. أمّا حين ننظر إلى حجر المرمر المتلألئ هذا فإنّنا نرى أنفسنا.

  • لما ذا؟ لأنّ هذا الحجر قد اكتسب فعليّة تجلّي و عكس الإشعاع بواسطة بروز قابليّته و استعداده، فإن زِيد في صقله قدراً، تبدّل إلى صفحة مرآة نرى فيها أنفسنا بصورة كاملة. و هكذا فإنّ أحد شروط الإبصار و الرؤية قابليّة عكس الشعاع.

  • و لو كان هذا البساط الملقى على الأرض في شرائط معيّنة، فاستطعنا صقله ليتلألأ كالمرآة، لأرانا هذا البساط طلعتنا هو الآخر. و لأرانا إيّاها الكتاب، و المِذْياع أيضاً، و جميع الأشياء التي تُحاذينا و تقابل وجوهنا.

  • إنّ الموجودات التي خلقها الباري تعالى مظهرة لقدرة و عظمة و علم و حياة الحضرة الأبديّة كلًّا بحسب سعة ماهيّته و قابليّته، و على الأخصّ نفس الإنسان التي خلقت بقابليّة أكثر بحيث إذا ما تنوّرت بنور العلم

معرفة المعاد ج٦

18
  • و التقوى و التزكية، و تخطّت غرورها و نظرها إلى نفسها فصارت ترى الحقّ، فإنّها تستطيع بواسطة الصفاء الذي ستكتسبه أن تكون عاكسة للأسماء و الصفات الكلّيّة الإلهيّة، و باعتبارها مصفّاة من الأكدار النفسانيّة، فإنّ الأعمال التي تصدر منها ستكون طاهرة نقيّة مائة في المائة.

  • و من هذا القبيل معجزات الأنبياء و الأئمّة عليهم السلام و كرامات أولياء الله، فهذه المعجزات منتسبة إلى الله تعالى في عين انتسابها و استنادها إلى اولئك الأنبياء. و من ثَمّ فإنّ الفعل له نسبتان، فله- بلحاظ نزوله من جهة منبع الجود و أصل الجود- اختصاص حقيقيّ بالذات القدسيّة للحضرة الأحديّة، أمّا بلحاظ عبوره من هذه الجهة و النافذة النفسانيّة و كونه محدوداً بهذا العدّ و مقيّداً بهذا القيد، فإنّه مستند لصاحب ذلك الفعل كزيد و عمرو و الأنبياء و الأولياء و غيرهم.

  • يقول المرحوم الحكيم السبزواريّ قدّس الله نفسه في استناد أفعال الإنسان إلى الله تعالى، و ذلك في مبحث «عموم قدرته تعالى لكلّ شيء»:

  • 1- وَ الشَّيءُ لَمْ يُوجَدْ مَتَى لَمْ يُوجَدَا وَ بِاخْتِيَارٍ اخْتِيَارٌ مَا بَدَا***2- وَ كَيْفَ فِعْلُنَا إلَيْنَا فُوِّضَا

  • وَ إنَّ ذَا تَفْوِيضُ ذَاتِنَا اقْتَضَي***3- إذْ خُمِّرَتْ طِينَتُنَا بِالمَلَكَة

  • وَ تِلْكَ فِينَا حَصَلَتْ بِالحَرَكَة***4- لَكِنْ كَمَا الوُجُودُ مَنْسُوبٌ لَنَا

    1. «غرر الفرائد» المنظومة السبزواريّة، ص 174، طبعة ناصري.

معرفة المعاد ج٦

19
  • 1- إنّ الأشياء ما لم تكن موجودة، فلن يمكنها أن توجِد أثراً أو فعلًا منها. (و عليه فحين يكون أصل وجود الإنسان و سائر الموجودات غيريّاً و مختصّاً و مرتبطاً بذات الحقّ تعالى، فكيف يمكن أن لا يكون أثرها و فعلها غيريّاً، و أن لا يتعلّق بذات الحضرة القيّوميّة؟) كما أنّ اختيارنا لا يمكن أن يكون مستنداً إلى اختيار الغير.

  • 2- و كيف تكون أفعالنا مفوّضة إلينا؟ أ وَ لم يكون ذلك تفويضاً لذاتنا؟ و هو أمرٌ مسلّم البطلان!

  • 3- ذلك لأنّ طينتنا قد خُمّرت بملكاتنا، و جليّ أنّ ملكاتنا قد ظهرت فينا بواسطة تكرّر الحركات و السكنات، فإن كانت الحركات قد فُوّضت إلينا، فإنّ الملكات- التي هي نتيجة الأفعال- ستكون بالطبع و الملازمة قد فُوّضت إلينا هي الاخرى، و ستكون طينتنا- من ثَمّ- قابلةً للتفويض، و هو أمر خاطئ.

  • 4- فلا يظنّنّ أحد أنّ هذا الأمر مقتضٍ للجبر، لأنّنا في مقام نقض التفويض.

  • و لإيضاح المطلب و بيان حقيقة الأمر نقول إنّ أفعالنا و وجوداتنا تنسب إلينا، و تُنسب في الوقت نفسه إلى الله تعالى. و إنّ الفعل في عين كونه فعلنا، فإنّه كذلك فعل الحيّ القيّوم تعالى.

  • إنّ الإنسان من بين أفراد الموجودات له القابليّة و القوّة لتحقّق الاسم الأعظم للحقّ، لذا فهو يجلّي ظهورات الحقّ تعالى أكثر من باقي الموجودات، و خاصّة الأنبياء العظام و الأئمّة الكرام، و بالأخصّ الوجود المبارك لرسول الله محمّد بن عبد الله صلّى الله عليه و آله، فهو المصداق الأعلى و المرآة الأتمّ و الأكمل لأسماء الله و صفاته الكلّيّة، حقّقها بأجمعها فى نفسه و أوصلها إلى الفعليّة. يقول المرحوم الحكيم السبزواريّ قدّس الله

معرفة المعاد ج٦

20
  • سرّه في هذا الشأن:

  • وَ كَمَا اوتِي جَوَامِعَ الكَلِمِ التَّدْوِينِيّ، كَذلِكَ اوتِيَ لِوُجُودِهِ الذي هُوَ رَحْمَةٌ لِلعَالَمِينَ جَوَامِعَ الكَلِمِ التَّكْوِينِيّ، كَيْفَ لَا.

  • آنكه شد اوّل پديد از جيب غيب***بود نور پاك او بى هيچ ريب

  • بعد از آن آن نور مطلق زد عَلَم***گشت عرش و كرسى و لوح و قلم

  • يك عَلَم از نور پاكش عالم است***يك عَلَم ذرّيّت است و آدم است 1

  • أجل، حين تتجلّى هذه المعاني في الإنسان فإنّه يصبح إنساناً كاملًا، أي أنّ جميع جهات قابليّته ستصل إلى الفعليّة، فتصبح أرجاء مرآة وجوده مَظهراً للّه تعالى.

  • و ما أجمل ما أنشد العارف الجاميّ:

  • تا بود باقى بقاياى وجود***كى شود صاف از كدر جام شهود

  • تا بود پيوند جان و تن بجاى***كى شود مقصود كلّ بُرقع گشاى

  • تا بود قالب غبار جشم جان***كى توان ديدن رخ جانان عيان 2

  • و على كلّ حال فإنّ كيفيّة تجلّي ذات الحقّ ليس مختصّاً بالملائكة و الأنبياء و الأولياء و الإنسان، بل إنّ كلّ موجود يرتدي رداء الوجود أو يُظهر من نفسه أثراً، إنّما يفعل ذلك إثر تجلّي و ظهور ذات الحقّ تعالى في

    1. «غرر الفرائد» للسبزواريّ، حاشية ص 178.
      يقول:« إنّ أوّل ظاهر من جيب الغيب هو بلا شكّ نوره الطاهر.
      ثمّ ظهر بعده ذلك النور المطلق، فصار العرش و الكرسيّ و اللوح و القلم.
      العالم عَلَمٌ من نوره الطاهر، و آدم و ذرّيّته عَلَمٌ آخر».
    2. يقول:« متى يصفو كأس الشهود من الكدر ما دامت ثمالة الوجود باقية.
      و أنّى يُسفر قبلة الكلّ فيضع برقعه جانباً ما دام اتّصال الروح و البدن قائماً؟!
      و ما دام البدنُ غبارَ عين الروح، فمتى سيمكن رؤية طلعة الحبيب عياناً؟».

معرفة المعاد ج٦

21
  • ذلك الموجود.

  • و على سبيل المثال فأنا الآن مشغول في الحديث، و هذا التحدّث هو إذن الله تعالى فيّ، و إلّا لما تحرّ كت شفتي. فما الذي يعنيه الإذن؟ أ هو بمعنى أنّ الله قد قال لي: إنّي اجيزك بالحديث. فأجبتُه بالقبول لفظاً؟ كلّا، ليس هذا معنى الإذن، و إلّا فإنّنا نرى الكثيرين يعملون دون هذا الإذن اللفظيّ، فيجب- إذاً- أن يكون عمل اولئكم دون إذن الله تعالى. مع أنّنا نعلم أنّ ورقة لا تسقط من الشجرة دون إذنه سبحانه.

  • فمعنى الإذن هو أنّ الله قد خلقنا و مَنّ علينا بالإدراكات، و خَلَق أجزاء بدننا و أعضاءنا و جوارحنا، و عيّن قوانا و قابليّاتنا بحيث إنّ هذه الجهات و المعاني يمكنها في شرائط خاصّة أن تدرك المعاني الكلّيّة بإذن الله و تجلّيه و بقوّته و حوله و رحمته، و أن تصبّ تلك المعاني- من ثَمّ- في قالب الألفاظ، فتلقيها بصورة منتظمة مرتّبة. و اللهُ في كلّ حال مهيمن على جميع هذه الامور، تفيض هذه المعاني و هذه الألفاظ من معدن وجوده و علمه على هذا الفكر، فتسري إلى الخارج.

  • هذا هو معنى الإذن، و لو لا ذلك لما كان للشفة قدرة على الحركة و لو انقضى عليها ألف سنة، فهي قد تحرّ كت حين تحركت بإذن الله. فما الذي يعنيه ذلك؟

  • أي أنّه ما لم تحصل جميع الأسباب و الشروط التي قرّرها الله سبحانه و ما لم تتعلّق إرادته تعالى بإيجاد موجود من هذه الأسباب و الشرائط و المقدّمات، لما حصل إذنه سبحانه.

  • افرضوا أنّنا نضع ساعة و نضع لها زجاجة و عجلة مسنّنة و رقّاصاً و عقرباً و لولباً، و نراعي في صنعها جميع الجهات، لكنّ هذه الساعة لا تتحرّك، فلما ذا يا ترى؟ ذلك لأنّ أحد المسامير اللولبيّة لم يثبّت جيّداً

معرفة المعاد ج٦

22
  • بعدُ، و حين يتوفّر ذلك الشرط الأخير فيُحكم برم المسمار اللولبيّ فإنّ الساعة ستبدأ بالعمل.

  • كما أنّ جهاز المذياع لا يعمل و لا ينقل لنا خبراً، و ذلك لخلل فنّي فيه، فهناك سلك مقطوع فيه، و حين يُعاد وصل ذلك السلك، فإنّ جميع الأسباب و الشرائط ستؤثّر من حيث المجموع في ذلك المفعول، فيحصل ذلك القصد و النتيجة.

  • هذا هو إذن الله، أي السُّنة الحتميّة و الناموس الذي وضعه بحيث يظهر الأثر تبعاً له؛ و هذه هي حقيقة تجلّي الله و ظهوره و إذنه. فقد كانت في هذا المذياع بحيث إنّ الأسباب و الشرائط يجب أن تنظّم بحيث تُبدّل الموجة إلى صوت، فيمنحُنا صوتاً مسموعاً من جنس الملفوظ.

  • فهذا الصوت- إذاً- هو صوت الله. و ليس معنى ذلك أنّه قد جاء بصوت الله من مكان آخر فمنحنا إيّاه في الخارج، بل إنّ نفس هذا الصوت هو صوت الله و ظهور الله، و قد ظهر بهذه الوسيلة و بهذه الكيفيّة في هذه الآلة.

  • كيفيّة تجلّي نور الحقّ في الشجرة، و نداء: إِنِّي أَنَا اللهُ

  • لقد كان موسى على نبيّنا و آله و عليه السلام يسير في عمق الصحراء.

  • في ذلك الليل البهيم المدلهم، و في الجوّ البارد القارس، يطلب ناراً لزوجته التي جاءها المخاض و انتابتها آلام الطلق، وحيداً فريداً لا معين له و لا ناصر، بلا طعام و لا دواء، و لا ماء و لا نار، يسير حائراً هنا و هناك، قد انقطعت عنه جميع الأسباب، فحصلت له حالة الاضطرار و الالتجاء الحقيقيّ لذا فقد تجلّى نور الله في الشجرة، فصدر منها نداء: يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ.1

    1. وردت الآيات القرآنيّة في كلام الشجرة ب-« إنّي أنا الله» في ثلاث سور: الاولى: السورة: طه، الآيات 9 إلى 14؛ وَ هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى، إِذْ رَأى ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً، فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى، إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً، وَ أَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى، إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَ أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي.
      الثانية: السورة 27: النمل، الآيات 7 إلى 9:\i إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ ناراً سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ، فَلَمَّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَ مَنْ حَوْلَها وَ سُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.\E
      و الثالثة في السورة 28: القصص، الآيتان 29 و 30:
      فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَ سارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ، فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ.

معرفة المعاد ج٦

23
  • يقول البعض: إنّ الله قد خلق نوراً في تلك الشجرة و أوجد صوتاً:

  • إِنِّي أَنَا اللَّهُ. فما ذا يعني ذلك؟ أ كان ذلك الصوت صورتاً مسموعاً ملفوظاً؟ و أين أوجد؟ إنّ الشجرة لن يتحقّق فيها إِنِّي أَنَا اللَّهُ بمجرّد إيجاد صوت فيها من: إِنِّي أَنَا اللَّهُ. فلمن- يا ترى- يعود الضمير في «إِنِّي»؟

  • و كيف يمكن قبول هذا الكلام؟

  • تقول الشجرة: إِنِّي أَنَا اللَّهُ. و صوت الله يأتي منها لا من شجرة اخرى، قد ستر نفسه خلف الستار و أوجد الكلام في الشجرة مجازاً. لقد كانت هذه الشجرة تجلّي الله. أ فكانت مأمورةً للّه أم لا؟ أ كانت مأذونةً من قبل الله أم لا؟

  • إنّ جميع وجود الشجرة، ظاهرها و سرّها، جذورها و أوراقها، و جميع ذرّات وجودها و قطرات الماء المتحرّك داخلها هو بأجمعه في قبضة الله و في قدرته و علمه، و كان ظهوراً للّه و تجلٍّ له. كما أنّ الله سبحانه حقّاً

معرفة المعاد ج٦

24
  • و حقيقةً أقرب إلى هذه الشجرة من كلّ ذرّة فيها؛ الله أوّلًا ثمّ هذه الشجرة؛ الله مع هذه الشجرة و قبل هذه الشجرة و بعدها. كلّ ذرّة من هذه الشجرة قائمة بالله أوّلًا ثمّ بنفسها، بل قُل إنّها قائمة بالله أوّلًا و بالله آخراً، فهذه الشجرة هي بنفسها آية للّه و مُظهرة له، فهي تُشير: إِنِّي أَنَا اللَّهُ.

  • و ما أجمل قول الحكيم السبزواريّ:

  • شورش عشق تو در هيچ سرى نيست كه***منظر روى تو زيب نظرى نيست كه نيست

  • چشم ما ديدة خفّاش بود ورنه ترا***پرتو حسن به ديوار و درى نيست كه نيست

  • موسئى نيست كه دعويّ أنا الحقّ شنود***ورنه اين زمزمه در هر شجرى نيست كه نيست 1

  • و ما أروع إنشاد العارف الشبستريّ:

  • روا باشد أنا الله از درختى***چرا نبود روا از نيكبختى 2

  • كما استشهد السبزواريّ بهذين البيتينِ:

    1. «لغت نامه دهخدا» مجلّد حرف السين، ص 237.
      يقول:« ليس من رأسٍ إلّا و فيه فتنة عشقك، و ليس من نظرٍ إلّا و طلعتُك زينتُه.
      لقد كانت أعيننا أعين الخفّاش، و إلّا فليس من جدار و لا باب إلّا و شعاع جمالك ساطع عليه.
      ليس هناك من موسى ليسمع نداء أنا الحقّ، و إلّا فليس من شجرة تخلو من هذه الزمزمة و الترنّم!».
    2. «گلشن راز»:
      يقول:« لقد صحّ من الشجرة أن تقول أنا الله، فلِمَ لا يصحّ ذلك ممّن حالفته السعادة؟».

معرفة المعاد ج٦

25
  • غافل از خويش خدا مىطلبى***أي غلط كرده كرا مىطلبى

  • مخزن گنج معانى دل تست***مقصد هر دو جهان حاصل تست 1

  • إنّ هناك في هذا المسجد حاليّاً آلاف الأمواج الصوتيّة قادمة من أطراف الدنيا و أكنافها، إذ إنّ أجهزة البثّ منهمكة في البثّ، لكنّنا لا نسمع أيّاً منها، و علينا أن نجلب جهاز استلام و ننظّم محوّلته مع طول تلك الموجة الخاصّة لتصبح مسموعة، فإن فعلنا ذلك سمعنا و إلّا فلا.

  • و من ثَمّ فإنّنا لا نستطيع القول الآن بعدم وجود صوت في هذا المسجد، فهناك صوت فعلًا إلّا أنّنا لا نسمعه.

  • يقول الشاعر: ليس هناك من موسى ليسمع نداء الحقّ، و إلّا فإنّ هذا النداء موجود في كلّ شجرة، بل في كلّ موجود. فليست في تلك الشجرة خصوصيّة معيّنة، بل هي شجرة كسائر الأشجار؛ و جميع أشجار العالم هي مركز تجلّي الله تعالى و مركز نور الحقّ و ظهوره، و آيات لأسماء الله و صفاته، غاية الأمر أنّ ذلك الذي يسمع يجب أن يكون موسى. و حين يصبح الإنسان موسى فإنّه سيسمع ذلك الصوت، سواء من تلك الشجرة أم من شجرة اخرى.

  • لقد تحقّقت في وجود موسى على نبيّنا و آله و عليه الصلاة و السلام، بسبب الصفاء و الطهارة و التزكية، شرائطُ تحقّق تجلّيات نور التوحيد، فشاهد توحيد الحقّ تعالى.

  • كلّ شيء لا إله إلّا الله؛ و التهليلات الواردة عن أمير المؤمنين عليه السلام

  • فانظروا إلى ما يقوله القرآن و إلى ما يبيّنه رسولنا من منظار الوحي:

    1. «المنظومة» حاشية ص 301؛ طبعة ناصري.
      يقول:« أيّها الغافل عن نفسه أ تطلب الله! لقد أخطأتَ فمن الذي تطلبه؟
      إنّ قلبك خزينة كنوز المعاني، و ثمرتك و حاصلك غاية العالمينِ معاً».

معرفة المعاد ج٦

26
  • هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ الظَّاهِرُ وَ الْباطِنُ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.1

  • فليست تلك الشجرة لوحدها، بل إنّ جميع الأشجار و جميع الأحجار و جميع الأراضي هي بأجمعها لا إله إلّا الله.

  • و ما أجمل تلك التهليلات المرويّة عن أمير المؤمنين عليه السلام، و التي تقرأ في العشرة الاولى من شهر ذي الحجّة الحرام:

  • 1- لَا إلَهَ إلَّا اللهُ عَدَدَ اللَّيَالِي وَ الدُّهُورِ.

  • 2- لَا إلَهَ إلَّا اللهُ عَدَدَ أمْوَاجِ البُحُورِ.

  • 3- لَا إلَهَ إلَّا اللهُ وَ رَحْمَتُهُ خَيْرٌ مِمَّا تَجْمَعُونَ.

  • 4- لَا إلَهَ إلَّا اللهُ عَدَدَ الشَّوْكِ وَ الشَّجَرِ.

  • 5- لَا إلَهَ إلَّا اللهُ عَدَدَ الشَّعْرِ وَ الوَبَرِ.

  • 6- لَا إلَهَ إلَّا اللهُ عَدَدَ الحَجَرِ وَ المَدَرِ.

  • 7- لَا إلَهَ إلَّا اللهُ عَدَدَ لَمْحِ العُيُونِ.

  • 8- لَا إلَهَ إلَّا اللهُ في اللَّيْلِ إذَا عَسْعَسَ وَ الصُّبْحِ إذَا تَنَفَّسَ.

  • 9- لَا إلَهَ إلَّا اللهُ عَدَدَ الرِّيَاحِ في الْبَرَارِي وَ الصُّخُورِ.

  • 10- لَا إلَهَ إلَّا اللهُ مِنَ الْيَوْمِ إلَى يَوْمِ يُنْفَخُ في الصُّورِ.2

  • جميع الموتى صاروا لا إله إلّا الله

  • إنّ كلّ وردة تنمو، و كلّ ذرّة، و كلّ حجر، و كلّ حبّة رمل تذروها الريح في الفضاء هي لا إله إلّا الله و آية لذاته و اسمه و صفته تعالى، غاية

    1. الآية 3، من السورة 57: الحديد.
    2. روى هذه التهليلات عن أمير المؤمنين عليه السلام، السيّد ابن طاووس في« الإقبال» ص 324، بسنده عن أبي جعفر بن بابويه، عن كتاب ابن اشناس و غيره، بأنّها تُقرأ في العشرة الاولى لشهر ذي الحجّة الحرام، و نقل في فضلها ثواباً عجيباً. كما ذكرها المرحوم المجلسيّ في« زاد المعاد» ص 197 و 198، عن الشيخ الطوسيّ و ابن بابويه و السيّد ابن طاووس، و أورد ثواب قراءتها مفصّلًا.

معرفة المعاد ج٦

27
  • الأمر أنّها آية في حدود سعتها و قابليّتها. فجميع العالم- إذاً- هو لا إله إلّا الله، و هو عالم المُلك و الملكوت. كما أنّ أوّل ذكرٍ نقوله هو لا إله إلّا الله؛ نقول عند الإسلام: لا إله إلّا الله، كما نقول عند الموت: لا إله إلّا الله. إلّا أنّ من المؤسف أنّ الإنسان لا يُدرك معنى هذا الذكر، و لا يسعى إلى فهم تفسيره بالتأمّل و العناية، و لا يُجريه على لسانه. أمّا حين يموت فتُحمل جنازته فإنّهم سينادون على جنازته بنداء لا إله إلّا الله.

  • أي: أيّها المسكين! أ فهمتَ الآن أن لا إله إلّا الله؟ أ فهمتَ أنّ ليس غير الله من معبود؟ و أن ليس سواه من مؤثّر؟

  • مهما قيل لك في حياتك: لا إله إلّا الله، فإنّك لم تدرك و لم تفهم و لم تتخطّ الاستكبار و التشخّص خارجاً، و لم تضع قدمك على جادّة العبودية، نزوعاً1 إلى الاستقلال و الربوبيّة! و ها قد صار مسلّماً لك و جليّاً أن لا إله إلّا الله.

  • إنّ من المستحبّ أن يسلّم الإنسان إذا ورد المقبرة، على من؟ على أهل لا إله إلّا الله، على اولئك الذين صاروا من زمرة لا إله إلّا الله و من أهل التوحيد، اولئك الذين أسلموا كلّ ما لديهم عند ظهور جلالة و عظمة الحضرة الأحديّة بقبض الروح، و الذين خرجوا من التفرعن و عبادة الشخصيّة، و أقرّوا و اعترفوا- طوعاً أو كرهاً- بوحدانيّة ذات الحقّ تعالى، فرقدوا في هذه المقبرة سواسية لا تفاوت بينهم، الرجل و المرأة، الشيخ و الشابّ، الصغير و الكبير، العالم و العامّيّ، الغنيّ و الفقير، الرئيس و المرءوس، صاحب الشهرة و الخامل الذكر؛ تصافوا جميعاً فلا خصام و لا حرب، و لا استكبار و لا فخر؛ رقدوا جميعاً في مصاف بعضهم، قد ملأ فضاء المقبرة سكوتٌ مطبق محض له دلالة على لا إله إلّا الله.

  • و قد روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه: إذا وردت المقبرة فقل:

    1. نزوعاً: اشتياقاً إلى الوطن الأصلى.( المنجد).

معرفة المعاد ج٦

28
  • بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، السَّلَامُ عَلَى أهْلِ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ مِنْ أهْلِ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ؛ يَا أهْلَ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ بِحَقِّ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ! كَيْفَ وَجَدْتُمْ قَولَ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ مِنْ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ؟

  • يَا لَا إلَهَ إلَّا اللهُ بَحَقِّ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ! اغْفِرْ لِمَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ، وَ احْشُرْنَا في زُمْرَةِ مَنْ قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللهُ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، عَلِيّ وَلِيّ اللهِ.1

  • يقول شيخ ذو ضمير مُضاء لا يزال على قيد الحياة فعلًا: سنحت لي حال طيّبة حسنة في شهر رمضان، فشاهدتُ في إحدى الليالى نور التوحيد في جميع الموجودات، فقد كان كلّ شيء لا إله إلّا الله؛ ثمّ رأيتُ في تلك الحال قطّة تقفز من جدار إلى آخر، فكانت القطّة لا إله إلّا الله، و كانت قفزتها لا إله إلّا الله.

  • و ما أبدع ما أنشد العارف الربّانيّ الفيض الكاشانيّ:

  • سكينه دل و جان لا إله إلّا الله***نتيجة دو جهان لَا إلَهَ إلَّا الله

  • ز شوق دوست به بانگ بلند مىگويند***همه زمين و زمان لَا إلَهَ إلَّا الله

  • تو گوش باش تا بشنوى ز هر ذرّه***چو آفتاب عيان لَا إلَهَ إلَّا الله 2

    1. أورد المجلسيّ هذا الدعاء في« بحار الأنوار» ج 22، ص 302.
    2. «ديوان فيض» تصحيح پيمان، ص 372.
      يقول:« سكينة القلب و الروح لا إله إلّا الله؛ و ثمرة العالمينِ: لَا إله إلّا الله.
      ينادي الأرض و الزمان جميعاً نداءً عاليا من شوقهما للحبيب أن: لَا إله إلّا الله.
      فكُنْ اذناً صاغيةً لتسمع من كلّ ذرّة عياناً كالشمس: لا إله إلّا الله».

معرفة المعاد ج٦

29
  • به گلستان گذرى كن به برگ گل بنگر***ز رنگ و بوى بخوان لَا إلَهَ إلَّا الله

  • به برّ و بحر گذر كن به خشك و تر بنگر***شنو ز اين و ز آن لَا إلَهَ إلَّا الله

  • بكَن تو پنبة غفلت ز گوش پس بشنو***ز نطق خُرد و كلان لَا إلَهَ إلَّا الله

  • سحر ز هاتف غيبم ندا به گوش آمد***كه أيّها الثقلان لَا إلَهَ إلَّا الله

  • به گفتن دل جان فيض اقتصار مكن***بگو به نطق زبان لَا إلَهَ إلَّا الله 1

    1. يقول:« و إن مررتَ بالبستان فانظر إلى أوراق الورد و اقرأ من لونها و عبيرها: لا إله إلّا الله.
      و اعبر البرّ و البحر، و انظر الرطب و اليابس، و اسمع من ذا و ذاك: لا إله إلّا الله.
      و اترك تغافلك و استمع من نطق الصغير و الكبير: لا إله إلّا الله.
      طرق سمعي نداء هاتف الغيب سَحَراً أن: أيّها الثقلان، لا إله إلّا الله.
      فيا فيض لا تقتصر على نطق القلب و الروح و قل بلسانك: لا إله إلّا الله».
      فيض: اسم الشاعر، و هو الفيض القاسانيّ.

معرفة المعاد ج٦

30
  •  

  •  

  • المَجْلِسُ السَّادِسُ وَ الثَّلَاثُونَ: هُطُولُ أمْطَارِ الْحَيَاةِ لإحَياءِ الْمَوْتَى

  •  

  •  

معرفة المعاد ج٦

32
  •  

  •  

  • بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

  • الحمد للّه ربّ العالمين و لا حول و لا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم

  • و صلَّى الله على محمّد و آله الطاهرين

  • و لعنة الله على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين

  •  

  •  

  • هطول أمطار الحياة أربعين يوماً لحشر الموتى

  • قال الله الحكيم في كتابه الكريم:

  • نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَ ما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ، عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَ نُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ.1

  • يروي الشيخ الصدوق في كتابه «الأمالى» عن أحمد بن زياد الهمدانيّ رحمة الله عليه، قال: حدّثنا عليّ بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن محمّد بن أبي عمير، عن جميل بن درّاج، عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام، قال: إذَا أرَادَ اللهُ أنْ يَبْعَثَ الخَلْقَ أمْطَرَ السَّمَاء عَلَى الأرْضِ أرْبَعِينَ صَبَاحاً فَاجْتَمَعتِ الأوْصَالُ وَ نَبَتَتِ اللُّحُومُ.2

  • و ينقل المجلسيّ هذه الرواية في «بحار الأنوار» عن تفسير عليّ بن إبراهيم، و في تتمّتها يقول الإمام الصادق عليه السلام:

  • أتى جبرائيلُ رسولَ الله صلّى الله عليه و آله فأخذه فأخرجه إلى البقيع فانتهى به إلى قبر فصوّتَ بصاحبه فقال: قُم بإذن الله!

    1. الآيتان 60 و 61، من السورة 56: الواقعة.
    2. «أمالى الصدوق»، ص 107.

معرفة المعاد ج٦

33
  • فخرج منه رجلٌ أبيض الرأس و اللحية يمسح التراب عن وجهه و هو يقول: الحَمْدُ لِلَّهِ وَ اللهُ أكْبَرُ. فقال جبرائيل: عُدْ بإذن الله.

  • ثمّ انتهى به إلى قبر آخر فقال: قُم بإذن اللهِ! فخرج منه رجل مسودّ الوجه و هو يقول: يَا حَسْرَتَاهُ! يَا ثُبُورَاهُ!

  • ثمّ قال له جبرائيل: عُد إلى ما كنت بإذن الله. فقال: يا محمّد! هكذا يُحشرن يوم القيامة، و المؤمنون يقولون هذا القول، و هؤلاء يقولون ما ترى؟1

  • و تشعر بعض آيات القرآن بأنّ الله تعالى حين يريد إحياء الموتى فإنّه يُرسل المطر من السماء فيكتسب الموتى بذلك حياة جديدة:

  • وَ تَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَ رَبَتْ وَ أَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ، ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَ أَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَ أَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَ أَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ.2

  • و بالطبع فليس معنى هذه الآية الشريفة و الحديثينِ السابقينِ أنّ المطر الذي يهطل من السماء فيُبعث الموتى بسببه هو هذا المطر الذي نشاهده، و الذي تخضرّ الأرض بواسطته و تزهو، بل إنّه من باب التمثيل. أي كما أنّ هذا المطر يهطل من السماء فيحيي الأرض التي لو رآها في همودها و ذبولها و برودتها، من لم يسبق له علم بطراوة الأشجار و تساقط الشلّالات و اخضرار البساتين و ينعها، لما صدّق و لما تصوّر أنّها ستحيا من جديد، و أنّ هذه الأشجار القديمة التي بدت كقطع الحطب المقتطع الملقى في

    1. «بحار الأنوار» ج 7، ص 39، الطبعة الحروفيّة.
    2. الآيات 5 إلى 7، من السورة 22: الحجّ.

معرفة المعاد ج٦

34
  • الصحراء، عارية بلا أثر و لا خاصّيّة، ستخضرّ من جديد و تقدّم لأفراد البشر عالماً من البهجة و الأثر و الحركة و الخاصّيّة. لكنّنا نرى أنّ الله يُرسل المطر من السماء فيوجب الحياة و ينفخ روحاً جديدة في شرايين الأرض. فكذلك هناك مطر يسبّب بعث الموتى، هذا في مجاله و ذاك في مجاله.

  • و لقد جعل الخالق العظيم الشأن هذا الأثر في هذا المطر فصار يُحيي الأرض، كما جعل الله رفيع الدرجات ذلك الأثر في ذلك المطر فصار يمنح الحياة للموتى، و حين يصل إلى عظامهم و أعضائهم و أوصالهم المختلطة ببعضها، فإنّه سيُحيها جميعاً فيدفع بها في عالم الحياة الجديدة.

  • هناك في هذا المطر ذلك الاسم للخالق الذي يؤثّر بواسطته في حياة الأرض الميّتة: مُحيي الأرض بعد موتها؛ كما أنّه في ذلك المطر اسماً آخر للّه تعالى تُبعث بواسطته أبدانُ الموتى و أجسادهم المبدّدة المشتّتة فتبدأ حياتها من جديد، و هو اسم: مُحْيِي الأمْوَاتِ بَعْدَ مَوْتِهَا، و بَاعِثُ المَوْتَى بَعْدَ أنْ كَانُوا في القُبُورِ.

  • ذلك المطر نوع من إفاضة الرحمة من جانب الله تعالى، و له تأثير و ميزة نتيجتها جمع ذرّات أجساد الناس و وصل العظام و إكساؤها لحماً، و إحياؤها لتحضر في المحشر. و هذا العمل كمثل خلق سائر الموجودات و نشأة باقي الممكنات، فليس بينهما أيّ اختلاف أو تفاوت، و لا يجب أن يُنظر إليه كعمل عجيب مُدهش.

  • وَ إِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَ إِذا كُنَّا تُراباً أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَ أُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ.1

    1. الآية 5، من السورة 13: الرعد.

معرفة المعاد ج٦

35
  • قال الشيخ الطبرسيّ في تفسير «مجمع البيان» في تفسير هذه الآيات:

  • (وَ إِنْ تَعْجَبْ) يا محمّد من قول هؤلاء الكفّار في إنكارهم البعث مع إقرارهم بابتداء خلق الخلق، فقد وضعت التعجّب موضعه، لأنّ هذا قولٌ عجب و معناه عجب للمخلوقين، فإنّ معنى العجب في صفات الله لا يجوز، لأنّ العجب أن يشتبه عليه سرّ أمره فيستطرفه (فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ) أي فقولهم عجب (أَ إِذا كُنَّا تُراباً أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ) أي أ نُبعثُ و نُعاد بعد ما صرنا تراباً، هذا ممّا لا يمكن! و هذا منهم، فإنّ الماء إذا حصل في الرحم استحال علقة ثمّ مضغة ثمّ لحماً، فإذا مات و دُفن استحال تراباً؛ فإذا جاز أن يتعلّق الإنشاء بالاستحالة الاولى، فَلِمَ لا يجوز تعلّقة بالاستحالة الثانية؟ و سمّى الله تعالى الإعادة خلقاً جديداً.

  • أقوال المتكلّمين في معاد الإنسان

  • و اختلف المتكلّمون فيما يصحّ عليه الإعادة، فقال بعضهم: كلّ ما يكون مقدوراً للقديم سبحانه خاصّةً و يصحّ عليه البقاء يصحّ عليه الإعادة، و لا يصحّ الإعادة على ما لا يقدر على جنسه غيره تعالى، و هذا قول أبي عليّ الجبائيّ.

  • و قال آخرون: كلّما كان مقدوراً له و هو ممّا يبقى يصحّ عليه الإعادة؛ و هو قول أبي هاشم و من تابعه، فعلى هذا يصحّ إعادة أجزاء الحياة.

  • ثمّ اختلفوا فيما يجب إعادته من الحيّ، فقال أبو القاسم البلخيّ: يعاد جميع أجزاء الشخص. و قال أبو هاشم (الجبائيّ): يعاد الأجزاء التي تميّز الحيّ من غيره و يعاد التأليف ثمّ رجع عن ذلك و قال: تعاد الحياة مع البنية.

  • و قال القاضي أبو الحسن: تعاد البنية و ما عدا ذلك يجوز فيه التبديل. ثمّ قال المرحوم الطبرسيّ رحمة الله عليه: و هذا هو الأصحّ.1

    1. «مج-- مع ال-- بيان» ج 3، ص 277 و 278، الطبعة ذات المجلدات الخمسة، م- طبعة العرفان- صيدا.

معرفة المعاد ج٦

36
  • إحياء الموتى ليس بالأمر العجيب

  • و روى أحمد بن محمّد أبو عبد الله البرقيّ في كتاب «المحاسن» عن أبان، عن عبد الرحمن بن سيّابه، عن أبي نعمان، عن أبي جعفر (الباقر) عليه السلام قال:

  • العَجَبُ كُلُّ العَجَبِ لِلشَّاكِّ في قُدْرَةِ اللهِ، وَ هُوَ يَرَى خَلْقَ اللهِ.

  • وَ العَجَبُ كُلُّ العَجَبِ لِلْمُكَذِّبِ بِالنَّشأةِ الاخْرَى، وَ هُوَ يَرَى النَّشْأةَ الاولَى.

  • وَ العَجَبُ كُلُّ العَجَبِ لِلْمُصَدِّقِ بِدَارِ الخُلُودِ، وَ هُوَ يَعْمَلُ لِدَارِ الغُرُور.

  • وَ العَجَبُ كُلُّ العَجَبِ لِلْمُخْتَالِ الفُخُورِ الذي خُلِقَ مِن نُطْفَةٍ، ثُمَّ يَصِيرُ جِيفَةً؛ وَ هُوَ فِيمَا بَيْنَ ذلِكَ لَا يَدْرِي كَيْفَ يَصْنَعُ!1

  • كما أنّه يروى نظير هذه الرواية باختلاف يسير في اللفظ عن عليّ بن الحكم، عن هشام بن سالم، عن أبي حمزة الثماليّ، عن الإمام السجّاد عليه السلام بزيادة فقرة اخرى، و هي قوله عليه السلام:

  • وَ العَجَبُ كُلُّ العَجَبِ لِمَنْ أنْكَرَ المَوْتَ وَ هُوَ يَرَى مَنْ يَمُوتُ كُلَّ يَوْمٍ وَ لَيْلَةٍ!2

  • نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَ ما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ؛ و سيدرككم هذا الموت، لأنّه يستتبع كمالكم. عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ؛ إذ يجب أن نبدّلكم و نغيركم، فلا نبقيكم في درجة واحدة، بل نأخذكم من صفّ دراسيّ إلى آخر، و الموت هو عبوركم و سبب تكاملكم. و لو شئنا إبقاءكم في الدنيا دوماً، لأوجب ذلك فسادكم و لبعث على توقّفكم و اضمحلالكم. فنحن

    1. ( 1 و 2)-« محاسن البرقيّ» ج 1، ص 242.
    2. ( 1 و 2)-« محاسن البرقيّ» ج 1، ص 242.

معرفة المعاد ج٦

37
  • - إذاً- نبدّلكم و نبدّل الرداء الذي ترتدونه و نسوقكم للأمام حتّى نوصلكم إلى حيث: وَ نُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ؛ إلى حيث لا تعلمون أصلًا ما الذي سيحدث، و نبدّلكم في تلك الخلقة. و هنا أسرار جمّة، إلّا أنّ الإنسان الغافل يتخيّل أنّ الموت يعني الفناء و الانعدام، لأنّه يتصوّر أنّ وجوده ليس إلّا هذا البدن، و أنّ جميع مراتب وجوده منحصرة في البدن، هذا البدن الذي يُدفن تحت الأرض فيصبح رميماً، فليس هناك- إذاً- من خبر! لكنّ الأمر ليس كذلك، إذ إنّ الإنسان يعود إلى الله تعالى، و معاده يحصل بجميع أرجاء وجوده، فهو يعود بروحه و يعود ببدنه أيضاً.

  • و من ثَمَّ، و كما أنّ روح الإنسان تعود إلى الله سبحانه، فإنّ بدنه يعود هو الآخر، و يجب ألّا يعجب الإنسان من كيفيّة إحياء الله الموتى، فهذا الأمر- كما ذكرنا سابقاً- ناشئ من التوهّم الباطل. و يتلخّص إشكال الطبيعيّين من الزمان السابق إلى يومنا هذا في جملة واحدة و هي مجرّد الاستبعاد. وَ ضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَ نَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ.1

  • لقد ذهب ذلك الأعرابيّ وسط المقبرة، فتناول عظماً باليا و جاء به عند رسول الله، ثمّ فتّه بيده و نثره على الأرض أمام رسول الله و قال:

  • يا محمّد! أ تزعم أنّ الله يبعث هذا؟!

  • لكنّ هذا الرجل المسكين نَسِيَ خَلْقَهُ. هذا الإنسان الذي يهزأ بنا، فيُلقي برميم العظام على الأرض و يعجب من تقدير قدرتنا، أن كيف في قدرتنا مثل هذه القوّة التي يمكننا بها إحياء ذلك العظم، لكنّه نسي نفسه.

  • من أيّ شيء كان؟ و أيّ مراحل طواها حتّى صار إنساناً؟ و ما كانت

    1. الآيتان 78 و 79، من السورة 36: يس.

معرفة المعاد ج٦

38
  • خلقته الاولى؟ لو أنّه نظر في خلقته الاولى لغرق في الحيرة و التفكّر و لما سمح له وجدانه أن يفعل ما فعل.

  • قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ.

  • فقل أيّها النبيّ إنّ الذي يُحيي هذه العظام هو الذي أوجدها في الوهلة الاولى، ذلك القادر المتعال الذي جاء بهذه العظام من العدم إلى الوجود، و خلع عليها رداء الوجود، ذلك الله هو الذي يُحييها ثانياً. لما ذا؟ لأنّه:

  • وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ.

  • فليس علم الله محدوداً بحدّ معيّن، و ليس منبعثاً من سبب خاصّ، بحيث إنّنا لو منعنا ذلك السبب لما كان هناك من سبيل لعلم الله و قدرته بعدُ.

  • الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ.1

  • فما العلاقة بين الماء و الاخضرار مع النار؟ ما علّة اخضرار الأشجار؟

  • الماء هو العلّة، فإن لم يصلها الماء جفّت و يبست، و مع ذلك فإنّنا نرى أنّ هذه الشجرة الخضراء هي مصدر النار.

  • أو أن نقول إنّ بعض الأشجار تعمل كالشرارة و كمثل حجر الزناد، بحيث تبعث النار حين تُقدح ببعضها. و هناك شجرتان تُدعيان ب- (المَرْخ و العِفَار) من خصائصهما إيجار النار حين تُقدح أوراقها ببعضها كمثل حجر الزناد. لذا فإنّ وجود هذه الأشجار في الغابة من دواعي خطر الحريق؛ إذ بمجرّد هبوب الريح فإنّ أوراقها تحتكّ ببعضها فتسبب انقداح النار كما يفعل الزناد. و لأنّ هذه الأشجار تشتعل فإنّها تسبّب احتراق جميع الغابة التي تجاوزها.

  • ذلكم الله الذي خلق لكم من الشجر الأخضر ناراً، فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ

    1. الآية 80، من السورة 36: يس.

معرفة المعاد ج٦

39
  • تُوقِدُونَ. لقد كانت البيوت تخلو في السابق من النفط و البنزين و الكبريت فكانوا يستفيدون من حجر الزناد للحصول على النار، فيقدحون قطعتين منه ببعضهما فتنبعث شرارة يشعلون بها فتيلة، ثمّ يشعلون بالفتيلة ما يشاؤون، و يشعلون الحطب فيطبخون الطعام. أو أنّهم كانوا يأخذون خشب المرخ و العفار إلى بيوتهم، فإن شاءوا إشعال نار قدحوا قطعتين من ذلك الخشب ببعضهما، فيشتعل كالكبريت فَإذَا أنتُم مِنْهُ تُوقِدُونَ.

  • العجائب في نظام الخلقة أكثر منها في المعاد و الحشر

  • أَ وَ لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ.1

  • تأمّلوا كم يكون الإنسان بعيداً عن الإنصاف، حين يرى خلق السماوات و الأرض، و هذه الصناعات البديعة، و هذه الحركات و الدورانات، و هذه التغيّرات و التبدّلات، و هذا النظام العجيب المحيّر المدهش و لا يعجب، ثمّ يعجب لمجرّد إحياء الموتى فيُنكر قدرة الله تعالى!

  • يقول الله تعالى علي الفور بلافصل: بَلى وَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ؛ إنّ الذي خلق السماوات و الأرض لقادر على أن يخلق مثل الإنسان. بلي هو قادر أن يخلق؛ فليس هو خالقاً فقط، بل و خلّاقاً أيضاً، أي استاذ الخلقة و المتمكّن المهيمن في الخلق و القدرة دون حصر و لا حدّ و لا قياس. قدرته في الخلق عجيبة، و عمله محيّر مدهش كذلك، و كلاهما دون حدّ و لا نهاية.

  • أمر الله بإحياء الموتى بلفظ «كُنْ»

  • إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.2

  • فهو ليس محتاجاً إلى زمان و مكان و قوّة و استعداد و مادّة و تدرّج

    1. الآية 81، من السورة 36: يس.
    2. الآية 82، من السورة 36: يس.

معرفة المعاد ج٦

40
  • و إعداد و شرط و غير ذلك.

  • إنّ خلق الطفل في بطن الامّ يستغرق تسعة أشهر، و ذلك لأنّ إرادة الله تعلّقت بأن يتحقّق ذلك الأمر «كُن» بهذه الكيفيّة. أي بأن يقول للنطفة أوّلًا: كن! ثمّ يقول: كن! ثمّ يقول: كن! و هكذا يصدر من ذاته المقدّسة أوامر متعدّدة كلّ لحظة، فتحصل إثر تلك الأوامر تغييرات في تلك النطفة، حتّى يستغرق الأمر تسعة أشهر.

  • على أنّ الله تعالى يمكنه أن يخلق البشر بلفظ «كن» واحد؛ أ فلم تُخلق ناقة النبيّ صالح بكلمة «كن» واحدة؟ أو لم يتمخّض الجبل عن الناقة؟ أجل؟ لقد انفتحت بطن الجبل فخرجت منها ناقة كاملة تامّة.

  • أ وَ لم يُخلق النبيّ عيسى على نبيّنا و آله و عليه السلام بكلمة «كن» واحدة دون أن يكون له أب؟ أو لم يُخلق آدم أبو البشر و حوّاء امّ البشر بكلمة «كن» واحدة؟

  • و إجمالًا، فإنّ أمر الله ليس زمانيّاً، بل هو زمانيّ حسب نظرنا نحن الواقعين في دائرة حركة التدرّج و الزمان، أمّا تبعاً للواقع في ذلك العالم الربوبيّ، فليس هناك من معنىً للزمان، و كلمة «كن» هي نفسها كلمة «يكون»، أي عين التحقّق الخارجيّ، و عين عالم التكوين، و نفس المشيئة العينيّة و الخارجيّة للخالق لا منفصلة عنها.

  • فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.1

  • وَ الَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَ تَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَ قَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَ هُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ، أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ

    1. الآية 83، من السورة 36: يس.

معرفة المعاد ج٦

41
  • مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ.1

  • قيل إنّ الآية نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر، قال له أبواه ليُسلم و ألحّا عليه، فقال: أحيوا لي عبد الله بن جدعان و مشايخ قريش حتّى أسألهم عمّا تقولون، عن ابن عبّاس و أبي العالية و السدّيّ و مجاهد.

  • و قيل الآية عامّة في كلّ كافر عاقّ لوالديه، عن الحسن و قتادة و الزجّاج، قالوا: و يدلّ عليه أنّه قال عقيبها أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ.2

  • و قال العلّامة الطباطبائيّ مدّ ظلّه الساميّ في البحث الروائيّ:

  • و في «الدرّ المنثور» أخرج ابن أبي حاتم و ابن مردويه عن عبد الله قال: إنّي لفي المسجد حين خطب مروان فقال: إنّ الله قد أرى أمير المؤمنين (معاوية) في يزيد رأياً حسناً، و إن يستخلفه فقد استخلف أبو بكر و عمر. فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: أهرقليّة؟ إنّ أبا بكر و الله ما جعلها في أحد من ولده و لا أحد من أهل بيته، و لا جعلها معاوية إلّا رحمة و كرامة لولده.

  • فقال مروان: أ لستَ الذي قال لوالديه أُفٍّ لَكُما؟

  • فقال عبد الرحمن: أ لستَ ابن اللعين الذي لعن أباك رسولُ الله صلّى الله عليه [و آله] و سلّم؟

  • قال: و سمعتها عائشة فقالت: يا مروان! أنت القائل لعبد الرحمن كذا و كذا؟ كذبتَ و اللهِ ما فيه نزلت. نزلت في فلان بن فلان.

  • و فيه (أيّ في «الدرّ المنثور») أخرج ابن جرير عن ابن عبّاس في الذي3

  • معرفة المعاد ؛ ج6 ؛ ص41
    1. الآيتان 17 و 18، من السورة 46: الأحقاف.
    2. «مجمع البيان» ج 5، ص 87، طبعة صيدا.
    3. حسينى طهرانى، سيد محمد حسين، معرفة المعاد، 10جلد، دار المحجة البيضاءبيروتلبنان، چاپ: 1، 1416 ه.ق.

معرفة المعاد ج٦

42
  • قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما- الآية، قال: هذا ابنٌ لأبي بكر.

  • ثمّ يقول العلّامة الطباطبائيّ: و روي ذلك أيضاً عن قتادة و السدّيّ.

  • و قصّة رواية مروان و تكذيب عائشة له مشهورة. قال في «روح المعاني» بعد ردّ رواية مروان: و وافق بعضهم كالسهيليّ في «الأعلام» مروان في زعم نزولها في عبد الرحمن، و على تسليم ذلك لا معنى للتعيير، لا سيّما من مروان، فإنّ الرجل أسلم و كان من أفاضل الصحابة و أبطالهم، و كان له في الإسلام عناء يوم اليمامة و غيره، وَ الإسْلَامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ، فالكافر إذا أسلم لا ينبغي أن يعيّر بما كان يقول انتهى- كلام «روح المعاني»-.

  • و قد أشكل العلّامة الطباطبائيّ على هذا القول بقوله:

  • و فيه أنّ الروايات لو صحّت، لم يكن مناص عن صريح شهادة الآية عليه بقوله: أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ- إلى قوله- إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ، و لم ينفع شيء ممّا دافع عنه به.1

  • و قد أنكر البعض المعاد فقالوا: ليس لنا من معاد.

  • ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَ نَحْيا وَ ما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ.2

  • ليس هناك إلّا الأكل و الشرب و النوم و إطفاء الشهوة، و ليس هناك إلّا المعيشة الحيوانيّة البهيّميّة، ثمّ يموت الإنسان بعدها فيُهلكه الدهر، فليس من سرّ و لا حقيقة وراء ذلك.

  • و يقول الله سبحانه: إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ.

  • أدلّة منكري المعاد الجسماني

  • و يقول البعض: إنّ لنا معاداً، لكنّه معاد روحانيّ لا جسمانيّ.

  • فللإنسان عقل و نفس هما من المجرّدات، و إنّ هذه النفس المجرّدة تتحرّك

    1. «تفسير الميزان»، ج 18، ص 225 و 226.
    2. النصف الأوّل من الآية 24، من السورة 45: الجاثية.

معرفة المعاد ج٦

43
  • إلى مبدئها، كما يُدفن البدن تحت الأرض فيتّخذ لنفسه صوراً متبدّله و متغيّرة في القبر، و من ثَمّ فإنّ المعاد روحانيّ فقط.

  • و يقول البعض: إنّ المعاد جسمانيّ فقط و ليس روحانيّاً أبداً، فما يعود إلى الله تعالى هو البدن و اللذّات البدنيّة، كالأكل و إطفاء الشهوة و التفرّج و أمثال ذلك. أمّا تلك الكمالات العقلانيّة و الفناء في أسماء الحيّ القيّوم ذي الجلال و صفاته و ذاته فقد أنكروها، كما تجاهلوا تلك الأرزاق و الأغذية العقليّة المختصّة بالروح، و التي تفوق و تفضل هذه الأغذية الجسميّة بمئات الآلاف من المرّات.

  • كما يقول البعض الآخر: إنّنا نمتلك كلا المعادينِ، فالروح لها معاد، و البدن له معاد.

  • يقول المرحوم الفيلسوف الشهير الحاجّ الملّا هادي السبزواريّ رضوان الله عليه:

  • مَنْ قَصَّرَ المَعَادَ في الرُّوحَانِيّ***قَصَّرَ كَالحَاصِرِ في الجِسْمَانِيّ

  • وَ جَامِعٌ بَيْنَهُمَا جا فَائِزا***وَ قَصَباتِ السَّبْقِ كَانَ حَائِزَا 1

  • و الدليل الذي أقامته تلك الطائفة من الفلاسفة و الحكماء على أنّ المعاد روحانيّ فقط لا جسمانيّ هو أنّ حقيقة الإنسان بالعقل و بالنفس، و هما مجرّدان. و حين جمع الله تبارك و تعالى بين النفس و العقل من جهة و البدن من جهة اخرى، فإنّهما اجتمعا سويّاً و تصافيا و تآلفا مثل روح الإنسان و بدنه، فهبطت الروح و حلّت في قالب البدن، أشبه بطائر الورقاء ذات التعزّز و التمنّع.

  • هَبَطَتْ إلَيْكَ مِنَ المَحَلِّ الأرْفَعِ***وَرْقَاءُ ذَاتُ تَعَزُّزٍ وَ تَمَنُّعِ

    1. «المنظومة السبزواريّة» بحث المعاد، ص 335، طبعة ناصري.

معرفة المعاد ج٦

44
  • و لقد هبط طائر القدس الساكن في السدرة، المتعالى الدرجات، رفيع المنزلة، من المحلّ الأرفع إلى البدن، فحلّ في قالب البدن و عاش فيه مدّة، ثمّ إنّ عليه التحليق و العودة إلى محلّه الأوّل، إذ سيُفتح له باب القفص فيطير ذلك الطائر و يرحل، و يسقط القفص جنب المنزل.

  • لقد أرسل الله الروح إلى البدن لتسعى إلى كمالاتها بواسطة هذا البدن المسخّر لها، و بعد الحصول على الكمالات فإنّ الافتراق يحلّ بينها و بين البدن، فتعود الروح إلى محلّها، و يحلّ بدن الإنسان في أعماق التراب الذي كان أصله منه، فيتبدّل تدريجيّاً إلى التراب. أمّا الروح فإنّ محلّها- باعتبارها مجرّدة و ملكوتيّة- سيكون عالم التجرّد و الملكوت. فما يمكن تصوّره من المعاد، أي الرجوع و العودة إلى الله، هو معاد الروح لا معاد البدن.

  • كان هذا هو حصيلة استدلالهم، و قد أوردوا دليلًا على عدم معاد الجسم بأنّ الروح مجرّدة، و أنّ غذاءها الأغذية العقلانيّة التي تتناولها عند ربّها. و بأنّ البدن يتبدّل تحت الأرض إلى صورة اخرى، و ليس لدينا شيء آخر غير الروح و البدن.

  • و لو قيل لهم إنّ الإنسان يمتلك قوّة خيال و عالم مثال، لأجابوا بأن قوّة الخيال و المثال هي نفس إحساسات الإنسان و عواطفه؛ فالذهن يلتذّ بالتفرّج على الصور الجميلة، كما يصيبه الأذى و الألم من مواجهة المزعجات، و هي امور قائمة بأجمعها بالبدن، فإن كان البدن موجوداً، وُجدت هذه الصورة و الخيال، أمّا لو انعدم فأين ستكون الصورة و المثال يا ترى؟

  • و من باب المثال، فإذا ما شاء الإنسان أن يرسم صورة على الجدار، فإنّ هذا مبتنٍ على كون الجدار حجريّاً صلباً ليرسم عليه الصورة؛ بَيدَ أنّ

معرفة المعاد ج٦

45
  • الإنسان لا يمكنه أن يرسم صورةً على الهواء، و لا على الماء.

  • و هكذا فإن وُجد البدن، وُجدت فيه القوى المتخيّلة و المفكّرة و الإحساسات و العواطف و غيرها، و إن زال البدن زالت تبعاً له قوّة الخيال و الحسّ المشترك. و حين يزول البدن فإنّنا لن نستطيع بعدُ أن نتصوّر عالِماً يقف على قدميه يلتذّ بتلك الصور المُبهجة، أو يتأذّى و يتعذّب من تلك الصور القبيحة المُنكَرة.

  • و مجمل الأمر أنّ كيفيّة استدلالهم كانت بأنّ جهنّم و الجنّة قائمتان بواسطة تصوّرات الذهن، و الذهن متوقّف على وجود البدن و قائم به، فإن انعدم البدن انعدم الذهن.

  • و أجاب البعض بأنّ الله تعالى حين يُزيل البدن، فإنّ من الممكن أن يخلق بدناً آخر فتقوم به تلك الصور و الإحساسات. كما أجاب بعضُ المتكلّمين بأنّ الله تعالى يُعيد نفس البدن الذي أعدمه مع جميع تلك الشرائط، و ليس هذا بأمر ذي بال بالنسبة للّه تعالى؛ كما أجابوا بإجابات اخرى جميعها مخدوشة و لا يمكن قبولها.

  • و الإجابة الصحيحة هي أوّلًا: أنّ نفس الإنسان بالرغم من أنّها تذهب إلى عالمها تلقائيّاً فتبتهج هناك و تُسرّ، إلّا أنّ النفس تمتلك بذاتها سمعاً و بصراً و إدراكاً. أي علاوة على القوّة المتخيّلة التي هي آلة مسخّرة للنفس، و على القوى الذهنيّة التي هي آلة رقيّها و تكاملها، فإنّ النفس بصيرة في ذاتها و عليمة و ممتلكة لسائر صفات الكمال.

  • و عليه فإنّ النفس حين تذهب إلى عالمها، فإنّها ستكون مبتهجة و مسرورة و متمتّعة بتلك اللذّات بواسطة هذه القوى المعنويّة في ذاتها، و هذا غير تمتّعها باللذّات العقلانيّة المختصّة بعالم الفناء.

  • و ثانياً: فإنّ نفس قوّة الخيال و عالم المثال مجرّدة اصولًا، و أنّ قولهم

معرفة المعاد ج٦

46
  • بأنّ البدن يجب أن يوجد حتماً لتقوم به قوّة خيال الإنسان و تصوّراته، لا يعدو كونه كاملًا خطابيّاً. فقد ثبت بالأدلّة و البراهين الفلسفيّة أنّ قوّة الخيال مجرّدة، و أنّ الإنسان يستطيع إثر التكامل و الترقّي أن يخلع خياله من البدن، و أنّ الإنسان موجود بالوجود الروحانيّ في عالم المثال و الصورة الذي ينعدم فيه البدن. كما أنّ القوى المتخيّلة و المفكّرة ليست مجرّدة لوحدها. بل إنّ الحسّ المشترك و القوّة الحافظة و سائر قوى الإنسان النفسانيّة مجرّدة بأجمعها.

  • و تبعاً لأدلّة تجرّد قوّة الخيال هذه، فقد أثبتوا عالم المثال، و هو ذلك العالم الماثل بين عالم الدنيا و عالم القيامة. فعالم الدنيا عالم المادّة، في حين أنّ عالم القيامة عالم المعنى و التجرّد المحض. أمّا عالم المثال فبين هذين العالمين، فليس بمادّة لها ثقل، و لا بمعنى صرف ليكون خارجاً عن الصورة و التشكّل، و اللذّات و الآلام الصوريّة.

  • و هكذا فإنّ عالم المثال، هو عالمٌ بنفسه قائمٌ بذاته، يقع بين هذا العالم و ذلك العالم. إذ إنّ هناك عالم الصورة حيث لا مادّة، إلّا أنّ آثار المادّة موجودة. هناك اللذّة و هناك العذاب و الألم، و البكاء و الضحك، و الحرارة و البرودة، و الكميّة و الكيفيّة.

  • و في هذه الحال التي تكون فيها قوّة الخيال بسيطة و مجرّدة، فإنّ الإنسان حين يكون حيّاً فإنّه سيكون حيّاً بالبدن، أمّا حين يموت فيترك البدن، فإنّ قوّة الخيال هذه لن تموت، بل هي موجودة في عالمها و في واقعيّتها و كينونيّتها. فإن قبلنا بهذا المطلب فإنّ المسألة ستكون قد حُلّت.

  • افرضوا أنّ البدن قد تلاشى، لكنّ قوّة الخيال موجودة في نهاية الأمر، موجودة تماماً بهذه اللذّات و الآلام التي هي محمول لقوّة الخيال.

  • و بناء على ذلك، فإنّ الإنسان موجود في عالم المثال بمجرّد موته؛

معرفة المعاد ج٦

47
  • يعيش دوماً و يبتهج بالصور الملائمة للنفس، و يتعذّب بالصور المُنكرة الكريهة التي تشقُّ على النفس. و الخلاصة فإنّ لنا مطلباً دقيقاً في المعاد الجسمانيّ مُبتنٍ على مقدّمات متينة، سيأتي فيما بعد إن شاء الله تعالى.

  • كلمات ابن سينا في المعاد الجسماني

  • و كان الشيخ الرئيس ابن سينا لا يقول بعالم البرزخ، و كان يستدلّ بأنّ عالم البرزخ المجرّد لا معنى له، و أنّ لدينا عالمينِ لا أكثر، أحدهما عالم الطبع و المادّة، و الآخر عالم المعنى المجرّد.

  • و بالرغم من أنّه يُستفاد من بعض استدلالاته في «الشفاء» أنّه عدّ عالم الخيال مجرّداً، و أنّنا إذا ما عددنا عالم الخيال مجرّداً، فإنّ علينا أن نقول بعالم البرزخ حتماً، لا مفرّ لنا من ذلك و لا حيلة.

  • إلّا أنّه علاوة على عدم تصريحه بوجود عالم البرزخ، فإنّه كذلك قد صرّح بعدمه، و من ثَمّ فإنّ إشكالًا سيعترضه في أمر المعاد الجسمانيّ،1 فهذه القوى و الصور التي اكتسبها الإنسان لنفسه من الكمالات، أو التي اكتسبها من الأعمال القبيحة، يقع عالم صورتها في العذاب، و هو أمر يجب وقوعه حتماً حين يكون البدن موجوداً، لأنّ الصورة قائمة بالبدن و عديمة التجرّد. أمّا حين يفنى البدن فإنّ الصورة ستفنى تبعاً له، و ستذهب النفس المجرّدة فقط إلى عالمها و إلى موطنها و محلّها، فتغرق هناك في الملذّات العقلانيّة، أو تبقى في العذاب لفقدان الكمالات العقلانيّة. لذا فليس هناك بعدُ من تصوّر للمعاد الجسمانيّ. و لذلك فإنّه يصرّح في «الشفاء» بأنّنا لا نمتلك دليلًا عقليّاً على المعاد الجسمانيّ، و لا يمكننا إقامة الدليل عليه بالبُرهان، إلّا أنّه مسلّم شرعاً لإخبار الرسول الصادق المصدَّق به.

  • يقول في «الشفاء»:

    1. آخر إلهيّات« الشفاء» أوّل فصل المعاد.

معرفة المعاد ج٦

48
  • يَجِبُ أنْ يُعْلَمَ أنَّ المَعَادَ مِنْهُ مَا هُوَ مَنْقُولٌ في الشَّرْعِ، وَ لَا سَبِيلَ لإثْبَاتِهِ إلَّا مِنْ طَرِيقِ الشَّرِيعَةِ؛ وَ تَصْدِيقِ خَبَرِ النَّبِيّ، وَ هُوَ الذي لِلْبَدَنِ عِنْدَ البَعْثِ وَ خَيْرَاتِ البَدَنِ وَ سُرُورِهِ، مَعْلُومَةٌ لَا يَحْتَاجُ إلَى تَعَلُّمٍ.

  • وَ قَدْ بَسَطَتِ الشَّرِيعَةُ الحَقَّةُ التي أتَانَا بِهَا نَبِيُّنَا وَ سَيِّدُنَا وَ مَوْلَانَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ حَالَ السَّعَادَةِ وَ الشَّقَاوَةِ التي بِحَسَبِ البَدَنِ.

  • وَ مِنْهُ مَا هُوَ مُدْرَكٌ بِالعَقْلِ وَ القِيَاسِ البُرْهَانِيّ، وَ قَدْ صَدَّقَتْهُ النُّبُوَّةُ، وَ هُوَ السَّعَادَةُ وَ الشَّقَاوَةُ الثَّابِتَتَانِ بِالقِيَاسِ، اللَّتَانِ لِلأنْفُسِ، وَ إنْ كَانَتْ الأوْهَامُ مِنَّا تَقْصُرُ عَنْ تَصَوُّرِهَا الآنَ لِمَا نُوضِحُ مِنَ العِلَلِ.1

  • و بناء على ما ذُكر فإنّ ابن سينا ليس من منكري المعاد الجسمانيّ، بل إنّه أقرّ بثبوته عن طريق الشرع، كما أنّه قبل بثبوت المعاد النفسانيّ من طريق البرهان و القياس و كذلك من طريق تصديق الشرع و أخبار النبوّة.

  • و تبعاً لذلك يقول المرحوم السبزواريّ: و أمّا الشيخ رئيس المشّائين فإنّه لم ينكر المعاد الجسمانيّ، حاشاه عن ذلك، إلّا أنّه لم يحقّقه بالبرهان كما يظهر لمن نظر في إلهيّات «الشفاء».2

  • كلمات ابن سينا في المعاد النفساني

  • و أمّا بشأن المعاد النفسانيّ و سعادة النفوس و شقاوتها فقد بحث ذلك

    1. يقول الملّاصدرا: و منها( أي من جملة الموارد التي عجز ابن سينا عن إثباتها) أنّه لمّا لم يظفر بإثبات تجرّد القوّة الخياليّة للإنسان، صار متحيّراً في بقاء النفوس الساذجة الإنسانيّة بعد البدن، فاضطرّ تارةً إلى القول ببطلانها، كما في بعض رسائله المسمّى ب-« المجالس السبعة». على أنّه معترف بأنّ الجوهر غير الجرميّ لا يبطل ببطلان الجسد.
      و تارةً إلى القول بأنّها باقية من جهة إدراكها ببعض الأوّليّات و العموميات.
      ثمّ يتصدّى الملّا صدرا بحزم للإجابة عليها.(« الأسفار» ج 9، ص 115، الطبعة الحروفيّة).
    2. «المنظومة السبزواريّة» ص 335، طبعة ناصري.

معرفة المعاد ج٦

49
  • مفصلًا، ثمّ إنّه يقول بعد بيان مقدّمة:

  • وَ إذْ تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الاصُولُ، فَيَجِبُ أنْ نَنْصَرِفَ إلَى الغَرَضِ الذي نؤمُّهُ فَنَقُولُ: إنَّ النَّفْسَ النَّاطِقَةَ كَمَالُهَا الخَاصُّ بِهَا أنْ تَصِيرَ عَالَماً عَقْلِيَّاً مُرْتَسِماً فِيهَا صُوَرُ الكُلِّ، وَ النِّظَامُ المَعْقُولُ في الكُلِّ، وَ الخَيْرُ الفَائِضُ في الكُلِّ، مُبْتَدِيَةً مِنْ مَبْدَءِ الكُلِّ، سَالِكَةً إلَى الجَوَاهِرِ الشَّرِيفَةِ الرُّوحَانِيَّةِ المُطْلَقَةِ، ثُمَّ الرُّوحَانِيَّةِ المُتَعَلَّقَةِ نَوْعاً مَا بِالأبْدَانِ، ثُمَّ الأجْسَامِ العلوِيَّةِ بِهَيْأتِهَا وَ قِوَامِهَا، ثُمَّ كَذلِكَ حَتَّى يَسْتَوْفِي في نَفْسِهَا هَيْئَةَ الوُجُودِ كُلِّه، فَتَنْقَلِبَ عَالَماً مَعْقُولًا مُوَازِيَاً لِلْعَالَمِ المَوْجُودِ كُلِّهِ، مُشَاهِدَةً لِمَا هُوَ الحُسْنُ المُطْلَقُ، وَ الخَيْرُ المُطْلَقُ وَ الجَمَالُ الحَقُّ المُطْلَقُ، وَ مُتَّحِدَةً بِهِ وَ مُنْتَقِشَةً بِمِثَالِهِ وَ هَيْئَتِهِ، وَ مُنْخَرِطَةً في سِلْكِهِ، وَ صَايِرَةً مِنْ جَوْهَرِهِ.1

  • ثمّ يقول: فإذا قيسَ هذا بالكمالاتِ المعشوقة التي للقوى الاخرى، وجد في المرتبة التي بحيث يقبح معها أن يُقال إنّه أفضل و أتمّ منها.

  • بل لا نسبة لها إليه بوجه من الوجوه فضيلةً و تماماً و كثرة و سائر ما يتمّ به التذاذ المدركات ممّا ذكرنا.2 ثمّ يتابع المطلب و يستمرّ في البحث بشكلٍ كافٍ و وافٍ.

  • كان هذا كلام «أبي علي»، و قد ذكرنا أنّ عدم إقامة البرهان على المعاد الجسمانيّ مبتنٍ على عدم تحقيق و إثبات تجرّد قوّة الخيال و عالم البرزخ، و قائم عموماً على عدم القبول بعالم المثال المجرّد. أمّا إذا قبلنا بعالم المثال فلن يبقى هناك من إشكال آخر. و عالم الصورة يعني عالم المثال.

  • كما أنّ اللذائذ التي تجدها النفس في عالم المثال هي نفس لذائذ عالم

    1. إلهيّات« الشفاء» بحث المعاد، ص 3.
    2. إلهيّات« الشفاء» ص 3 و 4.

معرفة المعاد ج٦

50
  • الصورة، و يمكن أن تكون منفصلة عن البدن، فيصحب الإنسان تلك الصورة معه على الدوام.

  • يقول الحكيم السبزواريّ قدّس الله نفسه بشأن هذا المعاد الروحانيّ:

  • إنَّ الذي بِالعَقْلِ بِالفِعْلِ انْتُقِي***فَهوَ لِعَالَمِ العُقُولِ مُرْتَقِي

  • مِنْهُ يَصِيرُ عَالَماً عَقْلِيَّا***بِهِ يُضَاهِي عَالَماً عَيْنِيَّا 1

  • وَ هَيْئَةُ الوُجُودِ بِالشَّرَاشِرِ***تَزِينُهُ كَالأوَّلِ في الآخِرِ

  • كَوْناً أشدِّيَّةً أضْعَفِيَّة***خَالَفَ وَ المَهِيَّةُ المَهِيَّة 2

  • فَالْعَالَمُ الأكْبَرُ كَانَ حَاوِيَا***كَأنْ غَدَا كُلٌّ لَهُ مُرَائِيَا 3 ß

    1. و هذا الكلام إشارة إلى ما قالوه في تعريف الحكمة: الحِكْمَةُ صَيْرُورَةُ الإنسَانِ عَالَماً عَقْلِيَّاً مُضَاهِياً لِلْعَالمِ العَيْنِيّ في هَيْئَتِهِ، لَا في مَادَّتِهِ.
    2. إذ إنّه قد برهن علي أنّ الأشياء تحضر في الذهن بتمام ماهيّتها و تظهر بأنفسها هناك، لا أن تحضر أمثالها و أشباهها في الذهن. و إلى هذا المعني أشار أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام في أشعاره المعروفة المشهورة:
      أ تَزْعَمُ أنَّكَ جِرْمٌ صغيرٌ--وَ فِيكَ انْطَوى العَالَمُ الأكْبَرُ
      --

    3. ( 3 و 4)- و ما أبدع ما ضمّن المغربيّ هذه المعاني في أشعاره، و ذلك في قوله:
      اگر چه آينه روى جانفزاى توأند--همه عقول و نفوس و عناصر و أفلاك
      ولى ترا ننمايد بتو چنانكه توئى--مگر دل من مسكين و بيدل و غمناك
      تمام چهره خود را بدو توانى ديد--كه هست مظهر تامّ و لطيف صافى پاك
      و لو جلوت على القلب ما جلوت عليه--لأجل قربته بل لأنّه مجلاك
      بساحل ار چه فكندى به بحر باز آرم--كه موج بحر محيط توام نيَم خاشاك
      ظهور تو بمن است و وجود من از تو--و لست تظهر لولاى، لم أكن لولاك
      تو آفتاب منيرى و مغربى سايه--ز آفتاب بود سايه را وجود و هلاك
      --
      « ديوان مغربي» ص 80 و 81. يقول:« مع أنّ العقول و النفوس و العناصر و الأفلاك هي بأجمعها مرآة طلعتك المنعشة للأرواح.
      إلّا أن شيئاً منها لا يُظهرك لك كما أنت مثلما يفعل قلبي، أنا العاشق المغموم المسكين.
      فإنّك تستطيع أن ترى طلعتك فيه كاملة، لأنّه مظهر تام لطيف صافٍ طاهر».
      و لو جلوتَ على القلب ما جلوتَ عنه--لأجل قربته، بل لأنّه مجلاك
      --
      و لو قذفتني إلى الساحل لعدتُ إلى البحر من جديد، إذ لستُ قشّة، بل موج بحرك المحيط. ظهورُك بي، و وجودي منك، و لست تظهر لولاي، لم أكن لولاك.
      أنت شمسٌ منيرةٌ و المغربيّ ظلّ، و من الشمس وجود الظلّ و فناؤه».
      و يقول في مقام مخاطبة النفس:
      توئى خلاصة اركان انجمُ و افلاك--ولى چه سود كه خود را نميكنى ادراك
      تو مهرِ مشرق جانى بغربِ جسم نهان--تو دُرّ گوهر پاكى فتاده در دل خاك
      توئى كه آينه ذات پاك الهي--ولى چه فائده هرگز نكردى آينه پاك
      غرض توئى ز وجود همه جهان ورنه--لما يكون في الكون كائنٌ لولاك
      همه جهان بتو شادند و خرّم و خندان--تو از براى چه دائم نشئة غمناك
      نجات تو بتو است و هلاك تو از تو--ولى تو باز ندانى نجات را ز هلاك
      تو عين نور بسيطى و موج بحر محيط--چنان مكن كه شوى ظلمت خس و خاشاك
      --
      يقول:« أنت خلاصة أركان الأنجم و الأفلاك، و لكن ما الفائدة؟ إذ إنّك لا تدرك نفسك.
      فأنت شمس مشرق الروح خفيت بمغرب الجسم، أنت درّ و جوهر صافٍ سقط في أعماق التراب.
      أنت مرآة الذات الإلهيّة المنزّهة، و لكن ما الفائدة؟ فأنت لم تجلُ المرآة أبداً.
      أنت الهدف من وجود العالم كلّه، و لو لا ذلك لما كان في الكون كائن لولاك.
      العالم بأجمعه سعيدٌ بك و مسرور و ضاحك، فلِمَ أنت تجلس دوماً حزيناً و مغموماً؟
      العالم بأجمعه مشغول بك و أنت لاهٍ عن نفسك؛ الجميع خائف من غفلتك و أنت لا تبالى.
      نجاتُك بك و هلاكك منك، لكنّك مع ذلك لا تميّز نجاتك من هلاكك.
      أنت عين النور البسيط و موج البحر المحيط، فلا تفعل ما يجعلك ظلمة القشّ و التبن.
      و إن صرتَ كالمغربيّ حرّاً عن الكائنات، أمكنك بقدمٍ واحدة أن تحلّق من السمَك إلى سمائك».

معرفة المعاد ج٦

51
    1. ( 3 و 4)- و ما أبدع ما ضمّن المغربيّ هذه المعاني في أشعاره، و ذلك في قوله:
      اگر چه آينه روى جانفزاى توأند--همه عقول و نفوس و عناصر و أفلاك
      ولى ترا ننمايد بتو چنانكه توئى--مگر دل من مسكين و بيدل و غمناك
      تمام چهره خود را بدو توانى ديد--كه هست مظهر تامّ و لطيف صافى پاك
      و لو جلوت على القلب ما جلوت عليه--لأجل قربته بل لأنّه مجلاك
      بساحل ار چه فكندى به بحر باز آرم--كه موج بحر محيط توام نيَم خاشاك
      ظهور تو بمن است و وجود من از تو--و لست تظهر لولاى، لم أكن لولاك
      تو آفتاب منيرى و مغربى سايه--ز آفتاب بود سايه را وجود و هلاك
      --
      « ديوان مغربي» ص 80 و 81. يقول:« مع أنّ العقول و النفوس و العناصر و الأفلاك هي بأجمعها مرآة طلعتك المنعشة للأرواح.
      إلّا أن شيئاً منها لا يُظهرك لك كما أنت مثلما يفعل قلبي، أنا العاشق المغموم المسكين.
      فإنّك تستطيع أن ترى طلعتك فيه كاملة، لأنّه مظهر تام لطيف صافٍ طاهر».
      و لو جلوتَ على القلب ما جلوتَ عنه--لأجل قربته، بل لأنّه مجلاك
      --
      و لو قذفتني إلى الساحل لعدتُ إلى البحر من جديد، إذ لستُ قشّة، بل موج بحرك المحيط. ظهورُك بي، و وجودي منك، و لست تظهر لولاي، لم أكن لولاك.
      أنت شمسٌ منيرةٌ و المغربيّ ظلّ، و من الشمس وجود الظلّ و فناؤه».
      و يقول في مقام مخاطبة النفس:
      توئى خلاصة اركان انجمُ و افلاك--ولى چه سود كه خود را نميكنى ادراك
      تو مهرِ مشرق جانى بغربِ جسم نهان--تو دُرّ گوهر پاكى فتاده در دل خاك
      توئى كه آينه ذات پاك الهي--ولى چه فائده هرگز نكردى آينه پاك
      غرض توئى ز وجود همه جهان ورنه--لما يكون في الكون كائنٌ لولاك
      همه جهان بتو شادند و خرّم و خندان--تو از براى چه دائم نشئة غمناك
      نجات تو بتو است و هلاك تو از تو--ولى تو باز ندانى نجات را ز هلاك
      تو عين نور بسيطى و موج بحر محيط--چنان مكن كه شوى ظلمت خس و خاشاك
      --
      يقول:« أنت خلاصة أركان الأنجم و الأفلاك، و لكن ما الفائدة؟ إذ إنّك لا تدرك نفسك.
      فأنت شمس مشرق الروح خفيت بمغرب الجسم، أنت درّ و جوهر صافٍ سقط في أعماق التراب.
      أنت مرآة الذات الإلهيّة المنزّهة، و لكن ما الفائدة؟ فأنت لم تجلُ المرآة أبداً.
      أنت الهدف من وجود العالم كلّه، و لو لا ذلك لما كان في الكون كائن لولاك.
      العالم بأجمعه سعيدٌ بك و مسرور و ضاحك، فلِمَ أنت تجلس دوماً حزيناً و مغموماً؟
      العالم بأجمعه مشغول بك و أنت لاهٍ عن نفسك؛ الجميع خائف من غفلتك و أنت لا تبالى.
      نجاتُك بك و هلاكك منك، لكنّك مع ذلك لا تميّز نجاتك من هلاكك.
      أنت عين النور البسيط و موج البحر المحيط، فلا تفعل ما يجعلك ظلمة القشّ و التبن.
      و إن صرتَ كالمغربيّ حرّاً عن الكائنات، أمكنك بقدمٍ واحدة أن تحلّق من السمَك إلى سمائك».

معرفة المعاد ج٦

52
  • و ينقل المرحوم الحكيم السبزواريّ مطلباً في تصوير محلّ الأبدان المحشورة في المعاد الجسمانيّ، و هو جدير بالتأمّل.

  • يقول: قد ذكر الشيخ الرئيس في كتابه «المبدأ و المعاد» في أمر الأبدان البرزخيّة التي هي محلّ و موضوع لتصويرات أنوار المؤمنين و نائرات الكافرين، إنّ بعض أهل العلم ممّن لا يجازف فيما يقول، قال:

  • علينا أن نجد تصويراً للمعاد الجسمانيّ بحيث يمكن قبوله.

  • فحين يرحل الإنسان عن الدنيا، فإنّ نفسه- من أجل أن تتمتّع باللذائذ في عالم الخيال و الصورة، أو تعذّب بالصور الكريهة- يجب أن تتعلّق ببدنٍ ليقوم عالم الصورة بذلك البدن.

  • و ليس هناك من بدنٍ فوق الأرض لتتعلّق به هذه النفس، كما أنّها لو تعلّقت بالأبدان الخارجيّة للزم من ذلك التناسخ الذي تمتلك البراهين و الأدلّة الكثيرة لإبطاله.

  • كما أن الأرض- من جهة اخرى- كرة محدودة، بينما أفراد البشر الذين يأتون فوقها من البدء إلى النهاية غير محدودين و لا متناهين،

معرفة المعاد ج٦

53
  • و لا يمكن لغير المتناهي أن يحلّ في المتناهي المحدود.

  • و لو جعلنا جميع حجم الكرة الأرضيّة أبداناً- فرضاً- فتعلّق كلّ واحد من النفوس بأحد هذه الأبدان، لفاض من تلك النفوس عدد كثير، لأنّها غير محدودة، و لازم ذلك بقاء كثير من النفوس دون بدن. و لذا فإنّ هذا الفرض مردود لا يمكن قبوله أيضاً.

  • و علينا من ثَمّ أن نرى أين تقع تلك الأبدان التي تتعلّق بها النفوس بعد الموت. يجب القول إنّها في السماوات، أي في الأفلاك و طبقات الدُّخان، لأنّ لدينا تسعة أفلاك، و هذه الأفلاك كبيرة بحيث لا يعلم أبعادها إلّا الله تعالى. و أصغر الأفلاك فلك القمر المحيط بجميع هذا العالم، فضلًا عن الأفلاك الأكبر منه. فنفوس الناس تتعلّق بعد الموت بتلك الأفلاك، حيث يتّخذ قدر من الفلك هيئة بدن الإنسان فتتعلّق به نفس الإنسان، و يحصل جميع الثواب و العذاب بواسطة ذلك البدن.

  • نظريّة الفارابيّ في أنّ أبدان بعد الموت في الافلاك

  • و بالطبع فإنّه ليس كمثل البدن الطبيعيّ الثقيل الذي يمتلك جرماً، بل هو مادّيّ لطيف زلال، و يمكن إجمالًا قبول هذا الكلام من ابن سينا.

  • و يقول الخواجة نصير الدين الطوسيّ قدّس الله سرّه: و أظنّ أنّ أصل هذا الكلام من الفارابيّ.1

    1. ينقل المرحوم الملّا صدرا في« الأسفار» قصّة جرم الأفلاك و المواد الدخانيّة لتعلّق النفوس الخسيسة من أصحاب اليمين و أصحاب الشمال بعد مفارقة البدن، و ذلك عن ابن سينا، عمّن لا يجازف في قوله( و قال العلّامة الطوسيّ: و أظنّه يريد الفارابيّ)، ثمّ يقول بعد أن يورد عليه عدّة إشكالات:
      و العجب أنّ ما صوّره الشيخ و الفارابيّ أحسن و أجود من سائر ما في كتب غيرهما من الإسلاميّين. و لذا فقد اختاره الغزّاليّ في كثير من مصنّفاته، كمواضع من« إحياء العلوم» و في رسالته« المضنون به على غير أهله»، و ذلك بعد أن شرحه مفصّلًا.
      ثُمّ يقول الملّا صدرا: و أكثر هذه المطالب يوافق ما نقلناه عن« الشفاء» و لعلّه اقتبس منه.(« الأسفار» ج 9، ص 148 إلى 253، الطبعة الحروفيّة).
      و قد ذكر الغزّاليّ هذه المطالب مفصّلًا في رسالة« المضنون به على غير أهله» المطبوعة في هامش رسالة« الإنسان الكامل» لعبد الكريم الجيليّ، ج 2، ص 84 و 85، طبعة المطبعة الأزهريّة- مصر، سنة 1316 هجرية.

معرفة المعاد ج٦

54
  • و حاصل المطلب أنّ هؤلاء [العوامّ] إذا فارقوا البدن و هم بدنيّون لا يعرفون غير البدنيّات، و ليس لهم تعلّق بما هو أعلى من الأبدان، فيشغلهم التعلّق بها عن الأشياء البدنيّة، أمكن أن يعلّقهم تشوّقهم إلى البدن ببعض الأبدان التي من شأنها أن تتعلّق بها الأنفس لأنّها طالبة، و هذه ماهيّات هيئة الأجسام، و هذه الأبدان ليست بأبدان إنسانيّة أو حيوانيّة، لأنّها لا تتعلّق بها إلّا ما يكون نفساً لها، فيجوز أن يكون أجراماً سماويّة لا أن تصير هذه الأنفس أنفساً لتلك الأجرام أو مدبّرة لها، فإنّ هذا لا يمكن، بل يستعمل تلك الأجرام لإمكان التخيّل ثمّ يتخيّل الصور التي كانت معتقدة عنده و في وهمه، فإن كان اعتقاده في نفسه و أفعاله الخير شاهدت الخيرات الاخرويّة على حسب ما تخيّلتها، و إلّا فشاهدت العقاب.

  • و قال كذلك: و يجوز أن يكون هذا الجرم متولّداً من الهواء و الأدخنة، و يكون مقارباً لمزاج الجوهر المسمّى روحاً الذي يشكّ الطبيعيّون أنّ تعلّق النفس به لا بالبدن. هذا ما لخّصه المحقّق (الخواجة نصير الدين) الطوسيّ رحمة الله عليه من كلام الفارابيّ.

  • و قد استحسن الشيخ شهاب الدين السُّهرورديّ هذه الفرضيّة و قال بأنّها تخلو من الإشكال، و ذلك لتعلّق الروح ببدن في الأفلاك غير المتناهية، و خاصّة فلك الأفلاك الذي يقال له أيضاً الفلك الأطلس و الفلك المحدّد.

معرفة المعاد ج٦

55
  • و قد تعجّب الخواجة نصير الدين الطوسيّ رحمة الله عليه من كلام شيخ الإشراق فقال:

  • إنّي لأتعجّب من بعض الموصوفين بفقه المعارف الإلهيّة و الاستشراق للأنوار الملكوتيّة كصاحب «التلويحات» مع شدّة توغّله في الرياضات الحكميّة و اعتنائه بوجود عالم آخر بين العالمين، كيف صوّب في «التلويحات» قول بعض العلماء من كون جرم سماويّ موضوعاً لتخيّلات طوايف من السعداء و الأشقياء.1

  • و لصدر المتألّهين الشيرازيّ على هذا القول اعتراضات كثيرة مذكورة في أكثر كتبه و في موضعين من «الأسفار»، كلزوم التناسخ بسبب التعلّق بالفلك و شبهه، و كإباء الفلك عن التأثّر من العلل الغريبة، و كعدم ما يصون الجرم الدخانيّ عن التبدّد و التحلّل و الفساد، و كعدم المطابقة بينه و بين النفوس المفارقة في الأزمنة غير المتناهية لتناهيه و عدم تناهيها و غير ذلك ممّا مذكور في «الأسفار».

  • و قد أجاب المرحوم السبزواريّ رحمة الله عليه على إشكالات الملّا صدرا و ردّ عليها جميعاً حسب ظنّه، و دَعم كلام الفارابيّ و شيخ الإشراق.2

  • بَيدَ أنّ بعض إشكالات الملّا صدرا- إنصافاً- لا يمكن ردّها، خاصّة بعد أن ثبت هذه الأيّام عدم وجود الأفلاك. و أنّ فرضيّة القدماء هذه أمر اضمحلّ اليوم و فقد اعتباره. فالالتزام بهذه الزوايا لإثبات المعاد الجسمانيّ، و الدخول في عقبات و منعطفات يستحيل عبورها، هو تأئيد للشرع الأنوار بجهاتٍ لا يرتضيها صاحب الشرع نفسه. و الشرع الأنور

    1. «المنظومة السبزواريّة» ص 337، طبعة ناصري.
    2. «المنظومة السبزواريّة» ص 338، طبعة ناصري.

معرفة المعاد ج٦

56
  • أسمى و أقدس من أن نشاء دعمه و مناصرته بهذه الامور.

  • في أقسام تصوّرات المعاد الجسماني

  • و إجمالًا فقد قال المرحوم الحكيم السبزواريّ رحمة الله عليه في الفرضيّات التي نُقلت في المعاد الجسمانيّ:

  • وَ بَعْضُهُمْ قَدْ صَحَّحُوا الجِسْمَانِيّ***بِالجِرْمِ مِنْ أفْلَاكٍ أوْ دُخَانِ

  • يَكُونُ مَوْضُوعاً لِتَصْوِيرَاتِهِمْ***مِنْ نَائِرَاتِهِمْ وَ تَنْوِيرَاتِهِم

  • وَ بَعْضُهُمْ صَحَّحَ بِالتَّنَاسُخِ***وَ أخْذُ جِنسٍ كُلَّ خُلْقٍ رَاسِخِ

  • وَ فِرْقَةٌ بِحِفْظِ أجْزَا فَرْدَةِ***تَصِيرُ ذِي بِالوَصْلِ ذَاتَ وَحْدَةِ

  • وَ قَالَ الإشْرَاقِيّ بِالمِثَالِ***وَ الأنْفُسُ الأنْفُسُ في الأقْوَالِ 1

  • يقول: قد صحّح بعض الفلاسفة تصوير المعاد الجسمانيّ بحلول النفس بعد مفارقة البدن بالأجرام السماويّة من الأفلاك أو الأجرام الدخانيّة، لأنّها محلّ صور نيران أهل جهنّم و أنوار أهل الجنّة.

  • و صحّح بعضهم التناسخ، بأن تستخدم كلّ مَلَكة من ملكات الإنسان و أخلاقه الراسخة ذلك النوع من الحيوانات الذي يرسخ فيه تلك الملكة و ذلك الخُلُق. فالنملة- مثلًا- محلّ بروز ملكة الطمع، و الخنزير محلّ بروز ملكة الشره و انعدام الغيرة، و الفأر محلّ بروز ملكة السرقة.

  • و التناسخ باطل بجميع أقسامه، و قد جرى إقامة الدليل الفلسفيّ على ذلك. و قال بعض المتكلّمين بأنّ أجزاءً فردة تبقى في الإنسان محفوظة لا تتجزّأ بعد الموت؛ ثمّ إنّ الباري تعالى يخلع لباس الوحدة على تلك الأجزاء بواسطة الوصل عند المعاد، و يصوّرها في صورها السابقة في الدنيا، فتتعلّق بها النفس من جديد.

  • و الإشكالات الواردة على هذه الفرضيّة كثيرة، و سيأتي ذكرها.

    1. «المنظومة السبزواريّة» ص 337 إلى 341، طبعة ناصري.

معرفة المعاد ج٦

57
  • و صحّح الإشراقيّون المعاد الجسمانيّ لنفوس المتوسّطين من أهل السعادة و أصحاب اليمين و أصحاب الشمال، و ذلك بعالم المثال الذي يدعى أيضاً عالم الأشباح. كما أنّ النفوس تبقى نفسها دون تغيير وفقاً لجميع هذه الأقوال.

معرفة المعاد ج٦

58
  •  

  •  

  • المَجْلِسُ السَّابِعُ وَ الثَّلَاثُونَ: شَيْئِيَّةُ الأشْيَاءِ بِصُورَتِهَا لَا بِالْمَادَّةِ

  •  

  •  

معرفة المعاد ج٦

60
  •  

  •  

  • بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

  • الحمد للّه ربّ العالمين و لا حول و لا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم

  • و صلَّى الله على محمّد و آله الطاهرين

  • و لعنة الله على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين

  • قال الله الحكيم في كتابه الكريم:

  •  

  •  

  • أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ، بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ.1

  • البنان عبارة عن أطراف الأصابع، و الاستدارة في أطراف الأظافر و فوقها، فحين يخيط الخيّاط ثوباً فإنّه يعمد عند الخياطة إلى ثني قدر من حافّة القماش إلى الداخل، و يقال لهذا القسم السجاف. و هكذا فإنّ الله تبارك و تعالى جعل سجافاً لاتّصال اصول الأظافر بلحم الأصابع يُدعى بالبَنان.

  • يقول سبحانه في هذه الآية المباركة: ما الذي يقوله هذا الإنسان و ما الذي يحسبه؟ أ يحسب أنّنا لسنا قادرين على جمع عظامه؟ بلى، سنجمع جميع أعضائه و جوارحه، اللحم و العظم، و العروق و الشحم و الجلد و الأظافر و نسوّي حتّى البنان و هو أصغر عضو من أعضائه.

  • و هكذا فقد كانت شبهات المادّيّين لإنكار المعاد، إنّما هي في حال عجز الله تعالى، و حاشا و كلّا أن تكون قدرة الله محدودة بحدّ أو منحصرة

    1. الآيتان 3 و 4، من السورة 75: القيامة.

معرفة المعاد ج٦

61
  • في إيجاد موجود خاصّ؛ بل قدرته كاملة و شاملة، لا تضيق حتّى عن إيجاد البنان و إعادته، فيرد الإنسان الحشر للحساب بكلّ أرجاء وجوده، و حتّى ببنانه و أطراف أصابعه. و لقد ألقى المنكرون شُبهة في باب المعاد الجسمانيّ عُرفت باسم شُبْهَة الآكِلِ و المَأكُولِ، و دُوّنت بهذا الاسم في الكتب و الدفاتر.

  • و محصّل هذه الشبهة: كيف يُحيي الله جميع الموتى فيُحضرهم في المحشر، مع أنّهم كانوا في هذه الدنيا آكلًا و مأكولًا لبعضهم البعض الآخر؟

  • بل إنّ ما سوى الله من الموجودات المادّيّة التي تتبدّل صورها دائماً هي بأجمعها آكل و مأكول لبعضها. فالبذرة تقتات على الموادّ الترابيّة تحت الأرض و تبدّلها إلى نفسها فتصبح شجرة، و النار تأكل الشجرة فتحوّلها إلى فحم، ثمّ تبدّل الفحم إلى رماد، ثمّ يتحوّل الرماد تحت الأرض إلى تراب، فيصير التراب مرّة اخرى شجرة و زرعاً و إنساناً و حيواناً.

  • و هكذا فإنّ المادّة تتبدّل دائماً في دائرة حركة الزمان و فوق هذه الأرض و عالم الطبع إلى صور مختلفة، و تتجلّى و تظهر في شكل و سيماء أشياء متفاوتة بأسماء مختلفة، كالإنسان و البقرة و الحمار و الشجرة و الماء و الهواء و الغاز و غيرها.

  • إنّ بدن الفرد من أفراد الإنسان- «كزيد» مثلًا، يصبح تحت الأرض رميماً و يتحوّل إلى موادّ غذائيّة تقوّي الشجرة و الزراعة التي تزرع فوقها، ثمّ إنّ الإنسان يتناول هذه المحاصيل الزراعيّة في هيئة حبوب الحنطة و الشعير و العدس و الماش و غيرها، و في هيئة ثمار الأشجار كالتفّاح و الكمّثرى و الجوز و اللوز و غيرها، فتتبدّل إلى الذرّات الموجودة في بدنه و تصبح جزء بدن شخص آخر ك- «حسن» مثلًا.

  • ثمّ إنّ «حسن» يموت و يتبدّل بدنه تحت الأرض إلى موادّ ترابيّة و موادّ

معرفة المعاد ج٦

62
  • مقويّة لسائر الأشجار و الزراعات، و هكذا فإنّ أفراداً آخرين سيأكلون ثمار تلك الأشجار أو حبوب تلك الزراعات و خضروات البساتين، أو يقتاتون على الضأن و الإبل و الأبقار و طيور السماء و أسماك البحار التي تغذّت من تلك الموادّ الغذائيّة، فتتبدّل إلى أجزاء و أعضاء و ذرّات بدنهم.

  • و على هذا المنوال فقد كان هناك دائماً في هذه الأرض و في عالم الطبيعة هذا آكلًا لمأكول آخر، كما كان الآكل يتحوّل إلى مأكول، و هذه السنّة الإلهيّة في حركة دائميّة كالعجلة الدوّارة.

  • فإذا حُشر جميع أفراد البشر في عالم الحشر، لاستلزم ذلك امتلاك أفراد كثيرين لبدنٍ مشترك، و سيمتنع أمر امتلاكهم أبداناً مستقلّة، و يلزم من ذلك تقديم أحد الأبدان على غيره، و هو ترجيح بلا مرجّح.

  • افرضوا أنّ كافراً أكل لحم بدن مؤمن، و أنّ لحم بدن هذا المؤمن صار جزءاً من أجزاء ذلك الكافر. فإن أراد الله تبارك و تعالى حشرهما، فإنّه إن حشر ذلك المأكول مستقلًّا، فإنّ ذلك الآكل لن يكون قد حُشر بتمامه، إذ إنّه فَقَد نصف بدنه، لأنّ نصف بدن الآكل تشكّل من المؤمن الذي صار مأكوله. فإن حشر الله تعالى ذلك المؤمن بتمامه و كماله، لما حُشر هذا الآكل الكافر بتمام المعنى، إذ إنّ نصفه سيكون غير محشور.

  • و إن حشر الآكل، لما حُشر المأكول المؤمن بتمام المعنى، إذ قد بقي جزء منه، و هو الذي صار مأكولًا في بطن الآكل و تبدّل إلى جزء من أجزائه الوجوديّة. هذا أحد الإشكالات. أمّا الإشكال الثاني و هو مشتقّ من الأوّل فهو: أنّ الله سبحانه إن شاء خلقهما فأيّهما سيقدّم؟ إن قدّمَ الآكل، فسيُقال: لما ذا لم يقدّم المأكول؟ و إن قدّم المأكول، قيل: لما ذا لم يقدّم الآكل؟ و هكذا فإنّ معاد كلّ منهما سيكون ترجيحاً بلا مرجّح، كما أنّ معادهما سويّاً أمر غير ممكن، و إلّا لزم منه تعلّق النفوس المختلفة ببدنٍ

معرفة المعاد ج٦

63
  • واحد.

  • و هناك أيضاً شبهة اخرى هنا، و هي أنّ ذلك المؤمن قد صار الآن مأكولًا للشخص الكافر، فإن شاء الله حشرهما و مجازاتهما بأعمالهما، فعذّبَ بدن الكافر، فإنّه سيكون قد عذّب نصف بدن المؤمن الذي صار جزءاً لبدن الكافر.

  • و إن نَعَّمَ بدن الكافر بلحاظ هذا النصف من بدن المؤمن، لوقع الكافر في هذه الحال ببدنه مورد النعمة و الرحمة؛ إذ لا يمكن جعل بدن واحد في وقت واحد مورداً للرحمة و الغضب كليهما، فينعّمه الله في الجنّة، و يحرقه في عين الحال في جهنّم.

  • كما أنّه إن نعّم بدن المؤمن، لكان قد نعمّ أيضاً نصف بدن الكافر، و إن عذّب بدن المؤمن بلحاظ هذا النصف من بدن الكافر، لكان في هذه الحال قد عذّب المؤمن بتمام بدنه.

  • و عموماً فإمّا أن يكفّ الله سبحانه عن رحمة المؤمن و عذاب الكافر لهذه المحذورات المذكورة، أو أن يعذّب الأجزاء المطيعة في بدن المؤمن و ينعّم الأجزاء العاصية في بدن الكافر، و كلاهما خلاف الفرض. و ذلك أوّلًا: لأنّ عالم الحشر لجزاء الأعمال. و ثانياً: لأنّ المؤمن و المطيع يجب أن يكون مورداً للرحمة و الثواب الجميل، أمّا الكافر و العاصي فيجب أن يكون مورداً للغضب و الانتقام.

  • ردّ صدر المتألّهين الشيرازيّ شبهة الآكل و المأكول

  • هذا و قد قال المرحوم صدر المتألّهين قدّس الله نفسه في ردّ هذه الشبهة:

  • إنَّ انْدِفَاعَهُ ظَاهِرٌ بِمَا مَرَّ مِنْ أنَّ تَشَخُّصَ كُلِّ إنْسَانٍ إنَّمَا يَكُونُ بِنَفْسِهِ لَا بِبَدَنِهِ، وَ أنَّ البَدَنَ المُعْتَبَرَ فِيهِ أمْرٌ مبْهَمٌ، وَ لَيْسَ لَهُ مِنْ هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ تَعَيُّنٌ وَ لَا ذَاتٌ ثَابِتَةٌ، وَ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ بَدَنِ زَيْدٍ مَثَلًا مَحْشُوراً، أنَّ الجِسْمَ الذي

معرفة المعاد ج٦

64
  • صَارَ مَأكُولًا لِسَبْعٍ أوْ إنْسَانٍ آخَرَ مَحْشُوراً، بَلْ كُلَّمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ نَفْسُهُ فَهُوَ بِعَيْنِهِ بَدَنُهُ الذي كَانَ؛ فَالاعْتِقَادُ بِحَشْرِ الأبْدَانِ يَوْمَ القِيَامَةِ هُوَ أنْ يَبْعَثَ أبْدَانٌ مِنَ القُبُورِ، إذَا رَأى أحَدٌ كُلَّ وَاحِدٍ وَاجِدٍ مِنْهَا يَقُولُ: هَذَا فُلَانٌ بِعَيْنِهِ، وَ هَذَا بَهْمَانٌ بِعَيْنِهِ؛ أوْ هَذَا بَدَنُ فُلَانٍ، وَ هَذَا بَدَنُ بَهْمَانٍ، عَلَى مَا مَرَّ تَحْقِيقُهُ. وَ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ غَيْرَ مُبَدَّلِ الوُجُودِ وَ الهُوِيَّةِ، كَمَا لَا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ مُشَوَّهُ الخَلْقِ وَ الأقْطَعُ وَ الأعْمَى وَ الهَرِمُ مَحْشُوراً عَلَى مَا كَانَ مِنْ نُقْصَانِ الخِلْقَةِ وَ تَشْوِيهِ البُنْيَةِ كَمَا وَرَدَ في الأحَادِيثِ.

  • وَ المُتَكَلِّمُونَ عَنْ آخِرِهِمْ أجَابُوا عَنْ هَذِهِ الشُّبْهَةِ بِمَا لَا حَاجَةَ إلى ذِكْرِهِ لِرَكَاكَتِهِ.1

  • الردّ على شبهة الآكل و المأكول بافتراق الصور لا بالموادّ

  • كان هذا كلام الملّا صدرا في ردّ هذه الشبهة. و قد سار المرحوم الحكيم السبزواريّ قدّس سرّه في ردّ هذه الشبهة على منوال الملّا صدرا و نهجه. فيقول:

  • وَ شُبْهَةُ الآكِلِ وَ المَأكُولِ***يَدْفَعُهَا مَنْ كَانَ مِنْ فُحُولِ

  • إذْ صُورَةٌ بِصُورَةٍ لَا تَنْقَلِبْ***عَلَى الهَيُولَى الانْحِفَاظُ مُنْسَحِبْ

  • فإذا قلنا: صار الماءُ هواءً، ليس المراد أنّ الصورة المائيّة بما هي صورة مائيّة صارت مُصوّرة بالصورة الهوائيّة، لأنّه انقلاب في الحقيقة، بل المراد أنّ المادّة التي كانت متلبّسة في الزمان الأوّل بالصورة المائيّة، انخلعت عنها الصورة المائيّة و لبست الصورة الهوائيّة في الزمان الثاني.

  • و كذا إذا صار الأبيض أسودَ لا يصير البياض سواداً، بل الموضوع له خلع و لبس كما ذكر، فاللحم من حيث له الصورة اللحميّة لا يصير كيموساً2، و لا بدن المؤمن من حيث له صورة خاصّة يصير بدناً للكافر، إذ الصورة

    1. «الأسفار الأربعة» بحث المعاد، ج 9، ص 200، الطبعة الحروفيّة.
    2. الكيموس: كلمة يونانية تعني- حالة الطعام بعد هضمه في المعدة.( المنجد).

معرفة المعاد ج٦

65
  • الخاصّة ليست شرطاً في مادّيّة المادّة، بل هي موانع، و الصورة المطلقة من المصاحبات الاتّفاقيّة، و لو صار البدن بما هو بدن كيموساً لشاهدناه في أيّام كونه كيموساً و ليس كذلك، بل كلّ صورة في حدّها و مرتبتها هي هي.1

  • و نقول لتوضيح هذا المطلب: قد ثبت في الحكمة المتعالية أنّ شيئيّة الأشياء بصورتها لا بمادّتها، أي أنّ ما يشخّص الأشياء و يُلبسها رداء التعيّن و يُميّز بين الشيء و الشيء، و بين الموجودات، فصلها و صورتها لا مادّتها.

  • و ذلك لأنّ جميع الموجودات الطبيعيّة تشترك في المادّة، و أنّ هناك مادّة صرفة بسيطة دون تشخّص و لا تعيّن قد طبقت أرجاء الموجودات، حيث تدعى بالمادّة الأوّليّة و الهيولى الأوّليّة و مادّة الموادّ.

  • و تحتاج هذه المادّة من أجل التشخّص و التميّز لأمرٍ يعطي لها شكلًا و إسماً و تعيّناً، كالإنسان و الحيوان و الشجرة و الحجر و الماء و الهواء و غير ذلك. و من ثَمّ فإنّ إنسانيّة الإنسان مرتبطة بإنسانيّته تلك لا بمادّته، لأنّ المادّة موجودة على كلّ حال و لا تُدعى إنساناً. و حين صارت المادّة إنساناً فقد صار يُقال لها إنساناً، و تعلّق بها اسم الإنسان و شخصيّة الإنسان؛ و هكذا الأمر في الحيوان و الشجرة، فما دامت صورتها و اسمها لم ينطبقا على المادّة، فإنّه لا يقال لتلك المادّة حيوان أو شجرة. فكون الشجرة شجرة و كون الحيوان حيواناً- إذاً- منوط و مرتبط بذلك الشيء الذي يتركّب على المادّة فيقال لتلك المادّة- لتلك الجهة- حيواناً أو شجرة، و يقال لذلك الشيء صورة حيوانيّة أو صورة شجريّة.

  • فإن زالت تلك الصورة من المادّة، فاتّخذت صورة اخرى صورة تلك المادّة لنفسها، فإنّ المادّة لم تفن و لم تعدم، بل إنّ هناك مادّة مشتركة

    1. «المنظومة السبزواريّة» ص 345، طبعة ناصري.

معرفة المعاد ج٦

66
  • موجودة في كلتا الحالتين. كلّ ما في الأمر أنّ تشخّصها في الصورة الاولى التي كانت فيها خشباً- مثلًا- كان بتلك الصورة، فكانت تُدعى خشباً. أمّا حين تبدّل الخشب إلى فحم، فإنّ تشخّص تلك المادّة صار بصورة الفحم. و هكذا فإنّ ما يوجب تشخّص و تميّز الموجودات هو فصلها المميّز و صورتها لا مادّتها. فما يجعل من زيدٍ زيداً زيديّته لا المادّة. و ما يجعل المؤمن مؤمناً و الكافر كافراً، الإيمانُ و الكفر لا المادّة.

  • و إذا ما قلنا- مثلًا- هاتِ الخشب! فما هو الخشب يا ترى؟ هو ذلك الشيء الذي هو الآن خشب، و الذي يُدعى الآن خشباً. فإن سألتَ أحداً: ما هذا؟ لأجابك: هذا خشب.

  • و لو كان هذا الخشب تراباً في السابق فتبدّل إلى خشب، أو أنّهم سيحرقونه فيما بعد فيتبدّل إلى فحم، ثمّ يشعلون الفحم فيشتعل ناراً ثمّ يصبح رماداً، فإنّ تلك الصور التي امتلكها قبلًا فاكتسبتها هذه المادّة لنفسها، ليست مرتبطة بخشبيّة هذا الخشب، لأنّ الخشب كان خشباً حين كان خشباً، لا قبل ذلك و لا بعده. و ليست خشبيّته مرتبطة بمادّته، لأنّ المادّة كانت موجودة قبله و بعده إلّا أنّها لم تكن خشباً.

  • و بالطبع فقد كانت هناك مادّة في جميع الأحوال، و لم يكن ليتحقّق بدونها في الخارج أي قسم من أقسام التراب و الخشب و الفحم و النار و الرماد، إلّا أنّ تلك المادّة كانت مشتركة فيها جميعاً. فخشبيّة الخشب ليست قائمة بتلك المادّة، لأنّ تلك المادّة موجودة في هذا الخشب، كما أنّها موجودة في الفحم الذي يليه، و في تلك النار و في ذلك الرماد أيضاً.

  • لكنّ ما جعل هذه المادّة خشباً فعلًا، و منحها صورة الخشبيّة و الحطبيّة هو الفصل المميّز للخشب. ثمّ إنّ ما يُعطيها بعد ذلك صورة الفحميّة و الناريّة و الرماديّة الفصل المميّز لها.

معرفة المعاد ج٦

67
  • إنّ بيضة الدجاج التي يأكلها الإنسان مركّبة فعلًا من بياض البيض و صفاره، و هذه البيضة تتبدّل حين تحضنها الدجاجة و ترقد عليها إلى علقة، ثمّ إلى فرّوج. فهي إذ تحوّلت إلى فرّوج لم تعد بيضة، و لم يعد هناك بياض البيض و لا صفاره، بل هي فرّوج.

  • و بالطبع فإنّ هناك مادّة مشتركة في تلك البيضة و في هذا الفرّوج، و لم يكن الأمر بحيث إنّ تلك البيضة تلاشت كلّيّاً فخُلق فرّوج جديد مستقلّ، بل تبدّلت تلك البيضة إلى فرّوج. إلّا أنّ البيضة ما دامت بياض البيض و صفاره فإنّها ليست فرّوجاً، أمّا حين صارت فرّوجاً فإنّها لم تعد بياض البيض و صفاره.

  • و لقد تعاقبت الصور على هذه المادّة، الواحدة بعد الاخرى، لكنّ ما يشخّص الموجود و يمنحه اسماً و يجعله ذا خواصّ و أثر معيّن، و ما يفرّق الماهيّات و يميّزها عن بعضها ليس مادّتها، بل صورتها.

  • فما يجعل من بيضة الدجاج بيضةَ دجاج بياض البيض و صفاره في هذه الحال الفعليّة و الخصائص الفعليّة، و حين تصبح فرّوجاً فإنّ هذا الوجود مبتنٍ على أساس هذا التشخّص الفعليّ، و هو الكون فرّوجاً (الفرّوجيّة).

  • فَمِنَ المحال أن تجتمع صورتان معاً، أي أن تجتمع البيضة و الفرّوج، و يجب حتماً أن تزول صورة ما لتظهر صورة اخرى على المادّة. و عموماً فإنّ وجود و تشخّص كلّ موجود في عالم الخارج منوط بصورته لا بتلك المادّة المشتركة.

  • افرضوا الآن أنّ إنساناً أكل إنساناً آخر، إمّا بدون واسطة، كأن يقتل كافر مؤمناً فيأكله مثلًا، أو مع الواسطة، كأن يتغذّى كافر من لحم خروف أو من زراعة و فاكهة نمت على جسد مؤمن ميّت. فإنّ تشخّص ذلك المؤمن- ما دام لم يصبح مأكولًا لذلك الكافر الآكل- إنّما هو بنفسه الناطقة و صورته

معرفة المعاد ج٦

68
  • الإنسانيّة القائمة بالمادّة.

  • و حين أكَلَ شكلُ الآكل بدنَ هذا الإنسان المأكول، فإنّه قد أكل تلك المادّة لا الصورة الإنسانيّة، فاتّخذت تلك المادّة لنفسها الصورة الإنسانيّة للآكل، و هي صورة غير تلك الصورة. فصورة المؤمن تلك موجودة في موضعها، و صورة الكافر هذه موجودة في موضعها أيضاً.

  • المادّة أمر مُبهم، و صورة الموجودات باقية على الدوام

  • و بناءً على ما أثبت في الفلسفة العالية، فإنّ النفس الناطقة مجرّدة و موجودة بعد الموت، و باقية بفعليّتها تلك لا تتغيّر أبداً.

  • أي أنّ ذلك الإنسان المؤمن الذي صار بدنه مأكولًا للكافر هو زيد المؤمن ما دام لم يصبح بعدُ طعاماً للآكل، فأنت تناديه ب- «زيد» فيجيبُك بالإيجاب. فتقول: ما وجودك و تشخّصك؟ فيجيب: الزيديّة. أنا زيد.

  • أمّا حين يصبح طعاماً للآكل، فإنّ تلك الصورة الزيديّة لا تتبدّل إلى طعام و غذاء، بل إنّ تلك الصورة باقية إلى الأبد. و ما يصبح طعاماً للآكل مادّة زيد التي تتعلّق بها صورة فرعون الكافر، و هي صورة اخرى أعقبت تلك الصورة و لا ارتباط لها أبداً بصورة زيد.

  • على أنّ ما يجعل هذين الموجودين- أي زيد المؤمن و فرعون الكافر- متشخّصين متميّزين في الخارج، و ما يجعلهما زيداً و فرعونَ صورتُهما الإنسانيّة و إيمانهما و كفرهما و نفسهما الناطقة، فهما منفصلان عن بعضهما لا يختلطان و لا يمتزجان أبداً، فزيد ليس فرعون، و فرعون ليس زيداً. كما أنّ صفار البيضة ليس فرّوجاً، و الفرّوج ليس صفاراً. و لقد وجد الفرّوج حين زال الصفار.

  • و هكذا فإنّ وجود و شيئيّة البيضة و الفرّوج ليسا بتلك المادّة المشتركة بينهما، لأنّ تلك المادّة المشتركة أمر مُبهم لا حصول له في الخارج، و من المحال أن يوجد أو يتحقّق بنفسه تلقائيّاً في عالم الخارج.

معرفة المعاد ج٦

69
  • أي أنّكم لا يمكن أن تجدوا في الخارج أيّ مادّة دونما صورة، كأن تجدوا- مثلًا- مادّة ليست إنساناً و لا بقرة و لا خروفاً و لا خشباً و لا شجرةً و لا ماءً و لا هواءً و لا تراباً و لا غازاً و لا غير ذلك.

  • فتلك المادّة هي إذاً في تحقّقها عين الإبهام و عدم الحصول، و ما يجعل موجوداً ما حاصلًا هو الصورة التي تتعلّق بالمادّة.

  • إنّ المعاد لا ارتباط له بالمادّة أبداً، لأنّ المادّة ليس لها ارتباط بزيد و لا بالعمل الصالح و الطالح و لا بالإيمان و الكفر، فمادّة الموادّ مادّة سارية و جارية في جميع المادّيّات، و ليس لها جانب للتشخّص و التميّز، و ليست قابلة للإشارة ليتحدّث الإنسان معها و يجعلها مورداً للمؤاخذة أو الثواب، يقسّم الموجودات- من ثمّ- على ذلك الأساس.

  • لقد قسّمت الموجودات على أساس الصورة، فنحن نقول زيد، بكر، حسن، حسين، تقي، نقي، إنسان، حيوان، شجر، مدر؛ و هي بأجمعها تابعة للصورة، و هذه الصور موجودة بأجمعها في عالم الدهر و ظرف عالم الكون.

  • بيان: إنّ بيضة الدجاجة لم تكن في بطن الدجاجة بأكثر من بيضة دجاجة، و حين وضعت الدجاجة هذه البيضة على الأرض، فإنّها كانت بيضة دجاجة، مادّة صفراء و بيضاء. فإن رقدت الدجاجة فوقها فإنّها ستتبدّل إلى حالاتٍ ما، فتفقد كلّ يوم و كلّ ساعة و كلّ لحظة تلك الصورة الاولى و تكتسب صورة جديدة.

  • ثمّ يمرّ اليوم الأوّل و الثاني و الثالث و الرابع و ... حتى تتبدّل إلى علقة، ثمّ تتقدّم إلى الأمام لتتبدّل إلى مُضغة، ثمّ تتقدّم لتتبدّل إلى عظام، فيكسو الله تلك العظام لحماً فتتبدّل بعد واحد و عشرين يوماً إلى فرّوج يكسر قشر البيضة و يخرج. و يُلاحظ أنّ عمله طيلة هذا الزمن كان تبديل الصورة

معرفة المعاد ج٦

70
  • و تغييرها باستمرار، فكان يبدّل بسرعة فائقة صورةً بعد اخرى.

  • أشبه بنفس الإنسان الناطقة التي تغيّر لباسها في الدنيا باستمرار، فهناك أيّام الصبا و أيّام الشباب و أيّام الشيخوخة، و هي بدينة أحياناً، هزيلةً أحياناً اخرى، سليمة في بعض الأوقات، مريضة في بعضها الآخر. فهذه الحالات المختلفة هي الأردية و الألبسة المختلفة لنفس الإنسان.

  • و هكذا فإنّ هذه المادّة- هي الاخرى- تتّخذ لنفسها باستمرار صوراً فترتديها و تخلعها الواحدة بعد الاخرى، حتّى تظهر فيها الروح و يكمل الفرّوج فيكسر القشر و يخرج.

  • أ فيمكننا أن نرى في لحظة واحدة خلال جميع هذه المراحل وجود صورتان مختلفتين في آن واحد في هذه البيضة؟ فلقد كانت نطفة و لم تكن إذ ذاك علقة؛ فصارت علقة و لم تبق كذلك في المراحل التي تليها. ثمّ اكتسبتْ روحاً فاستوى خلقها، فلم تعد حينئذٍ علقةً و لا مضغة و لا نطفة.

  • بَيدَ أنّنا نتخيّل أنّ تلك الحال السابقة لهذه البيضة قد زالت تماماً و لم يبقَ منها أثر في عالم الخارج. و أنّها قد اتّخذت الآن صورةً اخرى.

  • و نتخيّل أنّ تلك الحالة قد انعدمت بجميع أرجائها و ليست بالمعدومة.

  • فهناك بيضة دجاج موجودة و باقية في الوعاء السابق لبيضة الدجاج.

  • لقد كانت أمس بيضة دجاج، ثمّ تقدّمنا من أمس إلى اليوم، و تقدّمت هذه البيضة أيضاً من أمس إلى اليوم، فلقد تحرّ كت معنا هذه البيضة كما تحرّ كنا، و لقد اختفت عنّا صورة وجودنا أمس، و اختفت عنّا اليوم صورة البيضة التي كانت لها أمس؛ و حين نتحرّك اليوم لنصل إلى الغد، فإنّ وجود اليوم سيكون مختفياً بالنسبة إلى الغد، كما أنّ الحالة التي تمتلكها بيضة الدجاج اليوم ستكون مختفية بالنسبة إلى الغد.

  • و هكذا نسير إلى زمان تتبدّل فيه هذه البيضة إلى فرّوج، فتحاول

معرفة المعاد ج٦

71
  • الخروج من هذه الصورة. على أنّ جميع سلسلة المراتب التي طوتها هذه البيضة، و الصور المتغيّرة التي اتّخذتها ليست حاضرة أو مشهودة لدينا الآن، و الذي أمامنا فعلًا فرّوجاً فقط و لا شيء غيره. أ فهناك بيضة دجاج؟

  • أهناك بياضها و صفارها؟ أهناك الآن تلك الحالات المختلفة التي طوتها خلال بضع و عشرين يوماً؟ كلّا.

  • و نحن أيضاً نحسّ الآن بوجودنا الفعليّ في أنّنا موجودون الآن.

  • أ فموجودٌ أمسنا معنا الآن؟ أو موجود أمس الأوّل؟ أو اليوم الذي سبقه؟

  • أ موجودة معنا فعلًا جميع الأعمال التي كنّا قد فعلناها عشرين يوماً، و تلك التميّزات و التشخّصات التي كانت لنا، و تلك الصور المختلفة التي بدّلناها، هل هي موجودة الآن؟

  • إنّ أيّاً منها ليس معنا الآن، إنّ وجودنا الفعليّ الآن هو الوجود الذي ندركه فعلًا لا غير. أمّا في عالم الواقع و في عالم الكون و الحقيقة فإنّ الجميع موجود و مختفٍ عنّا.

  • نحن نقول حيناً: لقد زالت البيضة و انعدمت كلّيّاً و ضاعت في عالم الكون، فهناك الآن فرّوج. و نقول حيناً آخر: إنّ ذلك الصفار و البياض ليسا موجودينِ الآن، لكنّهما كانا موجودينِ قبل عشرين يوماً، و إنّ هذه البيضة التي صارت فرّوجاً ليست الآن صفاراً.

  • بَيدَ أنّ هذه البيضة التي صارت فرّوجاً، لو وضعنا جانباً كونها فرّوجاً (و هو صورة)، و أعدنا هذه المادّة إلى الوراء عشرين يوماً، لكانت البيضة موجودة في ظرف قبل عشرين يوماً.

  • الاشياء في عالم الوجود باقية دوماً

  • إنّنا نولد من الامّ و نطوي مراحل معيّنة واحدة بعد الاخرى، فجميع هذه الصور المختلفة و الحالات المتفاوتة موجودة في عالم الواقع و عالم الكون و الوجود. إلى أن ذهبنا إلى المدرسة و صرنا شباباً، ثمّ شيوخاً، و ها

معرفة المعاد ج٦

72
  • نحن نقترب من مرحلة الموت و نرحل عن هذه الدنيا. فجميع هذه التغيّرات و التحوّلات موجودة في عالم الواقع و عالم نفس الأمر و عالم الوجود، إلّا أنّنا نجهل ذلك. لما ذا؟

  • لأنّنا موجودون زمانيّون و مكانيّون، و لأنّ الزمان و المكان من آثار و شرائط تشخّص طبيعتنا. كما أنّ أحد الأعراض التسعة العارضة على جوهر وجودنا هو أين (المكان)، و الآخر متى (الزمان).

  • أي باعتبار أنّ تشخّصنا الفعليّ منوط بالزمان و المكان، فإنّنا لهذا ندرك هذا الزمان الحاضر. و لأنّ الزمان و المكان كليهما من شرائط التشخّص، فإنّ وجودنا الفعليّ و شخصيّتنا الطبيعيّة قائمة بهذين الاثنين.

  • و هكذا فقد مرّ أمسُ و أختفى عن الأنظار، و مرّ قبله أمسُ الأوّل، كما أنّ جميع الأمكنة الموجودة في الدنيا- عدا مكاننا و الحيّز الذي يشغله بدننا- بعيدة عنّا و مهجورة. كما أنّنا لسنا الآن- و لا يمكن أن نكون- في الأمكنة التي كنّا فيها أمس و أمس الأوّل.

  • و ليس معنى قولنا إنّها مرّت، أنّها انعدمت و فنيت و ضاعت في عالم الوجود، بل هي محفوظة جميعاً، كلًّا في موضعه. و لقد أخَذَتْنَا من هناك و من ذلك الزمان و جاءت بنا إلى الأمام فوق مقطع الزمان، حتّى أجلستنا في هذه النقطة من الزمان و المكان. فاختفى ما سبق عن نظرنا، و استتر عن إدراكنا و إحساسنا.

  • إنّ هذا العبد الحقير بهذا التشخّص و قيد التحيّز في هذا المكان، و قيد الوجود في هذا الزمان، مشهود الآن لجميع حضّار هذا المجلس، فأنا بمرأى و مسمع منكم، لا شكّ في هذا الأمر. لكنّ الساعة التي سبقت لي ليست موجودة الآن، بَيدَ أنّها موجودة في الساعة السابقة. كما أنّ أمسي ليس موجوداً الآن، لكنّه موجود في ذلك الظرف الزمانيّ السابق. و هكذا

معرفة المعاد ج٦

73
  • فإنّ أمسي و أمسي الأوّل و شهري السابق و سنّتي السابقة، و هكذا عوداً إلى الوراء، و كلّ واحد من هذه التشخّصات و الخصوصيّات موجود في ذلك الزمان و في ذلك المكان، و مقترن بتلك الأعراض و الخصوصيّات في عالم الوجود و الواقعيّة و الحقيقة. غاية الأمر أنّ منتهى الإدراك و نحو التعقّل بحيث أنّه لا يمكننا الآن أن ندرك الزمان السابق أو نفهم الزمان اللاحق، و إلّا فإنّ الجميع موجود و حاضر في عالم الوجود و عالم التكوين.

  • و نورد مثالًا لإيضاح هذا الأمر:

  • افرضوا أنَّكم أخذتم حبلًا طوله عشرة أمتار، و صبغتم كلّ متر منه بلون خاصّ، فصبغتم المتر الأوّل- مثلًا- باللون الأبيض، و المتر الثاني بالأسود، و الثالث بالأخضر، و هكذا إلى نهاية الحبل.

  • ثمّ إنَّكم وضعتم عند طرف الحبل جرادة أو نملة لا تبصر إلّا ما هو أمامها و قدراً ممّا حولها، فما الذي ستراه هذه الجرادة أو هذه النملة؟ إنَّها سترى حبلًا أبيضاً فقط و لا شيء آخر غيره. ذلك لأنَّ امتداد شعاع بصرها ليس حادّاً بالقدر الذي يمكنها معه أن ترى الألوان المختلفة إلى آخر الحبل. بل إنَّها لا ترى ما بعد المتر الأوّل، و هو اللون الأسود.

  • ثمّ إنّنا نمرّر هذا الحبل أمام أنظار هذه الحشرة ببطء، بحيث ينتهي اللون الأبيض فترى اللون الأسود فقط.

  • فإن سألناها: ما الذي حصل للحبل الأبيض؟ لقالت: ضاع و فني.

  • و مهما تلفّتتْ إلى هذه الجهة أو تلك لما شاهدت الحبل الأبيض و لا الحبل الأخضر اللاحق في القطعة القادمة. و ستقول هذه الحشرة أن ليس هناك شيء في العالم غير هذا الحبل الأسود. ثمّ نحرّك الحبل قليلًا إلى الأمام بحيث تصبح القطعة الخضراء أمامها فستقول: لقد انعدم ذلك الحبل الأسود و فني، و ليس هناك الآن مطلقاً غير الحبل الأخضر. و هكذا فكلّما قدّمنا

معرفة المعاد ج٦

74
  • الحبل إلى الأمام فجعلنا الألوان الاخرى أمامها، فإنّها ستعتبر ذلك اللون موجوداً و ستُنكر مطلقاً الألوان الاخرى سواءً كانت في هذا الطرف من الحبل أم ذلك. أي أنّها ستُنكر كلّيّاً الألوان التي لم ترها سابقاً، كما ستنكر الألوان التي شاهدتها و اختفت من أمام عينيها، و ستعدّها جميعاً معدومة و فانية.

  • و إذا ما سألناها: ما الذي جرى لتلك الألوان؟ فإنّها ستجيب: لقد انعدمت و زالت. فإن قلنا: إنّها موجودة. فستردّ: ليست موجودة قطعاً.

  • و نسألها: ما الدليل على عدم وجودها؟

  • فتقول: لأنّي مهما فتحت عيني فحدّقت في هذا الجانب أو ذلك لم أرَ أبداً غير الحبل الذي يقابلني الآن.

  • إنّ الجرادة أو النملة صادقة في قولها، إنّها لا ترى، لأنّها تتحدّث ضمن إدراكاتها التي هي مدى بصرها فقط، و هو- مثلًا- بقدر رؤية مترٍ واحد.

  • أمّا أنتم فتُلقون بنظرة واحدة فترون- علاوة على الأمتار العشرة- مائة متر و ألف متر من طرفي هذا الحبل. و هكذا فإنّ جميع هذا الحبل بألوانه المختلفة حاضر لديكم في آنٍ واحد و لحظة واحدة. فلا يمكنكم القول بأنّ الحبل الأبيض قد ضاع، أو أنّ الأصفر قد ضاع، أو أنّ الأسود قد ضاع، فالجميع موجود، إذ إنّ لإدراككم السيطرة و الهيمنة على جميع أقسام الحبل و أجزائه الوجوديّة.

  • پشّه كي داند كه اين باغ از كِى است***در بهاران زاد و مرگش در دى است

  • يقول: «إنّ هذه البعوضة تولد في الربيع فتخرج من البيضة، ثمّ تموت في شهر دي [أي في الشتاء]، فهي الآن تقفز في هذا الحقل، فأنّى

معرفة المعاد ج٦

75
  • لها أن تعلم عن أصل هذا الحقل و أساسه؟ أو تعلم مَن رتّب هذا الحقل و نظّمه؟ أو تعلم مَن زرع أشجاره قبل مائة سنة، و مَن أجرى القناة فيه قبل مائتي سنة؟ و أنّى لها أن تعلم عن مستقبل هذا الحقل الذي سيعمّر عدّة مئات من السنين أو للألف سنة القادمة؟ إنّ البعوضة إنّما تعلم عن الحقل بما يوازي معيشتها فقط.

  • و تبعاً للبراهين الفلسفيّة المتقنة، فليس هناك من موجود يصبح موجوداً و يصبح معدوماً في عين وجوده، فالوجود و العدم متناقضان، و الموجود و المعدوم متناقضان، و البياض و السواد لا يجتمعان.

  • أ يمكن- يا ترى- أن تكون مصابيح هذا المسجد مُضاءة و مطفأة مظلمة في نفس الوقت؟ كلّا بالطبع.

  • نعم، يمكن أن تكون مطفأة مظلمة في لحظةٍ ما، ثمّ مضاءة في اللحظة التي تليها، ثمّ مطفأة بعد ذلك، إذ إنّ الإضاءة و الظلمة المتعاقبة يمكن حصولها، أمّا حصولها في زمن واحد فأمر محال.

  • و إذا ما ارتدى أحد رداء الوجود ثمّ صار معدوماً في زمن آخر، فقد صار معدوماً في زمن يلي الأوّل. و لكن أ يمكن القول- يا ترى- إنّه كان معدوماً أيضاً في الزمن الأوّل.

  • أنا الآن حيّ، ثمّ إنّني أرتحل إلى رحمة الله إن شاء الله، و لن يكون لي آنذاك حياة طبيعيّة. أ فيمكن القول إنّني الآن لست حيّاً؟ بل أنا الآن حيّ، و سأبقى إلى الأبد حيّاً في ظرف الزمن الحالى و لن أكون ميّتاً.

  • ذلك لأنّ الحياة مفروضة في هذا المقطع من الزمان، و الوجود مفترض في هذا المقطع، و لن يتبدّل الوجود في هذا المقطع في اللحظة التالية، و لن يطرأ عليه العدم. ثمّ إنّ الوجود سيتبدّل في المقطع اللاحق إلى عدم، و لن يكون لذلك ارتباط بهذا المقطع من الزمان. و من ثَمّ، و تبعاً لهذا

معرفة المعاد ج٦

76
  • البرهان، فإنّ العدم محال بالنسبة لكلّ موجود ارتدى لباس الوجود في العالم، فكلّ شيء قد وجد، فإنّ انعدامه من المحال.

  • افرضوا الآن أنّ هذا العمود الذي يحمل سقف المسجد معدوم في عين قيامه بحمل السقف. لا ريب أنّ ذلك من المحال. نعم، إن العمود قد يرفع السقف لألف سنة ثمّ ينهار، لكنّ هذه السنوات الألف التي كان يحمل السقف فيها ليس فيها عدم، أمّا حين ينهار فإنّ وجوده سيزول.

  • و عليه فإنّ الوجود و العدم، و الموجود و المعدوم لا يجتمعان، و الشيء الذي وجد لن يرتدي لباس العدم في عين وجوده و زمن وجوده.

  • جميع أعمال الإنسان حاضرة يوم القيامة

  • أمّا الآن و قد اتّضح هذا المطلب، فنقول:

  • إنّ الله سبحانه قد أوجد عالماً في بداية الخلقة (و لن نتعرّض فعلًا لبحث سلسلة المراتب الطوليّة و نكتفي بالحديث عن المراتب العرضيّة).

  • لقد خلق اللهُ العالم، و خلق الشمس و القمر و النجوم، ثمّ انقضت مدّة فخلق آدم، ثمّ ظهر أولاد من آدم و حوّاء، و نشأ منهم نسل البشر، ثمّ وُجدت امم و أنبياء، الواحد بعد الآخر، ثمّ زالت، حتّى وصل الدور إلى زمان خاتم الأنبياء محمّد بن عبد الله صلّى الله عليه و آله و سلّم، و استمرّ الأمر من ذلك الزمان إلى زماننا هذا، و سيبقى من هذا الزمان إلى يوم القيامة، و بعد يوم القيامة إلى ما يعلمه الله تعالى. على أنّ جميع هذه الموجودات السابقة و اللاحقة، التي هي غير موجودة الآن، ليست موجودة في ظرف هذا اليوم مع ظروفها الخاصّة. أي أنّها غير موجودة في ظرف هذا الزمان و لا في موطنه، بل موجودة بأجمعها في أزمنتها و مواطنها.

  • لقد جئتم بالماء في القدح، فهذا الماء ليس في «السماور»1، لكنكم

    1. السماور وعاء معدنيّ في وسطه مكان لإشعال النار، يستعمل لغلي الماء.( م)

معرفة المعاد ج٦

77
  • لا تستطيعون القول مطلقاً إنّ الماء ليس موجوداً في القدح و السماور.

  • إنّ الماء في القدح- مع قيد أنّه في القدح- ليس موجوداً في مكان آخر، و تلك الموجودات- مع قيد وجودها في هذا الزمان- ليست موجودة في ذلك الزمان. كما أنّ الموجودات التي كانت موجودة في ذلك الزمان- مع قيد وجودها في ذلك الزمان- ليست موجودة في هذا الزمان. و لكن هل تكون موجودات ذلك الزمان غير موجودة في ذلك الزمان؟ من المحال أن لا تكون موجودة فكلّ موجود يوجد في أيّ زمان، هو- بدون شكّ- موجود في خصوص ذلك الزمان.

  • إنّ آدم أبا البشر على نبيّنا و آله و عليه السلام غير موجود الآن، إلّا أنّه موجود في ذلك الزمان الذي خلع فيه الله عليه رداء الحياة. فآدم أبو البشر حيّ، و لكن ليس في هذا الزمان، بل في ذلك الزمان. بَيدَ أنّ إدراكنا لا يصل بحيث نرى ذلك الزمان، و إذا افترضنا أنّ إدراكنا يصل إلى حيث نرى ذلك الزمان، فسنرى آدم آنذاك و نرى حوّاء. و سنرى إبراهيم و إسماعيل عليهما السلام في زمانهما، و سنتفرّج على الآباء واحداً فواحداً إلى زمان رسول الله خاتم النبيّين و أمير المؤمنين عليهما الصلاة و السلام.

  • سنرى سلسلة آبائنا، و سنراهم متحرّ كين جميعاً، و ذوي إحساس جميعاً، و ذوي شهود جميعاً، لأنّنا نراهم مع جميع أعمالهم طيلة حياتهم، لا نتخطّاهم لحظة واحدة. و سنرى موسى كليم الله في جبل الطور في تلك الليالى الأربعين التي ذهب فيها لميقات الله و مناجاته. و سنرى عيسى ابن مريم و جميع معجزاته طيلة فترة حياته.

  • فَلِمَ لا نرى ذلك الآن؟ ذلك لأنّنا- كشأن تلك الجرادة و النملة- لا ندرك إلّا ما يوجد أمامنا. نحن ندرك اللحظات الموجودة فعلًا، فلا نرى الآن اللحظات العديدة التي سبقت، و ما هو موجود منها إنّما هو صورة في

معرفة المعاد ج٦

78
  • ذهنكم أمّا أصل تلك اللحظات فثابت في الذهن الكلّيّ لهذا العالم.

  • و إذا فُرض الآن أنّكم رقيتم إلى ما فوق عجلة الزمان، فإنّكم سترون الجميع؟ و سترون معجزات النبيّ موسى و يده البيضاء و العصا و الثعبان، و ترون معجزات رسول الله و جميع ما فعله الأوّلون و الآخرون من الجنّ و الإنس، و كلّ واحد من الجمادات سواء فوق الأرض أم تحتها، و كلّ ما في السماء، و جميع الحيوانات و الملائكة و طائفة الجنّ، فهي بأجمعها موجودة و ثابتة في أمكنتها المعيّنة دون ذرّة واحدة من زيادة أو نقصان.

  • لقد كان المرحوم والدي رحمة الله عليه يقيم صلاة الجماعة في هذا المسجد، و قد انقضى على رحيله عن الدنيا ثلاثون سنة. افرضوا أنّه كان قد أقام صلاة المغرب و العشاء قبل خمس و ثلاثين سنة، و أنّه جلس في مثل شهر رمضان هذا مقابل الناس و انهمك بتفسير سورة الأعلى، و أنّ كورة1 عمامته كان آنذاك مفتوحاً و مُنساباً إلى الأسفل، و أنّ جزءاً من حافّة الكورة قد اكتنفه الغبار.

  • و لو شاهدتم الآن ذلك المجلس بعين البصيرة لا بعين البصر، أي بعينٍ فوق الزمان، لرأيتموه جالساً و قد استقبل الناس بوجهه، مشغولًا بتفسير سورة الأعلى، و كورة عمامته مسدله و قد اغبرّ جزء من حافّتها، و لكانت جميع الخصائص، حتّى تغيّر السحنة و القسمات و التبسّم و حركة اليدين، مشهودةً بأجمعها. و لو اجتمع الأوّلون و الآخرون فأرادوا في عالم الوجود أن يزيلوا غبار العمامة ذلك و يعدمونه لما استطاعوا، و لو شاءوا أن يزيدوا أو ينقصوا من عدد أنفاسه لما استطاعوا، و لو شاءوا أن يعدموا قطرة عرق واحدة من جبينه لما استطاعوا.

  • و ما أعجب ما تبيّن آيات القرآن المباركة هذا الأمر بجلاء و وضوح:

  • وَ وُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَ يَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا

    1. كورة: دوره لف العمامة.( المنجد).

معرفة المعاد ج٦

79
  • ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَ لا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها وَ وَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَ لا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً.1

  • حين يُحشر الإنسان يوم القيامة للحساب و يرتقي فوق الزمان، فإنّه سيطّلع على جميع أفعاله و تصرّفاته، فإن كان له درجات في تهذيب النفس، فما أحراه أن يطّلع على جميع الموجودات، فتكون بأجمعها حاضرة لديه.

  • و لو حصل أن ازيل الزمان عنّا نحن البشر الزمنيّين، لما رأينا الموجودات الفعليّة لوحدها، بل إنّ جميع الموجودات السابقة ستكون هي الاخرى حاضرة لدينا فعلًا، لأنّ الزمان هو الذي يفصل بيننا و بين الموجودات السابقة أو اللاحقة، فإن ارتفعنا- فرضاً- عن الزمان، تساوى لدينا جميع الموجودات السابقة و الحاليّة و المستقبليّة، و أمكننا أن ننظر إليها بأجمعها بنظرة واحدة فنطّلع على حالها. و سيكون الماضي و المستقبل آنذاك بلا معنى، و سيكون السبق و اللحوق بلا معنى، و سيكون زمن آدم أبي البشر واحداً مع زمن النبيّ نوح و مع زمن الرُّسل الآخرين و مع زمن قيام قائم آل محمّد أرواحنا له الفداء، أي أنّه لن يكون هناك زمان عموماً ليُميَّز على أساسه سابقٌ و لاحق، أو مقدّم و مؤخّر؛ بل سيكون الجميع حاضرين في صفّ واحد من الثابتات.

  • أي أنّنا سنكون في تلك الحال في افق عالٍ واحد، و سنكون مُهيمنين مُسيطرين على جميع الموجودات في آنٍ واحد، و على جميع الموجودات الزمانيّة من زمان آدم إلى يوم القيامة.

  • و كما أنّ الماضي لن يكون له من معنى بالنسبة لنا، فإنّ المستقبل هو

    1. الآية 49، من السورة 18: الكهف.

معرفة المعاد ج٦

80
  • الآخر سيكون بلا معنى. و سيكون كلّ عمل سيفعله أولادنا و أحفادنا في الدنيا إلى يوم القيامة حاضراً و موجوداً أمامنا. فإن سُئلنا: ما ذا يدور في الدنيا؟ و ما ذا حدث أمس؟ فإنّنا سنتطّلع إليه و نجيب على الفور.

  • و إن سألوا مثلًا: ما ذا كان حديث تينك الحمامتين اللتين عشعشتا في السنة الفلانيّة في الجبل الفلانيّ؟ فإنّنا سنجيب فوراً و نصرّح بخصوصيّات حديثهما و نيّتهما.

  • و إذا ما سُئلنا الآن: ما ذا في المسجد؟ فإنّنا سنجيب فوراً: عدّة قطع من السجّاد، منبر، مكبّر للصوت، ساعة جداريّة، عدّة نسخ من القرآن الكريم، و ... غير ذلك. بَيدَ أنّنا- باعتبارنا موجودين مكانيّين- لن نرى مكاناً آخر غير هذا المسجد الذي نجلس فيه، فجدران المسجد هذه، و سقفه هذا حاجب و حائل. أمّا لو ارتفعنا عن المكان، فعشنا- فرضاً- في افق ليس فيه مكان، فإنّ التفاوت سيزول آنذاك بين هذا المسجد و بين غيره؛ فالجدار لم يعد حائلًا، و ستصبح جميع الأمكنة و المواضع فوق الأرض مشهودة لنا و معلومة لدينا.

  • فإن سُئِلتم: ما ذا يجري في مكّة المكرّمة؟ فإنّكم لن ترونها فقط، بل و ستكونون هناك أيضاً!

  • ما ذا يجري في الكرة الأرضيّة؟ ما ذا يجري في كوكب النبتون؟ ما ذا يجري في الشمس و القمر و الزهرة و المجرّات؟ إنّكم ستجيبون على الفور على جميع ذلك و كما أنّ اللازمان له السيطرة على جميع الأزمنة، فإنّ اللامكان له السيطرة هو الآخر على جميع الأمكنة.

  • و هكذا فإنّ ما ورد في الأخبار و التواريخ من العلم الغيبيّ للأنبياء على نبيّنا و آله و عليهم السلام، و لرسول الله و أمير المؤمنين و الأئمّة عليهم السلام هو من هذا القبيل.

معرفة المعاد ج٦

81
  • روح الإنسان مجرّدة، و لذلك فهي مُلازمة لجميع الاعمال

  • إنّنا نرحل عن دار الدنيا، فنذهب إلى حيث نعلو عن الزمان و المكان- ذلك لأنّ نفسنا الناطقة مجرّدة و ليست زمانيّة أو مكانيّة، في حين أنّ بدننا الطبيعيّ الذي يعيش في هذه الدنيا مادّيّ و غير مجرّد- فنرى أنفسنا آنذاك مهيمنين على أعمالنا و سيرتنا و تصرّفاتنا في الدنيا.

  • و لقد كانت نفسنا الناطقة- و هي روح قدسيّة- حبيسة قفص البدن أيّاماً معدودة، أسيرةَ المادّة و الماء و العلف، أمّا حين يتحطّم القفص فتحلّق عاليا، فإنّها سترى نفسها طليقةً في عالم القدس و في فضاء التجرّد اللامتناهي، فهي مطّلعة على كلّ مكان، و لها المعيّة مع كلّ شخص و مع كلّ شيء.

  • ترا ز كنگره عرش مىزنند صفير***ندانمت كه در اين دامگه چه افتاده است

  • كه أي بلند نظر شاهباز سدره نشين***نشيمن تو نه اين كُنج محنتآباد است

  • غلام همّت آنم كه زير چرخ كبود***ز هر چه رنگ تعلّق پذيرد آزاد است 1

  • ،،،

  • اگر چه مستى عشقم خراب كرد ولى***اساس هستى من زان خرابى آباد است

  • 2
  • معرفة المعاد ؛ ج6 ؛ ص81
    1. «ديوان حافظ» حرف التاء، ص 10، الغزل رقم 15: طبعة پژمان.
      يقول:« إنّهم ينادونك من شرفات العرش، أن ما الذي وقع في هذه الأحبولة و المصيدة؟
      فيا أيّها الصقر ذو النظر الثاقب، المستقرّ في سدرة المنتهى! ليس مأواك هذه الخربة المبنيّة بالمحنة!
      تأسرني همّة مَن تحرّر طليقاً من كلّ ما يُتعلَّق به تحت هذه السماء الزرقاء».
    2. حسينى طهرانى، سيد محمد حسين، معرفة المعاد، 10جلد، دار المحجة البيضاءبيروتلبنان، چاپ: 1، 1416 ه.ق.

معرفة المعاد ج٦

82
  • گداى كوى تو از هشت خُلد مستغنى است***اسير بند تو از هر دو عالم آزاد است 1

  • إنّ نفسنا الناطقة، أي حقيقة إنسانيّتنا التي هي خليفة الله، ليست زمانيّة و لا مكانيّة، فجعلها الله متعلّقة بالمادّة، أي بالبدن الزمانيّ المكانيّ.

  • لذا فإنّنا سنكون أسرى ما دمنا متمسّكين بالمادّة. فنحن نريد الاطّلاع على عالم التجرّد وسعة اللازمان و اللامكان، إلّا أنّ العلائق المادّيّة و الهوى و الآمال البعيدة تفصل بيننا و بين ذلك العالم.

  • و مهما نادى الأنبياء و اولياء حرم قدس الربّ المنّان: افتحوا أعينكم!

  • إصغوا بأسماعكم. أفرغوا قلوبكم من حبّ الدنيا، لتكونوا دوماً خفيفي الحمولة، خفيفي الحركة، و ليكون الرجوع إلى عالم الأبديّة سهلًا لكم! فإنّ الرائحة العفنة لجيفة الدنيا قد خدّرت مشاعرنا و أفسدتها بحيث صرنا لا نجيب بالإيجاب على نداء اولئك الأجلّاء.

  • إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ.2

  • يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ.3

  • إنّ علينا في النهاية أن نقطع عن أنفسنا علائق الدنيا، و نرتدي رداء

    1. نفس المصدر، الغزل 17.
      يقول:« مع أنّ نشوة العشق و سُكره قد بعث فيّ الخراب، لكنّ أساس وجودي عامرٌ من هذا الخراب.( أي أنّ دمار العشق ليس إلّا عُمراناً).
      إنّ من شحذ في حيّك لمستغن عن الجِنان الثمانية، و من أسره قيدك فهو حرّ عن العالمين».
    2. النصف الثاني من الآية 156، من السورة 2: البقرة.
    3. الآية 6، من السورة 84: الانشقاق.

معرفة المعاد ج٦

83
  • الوجود وسعة فضاء القدس، فإن لم نفعل ذلك اختياراً و طوعاً، فإنّ الموت المكتوب على جبين جميع البشر، و الحركة من عالم المادّة و المدّة و الورود إلى عالم التجرّد سيكون سيراً تكوينيّاً للجميع، و سيصل الجميع- من ثَمّ- إلى صور الأعمال. سواءً في ذلك السعيد منهم و الشّقيّ، المؤمن منهم و الكافر؛ الجميع سيصلون إلى حيث يدركون وجودهم المجرّد. و حين سيدركون إدراكاً مجرّداً، فإنّهم سيمتلكون السيطرة على جميع الأعمال التي فعلوها، و سيدركون أنفسهم مع جميع الأعمال التي اجترحوها، مع جميع أنواع الثواب و جميع أنواع العذاب. و لن يروا أنفسهم فقط، بل و سيدركونها و يفهمونها. و كما ندرك في الدنيا أنفسنا و أعمالنا، فإنّهم سيدركون أنفسهم وجداناً مع جميع الأعمال و النوايا.

  • في الردّ على شبهة الآكل و المأكول

  • الردّ على شبهة الآكل و المأكول: إنّ هناك جنّة و ناراً. فأيّ جنّة و جهنّم أعلى من أن تظهر للإنسان هذه الصور التي تنشأ إثر الأعمال. بل هي نفس الأعمال الحسنة و حقائقها؟ و من أن تبرز للإنسان تلك الأعمال القبيحة مع حقائقها أيضاً؟

  • سينكشف للإنسان ذلك الاستكبار و التمرّد و الفرعونيّة التي بدرت منه، و تلك الغفلات التي كانت له في الدنيا، و التي تمرّد و عصى بدافع منها، كما سينكشف له تلك الملامح الملكوتيّة و الحقيقيّة. أي أنّ الإنسان سيدرك نفسه دفعةً واحدة مع جميع أعماله التي فعلها طيلة مدّة عمره.

  • و تلاحظون- بهذا البيان- كم هي واهية شبهة الآكل و المأكول؟ و كم هي بعيدة عن مرحلة التحقيق؟ فتلك الشبهة إنّما تعتمد على مبنى أصالة المادّة؛ و أصالة المادّة في أنّ شيئيّة الشيء قائمة على ذلك الشيء. و هو كلام واهٍ و ضعيف بحيث يهزأ به الأطفال، بل إنّ الحيوانات تتخطّاه فلا تُلقي له بالًا. ذلك لأنّكم لو ألقيتم قطعاً من السكّر في الخلّ، ثمّ

معرفة المعاد ج٦

84
  • أعطيتموه للطفل فإنّه لن يتناوله مع أنّ المادّة نفس المادّة، لأنّ ذلك الطفل يعلم أنّ شيئيّة السكّر إنّما هي بصورة السكّر لا بمادّته. و لو لطّختم التبن و البرسيم بالخلّ، لما أكله الحيوان آنذاك، لأنّه يلتفت إلى الصورة لا إلى المادّة.

  • إذْ صُوَرةٌ بِصُورَةٍ لَا تَنْقَلِبْ***عَلَى الهَيُولَى الأنْحِفَاظُ مُنسَحِبْ

  • إنّ جميع الأجساد و الأبدان ستُحشر بأجمعها يوم الجزاء، و سيُحشر الآكل و المأكول بتمامهما و كمالهما؛ على أنّ شبهة الآكل و المأكول قائمة على أساس أصالة المادّة، و ليست المادّة شيئاً، بل هي أمر مُبهم لا اسم له و لا تحصّل و لا وجود و لا شخصيّة، بل إنّ حقائق الأشياء بصورها، و هذه الصور ثابتة بالمادّة فهي لا تختلط و لا تمتزج ببعضها. كما أنّ الصورة لا تنقلب إلى اخرى، فتحفظ هيولى و مادّة تلك الصور بذلك التشخّص، و هذا الحفظ سارٍ و جارٍ على الدوام.

  • فَفِي وِعَاءِ الدَّهْرِ كُلٌّ قَدْ وُقِي***مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ عِنْدَهُ بَقِي

  • و مع أنّ الصور مختفية عنّا، و أنّ حجاب المادّة و المدّة و الزمان و المكان لا يدعنا لحظة واحدة ندرك جميع الصور، إلّا أنّ جميع الصور، و جميع النفوس و جميع الأشياء، و جميع الموجودات، و أعمال كلّ واحد، ثابتة و موجودة في موضعها في ظرف العصر، و عالم الدهر و عالم الوجود و التكوين.

  • كما أنّ العمامة ذات التكويرة المسدلة المغبرّة موجودة إلى جانب ذلك و في موضعها، و منظر اولئك الذين شربوا شايهم المرّ قبل ثلاث سنوات فتناولوا معه حبّة سكّر واحدة محفوظ بهيئته. و مكان الذنب لذلك الذي أذنب محفوظ، شأنه شأن مكان الطاعة المحفوظ بعينه لذلك الذي أطاع.

  • فهذه الأعمال مسجّلة و مدوّنة مع خصائصها و دقائقها و ظرافتها، و مع

معرفة المعاد ج٦

85
  • نيّتها و الهدف المقصود بها، بحيث إنّ الآلاف من البشر لو شاءوا تدوين ذلك بذلك القدر من الدقّة و الصحّة، و مع حفظ الشرائط و المقدّمات و التقدّم و التأخّر لما أمكنهم ذلك.

  • الآيات الواردة في الردّ على شبهة الآكل و المأكول

  • بَيدَ أنّ الوجود يستلزم الوجود، و لا يمكن ان يتبدّل إلى العدم، فهم يحافظون عليها جميعاً و يحرسونها في ظرف الدهر و في عالم الوجود و الحقيقة. و بالرغم من أنّها تنفد لدينا و تهلك و تفنى، إلّا أنّها لا تفنى عند الله عالم السرّ و الخفيّات. فذلك العمل الذي فعلناه صار خفيّاً بالنسبة لنا، لكنّه حاضر عند الله العليم الخبير. لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَ لا فِي الْأَرْضِ.1

  • أ و لم يقل سبحانه: ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَ ما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ.2

  • إنّ هذه الأعمال التي نقوم بها لها صورتان و جانبان، جانب طبيعيّ ظاهريّ منسوبٌ لنا، و جانب ملكوتيّ و باطنيّ منسوب إلى الله تعالى.

  • فالجانب الظاهريّ معرّض دوماً للهلاك و الفناء و الاضمحلال، أمّا الجانب الباطنيّ! (أي الوجهة الإلهيّة الملكوتيّة) فثابت على الدوام و متحقّق في عالم الخارج عند الله سبحانه.

  • تُبْلَى إذَا غِطَا زَمَانِنَا انْخَزَلْ***مَرَاتِبُ السَّيَّالِ مَعْ كُلِّ عَمَلْ

  • و حين ينخزل غطاء الزمان و ينشق، فإنّ الأعمال التي فعلناها ستظهر دفعةً واحدة لنا مع جميع الموجودات التدريجيّة التي ظهرت و اختفت في هذا العالم بصورة متعاقبة. و حين يأتي الموت الطبيعيّ أو الاختياريّ اختياراً أو اضطراراً، فسيتّضح آنذاك ما الذي وراء الستار و الغطاء، و ستظهر

    1. مقطع من الآية 3، من السورة 34: سبأ.
    2. صدر الآية 96، من السورة 16: النحل.

معرفة المعاد ج٦

86
  • الأعمال التي فعلناها و كنّا نتخيّل دوماً أنّها زالت، و أنّ فلاناً لم يطّلع على عملنا، و أنّ أحداً لم يطّلع على هذا العمل، و أنّه لم يعلم بالفعل الفلانيّ.

  • نتخيل أنّنا فعلنا العمل الفلانيّ! فلم يعلم به أحد و الحمد للّه.

  • و نتخيّل أنّنا سبقنا الله تعالى و خلّفناه وراءنا. لكأنّنا لم ندرك و لم نفهم أبداً، ثمّ جئنا الآن إلى هنا، فانخزل الغطاء و الستار من أمام الأبصار، و لم يدُر في خَلَدِنا أنّنا ذخرنا ذلك و جمعناه.

  • ثمّ يتصاعد صراخ الإنسان: ما الخبر يا إلهي؟ أيّ عالمٍ هذا؟ أيّ كتابٍ هذا؟

  • فَذَلِكَ الكِتَابُ لَنْ يُغَادِرَا***شَيْئاً صَغَائِراً وَ لَا كَبَائِرَا 1

  • وَ يَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَ تَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَ حَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً، وَ عُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً، وَ وُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَ يَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَ لا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها وَ وَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَ لا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً.2

  • إنّ جميع الأعمال التي فعلها الإنسان إنّما فعلها بنفسه، فهي بعينها حاضرة أمامه، و آنذاك سيعلم الجميع أنّ الله لم يظلم أحداً، و أنّ هذه الأعمال بهذه الصور القبيحة الكريهة هي عين الأعمال التي اجترحها الإنسان بيده، و قدّمها أمامه، فلقد سعّر جهنّم بيده، و غرس أشجار الجنّة بيده، و جعل بيده نسائم الجنّة تهبّ على مشامه، و سعّر لظى جهنّم و أشعلها بِيَدِهِ و بشرارته.

    1. الأبيات المذكورة للحكيم السبزواريّ، و ذلك في« المنظومة» ص 345 و 346.
    2. الآيات 47 إلي 49، من السورة 18: الكهف.

معرفة المعاد ج٦

87
  • زَاهِدْ مَن آلَّادْمَا جَهَنَّمْدَه اودْ اولْمَارْ***الَّارْ كِهْ يَا نُولَّارْ اودِى بُورْدَانْ آپَارُولَّار

  • يقول: لا تخدعني أيّها الزاهد، فليس هناك في جهنّم من نار. إنّ الذين يحترقون هم الذين يصطحبون النار معهم من الدنيا.

معرفة المعاد ج٦

88
  •  

  •  

  • المَجْلِسُ الثَّامِنُ وَ الثَّلَاثُونَ: في الرَّدِّ عَلَى الشُّبُهَاتِ الْوَارِدَةِ عَلَى الْمَعَادِ الْجِسْمَانِيّ

  •  

  •  

معرفة المعاد ج٦

90
  •  

  •  

  • بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

  • الحمد للّه ربّ العالمين و لا حول و لا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم

  • و صلَّى الله على محمّد و آله الطاهرين

  • و لعنة الله على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين

  • قال الله الحكيم في كتابه الكريم:

  •  

  •  

  • بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ، وَ إِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ، وَ إِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ، وَ إِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ، عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَ أَخَّرَتْ.1

  • أي أنّ نفس الإنسان ستعلم الأعمال التي قدّمتها سابقاً في قديم الأيّام، و الأعمال التي قدّمتها أخيراً في الأزمنة الحديثة. و بهذا المعنى جاءت الآية المباركة الثانية من السورة 48: الفتح:

  • لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ.

  • بيان المرحوم صدر المتألّهين الشيرازيّ بشأن العقائد المختلفة في مسألة المعاد

  • العقائد المختلفة في المعاد حسب نقل صدر المتألّهين:

  • ينقل المرحوم صدرا رضوان الله عليه مطالب في «الأسفار» في عقائد الناس المختلفة في كيفيّة المعاد، و هي مطالب تستحقّ التأمّل، يقول فيها:

  • إنّ من الأوهام العامّيّة و الآراء الجاهليّة رأي من ذهب إلى استحالة النفوس و الأجساد و امتناع أن يتحقّق في شيء منهما المعاد، و هم الملاحدة

    1. الآيات 1 إلي 5، من السورة 82: الانفطار.

معرفة المعاد ج٦

91
  • و الطباعيّة1 و الدهريّة و جماعة من الطبيعيّين و الأطبّاء الذين لا اعتماد عليهم في الملّة، و لا اعتداد برأيهم في الحكمة. زعماً منهم أنّ الإنسان ليس إلّا هذا الهيكل المحسوس حامل الكيفيّة المزاجيّة و ما يتبعها من القوى و الأعراض، و أنّ جميعها ممّا يعدم بالموت و يفنى بزوال الحياة و لا يبقى إلّا الموادّ المتفرّقة، فالإنسان كسائر الحيوان و النبات إذا مات فات، و سعادته و شقاوته منحصرتان فيما له بحسب اللذّات و الآلام البدنيّة الدنيويّة. و في هذا تكذيب للعقول على ما رآه المحقّقون من أهل الفلسفة، و للشرع على ما ذهب إليه المحقّقون من أهل الشريعة.

  • و المنقول من جالينوس في أمر المعاد هو التردّد و التوقّف بناءً على توقّفه في أمر النفس أنّه هل هي المزاج فتفنى بالموت و لا يعاد، أم هي جوهر مجرّد فهو باقٍ بعد الموت فلها المعاد. ثمّ من المتشبّثين بأذيال العلماء من ضمّ إلى هذا أنّ المَعْدوم لَا يُعَادُ، فإذا انعدم الإنسان بهيكله لم يمكن إعادته و امتنع الحشر.

  • و المتكلّمون منعوا هذا بمنع امتناع إعادة المعدوم تارةً، و بمنع فناء الإنسان بفساد هيكله اخرى. فقالوا: إنّ للإنسان أجزاء باقية إمّا متجزّية أو

    1. الفرق بينهما( بين الطباعيّة و الدهريّة) أنّ الطباعيّة بعد الموادّ الجسمانيّة، و هي القوى الانفعاليّة لم يتفطّنوا من القوى الفعليّة و المبادئ الفاعلة إلّا بالقوى و الطبائع المقارنة، و لم يعثروا بالمبادئ البرزخيّة و المجرّدات المضافة التي هي النفوس النطقيّة القدسيّة فضلًا عن المجرّدات المرسلة، فكيف على من له الأمر و الخلق القدّوس السبّوح ربّ الملائكة و الروح. و الدهريّة تقول باقتضاء الزمان و فصوله للاجتماع و الافتراق و الحياة و الموت و نحو ذلك. فتبّاً لنظرهما و تعساً على فكرهما. نعم، مَن لا يعرف اللطيفة المجرّدة في ذاته كيف لا يعجز عن إثبات المجرّدات في الإنسان الكبير الخارج منه و عن معرفة الله تعالى.( الحكيم السبزواريّ قدّس سِرُّه).

معرفة المعاد ج٦

92
  • غير متجزّية، ثمّ حملوا الآيات و النصوص الواردة في بيان الحشر على أنّ المراد جمع الأجزاء المتفرّقة الباقية التي هي حقيقة الإنسان. و الحاصل أنّ أصحاب الكلام ارتكبوا في تصحيح المعاد أحد الأمرين المستنكرين المستبعدين عن العقل بل النقل، و لا يلزم شيء منهما. بل العقل و النقل حاكمان بأنّ المُعاد في الآخرة هو الذي كان مصدر الأفعال و مبدأ الأعمال مكلّفاً بالتكاليف و الواجبات و الأحكام العقليّة و الشرعيّة. ثمّ لا يخفى أنّ الشهبة لا تنقلع عن أراضي أوهام الجاحدين المنكرين للحشر و القيامة، إلّا بقطع أصلها. و هو أنّ الإنسان بموته يفنى و يبطل و لا يبقى، لأنّه ليس إلّا الهيكل مع مزاج أو صورة حالّة فيه. و قد مرّ قطع هذا الأصل مستقصي.

  • و قد اتّفق المحقّقون من الفلاسفة و الملّيّين على حقّيّة المعاد و ثبوت النشأة الباقية، لكنّهم اختلفوا في كيفيّته، فذهب جمهور الإسلاميّين و عامّة الفقهاء و أصحاب الحديث إلى أنّه جسمانيّ فقط بناءً على أنّ الروح عندهم جسم سارٍ في البدن سريان النار في الفحم و الماء في الورد و الزيت في الزيتونة، و ذهب جمهور الفلاسفة و أتباع المشّائين إلى أنّه روحانيّ، أي عقليّ فقط، لأنّ البدن ينعدم بصوره و أعراضه لقطع تعلّق النفس عنها.

  • فلا يُعاد بشخصه تارة اخرى، إذ المعدوم لا يعاد. و النفس جوهر مجرّد باق لا سبيل إليه للفناء، فتعود إلى عالم المفارقات لقطع التعلّقات بالموت الطبيعيّ.

  • و ذهب كثير من أكابر الحكماء و مشايخ العرفاء و جماعة من المتكلّمين، كحجّة الإسلام الغزّاليّ و الكعبيّ و الحليميّ و الراغب الإصفهانيّ، و كثير من أصحابنا الإماميّة كالشيخ المفيد و أبي جعفر الطوسيّ و السيّد المرتضى و العلّامة الحلّيّ و المحقّق (الخواجة نصير الدين الطوسيّ) رضوان الله تعالى عليهم أجمعين إلى القول

معرفة المعاد ج٦

93
  • بالمعادين1 جميعاً ذهاباً إلى أنّ النفس مجرّدة تعود إلى البدن، و به يقول جمهور النصارى و التناسخيّة، إلّا أنّ الفرق بأنّ محقّقي المسلمين و من يحذو حذوهم يقولون بحدوث الأرواح و ردّها إلى البدن لا في هذا العالم، بل في الآخرة، و التناسخيّة بقدمها و ردّها إلى البدن في هذا العالم، و يُنكرون الآخرة و الجنّة و النار الجسمانيّتين. ثمّ إنّ هؤلاء القائلين بالمعادين جميعاً اختلفت كلماتهم في أنّ المعاد من جانب البدن، أ هو هذا البدن بعينه أو مثله، و كلّ من العينيّة أو المثليّة أ يكون باعتبار كلّ واحد من الأعضاء و الأشكال و الخطوط أم لا، و الظاهر أنّ هذا الأخير لم يوجبه أحد، بل كثير من الإسلاميّين مال كلامهم إلى أنّ البدن المُعاد غير البدن الأوّل بحسب الخلقة و الشكل.

  • و ربّما يستدلّ عليه ببعض الأخبار المذكورة فيها صفات أهل الجنّة و النار ككون أهل الجنّة جرداً مرداً، و كون ضرس الكافر مثل جبل احد.

  • و بقوله تعالى: كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ.2

  • و بقوله تعالى: أَ وَ لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ.3

    1. هذا هو القول الفحل و الرأي الجزل، لأنّ الإنسان بدن و نفس، و إن شئتَ قلتَ نفسٌ و عقل، فللبدن كمال و مجازاة، و للنفس كمال و مجازاة، و كذا للنفس و قواها الجزئيّة كمالات و غايات تناسبها، و للعقل و قواه الكلّيّة كمال و غاية. و لأنّ أكثر الناس لا تناسبهم الغايات الروحانيّة العقليّة، فيلزم التعطيل في حقّهم في القول بالروحانيّ فقط، و في القول بالجسمانيّ فقط يلزم في الأقلّين من الخواصّ و الأخصّين.( الحكيم السبزواريّ قدّس سرّه).
    2. مقطع من الآية 56، من السورة 4: النساء.
    3. الآية 81، من السورة 36: يس.

معرفة المعاد ج٦

94
  • فإن قُلت: فعلى هذا يكون المثاب و المعاقب باللذات و الآلام الجسمانيّة غير مَن عمل الطاعة و ارتكب المعصية.

  • قيل في الجواب: العبرة في ذلك بالإدراك و إنّما هو للروح و لو بواسطة الآلات و هو باقٍ بعينه، و لهذا يُقال للشخص من الصبا إلى الشيخوخة إنّه هو بعينه و إن تبدّلت الصور و المقادير و الأشكال و الأعراض، بل كثير من الأعضاء و القوى، و لا يُقال لمن جنى في الشباب فعوقب في المشيب إنّها عقاب لغير الجاني، هذا تحرير المذاهب و الآراء، و الحقّ كما ستعلم أنّ المُعاد في المعاد هو هذا الشخص بعينه نفساً و بدناً، فالنفس هذه النفس بعينها، و البدن هذا البدن1 بعينه، بحيث لو رأيته لقلت رأيته بعيني فلان الذي كان في الدنيا. و إن وقعت التحوّلات و التقلّبات إلى حيث يُقال هذا ذهب و هذا حديد، و ربّما ينتهي في كلاهما إلى حيث يتّحدان و يصيران عقلًا محضاً واحداً، و من أنكر ذلك فهو مُنكر للشريعة ناقص في الحكمة، و لزمه إنكار كثير من النصوص القرآنيّة.2

  • في الردّ على الفخر الرازيّ الذي يعتبر المعاد طبيعيّاً مادّيّاً

  • و يعدّ كثيرٌ من المتكلّمين كالفخر الرازيّ و من حذا حذوه في باب الاعتقاد بحشر الأجساد، المعادَ مادّيّاً طيعيّاً بهذه المادّة الكثيفة الظلمانيّة.

  • و لإيضاح مرامهم فإنّنا نورد عين عبارات صدر المتألّهين:

    1. أي البدن البرزخيّ و الاخرويّ هذا البدن الدنيويّ، لكن لا بوصف الدنيويّة و الطبيعيّة، و إنّما كان هو هو بعينه لما مضى، و سيأتي أنّ شيئيّة الشيء بصورته، أي الصورة البدنيّة، لا بمادّتة و بصورته التي بمعنى ما به الشيء بالفعل و هو النفس- و النفس مشخّصة- فإذا كان مشخّص هذا و ذاك باقياً، فكيف لا يكون الشخص بمعناه و صورته باقياً، و تشخّص النفس بالوجود الحقيقيّ و هو عين وحدتها و تشخّصها، و سيحقّق المصنّف قدّس سرّه المقام بأبلغ وجه( الحكيم السبزواريّ قدّس سرُّه).
    2. «الأسفار» ج 9، ص 163 إلى 166، من الطبعة الحروفيّة.

معرفة المعاد ج٦

95
  • نظرية المتكلّمين في المعاد الجسمانيّ:

  • إنّ المعاد عندهم عبارة عن جمع متفرّقات أجزاء مادّيّة لأعضاء أصليّة باقية عندهم، و تصويرها مرّة اخرى بصورة مثل الصورة السابقة لتتعلّق النفس بها مرّة اخرى، و لم يتفطّنوا بأنّ هذا حشرٌ في الدنيا لا في النشأة الاخرى، و عودٌ إلى الدار الاولى دار العمل و التحصيل لا إلى الدار العقبى دار الجزاء و التكميل؛ (و هي عقيدة تعود إلى التناسخ) فأين استحالة التناسخ؟ و ما معنى قوله تعالى: نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَ ما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ، عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَ نُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ.1 و قوله تعالى:

  • نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَ شَدَدْنا أَسْرَهُمْ وَ إِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلًا.2

  • و لا يخفى على ذي بصيرة أنّ النشأة الثانية طور آخر من الوجود يُباين هذا الطور المخلوق من التراب و الماء و الطين، و أنّ الموت و البعث ابتداء حركة الرجوع إلى الله أو القرب منه، لا العود إلى الخلقة المادّيّة و البدن الترابيّ القذر الظلمانيّ.

  • استدلال الفخر الرازي على المعاد الطبيعيّ، و الردّ عليه

  • ثمّ جعل الفخر الرازيّ في «التفسير الكبير» يستدلّ على إثبات ما فهمه و تصوّره من معنى الحشر و المعاد بآيات قرآنيّة وقعت في باب القيامة و البعث، و يحملها على ما وافق طبعه و رأيه. فقال: إنّ قوله تعالى في سورة الواقعة من الآيات إشارة إلى جواب شبهة المنكرين الذين هم من أصحاب الشمال المجادلين، فإنّهم قالوا:

  • أَ إِذا مِتْنا وَ كُنَّا تُراباً وَ عِظاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ، أَ وَ آباؤُنَا الْأَوَّلُونَ.3

    1. الآيتان 60 و 61، من السورة 56: الواقعة.
    2. الآية 28، من السورة 76: الإنسان.
    3. الآيتان 47 و 48، من السورة 56: الواقعة.

معرفة المعاد ج٦

96
  • و اشير إلى إمكانها هذا بوجوه أربعة:

  • أوّلها: قوله تعالى: أَ فَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ، أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ.1

  • و ثانيها قوله تعالى: أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ، أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ.2

  • و ثالثها قوله تعالى: أَ فَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ، أَ أَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ.3

  • و الرابع من تلك الوجوه قوله تعالى: أَ فَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ، أَ أَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ.4

  • ثمّ نقل الفخر الرازيّ مطالب في تفسير الآيات و تأويلها على مراده، بحيث تعسّف في حملها على ما يخرج عن مفادها و مضمونها، و بحيث يمكن أن يُعَدّ تحريفاً معنويّاً للآيات، و قد أعرضنا عن نقل كلامه اجتناباً للإطالة.

  • ثمّ يقول الملّا صدرا بعد ذلك: و هذا نهاية ما بلغ إليه فهم أهل الكلام، و غاية ما وصلت إليه قوّة نظر علماء الرسوم في إثبات النشأة الاخرى و حشر الأجسام و نشر الأرواح و النفوس، و فيه مع قطع النظر عن مواضع المنع و الخدش، و عن تحريف الآيات القرآنيّة عن معانيها و الأغراض المتعلّقة بها المقصودة منها المنساقة هي إليها و لأجلها- كما

    1. الآيتان 58 و 59، من السورة 56: الواقعة.
    2. الآيتان 63 و 64، من السورة 56: الواقعة.
    3. الآيتان 68 و 69، من السورة 56، الواقعة.
    4. الآيتان 71 و 72، من السورة 56: الواقعة.

معرفة المعاد ج٦

97
  • سنشير إليه- أنّ ما قرّره و صورّه ليس من إثبات النشأة الاخرى و بيان الإيمان بيوم القيامة في شيء أصلًا.

  • فإنّ الذي يثبت من تصوير كلامه و تحرير مرامه ليس إلّا إمكان أن يجتمع متفرّقات الأجزاء المنبثّة في أمكنه متعدّدة و جهات مختلفة من الدنيا، و يقع منظمّاً بعضها إلى بعض في مكان واحد، و يفيض عليها صورة مماثلة للصورة السابقة المعدمة؛ فيعود الروح من عالمه التجرّديّ القدسيّ بعد أحقاب كثيرة كانت فيه في روح و راحة تارةً اخرى إلى هذا العالم، متعلّقة بهذا البدن القذر المظلم.

  • و إنّما سُمّي يوم الآخرة بيوم القيامة، لأنّ فيه يقوم الروح عن هذا البدن الطبيعيّ مستغنياً عنه في وجوده قائماً بذاته و بذات مُبدعه و منشئه، و البدن الاخرويّ قائم بالروح هناك، و الروح قائم بالبدن الطبيعيّ هنا، لضعف وجوده الدنيويّ و قوّة وجوده الاخرويّ.

  • و بالجملة كلامه أشبه بكلام المنكرين للآخرة منه بكلام المقرّين بها، فإنّ أكثر الطباعيّة و الدهريّة هكذا كانوا يقولون، يعني أنّ الموادّ العنصريّة تجتمع بواسطة هبوب الرياح و نزول الأمطار على الأرض و وقوع الأشعّة الشمسيّة و القمريّة و غيرهما عليها، فيحصل من تلك الموادّ إنسان و حيوان و نبات، ثمّ تموت و تتفسّخ صورها، ثمّ تجتمع تلك الأجزاء مرّة اخرى على هذه الهيئة أو على هيئة اخرى قريبة منها، فيحصل منها أمثال هذه المواليد تارة اخرى. إمّا مع بقاء النفوس و الأرواح كما يقوله التناسخيّة، أو مع حدوث طائفة منها و بطلان طائفة سابقة.

  • و ليت شعري مَن الذي أنكرأن يحدث من ماء و تراب و مادّة بعينها تارةً بعد اخرى صورة شبيهة بالصورة الاولي حتّي يكون المطلوب إثبات قدرة الله في ذلك.

  • ردّ المتكلّمين على شبهة الآكل و المأكول

  • و جملة الأمر أنّ هؤلاء القوم من أصحاب اللقلقة

معرفة المعاد ج٦

98
  • و الكلام و أهل المجادلة و التخاصم لم يعلموا أنّ مقصود التكاليف و وضع الشرائع و إرسال الرسل و إنزال الكتب ليس إلّا تكميل النفوس الإنسانيّة، و تخليصها عن هذا العالم و دار الأضداد، و إطلاقها عن أسر الشهوات و قيد الأمكنة و الجهات، و لا يحصل هذا التكميل و التجريد إلّا بتبديل هذه النشأة الداثرة المتجدّدة إلى النشأة الباقية الثابتة.

  • و هذا التبديل إلى النشأة الباقية موقوف على: أوّلًا: معرفتها و الإيمان بوقوعها.

  • و ثانياً: أنّها الغاية الأصليّة المقصودة من وجود الإنسان، التي يتوجّه إليها بمقتضى فطرته الطبيعيّة لو لم ينحرف عن مسلكها بواسطة الجهالات و ارتكاب السيّئات.

  • و ثالثاً: العمل بمقتضاها و ما يسهل السبيل إليها و تدفع القواطع المانعة عنها.

  • فالغرض الإلهيّ من هذه الآيات الدالّة على حقيقة المعاد هو التنبيه على نحو آخر من الوجود، و الهداية إلى عالم غائب عن هذه الحواسّ، باطن عن شهود الخلائق، و هو مسمّى بعالم الغيب و هذا بعالم الشهادة، و هو عالم الأرواح و هذا عالم الأجساد. و كما أنّ الروح باطن الجسد، كذلك عالم الآخرة باطن هذا العالم.

  • ثمّ لمّا كان إثبات نحو آخر من الوجود يخالف هذا الوجود الطبيعيّ الوضعيّ، و نشأة اخرى باطنة تُباين هذه النشأة الظاهرة أمراً صعب الإدراك مستعصياً على أذهان أكثر الناس، جحدوه و أنكروه. و أيضاً لإلفهم بهذه الأجساد و شهواتها و لذّاتها يصعب عليهم تركها و طلب نشأة تضادّ هذه النشأة، و لذلك لم يتدبّروا في تحقيقها و كيفيّتها، بل أعرضوا عنها و عن آياتها. كما قال تعالى:

معرفة المعاد ج٦

99
  • وَ كَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَ هُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ.1

  • وَ رَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَ اطْمَأَنُّوا بِها.2

  • و أخلدوا إلى الأرض كما قال: وَ لكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَ اتَّبَعَ هَواهُ.3

  • و نحن رأينا كثيراً من المنتسبين إلى العلم و الشريعة انقبضوا عن إثبات عالم التجرّد، و اشمأزّت قلوبهم عن ذكر العقل و النفس و الروح و مدح ذلك العالم و مذمّة الأجساد و شهواتها المحسوسة و دثورها و انقطاعها، و أكثرهم توهّموا الآخرة كالدنيا و نعيمها كنعيم الدنيا إلّا أنّها أوفر و أدوم و أبقى، و لأجل ذلك رغبوا إليها و فعلوا الطاعات لأجلها طالبين قضاءً لوطر شهوة البطن و الفرج، و لأجل ما ذكرناه تكرّر في القرآن العظيم ذكر الآيات الدالّة على النشأة الآخرة و البعث و القيام، ليتنبّه الإنسان من نوم الجهالة و رقدة الغفلة، فيتوجّه نحو الآخرة و يتبرّأ من البدن و قيوده، من الدنيا و تعلّقاتها، متطهّراً عن الأدناس و الأرجاس، متشوّقاً إلى لقاء الله، و مجاورة المقرّبين و الاتّصال بالقدّيسين.4

  • و إجمال الأمر، فإنّ محصّل كلام هذا الرجل الجليل هو أنّ عالم الآخرة غير عالم الدنيا، و في طول الدنيا و في تكاملها و ترقّيها. و إذا تقرّر أن تكون هذه المادّة القذرة الظلمانيّة الأرضيّة هناك، فلن يكون هناك

    1. الآية 105، من السورة 12: يوسف.
    2. مقطع من الآية 7، من السورة 10: يونس.
    3. مقطع من الآية 176، من السورة 7: الأعراف.
    4. «الأسفار» ج 9، ص 153 إلى 158، الطبعة الحروفيّة.

معرفة المعاد ج٦

100
  • - إذاً- عالم للآخرة و نشأة للقيام و القيامة. بل سيكون العالم هناك عالمَ الدنيا. كما أنّ المعتقدين بمثل هذا المعاد قد أنكروا المعاد في الحقيقة و وطّنوا قلوبهم على دوام الحياة الدنيا كفعل الطبيعيّين و الدهريّين.

  • كما أنّ المعاد الجسمانيّ- لا المعاد الطبيعيّ الماديّ- من ضروريّات الدين و ممّا يلزم الاعتقاد به، و يتكفّل العقل بإثباته؛ فالإنسان سيكون هناك ببدنه الجسمانيّ- لا ببدنه الطبيعيّ الماديّ- مورد نعم الله أو عذابه. بَيدَ أنّ هؤلاء المنتسبين للعلم و الشريعة لم يضعوا فارقاً بين الجسم و المادّة، فتوهّموا المعاد الجسمانيّ معاداً مادّيّاً طبيعيّاً، مع أنّ الاعتقاد بالمعاد الماديّ أمرٌ مخالف لضرورات الإسلام و لآيات القرآن الكريم و للروايات الواردة عن المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين، و عائد في حقيقة الأمر إلى مذهب المادّيّين و الطبيعيّين و القائلين بالتناسخ. على أنّ الآية المباركة:

  • وَ أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها.1

  • و الروايات الدالّة على أنّ جسم عالم الآخرة ألطف من هذه الأجسام، و أنّ الناس لا يحتاجون في القيامة إلى دفع الأقذار، و أنّ جميع ما يأكلونه و يشربونه يصبح جزءاً من البدن، و أنّ أهل الجنّة يُحشرون في تلك النشأة في هيئة شباب نضرين بوجوه جميلة فاتنة، دون نقص عضويّ، كالعمى و الصمم و العرج؛ و أنّ أهل جهنّم يحشرون في صور قبيحة منكرة عمياناً؛ تدلّ بأجمعها على أنّ جسم ذلك العالم ليس كمادّة هذا العالم و طبيعته الكثيفة. بل هو جسم لطيف يظهر إثر تجلّي النفس و ظهورها في ذلك العالم. و قد صوّرنا بحول الله و قوّته بإحدى الطرق المعادَ الجسمانيّ بهذا البدن العنصريّ و الهيكل المادّيّ الطبيعيّ و سنورده في البحث الآتي إن شاء

    1. صدر الآية 69، من السورة 39: الزمر.

معرفة المعاد ج٦

101
  • الله تعالى.

  • بَيدَ أنّ ما أجاب به المتكلّمون على الإشكالات الواردة على المعاد الجسمانيّ مخدوش بأجمعه و لا يمكن قبوله.

  • و لقد ذكر أنّ إحدى الإشكالات التي تورد على المعاد الجسمانيّ شبهة الآكل و المأكول، و قد أجبنا بحمد الله و منّه على هذه الشبهة، فاتّضح جليّاً أنّها تفتقر إلى الأساس الصحيح. و بالالتفات إلى أنّ حقيقة الأشياء هي باعتبار أنّ شيئيّتها بصورتها لا بالمادّة، فإنّ تلك الشبهة ليست شبهة في الحقيقة، بل نوعاً من المغالطة. و كما قلنا فإنّ تشخّص الأشياء و وجودها، إنّما يحصل بالصورة التي هي محفوظة على الدوام في عالم الوجود. لذا فإنّ شبهة الآكل و المأكول مردودة من أساسها و منشأها.

  • على أنّ بعض المتكلّمين الذين لا تضلّع لهم في الحكمة الإلهيّة و العلوم العقليّة، قد أجاب على هذه الشبهة بأنّ هذا الإشكال إنّما يرد حين يريد الله يوم القيامة بعث جميع بدن الآكل و جميع بدن المأكول. إذ إنّ هذا الإشكال سيكون وارداً آنذاك. فإنّه سُبحانه إن شاء حشر بدن الآكل، فسيكون بدن المأكول غير محشور بتمامه، و إن حَشَرَ المأكول، كان بدن الآكل غير محشور بتمامه.

  • و هكذا فإنّ بدن زيد الآكل المؤمن، أو بدن عمرو المأكول الكافر سيكون غير محشور، مع أنّ ما خلقه الله تعالى من هذين البدنينِ أجزاءهما الأصليّة التي يرتبط بها القوام الوجوديّ لهذين البدنينِ، و قوام زيد و عمرو. و ذلك لأنّ لكلّ شخص أجزاءً أصليّة في بدنه، كما أنّ له أجزاءً اخرى تُضاف إلى الأجزاء الاولى. و من ثَمّ فإنّ الأجزاء الزائدة الفائضة هي على الدوام تلك التي تُزاد على الأجزاء الأصليّة.

  • فالطفل الذي يولد من الامّ- مثلًا- له بدن خارجيّ موجود

معرفة المعاد ج٦

102
  • ذو تشخّصات و مزايا، و له صفات خاصّة و مواصفات بلحاظ الشكل و اللون و القامة و غير ذلك. حيث إنّ تلك المواصفات الاولى ستبقى دون تغيير مهمانما بدنه بعدئذٍ و كبر أثر التغذية بالموادّ المختلفة.

  • و لو كان هذا الطفل يزن عند ولادته ثلاثة كيلو غرامات مثلًا، فزاد وزنه في شبابه إثر النموّ إلى مائة كيلو غرام، فإنّ شكله و تناسب قامته و هيئة هيكله العظميّ و لون بشرته و خطوط باطن يده و قدمه و سائر الجهات التي تُعدّ من مميّزاته و علاماته الفارقة ستبقى دون تغيّر مهما كان طفيفاً.

  • و لو مرض هذا الشخص، أو أدرك سنّ الكهولة و الشيخوخة، فهبط وزنه من مائة كيلو غرام إلى خمسين، لما طرأ على خصائصه و علاماته الفارقة تغيير ما.

  • و هكذا فإنّ ما اضيف إلى البدن أو انقص منه هو الأجزاء الزائدة الفائضة، أمّا الأجزاء الأصليّة فباقية في البدن على الدوام، لا يطرأ عليها الزوال و الفناء و البوار أبداً. و لهذه الجهة فإنّ شكل أفراد البشر و شمائلهم ثابتة لا تتغيّر، و هكذا يعرف الناس بعضهم بهذه المميّزات و يشخّصونهم عن غيرهم.

  • ثمّ إنّ الله تبارك و تعالى يبعث يوم القيامة هذه الأجزاء الأصليّة لبدن الآكل و المأكول. و كما قيل فإنّ تلك الأجزاء باقية و ثابتة دوماً و غير قابلة للفناء و البوار، لأنّ قوام الأبدان و وجودها بتلك الأجزاء. أمّا الأجزاء الفائضة الموجودة دوماً في هيئة زيادات، و التي لها دخول في بدن الإنسان و خروج منه، فهي تتبدّل إلى غذاء، و تتحوّل إلى دم، ثمّ إلى لحم و عظم، ثمّ تتحوّل إلى غاز لكونها بدل ما يتحلّل، فتنتشر في الفضاء؛ فهي جميعاً خارجة عن البدن.

  • فيكون لبدن الإنسان حكم المجرى، يرد فيه الماء باستمرار من

معرفة المعاد ج٦

103
  • جهة، و يخرج من الاخرى. و ستكون الأجزاء الأوّليّة هي التي تشكل إنسانيّة الإنسان بلحاظ البدن و الطبيعة. و هي ثابتة و باقية باستمرار، سواءً في الآكل أم في المأكول. أمّا الأجزاء الاخرى فلها حكم الماء الداخل من إحدى جهات مجرى البدن و الخارج من المجاري الاخرى، و من جملتها جميع خلايا البدن.

  • و حين يأكل الإنسانُ الآكل الإنسانَ المأكول، فإنّ الأجزاء الأصليّة و الفائضة لبدن المأكول ستدخل بدن الآكل، فأمّا الأجزاء الفائضة فتبقى في بدنه و تتحوّل إلى غذاء، و تتحلّل و تستحيل عصارةً و دماً. و أمّا الأجزاء الأصليّة فلا توقّف لها و لا استقرار، فهي تصبح دونما تغيّر أو تبدّل في هيئة بدل ما يتحلّل، فتخرج من بدن الآكل بلا فاصلة، كما أنّ الأمر على هذا النحو في المأكول أيضاً.

  • و الخلاصة فإنّ الأجزاء الفائضة لبدن المأكول- و ليس أجزاؤه الأصليّة- هي التي تصبح جزءاً من بدن الآكل، و لا يلزم من ذلك- و الحال هذه- أيّ إشكال و اعتراض. هذه هي الإجابة التي أجابوا بها على الإشكال.

  • إلّا أنّه قد اعتُرض على هذه الطائفة من المتكلّمين بأنّ هذه الأجزاء الأصليّة للشخص المأكول لو صارت فعلًا أجزاءً فائضة في بدن الشخص الآكل، لصارت مبدأ موجود آخر، كأن تتبدّل في بطن المأكول إلى نطفة- مثلًا- فتكون مبدأ لتكوّن شخص ثالث. و في هذه الحالة فإنّ الأجزاء الأصليّة للمأكول ستكون قد صارت أجزاءً أصليّة لذي نفس آخر. و هكذا فإنّ الإشكال سيتكرّر.

  • و يجيب المتكلّمون بأنّ الله تعالى يحفظ الأجزاء الأصليّة للمأكول، بحيث لا تصبح ضمن الأجزاء الأصليّة لموجودٍ آخر، و الله تعالى قادر على حفظها. و مع أنّ الأجزاء الفائضة للمأكول ستصبح بأجمعها غذاءً للشخص

معرفة المعاد ج٦

104
  • الآكل، إلّا أنّ هذه الأجزاء الأصليّة فقط تبقى من بينها دون أن تصبح غذاءً للآكل، فتخرج من بدنه سالمة و تبقى محفوظة. و هكذا فإنّ هذه الأجزاء تدخل سالمة و تخرج سالمة. و من ثَمّ فإنّ ذلك الموجود الذي ينشأ في بدن الآكل في هيئة نطفة يصبح مبدأ تكوّن إنسان ثالث قد تكوّن حتماً من الأجزاء الفائضة لبدن المأكول و ليس من أجزائه الأصليّة.

  • و لله سبحانه من القدرة بحيث يمكنه حفظ تلك الأجزاء الأصليّة في خضمّ هذا الصراعات و مراتب الدخول و الخروج، فلا يدع التغيير يطرأ عليها، و لا أن تصبح جزءاً أصليّاً من بدن الآكل، أو جزءاً أصليّاً من بدنٍ ثالث ينشأ من نطفة الآكل.

  • و هكذا فإنّ هذه الأجزاء الأصليّة ستردّ في بطون الناس في الأحقاب المختلفة، فترد و تخرج إلى يوم القيامة دون أن تصبح جزءاً من بدنٍ من تلك الأبدان.

  • الردّ المخزي للمتكلّمين على شبهة الآكل و المأكول

  • و إجمالًا فقد شاءوا بهذه الأجوبة الفرار و التملّص من الإشكال بدلًا من الإجابة عليه، و ذلك لأنّه لو كان هناك مثال في الدنيا أوهن من بيت العنكبوت لَكانَ جواب هؤلاء السادة.

  • و ذلك أوّلًا: لعلّ الله يحفظ تلك الأجزاء الأصليّة، و لعلّها لا تصبح جزءاً للآكل، و الأمر لا يتمّ ب- «لعلّ» و «ليت» و «كأنّ» و أمثالها.

  • إنّ على من يخوض المسائل الفلسفيّة، و خاصّة اصول العقائد، أن يُقيم البرهان الذي يجب أن تكون صغراه و كبراه يقينيّتينِ. لأنّ النتيجة تتبع أخسّ المقدّمتين. و لا يمكن وضع أساس أصل اعتقاديّ ب- «ليت» و «لعلّ» و «ربّما» و «أظنّ»، فهي أشبه بالخطاب الذي لا ارتباط له بالقياس و البرهان. و لا سبيل في العلوم أبداً لمثل هذه الطرق و الخطط التي لا تساوي قرشاً أسوداً.

معرفة المعاد ج٦

105
  • و ثانياً: لننظر إلى آدم أبي البشر الذي تزوّج من حوّاء فانتشر من نسله البشر في العالم:

  • وَ بَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَ نِساءً.1

  • أ فكان جميع هذا النسل الكثير إلى يوم القيامة من الأجزاء الأصليّة لآدم و حوّاء، أم من الأجزاء الفائضة؟

  • فإن كانوا من الأجزاء الأصليّة، فيتضح بذلك أنّ جزءاً أصليّاً قد خرج من آدم فصار ولداً له. فإن شاء الله- و الحال هذه- حشر آدم يوم القيامة دون أجزائه الأصليّة المنفصلة عنه التي شكّلت أولاده إلى يوم القيامة، لكان هناك نقصان في أجزاء آدم الأصليّة، و لما حُشرت أجزاء آدم الأصليّة بكاملها.

  • و بغضّ النظر عن ذلك، فكم سيتوجّب أن يكون آدم هذا من الضخامة و السمنة و القوّة بحيث يخرج منه إلى يوم القيامة أطفال في هيئة نطفة- و لو كانت بقدر ذرّة لا تُرى- فيتدفّق هذا النسل من صلبه بلا حصر و لا نهاية!

  • لقد كان حريّاً حقّاً بآدم هذا أن يكون أكبر من جبل أبي قُبيس، بل و من أكبر جبال العالم، إذ لو فرضنا كلّ طفل بقدر ذرّة واحدة، لتوجب أن تكون في بدن آدم ذرّات بلا نهاية لتنتقل إلى أولاده في هيئة أجزاء أصليّة على نحو الانقباض و التراكم و إلى يوم القيامة. و سيكون بدن آدم في هذه الحال كبيراً بلا انتهاء. بينما نعلم أنّ آدم أبا البشر لم يمتلك بدناً كهذا.

  • و هكذا فإنّ المتكلّمين مُجبرون على القول بأنّ أولاد آدم ليسوا من أجزائه الأصليّة، بل من أجزائه الفائضة الزائدة.

    1. مقطع من الآية 1، من السورة 4: النساء.

معرفة المعاد ج٦

106
  • لقد كانت لآدم نفسه أجزاء أصليّة، ثمّ ظهر أولاده من الأجزاء الفائضة، كما أنّ الأولاد الذين ينشأون لأفراد البشر، إنّما ينشأون من أجزائهم الفائضة لا الأصليّة. و من ثَمّ فحين يحشرهم الله تعالى، فلن يكون من أجزائهم الأصليّة شيء داخل الآكل، كما أنّه نفسه سيكون وجوداً مستقلًا نشأ من أجزائهم الفائضة.

  • و سيقال لهم إن أجابوا بهذه الإجابة- و هم مُجبرون على الالتزام بهذه المقولة- إنّنا لا نرى تفاوتاً بين الأجزاء الأصليّة و الفائضة! و أساساً فما الذي يعنيه تصنيفكم للأجزاء إلى أصليّ و فائض؟!

  • فلقد فرضتم حين وقعتم في مأزق شديد و ضاقت عليكم الأرض بما رَحُبت، أنّ آدم أو أولاده يمتلكون أجزاءً أصليّة و أجزاءً فائضة.

  • و نسأل: ما هي هذه الأجزاء الأصليّة؟ و ما هي الأجزاء الفائضة؟

  • أرونا إيّاها!

  • و يقولون: إنّ الأجزاء الأصليّة هي الأجزاء الاولى التي كان أصل الإنسان منها.

  • و نقول: أيّها؟ أ هي ذلك الطفل المولود في الدنيا حديثاً؟

  • فيجيبون: نعم!

  • و نقول: لقد كان هذا الطفل في بطن امّه، فأضيفت له أشياء حتّى استوى و قدم إلى الدنيا، فما الذي كانت الأجزاء الأصليّة للجنين و الطفل في الرحم؟

  • فيقولون: أجزاؤه الأصليّة هي النطفة التي استقرّت في الرحم فاضيفت لها باستمرار إضافات، فنمت و كبرت حتّى بلغت هذا الحدّ.

  • و نقول: فهل كانت الأجزاء الأصليّة جميع النطفة أم قدراً منها؟

  • و يجيبون: كانت ذرّة واحدة من النطفة تُدعى بالحويمن.

معرفة المعاد ج٦

107
  • و عليه فإنّ الله حين يحشر إنساناً وزنه في الدنيا أو حال الموت مائة كيلو غرام فيريد تعذيبه أو إثابته، فإنّه يبعث منه فقط حويمناً واحداً، أي ذرّة واحدة غير مرئيّة (تشكّل جزءاً واحداً من أربعة ملايين جزء من القطرة الواحدة)، فيكون السؤال و الجواب و العرض و الصراط و الكتاب و الحشر و النشر و الجنّة و النار بأجمعها لهذا الحويمن الواحد. فهم يصنعون منه بدناً فيجعلونه مورد الجزاء.

  • نُقسم عليكم بالله، أ ضيّقةٌ هي شريعة الإسلام و فلسفته إلى هذا الحدّ، لنضطرّ من أجل الدفاع عنها إلى حشر أنفسنا في هذا المأزق، و نضعها بين هذه العجلات المسنّنة و هذه الفرضيّات المختلفة المجعولة الخاطئة؟!

  • أ ليس جعل الإنسان مادّيّاً في يوم القيامة، بل جعله ذرّة غير مرئيّة (حويمناً) لعباً و استخفافاً بمقدّسات مقام الإنسان و الجزاء و الشريعة و الخالق و عوالم الغيب؟

  • و علاوة على ذلك، فتعالوا و افصلوا الأجزاء الأصليّة عن الفائضة!

  • ذلك لأنّ هذه النطفة التي هي ذرّة واحدة (حويمن) حين تذهب إلى بطن الامّ فتضمّ إلى نفسها أجزاءً اخرى، فإنّ تلك الأجزاء ستصبح مثلها، و سوف لن يبقى ذلك الحويمن على حاله بتلك الخصوصيّة و الشخصيّة و الصورة بعد إضافة أشياء اخرى إليه، فالأمر ليس كما تقولون.

  • افرضوا أنّ لديكم قدحاً من الماء فصببتموه داخل طست فيه ماء، فإنّ ماء ذلك القدح لن يحفظ صورته الوجوديّة، بل سيفقدها جبراً فيشكّل ماء الطست مع ماء القدح الثاني و الثالث و مجموع مياه مِائة قدح أو أكثر، و يتّخذ مجموع هذه المياه شكلًا واحداً.

  • أضيفوا إلى الماء باستمرار قدحاً بعد آخر، فستشاهدون أنّ صورة القدح الأوّل و حجمه السابقين ليسا مشخّصين في الطست. ثمّ إنّه سيمتزج

معرفة المعاد ج٦

108
  • مع القدح الثاني و الثالث و الرابع بحيث لا يبقى منها أيّ أثر أبداً، فقد فقدت جميع المياه حدود وجودها و شخصيّتها و صارت في هيئة طست ماء بشكل و حجم خاصّين.

  • و الأمر هو نفسه تماماً بالنسبة إلى النطفة التي هي مبدأ وجود الإنسان، فتلك الزيادات التي تضاف إلى النطفة المكوّنة من قطرة واحدة، بل من حويمن واحد، ستصبح جزءاً أصليّاً و تترك تلك الحالة الاولى. ثمّ إنّ النطفة تكتسب حالات جديدة إثر التحوّلات و التغيّرات حتّى يولد الجنين.

  • بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ.1

  • إنّ هذه الموجودات في حركة دائمة في عالم الخلقة، فهي ترتدي كلّ يوم لباساً جديداً، فتصبح خلقاً بعد خلق، و حالة بعد حالة.

  • و من ثَمّ فإنّ تلك الأجزاء الأصليّة لوجود الإنسان، التي دخلت فيها الأجزاء الفائضة صارت مجموعة واحدة لا تميّز فيها، فقد اتّخذت الأجزاء الفائضة صورة الأصليّة و صارت منها و دخلت ضمن تلك العائلة.

  • إنّ بدن الطفل الذي كان قبلًا جنيناً، و قبل ذلك في هيئة نطفة، قد نمى و اكتمل هيكله العظميّ. و لقد زالت تلك النطفة الاولى التي كانت في صورة نطفة، و فقدت صورتها فلم تعد نطفة و لا حويمناً، ثمّ اتّخذت في اللحظة التالية صورةً اخرى فصارت شيئاً آخر أكبر ليست حقيقته نطفة، بل علقة في شكل و صورة دم متخثّر، ثمّ صارت في اللحظة الثالثة شيئاً آخر، و ها قد صارت طفلًا وزنه ثلاثة أو أربعة كيلو غرامات قد امتزجت جميع أجزاء بدنه و اختلطت مع بعضها، فظهر بدن الطفل في صورة واحدة

    1. النصف الثاني من الآية 15، من السورة 50: ق.

معرفة المعاد ج٦

109
  • في هذه الهيئة الملحوظة.

  • و ليس الأمر بحيث إنّ تلك النطفة التي كانت مبدأ نشأة هذا الطفل و تكوّنه قد استقرّت الآن في زاوية من وجود هذا الطفل، فاختفت جنب قلبه أو في مخّه أو كبده، فهذا الكلام خاطئ من وجهة النظريّة و الفرضيّة العلميّة و من وجهة العلوم التجريبيّة، و من وجهة نظر الفلسفة و العلم أيضاً.

  • ذلك لأنّ النطفة قد فقدت صورتها الاولى و اتّخذت صورة اخرى، فلا معنى- عقلًا- لأن تكون تلك النطفة باقية بحدودها و خصائصها، وَ لِذَلِكَ فَإنَّ التَّجْزِئَةَ وَ التَّفْكِيكَ بَيْنَ الأجْزَاءِ الأصْلِيَّةِ وَ الفَائِضَةِ هي اصُولًا كَلَامٌ مُفْتَعَلٌ لَا أسَاسَ لَهُ.

  • و تلاحظون- بناءً على هذه النظريّة- أنّ المؤمن الذي هو الحويمن عند السادة المتكلّمين، يجب أن يكون قد صار جزء غذاء الآكلين، ثمّ خرج من مجاري البول و الغائط لآلاف المرّات، بل ملايين المرّات، و قد حفظه الله تعالى، و لربّما كان الأمر كذلك في جميع عصور نسل البشر التي لا يعلم مقدارها إلّا الله سبحانه.

  • فإن قال المتكلّمون: إنّ أجزاء الإنسان الأصليّة في النطفة فقط، و إنّها تحكي عن جميع وجوده؛ فلما ذا انتقلت في الخارج اليد و الرجل و العين و غُرْلة عضو الرجولة1 و غشاء البكارة و غيرها إلى هؤلاء الأطفال مع انعدام وجود أمثالها لدى آبائهم و أجدادهم و أسلافهم؟

  • و بغض النظر عن هذا المطلب، فما الذي تقولونه في الأجزاء الفائضة؟

  • إن قلتم إنّ الأجزاء الأصليّة عبارة عن جزء أصليّ في المخّ، أو جزء أصليّ في القلب أو الكبد، و إنّ الأجزاء الفائضة هي سائر الأعضاء و الجوارح، و إنّ الشعر و الأظافر من الأجزاء الفائضة، فإنّنا نأخذ جزءاً

    1. غُرْلة: عضو الرجل قبل الإختتان.( المنجد).

معرفة المعاد ج٦

110
  • تعدّونه حتماً من الأجزاء الفائضة، كجلد البدن و الأظافر، و نضعه تحت المطالعة و التحليل و التدقيق، فينتج أنّ جميع خصوصيّات و مشخّصات صاحبه الوجوديّة منعكسة في هذا الظُّفُر و في هذا الجلد. فما الذي يعنيه ذلك؟

  • يعني أنّ ذلك الغذاء الذي يتناوله الإنسان، أي هذه التفّاحة و هذه الكمّثرى، و هذه الخضروات، و هذا الخبز، و لحم الضأن الذي يتناوله الإنسان، لم يَعد في بدن الإنسان في هيئة الأغذية الاولى و لا في هيئة تفاحة أو كمّثرى أو لحم ضأن، فقد دخل البدن فتحلّل و صار جزءاً من بدن الإنسان، و تحوّل إلى لحم و عظم و عروق و شحم. و لقد زالت تلك الصور، فلم يعد هناك الآن جبن و لا حليب، بل إنّها الآن بدنكم الحاكي عنكم.

  • لقد دخلت هذه الأجزاء الفائضة البدنَ و تحوّلت إلى لحم و عضلات و خلايا، فصارت لحمكم و من أجزائكم الأصليّة، فهي تقف مع سائر الخلايا في صفّ واحد و كيفيّة واحدة دون أدنى تفاوت.

  • و لو اقتطعوا من لحم بدنكم قطعة، فأخذوها إلى المختبر فحلّلوا ذرّاتها، لقالوا في أيّ مكان من العالم إنّ هذا اللحم عائد إلى البدن الفلانيّ، و من المحال أن يكون لحم فرد آخر، أو شبيهاً بلحم بدن آخر، و من المحال أن يشتبه بلحم بدن آخر. و ذلك لأنّ هذا اللحم قد اختصّ بكم و انعكست فيه خصائص بدنكم، و صار ممثّلًا لكم حاكياً عنكم. إنّنا لا نمتلك- فعلًا- جهازاً و لا مختبراً أو محلًّا للتشخيص يمكنه تشخيص أنّ هذا اللحم عائد إلى بدنكم، بحيث يمكنه تمييزه و فصله و تشخيصه عن جميع اللحوم التي تتبدّل في الخارج إلى الولد.

  • إنّ النطفة إذا ما اخذت من الإنسان من حيث المجموع، للزم من ذلك أن ينشأ من الشخص الأعمى طفل ينمو في رحم الامّ و يولد أعمى، بينما

معرفة المعاد ج٦

111
  • نرى أنّ كثيراً من العميان يتزوّجون فيُولَد منهم أطفال مُبصرون بأعين برّاقة لامعة، و هو أمر لا يخضع للحسابات، فطفل الأعمى ليس أعمى، كما أنّ طفلًا سالماً تامّ الخلقة يولد من الشخص الأعرج و من المصاب بالفالِج و من مقطوع اليد و الرجل.

  • فما هي إذاً الخصوصيّة التي تمتلكها تلك النطفة، بحيث تؤخذ من الشخص الأعمى و من مقطوع اليد و مقطوع الرجل، فيوجد في الخارج شخص مُبصر له أعضاء و جوارح سالمة مستوية؟

  • لقد انقضى على المسلمين أربعة عشر قرناً، و على اليهود من أتباع موسى أربعة آلاف سنة و هم يختنون أولادهم، فيُولَد لهم طيلة هذه المدّة أطفال غير مختونين، مع أنّ النطفة اخذت من أب مختون.

  • و قصّة بكارة الفتيات أعجب و أغرب، فمنذ بدايات التأريخ تولد الفتيات و هنّ يمتلكن غشاء البكارة، مع أنّ امّهاتهنّ كن لا يمتلكنّه عند انعقاد النطفة، سالماً! أ وَ ليس هذا استهزاءً و سخريةً بعالم الخلق و بناء الوجود الشامخ؟ أوَرَدَتْ هذه الأجزاء الأصليّة و الفائضة و تفكيكها على هذه الصورة، في آيةٍ أو رواية ما؟ لتتابعوا الأمر بهذه السماجة1 و تجرونه في هذه الهيئة الفاضحة؟!

  • مَن جعلكم حرّاساً للموازين الإسلاميّة المتقنة، لتقوموا بِيَدٍ خالية عزلاء من الثروات العلميّة بحفظها و حراستها، بجعل أولياء الله و المؤمنين فضلات مدفوعة للكفّار؟ تَبَّاً لَكُمْ وَ تَرَحَاً!

  • بحث علميّ في أنّ جميع أجزاء البدن أصليّة

  • بحث علميّ: ليس هناك أيّ تفاوت بين الأجزاء الأصليّة للإنسان و الفائضة منها، فهذه اليد التي يمتلكها الإنسان- مثلًا- و هذه الرجل التي له، و هذه العين و الاذُن و الكلية، و هذا الكبد و القلب و المخّ و الشريان

    1. السماجة: القباحة.

معرفة المعاد ج٦

112
  • و الوريد، و حتّى الشعر و الأظافر، حاكية عن شخصيّته و وحدته. و هو أمر عجيب بل من أعجب الامور و المسائل.

  • فالإنسان يتخيّل أنّ ممثّل الإنسان و الذي جاء به إلى الوجود لا يمكن أن يكون شيئاً غير النطفة، و أنّ النطفة شيء يحكي عن وجود الإنسان بتمام المعنى، و لذا فإنّها أفراد العالم. و هذا الجهاز عجيب جدّاً، بَيدَ أنّ علم البشر لم يصل إلى صنع مثل هذا الجهاز و هذا المختبر، إلّا أنّ المطلب ثابت من وجهة نظر البراهين الكلّيّة العلميّة و الفلسفيّة و ليس محلًّا للنقاش و الشكّ.

  • إنّ وجودكم موجود بأجمعه في قطعة اللحم هذه، أو في قطعة العظم هذه، أو قطعة الأظافر هذه أو في غيرها، أي أنّ هناك عين، و اذن، و يد، و رجل، و قلب، و مخّ، و كبد، و شريان، و وريد، و كلّ شيء. و هو أمر عجيب جدّاً فتطلعوا إلى فعل الله تعالى و صُنعه!

  • إنّنا نتخيّل أنّ جميع خصائص الإنسان الوجوديّة منعكسة في النطفة لوحدها، أي أنّ تلك الذرّة (الحويمن) تظهر الإنسان، مع أنّ كلّ ذرّة من ذرّات بدن الإنسان، سواءً اللحم أم العظم أم العروق أم الشحم أم الشعر أم الأظافر هي ممثّلة لإنسان كامل تامّ الخلقة.

  • و لربّما سيُثير هذا الأمر عجبنا الشديد أن كيف تكون كلّ ذرّة و خليّة في بدن الإنسان ممثّلة للإنسان، إلّا أنّ التبحّر و الممارسة و التضلّع في هذا الأمر و الورود في العلم، تثبت: أنّ جميع بدن الإنسان له حكم النطفة و حاكٍ عن جميع وجود الإنسان، بحيث لو استطاع البشر أن يأخذ ذرّة و خليّة من لحم البدن فيربّيها في محلّ مناسب بدرجة حراريّة خاصّة، بعيداً عن الآفات، كما تتربّى النطفة و تنمو في رحم الامّ، فتمرّ بمراحل معيّنة و تتبدّل إلى طفل، فإنّ تلك الخليّة ستمرّ بمراحل معيّنة و تحصل على سبيل

معرفة المعاد ج٦

113
  • تكاملها، فتتبدّل تدريجيّاً إلى علقة، ثمّ إلى مُضغة، ثمّ إلى عظام، ثمّ يكسو اللحم تلك العظام و تنفخ فيه الروح فتظهر إلى ساحة الوجود في هيئة طفل و مولود كامل.

  • و كما أنّ الفلّاح لا يحتاج في بعض النباتات إلى زراعة البذور، فيكتفي باقتطاع قطعة من ذلك النبات فيقوم بزراعة ذلك القلم، فنرى بعد مدّة أنّ أرجاء الحديقة مملوءة بالأقلام الحيّة النامية؛ فإنّ من الممكن أن يصل تكامل سلسلة العلوم التجريبيّة البشريّة إلى درجة بحيث يأتي شخص فينتزع قلماً من قطعة لحم حيّ مقتطعة من بدن إنسان، فيُنشئ مليون طفل من وزن قليل لا يتجاوز مائة غرام.

  • و يُستفاد من هذه المطالب المذكورة أنّ هناك إنساناً في عظم الإنسان، و أنّ هناك إنساناً في لحم الإنسان، و في ظفر الإنسان، و إلّا لما تبدّل إلى طفل.

  • و يستفاد من أمر أنّ هناك إنساناً في جميع أجزاء البدن و ذرّاته، أنّ الأجزاء الفائضة التي تدخل بدن الإنسان من الخارج، هي تماماً كتلك الأقداح من الماء التي كنتم تصبّونها في الطست، فهذه الأقداح المائيّة لها صفات معيّنه ما دامت لم تدخل الطست، كأن تكون في شكل اسطوانة، أمّا حين صببتم هذا الماء الاسطوانيّ الشكل في الطست، فإنّه لم يعد اسطوانيّاً، بل اكتسب شكلًا آخر.

  • و كلّما صببتم بالترتيب أقداح الماء في الطست، فإنّها ستفقد شكلها الاسطوانيّ و تكتسب شكلًا و حدّاً، بل و لوناً آخر. فلو كان ماء الطست أصفراً- مثلًا- و كان ماء الأقداح أبيضاً، لصار الماء الأبيض المصبوب ذا لون أصفر.

  • و هكذا فإنّ الماء الأبيض لم يحافظ على بياضه، فقد توحدّ في جميع

معرفة المعاد ج٦

114
  • الخصوصيّات مع ماء الطست حين امتزج به.

  • و عليه فإنّ الأجزاء الفائضة تمتلك حدوداً خاصّة قبل أن تدخل بدن الإنسان، فقد كانت حنطة أو شعيراً أو رزّاً أو خضروات أو مشتقّات الحليب و أمثال ذلك، أمّا حين تدخل المعدة فإنّها لا تبقى حنطة أو قمحاً أو رزّاً، بل ستتبدّل هناك إلى مادّة اخرى، إذ سيُضاف إليها اللعاب المُفرز، كما تُضاف إليها إفرازات المعدة. و بعد أن يتمّ الهضم في المعدة، فإنّ الكبد سيحاول جذبها إليها و امتصاصها بواسطة العروق الماساريقيّة، فتذهب عصارتها إليه، و تتحرّك فضلاتها في الأمعاء، و ثمّ تقوم الأمعاء باستمرار بامتصاص المتبقّي من عصارة الغذاء و تنقله إلى البدن. و بعد أن تقوم الكلية بعملها فتعيد قوّة الغذاء إلى البدن و تُخرج الفضلات و السموم عن طريق الإدرار إلى الخارج، و بعد أن يجري في الرئة تصفية جوهر الغذاء الذي صار الآن في الدم، فإنّه يصل إلى القلب الذي يُرسل إلى جميع أنحاء البدن، فيتبدّل في كلّ عضو من الأعضاء إلى جنس ذلك العضو، و يتحوّل إلى ذلك العضو، و تتكوّن النطفة منه. فقد تغيّرت في جميع هذه الحالات تلك الصورة الاولى للغذاء بصورة كلّيّة و تبدّلت فعلًا إلى أجزاء بدن الإنسان.

  • على أنّ النطفة حقيقة الإنسان، فتلك القطعة من الجبن و قدح الحليب و الحنطة لو وُضعت خارج البدن مائة ألف سنة لما صارت طفلًا و وليداً إنسانيّاً، أمّا حين ترد البدن و تتحوّل في هيئة نطفة، فإنّ تلك النطفة تتبدّل إلى طفل، لأنّ ذلك الجزء الفائض الذي ورد البدن في هيئة غذاء قد تبدّل فعلًا إلى أجزاء أصليّة و صار جزءاً من الإنسان.

  • فيتضح ممّا قيل أنّ فصل الأجزاء الأصليّة عن الأجزاء الفائضة أمر خاطئ من وجهة نظر العلوم التجريبيّة و من وجهة نظر العلم و الفلسفة، و أنّ قولنا بأنّ الله تعالى يحشر يوم القيامة الأجزاء الأصليّة لبدن الميّت، و أنّ

معرفة المعاد ج٦

115
  • الأجزاء الفائضة في بدن الآكل التي شكّلت تمام البدن لا ربط لها بأجزاء الآكل الأصليّة، كان بلا أساس و لا قيمة له و لا اعتبار في منطق العلم.

  • لقد كان السادة المتكلّمون يُفَرِّحون أنفسهم بهذا النحو من الاستدلالات، إذ إنّهم كانوا يريدون من جهة الإجابة بجواب شافٍ، و لأنّهم من جهة اخرى كانوا يفتقرون إلى التخصّص في العلوم و المعارف الإلهيّة، لذا فقد كانوا يضعون المطلب بمثل هذه العبارات في لِفافة فيختمون عليها، و لا يُجيزون لأنفسهم في التأمّل و التدقيق أكثر من هذا القدر.

  • و لقد كانت نتيجة هذا البحث أنّ الإجابة على شبهة الآكل و المأكول بالأجزاء الأصليّة و الأجزاء الفائضة ليست إجابة شافية؛ و علاوة على عدم ردّها على الإشكال، فإنّها ستكون بنفسها مدعاةً لإشكالات و انتقادات اخرى.

  • هذا و قد أجاب بعض المتكلّمين عن شبهة الآكل و المأكول على نحوٍ آخر، و هو أنّ هذه الشبهة ستكون واردة إذا ما أراد الله تعالى حشر عين بدن الآكل و عين بدن المأكول، غير أنّ هذا الإشكال لن يرد إذا ما خلق سبحانه مثل تلك الأبدان فجعل الأرواح متعلّقة بها. كما أنّ الآيات الواردة في القرآن الكريم لها دلالة على حشر الروح و تعلّقها ببدن مثل هذا البدن، و من جملتها هذه الآية:

  • عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَ نُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ.1

  • و هذه الآية: نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَ شَدَدْنا أَسْرَهُمْ وَ إِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلًا.2

    1. الآية 61، من السورة 56: الواقعة.
    2. الآية 28، من السورة 76: الإنسان.

معرفة المعاد ج٦

116
  • فالأمثال في هذه الآيات عبارة عن بدن عنصريّ مادّيّ آخر يخلقه الله فيجعله مورداً للسؤال.

  • إلّا أنّ جواب المتكلّمين هذا ليس شافياً، و ذلك أوّلًا: لأنّ هذه الآيات القرآنيّة قد وردت في الردّ على مُنكري الحشر الذين أنكروا خلق هذه الأبدان لا خلق مثلها، فالقرآن يردّ عليهم بأنّ خلق أمثالهم ليس عسيراً على الله:

  • أَ وَ لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ.1

  • فإن لم يكن المراد من «مثل» و «أمثال» هو الإنسان نفسه، لما كانت الحجّة تامّة على المنكرين، لأنّ إحياء هذا البدن الميّت هو العجيب بينما إيجاد مثله و جعل الروح متعلّقة ببدن آخر ليس مدعاةً للعجب:

  • القرآن يقول إنّ هذا البدن سيُحيا و يُبعث: مِنْها خَلَقْناكُمْ وَ فِيها نُعِيدُكُمْ وَ مِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى.2

  • و ثانياً: أنّ هذا البدن قد أطاع و عصى، ثمّ إنّه سيذهب فيرقد مستريحاً بينما يكون المُحاسَبَ بدنٌ آخر غيره.

  • گنه كرد در بلخ آهنگرى***به شوشتر زدند گردن مسگري 3

  • فالمراد من الأمثال في هذه الآيات هذا البدن نفسه، و الأمثال تعني الأطوار و الأحوال، أي طوراً بعد طور و حالًا بعد حال.

  • إنّنا سنجعل أبدانهم بأحوال و أطوار مختلفة: و كما تستقرّ النطفة في

    1. الآية 81، من السورة 36: يس.
    2. الآية 55، من السورة 20: طه.
    3. يقول: أذنب حدّاد في« بلخ»، فضربوا عُنق صانع الأدوات النحاسيّة في« شوشتر».

معرفة المعاد ج٦

117
  • رحم الامّ فتطوي أطواراً و أمثالًا لتصل إلى كمالها، فإنّنا سنجعل الإنسان يمرّ بأطوار بعد الموت لنخلقه في النهاية و ننشئه في صورة لا يعرفها الناس و لا يعلمونها.

  • و بالطبع فإنّ ذلك الإنسان الذي يحشره الله تعالى هو هذا البدن بأطوار عالية ليست له فيها مادّيّة و كثافة و جهات طبيعيّة، بدن نورانيّ مُضاء.

  • و بالطبع فإنّ خلق أطوار البدن و أمثاله هذه لا منافاة له مع الآيات الدالّة على أنّ الله يُحيي الموتى بنفسه، لأنّ خلق أطوار البدن عين خلق البدن نفسه، كالآية:

  • أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ لَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى.1

  • و قد ورد «مثل» في الآية القرآنيّة بمعنى النفس و الذات: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.2

  • هذا و قد قال المرحوم صدر المتألّهين في إجابة المتكلّمين في الردّ على شبهة الآكل و المأكول بحشر الأجزاء الأصليّة و عدم حشر الأجزاء الفائضة، بأنّ هذه الإجابة لا حاجة إلى ذكرها لركاكتها.3

  • و قال المرحوم الحكيم السبزواريّ: وَ فِيهِ مَا لَا يَخْفَى عَلَى اولِي النُّهَى.4

    1. الآية 33، من السورة 46: الأحقاف.
    2. مقطع من الآية 11، من السورة 42: الشوري.
    3. «الأسفار» ج 9، ص 200، الطبعة الحروفيّة.
    4. «المنظومة السبزواريّة» ص 341، طبعة ناصري.

معرفة المعاد ج٦

118
  • و قال في الحاشية في توضيح كلامه: أمّا أوّلًا فلأنّه مبنيّ على أنّ شيئيّة الشيء بالمادّة لا بالصورة، و هو سخيف جدّاً؛ إذ يلزم أن يكون المني إنساناً و البيضة طيراً و النواة نخلة و نحو ذلك.

  • و أمّا ثانياً فلأنّه حينئذٍ يكون دنيا و لا آخرة مُغَيَّاً لا غاية؛ لأنّ الآخرة نشأة اخرى طوليّة و غاية الشيء كماله. فكمال النفس أن تصير عقلًا، و كمال الصورة الطبيعيّة أن تصير صورة صرفةً خالصةً عن شوب القوّة، و تصير الصورة الدنيويّة برزخيّة، و البرزخيّة اخرويّة.

  • و أمّا ثالثاً: فلأنّه يلزم تعطيل الحقّ و منع الحقّ عن المستحقّ، إذ يطرأ على الأجزاء المادّيّة استعدادات للصور المتفنّنة، و الاستعداد الصادق ما هو بلسان الاستعداد، فيلزم أن لا يعطي الحقّ حقّها مع أنّه نهى عِبَاده عن تعطيل الحقوق.

  • و أمّا رابعاً: فلأنّ توجّه أكثر الشبهات كمثل شبهة التناسخ و شبهة الآكل و المأكول و شبهة عدم وفاء الموادّ و غيرها، إنّما هو على هذا القول، و بعد في الزوايا خبايا.1

    1. «المنظومة السبزواريّة» ص 341، طبعة ناصري.

معرفة المعاد ج٦

120
  •  

  •  

  • المَجْلِسُ التَّاسِعُ وَ الثَّلَاثُونَ: الرَّدُّ عَلَى شُبهَةِ الْمَعَادِ الْجِسْمَانيّ وَ بَيَانُ حَقِيقَتَه1

  •  

  •  

    1. حسينى طهرانى، سيد محمد حسين، معرفة المعاد، 10جلد، دار المحجة البيضاءبيروتلبنان، چاپ: 1، 1416 ه.ق.

معرفة المعاد ج٦

122
  •  

  •  

  • بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

  • الحمد للّه ربّ العالمين و لا حول و لا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم

  • و صلَّى الله على محمّد و آله الطاهرين

  • و لعنة الله على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين

  •  

  •  

  • إجابة صدر المتألّهين على شبهات المعاد الجسماني

  • قال الله الحكيم في كتابه الكريم:

  • وَ اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ.1

  • وَ لَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ.2

  • وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ قَلْبِهِ وَ أَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ.3

  • يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعاً ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ.4

  • من الإشكالات الواردة على المعاد الجسمانيّ أنّ مقدار جرم الأرض و حجمها معيّنان، و أنّهما مقدّران بعدد معيّن من الفراسخ، و محدّدان بالأميال و الأذرع، بينما عدد النفوس- في الجهة المقابلة- غير متناهٍ. و من ثمّ فإنّ هذا القدر من الجرم المحدود لا يتّسع لهذه الأبدان اللامتناهية.

  • كلام صدر المتألّهين في أنّ الآخرة هي باطن الدنيا

  • يقول المرحوم صدر المتألّهين في ردّه على هذا الإشكال:

    1. الآية 96، من السورة 5: المائدة؛ و الآية 9، من السورة 58: المجادلة.
    2. الآية 158، من السورة 3: آل عمران.
    3. الآية 24، من السورة 8: الأنفال.
    4. الآية 44، من السورة 50: ق.

معرفة المعاد ج٦

123
  • «و منها (من الإشكالات) أنّ جرم الأرض مقدار محصور محدود ممسوح بالفراسخ و الأميال و الذراع، و عدد النفوس غير متناهٍ، فلا يفي مقدار الأرض و لا يسع لأن تحصل منه الأبدان غير المتناهيّة.

  • و الجواب الحقّ بما مرّ من الاصول أن لا عبرة بخصوصيّة البدن و أنّ تشخّصه و المعتبر في الشخص المحشور جسميّة ما أية جسميّة كانت، و أنّ البدن الاخرويّ ينشأ من النفس بحسب صفاتها، لا أنّ النفس تحدث من المادّة بحسب هيئاتها و استعداداتها كما في الدنيا.

  • و لك أن تُجيب أنّ المقادير قد يزداد حجماً و عدداً من مادّة واحدة، فإنّ هيولى قوّة قابلة محضة لا مقدار لها في نفسها، و لا لها اختصاص بحدّ خاصّ و عدد معيّن، بل تعرض لها المقادير و الانقسامات من خارج، و هي في نفسها قابلة للانقسامات غير المتناهية، و ليس أيضاً من شرطها في أن تكون أبدانا، أن تكون صورة الأرضيّة باقية، بل يجوز انقلابها من الأرضيّة إلى أجسام حسب ما شاء الله.

  • و أيضاً لا يلزم أن يكون كلّ نفس محشورة بالبدن، فإنّ من النفوس ما فارقت الأجسام صاعدةً إلى عالم القدس منخرطةً في سلك المقرّبين، و الجواب الأوّل هو العمدة.

  • شبهة لزوم مكان للجنّة و النار، و ردّ صدر المتألّهين:

  • و منها أنّ الجنّة و النار إذا كانتا موجودتين جسمانيّتين فأين مكانهما؟ و في أيّ جهة من جهات العالم حصولهما؟ فإن كان حصولهما أو حصول إحداهما فوق محدّد الجهات، فيلزم أن يكون في اللامكان مكان و في اللاجهة جهة؛ و إن كان في داخل طبقات السماوات و الأرض أو فيما بين طبقة و طبقة، فيلزم إمّا التداخل و إمّا الانفصال بين سماء و سماء

معرفة المعاد ج٦

124
  • و الكلّ مستحيل. و مع هذا ينافي قوله تعالى:

  • وَ جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ.1

  • هذا تقريرٌ عن الشبهة، و طريق اندفاعها مكشوف لمن تدبّر في الاصول التي بيّناها.

  • أمّا المتكلّمون فحيث لم يدخلوا البيوت من أبوابها، ليس في وسعهم التفصيّ2 عن أمثال هذا الإشكال، فأجابوا عنه تارةً بتجويز الخلاء، و تارةً بعدم كون الجنّة و النار مخلوقتين بعد، و تارة بانفتاق السماوات على قدر يسع بينها الجنّة، و ليتهم قنعوا بدين العجائز و اكتفوا بالتقليد و لم يستنكفوا أن يقولوا: لا ندري «الله و رسوله أعلم».3

  • ثمّ قال: «إنّ أعضل شبه الجاحدين للمعاد الجسمانيّ، و أعظم إشكالات المنكرين للجنّة و النار المحكوم بثبوتهما و تحقّقهما في الشريعة الحقّة التي أتى بها أهل النبوّة و الحكمة المؤسّسة على الاصول و المباني المحكمة المهمّة هو طلب المكان لهما، و التزام كونهما في جهة من الجهات الامتداديّة الوضعيّة، و في زمان في الأزمنة المتصرّمة، و استيجاب كونهما داخل حجب السماوات و تحت حيطة محدّد الجهات و عرش المتماديات.

  • فالجواب كما يستعلم من الاصول المؤسّسة عن أصل هذه الشبهة و قلع مادّتها و فسخ صورتها هو أن يقال على منهج أبحاث المتألهين و طريقة أنظار السالكين إلى الله بأقدام المعرفة و اليقين: إنّ حجّتكم هذه مبنية على أنّ للجنّة و النار مكاناً من جنس أمكنة هذه الدنيا، لكنّ أصل

    1. الآية 132، من السورة 3: آل عمران.
    2. التفصي: الابانة و الفعل.
    3. «الأسفار» ج 9، ص 200 و 201، الطبعة الحروفيّة.

معرفة المعاد ج٦

125
  • إثبات المكان على هذا الوجه للجنّة و النار باطل؛ فالشبهة منهدمة الأساس مقتلعة الأصل. و ممّا يوضّح ذلك حسب ما مضت الإشارة إليه أنّ عالم الآخرة عالم تامّ لا يخرج عنه شيء من جوهره، و ما هذا شأنه لا يكون في مكان كما ليس لمجموع هذا العالم أيضاً مكان يمكن أن يقع إليه إشارة وضعيّة من خارجه أو داخله، لأنّ مكان الشيء إنّما يتقرّر بحسب نسبته و إضافته إلى ما هو مباين له في وضعه خارج عنه في إضافته، و ليس في خارج هذه الدار شيء من جنسه و إلّا لم يوجد بتمامه، و لا في داخله أيضاً ما يكون مفصولًا عن جميعه إذا أخذ من هذه الحيثيّة. فلا إشارة حسيّة إلى هذا العالم عند أخذه تامّاً كاملًا لا من داخله و لا من خارجه فلا يكون له أين و وضع. و لهذا المعنى حكم معلّم الفلاسفة بأنّ العالم بتمامه لا مكان له، فقد اتّضح أنّ طلب المكان لما يكون عالماً تامّاً باطلٌ، و المغالطة نشأت من قياس الجزء على الكلّ، و الاشتباه بين الناقص و الكامل.

  • ثمّ على سبيل التنزّل عن هذا، لو سأل سائل هل الدار الآخرة مع هذه الدار منتظمتان في سلك واحد و المجموع عالم واحد، فحينئذٍ يكون طلب المكان لهما صحيحاً، أو كلّ منهما عالمٌ مباين الجوهر و الذات للآخر غير منسلك معها في سلك واحد لا يجمعهما دار واحدة، فحينئذٍ طلب المكان لهما غير صحيح، و أنت تعلم أنّ الحقّ هو الثاني، إلّا أن يُراد بكونهما واحداً ضرباً آخر من الوحدة، فإنّ العوالم و النشئات متداخلة في المعنى و القوام لا في الوضع و الامتداد، مع كون كلّ منهما عالم تامّ. أو لا ترى أنّ أهل العالم متّفقون على قولهم هذا العالم و ذلك العالم حسبما ورثوه من أسلافهم و مقدّميهم، و لو كان المجموع عالماً واحداً كان هذا القول باطلًا.

  • و لا يصحّ أن يقال هذا الإطلاق من قبيل قولهم عالم العناصر و عالم

معرفة المعاد ج٦

126
  • الأفلاك و عالم الحيوان، لأنّ هذه الأقوال مجازيّة على سبيل التشبيه؛ فإنّ الدنيا و الآخرة لو لم يكونا عالمين تامّين فلا يكون في الوجود عالم تامّ، لأنّ المجموع ليس منتظماً في سلك واحد إلّا بأن يكون أحدهما باطن الآخر و الآخر ظاهره كما أشرنا إليه، و هذا كلام آخر فيه غموض، فإذا لم يكونا مع مباينة كلّ منهما للآخر في الوجود ممّا يشملهما عالم آخر، فلا محالة كلّ منهما عالم تامّ كما اطلق القول عليه في السنّة الشريفة:

  • إن لله سبحانه عالمين، الدنيا و الآخرة.

  • و ممّا يوضّح أيضاً القول بأنّ الآخرة ليست من جنس هذا العالم، أنّ الآخرة نشأة باقية يتكلّم الإنسان فيها مع الله، و هذه نشأة دائرة بائدة أهلها، هالكة الذوات و لا ينظر إليهم، و اختلاف اللوازم يدلّ على اختلاف الملزومات. و أمّا مكالمة الأنبياء مع الله تعالى و مخاطبة سيّد الرسل صلّى الله عليه و آله و سلّم معه تعالى ليلة المعراج، فهي من ظهور سلطان الآخرة على قلوبهم. و ممّا يدّل على ذلك قوله تعالى: وَ نُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ.1 فإنّه صريح في أنّ نشأة الآخرة غير نشأة الدنيا.2

  • و بالجملة فنحو وجود الآخرة غير نحو وجود الدنيا، و لو كانت الآخرة من جوهر الدنيا لم يصحّ أن يقال إنّ الدنيا يخرب و الآخرة دار القرار، لأنّ الدنيا إنّما هي دنيا بالجوهر و الوجود لا بالعوارض الشخصيّة

  • .

    1. النصف الثاني من الآية 61، من السورة 56: الواقعة.
    2. من أوضح و أجلى الآيات الدالّة على أنّ الآخرة ليست في عَرْض الدنيا، بل هي في طول الدنيا و في باطنها، الآية 7، من السورة 30: الروم: يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ هُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ.
      إذ يستفاد من قرينة التقابل التي جعلت الآخرة مقابل ظاهر الدنيا، أنّ الآخرة هي باطن الحياة الدنيا

معرفة المعاد ج٦

127
  • و المخصّصات الخارجيّة، و إلّا لكان كلّ سنة بل كلّ يوم دنيا اخرى لتبدل الأشكال و الهيئات و التشخّصات، و لكان القول بالآخرة تناسخاً، و لكان المعاد عبارة عن عمارة الدنيا بعد خرابها، و إجماع العقلاء على أنّ الدنيا تضمحلّ و تفنى ثمّ لا تعود و لا تعمر أبداً؛ فقد ثبت و تحقّق أنّ الدنيا و الآخرة مختلفتان في جوهر الوجود غير منسلكتين في سلك واحد، فلا وجه لطلب المكان للآخرة، و صاحب الذوق السليم يتفطّن بهذا.

  • على أنّ من نظر إلى مواضع هذا الكتاب لا يحتاج إلى زيادة مؤونة و تفتيش، و إنّما بسطنا القول في زيادة الكشف و التوضيح شفقة على الظاهريّين الذين قصدهم في النسك و العبادات طلب قضاء شهوة البطن و الفرج في الآخرة على وجهٍ ألذّ و أدوم. فهم في الحقيقة طلّاب الدنيا و عند أنفسهم أنّهم يطلبون ثواب الآخرة و التقرّب إلى الله تعالى.»1

  • و حصيلة القول أنّ مسائل المعاد تنطوي على قدر من الغموض و الإبهام بحيث تتعسّر إقامتها من خلال البحث الفلسفيّ و براهينه المجرّدة.

  • و السرّ في ذلك أنّ المعاد يتحدّث عن ماوراء عالم الحسّ و الشهادة، و هو أمر لا يخلو من الصعوبة لمن يفتقد المعرفة بتلك العوالم و النشآت و يحاول مناقشة تلك الامور على أساس القياس و البرهان الصرف.

  • و لذلك تجري الاستعانة في الأغلب بمسائل العرفان و شهودات أهل الشهود و مكاشفات أهل الحقّ، و بالروايات الواردة عن المعصومين عليهم السلام و الآيات القرآنيّة و هي بدورها تمثّل نعم المفتاح لدعم هذا الأمر و تعيين حدوده البرهانيّة.

  • نصيحة صدر المتألّهين في اجتناب خوض المسائل العقليّة و العقائديّة

  • يضاف إلى ذلك أنّ خوض هذه المسائل من خلال الاستدلال

    1. «الأسفار» ج 9، ص 202 إلى 205، الطبعة الحروفيّة.

معرفة المعاد ج٦

128
  • و البرهان ينطوي على خطورة بالنسبة إلى الذين لم يتزوّدوا بالقدر الكافي من العلوم العقليّة و الحكمة المتعالية الإسلاميّة، إذ ستكون نتائج أدلّتهم عقيمة، شأنهم في ذلك شأن المتكلّمين، و لأنّهم بدلًا من حراستهم العقائد الشيعيّة الإسلاميّة الحقّة و صونها عن آفات الملحدين و المغرضين و المعاندين، فإنّهم يقدّمون تلك الاصول الحقّة المتقنة الواقعيّة في اسلوب سخيف ضحل متهافت، فيؤدّون إلى سلب اعتقاد الناس و أهل المعرفة من خلال عرض هذه المسائل الغامضة دون أن يمتلكوا القابليّات الفكريّة اللازمة لذلك.

  • يقول صدر المتألّهين: «إنّ للناظرين في أمر المعاد إثباتاً و نفياً، مشاجرات و مباحثات في الجانبين، ذكرها يؤدّي إلى الإطالة من غير فائدة، و ما أورده المتكلّمون من الكلام لا يفي بالإلزام و الإفحام، فكيف يتبيّن المرام و تحقيق المقام. و الأولى بحال مَن اقتصر في تحقيق هذه الامور الاعتقاديّة على مجرّد البحث الكلاميّ أن يستفسر عن هؤلاء المنكرين للمعاد الجاحدين لأحكام الشريعة، بناءً على قصور مداركهم عن دركها، أنّهم هل يدّعون الامتناع أو يمنعون الإمكان و الجواز؟ فعلى الاولى يقال لهم: إنّ عليكم البيّنة و إثبات ما ادّعيتم، و ما لكم فيما قلتم به من هذا عين و لا أثر.

  • و على الثانية: كلّ ما ازيل ظاهره عن الإحالة و الامتناع قام التنزيل الإلهيّ و الأخبار النبويّة الصادرة عن قائل مقدّس عن شوب الغلط و الكذب مقام البراهين الهندسيّة و الدعاوي الحسابيّة.1

  • و على كلّ حال فقد بحثنا في مسائل المعاد الجسماني بالقدر الكافي،

    1. «الأسفار» ج 9، ص 167 و 168، الطبعة الحروفية.

معرفة المعاد ج٦

129
  • عسى أن تكون حقيقته قد اتّضحت للقرّاء الكرام إن شاء الله تعالى، و قد أوردنا نظرية أعلام حكماء الإسلام بصورة مجملة.

  • قال الحكيم السبزواريّ قدّس الله سرّه بعد البحث في هذا الأمر:

  • «و هذا القدر كافٍ للمستعبر المنصف، و من أراد زيادة التحقيق و التفصيل فليرجع إلى كتب صدر المتألّهين- «كالأسفار» و «المبدأ و المعاد» و «العرشيّة» و غيرها فَإنَّ أمثال هذِهِ التحقيقاتِ حَقُّهُ في الدورةِ الإسلاميّةِ الخَتمِيَّةِ، شَكَرَ اللهُ سَعْيَهُ وَ ضَاعفَ أجْرَهُ».1

  • بيان مقدّمات سبع للمعاد الجسمانيّ العنصريّ لدي المؤلّف

  • تصوير المعاد بالبدن العنصريّ لدي مؤلّف الكتاب:

  • و عدنا في الأبحاث السابقة أن نقدّم تصويراً للمعاد الجسمانيّ في هيئته البدنيّة العنصريّة المادّيّة الطبيعيّة، و ها قد حان الوقت و للّه الحمد و المنّ للشروع في ذلك.

  • و يتوقّف تحقيق هذه المسألة وصولًا إلى الهدف المنشود على ذكر مقدّمات سبع:

  • المقدّمة الاولى: تطرّقنا سابقاً إلى أنّ شيئيّة الشيء بصورته لا بمادّته، أي أنّ ما يمنح الموجودات الخارجيّة شيئيّتها و وجودها و تشخّصها، و ما يجعل الموجود موجوداً و يمنحه اسماً و يميّزه عن باقي الأشياء، هو «فصل» الموجود و صورته.

  • و ليس معنى الصورة هو الشكل و سماته الظاهريّة، بل تلك الخاصيّة التي تعلّقت بالمادّة المبهمة فميّزتها عن سائر الموجودات؛ مثل الصورة الإنسانيّة (و هي النفس الناطقة)، و الصورة الحيوانيّة (و هي عنوان المتحرّك بالإرادة)، و صورة الحصان و هي الخاصّيّة التي جعلته حصاناً و ميّزته عن

    1. «المنظومة السبزواريّة» ص 344 طبعة ناصري.

معرفة المعاد ج٦

130
  • الحمار و البقرة و الإنسان و سائر الحيوانات و النباتات، و هي التي تُدعى بالنفس الصاهلة. و من هنا فإنّ المادّة الأوّليّة الأساسيّة التي تدعى ب- «مادّة الموادّ و الهيولى الأوّليّة» و التي تشترك فيها جميع الموجودات، ليست معياراً للتخصّص و التميّز، لأنّ جميع موجودات عالم الطبع و المادّة لها حظّ منها، بل إنّ وجودها و تخصّصها يتمثّل في صورتها و في تلك المزيّة و المادّة المشتركة التي يطلق عليها اسم الإنسان تارةً، و اسم الحيوان تارة، و اسم الشجرة تارةً، و اسم الماء و الجماد تارةً رابعة.

  • المقدّمة الثانية: إنّ صور الأشياء المختلفة التي تمنحها التعيّن غير زائلة، فالصور محفوظة عند موت المادّة و فنائها في عالم الطبع، و هي ثابتة و باقية في عالم الوجود و عالم الدهر دون تغيّر أو تبدّل.

  • فصور الأشياء- و من بينها الإنسان و أفعاله في الطاعة و المعصية- تختفي عن الأنظار بمرور الوقت، إلّا أنّه- في الوقت نفسه- تحفظ وجودها فلا يطرأ عليها البوار و الزوال بأيّ وجهٍ من الوجوه.

  • و العلّة في ذلك أنّنا موجودات زمنيّة تتحرّك إلى الأمام بالتدريج بتحرّك الزمان، و حين نوجد في هذا الزمن فإنّنا ندرك الموجودات الكائنة في هذه اللحظة، أمّا الموجودات التي وجدت في اللحظة السابقة ثمّ اختفت، و الموجودات التي ستأتي في اللحظة المقبلة فلا نراها و لا نحيط بها. فنحن- إذاً- ندرك اللحظة التي نحن فيها، لا ساعتنا الفعليّة و لا دقيقتنا الفعليّة المركّبتين من لحظات و ثوان؛ و نحن واقفون على لحظة واحدة من تلك اللحظات، و بعيدون عن باقي تلك اللحظات.

  • و لقد ترافقنا مع موجودات هذه الدنيا منذ الزمن الذي خُلقنا فيه، فنحن نتحرك معها إلى الأمام في قافلة واحدة، و نحن ندرك من هذه الموجودات و من وجودنا الخاصّ لحظةً زمنيّة واحدة من الزمن المتصرّم،

معرفة المعاد ج٦

131
  • و نحن معزولون كلّيّاً عن هذه القافلة، سواءً في الزمن السابق أم اللاحق، فلا يبقى في ذهننا من تلك الوجودات المسلّمة الثابتة إلّا الخواطر و الذكريات.

  • و لقد كانت مادّتنا منذ زمن الولادة جارية و متحركة في ذاتها، كما أنّ الزمن- بدوره- موجود متحرّك جار، و كيان متّصل لا يتوقّف و لا يكفّ عن الحركة أبداً، فنحن نرى أنّ هذا الزمن في حركة مستمرّة دائمة، متحرّك في ذاته و حقيقته. كما أنّنا بدورنا- باعتبارنا موجودات زمنيّة، أي باعتبار انطباق وجودنا على الزمن و حركته الممتدّة- في حركة مستمرّة مع تدرّج الزمن و حركته. نتقدّم إلى الأمام إلى حين موعد رحيلنا عن الدنيا، ثمّ نطوي البرزخ بعد ذلك باعتباره موجوداً زمنيّاً، فنفنى في ذات الحقّ و نصل في سيرنا أخيراً إلى نقطة تعلو الزمن و تحيط به، فندرك آنذاك جميع اللحظات السابقة، و ستكون تلك اللحظات بأجمعها حاضرة أمامنا و مشهودة لنا.

  • إنّنا حين نقول في هذه الدنيا إنّ الساعة السابقة قد مرّت، و إنّ الأفعال و الوقائع الحادثة في تلك الساعة قد انقضت و تصرّمت، فلا يعني ذلك أنّها قد انعدمت و فنيت، بل إنّ ذلك يعني أنّ الساعة السابقة و الموجودات الواقعة فيها قد اختفت عن نظرنا.

  • على أنّ جميع الموجودات الأرضيّة و السماويّة من النفوس الإنسانيّة و الحيوانيّة و النباتيّة و الجمادات، و كلّ ما نفترض وجوده سابقاً، ممّا اختفى الآن و انعدم في الظرف الحالى، هو موجود في ظرف تحقّقه و لا يطرأ عليه الزوال و الفناء، لأنّ هذه الموجودات قد وُجدت في ذلك الزمن، و لأنّ من المحال على الشيء الذي صار موجوداً بجميع تلك الخصائص السابقة أن يعرض له العدم، فالموجود لا يصبح معدوماً، و الوجود و العدم شيئان

معرفة المعاد ج٦

132
  • متناقضان، و النور و الظلمة لا يجتمعان معاً، كما لا تجتمع الحرارة و البرودة.

  • بلى من الممكن أن يكون هذا الشيء نورانيّاً في لحظة معينة ثمّ يصبح مظلماً في لحظة اخرى؛ أو أن يكون حارّاً في هذه اللحظة و بارداً في اللحظة التالية؛ أو أن يكون موجوداً في وقت معيّن و معدوماً في وقت آخر.

  • و من ثمّ فإذا كان هذا الشيء موجوداً فانعدم، فإنّه لم ينعدم بجميع خصائصه، لأنّ الزمن كان من جملة خصائصه؛ أي أنّ الموجود الذي كان موجوداً قبل ساعة واحدة قد كان للزمن دخلٌ في تحقّقه في تلك الساعة و إذا ما صار معدوماً في هذه الساعة الفعليّة، فإنّه لم يكن معدوماً في الساعة السابقة بلحاظ و قيد ذلك الزمن، فذلك الشيء موجود باستمرار (بهذا القيد و الخصوصيّة) في الساعة السابقة، و سيبقى في عالم الدهر و عالم الوجود و التحقّق دون أن يطرأ عليه زوال.

  • إنّ ذلك الشيء الذي كان موجوداً قبل ساعة، قد انعدم في الساعة التي تلتها، أي أنّنا رفعنا قيد «الساعة السابقة» عنه، فانعدم في الساعة التالية، و من المحال، منذ الزمن الأوّل لخلق العالم، و منذ زمن آدم إلى يوم القيامة، و قبل خلق هذا العالم، أن يطرأ العدم على سلسلة الموجودات الطوليّة الكائنة في سلسلة مدارج ما فوق هذا العالم، كالعقول المفارقة و نفوس الملائكة و موجودات العالم العلويّ و الروح و الأسماء و الصفات الكلّيّة الإلهيّة ابتداءً من الذات القدسيّة للحضرة الأحديّة جلّ و عزّ و انتهاءً بعالم الكثرة و الطبع و مادّة الموادّ، وصولًا إلى بعوضة واحدة أو ذرّة واحدة كُتب لها الوجود.

  • لقد كنّا- حتّى الآن- أحياء، و هناك إمكانيّة أن نصبح معدومين من

معرفة المعاد ج٦

133
  • الآن فصاعداً، و أن نهلك و نفنى بالمرّة؛ إلّا أنّ من غير الممكن أن ينعدم الوجود الذي اكتسبناه حتّى الآن، و ليس بإمكانكم في زمن لاحق إفناء شيء قد وجد في زمن سابق.

  • يمكنكم أن تحرقوا كتاباً ما، أو أن تمحوا كتابةً معينة، أو تلقوها في الماء، بَيدَ أنّكم تقومون بهذا العمل في زمنٍ لاحق؛ أمّا في الزمن الذي دوّن فيه ذلك الكتاب، فإنّ تلك الكتابة لا يمكن إعدامها و فناؤها. لقد قمنا ببعض الأعمال منذ الصباح إلى الآن، و لو اجتمعت جميع العوالم و تكاتفت و تظاهرت على القول بأنّ هذه الأعمال لم تُنجز لما أمكنهم ذلك. لقد فعلنا ما فعلنا، و ارتدى- ذلك- رداء الوجود و التحقّق.

  • يمكن أن لا يؤاخذ الله تعالى على المعاصي، و يمكن أن يستر بعض الأعمال و يخفيها تحت الستار، و أن يقول للملائكة: لا تدوّنوا هذا! أو أن يصرفهم- بإرادته- عن رؤية الأعمال و تدوينها؛ فكلّ ذلك ممكن، إلّا أنّ نفس العمل لن يصبح معدوماً، فإعدام العمل أمر محال.

  • المقدّمة الثالثة: إنّ الموجودات التي نشاهدها في الخارج لها ظاهر و باطن، و كلّ موجود من الموجودات الطبيعيّة له جسم و روح، و له مُلك و ملكوت. فالصلاة التي يصلّيها الإنسان- مثلًا- لها ظاهر و باطن، ظاهرها الطهارة و الاستقبال و القيام و الركوع و السجود و الدعاء و القرآن و التسبيح و غير ذلك؛ أمّا باطنها و ملكوتها فيمثّلان روح الصلاة. فهل اقيمت- يا ترى- رياءً و عُجباً و غروراً و غير ذلك من المقاصد المتدنّية للمصلّي، أم نبعت من الخلوص و الإخلاص؟

  • هل صلّاها الإنسان في حالة الاضطراب و ازدحام الخواطر و الأفكار، أم صلّاها بطمأنينة و سكينة خاطر و حضور قلب؟ ما حدود و درجات حضوره و التفاته الباطني؟ و إلى أين أوصله سيره التصاعديّ؟ و الأمر

معرفة المعاد ج٦

134
  • كذلك بالنسبة إلى باقي أعمال الإنسان، بل حتّى الأعمال القبيحة لها ملكوت و باطن.

  • كما أنّ الإنسان يمتلك- بدوره- ظاهراً لا يختلف بين فرد و آخر، فله طول و يدان و رجلان و عينان و اذنان، و له أعضاء و جوارح؛ إلّا أنّ البواطن. ليست متماثلة مع بعضها، فأحدهم مؤمن و الآخر كافر، و أحدهم عادل و الآخر فاسق؛ قد نوى أحدهم خيراً و نوى الآخر شرّاً، و هكذا.

  • إنّ كثيراً من الأفراد لهم ارتباط مع ربّهم، و الكثير الآخر معزولون لا رابطة لهم به، و لبعض الناس ذهن مطمئن، بينما لكثير منهم ذهن مضطرب مشوّش؛ يتبع كثيرٌ منهم الهوى و الهوس، بينما البعض الآخر يهربون منهما. هذا يعدّ الدنيا داراً أبديّة خالدة، فهو في حركة و نشاط في باطنه من أجل نيلها و الوصول إليها؛ و ذاك يعدّ الدنيا فانية و يعتبر الآخرة باقية، فينظّم- على هذا الأساس و المحور- امور حياته و معيشته.

  • إنّ جميع أفراد البشر يختلفون- بلحاظ الباطن- عن بعضهم في إدراكاتهم و عقائدهم، اطمئنانهم و سكونهم، ملكاتهم و أخلاقهم و صفاتهم؛ بينما لا ندرك ذلك منهم بلحاظ الظاهر و الشهود، فهي امور تعود إلى الغيب و الباطن.

  • المقدّمة الرابعة: ما دمنا أسرى الهوى و الهوس، و ما دامت أعيننا معلّقة بهذا العالم لا تبرحه، و ما دمنا نعجز عن إلقاء نظرنا إلى الباطن، فإنّنا سنرى هذه الموجودات في عالم الطبيعة في تلك الصور الظاهريّة؛ فإذا صلّى امرؤ- مثلًا- مدفوعاً بالإخلاص أو بالرياء، فإنّنا لا ندرك ذلك، لأنّنا نرى ظاهر الصلاة فقط، أمّا الباطن فأمرٌ آخر لا نفهمه و لا ندركه، و قد يمكن أن يكون للباطن- دون أن ندرك- عدّة صور أو عدة آلاف من الصور.

معرفة المعاد ج٦

135
  • أمّا حين نتحرّك إلى الله تعالى و نتخطّى دائرة هذه الأدراكات و المدركات، أي حين نذهب إلى مكان نعمل فيه حواسّنا الباطنيّة لا الظاهريّة، فإنّنا سنطّلع على باطن الأعمال.

  • و بعبارةٍ اخرى، فإنّ ما يربطنا بالخارج في عالم الشهادة و الظاهر يتمثّل في هذه الحواسّ الظاهريّة، فلو عُدمنا الأعين لما شاهدنا هذا العالم الظاهريّ؛ كما أنّ آذاننا، لمسنا، حسّ ذائقتنا و حسّ شمّنا هي وسائل ارتباطنا بالخارج، و طريقنا للحصول على الإدراكات. أمّا بغير هذه الحواسّ فإنّنا سنعجز عن الاستفادة من عالم الخارج، فيكون وجوده و عدمه بالنسبة لنا على حدٍّ سواء. و ستُسلب منّا هذه الحواسّ حين نرحل عن هذه الدنيا، فنفقد- من ثمّ- أعيننا فتستحيل في القبر تراباً؛ و نفقد آذاننا و أيدينا و أرجلنا و جوارحنا و حواسّنا.

  • لكنّ الإنسان له نور باطنيّ يدرك به الحقائق، و ذلك النور متعلّق بالنفس و غير متعلّق بالبدن و لا بالمشاعر. و سيصحب ذلك النور الإنسان في ذلك العالم، فيقوم من خلال ذلك الإحساس بإدراك البواطن، و ستعمل هذه الحواسّ الظاهريّة و المشاعر تبعاً له و في هدى نور وجوده، فتوصل الإدراكات و العلوم إلى الإنسان، كما يقول الحكيم السبزواريّ قدّس الله نفسه:

  • «إنّ للنفس في ذاتها سمعاً و بصراً و شمّاً و ذوقاً و لمساً و غير ذلك، فالقوى التي في البدن ظلال لما في النفس و بالتي في النفس تدرك في النوم و السكر و المرض و في الكشوف الصوريّة، المحسوسات الجزئيّة، و من هنا يقول العارف:

  • پنج حسّي هست جز اين پنج حسّ***آن چو زرّ سرخ و اين حسّ همچو مِسّ

معرفة المعاد ج٦

136
  • صحّت اين حسّ ز معمورىّ بدن***صحّت آن حسّ ز ويرانيّ بدن

  • صحّت اين حسّ بجوييد از طبيب***صحّت آن حسّ بجوييد از حبيب» 1

  • و لأنّ ذلك العالم عالم تُبْلَى السَّرَائِر، فإنّ المخفيّات ستظهر جليّة فيه، فالصلاة- مثلًا- موجودة هناك، و لكن ليس في هيئة القيام و القعود، فهذه الصورة في القيام و القعود هي صورتها المُلكيّة، بينما ستظهر الصلاة هناك في صورتها الملكوتيّة.

  • فكيف كان ملكوت الصلاة هنا يا ترى؟ أ كان عن إخلاص؟ أ كان عن التفات إلى الله و غرق و محوٍ في جماله تعالى! فسيظهر ذلك و يتجلّى في تلك الصورة الملكوتيّة.

  • للصلاة هناك صورة أعلى من الأفهام و العقول؛ و حين تقام الصلاة من أجل الوصول إلى الجنة و الحور العين و تقرّباً إليهنّ، فإنّ صورتها الملكوتيّة هي الجنّة و الحور العين، إذ إنّ الصلاة هناك لا تبقى بمعناها الواقعيّ، فالجنّة و الحور العين من اللذّات النفسانيّة، و سينال المصلّي تلك اللذات أمّا لو اقيمت الصلاة هنا رياءً و سُمعة، فستكون هناك في صورة حيّة و عقرب

    1. «المنظومة السبزواريّة» حاشية ص 335، طبعة ناصري؛ و الأشعار للملّا محمّد العارف الروميّ في« مثنوي» ج 1 و ج 2، طبعة ميرخاني؛ حيث ورد البيت الأوّل في ج 2، ص 107، و ورد البيتان الآخران في ج 1، ص 9.
      يقول الشاعر:« هناك حواسّ خمس غير هذه الحواسّ( الظاهريّة)؛ تلك كالذهب الأحمر و هذه كالنحاس.
      و بينما يصحّ هذه الحسّ عند معافاة البدن، يصحّ ذلك الحسّ عند انهياره و تلفه.
      فاطلب صحّة هذا الحسّ عند الطبيب، و انشد صحّة ذلك الحسّ عند الحبيب!»

معرفة المعاد ج٦

137
  • و نار، لأنّها كانت لغير الله تعالى، و لأنّ المصلّي ارتكب بفعله محرّماً، إذ الرياء في العبادة حرام.

  • و من ثمّ فإنّ الأعمال التي يفعلها الإنسان في الدنيا ستوجد هناك في صورتها الملكوتيّة، فتظهر الذنوب و المعاصيّ الكبيرة في صورة النار و الأغلال، و في صورة الزقّوم و الحميم و الفلز المصهور يُصبّ في الأفواه، و بصورة مُهل يشوي الوجوه، فينقلب وضع اللحم حين تمسّه النار، و تسودّ الوجوه و تُظلم، و في النهاية فإنّها ستظهر في صورة ظلمات و عقبات و مخاوف و أهوال.

  • إنّ هذه الصفات الرذيلة التي يمتلكها الإنسان تلذع نفسه الناطقة القدسيّة باستمرار كالحيّات و الأفاعي دون أن يعي الإنسان ذلك، أي أنّه لا يمنح نفسه الفرصة لتفهم، و لا يكون في صدد الفهم و الإدراك. ثمّ يفرّ من الحيّات و العقارب الخارجيّة و يخاف منها، بينما يتوجّب عليه أن يخاف حيّات نفسه الأمّارة و عقاربها.

  • يتخيّل المسكين أن ليس هناك من شيء، فنفسه هادئة مطمئنّة بذلك الخيال؛ أمّا حين تطلع شمس الحقيقة و تسطع، فإنّ بواطن الإنسان و ذاته و صفاته ستطلع بجلاء في صورها الواقعيّة و الملكوتيّة، إذ تُعرض الموجودات في ذلك العالم بحقيقتها لا بمجازها، إذ العالم عالم الحقيقة، و الحساب لا يتوجّه إلى المظاهر.

  • افرضوا أنّنا نقف في صحراء ممتدّة مكتظّة في إحدى جهاتها بأنواع الورود و الرياحين و أزهار السوسن و النرجس و الياسمين، و مكتظّة في الجهة الاخرى بأنواع القاذورات و الأوساخ؛ و أنّ الوقت الآن ليل و الهواء بارد عليل، و الشمس لم تُشرف بعدُ، و الثلوج تغطّي الأرض؛ فسنشاهد أنّ جميع هذه الموجودات في حال خفاء؛ الأفاعي و الحيّات قد نامت في

معرفة المعاد ج٦

138
  • جحورها، و الشرائط غير مناسبة للظهور و البروز.

  • أمّا حين ينقضي الليل و يطلّ الفجر برأسه من وراء الافق، ثمّ تملأ الشمس العالم بضيائها، و تبعث للأرض بنورها و دفئها من خلال وهج من النور و الحرارة؛ فإنّ الثلوج ستذوب، و ستعبق الأوراد و الرياحين بشذاها رويداً رويداً، فتنهمك البلابل و طيور الكناري بالترنّم و الشدو على الأفنان؛ و من الجانب الآخر فإنّ الأقذار و الأوساخ ستبعث روائحها العفنة التي تزكم الانوف؛ و ستزحف الحيّات و العقارب خارجة من جحورها، سيظهر كلّ موجود في هذه الصحراء الممتدّة الحارّة المضاءة حقيقة وجوده، و يعرض كمالاته على مسرح الوجود. هذه هي لازمة طلوع شمس الحقيقة.

  • آنگه كه آفتاب حقيقت شود پديد***شرمنده رهروي كه عمل بر مجاز كرد 1

  • إنّ القيامة هي محلّ ظهور نور التوحيد و شمس الحقيقة الوهّاجة، و من ثمّ فإنّ جميع الأعمال ستظهر و تبرز، و سيمثّل ما يصل إلى الإنسان من مثوبات و عقوبات نتيجة أعماله، بل نفس أعماله و سلوكه و قد أظهرت حقيقتها و واقعها في ضوء نور التوحيد.

  • و هناك بحث يدور بين العلماء الأعلام في أمر الجزاء الذي يُجازى به الإنسان يوم القيامة على أعماله في دار الدنيا، أ هو أمرٌ خارجيّ يُجزى به، أو أنّه يمثّل تجسّد الأعمال و نفس ظهور فعل الإنسان و سيرته؟

  • و قد أثبتنا بصورة وافية في مباحث عالم المثال و البرزخ اعتماداً على الآيات القرآنيّة و الروايات الواردة عن الأئمّة المعصومين عليهم السلام أنّ

    1. يقول:« عند ما تستبين شمس الحقيقة، فسيخجل كلّ سالكٍ عمل بال- مجاز!».

معرفة المعاد ج٦

139
  • جزاء الأعمال ليس خارجاً عنها، و أنّه نفس تجسّد الأعمال و بروزها و ظهورها. و قد برهن المرحوم صدر المتألّهين على هذا الأمر في مواضع كثيرة، سواءً في كتابه «الأسفار» أم في سائر كتبه الاخرى.

  • لذا لا يمكن للإنسان الاحتجاج على ربّه يوم القيامة، بل للّه الحجّة البالغة دوماً على الإنسان، لأنّ الإنسان يرى نفس عمله، و يرى الجنّة و جهنّم عين سلوكه و فعله و قد تجلّى في صورة ملكوتيّة:

  • وَ ما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ.1

  • و حين يرى الإنسان أنّ وقود جهنّم هو نفس مدركات قلبه و نواياه الباطنة و يرى أنّ الجنّة و الحور العين و رضوانٌ من الله أكبر هي نفس مفرزات ذهنه و خلوصه و إخلاصه؛ فأيّ حجّة سيمكنه- من ثمّ- إقامتها عند ربه؟! و كيف ستكون له الحجّة على ربّه؟

  • يقول أمير المؤمنين عليه السلام في الدعاء الذي علّمه لكميل بن زياد النخعيّ: وَ لَكَ الحُجَّةُ عَلَيّ في جَميعِ ذَلِكَ وَ لَا حُجَّةَ لِي فِيمَا جَرَى عَلَيّ فِيهِ قَضَاؤُكَ.2

    1. النصف الثاني من الآية 46، من السورة 41: فصّلت.
    2. دعاء كميل من الأدعية القيّمة ذات المضامين العالية. و قد أورده الشيخ الطوسيّ في« مصباح المتهجّد» ص 587 إلى 592، في أعمال ليلة النصف من شعبان. و أورده المجلسيّ في« زاد المعاد» ص 61 إلى 73؛ كما أورده الشيخ إبراهيم الكفعميّ في« مصباح الكفعميّ» ص 555 إلى 560، و في« البلد الأمين» ص 188 إلى 191. أمّا المرحوم السيّد ابن طاووس فقد أورده في« الإقبال» ص 706 إلى 710 في أعمال ليلة النصف من شعبان، حيث نقله بسندين: الأوّل عن جدّه الشيخ الطوسيّ رحمة الله عليه بهذا المضمون أنّه روي أنّ كميل بن زياد النخعيّ رأى أمير المؤمنين عليه السلام ساجداً يدعو بهذا الدعاء في ليلة النصف من شعبان.
      و الثاني في رواية اخرى بهذا المضمون: قال كميل بن زياد: كنتُ جالساً مع مولاي أمير المؤمنين عليه السلام في مسجد البصرة و معه جماعة من أصحابه فقال بعضهم: ما معنى قول الله عزّ و جلّ« فيها يفرق كلّ أمرٍ حكيم»؟ قال عليه السلام: ليلة النصف من شعبان؛ و الذي نفس عليّ بيده إنّه ما من عبدٍ إلّا و جميع ما يجري عليه من خير و شرّ مقسوم له في ليلة النصف من شعبان إلى آخر السنة في مثل تلك الليلة المقبلة، و ما من عبدٍ يُحييها و يدعو بدعاء الخضر عليه السلام إلّا اجيب له. فلمّا انصرف طرقتُه ليلًا فقال: ما جاء بك يا كميل؟
      قلت: يا أمير المؤمنين! دعاء الخضر. فقال: اجلس يا كميل، إذا حفظت هذا الدعاء فادعُ به كلّ ليلة جمعة أو في الشهر مرّة أو في السنة مرّة أو في عمرك مرّة تُكف و تُنصر و تُرزق و لن تُعدم المغفرة. يا كميل! أوجبَ لك طولُ الصحبة لنا أن نجود لك بما سئلت. ثمّ قال:
      اكتب: اللهمّ إنّي أسألك برحتمك- الدعاء.

معرفة المعاد ج٦

140
  • المقدّمة الخامسة: إنّ المعاد هو الرجوع إلى الله تعالى، و ليس في عرض هذا العالم، بل هو في طوله. و لإيضاح هذا الأمر نقول:

  • معنى تقدّم و تأخّر عوالم الطبع و البرزخ و القيامة قياساً إلى بعضها:

  • يظنّ عامّة الناس أنّ الله عزّ و جلّ خلق آدم في الجنّة في زمن معيّن، ثمّ سلّط الشيطان عليه، ثمّ أخرجه من الجنّة فهبط على الأرض، حتّى انتهى الأمر بتعاقب الأزمان إلى عصرنا هذا الذي ولدنا فيه، و أنّنا سنعمّر على امتداد هذا الزمان حتّى نموت، ثمّ يكون لنا برزخ في زمنٍ لاحق، و حين ينقضي ذلك الزمن فإنّنا سنذهب إلى القيامة.

  • أي أنّهم يتصوّرون أنّ عالم المثال الذي سبق هذا العالم يجسّده زمناً معيّناً في عرض هذا العالم، و أنّ عالم البرزخ الذي يتبع هذا العالم يمثل أيضاً زمناً آخر في عرض هذا العالم. و يعني ذلك أنّنا نطوي في هذه الدنيا المراحل الزمنيّة الواحدة تلو الاخرى، فنرد البرزخ بعد انتهاء تلك المراحل و ضمن هذه السلسلةُ الزمنيّة، ثمّ ينتهي زمن البرزخ في هذه السلسلة فنرد عالم القيامة. و الأمر على هذا النحو بالنسبة إلى القيامة التي تمثّل زمناً معيّناً

معرفة المعاد ج٦

141
  • تتعاقب أوقاته حتّى يحكم الله بين الناس.

  • و ترجع الكثير من الإشكالات و الأخطاء التي تدور في أذهان الناس- صرّحوا بها أم لم يصرّحوا- إلى هذه الطريقة الخاطئة من فهم الأمر.

  • فهم يقولون: ما الذي سيحصل بعد القيامة؟ و ما الذي سيحصل لو انقضت مليون سنة اخرى؟ و ما الذي سيحصل لو مرّت مليون سنة؟ مع أنّ القيامة ليست في عرض هذا العالم، و مع أنّ جميع هذه الأسئلة ستكون- من ثمّ- أسئلة لا مبرّر لها.

  • و لبيان هذه الحقيقة نقول: إنّ العوالم متداخلة عمقاً؛ أي أنّ عالم البرزخ ليس عالماً يتبع هذا العالم، بل هو عالم محيط بهذا العالم المادّيّ الطبيعيّ، كما أنّه لن يوجد في وقت لاحق، لأنّه موجود في الوقت الحاضر.

  • كما أنّ عالم النفس و القيامة محيط بنا، و محيط بعالم الطبيعة و المادّة و بعالم البرزخ كليهما. فهو موجود- إذاً- و متحقّق، لا أنّه سيوجد فيما بعد ويلي هذا العالم.

  • افرضوا أنّ الزمن الذي نولد فيه و نتحرّك إلى الأمام إثر حركة الزمن حتّى نفارق الدنيا يمثّل إناءً و وعاءً معيّناً؛ فسيمثّل عالم البرزخ عالماً محيطاً بجميع هذا الوعاء، و سيمثّل عالم القيامة- بدوره- عالماً محيطاً بهذا العالم و بعالم البرزخ كليهما.

  • فإن شئنا- و الأمر كذلك- أن نصل إلى البرزخ، فلن يتوجّب أن ينقضي عمرنا لنذهب عند موتنا إلى عالم البرزخ، لأنّ البرزخ موجود فعلًا. و لو أردنا الاطّلاع على برزخنا فليس علينا أن نسير عرضيّاً، بل علينا أن نسير طوليّاً إلى الأعلى، أي أن نتحرّك حركة معنويّة صوب مقام التجرّد و عوالم المعنى لنصل إلي البرزخ، ثمّ نسير من هناك سيراً طوليّاً و نرتقي

معرفة المعاد ج٦

142
  • إلى الأعلى لنصل إلى القيامة، سواءً قمنا بهذا العمل بعد موتنا أم خلال حياتنا.

  • و لو نال امرؤٌ ما مقام التجرّد في الدنيا فإنّه سيموت موتاً اختياريّاً بحيث يتخطّى عالم الصورة و يصل إلى القيامة. و لو خرج امرؤٌ في الدنيا من عالم الشهوة و الهوى و الآمال و تخطّي محبّة الدنيا من خلال تهذيب النفس و اتّباع الشريعة و اقتفاء أثر تعاليم رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم، و بواسطة رعاية الجوانب المعنويّة للُامور الشرعيّة و العباديّة وصولًا إلى حيازة مَلكة التقوى؛ فإنّه سيسير إلى الله تعالى سيراً من لوازمه الوصول إلى البرزخ في المنزل الأوّل. و من ثمّ فإنّه سيدرك برزخه بلا شكّ و لا ريب.

  • ما هو البرزخ؟ هو عالم الصورة، و هو التجرّد من المادّة. أي أن يرى الإنسان نفسه مجرّداً من المادّة، و يُدرك الموجودات البرزخيّة التي تمتلك صورة إلّا أنّها عديمة الثقل و المادّة.

  • فإن تحرّك من هناك إلى الأمام من خلال تهذيب النفس و اتّباع أوامر رسول الله، و تحرّك في مسيرة طوليّة تصاعديّة- لا في عرض الزمان- و ارتقى إلى الأعلى في مسيره إلى الله تعالى، فإنّه سيصل إلى القيامة فيدرك قيامته بجميع آثارها و خصائصها.

  • لذا ورد في الحديث: لَنْ يَلِجَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ مَن لَمْ يُولَدْ مَرَّتَيْنِ.

  • و إذا لم يوفّق الإنسان خلال حياته لإدراك هذه العوالم اختياراً، فإنّه سيصلها و يدركها بعد موته اضطراراً.

  • أي أنّ الإنسان سيدخل البرزخ من خلال السير العرضيّ حين يقطع علاقته بالبدن و حين يصل موعد موته، ثمّ ينقضي البرزخ فيرد القيامة من خلال سيره العرضيّ.

معرفة المعاد ج٦

143
  • هذه هي حقيقة السير إلى الله تعالى، لأنّنا نذهب. إليه سبحانه عند موتنا؛ أ فلسنا نقول: إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ؟ أ وَ لم نذكر عند مطلع البحث آيات: لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ، إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ، إِلَيْهِ تُقْلَبُونَ؟ فأين هو الله تعالى؟ ليس له مكان و لا زمان، و هو موجود في كلّ مكان و في كلّ آن و زمان. فنحن- إذاً- نُحشر إليه، أي أنّنا نسير إلى الأعلى في تقرّبنا و سيرنا الطوليّ حتّى نصل إلى حيث نراه محيطاً بكلّ شيء؟

  • لقد بُعثت فينا الروح و وُلدنا و أطلق علينا أبونا العزيز اسماً و أقام وليمة في الليلة السادسة لولادتنا و عقّ عنا و دعا الأرحام و الأصدقاء، ثمّ كبرنا و ترعرعنا شيئاً فشيئاً و بلغ عمرنا سنتين ثمّ أربع سنوات، ثمّ ذهبنا إلى المدرسة، ثمّ أدركنا سنّ البلوغ و الشباب ثمّ الكهولة، ثمّ إنّنا نموت، و ذلك في مسيرة متوالية تجاه الله تعالى. ثمّ إنّنا نذهب إلى عالم البرزخ ثمّ إلى القيامة و نجتاز كلّ هذه الأزمنة الواقعة في عرض العالم حتّى نصل إلى الله سبحانه. فهو- إذاً- إله واقع في أقصى العالم. و كم هو إله مظلوم، و كم نحن بشر ظالمون! لأنّنا نأتي إلى الإله المحيط بكلّ شيء و الموجود مع كلّ شيء، الذي له المعيّة مع كلّ شيء، لا تخلو منه لحظة في العالم، الإله الذي نقرأ عنه: وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ قَلْبِهِ.

  • نأتي إليه فنسلب منه كلّ هذه الامور، ثمّ نردّه إلى الوراء و نجعله في تلك الزاوية البعيدة من العالم. و حصيلة القول أنّنا نجعل الله موجوداً ضعيفاً بلا خاصيّة و لا إرادة، إلهاً عاجزاً عن فعل أيّ شيء، إلهاً قد سُلب منه كلّ شيء و اوكل إلى امور التكوين، إلهاً نجعله في هذه الزاوية و تلك الزاوية من العالم، أي في الزاويتين الاولى و الأخيرة من العالم، ثمّ نعتبر معنى الأزل و الأبد الزمنيين الأوّل و الآخر. فأكرِم بهذا الوضع و هذا الحساب!! و هو كلام خاطئ بأجمعه و مُجانب للصواب. فالله تعالى موجود، و هو

معرفة المعاد ج٦

144
  • موجود دوماً في كلّ مكان و مع كلّ شيء؛ و القيامة موجودة و البرزخ موجود، و العوالم التي تعلو القيامة (أي الأسماء و الصفات الكلّيّة الإلهيّة) موجودة، و الذات المقدّسة للّه تعالى موجودة.

  • معنى الأزل و الأبد:

  • لا يعني الأزل بداية الزمان، كما لا يعني الأبد أنتهاء أمد الزمان و طوله، بل إنّ معنى الأزل باللحاظ الطوليّ قياساً إلى هذا العالم يتمثّل في نقطة ابتداء الخلقة في الدرجات العالية و مراتب القدرة و العلم. أمّا الأبد فيعني نقطة انتهاء الخلقة في الدرجات العالية و مراتب العلم و القدرة.

  • فنقطتي الأزل و الأبد واحدة، إلّا أنّها واحدة باعتبارينِ، فهي تدعى بالأزل بلحاظ بداية الخلقة، و تدعى بالأبد باعتبار نهايتها.

  • أي أنّ الأزل عبارة عن النقطة التي أراد الله عزّ اسمه فيها خلق عوالم الكثرة و العوالم الملكوتيّة من ذاته المقدّسة في أعلى الدرجات و المقامات، كما أنّ الأبد هو النقطة التي تصلها جميع الموجودات و المخلوقات في سيرها إلى الذات المقدّسة في أعلى الدرجات و المقامات.

  • أين ازل عين ابد آمد يقين***ظاهر اينجا عين باطن شد ببين 1

  • و لو فرضنا- من باب المثال- أنّ الذات الأحديّة و مقام غيب الغيوب و ما لا اسم له يمثّل نقطة لا بُعد لها (نقطة رياضيّة لا نقطة فيزيائيّة)، و أنّ أوّل نقطة ظهور الكثرات تمثّل الإرادة و المشيئة، و أنّ كثرات عالم الملكوت توجد من هناك الواحدة تلو الاخرى و تتنزّل إلى الأسفل وصولًا إلى عالم الطبع و المادّة الأوسع- بلحاظ الكثرة- من جميع العوالم و الأضيق منها بلحاظ الحياة و العلم و القدرة، فإنّ شكلًا مخروطيّاً سيتشكلّ بحيث

    1. يقول:« لقد صار الأزل عين الأبد يقيناً، فانظر كيف صار الظاهر هنا عين الباطن».

معرفة المعاد ج٦

145
  • تمثّل قمّته مقام اسم الأحد، ثمّ في مقام أدنى منه اسم الحيّ و العليم القدير، ثمّ الأدنى و هو مقام الإرادة و المشيئة الذي نشأ منه العالم، ثمّ تليها كثرات العالم متعاقبة كلّما اتّجهنا نحو الأسفل، حتّى نصل إلى قاعدة المخروط التي تمثّل عالم المادّة و هو أظلم العوالم.

  • و لقد خُلق كلّ واحد من الموجودات من نقطة معيّنة بإرادة الخالق تعالى، ثمّ إنّها طوت قوس النزول و الحركة إلى عالم المادّة، فتحركت- من ثمّ- إلى جهة المبدأ، لتصل من خلال طيّ قوس الصعود إلى تلك النقطة التي بدأت منها، وصولًا إلى فنائها في تلك النقطة: كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ.1

  • و من هنا فإنّ جميع الموجودات تعود إلى الله تعالى، إذ إنّ ذات الحقّ القدسيّة هي غاية سير جهاز الخلقة و منتهى حركته: وَ أَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى.2

  • و لا يخفى أنّنا جعلنا قمّة المخروط تمثّل الذات الأحدية التي ليس لها اسم و لا رسم بأيّ وجه من الوجوه، و إلّا فإنّ قدرة الخالق و علمه و حياته و سائر أسمائه و صفاته موجودة في جميع هذا المخروط و مثبوتة حتّى في قاعدته التي تمثّل عالم الكثرات المادّيّة و الطبعيّة، بل إنّها ملأت جميع هذا المخروط بحيث إنّنا لا نجد ذرّة و لا نقطة واحدة في هذا المخروط خالية من الله تعالى و لم يصل اسمه و صفته و فعله.

  • اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ.3

    1. المقطع الأخير من الآية 29، من السورة 7: الأعراف.
    2. الآية 42، من السورة 53: النجم.
    3. الآية 35، من السورة 24: النور.

معرفة المعاد ج٦

146
  • و من هنا فإنّ اسم الواحد (و هو مقام ظهور نور الذات في مظاهر العالم) يشكّل مجموعة المخروط.

  • و يتّضح ممّا قيل معنى الأزل و الأبد:

  • الأزل: أوّل نقطة الحضيض لطيّ قوس النزول في عالم الكثرة.

  • الأبد: آخر نقطة الذروة بعد طيّ قوس الصعود إلى عالم الوحدة.

  • و علمنا جيّداً- تبعاً لهذه المقدّمة- أين عالم البرزخ، و أين عالم القيامة، فعالم البرزخ موجود الآن، و عالم القيامة موجود كذلك.

  • و لا يمكننا القول بأنّ القيامة موجودة الآن، لأنّ «الآن» تعني في هذا الزمن، بينما ليس للقيامة زمان، و هي ما فوق الزمان.

  • تماماً كما نقول إنّ بدننا موجود الآن، إلّا أنّ من الخطأ أن نقول بأنّ روحنا موجودة الآن. علينا أن نقول: الروح موجودة، لأنّ الروح مجرّدة عن الزمان و لا يسعها الزمان.

  • بلى يمكننا القول بأنّها موجودة في هذه الساعة بلحاظ أنّ روحنا قد وسعت هذه الساعة و هذه اللحظة أيضاً، كما أنّنا نستطيع القول بهذا اللحاظ إنّ القيامة موجودة في هذه الساعة، بل إنّنا نستطيع القول بأنّ الله تعالى موجود في هذه الساعة.

  • إنّ روح الإنسان و نفسه الناطقة مجرّدة و ليست مقيّدة بالزمان بأيّ وجه، اللهمّ إلّا باعتبار تعلّقها بالبدن بلحاظ إدراك صاحبها أمّا لو شاهد امرؤ روحه وجداناً، لرآها فوق الزمان و المكان، بل لرآها مهيمنة على الزمان و قد طبقت جميع العوالم، فجميع العوالم كالجوزة في قبضتها.

  • لكنّنا لم ندرك روحنا، و تصوّرنا أنّ وجودنا ليس إلّا هذا الوجود المادّيّ الطبيعيّ، و أنّه محدود بالزمان و المكان، فتصوّرنا- من ثمّ- أنّ روحنا زمانيّة بدورها، و صرنا نقول بأنّنا موجودون الآن، و بأنّ روحنا

معرفة المعاد ج٦

147
  • موجودة الآن، و علينا أن نحذف قيد «الآن» ليصحّ تعبيرنا.

  • إنّ عالم البرزخ من تتمّات عالم الدنيا، و ليس عالماً مجرّداً محضاً، فهو يمتلك صورة على الرغم من خلوّه من المادّة. و تبعاً لذلك فإنّه يتضمّن زماناً و يمكننا لذلك أن نقول بأنّ عالم البرزخ موجود الآن. أمّا القيامة فمجرّدة من الصورة و المادّة كليهما و لا زمان لها، و من هنا يجب التعبير عنها بعبارة: القيامة موجودة. و إذا ما كانت القيامة مجرّدة و الروح مجرّدة، فلما ذا لا ندرك القيامة يا ترى؟ الإجابة: لأنّنا لم نصبح مجرّدين و لم ندرك التجرّد و لم نفهم مقولة «رو مجرّد شو مجرّد را ببين».1

  • يقول الحافظ الشيرازيّ رضوان الله عليه في مقام التعليم و الوعظ في هذا المجال ببيانٍ بديع:

  • به سرّ جام جم آنگه نظر تواني كرد***كه خاك ميكده كُحلْ بصر تواني كرد

  • مباش بي مِي و مطرب كه زير طاق سپهر***بدين ترانه غم از دل بدر تواني كرد

  • گدائى در ميخانه طُرفه اكسيرست***گر اين عمل بكني خاك زر تواني كرد 2

    1. يقول:« اذهب و كُن مجرّداً لتري المجرّد».
    2. «ديوان حافظ» حرف الدال، ص 51، طبعة پژمان.
      يقول:« سيمكنك الاطّلاع علي سرّ كأس الملك جم( علي سرّ قلب العارف) حين تكحل ناظريك بتراب الحانة!
      و لا تبقينّ دون مطرب و شراب، فتحت قبّة السماء سيمكنك بهذه الأغنية طرد الغمّ من قلبك.
      الاستجداء علي باب الحانة كيمياء عجيبة، فإن فعلت ذاك صار بإمكانك قلب التراب ذهباً».

معرفة المعاد ج٦

148
  • به عزم مرحلة عشق پيش نِه قدمي***كه سودها كني ار اين سفر تواني كرد

  • بيا كه چاره ذوق حضور و نظم امور***به فيضبخشى اهل نظر تواني كرد

  • گُلِ مراد تو آنگه نقاب بگشايد***كه خدمتش چو نسيم سحر تواني كرد

  • تو كز سراى طبيعت نميروي بيرون***كجا به كوي طريقت گذر تواني كرد

  • جمال يار ندارد نقاب و پرده ولى***غبار ره بنشان تا نظر تواني كرد

  • گرت ز نور رياضت خبر شود حافظ***چو شمع خنده زنان ترك سر تواني كرد

    1. يقول:« اخطُ إلى الأمام قاصداً منزل العشق، فستجني الكثير لو أمكنك السفر.
      تعال فإنّ الحصول علي ذوق الحضور و انتظام الامور ممكن لو مَنّ أهل النظر بغيضهم و التفاتهم.
      و ستسفر وردتك المشتهاة النقاب إن أمكنك مداراتها كنسيم السَّحَر.
      و أنّي لك- أنت الذي لم تخطُ خارج فناء الطبيعة- أن تضع قدمك علي طريق الحقيقة
      ليس لجمال الحبيب نقاب و ستار، فأزِل غبار الطريق لتراه جليّاً.
      لو اطّلعت علي نور الرياضة يا حافظ، لأمكنك- كالشمع- أن تتخلّي عن رأسك ضاحكا.
      و لكن ما دمت تسعي إلى شفة المعشوق و الكأس، فلا تطمعن في فعل أمر آخر».

معرفة المعاد ج٦

149
  • و ما أروع بيان المغربيّ لحال التجرّد بعد نيله و الوصول إليه:

  • دلي نداشتم آن هم كه بود يار ببرد***كدام دل كه نه آن يار غمگسار ببرد

  • به نيم غمزه روانِ من هَزار ربود***به يك كرشمه دل همچو من هزار ببرد

  • هزار نقش برانگيخت آن نگار ظريف***كه تا به نقش دل ار دستم آن نگار ببرد

  • به يادگار دلي داشتم ز حضرت دوست***ندانم از چه سبب دوست يادگار ببرد

  • دلم كه آينه روي اوست داشت غبار***صفاي چهره او از دلم غبار ببرد

  • چو در ميانه در آمد خِرَد كناره گرفت***چو در كنار در آمد دل از كنار ببرد 1

    1. «ديوان مغربي» ص 50.
      يقول:« لم أمتلكُ قلباً، فقد خطف الحبيب قلبي، و أيّ قلبٍ- ترى- لا يخطفه ذلك الحبيب مجلّي الهموم؟
      فقد خطف الهزار روحي بنصف لحظ من العين؛ و سلب الآلاف مثلي بغمزةٍ واحدة.
      لقد أثار ذلك الكاتب الظريف ألف صورة في قلبي، حتى إذا ارتسمت في القلب صادرها من يدي.
      كان لي- ذكري من الحبيب- قلبٌ؛ لست أدري لم استعاد التذكار منّي الحبيب.
      قد علا الغبار قلبي الذي كان مرآة وجهه، فجلي صفاء طلعته عن قلبي الغبار.
      حين حلّ في القلب تنحّي العقل جانباً، و حين صار إلى الجنب خطف القلب من الجنب.

معرفة المعاد ج٦

150
  • اگر چه در دل مسكين من قرار گرفت***و ليكن از دل مسكين من قرار ببرد

  • به هوش بودم و با اختيار در همه كار***ز من به عشوهگرى هوش و اختيار ببرد

  • كنون نه جان و نه دل دارم و نه عقل و نه هوش***چو عقل و هوش و دل و جان هر چهار ببرد

  • چو آمد به ميان رفت مغربي ز ميان***چو او به كار در آمد مرا ز كار ببرد 1

  • و حين يُزاح الستار فستتجلّى هذه الحقائق كالشمس: فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ.2

  • المقدّمة السادسة: إنّه عالم الحشر، أي عالم الجمع؛ فالنفوس التي ترحل عن هذا العالم متّجهة إلى الله تعالى تتّجه إلى نفس النقطة التي تمثّل بداية خلقتها و التي تنزّلت عنها إلى هذا العالم.

  • جميع الموجودات لها عالم معاد:

  • إنّ جميع موجودات هذا العالم لها معاد و حركة باتّجاه الله المتعال، و من ثمّ فإنّ جميع النفوس لها معاد، الإنسان و الحيوان و النبات، و حتّى الجمادات، كما أنّ نفوس الملائكة و الأنبياء و جميع الموجودات المجرّدة للعالم العلويّ لها معاد، و معادها

    1. يقول:« و مع أنّه قد استقرّ في قلبي المسكين، إلّا أنّه قد سلب الاستقرار عنه.
      كنت صاحياً مختاراً في جميع اموري، فسلب بفتنته و غنجه صحوتي و اختياري.
      فصرت لا روح و لا قلب لي و لا عقل و لا شعور؛ فقد سلب العقل و الشعور و القلب و الروح جميعاً.
      حِينَ قَدِمَ، زال المغربيّ عنِ البيْنِ، لأنَّه قد أزالني بمجيئه».
    2. النصف الثاني من الآية 22، من السورة 50: ق.

معرفة المعاد ج٦

151
  • عبارة عن الاندكاك و الفناء في ذلك الاسم من أسماء ذات الحقّ الذي وجدت منه.

  • هذه البعوضة لها معاد، أي أنّ القوس النزوليّ الذي طوته في الخلقة ينبغي عليها أن ترتقيه ثانية فتضمحلّ و تفنى و تندكّ في ذلك الاسم و الصفة التي أوجبت بدءها و نشأتها:

  • كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ.1

  • كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ.2

  • إنّ الله تعالى خلق أوّل ما خلق العقل، حيث ورد في الرواية: أوَّلُ مَا خَلَقَ اللهُ العَقْلَ.

  • أو النور، حيث ورد ذلك في الرواية أيضاً؛ أو الماء الذي يقصد به الوجود المنبسط وسعة رحمة الله؛ حيث ورد: أوَّلُ مَا خَلَقَ اللهُ المَاءَ.

  • و على كلّ تقدير فإنّ معادها سيكون إلى الذات المقدّسة. ثمّ إنّ الله تعالى خلق من ذلك الاسم و الخلق الأوّل الموجودات المجرّدة كأرواح الملائكة و العقول و النفوس القدسيّة و النفوس الناطقة، ثمّ خلق منها الأسماء الجزئيّة و الموجودات المتكثّرة بترتيب النزول من رأس المخروط إلى قاعدته.

  • و من هنا فإنّ معاد كلّ موجود في هذه السلسلة من المراتب، عبارة عن العودة و الرجوع إلى المبدأ الذي خُلق منه، و الفناء و الاندكاك في ذلك الاسم للحيّ القيّوم. و قد صرّح بهذه المطالب بصورة كاملة في دعاء السمات، و هو من أرقى الأدعية الحاوية لنكات و دقائق عرفانيّة عجيبة، كما

    1. مقطع من الآية 29، من السورة 7: الأعراف.
    2. مقطع من الآية 104، من السورة 21: الأنبياء.

معرفة المعاد ج٦

152
  • صرّح بذلك في الروايات التي تذكر كيفيّة نشوء العالم من أسماء الله تعالى.

  • و الإنسان- بدوره- يعود إلى المبدأ الذي خُلق منه، و إلى المكان الذي جُبلت منه طينته، سواءً كان من عليّين أم من سجّين.

  • و تدعى حركة الإنسان من عالم الكثرة إلى مقام الوحدة، و من الاعتبار إلى الحقيقة حشراً، أي أنّ عالم الجمع عالمٌ يجمع فيه الإنسان و ينطوي و يفنى و يندكّ و يضمحلّ.

  • جاء في كتاب «أقرب الموارد» أنّ الحشر بمعنى الجمع: وَ يَوْمُ الحَشْرِ يَوْمُ البَعْثِ وَ المَعَادِ، وَ هُوَ مَأخُوذٌ مِنْ حَشَرَ القَوْمَ إذَا جَمَعَهُم.

  • و قال الجوهريّ في «صحاح اللغة»: حَشَرْتُ النَّاسَ أحْشُرُهُمْ وَ أحْشِرُهُمْ: جَمَعْتُهُمْ، وَ مِنْهُ يَوْمُ الحَشْرِ.

  • و قال ابن منظور في «لسان العرب» بعد نقله مقولة «الصحاح»:

  • وَ الحَشْرُ جَمْعٌ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ.

  • و بطبيبعة الحال فإنّ للحشر معنى آخر، و هو اجتماع الناس مع بعضهم يوم القيامة، حيث ورد: ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَ ذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ.1

  • افرضوا- من باب المثال- أنّ أفكاركم تضطرب في وقتٍ ما، و أنّ الخواطر الذهنيّة تهاجمكم من كلّ صوب، و أنّكم مهما حاولتم تصفية أذهانكم من هذه الخواطر و الأوهام فشلتم و عجزتم، ثمّ إنّكم تعمدون إلى تسكين أنفسكم بكلّ وسائل التسكين و التهدئة، فتختلون بأنفسكم و تزورون أهل القبور، و تعودون المرضى و البائسين، و تتذكّرون الآخرة و الموت و تلقّنون أنفسكم بأنّ الدنيا فانية زائلة، حتّى يهدأ بالكم شيئاً

    1. الآية 103، من السورة 11: هود.

معرفة المعاد ج٦

153
  • فشيئاً، و تغادركم الخواطر المضطربة، و تنصرفون إلى أنفسكم و تنغمرون في الطمأنينة و سكينة الخاطر و هدوء البال، و يصفو ذهنكم من المنغّصات و المكدّرات و من الأفكار المُبهجة أو المُحزنة.

  • علينا أن نتّجه إلى حيث يصفو ذهننا من كلّ ما سوى الله تعالى، و إلى حيث يفنى وجودنا في ذاته القدسيّة، و هذا هو معنى وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. هناك حيث لا ظلمة و لا معصية و لا أوهام و لا أفكار مشوشة، هناك حيث عالم الجمع و مقام التجرّد المطلق.

  • المقدّمة السابعة: إنّه عالم النشر، و النشر بمعنى البسط، حيث إنّ لدينا عالماً للنشر يلي عالم الحشر، أي أنّ ذلك النحو من الجمع و الفناء يعود فيُبسط و يُنشر أشبه بلفافة قماشيّة مطويّة تُفتح الآن فيُعرض للأنظار جميع خصائصها و مساحتها و شكلها و أبعادها.

  • قال العلّامة الطباطبائيّ مدّ ظلّه العالى في تفسير الآية: وَ كُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَ إِلَيْهِ النُّشُورُ؛1 النشر إحياء الميّت بعد موته، و أصله من نشر الصحيفة و الثوب إذا بسطهما بعد طيهما.

  • و قوله وَ إِلَيْهِ النُّشُورُ، أي و يرجع إليه نشر الأموات بإخراجهم من الأرض و إحيائهم للحساب و الجزاء.2

  • و جاء في «أقرب الموارد»: وَ نَشَر الثَّوْبَ وَ الكِتَابَ نَشْراً: بَسَطَهُ، خِلافُ طَوَاهُ، وَ نَشَرَ اللهُ المَوْتَى نَشْراً وَ نُشُوراً، أحْيَاهُمْ فَكَأنَّهُمْ خَرَجُوا وَ نُشِرُوا بَعْدَ مَا طُووا.3

    1. الآية 15، من السورة 67: الملك.
    2. «تفسير الميزان» ج 20، ص 14.
    3. «أقرب الموارد» ج 2، ص 1300.

معرفة المعاد ج٦

154
  • و قال الجوهريّ في «صحاح اللغة»: وَ نَشَر المَتَاعَ وَ غَيْرَهُ يَنْشُرُهُ نَشْراً بَسَطَهُ؛ وَ مِنْهُ رِيحٌ نُشُورٌ، وَ رِيَاحٌ نُشْرٌ، وَ نُشِرَ المَيِّتُ يُنْشَرُ نُشُوراً، أي عَاشَ بَعْدَ المَوْتِ؛ قَالَ الأعْشَى:

  • حَتَّى يَقُولَ النَّاسُ مِمَّا رَأوْا***يَا عَجَبَاً لِلمَيِّتِ النَّاشِرِ

  • وَ مِنْهُ يَوْمُ النُّشُورِ، وَ أنْشَرَهُم اللهُ أي أحْيَاهُمْ.1

  • و أورد ابن الأثير في «النهاية» أنّه في حديث الدعاء:

  • لَكَ المَحْيَا وَ المَمَاتُ وَ إلَيْكَ النُّشُورُ؛ يُقَالُ نُشِرَ المَيِّتُ يُنْشَرُ نُشُورَاً:

  • إ ذَا عَاشَ بَعْدَ المَوْتِ، وَ أنْشَرَهُ اللهُ أي أحْيَاهُ.2

  • و أورده في «لسان العرب» بنفس هذه الألفاظ و عقّب عليه بقوله:

  • وَ مِنْهُ يَوْمُ النُّشُورِ.3

  • و يستخلص ممّا قيل أنّ عالم النشر يعني عالم الحياة، أي أنّ الناس يفنون في سيرهم إلى الله تعالى ثمّ يتحرّ كون ثانية من الفناء إلى البقاء، و ينشرون مثل نشر لفافة الثوب المطويّة و يحصل لهم إحاطة وجوديّة و إحاطة علميّة بأعمالهم و يتعرّضون للحساب و الجزاء و العرض و السؤال.

  • تماماً مثل لفافة مكتوبة طويلة كُتبت و طُويت فلم يعد لأحد علم بمضمونها و مطالبها، لكنّها تُفتح و تُبسط فيتّضح ما فيها.

  • و هذا العالم هو عالم البقاء بالله، الذي يُدعى أيضاً بالبقاء بعد الفناء، و قد ورد في عالم المعاد و الحشر تعبير: إِلَيْهِ تُقْلَبُونَ، أي أنّكم تقلبون إلى الله فيُطوى عالم الكثرة و يضمحلّ. كما ورد تعبير:

    1. «صحاح اللغة» ج 1، ص 306.
    2. «النهاية» لابن الأثير، ج 5، ص 54.
    3. «لسان العرب» ج« رز» ص 206.

معرفة المعاد ج٦

155
  • وَ ضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ، أي أنّ ما كنتم تتخيّلون و تزعمون سيفنى و يزول و يتلاشى. أمّا في عالم النشر فالأمر على العكس، إذ يبعث جميع الأموات و تظهر المخفيّات، و يقف الإنسان على جميع أعماله و عباداته و معاصيه و نواياه و أخلاقه و ملكاته و عقائده.

  • أمّا الآن و قد اتّضحت هذه المقدّمات السبع فنقول:

  • إنّ الإنسان سيصل إلى مقام البقاء بعد أن يصل إلى مقام الفناء، و أدنى درجات ذلك أن تحصل له الإحاطة العلميّة و الوجوديّة بكثراته. أي أنّه سيحصل على السيطرة على عالمي الزمان و المكان، و سيقف على نفسه منذ زمن ولادته إلى موته، و ذلك بهذا البدن العنصريّ و مع جميع الأفعال التي عملها، و سيحصل على السيطرة الوجوديّة على جميع سيرته من الأعمال الصالحة و الطالحة. أي أنّه سيدرك بدنه المادّيّ العنصريّ وجداناً، ليس للحظة واحدة، بل لجميع مدّة عمره مع جميع الآثار و الخصائص و المستلزمات. و كما تحيط روحنا ببدننا في هذه اللحظة، فإنّ روح الإنسان ستجد الإحاطة الوجوديّة ببدنه في جميع مدّة عمره و مع جميع خصوصيّاته و مقارناته، و ستهيمن عليه بتمام معنى الكلمة، و سيكون للروح علم حضوريّ ببدنها و سيرته.

  • و كما سبق أن ذكرنا، فباعتبار أنّ الإنسان سيتجلّى مع أعماله في ذلك العالم في صورة ملكوتيّة، و أنّ حقائق الأشياء ستنكشف له، و أنّ الجنّة و جهنّم، الثواب و العقاب، هي- من جهة اخرى- نفس توفية الأعمال و حقائق الأفعال و تجسّد روحها و واقعها، فإنّ الإنسان سيحصل- من ثمّ- على الإحاطة بجميع بدنه العنصريّ مع النيران التي سعّرها أو الورود و الياسمين التي غرسها، و ليست هذه الإحاطة مجرّد علم و إحاطة تصوّريّة، بل هي إحاطة وجوديّة أشبه بالروح المجرّدة، و الله العالم.

معرفة المعاد ج٦

157
  •  

  •  

  • المَجْلِسُ الأرْبَعُونَ: الْمَعَادُ الْجِسْمَانِيّ الْعُنْصِرِيّ، وَ عَالَمُ عَرْضِ وَ نَشْرِ جَمِيعِ الْمُوجُودَاتِ

  •  

  •  

معرفة المعاد ج٦

159
  •  

  •  

  • بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

  • الحمد للّه ربّ العالمين و لا حول و لا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم

  • و صلَّى الله على محمّد و آله الطاهرين

  • و لعنة الله على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين

  •  

  •  

  • عالم العرض و حضور الإنسان في ساحة الله عزّ و جلّ

  • قال الله الحكيم في كتابه الكريم:

  • يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَ ما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَ بَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَ يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَ اللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ.1

  • يستفاد من هذه الآية الكريمة أنّ أمام الإنسان يوماً يرى فيه جميع أعماله حاضرة أمامه و مشاهدة و محسوسة، و أنّه سيجد أعماله السيّئة حاضرة- بدورها- أمامه باعتبار ملازمتها لنفسه و لأنّها أثر نفسه، فيودّ من شناعتها و شدّة قبحها و من إحساسه بالصَّغار و الخجل و الانزعاج لو كان بينه و بين تلك الأعمال القبيحة فاصلًا بعيداً.

  • و لكن- و مع الأسف- فليس هناك من فاصل بينه و بينها، فتلك الأعمال تلازمه و تلاصقه لأنّها ارتُكبت بإرادته و اختياره، و لأنّها من آثاره و تبعاته و وليدة علمه، لذا فهي قرينه الذي لا ينفكّ عنه.

  • و قد ذكرنا في البحث السابق على أساس المقدّمات السبع أنّ المعاد لن يكون معاداً جسمانيّاً فحسب، بل إنّ البدن العنصريّ سيمثل مع عمله

    1. الآية 30، من السورة 3: آل عمران.

معرفة المعاد ج٦

160
  • في محضر الله تعالى بجميع خصائص ذلك العمل و لوازمه و آثاره و خفاياه و نواياه. ليس خلال لحظة واحدة فحسب، بل إنّه سيمثل أمام الإنسان كبدن جارٍ منذ نقطة الولادة إلى نقطة الموت، فجميع هذا الزمان سيمثل أمام الإنسان بحيث لا يحتاج الأمر إلى خمسين سنة ليُشاهد الإنسان جميع الأحداث و الأعمال التي فعلها خلال السنوات الخمسين المنصرمة، بل إنّه سيحيط خلال لحظة واحدة بجميع هذه الأعمال التي فعلها خلال هذه السنوات.

  • و العلّة في الأمر أنّ ذلك الإنسان هو إنسان فوق الزمن، و أنّ الإدراك الذي يحصل للإنسان في ذلك العالم تجاه الموجودات الزمانيّة لا يحتاج إلى زمن، بمعنى أنّ التجرّد الذي تحصل عليه النفس في تلك المراحل يكفيها لتدرك كلّ ذلك في لحظة واحدة. بل لا وجود آنذاك للحظةٍ واحدة، فهذه التعبيرات من باب ضيق العبارة، فالإنسان يجد الإحاطة- خلال لحظة واحدة هي دهر في نفس الوقت- بجميع الزمان و الزمانيّات، و من بينها الأعمال التي فعلها بنفسه.

  • و هذا ما يحصل بعد مقام الفناء بالله تعالى الذي يمثّل مقام الجمع و الحشر، و في مقام البقاء بالله الذي يُدعى بالفَرْق و الحَشْر.

  • و ليس هناك في مقام الفناء من أمر معيّن، أي حين تتحرّك النفس في عالم الجمع و الحشر صوب الخالق المتعال، فليس ثمّة من أمر غير التحيّر و جهل كلّ ما سواه، و ليس ثمّة شيء غير الاستغراق في الذات المقدّسة للخالق تعالى.

  • و بعد أن يحصل- بأمر الله تعالى- البقاء بعد الفناء (الذي يُدعى بمقام جمع المجموع)، فإنّ الإنسان سيُحيط بجميع العوالم الزمان و الزمانيّات، و من بينها الأعمال التي صدرت منه منذ ولادته إلى موته، و هذه الأعمال1

  • معرفة المعاد ؛ ج6 ؛ ص161
    1. حسينى طهرانى، سيد محمد حسين، معرفة المعاد، 10جلد، دار المحجة البيضاءبيروتلبنان، چاپ: 1، 1416 ه.ق.

معرفة المعاد ج٦

161
  • لا تدوّن في صحيفة فيُعطاها في يده، بل إنّ حقيقة هذه الأعمال تُرى للإنسان، كما ليست صحيفة الأعمال عبارة عن كتاب مدوّن قد سُجّل فيه ما فعله في اليوم الفلانيّ و ما ارتكبه في الساعة الفلانيّة، بل إنّ صحيفة الأعمال هي كتاب التكوين و التحقّق المدوّن في عالمي الخارج و الوجود.

  • و سيمثل في كتاب الوجود و الحدوث ذلك ما نشأ من الإنسان، فنفس العمل و حقيقته موجودان في كتاب التكوين، و سيُعرضان للإنسان فيراهما بامّ عينيه، ليس كمن ينظر إلى ستار السينما و يتفرّج على الأحداث المصوّرة المعروضة عليه، و من بينها الأعمال التي فعلها بنفسه، إذ ليس الأمر على هذا النحو.

  • بل إنّ العلم الذي يحصل للإنسان بأعماله علم حضوريّ لا حصوليّ، أي أنّ ذلك المعلوم ليس خارجاً من دائرة نفسه، بل من علوم نفسه، فنفسه محيطة بتلك العلوم و بنفسها، لأنّها قد أشرقت في مقام التجرّد و وصلت إلى مقام البقاء و خرجت من مقام الفناء و حصلت بعد الفناء على البقاء بالله تعالى، لذا فإنّها ستحصل من خلال حال التجرّد تلك على السيطرة على عالم كثرتها.

  • و كما نحيط الآن بجميع قوانا، أي كما أنّ جميع قوانا موجودة لدينا؛ و كما أنّ ذهننا لنا، و كما أنّ عقلنا لنا، و كما أنّ حسّنا المشترك و القوّة الحافظة و القوّة الواهمة هي لنا، و كما أنّ لدينا علماً حضوريّاً- لا حصوليّاً- بالنسبة إلى قوانا هذه؛ فالأمر كذلك هناك، حيث يحصل للإنسان علم حضوريّ بجميع أعماله، فيهيمن و يُسيطر على حقيقة أعماله منذ زمن ولادته إلى زمن موته. و سيجد في لحظة واحدة جميع هذا الزمن المتطاول مع جميع تفاصيله و حالاته و لحظاته من أعمال الشرّ و الخير و جميع نواياه و أفكاره و أخلاقه و ملكاته و عقائده، و ليست تلك اللحظة لحظةً لتزول من

معرفة المعاد ج٦

162
  • ثمّ، لأنّ العالم هناك ليس عالماً زمنيّاً، و ليس من تدريج و تغيّر و تبدّل، بل هو عالم الوجدان. و هو عالم مدهش و مثير للعجب، يسيطر فيه الإنسان و يُهيمن على نفسه و على جميع أعماله و يرى ما الذي فعل و ما الذي اجترح، و يُدعى ذلك العالم بعالم العَرْض الذي يمثّل أحد العوالم التي تنتظرنا بعد عالمي الحشر و النشر. فقد كان عالم الحشر عالم الجمع، و كان عالم النشر عالم البسط و البقاء و نشر النفس في كثراتها، أمّا عالم العَرْض فيلي البقاء، حيث يُعرض على الله تعالى الإنسان المحيط بأعماله و أفعاله و سيرته، و حيث يدرك الإنسان بالوجدان نفسه مع جميع ما قدّم في سابق الأيّام و في أواخرها: عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَ أَخَّرَتْ.1

  • فيُعرض ذلك كلّه في محضر الله تعالى: وَ عُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً.2

  • لقد تركتم جميع الآمال و خلفتم الزوجة و الولد و الامور الاعتبارية التي أحاطتكم من كل جهة، و التي اعتمدتم عليها في عالم المجاز و الاعتبار، تركتموها بأجمعها وراءكم و أتيتم إلى هذا العالم فرادى كما هي حالكم حين أتيتم إلى الدنيا. و لم تكونوا تحسبون أبداً أنّ لكم موعداً ستحضرون فيه لدينا، و لو ظننتم ذلك لأعددتم- على أقلّ تقدير- مستلزمات سفركم لئلّا تُبتلون هنا بهذه الآثار و الأعمال التي قدّمتوها فصارت تلازم أنفسكم.

  • مقام عرض الكفّار على نار جهنّم

  • يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ.3

    1. الآية 5، من السورة 82: الانفطار.
    2. الآية 48، من السورة 18: الكهف.
    3. الآية 18، من السورة 69: الحاقّة.

معرفة المعاد ج٦

163
  • وَ يَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَ اسْتَمْتَعْتُمْ بِها.1

  • أي أنّكم أذهبتم طيّباتكم و ثرواتكم الطيّبة الزكيّة من العمر و العقل و القدرة و العلم و الحياة و الراحة و الأمن و أمثالها في الحياة الدنيا الحيوانيّة الوضيعة لا في الحياة السامية؛ و لقد منّ الله عليكم بمقامكم و منصبكم الحقيقيّ من أجل كسب الكمال و طيّ سبيل التقرّب إلى الله تعالى و لإعداد الزاد و الراحلة لسفر لقاء الله و زيارة الخالق المتعال، و للسير تجاه مقام التجرّد و العثور على النفس؛ لكنّكم بدلًا من أن توظّفوا هذه الثروات لإضاءة عقبات الطريق الموحشة و لفتح مخابئ العدوّ و النفس الأمّارة التي تكمن باستمرار لقاصدي هذا السفر، لتكونوا في مأمن الصدق، فقد أنفقتم تلك الطيّبات خلال الحياة الدنيا في الغفلة و الشهوات و إعمال القوى الغضبيّة و الوهميّة بلا داعٍ و لا مبرر، و انصرفتم إلى الاستكبار و التكاثر و اكتناز المال بلا مبرر، و كسب الجاه و الاعتبار الكاذب و الحيثيّة و الكرامة التي لا قيمة لها، و أنفقتم تلك الطيّبات في هذه الحياة المعاشة الوضعيّة الحيوانيّة، و قدمتم إلى هنا بأيدٍ خالية دون أن تكسبوا كمالًا، فمكانكم في النار!

  • إن تلك الطيّبات ثروتكم التجاريّة و عُدّتكم في العمل لسفر الآخرة، و قد أهدرتموها و ضيّعتموها فليس لكم اليوم ثمّة شيء يمكنه العبور بكم من هذه المراحل:

  • وَ يَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَ لَيْسَ هذا بِالْحَقِّ.2

    1. الآية 20، من السورة 46: الأحقاف.
    2. الآية 34، من السورة 46: الأحقاف.

معرفة المعاد ج٦

164
  • و لو افترضنا أنّ الإنسان يمكنه هناك أن يُنكر كلّ شيء إلّا أنّه لن يمكنه أن يُنكر وجوده و آثاره و لوازمه المترشّحة عن وجوده. و آنذاك فإنّ الإنسان سيجد على نحو العلم الحضوريّ أفعاله و أعماله التي تبدّلت إلى نار، فيُسأل منه على نحو الاستفهام التقريريّ: أ ليس هذا بالحقّ؟ بلى حقٌّ هو، و ليس هناك ثمّة حقّ بمثل هذا الوضوح و الجلاء.

  • هذه هي حقيقة المعاد، ليس هو المعاد الروحانيّ فقط، و ليس هو المعاد الجسمانيّ فقط لنقول بأنّ الله يستبقي ذرّة من الموادّ الأصليّة ليكون كذا و كذا ... من الأقوال الخاطئة من أساسها.

  • لقد أخطأ البعض في بعض هذه المقدّمات السبع أو في جميعها فظنّوا- في العاقبة- مثل هذه الامور، فقد اعتبروا أنّ عالم المعاد في عرض هذا العالم، و أنّ عالم البرزخ و عالم القيامة يبدآن بعد انقضاء زمن هذه الدنيا، و قد اتّضح- بناءً على المقدّمات السالفة الذكر- أنّ عالم المعاد في طول هذا العالم لا في عرضه.

  • إنّ المعاد الجسمانيّ من ضروريّات الإسلام، و من الامور التي لا يمكن إنكارها، أمّا المعاد المادّيّ العنصريّ فلم يعدّه أحد من الضروريّات، و لم يقم المرحوم صدر المتألّهين و المرحوم الحكيم السبزواريّ بإثباته،1 لكنّ الله العليم منّ علينا فبرهنّا على المعاد المادّيّ العنصريّ بالطريق الذي ذكرناه اعتماداً على موازين البرهان، و للّه الحمد و له المنّة على نواله.

  • و علينا الآن أن نرى هل الحشر و المعاد مختصّان بالإنسان، أم أنّهما

    1. لا يخطر ببالنا أن أحداً من الفلاسفة المسلمين من أمثال شيخ الإشراق ابن سينا، و بهمنيار و غيرهما قد قام بإثبات هذا المعاد.

معرفة المعاد ج٦

165
  • يشملان سائر الموجودات كذلك؟

  • كلام صدر المتألّهين في «الاسفار» في حشر جميع الموجودات

  • لقد ورد في آيات القرآن الكريم: إِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ؛1 أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ؛2 إِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ.3

  • يقول صدر المتألّهين في «الأسفار» في معاد و حشر جميع الموجودات «إنّ من تأمّل و تدبّر في هذه الاصول و القوانين العشرة التي أحكمنا بنيانها و شيّدنا أركانها ببراهين ساطعة و حجج قاطعة لامعة مذكورة في كتبنا و صحفنا سيّما هذا الكتاب تأمّلًا كافياً و تدبّراً وافياً بشرط سلامة فطرته عن آفة الغواية و الاعوجاج، و مرض الحسد و العناد، و عادة العصبيّة و الافتخار و الاستكبار، لم يبق له شكّ و ريب في مسألة المعاد و حشر النفوس و الأجساد، و يعلم يقيناً و يحكم بأنّ هذا البدن بعينه سيُحشر يوم القيامة بصورة الأجساد، و ينكشف له أنّ المُعاد في المعاد مجموع النفس و البدن بعينهما و شخصهما، و أنّ المبعوث في القيامة هذا البدن بعينه لا بدن آخر مباين له عنصريّاً كان، كما ذهب إليه جمع من الإسلاميّين، أو مثاليّاً كما ذهب إليه الإشراقيّون؛ فهذا هو الاعتقاد الصحيح المطابق للشريعة و الملّة، الموافق للبرهان و الحكمة، فمن صدّق و آمن بهذا فقد آمن بيوم الجزاء، و قد أصبح مؤمناً حقّاً، و النقصان عن هذا الإيمان خذلان و قصور عن درجة العرفان، و قول بتعطيل أكثر القوى و الطبائع عن البلوغ إلى غاياتها و الوصول إلى كمالاتها و نتائج أشواقها و حركاتها.

  • و يلزم أن يكون ما أودعه الله في غرائز الطبائع الكونيّة و جبلّاتها من

    1. الآية 28، من السورة 3: آل عمران؛ و الآية 18، من السورة 35: فاطر.
    2. الآية 53، من السورة 42: الشوري.
    3. و ذكرت هذه الآية في ستّة مواضع من القرآن الكريم.

معرفة المعاد ج٦

166
  • طلب الكمال و التوجّه إلى ما فوقها هباءً و عبثاً و باطلًا و هدراً، فلكلّ قوّة من القوى النفسانيّة و غيرها كمال يخصّها و لذّة و ألم و ملاءمة و منافرة تليق بها، و بحسب كلّ ما كسبته أو فعلته يلزم لها في الطبيعة الجزاء و الوفاء، كما قرّرته الحكماء من إثبات الغايات الطبيعيّة لجميع المبادي و القوى، عالية كانت أم سافلة:

  • فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً.1

  • و قوله: وَ لِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها.2

  • و إليه الإشارة بقوله تعالى: ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.3

  • و كلّما في الكون من الجواهر الطبيعيّة دابّة لما بيّنّاه من حركاتها الذاتيّة، فالله آخذ بناصية نفوسها و طبائعها و هو مولّيها نحوه و جاذبها إليه، و مَن تَحقّق بهذا تيقّن بلزوم عود الكلّ و لم يشتبه عليه ذلك، و هذا مقتضى الحكمة و الوفاء بالوعد و الوعيد و لزوم المكافاة في الطبيعة و المجازاة. و لنا رسالة على حدة في هذا الباب بيّنّا فيها حشر جميع الأشياء الكائنة حتّى الجماد و النبات إلى الدار الآخرة و حشر الكلّ إليه تعالى ببيانات واضحة و قواعد صحيحة برهانيّة مبناها على أن لا معطّل في الطبيعة و لا ساكن في الخليقة، فالكلّ يتوجّه نحو الغاية المطلوبة، إلّا أنّ حشر كلّ أحد إلى ما يناسبه و يجانسه، فللإنسان بحسبه و للشياطين بحسبهم و للحيوانات بحسبها، و للنبات و الجماد بحسبهما كما قال تعالى في حشر أفراد الناس:

    1. مقطع من الآية 148، من السورة 2: البقرة.
    2. مقطع من الآية 148، من السورة 2: البقرة.
    3. الآية 56، من السورة 11: هود.

معرفة المعاد ج٦

167
  • يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً، وَ نَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً.1

  • و في (حشر) الشياطين: فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَ الشَّياطِينَ.2 و في (حشر) الحيوانات: وَ إِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ.3 وَ الطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ.4 و في (حشر) النبات: وَ النَّجْمُ وَ الشَّجَرُ يَسْجُدانِ.5 و قوله تعالى:

  • وَ تَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً6 فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَ رَبَتْ وَ أَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ،7 إلى قوله: وَ أَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ.8

  • و في حقّ الجميع: وَ يَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَ تَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَ حَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً، وَ عُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا.9

  • و قوله: إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَ مَنْ عَلَيْها وَ إِلَيْنا يُرْجَعُونَ.10 0

  • و قوله تعالى: كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ.11

    1. الآيتان 85 و 86، من السورة 19: مريم.
    2. الآية 68، من السورة 19: مريم.
    3. الآية 5، من السورة 81: التكوير.
    4. الآية 19، من السورة 38: ص.
    5. الآية 6، من السورة 55: الرحمن.
    6. وردت الآية في الطبعتين الحروفيّة و الحجريّة للأسفار بلفظ« بارزةً» بدل« هامدةً» خطأ، إذ وردت في القرآن الكريم بلفظ« هامدةً».
    7. الآية 5، من السورة 22: الحجّ.
    8. الآية 7، من السورة 22: الحجّ.
    9. الآيتان 47 و 48، من السورة 18: الكهف.
    10. الآية 40، من السورة 19: مريم.
    11. 1-« الأسفار» ج 9، ص 197 إلى 199، الطبعة الحروفيّة. و الآية هي: 104، من السورة 21: الأنبياء.

معرفة المعاد ج٦

168
  • كلام صدر المتألّهين في «رسالة الحشر» في حشر جميع الموجودات

  • و مع أنّ «رسالة الحشر» لصدر المتألّهين رسالة في منتهى الإيجاز و الاختصار، فإنّها تتضمّن خزائن العلم و المعرفة و تعدّ من نفائس ذخائر الكتب، حيث طبعت في حاشية كتاب «المبدأ و المعاد» و جُمعت- إضافة إلى ذلك- مع ثمان رسائل اخرى لصدر المتألّهين و طُبعت في مجموعة مستقلّة عرفت باسم «رسائل الملّا صدرا».

  • و قد جرى في هذه الرسالة إثبات أنّ جميع الموجودات- و ضمنها الملائكة و الإنسان و الجنّ و النباتات و الجمادات- تمتلك معاداً و حشراً، فقد قسّم الموجودات ابتداءً إلى خمس مجاميع، ثمّ قال:

  • الطبقة الاولى: المفارقات العقليّة؛ و عالمهم عالم القضاء الإلهيّ و هي صور علم الله بالأنواع الكائنة و مفاتيح الغيب التي لا يعلمها إلّا هو و خزائن الرحمة التي ما ينزّلها إلّا بقدر معلوم.

  • الطبقة الثانية: هي الأرواح المدبّرة العقليّة المتعلّقة بالأجرام العلويّة و السفليّة ضرباً من التعلّق، و عالمهم عالم القدر الربّانيّ و لوح المحو و الإثبات.

  • و الطبقة الثالثة: هي الأرواح المدبّرة الجزئيّة و النفوس الخياليّة المتعلّقة بالأجرام السفليّة الدخانيّة أو الناريّة، و منها ضرب من الإنس و الجنّ و الشياطين.

  • و الطبقة الرابعة: هي النفوس النباتيّة و غيرها من الطبايع السارية في الأجسام المحركة إيّاها، المتحرّكة بتحريكها، المتجدّدة في كلّ آن، و هي المشار إليها بقوله:

  • غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ.1

    1. الآية 6، من السورة 66: التحريم.

معرفة المعاد ج٦

169
  • و إنّما جمعت بصيغة ذوي العقول لمدبّرها العقليّ و محرّكها الروحانيّ كما ستعلم، و من هذه الطبقة أيضاً من الجهة التي أومأنا إليها الزبانية و سدنة جهنّم المأمورون بقوله تعالى: خُذُوهُ فَغُلُّوهُ، ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ، ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ.1

  • و منهم الموكّلّون على السحاب و الأمطار و البحار و الجبال و الأرض و المعادن و النباتات و غيرها.

  • و الطبقة الخامسة: هي الأبعاد و الأجرام، و هي أسفل السافلين و مهوى النازلين و مثوى المتكبّرين.

  • فإذا تمهّد هذا فلنرجع إلى حشر كلّ من هذه الطبقات إليه تعالى بياناً على التفصيل بعد ذكر إجماليّ يعمّها، و هو أنّ الله تعالى لم يخلق شيئاً إلّا لغاية، فإنّه ما من موجود ممكن إلّا و له فاعل و غاية، و من الموجودات و هي المركّبات ما له علل أربع، هما مع المادّة و الصورة، إلّا أنّ البسيط لا يكون له من العلل إلّا الفاعل و الغاية، لأنّ صورته بعينها ذاته و لا مادّة له، و قد ثبت بالبرهان أنّ الغاية الأخيرة في فعله تعالى هي ذاته، و ذاته غاية الغايات كما أنّه مبدأ المبادي، و لا شكّ أنّ غاية الشيء ما له بالذات أن يصل إليه و ينتهي به إلّا أن يعوقه عائق، و كلّ ما لا يمكن الوصول إليه لم يكن إطلاق اسم الغاية عليه إلّا بالمجاز، فلا يكون غاية بالحقيقة. و قد فُرض أنّه غاية، هذا خلف.

  • فثبت بما ذكر أنّ جميع الممكنات بحسب الجبلّة الغريزيّة طالبة له تعالى متحرّكة إليه تعالى حركة معنويّة، مشتاقة إلى لقائه بالوصول، و هذه الحركة و الرغبة لكونها مرتكزة من الله تعالى في ذاتها يجب أن لا تكون

    1. الآيات 30 إلى 32، من السورة 69: الحاقّة.

معرفة المعاد ج٦

170
  • عبثاً و لا معطّلًا، فلا محالة متحقّقة في غالب الأمر بلا عايق و قاسر، و القسر على الطبع كما ثبت في مقامه لا يكون دائميّاً و لا أكثريّاً فيزول لا محالة و لو بعد زمان طويل، فيعود حكم الطبيعة، و من هنا يعلم أنّ كلّ طبيعة نوعيّة تؤدّي يوماً إلى غايتها الأصليّة، و غاية الشيء أشرف من الشيء ذي الغاية، و غاية الجوهر أكمل جوهريّةً منه و أقوى وجوداً في ذاتها، و ننقل الكلام إلى نفس تلك الغاية و توجّهها الذاتيّ إلى غاية الغاية، و هكذا إلى أن ينتهي إلى غاية لا غاية وراءها و هي غَايَةُ الغَايَاتِ وَ مُنْتَهَى الحَرَكَاتِ وَ الرَّغَبَاتِ وَ مَأوَى العُشَّاقِ الإلهَّيِينَ وَ المُشتَاقِينَ مِنْ ذَوِي الحَاجَاتِ.1

  • حشر الروح الاعظم و الملائكة المقرّبين و الاسماء و الصفات الكلّيّة

  • كان هذا هو البيان الإجماليّ لصدر المتألّهين في رسالة «الحشر»، أمّا بيانه التفصيليّ فإنّه يتضمّن درجة من التعقيد بحيث يعسر فهمه لعامّة الناس فضلًا عن اقترانه بالمصطلحات الفلسفيّة، لذا فقد أوردنا تلك المطالب في قالب بسيط و لغة سهلة استخدمنا فيها اصطلاحات القرآن الكريم و الروايات، و نقدّمه للقرّاء المحترمين بهذه الكيفيّة:

  • إنّ الحشر و المعاد أمر عامّ لجميع الموجودات حتّى الجمادات و المادّة و الهيولى الأوّليّة، وصولًا إلى العقول المفارقة و أرواح عالم العلّيّين و الملائكة المقدّسين و الروح الأعظم، و للملائكة الثانويّين و النفوس الإنسانيّة و الشياطين و الحيوان و النبات.

  • و لدينا موجودات تفوق جميع الموجودات الاخرى بلحاظ القدرة و شدّة الحياة و العلم و القدرة، و تدعى بلسان الشرع الأسماء و الصفات الإلهيّة الكلّيّة و الروح و الملائكة المقرّبين، و قد عبّر عنها الفلاسفة بالعقول المجرّدة و العقول المفارقة و بتعبيرات مختلفة اخرى. و لهذه مقامات في

    1. «رسالة الحشر» ص 341 و 342.

معرفة المعاد ج٦

171
  • غاية الرفعة و لها إحاطة كبيرة، مثل جبرائيل و إسرافيل و ميكائيل و عزرائيل الذين يمثّلون واسطة الفيض من الذات القدسيّة للحضرة الأحديّة عزّ و جلّ إلى جميع العوالم، و وجودهم و علمهم و قدرتهم في غاية العظمة.

  • فميكائيل- مثلًا- واسطة الرزق من جانب الله تعالى لجميع العوالم في جميع لحظات عالم الدهر و الزمان، فالرزق في يده سواء الرزق الروحانيّ و المعنويّ أم الصوريّ و الذهنيّ أم المادّيّ و الطبيعيّ. و بطبيعة الحال فإنّ عمله ليس منفصلًا عن الله تعالى، بل إنّ الله سبحانه يرزق من خلال نافذة و مرآة و شبكة هذا الملك المقرّب الوجوديّة؛ كما أنّ جبرائيل يمنح عالم الإمكان الفهم و العلم و الشعور، و يفيض على الكائنات العلم و الشعور.

  • أمّا إسرافيل فوظيفته بسط عالم الحياة، حياة الكرات السماويّة، حياة عالم المادّة، حياة عالم البرزخ و القيامة، حياة الطبع و المثال و النفس و العقل، حياة حيتان البحار و طيور السماء و وحوش الفلوات، و في نهاية الأمر حياة جميع الموجودات. و ينبغي ألّا يتصوّر أنّ معنى الحياة هو ما يحصل في بداية الأمر لموجودٍ معيّن، كالإنسان الذي يحيى مثلًا، أو كالبيضة التي تتبدّل إلى فرّوج، أو كبيوض الجراد و النمل التي تفقس عن صغارها؛ بل إنّ هناك حياةً جديدة في كلّ لحظة، و حياةً بعد حياة، و منحاً لحياة مستمرّة متعاقبة.

  • و كما ينفخ الحدّاد في كيره باستمرار لئلّا تخمد النار و تخبو، فإنّ إسرافيل يُحيي باستمرار و ينفخ في الموجودات الحيّة نَفَس الحياة و يبعث فيها حياةً دائمة مستمرّة.

  • أمّا عزرائيل فمكلّف بالإماتة و قبض أرواح جميع الموجودات، ليس الموت الطبيعيّ المعهود لوحده، بل إنّه يقبض حياةً و يسبّب موتاً في

معرفة المعاد ج٦

172
  • كلّ لحظة. إنّ لدينا موتاً و حياةً في كلّ لحظة، و هذا الخلع و اللبس المستمرّ، و هذه الحياة و الموت المستمرّان للفرد في كلّ لحظة، إنّما يحصلان لتكامل الفرد و وصوله إلى المعاد و الحشر و لقاء الله تعالى:

  • الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَ الْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَ هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ.1

  • و هذا اللبس المتعاقب يحصل على يد إسرافيل، و هذا الخلع المتعاقب يحصل على يد عزرائيل، فهذا يخلع و ذاك يُلبس، هذا يمنح الموت و ذاك يمنح الحياة.

  • على أنّ مقام الروح أشرف و أعظم و أفضل من هؤلاء الملائكة المقرّبين، لذا نرى أنّ القرآن الكريم قد ذكر الملائكة بصيغة الجمع و الروح بصيغة المفرد: تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَ الرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ.2

  • و بطبيعة الحال فإنّ المراد من الروح ليس هذه الأرواح الإنسانيّة، بل إنّ هذه الأرواح الجزئيّة الإنسانيّة منطوية تحت ذلك الروح الكلّيّ و الروح الأعظم.

  • صعود الروح و الملائكة إلى الله و حشرهم في خمسين ألف سنة

  • كما أنّ خلقة ذلك الروح الأعظم عجيبة بلحاظ الإحاطة و السعة.

  • و حين يريد الروح و الملائكة المقرّبون العروج إلى الله سبحانه، فإنّ ذلك يستغرق منهم خمسين ألف سنة: مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعارِجِ، تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَ الرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ.3

  • و المراد من اليوم هنا المرحلة الزمنيّة، أي أنّ ذلك العروج سيتمّ في

    1. الآية 2، من السورة 67: الملك.
    2. الآية 4، من السورة 97: القدر.
    3. الآيتان 3 و 4، من السورة 70: المعارج.

معرفة المعاد ج٦

173
  • مرحلة زمنيّة طولها خمسون ألف سنة. و من ثمّ فإنّ ما تتناقله الأفواه من أنّ لدينا يوماً في القيامة طوله خمسون ألف سنة ليس صحيحاً، لأنّ المراد بذلك مرحلة عروج و عودة الروح و الملائكة مع جميع العوالم المنطوية تحت تدبيرهم، فذلك الروح و اولئك الملائكة يأتون إلى الأرض في مهمّة ما، ثمّ يعودون إلى مقامهم الأوّل و يعرجون إلى الله تعالى بعد تكامل دورة طبيعتهم و أنفسهم، فيستغرق هذا العروج خمسين ألف سنة.

  • و لدينا في القرآن الكريم: رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ (أي ذو عرش الحكم على جميع العوالم، ذلك العرش الوسيع الذي يتّسع لجميع موجودات العالم العلويّ و السفليّ، المُلكيّ و الملكوتيّ و عالم الوجود) يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ.1

  • فمن اتّصل به الروح الأعظم صار بإمكانه إنذار الناس و إيقاظهم و لفت أنظارهم، أمّا من لم يتّصل بالروح و لم يرتوِ من معينه، فإنّه لن يتمكّن من إنذار الناس. و ذلك الروح يُلقى على الأنبياء و الأئمّة لينذروا الناس من خلال الارتباط المعنويّ مع ذلك الروح الأعظم؛ و بغير ذلك فأنّى للغافل النائم أن يوقظ الغافل؟

  • و هذا المنصب و المقام (أي مقام الارتباط بالروح) مختصّ باولئك الأنبياء و الأئمّة، أمّا باقي أفراد البشر فلا يعلمون شيئاً عن ذلك الروح الأعظم، إلّا أولياء الله و المخلصين و المقرّبين الذين تحرّ كوا في متابعة الأنبياء و الأئمّة و حظوا بذلك الفوز العظيم و وصلوا إلى مقام التوحيد.

  • و الخلاصة فإنّ فناء الروح الأعظم و الملائكة المقرّبين و حشرهم يحصل في ذات الله تعالى، أمّا الأرواح الجزئيّة الإنسانيّة (المدبّرة للبدن

    1. الآية 15، من السورة 40: غافر.

معرفة المعاد ج٦

174
  • و الطبيعة) ففناؤها في المبدأ الذي جاءت منه و تفرّقت عنه. كما أنّ الأرواح الجزئيّة للأنبياء العظام و الأئمّة الكرام و المقرّبين ذوي العزّ و الإكرام تفنى في الروح الأعظم. فهم يفنون في ذلك الروح الأعظم، و الروح يفنى- بدوره- في ذات الحقّ تعالى، و الفانيّ في الفانيّ في شيء إنّما يفنى في ذلك الشيء؛ فالجميع- من ثمّ- فانون في ذات الحقّ تعالى.

  • و قد ذكر الروح الأعظم و الملائكة المقرّبون في الأخبار بتعبيرات مختلفة مثل أوّل ما خلق الله، أو عالم القضاء، أو امّ الكتاب، أو اللوح المحفوظ.

  • و من هناك يجري تقدير كلّ موجود يريد الظهور بشكلٍ و أبعاد معيّنة، أي أنّ عالم القضاء الكلّيّ الإلهيّ يقضي بتقديره، فيتشخّص شكل و أبعاد ذلك الموجود الواقع في عالم أدنى هو عالم التقدير، ثمّ يرتدي لباس التحقّق و الوجود في عالم أدنى.

  • و عالم القدر الذي يُدعى أيضاً بلوح المحو و الإثبات، له معاد و حشر في عالم أعلى منه، أي في عالم قضاء الله تعالى، و هي بحار واسعة من خزائن العلم و القدرة و الحياة تقوم بالتقدير، ثمّ تعيّن- بالمقدّرات- موجودات هذا العالم.

  • و الأدنى من ذلك الملائكة الجزئيّون الذين يدبّرون العالم العلويّ و العالم السفليّ و الأفلاك و الأرض؛ حيث ورد في القرآن الكريم:

  • وَ الْمُرْسَلاتِ عُرْفاً، فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً، وَ النَّاشِراتِ نَشْراً، فَالْفارِقاتِ فَرْقاً، فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً.1

  • كما ورد: وَ النَّازِعاتِ غَرْقاً، وَ النَّاشِطاتِ نَشْطاً، وَ السَّابِحاتِ

    1. الآيات 1 إلى 5، من السورة 77: المرسلات.

معرفة المعاد ج٦

175
  • سَبْحاً، فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً، فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً.1

  • و هؤلاء الملائكة يعملون وفق ما يؤمرون به، و يُدعون بالأرواح المدبّرة الجزئيّة، و محلّهم و مسكنهم- كما ذكر سابقاً- أدنى من عالم القدر و لوح المحو و الإثبات.

  • و وفقاً للآية القرآنيّة، فإنّ نزول الأمر من عالم الأمر إلى الدنيا يحصل بواسطة هؤلاء الملائكة، حيث ينجز هؤلإ ما عُهد إليهم ثمّ يعرجون إلى الله المتعال في ألف سنة من هذه السنوات التي نعدّها:

  • يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ23

  • ليس من السنين اللاهوتيّة، و لا من السنين الجبروتيّة، و لا من السنين الملكوتيّة، بل من هذه السنين الطبيعيّة التي تعدّونها.

  • هذا هو نزول الملائكة من عالم الأمر إلى الدنيا و تنفيذهم المهام و عودتهم إلى الله تعالى. أي أنّ هبوطهم يستغرق خمسمائة عام، و صعودهم و عودتهم يستغرق- بدوره- خمسمائة عام، فيكون المجموع ألف سنة.

  • و من هنا فإنّ نزول الروح الأعظم و الملائكة المقرّبة الإلهيّة الكلّيّة من الذات القدسيّة للحضرة الأحديّة إلى عالم القدر، و من هناك إلى عوالم الملائكة الجزئيّة المأمورة بتدبير الامور، ثمّ إلى عالم الطبيعة، و إتمام قوس

    1. الآيات 1 إلى 5، من السورة 79: النازعات.
    2. اليوم في العالم الربوبيّ مرحلة زمنيّة قدرها ألف سنة من السنوات العاديّة، يقول تعالى في القرآن الكريم:
      وَ إنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ ممَّا تَعُدُّونَ( الآية 47، من السورة 22: الحجّ).
    3. الآية 5، من السورة 32: السجدة.

معرفة المعاد ج٦

176
  • النزول في عوالم الكثرة، ثمّ عروجهم و صعودهم بقوس الصعود و وصولهم إلى نقطة الذروة و طيّ جميع العوالم خلال الطريق و إتمام قوسي الدائرة يستغرق بكامله مائة ألف سنة. و ذلك لأنّ عروجهم يستغرق خمسين ألف سنة، و ينبغي أن يستغرق نزولهم بدوره خمسين ألف سنة اخرى.

  • و من هنا فإنّ الحركة من نقطة الذروة في قوس النزول، وصولًا إلى نقطة الحضيض، و الحركة من نقطة الحضيض إلى نقطة الذروة حيث تختتم دورة الحركة ستستغرق مائة ألف سنة.

  • و على هذا فإنّ دورة قوسي نزول و صعود الملائكة الجزئيّة ستستغرق ألف سنة، و دورة قوسي نزول و صعود الروح و الملائكة المقرّبين ستستغرق مائة ألف سنة.

  • و إذا ما شئنا الآن بيان معنى السنة، و معنى النزول، فإنّ طبيعة بحثنا لا تتّسع للخوض في هذا المجال، يُضاف إلى ذلك أنّنا لم نفهم حقيقته التي تُعدّ من أسرار القرآن الكريم.

  • أذكر أنّني استفسرت من سماحة استاذي العلّامة الطباطبائيّ مدّ ظلّه قبل عشر سنوات تقريباً، عن معنى هذه الآية و عن كيفيّة النزول و سرّ تقديره بخمسين ألف سنة، فأجاب: لا أعلم!

  • قلت: أ ليس زمن العروج بقدر زمن النزول؟ و أساساً فليس هناك ثمّة زمان في العوالم الربوبيّة؛ فهل المراد بالخمسين ألف سنة زمن النزول من عالم الأمر و الصورة إلى الدنيا الزمنيّة؟ قال: لا أعلم!

  • و خلاصة القول، فحيثما دار البحث في هذا الموضوع قال العلّامة:

  • لا أعلم؟ و لقد كان جادّاً في قوله: لا أعلم، و أنا بدوري لا أعلم، فالعلم عند الله تعالى.

  • كان هذا حديثاً عن عروج الملائكة الجزئيّين و حشرهم بالاندكاك

معرفة المعاد ج٦

177
  • و الحضور في أرواح الملائكة المقرّبين، و في الروح الأعظم في خاتمة المطاف، و من ثمّ حشرهم بواسطة الروح و فنائهم في ذات الحضرة الأحديّة.

  • حشر الشيطان و الجنّ و الكفّار و معادهم

  • الثالث: معاد و حشر تلك النفوس الجزئيّة التي تدبّر موادّ هذا العالم، و تلك النفوس الخياليّة المتعلّقة بالأجرام من قبيل الدخان أو النار، و مثل الشياطين و الجانّ و بعض أصناف البشر من أمثال الكفّار المنكرين المعاندين.

  • و الفرق بين الشيطان و الإنسان و الجانّ، أنّ مادّة الإنسان و الحيوان من التراب، و مادّة الشياطين من النار، أمّا الجانّ فهم من الدخان، إلّا أنّهم يمتلكون نفوساً و أرواحاً كما نمتلك أبداناً و أرواحاً، و معادهم ليس إلّا منجم النار و معدنها، و روح الحرارة و الانصهار.

  • و لدينا في القرآن الكريم: وَ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَ مَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِهِ وَ نَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَ بُكْماً وَ صُمًّا مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً.1

  • و حين تميل نفوس هؤلاء الضالّين في الدنيا إلى الهدوء أحياناً بواسطة الوعظ و النصيحة، فإنّهم سرعان ما ينشغلون بالفساد و الفتنة ثانية، و لو تابوا حقّاً لما استعرت ثانية نار جهنّم حين تنطفئ و تخبو.

  • وَ لَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ.2

  • أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ.3

    1. الآية 97، من السورة 17: الإسراء.
    2. الآية 179، من السورة 7: الأعراف.
    3. الآية 18، من السورة 46: الأحقاف.

معرفة المعاد ج٦

178
  • وَ لَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ.1

  • وَ يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ.2

  • و على كلّ حال، فقد كانت هذه بعض الآيات القرآنيّة الكريمة الدالّة على حشر طائفة الجنّ، كما أنّ لبعضها دلالة على حشر طائفة الإنس.

  • و قلنا بأنّ هؤلاء الذين يُعرضون على جهنّم سيكون حشرهم في روح النار و الدخان تلك،3 كما أنّ أفراد البشر من أهل الجنّة إن كانوا من المقرّبين فإنّ حشرهم سيكون في الروح الأعظم، أمّا إن كانوا من أصحاب اليمين و المتوسّطين، فإنّ حشرهم سيكون في الجنّة و لذائذها.

  • كما ورد بشأن هؤلاء الأفراد من البشر: وَ لَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَ أَكْبَرُ تَفْضِيلًا.4

  • و هم المخلّدون في عالم ملكاتهم و صفاتهم، و المتنعّمون بتلك الصفات و الملكات، كما يقول:

  • وَ بَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ

    1. الآية 158، من السورة 37: الصافّات.
    2. الآية 128، من السورة 6: الأنعام.
    3. أمّا عن حشر الشيطان و الشياطين فقد ورد في القرآن الكريم:
      فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَ الشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا( آية 68، من السورة 19: مريم) احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَ أَزْواجَهُمْ وَ ما كانُوا يَعْبُدُونَ، مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ، وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ.( الآيات 22 إلى 24، من السورة 37: الصافّات).
    4. الآية 21، من السورة 17: الإسراء.

معرفة المعاد ج٦

179
  • تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَ أُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وَ لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَ هُمْ فِيها خالِدُونَ.1

  • حشر الحيوانات و النباتات و الجمادات

  • أمّا الحيوانات فكلٌّ منها يُحشر إلى الروح الكلّيّة المدبّرة لها، و من ثمّ فإنّ مرجعها و معادها سيكون إلى ربّ النوع أو الملك الذي كان يدبّرها و يحافظ عليها، كما أنّ بعض الحيوانات التي تصبح غذاءً للإنسان ستفنى و تندكّ في الإنسان: وَ ما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ.2

  • إنّ معاد الحيوانات- شأنه شأن معاد الإنسان و الشياطين- يمثّل عوداً إلى نقطة بدء وجودها، فهي تعود خلال رجوعها باتّجاه الله تعالى إلى نفس النقطة التي نزلت منها في عالم الملكوت و التي قدّرت منها ماهيّتها الوجوديّة و تشكلت منها جبلّتها، فتفنى هناك.

  • و سيكون حشر كلّ طائفة من الحيوانات المختلفة في المَلَك الخاصّ و الروح الكلّيّة المسمّاة بلغة الفلسفة بربّ نوعها، ثمّ إنّ ذلك الملك سيفنى في الروح الكلّيّة العليا منه، و تلك تفنى بدورها، وصولًا إلى الفناء في الذات القدسيّة للحضرة الأحديّة التي تمثّل محلّ فناء و عودة و حشر جميع الموجودات:

  • وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ.3

  • و خلاصة المطلب، أنّنا لو غضضنا النظر عن ذات الخالق القدسيّة، فإنّ جميع الموجودات الاخرى التي خلقها الله تعالى، لم يخلقها بلحاظ

    1. الآية 25، من السورة 2: البقرة.
    2. الآية 38، من السورة 6: الأنعام.
    3. الآية 203، من السورة 2: البقرة.

معرفة المعاد ج٦

180
  • واحد و من محلّ واحد و مبدأ واحد؛ فالأسماء و الصفات الكلّيّة متعلّقة بالذات، أمّا الأسماء و الصفات الأوطأ فمتعلّقة بتلك الأسماء و الصفات الكلّيّة؛ كما أنَّ الأسماء و الصفات الجزئيّة الأدنى في عالم الكثرات متعلّقة بالأسماء و الصفات الأعلى منها، وصولًا إلى الحجر و كُتل الطين و الحيوانات و النباتات الضعيفة جدّاً بلحاظ السعة الوجوديّة، و ذات الماهيّات الضيّقة جدّاً و المحدودة، و التي تمتلك بأجمعها معاداً إلى نقطة بداية وجودها، و هكذا الأمر بالنسبة إلى الإنسان الذي يعود إلى النقطة التي مثّلت بداية خلقه.

  • قال صدر المتألّهين في حشر النفوس الناطقة الكاملة:

  • «هذه النفوس أمّا كاملة كمالًا عقليّاً أو ناقصة؛ أمّا النفوس الكاملة التي خرجت ذاتها من القوّة العقليّة إلى الفعل و صارت عقلًا بالفعل، فهي لا محالة محشورة إلى الله تعالى، لأنّها محشورة إلى العقل، و العقل محشور إليه تعالى كما سبق، و المحشور إلى شيء محشور إليه، فالنفس محشورة إليه.»1

  • و قال في حشر النفوس الحيوانيّة:

  • «فهي عند موتها و فساد أجسادها راجعة أفراد كلّ نوع منها إلى مدبّرها العقليّ الذي هو ربّ طلسمها و مقصود صنمها و صورة عقلها و معقولها كمرجوع قوى النفس الإنسانيّة من المشاعر الإدراكيّة و المبادي الشهويّة و الغضبيّة إليها عند انقطاعها عن هذا العالم، و قد حقّق في مظانّه أنّ هذه المشاعر و القوى النفسانيّة كلّها في النفس على وجه آلف و أبسط، و هي إنّما اختلفت و تفرّقت في مواضع البدن، لأنّ عالم الطبيعة عالم التفرقة

    1. 1-« رسالة الحشر» من رسائل الملّا صدرا، ص 247.

معرفة المعاد ج٦

181
  • و التضادّ لبُعدها عن عالم الوحدة. و من نظر في الحواسّ الخمس و افتراقها في أعضاء البدن و اتّحادها في الحسّ المشترك سهل عليه التصديق بأنّ قوى النفس الواحدة مجتمعة فيها متفرقة في الأعضاء، بل هذه الأعضاء أيضاً في مقام النفس واحدة ليس موضع العين غير موضع السمع و لا موضع اليد غير موضع الرِّجل و لا مواضع الأعضاء هناك كلّها مختلفة، لأنّ النفس- كما عُلم- أمر روحانيّ و جميع أعضائها روحانيّة، و الروحانيّات لا تزاحم و لا تضايق بينها سواء كانت النفس عقلانيّة و أعضاؤها عقليّة أم حيوانيّة و أعضاؤها مثاليّة، كما أوضحه معلّم الفلسفة، و بيّن أنّ في الإنسان الحسّيّ، الإنسان النفسيّ و الإنسان العقليّ، و بيّن أنّ جميع الأعضاء التي في الإنسان الحسّيّ هي في الإنسان النفسيّ على وجهٍ ألطف، و كذا جميع الأعضاء التي في الإنسان النفسيّ هي أيضاً في الإنسان العقليّ على وجهٍ أعلى و أشرف، و أمعن في ذلك إمعاناً شديداً لو نقلنا ما ذكره لأدّى إلى الإطناب؛ فعُلم أنّ هذه القوى الطبيعيّة و الحواسّ المتوزّعة في البدن الطبيعيّ الحسّيّ كلّها متّصلة بالنفس المتخيّلة محشورة إليها، و هي بجميع قواها و حواسّها المثاليّة متّصلة بالعقل الفعّال في أنفسها المعبّر عنه بالإنسان العقليّ الذي هو الروح المضاف إلى الله تعالى في قوله: وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي؛ و هي كلمة الله و أمره المُشار إليها في قوله: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ. و قوله: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي.

  • و هي التي من الله مشرقها و إلى الله مغربها؛ و في الحديث عن بعض أئمّتنا عليهم السلام: إنَّ رُوحَ المُؤْمِنِ لأشَدُّ اتِّصَالًا بِرُوحِ اللهِ مِنْ اتِّصَالِ شُعَاعِ الشَّمْسِ بِهَا.

  • فإذن كما أنّ قوى النفس الإنسانيّة العقليّة راجعة إليها متّصلة بها اتّصال الأشعة بالشمس، فكذلك نفوس كلّ واحد من أنواع الحيوان يتّصل

معرفة المعاد ج٦

182
  • عند الرجوع بعقل ذلك الحيوان، إذ التحقيق أنّ لكلّ حيوان عقلًا مفارقاً كما قاله الفيلسوف الأوّل، إلّا أنّ الحياة و العقل- كما ذكره في بعضها- أبين و أظهر، و في بعضها أخفى.».1

  • الرابع: حشر النباتات.

  • إنّ النباتات باعتبار امتلاكها للحياة و الشعور، كما يظهر من بعض أفعالها و آثارها، فإنّها أقوى من الجمادات بلحاظ تقسيم المراتب الوجوديّة، و قد اطلق عليها- بهذه المناسبة- اسم النفس في ثلاث مراتب من عملها، و هي مراتب التغذية و النمو و التكاثر.

  • و من هنا فإنّ حشرها قريب من حشر الحيوانات، لذا فإنّها تطوي مراحل من الكمال في وجودها الطبيعيّ و تقترب من المبدأ الفعّال الذي له في وجودها حكم القوّة المحرّكة و المدبّرة. كما أنّ بعضها ممّن يمتلك نطفة متحرّكة يقترب من مقام الحيوان في مراحل الترقّي و الكمال، و يتخطّى بعضها الآخر هذا المقام فيحلّ في نطفة الإنسان و يقترب من مقام الإنسانيّة.

  • و من هنا فإنّ حشر ذلك البعض سيكون أتمّ، و قيامه في محضر الله تعالى يوم القيامة سيكون أقرب. و عدا ذلك فإنّ النباتات تحتاج إلى الكمال النباتيّ لتصل إلى الله تعالى في سعيها و حركتها. و لأنّ وجود الغذاء و فوريّة النموّ و التكاثر شديد فيها، فإنّ امتلاكها لهذه الشدّة و الحدّة في هذه المرتبة المتسافلة سيعيقها من الصعود و الترقّي إلى العالم الأكمل.

  • و لذلك فإنّ معادها و حشرها إلى الله تعالى سيكون في مقام أدنى و أسفل، و من ثمّ فحين تجفّ الشجرة أو تُستأصل فإنّ قوّة تلك الشجرة ستعود إلى مدبّرها النوعيّ و إلى ملكها الاخرويّ.

    1. «رسالة الحشر» ص 348 و 349.

معرفة المعاد ج٦

183
  • قال الفيلسوف الأوّل في كتاب «الربوبيّة»:

  • فإن قال قائل: إن كانت قوّة النفس تفارق الشجرة بعد قطع أصلها، فأين تذهب تلك القوّة أو تلك النفس؟ قلنا: تصير إلى المكان الذي لم تفارقه، و هو العالم العقليّ.»1

  • و هذه الحركة و البحث من النبات يمثّلان سيره إلى حشره و معاده، إذ: وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ لكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ.2

  • الخامس: حشر الجمادات:

  • إنّ جميع الجمادات لها حشر، حتّى المادّة الاولى و الهيولى البحتة الصرفة، لأنّها لم توجد في عالم الوجود عبثاً، و لأنّها خلقت لهدف و قصد معيّنين تسعى إليهما بوجودها و حركتها، سواءً كانت حركتها جوهريّة أم غير جوهريّة؛ محاولةً سدّ نقصها من خلال الوصول إلى ذلك الهدف، و تبديل حركتها إلى سكون و استقرار.

  • كلام صدر المتألّهين في حشر جميع الموجودات إلى الله عزّ و جلّ

  • قال صدر المتألّهين: «و كلّ صورة ناقصة لا يمكن وجودها إلّا بصورة مجدّدة متمّمة لها محيطة بها مخرجة إيّاها عن القوّة إلى الفعل، و لولاها لم يكن لهذه الناقصة وجود، إذ الناقص لا يقوم بذاته إلّا بالكامل، و القوّة و الإمكان لا يوجدان إلّا بالفعليّة و الوجوب، فالكمال أبداً قبل النقص، و الوجوب دائماً قبل الإمكان، و ما بالفعل البتّة قبل ما بالقوّة، قبليّته بالذات، و الذي يُوقع الناس في الغلط و الاشتباه ما يرون في هذا العالم من تقدّم القوّة و النقص على الفعليّة و الكمال تقدّماً بالزمان، كالبذر على الثمرة و النطفة على الحيوان، أ وَ لم يعلموا أنّ هذا التقدّم الزمانيّ ليس من الأسباب

    1. «رسالة الحشر»، ص 351.
    2. الآية 44، من السورة 17: الإسراء.

معرفة المعاد ج٦

184
  • الذاتيّة للشيء المعلول، بل هو مهيّئ للمادّة و معدّ لقبول الصورة من مبدئها الذاتيّ، فإذاً ثبت و تحقّق أنّ لكلّ من الصور العنصريّة و الجماديّة صورة اخرى كماليّة في ذاتها غائبة عن أبصارها قريبة منها، و ليست هي بعينها العقل الفعّال بلا متوسّط لأنّا قد أشرنا إلى أنّ الأدنى لا يصدر من الأعلى إلّا بمتوسّط مناسب للجانبين، فلكلّ من هذه الصور صور غيبيّة هذه شهادتها و اخرى هذه دنياها.

  • إلّا أنّ منازل الآخرة كمنازل الدنيا متفاوتة في اللطافة و الكثافة و مترتّبة في القرب من الله و البُعد عنه، و معاد الخلائق في الآخرة على حسب مراتبها في الدنيا، فالأشرف يُعاد إلى الأشرف و الأخسّ إلى الأخسّ، و متى انتقلت صورة في هذا العالم من خسّة إلى شرف و من نقصٍ إلى كمال كما انتقلت صورة الجماد إلى النبات، أو صورة النبات إلى صورة الحيوان، كان معادها إلى معاد ما انتقلت إليه و كان ذلك، كما أنّ الرجل الكافر إذا أسلم، أو الرجل الفاجر الفاسق إذا تاب عن فسقه و فجوره و صار امرءاً فاضلًا صالحاً انتقل معاده الذي كان إلى بعض طبقات الجحيم و أبوابها كائناً إلى بعض طبقات الجنان و أبوابها على حسب مقامه و حاله في الدنيا.

  • فإذاً ما من موجود من الموجودات الطبيعيّة المادّيّة إلّا و له صورة مثاليّة في الآخرة، و لصورته المثاليّة صورة عقليّة في عالمٍ آخر فوقها هي دار المقرّبين و مقعد العلّيّين، و الدليل على أنّ كلّ صورة حسّيّة باطنها صورة مثاليّة تتقوّم بها و تعود إليها، و كلّ صورة مثاليّة باطنها صورة عقليّة تتقوّم بها و تحيى بحياتها و تعود إليها، أنّا متّى أحسسنا بشيء و وقعت صورته في قوّة حسّنا و استكمل حسّنا بها، تصوّرت بها أيضاً قوّة خيالنا التي أقمنا البراهين في كتبنا على تجرّدها و تجرّد ما تصوّر فيها، و تمثّل لها، و كذلك انتقلت في عقلنا صورتها العقليّة، فلولا أنّ بين محسوسها

معرفة المعاد ج٦

185
  • و متخيّلها و متعقلّها علاقة ذاتيّة لما كان الأمر كذلك، و كذلك الأمر بالعكس فمتى تعقّلنا صورة عقليّة و وقعت منها حكاية تطابقها في خيالنا، و إذا اشتدّ وجود الصورة في عالم الخيال تمثّلت بين يدي حسّنا منها صورة في الخارج، كما قال تعالى: فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا.1

  • و من هذا القبيل رؤية النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم صورة جبرائيل كأنّه طبق الخافقين، و كذا التي يراها الإنسان في عالم الجنان من الأشجار و الأنهار و الغرفات و الصور الحسان و الحور و الغلمان، و كذا ما يراها أصحاب الجحيم من السلاسل و الأغلال و الحميم و الزقوم و العقارب و الحيّات و غير ذلك إنّما يبرز من الباطن إلى الظاهر، و كلّ صورة حسّيّة هيولى للصورة النفسانيّة و هي للعقليّة.

  • و قد علمت أنّ الصورة تمام الهيولى التي بها تصير موجودة بالفعل و بها بقاؤها و كمالها، فبقاء الحسّ بالنفس و بقاء النفس بالعقل و بقاء العقل بالباري الحقّ فاعل الكلّ و غاية الكلّ و متمّم صورة الكلّ، و تقول أيضاً إنّ الصور الحسّيّة قوالب للخياليّة و هي أرواحها، و الخياليّة قوالب للعقليّة و هي حقائقها، فإذاً حشر الأبدان الطبيعيّة إلى الأبدان الاخرويّة، و حشر تلك الأبدان إلى الصور العقليّة و حشرها إلى الله تعالى.

  • قال الفيلسوف في الميمر الثامن إنّ هيولى العقل شريفة جدّاً، لأنّها بسيطة عقليّة غير أنّ العقل أشدّ منها انبساطاً و هو محيط بها، و إنّ هيولى النفس شريفة جدّاً، لأنّها بسيطة نفسانيّة غير أنّ النفس أشدّ انبساطاً منها و هي محيطة بها و مؤثّرة فيها الآثار العجيبة بمعونة العقل، فلذلك صارت أشرف و أكرم من الهيولى، لأنّها تحيط بها و تصوّر فيها الصور العجيبة،

    1. الآية 17، من السورة 19: مريم.

معرفة المعاد ج٦

186
  • و الدليل على ذلك العالم الحسّيّ، فإنّ من يراه يكثر منه عجبه، و لا سيّما إذا رأى عظمته و حسنه و شرفه و حركته المتّصلة الدائمة السائرة التي فيها الظاهرة منها و الخفيّة و الأرواح الساكنة في هذا العالم من الحيوان و الهواء و النبات و سائر الأشكال كلّها، إذا رأى هذه الأشياء الحسّيّة التي في هذا السفليّ الحسّيّ فليرتقِ بعقله إلى العالم الأعلى الحقّ الذي إنّما هذا العالم مثال له و يُلقى بصره عليه، فإنّه سيرى الأشياء كلّها التي رآها في هذا العالم هناك، غير أنّه يراها هناك عقليّة دائمة متّصلة ذات فضائل و حياة نقيّة ليس يشوبها شيء من الأدناس، و يرى هناك الأشياء ممتلئة عقلًا و حكمة من أجل النور الفائض عليها، و كلّ واحد يحرص على الترقّي إلى درجة صاحبه، و أن يدنو من النور الأوّل الفائض على ذلك العالم، و ذلك العالم محيط بالأشياء كلّها، الدائم الذي لا يموت، و المحيط بجميع العقول و الأنفس- انتهى كلامه.

  • فثبت و تحقّق من جميع ما ذكرناه و نقلناه أنّ لكلّ صورة حسّيّة صورة نفسانيّة في عالم الغيب هي معاد هذه الصورة و مرجعها الذي تُحشر إليه بعد زوالها عن هذا العالم، أي عالم الحسّ و الشهادة، و هي الآن أيضاً متّصلة بها راجعة إليها لكنّها لمّا كانت مغمورة في الهيولى مشوبةً بالنقايض و الإعدام، محجوبةً بالغواشي لا يتبيّن حشرها إلى تلك الصورة النفسانيّة لمن أراد أن يراها و يشاهدها إلّا أهل المعرفة الذين يشاهدون أحوال الآخرة بأعين البصائر، فإذا انفسخت صورتها المادّيّة و تجرّدت عن هذه الغواشي الجسمانيّة التي هي بالحقيقة مقبرة ما في علم الله، برزت إلى ذلك العالم و حُشرت إلى دار الآخرة كما قال تعالى: وَ بُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى.1

    1. الآية 36، من السورة 79: النازعات.

معرفة المعاد ج٦

187
  • و الجحيم التي ستبرز في دار الآخرة بحيث يُشاهدها الخلائق عند ذلك بعلم اليقين ثمّ بعين اليقين هي باطن هذه الصورة السفليّة الطبيعيّة التي تحرق نارها الأبدان و تبدّل الجلود بالاستحالة و الذوبان، لكنّها مستورة هاهنا على هذه الحواسّ الداثرة الفانية، فإذا خرجت النفوس عن هذا العالم و بُعثر ما في القبور و حُصّل ما في الصدور نراها ذلك اليوم بصورتها الكامنة اليوم، كما في قوله تعالى:

  • كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ، لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ، ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ.1

  • و من العجب أنّه كما أنّ باطن هذه النار الحسّيّة نار اخرويّة، كذلك باطن الماء و غيره من الصور السفليّة نار اخرويّة أيضاً؛ كما في قوله تعالى:

  • أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً.2

  • و قوله: وَ إِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ.3

  • و يروى عن الضحّاك في قوله تعالى أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً: «هي حالة واحدة في الدنيا يغرقون من جانب و يحترقون من جانب آخر».

  • و عن بعضهم: يَا بَحْرُ! مَتَى تَصِيرُ نَاراً؟

  • و هي النار التي وقودها الناس و الحجارة، و هذه النار غير النار النفسانيّة الموقدة التي تطلّع على الأفئدة، و هما جميعاً غير النار الحقّة التي هي صورة عقليّة تفيض عنها الصورة النفسانيّة الناريّة، و هذه النار المحسوسة هي كسائر الامور التي لها صورة حسّيّة في هذا العالم و صورة

    1. الآيات 5 إلى 7: من السورة 102: التكاثر.
    2. الآية 25، من السورة 71: نوح.
    3. الآية 6، من السورة 81: التكوير.

معرفة المعاد ج٦

188
  • مثاليّة حيوانيّة في عالم الآخرة، و هي التي تعود و تحشر إليها هذه المحسوسة عند تبدّل نشأتها الهيولويّة، و صورة عقليّة في عالم آخر فوق العالمين، و هي التي تعود و تحشر إليها هاتان الصورتان».1

  • ثمّ قال بعد بيان موجز:

  • «فإذا رجعت الأشياء إلى مقارّها الأصليّة بعد خروجها عن عالم الحركات و الاستحالات و الشرور و الآلام و الأحزان بالموت و الفساد و الفزع و الصعق، تعطف عليها الرحمة الإلهيّة تارة اخرى بالحياة التي لا موت فيها و البقاء الذي لا انقطاع له، و لهذا قال:

  • في بقاء الموجودات بالله بعد الفناء في الله

  • ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ.2

  • و قال: وَ أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها.3

  • و تلك الأرض الاخرويّة المقبوضة هي صورة ذات حياة، نسبتها إلى هذه الأرض التي نحن الآن عليها نسبة السماء إلى الأرض، و جميع ما في ذلك العالم صورة حيوانيّة إدراكيّة ليس لها موضوع أو مادّة لا حياة لها كهيولى هذا العالم، و أجسادها التي تكون الحياة عرضيّة لها عارية عليها من النفس، و كذلك الماء و النار و الهواء و الشجر و الجبال و الأبنية و البيوت كلّها موجودة هناك بوجود صوريّ نفساني بلا مادّة و حركة و قوّة و إمكان، لأنّ صورتها معلّقة قائمة لا في مادّة، على أنّها ليست إلّا جزئيّة مشاهدة محسوسة بحواسّ غير داثرة و لا فانية، لأنّ كلّها في موضوع النفس،4 كأنّها

  • .

    1. «رسالة الحشر» ص 355 إلى 358.
    2. الآية 68، من السورة 39: الزمر.
    3. الآية 69، من السورة 39: الزمر.
    4. لقد جعل المرحوم الملّا صدرا عالم البقاء بالله نفسانيّاً، بَيدَ أنّنا قد أثبتنا سابقاً- ضمن إثبات المعاد الجسمانيّ العنصريّ المادّيّ- أنّ النفس تحصل بعد الفناء على الإحاطة بحقيقة عالم الزمان و المادّة، و تحصل على إدراك نفسها و بدنها طيلة عمرها وجداناً

معرفة المعاد ج٦

189
  • قوّة واحدة مع أنّها كثيرة الصور المرئيّة و الأشكال العظام و المقادير الجسام، و هذا من العجايب التي يسهل إدراكها و الإذعان بوجودها لُاولى البصائر، و إن صعب على غيرهم الإذعان إلّا من طريق السماع و التقليد».1

  • اي بلبل جان چونى اندر قفس تنها***تا چند در اين تنها ماني تو تنِ تنها

  • أي بلبل خوش الحان زان گلشن و زان بستان***چون بود كه افتادي ناگاه به گلخنها

  • گوئى كه فراموشت گرديده در اين گلخن***آن روضه و آن گلشن و آن سنبل و سوسنها

  • بشكن قفس تن را پس تنتن تن كوبان***از مرتبه گلخن بخرام به گلشنها

  • مرغان هم آواز مجموع از اين گلخن***پرنده به گلشن شد بگرفته نشمينها 2

    1. «رسالة الحشر» ضمن« رسائل الملّا صدرا» ص 359 و 360.
    2. «ديوان مغربي» ص 9.
      يقول الشاعر:« يا عندليب الروح! كيف حالك في قفص الأبدان؟ إلى متى ستبقي في هذه الأبدان فرداً وحيداً.
      أيّها العندليب الغرّيد في هذا الروض و البستان! كيف- يا ترى- سقطتَ فجأةً في هذه المواقد السوداء؟
      كأنّك نسيت في هذا الموقد تلك الروضة و ذلك البستان و تلك السنابل و زهور السوسن!
      فحطِّم قفص البدن و سِرْ مترنّماً في تَيْه و دلال من مرتبة الموقد إلى الرياض!
      لقد طارت كلّ الطيور التي صدحتْ معك من هذا الموقد و اتّخذت في الروض أوكاراً».

معرفة المعاد ج٦

190
  • در بيشه دام و دَدْ مأوا نتوان كردن***زين جاي مخوف اى جان رو جانب مأمنها

  • أي طاير افلاكي در دام تن خاكى***از بهر دو سه دانه وا مانده ز خرمنها

  • باري چو نمىيارى بيرون شدن از قالب***بر منظرهاش بنشين بگشارده روزنها

  • أي مغربي مسكين اينجا چه شوي ساكن***كانجاست براي تو پرداخته مسكنها 1

    1. يقول:« و أنّي يمكن العثور علي مأوي في أجمة الوحش و الشِّراك، فيا أيّتها الروح غادري هذا المكان المخوف و اتّجهي إلى الجانب الآمن.
      يا طائر الأفلاك الساقط في أحبولة البدن الترابيّ! لقد حُرمت- من أجل حبّات قلائل- من هذه البيادر!
      و لأنّك لا تتمكّن من التخلّي عن قالب البدن، فعليك أن تفكّر في سبيلٍ لفتح نوافذ( لتحرير روحك).
      و أيّها« المغربيّ» المسكين! ما ذا عساك لأن تسكن هنا بينما هُيئت لك المساكن هناك؟!».

معرفة المعاد ج٦

191
  •  

  •  

  • المَجْلِسُ الحَادِى وَ الأرْبَعُونَ: تَطَايُرِ الْكُتُبِ وَ صِفَةُ صَحِيفَةِ الأعْمَالِ

  •  

  •  

معرفة المعاد ج٦

193
  •  

  •  

  • بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

  • الحمد للّه ربّ العالمين و لا حول و لا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم

  • و صلَّى الله على محمّد و آله الطاهرين

  • و لعنة الله على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين

  • قال الله الحكيم في كتابه الكريم:

  •  

  •  

  • وَ كُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَ نُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً، اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً.1

  • أحد عوالم القيامة عالم تطاير الكتب، و قد شاهدتم بطبيعة الحال الوصايا المدوّنة و قد كُتب فيها: أشهد أنّ الموت حقّ، و أنّ القبر حقّ، و سؤال منكر و نكير حقّ، و الحشر حقّ، و الصراط و الميزان حقّ، و تطاير الكتب حقّ ... إلى آخر هذه الشهادات.

  • في معنى تطاير الكتب و صفة صحيفة الاعمال يوم القيامة

  • و تطاير الكتب يعني فتح صحائف الأعمال و نشرها. فَلِمَ يُدعى تطايراً إذاً؟ لأنّه مُنتزع من هذه الآية المباركة: وَ كُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ. و الطائر من الحيوان كلّ ما يطير بجناحينِ؛ و قد ورد في تفسير «مجمع البيان»:

  • «وَ كُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ»؛ مَعْنَاهُ وَ ألْزَمْنَا كُلَّ إنْسَانٍ عَمَلَهُ مِنْ خَيْرٍ أوْ شَرٍّ في عُنُقِهِ كَالطَّوْقِ لَا يُفَارِقُهُ؛ وَ إنَّمَا قِيلَ لِلْعَمَلِ: طَائِرٌ عَلَى عَادَةِ العَرَبِ في قَوْلِهِمْ: جَرَى طَائِرُهُ بِكَذَا.

    1. الآيتان 13 و 14، من السورة 17: الإسراء.

معرفة المعاد ج٦

194
  • وَ قِيلَ: طَائِرُهُ يُمْنُهُ وَ شَؤْمُهُ؛ وَ هُوَ مَا يُتَطَيَّرُ بِهِ؛ وَ قِيلَ: طَائِرُهُ حَظُّهُ مِنَ الخَيْرِ وَ الشَّرِّ؛ وَ خُصَّ العُنُقُ لأنَّهُ مَحَلُّ الطَّوْقِ الذي يُزَيِّنُ المُحْسِنَ وَ الغُلِّ الَّذِي يَشِينُ المُسِيءَ؛ وَ قِيلَ: طَائِرُهُ كِتَابُهُ؛ وَ قِيلَ مَعْنَاهُ: جَعَلْنَا لِكُلِّ إنسَانٍ دَلِيلًا مِنْ نَفْسِهِ.1

  • كيفيّة تدوين عالم التكوين لصحيفة الاعمال

  • فتطاير الكتب- إذاً- يعني تطاير صحائف الأعمال، إذ توضع الصحائف في رقبة الإنسان كالطوق، و حين تُفتح فإنّها تتطاير كما يطير الطائر و تتجّه إمّا صوب المقرّبين أو صوب أصحاب اليمين أو صوب أصحاب الشمال، باعتبار وقوف المقرّبين و المخلَصين في مكان خاصّ يوم القيامة، و الأمر كذلك بالنسبة إلى أصحاب اليمين و إلى أصحاب الشمال. فكلّ عمل عمله الإنسان سيلحق بالمقرّبين بمقدار ما له من درجة القُرب؛ أمّا إذا كان لعمل الإنسان سنخيّة مع أعمال أصحاب اليمين فسيطير صوب أصحاب اليمين، أمّا لو كانت سنخيّته مع أعمال أصحاب الشمال فسيطير تجاههم.

  • و من هنا فإنّ عالم تطاير الكتب يعني العالم الذي تتطاير فيه صحائف الأعمال فيتّجه كلّ منها إلى محلّه و موضعه، و هذا هو المعنى الذي يمكن بيانه لتطاير الكتب على أنّه يمكن ذكر معنى آخر للطائر، و هو أنّ الطائر كناية عن المقدّرات التي تُعطي للإنسان جزاء عمله، إذ يتفأل العرب بالطائر يمُناً و شؤماً؛ فهم يعتقدون- مثلًا- أنّ الغراب لو طار من الشمال إلى اليمين كان ذلك يُمناً، أمّا لو طار من اليمين إلى الشمال كان ذلك شؤماً، فإن شاهد الإنسان عند خروجه من داره غراباً يطير بهذه الكيفيّة أو تلك كان ذلك له يُمناً أو شؤماً.

    1. «مجمع البيان» ج 3 ص 404، طبعة صيدا.

معرفة المعاد ج٦

195
  • و إن هبطت بوم على سطح منزل، دلّ ذلك على الموت و الفناء، أمّا لو هبطت حمامة و رقاء، دلّ ذلك على اليُمن و السعادة. و لا يعترف الإسلام بمثل هذه الامور لعدم وجود حقيقة و واقع لها، أمّا الأثر المترتّب عليها فليس إلّا الأثر النفسيّ لا غير؛ و تبعاً لذلك فقد نهى الإسلام عن الطَّيْرة.

  • فالطائر- إذاً- كناية عن السعادة أو الشقاء الذي يصبح من نصيب الإنسان إثر عمله الصالح أو الطالح، منتهى الأمر أنّه إذا تفّأل بذلك الطائر دُعي ذلك تفؤلًا، و إن تشاءم منه دُعي تشاؤماً.

  • و الطائر يعني المقدّرات التي تلازم الإنسان إثر العمل الحسن أو القبيح، و طائر الإنسان يعني مقدّراته التي تلحقه إثر العمل. و كما يقدّر الإنسان مقدّراته بذلك الطائر، فإنّ تلك المقدّرات و تلك الأعمال و ذلك الجزاء الذي يلحق الإنسان إثر العمل الحسن أو السيّئ فيلازمه و يقارنه قد عبّر عنها كنايةً بالطائر.

  • إنّنا سنخرج هذا الطائر للإنسان يوم القيامة، و حين يشاهد الإنسان صحيفة عمله المدوّنة، فإنّه سيشاهد جميع مقدّراته من الأعمال الحسنة أو القبيحة التي فعلها، و التي ستكون بأجمعها ظاهرة لفاعلها.

  • و علينا أن نرى العلّة التي من أجلها قال تعالى: أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ، و ذلك باعتبار أنّ عنق الإنسان يمثّل محلّ تعليق الطوق و العقد من المجوهرات ليزهو فوق صدره إن كان مُحسناً مستحقّاً للثواب و الجائزة، و محلّ تعليق الغلّ و السلاسل للمسيء المجرم.

  • فالرقبة- إذاً- هي محلّ جزاء المحسنين و المسيئين قبال ما لهم من إحسان أو إساءة.

  • و على هذا الأساس فقد ورد في التعبير هنا كناية عن أن صحيفة الإنسان تعلّق في عنقه و تلازم وجوده، أي أنّ من عمل عملًا في الدنيا فإنّ

معرفة المعاد ج٦

196
  • ذلك العمل سيُطوى و يعلّق في عنقه. سيلفّ العمل و يطوى فوق العمل الآخر، فلا يعود يبدو في النظر. إنّ جميع الأعمال التي فعلناها ليست ماثلة الآن أمام أعيننا، فنحن نعمل العمل فيذهب و ينقضي، أشبه بالرسائل التي كانت تدوّن في السابق ثمّ تطوى و تُرسل من مدينة إلى اخرى، و خاصّة الأحكام و الأوامر التي كان الملوك يصدرونها فتدوّن في هيئة رسالة ذات عرض قليل إلّا أنّ طولها كبير قد يصل إلى عشرة أمتار، و كانوا يطوون تلك الرسائل ثمّ يختمونها و يضعونها في غلاف ذهبيّ أو فضّيّ يلحمون نهايته قبل إرسالها لتكون الرسالة محفوظة من الرطوبة لو قدّر للأمطار أن تهطل عليها في الطريق. و حين كانت تلك الرسالة تصل إلى المُرسَل إليه فإنّه كان يفتحها و يمسك بها من طرفها و يقرأها من بدايتها إلى نهايتها حسب الترتيب الذي دوّنت به، فقد دُوّنت و طويت شيئاً فشيئاً حتّى انتهاء ورق الرسالة، و حين يُراد قراءتها فإنّهم يقرأون المطالب بنفس ذلك الترتيب. و كما يلفّون ورق الرسائل بعد تدوينها، فإنّهم يعكسون الأمر الآن فينشرون الرسالة و يفتحونها: وَ نُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً؛ أي مبسوطاً.

  • إنّنا نلفّ الأعمال التي يقوم بها أفراد البشر و نطويها و نعلّقها في أعناقهم لتلازمهم، إلّا أنّهم لا يرون تلك الأعمال باعتبارها مطويّة ملفوفة.

  • أمّا يوم القيامة فإنّنا سننشر تلك الأعمال المطوية فيرونها و يقرأونها في هيئة صحيفة طويلة منشورة.

  • اقْرَأْ كِتابَكَ؛ اقرأ صحيفة عملك و شاهدها بنفسك!

  • كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً.

  • و كفى بك اليوم محاسباً لنفسك؛ أنت اليوم أفضل محاسب لنفسك، فليس ثمّة من حاجة لمحاسب آخر ليُحاسبك! لما ذا؟

معرفة المعاد ج٦

197
  • لأنّ تلك الأعمال هي أعمالك التي صارت الآن حاضرة و مشهودة بمرأى منك و مسمع.

  • و يُدعى هذا العالم بعالم تطاير الكتب، و كما ذكرنا سابقاً فإنّ هذا العالم يمثّل نشر الأعمال بعد طيّها.

  • إنّ الإنسان بعد أن يفنى ثمّ يجد البقاء بالله تعالى و يعود إلى عالم الوجود فإنّه سيرى نفسه و جميع أعماله منذ ولادته إلى موته مع جميع آثاره و خصائصه في كلّ نقطة من الأمكنة و كلّ لحظة من لحظات الزمان، مع جميع القرائن المحيطة بالفرد و الجماعات التي تعامل معها، و الأخلاق و الصفات التي امتلكها، و الملكات التي حازها، و النوايا التي انطوى عليها لفعل تلك الأعمال؛ سيراها بأجمعها مبسوطة و منشورة أمامه فيقرأها و يتلوها. و سيقال له: تعال؛ فهذا كتاب عملك المتعلّق بك! فينظر الإنسان إلى هذه الصحيفة و يرى- من جهة- أنّها صحيفته، لكنّه لا يصدّق- من جهة اخرى- أنّ هذه الصحيفة على هذا القدر من الدقّة، و أنّها قد دوّنت الصغيرة و الكبيرة، و أنّها دوّنت الأشياء التي لم تكن تلوح في نظر الإنسان أساساً، ليس بكتابه القلم و الحبر على الورق، بل إنّها مكتوبة في عالم التكوين بقلم التحقّق و الواقعيّة. و أنّ نفس عمل الإنسان قد اخذ و سُجّل، و أنّه سيؤتى بنفس وجود الإنسان مع عمله، بحيث إنّ الإنسان و عمله ليسا خارجين عن تلك النفس الناطقة و الروح التي له.

  • بل إنّ الإنسان يرى أنّ هذه الأعمال أعماله و آثاره، فيعلم بها علماً حضوريّاً لا حصوليّاً، و هو ممّا يُثير العجب و الدهشة. سيعجب الإنسان آنذاك من الأمر، و يدهش من دقّة هذه الصحيفة المدوّنة، تلك الدقّة في التدوين و التسجيل التي لا تخطر على عقل الإنسان، لأنّ الله هو المُحصي، و لأنّ هذه الصحيفة قد نظّمت بأمره و تحت إشرافه.

معرفة المعاد ج٦

198
  • يقول أمير المؤمنين عليه السلام:

  • وَ كُلَّ سَيِّئَةٍ أمَرْتَ بِإثْبَاتِهَا الكِرَامَ الكَاتِبِينَ الَّذِينَ وَكَّلْتَهُمْ بِحِفْظِ مَا يَكُونُ مِنِّي وَ جَعَلْتَهُمْ شُهُوداً عَلَيّ مَعَ جَوَارِحِي وَ كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيّ مِنْ وَرَائِهِمْ وَ الشَّاهِدَ لِمَا خَفِيَ عَنْهُمْ.1

  • ذلك لأنّ ملائكة تدوين الأعمال و تسجيلها يسجّلون جميع الأعمال الظاهريّة و الباطنيّة، إلّا أنّ بعض النوايا في أعمال القلب على قدر من اللطافة و الخفاء بحيث لا يمكن للملائكة إدراكها و لا رؤيتها، لا بعين الظاهر و لا بعين الباطن، لكنّ الله تعالى يراها، إذ لا يخفى عليه شيء، لما ذا؟ لأنّه: كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيّ مِنْ وَرَائِهِمْ وَ الشَّاهِدَ لِمَا خَفِيَ عَنْهُمْ.

  • يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللَّهُ وَ نَسُوهُ وَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ.2

  • و ما أكثر الأعمال التي فعلناها، و النوايا التي انطوينا عليها، و الخواطر التي مرّت على قلوبنا، و الأفكار الباطلة التي فكّرنا بها، ثمّ استترت بمرور الوقت تحت ستار الغفلة و النسيان، لكنّ جهاز التسجيل ذلك يقظ و منتبه، و الله تعالى حيّ على الدوام و ناظر و شاهد، فهو يرى الظاهر و يرى الباطن و يحفظهما بجميع درجاتهما و مراحلهما، و يعدّ الأعمال الكبيرة و الصغيرة، و يحفظ الأعمال الظاهرة و الباطنة فلا ينسى منها شيئاً، لأنّ الله على كلّ شيء شهيد.

    1. من فقرات دعاء كميل الذي رواه الشيخ الطوسيّ في« المصباح» ص 587 إلى 592 و الكفعميّ في« مصباح الكفعميّ» و في« البلد الأمين»، و السيّد ابن طاووس في« الإقبال» و المجلسيّ في« زاد المعاد».
    2. الآية 6، من السورة 58: المجادلة.

معرفة المعاد ج٦

199
  • بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ.1

  • القبور محلّ الواردات في الدنيا، و محلّ الصادرات في الحشر

  • إنّ الله سيأتي بما فعله الإنسان قبل يوم القيامة و أخفاه لئلّا يراه زيد و عمرو و بكر، فيظهره للإنسان:

  • يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ، فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ.2

  • يوم القيامة هو اليوم الذي يصدر فيه جميع الناس. من أين؟ من قبورهم. يصدرون متفرّقين جماعات ليُروا أعمالهم، فمن عمل منهم قدر ذرّة خيراً رآه، و من عمل قدر ذرّة شرّاً رآه.

  • إنّ القبور الآن محلّ للواردات بلا صادرات، فكلّ ما فيها مراكز للواردات، اذهبوا إلى غرفة مسؤول المقبرة الواقعة جنب مغسلة الموتى و تطلّعوا إلى دفتره، فسترون أنّ كلّ ما لديه واردات، و أن ليس ثمّة صادرات أبداً. أمّا يوم القيامة فإنّ جميع هذه الواردات ستصدر فيصبح الدفتر سجلًّا للصادرات.

  • يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ.3

  • إنّ الأرض لا ثقل لها الآن، فهؤلاء الخلائق الذين دُفنوا فيها خلال آلاف السنين صاروا يخرجون الآن منها و يصدرونكالجراد المنتشر.

  • وَ أَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها* وَ قالَ الْإِنْسانُ ما لَها* يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها* بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها* يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً.4

    1. الآية 28، من السورة 6: الأنعام.
    2. الآيات 6 إلى 8، من السورة 99: الزلزلة.
    3. الآية 7، من السورة 54: القمر.
    4. الآيات 2 إلى 6، من السورة 99: الزلزلة.

معرفة المعاد ج٦

200
  • سيخرج الناس من القبور جماعات و أفراداً متفرقين، لما ذا؟ ليُروا أعمالهم. فيقول الإنسان: ما الأمر؟ لما ذا تُحدّث الأرض أخبارها و قصصها؟ و كيف تُخبر عن أحوالى؟ لقد أوحى لها الله و أحياها و أيقظها و جعلها تتحدّث بحيث تأخذ الأعمال و تسجّلها، و ها هي تحدّث بها و تفصح عنها بكلامها.

  • و هناك في هذه الآيات القرآنيّة المباركة عدّة أنواع من التعبير:

  • أوّلها أنّ الله قد جعل الأعمال ملازمة للإنسان: أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ؛ و جرى في موضع آخر التعبير بإحصاء الله تعالى: أَحْصاهُ اللَّهُ وَ نَسُوهُ؛ و في موضع آخر بالظهور و الجلاء بعد الخفاء: بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ؛ أمّا في هذه الآية: لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ فيقول: ليرى الناس أعمالهم و يطّلعون على حقيقة عملهم.

  • أ فيستطيع الإنسان أن يُنكر صحيفة عمله تلك؟ لو سُجّل صوت الإنسان و صورته في جهاز ما ثمّ عُرض له فإنّه لن يستطيع الإنكار، أمّا في القيامة فالأمر ليس كتابة و تسجيلًا، و ليس تصويراً و عرضاً سينمائيّاً، فالأمر فوق هذا و أعلى.

  • هنالك يؤتى بالإنسان و بالعمل الذي فعله حينما كان متلبّساً بارتكاب ذلك العمل، لأنّ معنى البقاء بعد الفناء أن يبقى الإنسان ذلك اليوم يهيمن على بدنه الدنيويّ مع جميع أعماله التي قام بها. فيرى الإنسان نفسه- من ثمّ- و هو منهمك، بالقيام بتلك الأعمال.

  • أنقدر الآن و في هذه اللحظة أن نُنكر هيئتنا و حالنا الوجوديّ الحاضر؟ أ يمكن ذلك أساساً؟ أ يمكننا حين ينتهي حديثنا أن ننكره؟

  • أ نستطيع- يا ترى- إنكار حديثنا الذي قلناه؟ أ يمكننا إنكار نفس هذا التحدّث؟ كلّا بطبيعة الحال، لأنّ هذا الإنكار هو عين الإقرار و الاعتراف،

معرفة المعاد ج٦

201
  • و هذا النفي هو عين الإثبات.

  • إنّ الإنسان سيكون يوم القيامة منشغلًا بفعل نفس الأعمال التي سبق له فعلها، منتهى الأمر أنّها كانت في الدنيا في صورة مُلكيّة، و ستكون يوم القيامة في صورة ملكوتيّة، فمن سيستطيع الإنكار يا ترى؟

  • وَ لِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَ لِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمالَهُمْ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ.1

  • و التوفية من و في يفي توفّي و يتوفّي، و وفّى يوفّي توفيةً، أي أعطاهم بصورة تامّة كاملة.

  • نحن نقول لزيد- مثلًا-: اذهب و اقبض مبلغ خمسة آلاف تومان الذي لنا في ذمّة عمرو! فيذهب ليقبض المبلغ، فيماطله عمرو و يقول له:

  • تعال غداً! فيردّ زيد: لا يمكن ذلك!

  • فيقول عمرو: تعال عصراً!

  • فيقول: لا يمكن ذلك!

  • فيقول: تعال بعد ساعة!

  • فيرد زيد: لا يمكن، و عليك أن تدفع المبلغ الآن.

  • فيقول عمرو: إذا توجّب عليّ الدفع الآن، فسأدفع ألف تومان.

  • فيردّ: لا يمكن!

  • فيزيده عمرو و هو يرفض مصرّاً على قبض المبلغ بتمامه و إلى آخر ريالٍ منه، و حين يقبض زيد تمام الخمسة آلاف تومان فإنّ عمله سيُدعى توفيةً.

  • لِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمالَهُمْ؛ أي أنّ الأفراد الذين يحضرون يوم القيامة سيُعطون أعمالهم بصورة وافية تامّة؛ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ و لا يتعرّضون لحيَف2

  • معرفة المعاد ؛ ج6 ؛ ص201
    1. الآية 19، من السورة 46: الأحقاف.
    2. حسينى طهرانى، سيد محمد حسين، معرفة المعاد، 10جلد، دار المحجة البيضاءبيروتلبنان، چاپ: 1، 1416 ه.ق.

معرفة المعاد ج٦

202
  • و لا ظلم لما ذا؟ لأنّ الأعمال هي أعمال الإنسان التي صدرت منه بإرادته و اختياره، و ها هي نفس تلك الأعمال تُعطى للإنسان في صورتها الملكوتيّة المتناسبة مع ذلك العالم. فما الذي يعنيه الظلم من ثمّ؟ أ لم نقرأ يا تُرى:

  • وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى.1

  • إصلاح صحيفة أعمال الإنسان ممكن في الدنيا فقط

  • على كلّ فرد أن يحمل وزره- لا وزر غيره- بنفسه، فليس- إذاً- من الظُلم أن يوفّى الإنسان يوم القيامة نفس أعماله المترشّحة عنه، لأنّه لم يحمل وزر شخص آخر، و لم يُلزم في عنقه طائر امرئ آخر، و سيكون حمله هو وزره الذي ارتكبه في الدنيا باختياره و إرادته.

  • فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَ وُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ.2

  • فكيف لو جمعناهم ليومٍ لا شكّ في تحقّقه و وقوعه، يومٌ مجموعٌ فيه الناس، و وفّينا كلّ نفس ما عملت دون أن يُظلموا شيئاً.

  • يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَ أَنَّى لَهُ الذِّكْرى.3

  • إنّ الأعمال التي فعلناها موجودة الآن، منتهى الأمر أنّها مطويّة، ثمّ تمرّ الساعات فتطوى هذه الأعمال و تعلّق في عنق الإنسان كشريط مسجّل، إلّا أنّه شريط ملكوتيّ، و هذا الشريط يلتقط الصوت كلّ لحظة، يلتقط صوت المتكلّم، و صوت دقّات الساعة، و قرقعة مبرّدة الهواء، و صوت العطسة التي قد يعطسها البعض، و يسجّل كلّ شيء، حتّى ينتهي الشريط.

  • هناك ملكان باسم «رقيب» و «عتيد» جالسان على منكبينا يستلمان

    1. الآية 18، من السورة 35: فاطر.
    2. الآية 25، من السورة 3: آل عمران.
    3. الآية 23، من السورة 89: الفجر.

معرفة المعاد ج٦

203
  • الأعمال يسجّلانها على هيئة شريط، ثمّ تطوى هذه الأعمال بجميع خصائصها إلى اليوم الذي تُنشر فيه و تُعرض.

  • و هذا الشريط المسجّل في الدنيا قد اعدّ لغرض معيّن، و هو أن يُنشر في ساعة معيّنة و يُقرأ لاستحصال النتيجة؛ و بغير ذلك فسيكون اللفّ و الطيّ دونما بسط و نشر عبثاً و لَهْواً لا طائل وراءه؛ فاللفّ مقدّمة للبسط و النشر.

  • و سيُنشر الشريط فيطّلع الإنسان على جميع أعماله، لكنّ الأسى و الأسف سيكونان آنذاك بغير فائدة، إذ ليس ثمّة مجال للعودة و التدارك: وَ أَنَّى لَهُ الذِّكْرى.

  • إنّ المكان الذي يمكن للإنسان أن يصلح فيه هذا الشريط هو الدنيا، فالذكرى مهمّة للإنسان لو حصلت في الدنيا، أمّا في الآخرة فلا فائدة تُرجى منها: اليوم عمل و لا حساب و غدا حساب و لا عمل.

  • وَ تَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.1

  • نعم، إنّ جميع الأحزاب و المجموعات و الفئات قد رفعت أصواتها في هذه الدنيا، و صارت تهزّ الدنيا تحت أقدامها، لكنهم سيركعون ذلك اليوم خاضعين لما ذا؟ لأنّه سيُقال لهم: تعالوا و اقرأوا صحائف أعمالكم! تلك الصحائف السيّئة إلى الحدّ الذي يبعث على خجلهم و ينكّس رؤوسهم فلا قدرة لهم بعد على رفعها و الشموخ بها، و سينشغل كلّ منهم بصحيفة عمله:

  • كيفيّة إراءة الاعمال في يوم القيامة

  • هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ.

    1. الآيتان 28 و 29، من السورة 45: الجاثية.

معرفة المعاد ج٦

204
  • فأيّ حقٍّ أعلى- يا ترى- و أبعد من نفس عمل الإنسان الذي يوفّى له؟ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.

  • لقد كان دأبنا في الدنيا أن نسجّل و نستنسخ ما تعملونه، كي لا يمكنكم إنكار نقطة واحدة منه، و ليس عملنا أضعف أداءً من عملكم في الدنيا، فأنتم تستنسخون الأسناد و الوثائق لئلّا يُنكر منكر أو يجحد جاحد، فإن أنكر أحد قيل له إنّ النسخة الأصليّة هنا، و الصورة و الهيئة و الشمائل و الحديث كلّه مسجّل لدينا.

  • إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ كلّ ما تفعلون، فما الذي يعنيه الاستنساخ؟ و كيف تُعرض النسخة هناك؟

  • إنّه يعني أنّ جميع الموجودات في كلّ زمان و مكان موجودة بجميع خصائصها في كتاب التكوين الذي يسير و ينقضي، فكتاب التكوين هو الإمام المبين، و نحن نستنسخ منه ما يخصّكم و يتعلّق بكم فنواجهكم يوم الجزاء بتلك النسخة.

  • على أنّ جميع كتاب التكوين بأجمعه لا يهمّكم بطبيعة الحال، فنحن إنّما سنطلعكم يوم القيامة على ما يتعلّق بكم فقط، أمّا الاختلاف الواقع بين الرجل الفلانيّ و المرأة الفلانيّة في القرن الفلانيّ و السنة الفلانيّة و الشهر و اليوم و الساعة و اللحظة الفلانيّة في النقطة الكذائيّة من الدنيا، فهو أمر لا يخصّكم بشيء، و نحن نستنسخ منه نسخة لهما. أمّا بالنسبة إليك فنحن نستنسخ لك ما يتعلّق بك و يخصّك.

  • فما هي نسختك؟ هي عملك، و هي وجودك في كتاب التكوين منذ ولادتك إلى لحظة موتك. ذلك الوجود الذي سلّطناك عليه بعد البقاء الذي منحناك إيّاه بعد مرحلة فنائك. و معنى الاستنساخ أن نضع هذا القدر من كتابك تحت سلطتك و اختيارك. و هذا القدر الذي عرضناه لك من نسخة

معرفة المعاد ج٦

205
  • ذلك الكتاب (كتاب التكوين) يمثّل تجلّي تلك الأعمال في صورة ملكوتيّة متناسبة مع ذلك العالم.

  • ورد في «الكافي» عن الإمام الصادق عليه السلام في حديث اللوح المحفوظ:

  • وَ هُوَ الكِتَابُ المَكْنُونُ الذي مِنْهُ النُّسَخُ كُلُّهَا؛ أ وَ لَسْتُمْ عُرُباً؟ فَكَيْفَ لَا تَعْلَمُونَ مَعْنَى الكَلَامِ وَ أحَدُكُمْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ: انْسَخَ ذَلِكَ الكِتَابَ؟

  • أ وَ لَيْسَ إنَّمَا يَنْسَخُ مِنْ كِتَابٍ آخَرَ مِنَ الأصْلِ وَ هُوَ قَوْلُهُ: «إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ».1

  • و الاستنساخ يحصل من ذلك العالم التكوينيّ، لأنّنا لسنا إلّا موجوداً صغيراً من عالم كونيّ تتشكّل مجموعته من هذا العالم بشمسه و قمره و أرضه و كواكبه مع وضعيّاتها و حالاتها، و من الموجودات الظاهريّة و الطبيعيّة المادّيّة و الموجودات الملكوتيّة المعنويّة و جميع حقائق هذه الامور، التي تمثّل بأجمعها اللوح المحفوظ الذي لَا يُرَدُّ وَ لَا يُبَدَّلُ.

  • و قد ذكرنا سابقاً أنّ الشيء إذا ارتدى رداء الوجود فإنّ من المحال أن يعرض عليه العدم و الفناء، إذ إنّه سيصبح امّ الكتاب، و من امّ الكتاب و اللوح المحفوظ تُستنسخ النسخة المتعلّقة بنا، فنُمنح يوم القيامة سيطرةً على تلك النسخة و يُقال: هاك نسختك فانظرها!

  • هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ.

  • فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ.

  • يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً.

  • فمن أين- يا ترى- تجد العمل و تراه؟ من النسخة التي استنسخت.

    1. «المعاد» للعلّامة الطباطبائيّ،( الإنسان بعد الدنيا)، ص 35.

معرفة المعاد ج٦

206
  • ورد في «تفسير العيّاشيّ» عن خالد بن نجيح، عن الإمام الصادق عليه السلام قال: إذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ دُفِعَ إلَى الإنْسَانِ كِتَابَهُ ثُمَّ قِيلَ لَهُ: اقْرَأ.

  • قُلْتُ: فَيَعْرِفُ مَا فِيهِ؟

  • قَالَ: إنَّ اللهَ يُذَكِّرُهُ، فَمَا مِنْ لَحْظَةٍ وَ لَا كَلِمَةٍ وَ لَا نَقْلِ قَدَمٍ وَ لَا شَيءٍ فَعَلَهُ إلَّا ذَكَرَهُ كَأنَّهُ عَمِلَهُ تِلْكَ السَّاعَةِ فَلِذَلِكَ قَالُوا:

  • «يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَ لا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها».1

  • و حقّاً فإنّ أمثال هذه الروايات الصادرة عن الأئمّة المعصومين سلام الله و صلواته عليهم أجمعين معجزة، أي لأنّ مثل هذا التوغّل في الأسرار الإلهيّة و المعارف الربّانيّة له دلالة على سعة نفوسهم و إحاطتها، حتّى كأنّهم موجودون في القيامة يرونها و يشرحونها لنا، و كأنّهم يشاهدون مناظر القيامة و وقائعها واحداً بعد الآخر ثمّ يذكرونه لنا.

  • يقول الإمام إنّ الإنسان يرى جميع أعماله و كأنّه عملها تلك الساعة، فهو يرى في القيامة في صورة ملكوتيّة ما عمله في الدنيا في صورة مُلكيّة و ظاهريّة، فيجد كأنّه قد عمل ذلك العمل في تلك الساعة، لا كمثل من يتفرّج على العمل بينما يجلس إلى جانب؛ فهو يرى العمل كَأنَّهُ عَمَلُهُ تِلْكَ السَّاعَةَ أو كَأنَّهُ عَمِلَهُ تِلْكَ السَّاعَةَ.

  • تفسير آية: «وَ نَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَ ءَاثَارَهُمْ»

  • و من هذا المنطلق تتصاعد الصرخات، و يضجّ الجميع أن:

  • يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَ لا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها.

  • إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَ نَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَ آثارَهُمْ وَ كُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ.2

    1. الآية 49، من السورة 18: الكهف.
    2. الآية 12، من السورة 36: يس.

معرفة المعاد ج٦

207
  • آثار أعمال الإنسان تسجّل في صحيفته إلى يوم القيامة

  • من الممكن أن يرحل الإنسان عن الدنيا فيترك فيها آثاره، و هذه الآثار ستكتب بدورها في صحيفة عمله، فالذي بنى مسجداً- مثلًا- سيتوفّى بعد مدّة، لكنّ الناس سيأتون فيصلّون في ذلك المسجد الذي يعدّ أثراً منه، و مثل هذه الآثار ستدوّن في صحيفة عمله. و ما أكثر ما تدوّن في صحيفة العمل أعمال كثيرة لم يقم بها بنفسه، و هي الأعمال التي يقوم بها الناس إثر ترغيبه إيّاهم في القيام بها.

  • افرضوا أنّه قد مات قبل ألف سنة، لكنّ الامور الخيريّة و امور البرّ تنصبّ باستمرار في صحيفة عمله، ثمّ إنّه يعجب يوم القيامة، إذ يرى في صحيفة عمله اموراً لم يقم بها في دنياه، فيتساءل: ما هذه الامور؟

  • و يأتي الجواب: هي ذلك المطلب الذي تحدّثتَ به، و ذلك الكتاب الذي دوّنته، و ذلك العالم المؤمن الذي ربّيته، و الجسر الذي شيّدته على النهر لعبور الناس، و العين و القناة اللتين أجريتهما، و المستشفى و المستوصف اللذين بنيتهما للفقراء، فهي بأجمعها صدقات جارية حصلت على يدك، و حين ينتفع مسلم من مشاريعك النافعة إلى يوم القيامة، فإنّ ثواباً سيسجّل في صحيفتك بمقدار تلك المنفعة. و حين يصلّي امرؤ ركعتين في هذا المسجد، فإنّ ثواب هاتين الركعتين سيدوّن أيضاً في صحيفة عملك.

  • و قد ورد في «تفسير عليّ بن إبراهيم» عن أبي الجارود، عن الإمام محمّد الباقر عليه السلام في تفسير الآية الشريفة:

  • يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَ أَخَّرَ.1 قال:

  • بِمَا قَدَّمَ مِنْ خَيْرٍ وَ شَرٍّ وَ مَا أخَّرَ فِيمَا سَنَّ مِنْ سُنَّةٍ لِيُسْتَنَّ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ،

    1. الآية 13، من السورة 75: القيامة.

معرفة المعاد ج٦

208
  • فَإنْ كَانَ شَرّاً كَانَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِهِمْ وَ لَا يُنْقِصُ مِنْ وِزْرِهِمْ شَيْئاً، وَ إنْ كَانَ خَيْراً كَانَ لَهُ مِثْلُ اجُورِهِمْ وَ لَا يُنْقِصُ مِنْ اجُورِهِمْ شَيْئاً.1

  • و جاء في الرواية: إ ذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا عَنْ ثَلَاثٍ، وَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ، وَ عِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ، وَ صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ.

  • نعم، من سنّ سُنّة حسنة فله أجر من عمل بها، و من سنّ سُنّة سَيّئة فعليه وزر من عمل بها؛ فمن أضاع دين الناس، و ألغى حجاب النساء، فإنّ كلّ امرأة ستسير سافرةً إلى يوم القيامة، و كلّ امرأة ستنساق إلى الفساد لهذا السبب، و كلّ رجل سيبتلى بالزنا من جرّاء نظره إلى النساء العاريات، و كلّ نفس ستضيع و تفسد بسبب هذا العمل، فإنّ نفس تلك المعصية و المذلّة ستحتسب لصاحب تلك البدعة. و سيحترق في النار، و ستُهدى له نيران جديدة باستمرار، و سيؤجّج مالك- خازن النار- لهبها و لظاها بسبب الذنوب الجديدة التي يرتكبها الناس من جرّاء تلك البدع، فيصرخ ذلك المسكين وسط النار المستعرة: ما هذه الصنوف الجديدة من العذاب؟ أيّها الإله الذي يقول بأنّه لا يظلم! لما ذا هذا العذاب الجديد؟ ما هذه الأجهزة التي شُغّلت؟ إنّني أحترق، أ فكانت نيران جهنّم التي جزيتني بها على أعمالي قليلة لتزيدها باستمرار؟ و لتُرسل لي ناراً من الدنيا؟

  • فيقول تعالى: وَ ما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ.

  • لكنّك أعمى للأسف (بمفاد الآية الشريفة: وَ نَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى، و لو كانت لك أعين تبصر بها لرأيت أنّ هذه النيران هي إثر أعمالك التي تصلك باستمرار من الدنيا، فمن يبتدع قانون ضلال في الدنيا، و من يسنّ سنّة سيّئة، و من يبتدع شيئاً يستدعي أذى الناس و إزعاجهم

    1. «تفسير القمّيّ» ص 706.

معرفة المعاد ج٦

209
  • و مرضهم و تقصير أعمارهم، أو يسبب إسقاط جنين، أو بسبب إفساد دين الناس و نواميسهم و إبقائهم في غمرات الجهل، أو يقطع طريقهم إلى الله تعالى؛ فإنّ جميع الآثار التي تحصل لهم ستحصل كذلك لهذا الشخص المبتدع الواضع لذلك القانون و السنّة. و ستدوّن جميع تلك المعاصي دونما نقص لمسبّبيها من المقنّنين و المنفّذين لذلك القانون و تلك السنّة.

  • في حقّانيّة أمّ الكتاب و اللوح المحفوظ

  • إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَ نَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَ آثارَهُمْ وَ كُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ.1

  • و الكتاب المبين و الإمام المبين هو اللوح المحفوظ، و هو امّ الكتاب الذي يمثّل عالم الوجود الذي لا يخفى عنه شيء، منتهى الأمر أنّ هذا اللوح المستنسخ عن عالم الوجود هو اللوح المحفوظ، و أنّ حقيقة ذلك العالم هو امّ الكتاب؛ فهما نسختان: نسخة اللوح المحفوظ و النسخة الأصليّة امّ الكتاب.

  • إنّ بإمكاننا الآن أن نهدم أحد أساطين المسجد فيكون مهدّماً فيما بعد إلّا أنّ هذه الاسطوانة الموجودة في هذه اللحظة لا يمكن أن تكون معدومة، فوجود هذه الاسطوانة و عدمها في نفس اللحظة أمر غير ممكن. و الأمر كذلك بالنسبة إلى امّ الكتاب و عالم التكوين، حيث إنّ كلّ موجود يرتدي رداء الوجود و التحقّق فإنّه لن يرتدي لباس العدم، فهم يستنسخون على نسخة التحقّق و الوجود هذه فيدعونها اللوح المحفوظ و الكتاب المبين؛ و هذه النسخة هي إحصاء الله سبحانه.

  • فهناك- إذاً- لوح خاصّ لكلّ واحد من أفراد البشر يمثّل صحيفة عمل الخاصّة به. و قول الله تعالى: هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِ يُشير

    1. الآية 12، من السورة 36: يس.

معرفة المعاد ج٦

210
  • إلى تلك الألواح الخاصّة بكلّ فرد، و التي يشكّل مجموعها اللوح المحفوظ، و استنساخ الأعمال هو عبارة عن إبرازها و إظهارها في المواضع و المواقع المعيّنة. وَ أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَ وُضِعَ الْكِتابُ.1

  • و من هنا فإنّ اللوح المحفوظ و الكتاب المبين و الإمام المبين هي مرتبة الظهور و التجلّي لُامّ الكتاب.

  • فاللوح المحفوظ هو كلمة الله المكتوبة، و ليست الكلمة شيئاً يجب أن يجري على اللسان حتماً، فإنّ كلّ موجود يُخبر عن الباطن هو كلمة، و جميع الموجودات التي تُخبر عن حقيقة ذات الله المقدّسة هي كلمات الله تعالى. أمّا الكتاب الذي يتضمّن جميع هذه الكلمات فهو الكتاب المبين؛ و حين يُستنسخ منه صحيفة عمل كلّ فرد فإنّها ستدعى بالإمام المبين، أي الاسوة و القدوة.

  • و قد علمنا و للّه الحمد و له الشكر معنى عالم الحساب و صحيفة الأعمال و تطاير الكتب و الطائر و نظائر ذلك، و الحمد للّه ربّ العالمين و صلّى الله على سيّدنا، سيّد المرسلين، محمّد و آله الطاهرين، برحمتك يا أرحم الراحمين.

    1. الآية 69، من السورة 39: الزمر.