معرفة المعاد ج4

معرفة المعاد ج4 مشاهدة المتن

المؤلّف العلامة آیة الله السيد محمد الحسين الحسيني الطهراني

القسم العقائد

المجموعة معرفة المعاد

المجلد4


الخلاصة

تشمل 75 مجلساً في كيفية سير الإنسان وحركته في الدنيا وعالم الغرور، وكيفية تبدل نشأة الغرور إلى عالم الحقائق والواقعيّات وارتحال الإنسان إلى الله وغاية الغايات. وتقع هذه المجموعة في عشر مجلّدات طبعت بأجمعها بالفارسيّة؛ وقد جرى فيها على نحوٍ وافٍ ومستفيض طرح مباحث من قبيل: عالم الصورة والبرزخ وكيفيّة ارتباط الأرواح هناك مع هذه العوالم، كيفيّة خلقة الملائكة ووظائفهم، النفخ في الصور وموت جميع الموجودات ثم إحياؤها وقيام الإنسان في ساحة الحضرة الأحديّة، عالم الحشر والنشر والحساب والكتاب والجزاء والعرض والسؤال والميزان والصراط والشفاعة والأعراف والجنة والنار؛ وذلك بالاستفادة من الآيات القرآنية وأخبار المعصومين ومن الأدلّة العقليّة والفلسفيّة والمطالب الذوقيّة والعرفانية.
/۲۰٩
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

معرفة المعاد ج٤

1

معرفة المعاد ج٤

2
  •  

  •  

  • المَجْلِسُ الْعشْرُون: عَلامَاتُ ظُهُور القِيامَة

  •  

  •  

معرفة المعاد ج٤

4
  •  

  •  

  • بسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

  • (مطالب القيت في اليوم العشرين من شهر رمضان المبارك)

  • الحمد لله ربّ العالمين و لا حول و لا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم

  • و صلى الله على محمّد و آله الطاهرين

  • و لعنة الله على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين

  •  

  •  

  • علامات القيامة و حضور الإنسان فيها

  • قال الله الحكيم في كتابه الكريم:

  • فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها فَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ.1

  • للّه الحمد و المنّة فقد أنهينا بحث المعاد الذي شرعنا به في مقدّمات حياة الإنسان في الدنيا و خصائص حال الاحتضار و سكرات الموت و عالم القبر و البرزخ، و علينا الآن أن نبدأ بالبحث في مقدّمات عالم القيامة الكبرى و حضور الإنسان في ساحة الله تعالى، و في بيان العوالم التي يطويها الإنسان في هذه الدورة من الحياة الاخرويّة.

  • و السياق في هذه الآية الكريمة سياق المؤاخذة و التهكّم، لكأنّ الكفّار في موقف يتوجّب عليهم فيه إمّا متابعة الحقّ لتكون عاقبتهم مقرونة بالخير و السعادة، أو انتظار حلول ساعة القيامة ليتذكّروا و يؤمنوا و يتّبعوا

    1. الآية 18، من السورة 47: محمّد.

معرفة المعاد ج٤

5
  • الحقّ بمشاهدة تحقّق الوقوع و الإشراف الذي يكون لهم عليها و الخصائص التي يرونها منها. بَيدَ أنهم لم يتّبعوا الحقّ اليومَ، فلم يبقَ أمامهم إذاً إلّا احتمال واحد، و هو مجيء القيامة نفسها.

  • و بديهي أنّ علامات القيامة الموجودة اليوم، من انقسام البشر إلى أفراد صالحين و طالحين، و هو أمر يستتبع و يستلزم وجود القيامة و الحساب، و من ظهور الموت و هو العبور للوصول إليها، و من ظهور نبيّ آخر الزمان و انشقاق القمر و نزول القرآن آخر الكتب السماويّة لم تكن ذات فائدةٍ ما لهؤلاء، ناهيك عن أنّهم لم يذعنوا للحقّ من خلال المواعظ البليغة و البيّنات و الحجج الواضحة البيّنة و العِبَر المتوالية، و لم يتّجهوا إلى الإيمان بالله و العمل الصالح، فلم يبقَ أي طريق آخر لاتّعاظهم و هدايتهم إلّا وقوع نفس القيامة. لكنّ الإيمان لن ينفعهم شيئاً آنذاك، لأنّ الأمر سيكون قد حُسِم، و عالم العمل قد اغلق، و عالم الجزاء و الحساب قد حان حينه و آن أوانه. يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَ أَنَّى لَهُ الذِّكْرى، يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي.1

  • و الآيات القرآنيّة الكريمة العائدة إلى القيامة متّفقة بأجمعها على أنّ هذه الأرض ستزول يوم القيامة، و أنّ النجوم ستنهار، و أنّ الشمس و القمر سيُكسفان و يُطمسان، و أنّ هذا العالم سيندكّ و يتلاشى بأجمعه. ثمّ إنّ الله تعالى، بعد فناء هذا العالم، سيُحضِر الأرواح في القيامة للحساب و الجزاء، سواء الأرواح التي رحلت عن الدنيا فهي في البرزخ تنتظر حلول القيامة، أو الأرواح التي ستترك الدنيا بواسطة صَعقة الموت، فتحضر فجأة في القيامة.

  • و هناك نفختان في الصور، إحداهما، نفخة الإماتة التي يموت الجميع

    1. الآيتان 23 و 24، من السورة 89: الفجر.

معرفة المعاد ج٤

6
  • على إثرها، و الأخرى نفخة الإحياء التي سيُبعث بها الجميع بعد موتهم و يُنشرون فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ.1

  • و قد وردت مطالب كثيرة في أخبار أهل البيت عليهم السلام في علامات القيامة و بالإضافة لهذه العلامات فهناك أساساً مرحلتان تسبقان القيامة ينبغي طيّهما قبلها كمقدّمات لها، إحداهما ظهور قائم آل محمّد عليهم السلام الإمام المهديّ محمّد بن الحسن العسكريّ عجّل الله تعالى فرجه الشريف، و الأخرى رجعة آل محمّد عليهم السلام. و ليس من شكّ أو ريب في تحقّق هذين الموضوعين، فموضوع ظهور الإمام المهديّ أرواحنا فداه متّفق عليه لدى جميع طوائف المسلمين و مذاهبهم، كما أنّ رجعة آل محمّد عليهم السلام من مسلّمات الشيعة، و كان القول ب- «الإمامة» و «الرجعة» الوجه المميّز للشيعة عن غيرهم منذ قديم الأيّام، و هناك في هذا الخصوص مطالب كثيرة في التواريخ و السير و الأخبار.

  • و بصورة عامّة فإنّ هناك مراحل ثلاثاً متعاقبة و متوالية ينبغي طيّها للوصول إلى تكامل عالم البشريّة.

  • الاولى: ظهور الإمام المهديّ أرواحنا فداه، حيث تطوي البشريّة طريقها إلى الكمال بسرعة.

  • الثانية: الرجعة- بوجود ظهورات و أنوار الائمّة عليهم السلام و رجوعهم إلى الدنيا- حيث ستصل إلى الفعليّة و التحقّق جميع مراحل القابليّات البشريّة التي لم تصل زمن أُولئك الأجلّاء إلى مرحلة الفعليّة.

  • الثالثة: القيامة التي توجب تكامل المرحلتين السابقتين و فقدان الإنيّات و طلوع صفة جلال الحضرة الكبريائيّة و اندكاك الهويات

    1. الآية 68، من السورة 39: الزمر.

معرفة المعاد ج٤

7
  • و الشخصيّات بظهور الحقيقة في العوالم.

  • و هذه المراحل الثلاث مترتّبة على بعضها، و ما لم تطوَ المرحلة الاولى فإنّ المرحلة الثانية لن تأتي، و ما لم تتحقّق الثانية فإنّ الثالثة لن تتحقّق بدورها.

  • و قد وردت في علامات الظهور و علامات الرجعة و القيامة أخبارٌ كثيرة دوّنها الأعلام في الكتب، و بالرغم من عدم وجود الاطمئنان من صحّتها جميعاً، و مع وجود أخبار ضعيفة كثيرة بينها، إلّا أنه يستفاد من مجموعها- إجمالًا- أنّ كلًّا من هذه المراحل الثلاث، من الظهور و الرجعة و القيامة، له مشخّصات و علامات و آثار مختصّة به، إضافةً إلى أنّ لبعضها سنداً صحيحاً، و أنّ ذلك البعض يمكن قبوله وفق القواعد الاصوليّة، سواء الروايات الصادرة عن الرسول الاكرم أو عن أئمّة أهل البيت سلام الله عليهم أجمعين.

  • حديث سلمان في علامات القيامة

  • فعليّ بن إبراهيم القمّيّ- مثلًا- الذي كان يعيش قبل أكثر من ألف سنة، و الذي له تفسير في غاية الإتقان و الاعتبار تدارسه العلماء الأعلام و رجعوا إليه طوال هذه المدّة المديدة، حيث يُعدّ من مصادر كتب الشيعة، ينقل عن سلمان الفارسيّ رواية عن رسول الله صلّى الله عليه و آله بينما كان صلوات الله عليه و آله واقفاً في المسجد الحرام خلال «حجّة الوداع» آخذاً بحلقة باب الكعبة.

  • و هذه الرواية على نحوٍ لا يطرأ معه أي احتمال للدسّ و الخدش في مضمونها، لأنها تذكر مطالب تتعلّق بآخر الزمان لم يكن لأيّ منها أثر في ذلك الزمان، حتّى أنّ الأرضيّة لم تكن موجودة و مهيّئة لحدوث مثل هذه الوقائع، ليمكن احتمال حصولها فيما بعد، و ليمكن- من ثَمَّ- جعل مثل هذا

معرفة المعاد ج٤

8
  • الحديث.

  • فعليه يمكن حصول الاعتماد و الاطمئنان بهذه الرواية و أمثالها في كتب الحديث و التفسير المتقنة، و عدّها من الروايات الدالّة على الظهور و علامات القيامة.

  • هذا و قد أورد هذه الرواية ذيل الآية التي تصدّرت البحث، و عدّها من شواهد أشراط الساعة، و الأشراط جمع الشرط بمعنى العلامة، و الرواية كالتالي:

  • يقول عليّ بن إبراهيم: حدّثني أبي (إبراهيم بن هاشم) عن سليمان ابن مسلم الخشّاب، عن عبد الله بن جريح المكّيّ، عن عطاء بن أبي رياح عن عبد الله بن عبّاس، قال:

  • حَججنا مَعَ رسول الله صلّى الله عليه و آله حجّةَ الوداع، فأخَذ بحلقةِ بابِ الكعبةِ ثمّ أقبلَ علينا بوجههِ، فقالَ:

  • أ لا اخْبِرُكُمْ بِأشْرَاطِ السَّاعَةِ؟ وَ كَانَ أدْنَى النَّاسِ يَوْمَئذٍ مِنهُ سَلْمَانُ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ.

  • فَقَالَ: بَلَى يا رَسُولَ اللهِ!

  • فَقَالَ صلّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ: إنَّ مِنْ أشْرَاطِ الْقِيَامَةِ، إضَاعَةَ الصَّلَاةِ وَ اتِّبَاعَ الشَّهَوَاتِ، وَ الْمَيْلَ مَعَ الأهْوَاءِ، و تَعْظِيمَ أصْحَابِ الْمَالِ، وَ بَيْعَ الدِّينِ بِالدُّنْيَا، فَعِنْدَهَا يَذُوبُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ في جَوْفِهِ كَمَا يُذَابُ الْمِلْحُ في الْمَاءِ، مِمَّا يرى مِنَ الْمُنْكَرِ فَلَا يَسْتَطِيعُ أنْ يُغَيرَهُ.

  • قَالَ سَلْمَانُ: وَ إنَّ هَذَا لَكَائِنٌ يا رَسُولَ اللهِ؟

  • قَالَ صلّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ: أي وَ الذي نَفْسِي بِيَدِهِ!

  • يا سَلْمَانُ! إنَّ عِنْدَهَا يَليهِمْ امَرَاءُ جَوَرَةٌ، وَ وُزَرَاءُ فَسَقَةٌ، وَ عُرَفَاءُ

معرفة المعاد ج٤

9
  • ظَلَمَةٌ، وَ امَنَاءُ خَوَنَةٌ.

  • فَقَالَ سَلْمَانُ: وَ إنَّ هَذَا لَكَائِنٌ يا رَسُولَ اللهِ؟

  • قَالَ صلّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ: أي وَ الذي نَفْسِي بِيَدِهِ!

  • يا سَلْمَانُ! إنَّ عِنْدَهَا يكُونُ الْمُنْكَرُ مَعْرُوفاً، وَ الْمَعْرُوفُ مُنْكَراً، وَ يؤْتَمَنُ الْخَائِنُ، وَ يخَوَّنُ الأمِينُ، وَ يُصَدَّقُ الْكَاذِبُ، وَ يكَذَّبُ الصَّادِقُ.

  • قَالَ سَلْمَانُ: وَ إنَّ هَذَا لَكَائِنٌ يا رَسُولَ اللهِ؟

  • قَالَ صلّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ: أي وَ الذي نَفْسِي بِيَدِهِ!

  • يا سَلْمَانُ! فَعِنْدَهَا إمَارَةُ النِّسَاءِ، وَ مُشَاوَرَةُ الإمَاءِ،1 وَ قُعُودُ الصِّبْيَانِ2 على الْمَنَابِرِ، وَ يَكُونُ الْكِذْبُ طُرَفاً، وَ الزَّكَاة مَغْرَماً، وَ الْفَيْءُ مَغْنَماً، وَ يَجْفُو الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ، وَ يَبِرُّ صَدِيقَهُ، وَ يَطْلُعُ الْكَوْكَبُ الْمُذَنَّبُ.

  • فَقَالَ سَلْمَانُ: وَ إنَّ هَذَا لَكَائِنٌ يَا رَسُولَ اللهِ؟

  • قَالَ صلّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ: أي وَ الذي نَفْسِي بِيَدِهِ!

  • يا سَلْمَانُ! وَ عِنْدَهَا تُشَارِكُ الْمَرْأةُ زَوْجَهَا في التِّجَارَةِ، وَ يَكُونُ الْمَطَرُ قَيْظاً، وَ يُغَيَّظُ الْكِرَامُ غَيْظاً، وَ يُحْتَقَرُ الرَّجُلُ الْمُعْسِرُ؛ فَعِنْدَهَا تُقَارِب الأسْوَاق،3 إذَا قَالَ هَذَا: لَمْ أبِعْ شَيئاً، وَ قَالَ هَذَا: لَمْ أرْبَحْ شَيئاً، فَلَا تَرَى إلَّا ذَامَّاً لِلَّهِ.

  • قَالَ سَلْمَانُ: وَ إنَّ هَذَا لَكَائِنٌ يَا رَسُولُ اللهِ؟

    1. اي تُشاور الإماء اللواتي في البيوت في الامور السياسيّة.
    2. كناية عن الأفراد الذين لا معرفة لهم و لا بصيرة، الذين يعتلون المنابر و يخطبون فالناس، و عن إمساك هؤلاء الأفراد ذوي الخبرة و المهارة القليلتين بزمام أُمور الإعلام العامّ.
    3. يقول« فالمنجد»: المقارب من المتاع: الرخيص. لذا يمكن أن يكون معناه اقتراب الأسواق من بعضها أو هبوط الأسعار.

معرفة المعاد ج٤

10
  • قَالَ صلّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ: أي وَ الذي نَفْسِي بِيَدِهِ!

  • يا سَلْمَانُ! فَعِنْدَهَا يَلِيهِمْ أقْوَامٌ إنْ تَكَلَّمُوا قَتَلُوهُمْ، وَ إنْ سَكَتُوا اسْتَبَاحُوا حَقَّهُمْ، لِيَسْتَأثِرُوا بِفيْئِهِمْ، وَ لِيَطَؤُنَّ حُرْمَتَهُمْ، وَ لِيَسْفِكُنَّ دِمَاءَهُمْ، وَ لِيَمْلَؤُنَّ قُلُوبَهُمْ دَغَلًا وَ رُعْباً، فَلَا تَرَاهُمْ إلَّا وَ جِلِينَ خَائِفِينَ مَرْعُوبِينَ مَرْهُوبِينَ.

  • قَالَ سَلْمَانُ: وَ إنَّ هَذَا لَكَائِنٌ يَا رَسُولَ اللهِ؟

  • قَالَ صلّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ: أي وَ الذي نَفْسِي بِيَدِهِ!

  • يا سَلْمَانُ! إنَّ عِنْدَهَا يُؤْتَى بِشَيءٍ مِنَ الْمَشْرِقِ وَ شَيءٍ مِنَ الْمَغْرِبِ، يَلُونَ امَّتِي، فَالْوَيْلُ لِضُعَفَاءِ امَّتِي مِنْهُمْ؛ وَ الْوَيْلُ لَهُمْ مِنَ اللهِ؛ لَا يَرْحَمُونَ صَغِيراً؛ وَ لَا يُوَقِّرُونَ كَبِيراً؛ وَ لَا يَتَجَاوَزُونَ عَنْ مُسِيءٍ، أخْبَارُهُمْ خَنَاءٌ، جُثَّتُهُمْ جُثَّةُ الآدَمِيّينَ، وَ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ.

  • قَالَ سَلْمَانْ: وَ إنَّ هَذَا لَكَائِنٌ يَا رَسُولَ اللهِ؟

  • قَالَ رَسُولُ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ: أي وَ الذي نَفْسِي بِيَدِهِ!

  • يا سَلْمَانُ! وَ عِنْدَهَا يَكْتَفي الرِّجَالُ بِالرِّجَالِ، وَ يُغَارُ على الْغِلْمَانِ كَمَا يُغَارُ على الْجَارِيةِ في بَيْتِ أهْلِهَا؛ وَ تَشَبُّهُ الرِّجَالُ بِالنِّسَاءِ وَ النِّسَاءُ بِالرِّجَالِ، وَ يَرْكَبْنَ ذَوَاتُ الْفُرُوجِ1 السُّرُوجَ، فَعَلَيْهِنَّ مِنْ امَّتِي لَعْنَةُ اللهِ!

  • قَالَ سَلْمَانُ: وَ إنَّ هَذَا لَكَائِنٌ يَا رَسُولُ اللهِ؟

  • قَالَ صلّى اللهُ عَلَيه وَ آلِهِ: أي وَ الذي نَفْسِي بِيَدِهِ!

  • يا سَلْمَانُ! إنَّ عِنْدَهَا تُزَخْرَفُ الْمَسَاجِدُ كَمَا تُزَخْرَفُ الْبِيَعُ وَ الكَنَائسُ؛ وَ تُحَلَّى الْمَصَاحِفُ؛ وَ تُطَوَّلُ الْمَنَارَاتُ؛ وَ تَكْثُرُ الصُّفُوفُ بِقُلُوبٍ مُتَبَاغِضَةٍ، وَ ألْسُنٍ مُخْتَلِفَةٍ.

    1. المراد به: النساء.

معرفة المعاد ج٤

11
  • فَقَال سَلْمَانُ: وَ إنَّ هَذَا لَكَائِنٌ يَا رَسُولَ اللهِ؟

  • قَالَ صلّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ: أي وَ الذي نَفْسِي بِيَدِهِ!

  • يَا سَلْمَانُ! وَ عِنْدَهَا تُحَلَّى ذُكُورُ امَّتِي بِالذَّهَبِ، وَ يَلْبَسُونَ الْحَرِيْرَ وَ الدِّيبَاجَ وَ يَتَّخِذُونَ جُلُودَ النَّمُورِ صَفَاقاً!

  • قَالَ سَلْمَانُ: وَ إنَّ هَذَا لَكَائِنٌ يَا رَسُولَ اللهِ؟

  • قَالَ رَسُولُ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ: أي وَ الذي نَفْسِي بِيَدِهِ!

  • يا سَلْمَانُ! وَ عِنْدَهَا يَظْهَرُ الرِّبَا؛ وَ يَتَعامَلُونَ بَالْغَيبَةِ1 وَ الرُّشَى؛ وَ يُوضَعُ الدِّينُ؛ وَ تُرْفَعُ الدُّنْيا.

  • قَالَ سَلْمَانُ: وَ إنَّ هَذَا لَكَائِنٌ يَا رَسُولَ اللهِ؟

  • قَالَ صلّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ: أي وَ الذي نَفْسِي بِيَدِهِ!

  • يا سَلْمَانُ! وَ عِنْدَهَا يكْثُرُ الطَّلَاقُ، فَلَا يقَامُ لله حَدٌّ، وَ لَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيئاً.

  • فَقَالَ سَلْمَانُ: وَ إنَّ هَذَا لَكَائِنٌ يَا رَسُولَ اللهِ؟

  • قَالَ صلّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ: أي وَ الذي نَفْسِي بِيَدِهِ!

  • يا سَلْمَانُ! وَ عِنْدَهَا تَظْهَرُ الْقَيْنَاتُ وَ الْمَعَازِفُ، وَ يَلْيِهِمْ أشْرَارُ امَّتِي.

  • قَالَ سَلْمَانُ: وَ إنَّ هَذَا لَكَائِنٌ يَا رَسُولَ اللهِ؟

  • قَالَ صلّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ: أي وَ الذي نَفْسِي بِيَدِهِ!

  • يا سَلْمَانُ! وَ عِنْدَهَا يَحَجُّ أغْنِياءُ امَّتِي لِلنُّزْهَةِ، وَ يَحَجُّ أوْسَاطُهَا

    1. ورد فحاشية« تفسير علي بن إبراهيم»: العينة بالكسر: السلف( ق)، إلّا أنها نوع خاصّ من السلف. و فكتاب الحديث باب يتعلّق به، و مع أنه من طرق تحاشي الربا، إلّا أنه قد ذُمّ فهذا الحديث الشريف باعتبار أنّ لصحّته شروطاً معينة إن لم تُراع صار ربا. و علي كلّ فالظاهر أنّ كلمة« الغيبة» خطأ و لا مناسبة لها مع الكلام.

معرفة المعاد ج٤

12
  • لِلتِّجَارَةِ، وَ يَحَجُّ فُقَرَاؤُهُمْ لِلرِّئَاءِ وَ السُّمْعَةِ؛ فَعِنْدَهَا يكُونُ أقْوَامٌ يَتَعَلَّمُونَ الْقُرْآنَ لِغَيْرِ اللهِ، وَ يَتَّخِذُونَهُ مَزَامِيرَ؛ وَ يَكُونُ أقْوَامٌ يَتَفَقَّهُونَ لِغَيْرِ اللهِ، وَ يَكْثُرُ أوْلَادُ الزِّنَاءِ وَ يَتَغَنَّونَ بِالْقُرآنِ؛ وَ يَتَهَافَتُونَ بِالدُّنْيَا.

  • قَالَ: سَلْمَانُ: وَ إنَّ هَذَا لَكَائِنٌ يَا رَسُولَ اللهِ؟

  • قَالَ صلّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ: أي وَ الذي نَفْسِي بِيَدِهِ!

  • يا سَلْمَانُ! ذَاكَ إذَا انْتُهِكَتِ الْمَحَارِمُ، وَ اكْتُسِبَت الْمَآثِمُ، وَ سُلِّطَ الأشْرَارُ على الأخْيَارِ، وَ يَفْشُوَ الْكِذْبُ، وَ تَظْهَرُ اللَّجَاجَةُ، وَ تَفْشُو الْفَاقَةُ، وَ يَتَبَاهَوْنَ في اللِبَاسِ، وَ يمْطَرُونِ في غَيرِ أوانِ الْمَطَرِ، وَ يَسْتَحْسِنُونَ الْكُوبَةَ1 وَ الْمَعَازِفَ وَ يُنْكِرُونَ الأمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَ النَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ حَتَّى يَكُونَ الْمُؤمِنُ في ذَلِكَ الزَّمَانِ أذَلَّ مَنْ في الأمَّةِ، وَ يُظْهِرُ قُرَّاؤُهُمْ وَ عُبَّادُهُمْ فيمَا بَيْنَهُمْ التَّلَاوُمَ؛ فَاولَئِكَ يُدْعَوْنَ في مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ: الأرْجَاسَ وَ الأنْجَاسَ.

  • قَالَ سَلْمَانُ: وَ إنَّ هَذَا لَكَائِنٌ يَا رَسُولَ اللهِ؟

  • قَالَ صلّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ: أي وَ الذي نَفْسِي بِيَدِهِ!

  • يا سَلْمَانُ! فَعِنْدَهَا لَا يَخْشَى الْغَنِيُّ إلَّا الْفَقْرَ حَتَّى أنَّ السَّائِلَ لَيَسْألُ فِيمَا بَينَ الْجُمْعَتَينِ، لَا يُصِيبُ أحَداً يَضَعُ في يَدِهِ شَيئاً.

  • قَالَ سَلْمَانُ: وَ إنَّ هَذَا لَكَائِنٌ يَا رَسُولَ اللهِ؟

  • قَالَ صلّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ: أي وَ الذي نَفْسِي بِيَدِهِ!

  • يا سَلْمَانُ! عِنْدَهَا يَتَكَلَّمُ الرُّوَيْبِضَةُ.

  • فَقَالَ: وَ مَا الرُّوَيْبِضَةُ يا رَسُولَ اللهِ فِدَاكَ أبِي وَ امّي؟

    1. ف-« لسان العرب»: الكُوبة: الشِّطْرنجة. و الكوبة: الطبل و النَّرد.( م)

معرفة المعاد ج٤

13
  • قال صلّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ: يَتَكَلَّمُ في أمْرِ الْعَامَّةِ مَنْ لَمْ يَكُنْ يَتَكَلَّمْ؛1 فَلَمْ يَلْبَثُوا إلَّا قَلَيلًا حَتَّى تَخُورُ الأرْضُ خَوْرَةً، فَلَا يَظُنُّ كُلُّ قَوْمٍ إلَّا أنهَا خَارَتْ في نَاحِيَتِهِمْ، فَيمْكُثُونَ مَا شَاءَ اللهُ ثُمَّ يُنْكَثُونَ في مَكْثِهِمْ، فَتُلْقِي لَهُمُ الأرْضُ أفْلَاذَ كَبِدِهَا.

  • قَالَ: ذَهَبٌ وَ فِضَّةٌ، ثُمَّ أوْمَأ بِيَدِهِ إلَى الأسَاطِينِ فَقَالَ: مِثْلُ هَذَا. فَيَوْمَئذٍ لا يَنْفَعُ ذَهَبٌ وَ لَا فِضَّةٌ، فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها.2

  • و قد ورد في بعض الآيات تعبير: وَ إِلَيْهِ تُقْلَبُونَ.3

  • أي أنّكم ستُقلبون للحضور في القيامة في ساحة الحضرة الإلهيّة؛ و باعتبار أنّ ذلك العالم عالم الصحو المحض و عالم الصدق و الواقعيّة، فيتّضح أنّ الناس يعيشون في هذه الدنيا- و هي عالم الاعتبار- على أساس الغفلة و النوم، و على أساس الكذب و الامور الاعتباريّة الموهومة، ليكون قلبها و عكسها صحواً و صدقاً و حقيقة.

  • نعوذ بالله من النفس الامّارة بالسوء التي تُلحق بالإنسان جميع المصائب و التعاسات. و حقّاً إذا وُكل الإنسان إلى نفسه فإنّه لن يقف في تمرّده و جموحه عند حدّ، و سينحدر متسارعاً في منحدر الشقاء و التعاسة، و لن يكون من علاجٍ له آنذاك إلّا جهنّم المستعرة.

  • لقد كان أمير المؤمنين عليه السلام يقود الامّة على محور العزّة و الشرف، فحارب الناكثين و القاسطين و المارقين وفقاً لما أخبره

    1. اي يمسك زمام الامور و يتكلّمف فالامور الاجتماعيّة و الأوضاع العامّة من لا حقّ له فإرشاد و هداية الناس و لا ولاية له عليهم.
    2. «تفسير على بن إبراهيم» ص 627 إلى 629؛ و نقله عنه فتفسير« الميزان» ج 5، ص 432 إلى 435.
    3. الآية 21، من السورة 29: العنكبوت.

معرفة المعاد ج٤

14
  • رسول الله صلّى الله عليه و آله، و كان أهل الكوفة يسبّبون له الأذى كثيراً و يتمرّدون عن طاعته، و يتقاعسون في تجهيز الجيش و في الحضور في ساحة القتال، و يقدّمون استراحتهم في بيوتهم مع أهليهم على الجهاد في سبيل الله، و كانوا يعترضون عليه بآلاف الاعتراضات و الانتقادات، كلّا وفق رأيه و ذوقه اللذين اختارهما و انتهجهما، و يُبرزون أنانيّتهم و شخصيّتهم مقابل أوامره عليه السلام، ممّا كان يرهق كاهل الإمام القائم بالحقّ و الحاكم بالعدل، المخلص للرعيّة و الداعي إلى الله و يُتعبه و يزهّده في الحياة.

  • مخالفة الأشعث بن قيس لأمير المؤمنين عليه السلام

  • يروي الثقفي في كتاب «الغارات» بسنده المتّصل عن أبي الودّاك أنّ عليّ بن أبي طالب عليه السلام لمّا فرغ من حرب الخوارج قام في النهروان خطيباً فحمد الله و أثنى عليه بما هو أهله، ثمّ قال:

  • أمَّا بَعْدُ، فانَّ اللهَ قَدْ أحْسَنَ بِكُمْ وَ أعَزَّ نَصْرَكُمْ فَتَوَجَّهُوا مِنْ فَوْرِكُمْ هَذَا إلَى عَدُوِّكُمْ مِنْ أهْلِ الشَّامِ.

  • فقاموا إليه، فقالوا:

  • يا أمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! نَفِدَتْ نِبَالُنَا، وَ كَلَّتْ سُيُوفُنَا، وَ نَصَلَتْ أسِنَّةُ رِمَاحِنَا وَ عادَ أكْثَرُهَا قَصْداً.

  • ارْجِعْ بِنَا إلَى مِصْرِنَا نَسْتَعِدُّ بِأحْسَنِ عُدَّتِنَا، وَ لَعَلَّ أمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يزِيدُ في عِدَّتِنَا عَدَدَ مَنْ هَلَكَ مِنَّا، فَإنَّهُ أقْوَى لَنَا على عَدُوِّنَا؛ وَ كَانَ الذي وَلِيَ كَلَامَ النَّاسِ يَوْمَئذٍ الأشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ.1

    1. «الغارات» ج 1، ص 23 إلى 25. و يقول فالهامش: ف-« شرح نهج البلاغة» لابن أبي الحديد بلفظ انصلتت، و لعلّها تصحيف من انتصلت. من قولهم: انتصل السهم، اي خرج نصله.

معرفة المعاد ج٤

15
  • أورده الطبريّ كذلك ضمن بيان وقائع سنة سبع و ثلاثين.

  • كما روى في «الغارات» بسنده عن المستظلّ بن حصين أنّ أمير المؤمنين عليه السلام قال في خطبة له:

  • يا أهْلَ الْكُوفَةِ! وَ اللهِ لَتَجِدُّنَّ في اللهِ، وَ لَتُقَاتِلُنَّ على طَاعَتِهِ، أوْ لَيَسُوسَنَّكُمْ قَوْمٌ أنْتُمْ أقْرَبُ إلَى الْحَقِّ مِنْهُمْ، فَلَيُعَذِّبَنَّكُمْ وَ لَيُعَذِّبَنْهُمُ اللهُ.1

  • اعتراض البعض على أمير المؤمنين في قبول التحكيم و خطبته في ...

  • و روى كذلك في «الغارات» بسنده المتّصل عن عمير العبيسي، قال: مَرَّ عَلِيٌّ عَلَيهِ السَّلَامُ على الشَّفَارِ مِنْ هَمْدَانِ، فَاسْتَقْبَلَهُ قَوْمٌ فَقَالُوا: أ قَتَلْتَ الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ جُرْمٍ، وَ دَاهَنْتَ في أمْرِ اللهِ، وَ طَلَبْتَ الْمُلْكَ وَ حَكَّمْتَ الرِّجَالَ في دِينِ اللهِ؟! لَا حُكْمَ إلَّا لله.

  • فَقَالَ عَلِيٌّ عَلَيْه السَّلَامُ: حُكْمُ اللهِ في رِقَابِكُمْ، مَا يَحْبِسُ أشْقَاهَا أنْ يَخْضِبَهَا مِنْ فَوْقِهَا بِدَمٍ؛ إنِّي مَيِّتٌ أوْ مَقْتُولٌ بَلْ قَتْلًا، ثُمَّ جَاءَ حَتَّى دَخَلَ الْقَصْرَ.2

  • و جاء في «نهج البلاغة» أنّ شخصاً من أصحاب الإمام قام فقال:

  • نَهَيْتَنَا عَنِ الْحُكُومَةِ ثُمَّ أمَرْتَنَا بِهَا! فَمَا نَدْرِي أي الأمْرَيْنِ أرْشَدُ؟ فَصَفَّقَ عَلَيهِ السَّلَامُ إحْدَى يَدَيْهِ على الأخرى وَ قَالَ:

  • هَذَا جَزَاءُ مَنْ تَرَكَ الْعُقْدَةَ.3

    1. «الغارات» ج 1، ص 23؛ و ذكره المجلسي ف-« بحار الأنوار» الطبعة الكمباني، ج 8، ص 679، فالفتن.
    2. «الغارات» ج 1، ص 30؛ و أورده المجلسي ف-« بحار الأنوار» الطبعة الكمباني، ج 8، ص 678.
    3. أي أنّ قولك هذا جزاء من ترك الرأي الوثيق و العزم في قتال معاوية بواسطة قول جهلة قومه. ثمّ أوضح عليه السلام له أنّ الرجوع عن العزم على القتال و الأخذ بقول الجهلة إنّما يستند إلى قصور فهم الناس و إدراكهم الذين أصرّوا على هذا الأمر، و إلّا فإنّ النهج المنزّه عن الخطأ لذلك الإمام الهُمام و توقّعاته المنطقية لم تتزلزل أو تتزعزع.

معرفة المعاد ج٤

16
  • أما وَ اللهِ إنِّي لَوْ حِينَ أمَرْتُكُمْ بِمَا أمَرتُكُمْ بِهِ حَمَلْتُكُمْ على الْمَكْرُوهِ الذي يَجْعَل اللهُ فِيهِ خَيْراً؛ فَإن اسْتَقَمْتُمْ هَدَيْتُكُمْ، وَ إنْ اعْوَجَجْتُمْ قَوَّمْتُكُمْ وَ إنْ أبَيْتُمْ تَدَارَكْتُكُمْ، لَكَانَتْ الْوُثْقَى، وَ لَكِنْ بِمَنْ وَ إلَى مَنْ؟

  • ارِيدُ أنْ ادَاوِي بِكُمْ وَ أنْتُمْ دَائِي؛ كَنَاقِشِ الشَّوْكَةِ بِالشَّوْكَةِ وَ هُوَ يَعْلَمُ أنَّ ضلْعَهَا مَعَهَا.1

  • اللَهُمَّ قَدْ مَلَّتْ أطِبَّاءُ هَذَا الدَّاءِ الدَّوِيِّ، وَ كَلَّتْ النَّزَعَةُ بِأشْطَانِ الرَّكِيّ.2

  • لقد رفع معاوية المصاحف على رؤوس الرماح حيلةً و مكراً، و عدّ نفسه تابعاً للقرآن، و حكّم كتاب الله، و أناط أمر الحرب إلى التحكيم، فقام أمير المؤمنين بتحذير الناس تكراراً بخطبه و كلامه من نوايا معاوية السيّئة، و أخبرهم أنّ الأمر لا يعدو كونه خدعة ليس إلّا، و أنّ اولئكم يريدون إيقاف الحرب باسم القرآن فراراً من الهزيمة الحتميّة أوّلًا، و لإيجاد إشكال و خدش- عمليّاً- في حكومة أمير المؤمنين عليه السلام من خلال إرجاع الأمر إلى التحكيم ثانياً. و على كلّ تقدير فإنّهم كانوا يريدون استغلال الفرصة على نحوٍ سيّئ لصالحهم.

  • و من هنا فقد كان أمير المؤمنين عليه السلام ينهى الناس بشدّة عن قبول التحكيم و عن الخضوع له، و لكنّ الضجّة التي قام بها الناس مطالبين بالتحكيم، و الفتنة و التفرقة التي حصلت في جيش الإمام (حيث أحاط به

    1. اي كيف يمكنني معالجة ألمي بكم حين يكون ألمي منكم؟ و كيف يمكنني إقامة بعضكم و إصلاحه ببعضكم الآخر الشبيه له فالنزعة؟
    2. الخطبة 119 من« نهج البلاغة» محمّد عبده، مصر، ص 233 و 234.

معرفة المعاد ج٤

17
  • القوم بعشرة آلاف سيف مُشهر و هدّدوه أن يقطّعوه إرباً إرباً إن امتنع عن قبول التحكيم) جعلت الإمام لا يجد مناصاً و مفرّاً من قبول التحكيم، و إلّا خالفه جميع جيشه و عسكره و لانتهى الأمر لصالح معاوية بشكل حتميّ.

  • لذا فقد قبل عليه السلام بالتحكيم. ثمّ مكر الحكمان و احتالا فخدع عمرو بن العاص أبا موسى الأشعريّ و انتهى أمرهما إلى الانحراف، فصمّم الإمام على مواصلة حرب صفين ليُنهي أمر معاوية الماكر الخدّاع و يحسمه إلى الأبد.

  • إلّا أنّ طائفة الخوارج خرجوا على الإمام و كفّروه لقبوله التحكيم، فتصدّى عليه السلام لإخماد هذه الفتنة الداخليّة و أفهم الخوارج بصواب عمله، فتاب غالبيتهم و اعتذروا عمّا فعلوا، أمّا الباقون فلجّوا في غيّهم و عنادهم و تمرّدهم، و قاموا بالإغارة على أموال المسلمين، و انهمكوا بإثارة الفتنة، فقُتلوا في حرب النهروان و تبدّدوا و استؤصلت هذه الفتنة الخطيرة من جذورها.

  • و كان الإمام في صدد إعداد جيش مجهّز لمهاجمة أهل الشام و معاوية عليه الهاوية، حين غاله السيف الآثم لابن ملجم المراديّ فقضى عليه شهيداً.

  • يروي في «الغارات» بسنده المتّصل عن أبي عَوْن الثَّقَفي بنِ عُبيد اللهِ قَالَ: جَاءَتْ امْرَأةٌ مِنْ بَنِي عَبسَ وَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلَامُ على الْمِنْبَرِ.

  • فَقَالَت: يا أمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! ثَلَاثٌ بَلْبَلْنَ الْقُلوُبَ.

  • قَالَ: وَ مَا هُنَّ؟

  • قَالَتْ: رِضَاكَ بِالْقَضِيَّةِ، و أخْذُكَ بِالدَّنِيَّةِ، وَ جَزَعُكَ عِنْدَ الْبَلِيَّةِ.

  • قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: وَيْحَكِ! إنَّمَا أنْتِ امْرَأةٌ. انْطَلِقِي فَاجْلِسِي على

معرفة المعاد ج٤

18
  • ذَيْلِكِ.

  • قَالَتْ: لَا وَ اللهِ؛ مَا مِنْ جُلُوسٍ إلَّا في ظِلَالِ السُّيُوفِ.1

  • خطبة أمير المؤمنين عليه السلام في حثّ الناس على الجهاد

  • و يروي في «الغارات» بسنده المتّصل عن زيد بن وهب أنّ أمير المؤمنين عليه السلام قال في أوّل خطبة له بعد فراغه من النهروان و أمر الخوارج، فقال:

  • يَا أيُّهَا النَّاسُ! اسْتَعِدُّوا إلَى عَدُوٍّ في جِهَادِهِمْ الْقُرْبَةُ مِنَ اللهِ وَ طَلَبُ الْوَسِيلَةِ.

  • إن أعداءكم خالو الوفاض من الحقّ يعيشون حيارى تائهين، لا بصيرة لهم في الحقّ أبداً تعشوا أعينهم عن مشاهدته، أنِسُوا بالظلم و الجور فخالط قلوبهم فهم عنه لا يعدلون. بعيدون عن كتاب الله جاهلون به، تنكّبوا عن الصراط الأقوم و انشغلوا بالغيّ و الانحراف، و رسخوا في وادى الطغيان و التمرّد و الاعتداء فهم فيه مغمورون، و ابتلوا بجهلهم و عماهم فهم في مستنقع الضلال و غمرات الغيّ، فأعدّوا لهم ما استطعتم من قوّة و من رباط الخيل، و توكّلوا على الله فإنّه يكفي من توكّل عليه و استنصره و استعانه.

  • قال: فلم ينفروا بهذه الخطبة و لم ينشروا و لم يبرحوا بيوتهم و منازلهم، فتركهم الإمام أيّاماً حتّى أيس من أن يفعلوا، فدعا رؤساءهم و وجهاءهم فسألهم عن رأيهم و ما الذي ثبّطهم، فمنهم المعتلّ و منهم المُنكِر

    1. «الغارات» ج 1، ص 38 و 39. و يقول فالهامش: و قد نقل هذا الحديث المجلسي فالمجلّد الثامن من« بحار الأنوار» باب ما جري من الفتن، ص 679، سطر 14 و نقله ابن أبي الحديد ف-« شرح نهج البلاغة» و لم ينسبه و ذلك بهذه العبارة: روي الحافظ أبو نعيم قال: حدّثنا أبو عاصم الثقفي- قال: جاءت امرأة ... إلى آخر الحديث.( يراجع« شرح نهج البلاغة» ج 1، ص 179، السطر 31).

معرفة المعاد ج٤

19
  • و أقلّهم النشيط، فقام عليه السلام فيهم ثانيةً، فقال:

  • عِبَادَ اللهِ! مَا لَكُمْ إذَا أمَرتُكُمْ أنْ تَنْفِرُوا اثَّاقَلْتُمْ إلَى الأرْضِ، أ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ ثَوَاباً؟ وَ بِالذُّلِّ وَ الْهَوَانِ مِنَ الْعِزِّ خَلَفاً؟

  • أو كُلَّمَا نَادَيْتُكُمْ إلَى الْجِهَادِ دَارَتْ أعْيُنُكُمْ كَأنَّكُمْ مِنَ الْمَوْتِ في سَكْرَةٍ، يَرْتَجُّ فَتَبْكُمُونَ؛ فَكَأنَّ قُلُوبَكُمْ مَألُوسَةٌ1 فَأنْتُمْ لَا تَعْقِلُونَ؛ وَ كَأنَّ أبْصَارَكُمْ كُمْهٌ فَأنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ!

  • لِلَّهِ أنْتُمْ!2 مَا أنْتُمْ إلَّا اسُودُ الشَّرَى في الدَّعَةِ، وَ ثَعَالِبُ رَوَّاغَةٌ حِينَ تُدْعَوْنَ. مَا أنْتُمْ بِرُكْنٍ يُصَال بِهِ، وَ لَا ذَوَافِر عِزٍّ يعْتَصَمُ إلَيْهَا. لَعَمْرُ اللهِ لَبِئْسَ حُشَاشُ نَارِ الْحَرْبِ أنْتُمْ. إنَّكُمْ تُكَادُونَ وَ لَا تَكِيدُونَ، وَ تَنْتَقِصُ أطْرَافُكُمُ وَ لَا تَتَحَاشُونَ، وَ لَا يُنَامُ عَنْكُمْ وَ أنْتُمْ في غَفْلَةٍ سَاهُونَ.

  • إن أخَا الْحَرْبِ الْيَقْظَانُ، أوْدَى مَنْ غَفَلَ، وَ يَأتِي الذُّلُّ مِنْ وَادِعٍ؛ غُلِبَ الْمُتَخَاذِلُونَ، وَ الْمَغْلُوبُ مَقْهُورٌ وَ مَسْلُوبٌ.3 و4

  • و قد أورد السيد الرضي رحمة الله عليه هذه الخطبة في «نهج البلاغة» إلّا أنه أبدل جملة «مَا أنْتُمْ إلّا اسُودُ الشَّرَى في الدَّعَةِ» بجملة: «مَا أنْتُمْ إلّا كَإبِلٍ ضَلَّ رُعَاتُهَا، فَكُلَّمَا جُمِعَتْ مِنْ جَانِبٍ انْتَشَرَتْ مِنْ آخَرَ»، كما أضاف هذه الجملات:

  • وَ أيمُ اللهِ؛ إنِّي لأظُنُّ بِكُمْ أنْ لَوْ حَمِي الْوَغَى وَ اسْتَحَرَّ الْمَوْتُ قَدِ

    1. ألِسَ فلان ألساً: اختلط عقله. فهو مألوس.( م)
    2. على وجه الاستهزاء و التهكّم، شبيه ب-« للّه درّكم». اي أنكم من فرط جودتكم فأنتم للّه.
    3. اي أنّ عدوّه سيقهره و يسطو به، و أنّ نفسه و ماله و عرضه ستكون فمعرض الاعتداء.
    4. «الغارات» ج 1، ص 33 إلى 37.

معرفة المعاد ج٤

20
  • انْفَرَجْتُمْ عَنْ ابْنِ أبِي طَالِبٍ انْفِرَاجَ الرَّأسِ؛1 وَ اللهِ إنَّ امْرِءاً يُمَكِّنُ عَدُوَّهُ مِنْ نَفْسِهِ، يُعْرِقُ لَحْمَهُ وَ يَهْشِمُ عَظْمَهُ، وَ يَفْرِي جِلْدَهُ، لَعَظِيمٌ عَجْزُهُ، ضَعِيفٌ مَا ضَمَّتْ عَلَيْهِ جَوَانِحُ صَدْرِهِ2 أنْتَ، فكن ذَاكَ إنْ شِئْتَ،3 فَأمَّا أنَا فَوَ اللهِ دُونَ أنْ اعْطِي ذَلِكَ ضَرْبٌ بِالْمَشْرَفِيَّةِ تَطِيرُ مِنْهُ فَرَاشُ الْهَامِ، وَ تَطِيحُ السَّوَاعِدُ وَ الأقْدَامُ، وَ يَفْعَلُ اللهُ بَعْدَ ذَلِكَ مَا يشَاءُ.4 و5

  • أمَّا بَعْدُ؛ فَإنَّ لِي عَلَيْكُمْ حَقّاً وَ لَكُمْ عَلَيَّ حَقٌّ، فَأمَّا حَقِّي عَلَيْكُمْ فَالوَفَاءُ بِالبيعَةِ وَ النُّصحُ لِي في المَشْهَدِ وَ المَغِيبِ، و الإجَابَةُ حِينَ أدعُوكُمْ وَ الطاعةُ حينَ آمركُم، وَ إنَّ حَقَّكُمْ عَلَيَّ النصيحةُ لَكُم مَا صَحبْتُكُمْ،

    1. فلا تلتئمون و لا تجتمعون كالرأس الذي يعزل عن البدن فلا يلتحق به ثانية، أو كما ينفلق الرأس فلقتين فلا يلتئم.
    2. كناية عن القلب.
    3. جاء في« الإرشاد» للمفيد، ص 87 أنّ أمير المؤمنين لمّا وصل في خطبته إلى قوله:« قد انفرجتم عن ابن أبي طالب» قام إليه الأشعث بن قيس فقال: فهلّا فعلتَ كما فعلَ ابن عفّان؟! فقال عليه السلام: يا عرف النار! ويلك، إنّ فعل ابن عفّان لمخزاة على من لا دين له و لا حجّة معه، فكيف و أنا على بينة من ربّي، و الحقّ في يدي. ثمّ قال: أنت فكن ذاك إن شئت، أمّا أنا ... الحديث. و جاء في« الغارات» ج 2، ص 495:« أنت فكن ذات إن شئت و أمّا أنا ... الحديث» في جواب الأشعث بن قيس. و يقول في الهامش: قال ابن أبي الحديد في« شرح النهج» ج 1، ص 178، السطر 21: فأمّا قوله عليه السلام« أنت فكن ذاك» فإنّه إنّما خاطب بذلك الأشعث بن قيس، فإنّه إنّما خاطب من يمكن عدوّه من نفسه كائناً من كان غير معين و لا مخصّص.
    4. «نهج البلاغة» الخطبة 34، طبعة محمّد عبده، مصر، ص 82 إلى 84.
    5. أورد الطبري في تأريخه أغلب فقرات هذه الخطبة ضمن بيان وقائع سنة سبع و ثلاثين، المجلّد الخامس، ص 90، الطبعة الثانية، تحقيق محمّد أبي الفضل إبراهيم؛ و المفيد فمجالسه، ضمن المجلس 18، طبعة النجف، ص 87؛ كما أوردها ابن أبي الحديد ف-« شرح نهج البلاغة» ج 2، ص 179 ضمن شرح هذه الخطبة.

معرفة المعاد ج٤

21
  • و التَّوفيرُ عَلَيْكُمْ، وَ تَعليمُكُمْ كَيلَا تَجْهَلوا، وَ تَأدِيبُكُمْ كَي تَعْلَمُوا، فَإنْ يُرِدِ اللهُ بِكُمْ خَيراً تَنْزَعُوا عَمَّا أكْرَهُ وَ تَرْجعُوا إلَى مَا احِبُّ، تَنَالُونَ مَا تُحِبُّونَ وَ تُدْرِكُونَ مَا تَأملونَ.1

  • شكوى أمير المؤمنين من أصحابه

  • كما جاء في «نهج البلاغة» أنه عليه السلام قال في ذمّ أصحابه:

  • كَمْ ادَارِيكُمْ كَمَا تُدَارَى الْبِكَارُ الْعَمِدَةٌ2 وَ الثِّيَابُ الْمُتَدَعِيةُ، كُلَّمَا حِيصَتْ مِنْ جَانِبٍ تَهَتَّكَتْ مِنْ آخَرَ.

  • أ كُلَّمَا أطَلَّ عَلَيْكُمْ مَنْسِرٌ3 مِنْ مَنَاسِرِ أهْلِ الشَّامِ أغْلَقَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بَابَهُ وَ انْجَحَرَ انْجِحَارَ الضَّبَّةِ في جُحْرِهَا وَ الضَّبُعِ في وِجَارِهَا.

  • الذَّلِيلُ وَ اللهِ مَنْ نَصَرْتُمُوهُ، وَ مَنْ رُمِي بِكُمْ فَقَدْ رُمِيَ بِأفْوَقَ نَاصِلٍ4 وَ إنَّكُمْ وَ اللهِ لَكَثِيرٌ في الْبَاحَاتِ5 قَلِيلٌ تَحْتَ الرَّاياتِ. [باعتباركم من أهل الانس و نشدان اللذّات] وَ إنِّي لَعَالِمٌ بِمَا يُصْلِحُكُمْ وَ يُقِيمُ أوْدَكُمْ، وَ لَكِنّي لَا أرَى إصْلَاحَكُمْ بِإفْسَادِ نَفْسِي. أضْرَعَ اللهُ خُدُودَكُمْ، وَ أتْعَسَ جُدُودَكُمْ،6 لَا تَعْرِفُونَ الْحَقَّ كَمَعْرِفَتِكُمُ الْبَاطِلَ، وَ لَا تُبْطِلُونَ الْبَاطِلَ كَإبْطَالِكُمُ الْحَقَّ.7 كما جاء في «نهج البلاغة»:

    1. «شرح نهج البلاغة» لابن أبي الحديد، ج 2، ص 179 ضمن شرح هذه الخطبة.
    2. البِكار جمع بكر، و هي الإبل الفتية، و العمدة: التي قد انشدخت أسنمتُها من داخل لكثرة ركوبها، بينما ظاهرها صحيح.( م)
    3. المنسر: القطعة من الجيش.( م)
    4. الأفوق: المكسور الفوق، و هو موضع الوتر من السهم؛ و الناصل المنزوع النصل.( م)
    5. الباحات جمع باحة و هي ساحة الدار.( م)
    6. أضرع الله خدودكم: أذلّ وجوهكم؛ و أتعس جدودكم اي أحال حظوظكم و أهلكها.( م)
    7. «نهج البلاغة» الخطبة 67، طبعة عبده، مصر، ص 17 و 18.

معرفة المعاد ج٤

22
  • أمَّا بَعْدُ؛ فَإنَّ الْجِهَادَ بَابٌ مِنْ أبْوَابِ الْجَنَّةِ فَتَحَهُ اللهُ لِخَاصَّةِ أوْلِيائِهِ، وَ هُوَ لِبَاسُ التَّقْوَى وَ دِرْعُ اللهِ الْحَصِينَةُ وَ جُنَّتُهُ الْوَثِيقَةُ. فَمَنْ تَرَكَهُ رَغْبَةً عَنْهُ ألْبَسَهُ اللهُ ثَوْبَ الذُّلِّ وَ شَمْلَةَ الْبَلَاءِ، وَ دُيِّثَ بِالصَّغَارِ وَ القَمَاءَةِ،1 و ضُرِبَ على قَلْبِهِ بِالإسْهَابِ،2 وَ ادِيلَ الْحَقُّ مِنْهُ بِتَضْيِيعِ الْجِهَادِ، وَ سِيمَ الْخَسْفَ وَ مُنِعَ النَّصَفَ.

  • ألَا وَ إنِّي قَدْ دَعَوْتُكُمْ إلَى قِتَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَيْلًا وَ نَهاراً وَ سرّاً وَ إعْلَاناً، وَ قُلْتُ لَكُم اغْزُوهُمْ قَبْلَ أنْ يَغْزُوكُمْ، فَوَ اللهِ مَا غُزِيَ قَوْمٌ في عُقْرِ دَارِهِمْ إلَّا ذَلُّوا. فَتَواكَلْتُمْ وَ تَخَاذَلْتُمْ حَتَّى شُنَّتْ عَلَيْكُمْ الْغَارَاتُ وَ مُلِكَتْ عَلَيْكُمُ الأوطَانُ. وَ هَذَا أخُو غَامِدٍ وَ قَدْ وَرَدَتْ خَيْلُهُ الأنْبَارَ، وَ قَدْ قَتَلَ حَسَّانَ بْنَ حَسَّانَ الْبَكْرِي وَ أزَالَ خَيْلَكُمْ عَنْ مَسَالِحِهَا.

  • وَ لَقَدْ بَلَغَنِي أنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ كَانَ يَدْخُلُ على الْمَرْأةِ الْمُسْلِمَةِ وَ الاخْرَى الْمَعَاهِدَةِ3 فَيَنْتَزِعُ حُجُلَهَا وَ قُلُبَهَا وَ قَلَائِدَهَا وَ رُعُثَهَا، مَا تَمْتَنِعُ مِنْهُ إلَّا بِالاسْتِرْجَاعِ وَ الإسْتِرْحَامِ، ثُمَّ انْصَرَفُوا وَافِرِينَ، مَا نَالَ رَجُلًا مِنْهُمْ كَلْمٌ وَ لَا ارِيقَ لَهُمْ دَمٌ. فَلَوْ أنَّ امْرِءاً مُسْلِماً مَاتَ مِنْ بَعْدِ هَذَا أسَفاً مَا كَانَ بِهِ مَلُوماً بَلْ كَانَ بِهِ عِنْدِي جَدِيراً.

  • فَيَا عَجَباً وَ اللهِ يُمِيتُ الْقَلْبَ وَ يَجْلِبُ الْهَمَّ اجْتِمَاعُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ على بَاطِلِهِمْ وَ تَفَرُّقِكُمْ عَنْ حَقِّكُمْ، فَقُبْحَاً لَكُمْ وَ تَرَحاً حِينَ صِرْتُمْ غَرَضاً يُرْمَى، يُغَارُ عَلَيْكُمْ وَ لَا تُغِيرُونَ، وَ تُغْزَونَ وَ لَا تَغْزُونَ، وَ يُعْصَى اللهَ وَ تَرْضَوْنَ.

    1. ديث اي ذُلّل، و منه الديوث الذي لا غيرة له؛ و الصغار: الذلّ؛ القماءة من قمؤ الرجل قماء و قماءة أي صار قمياء و هو الصغير الذليل.( م)
    2. الأسهاب: ذهاب العقل، و هو لفظ« شرح النهج»، أمّا ف-« نهج البلاغة» طبعة محمّد عبده فقد ورد بلفظ الأسداد اي الحُجب.( م)
    3. المعاهدة: الذميّة.

معرفة المعاد ج٤

23
  • فَإذا أمَرْتُكُمْ بِالسَّيْرِ إلَيْهِمْ في أيَّامِ الْحَرِّ قُلْتُمْ هَذِهِ حَمَّارَةُ الْقَيْظِ. أمْهِلْنَا يُسَبَّخ1 عَنَّا الْحَرُّ. وَ إذَا أمَرْتُكُمْ بِالسَّيْرِ إلَيْهِمْ في الشِّتَاءِ قُلْتُمْ هَذِهِ صَبَّارَةُ2 القُرِّ. أمْهِلْنَا يَنْسَلِخُ عَنَّا الْبَرْدُ؛ كُلُّ هَذَا فِرَاراً مِنَ الْحَرِّ وَ القُرِّ. فَإذَا كُنْتُمْ مِنَ الْحَرِّ وَ الْقُرِّ تَفِرُّونَ فَأنْتُمْ وَ اللهِ مِنَ السَّيْفِ أفَرُّ.

  • يَا أشْبَاهَ الرِّجَالِ وَ لَا رِجَالَ، حُلُومُ الأطْفَالِ، وَ عُقُولُ رَبَّاتِ الْحِجَالِ!3

  • لَوَدِدْتُ أني لَمْ أرَكُمْ وَ لَمْ أعْرِفْكُمْ؛ مَعْرِفَةٌ وَ اللهِ جَرَّتْ نَدَماً وَ أعْقَبَتْ سَدَماً.

  • قَاتَلَكُمُ اللهُ! لَقَدْ مَلَاتُمْ قَلْبِي قَيْحاً، وَ شَحَنْتُمْ صَدْرِي غَيْظاً، وَ جَرَّعْتُمُونِي نُغَبَ التَّهْمَامِ أنْفَاساً،4 وَ أفْسَدْتُمْ عَلَيَّ رَأيي بِالْعِصْيَانِ وَ الْخِذْلَانِ، حَتَّى قَالَتْ قُرَيشٌ إنَّ ابْنَ أبِي طَالِبٍ رَجُلٌ شُجَاعٌ وَ لَكِنْ لَا عِلْمَ لَهُ بِالْحَرْبِ. لله أبُوهُمْ! وَ هَلْ أحَدٌ مِنْهُمْ أشَدُّ لَهَا مَرَاساً وَ أقْدَمُ فِيهَا مَقَاماً مِنِّي؟ لَقَدْ نَهَضْتُ فيهَا وَ مَا بَلَغْتُ الْعِشْرِينَ وَ هَا أنَا ذَا قَدْ ذَرَّفْتُ على السِّتِينَ، وَ لَكِنْ لَا رَأي لِمَنْ لَا يُطَاعُ.5

  • شكواه عليه السلام من أصحابه

  • كما جاء في «نهج البلاغة» أنّه عليه السلام قال في مقام الشكوى من أصحابه:

    1. يسبخ عنّا الحرّ: اي يخفّ.( م)
    2. صبّارة القرّ: شدّة البرد.( م)
    3. ربّات الحجال: النساء؛ و الحجال جمع حجلة و هي بيت يزين بالستور و الثياب.( م)
    4. النغب جمع النغبة و هي الجُرعة. و التَهام بفتح التاء: الهمّ؛ و أنفاساً: اي جُرعة بعد جُرعة.( م)
    5. «نهج البلاغة» الخطبة 27، طبعة محمّد عبده- مصر، ص 67 إلى 70.

معرفة المعاد ج٤

24
  • أيُّهَا النَّاسُ الْمُجْتَمِعَةُ أبْدَانُهُمْ، الْمُخْتَلِفَةُ أهْوَاؤُهُمْ، كَلَامُكُمْ يُوهِي الصُّمَّ الصِّلَابَ، وَ فِعْلُكُمْ يُطْمِعُ فِيكُمُ الأعْدَاءَ. تَقُولُونَ في الْمَجَالِسِ كَيْتَ وَ كَيْتَ، فَإذَا جَاءَ الْقِتَالُ قُلْتُمْ حِيدِي حِيَادِ.1

  • مَا عَزَّتْ دَعْوَةُ مَنْ دَعَاكُمْ، وَ لَا اسْتَرَاحَ قَلْبُ مَنْ قَاسَاكُمْ، أعَالِيلُ بِأضَالِيلَ،2 دِفَاعِ ذي الدَّينِ الْمَطُولِ،3 لَا يَمْنَعُ الضَّيْمَ الذَّلِيلُ، وَ لَا يُدْرِكُ الْحَقُّ إلَّا بِالْجِدِّ.

  • أي دَارٍ بَعْدَ دَارِكُمْ تَمْنَعُونَ! وَ مَعَ أي إمَامٍ بَعْدِي تُقَاتِلُونَ؟!

  • الْمَغْرُورُ وَ اللهِ مَنْ غَرَرْتُمُوهُ، وَ مَنْ فَازَ بِكُمْ فَقَدْ فَازَ وَ اللهِ بِالسَّهْمِ الأخْيَبِ، وَ مَنْ رَمَى بِكُمْ فَقَدْ رَمَى بِأفْوَقَ نَاصِلٍ.

  • أصْبَحْتُ وَ اللهِ لَا اصَدِّقُ قَوْلَكُمْ، وَ لَا أطْمَعُ في نَصْرِكُمْ، وَ لَا اوعِدُ الْعَدُوَّ بِكُمْ. مَا بَالُكُمْ؟ مَا دَوَاؤُكُمْ؟ مَا طِبُّكُمْ؟ الْقَوْمُ رِجَالٌ أمْثَالُكُمْ أ قَوْلًا بِغَيْرِ عَمَلٍ، وَ غَفْلَةً مِنْ غَيْرِ وَرَعٍ، وَ طَمَعاً في غَيْرِ حَقٍّ؟4

  • و يقول في خطبة اخرى:

  • وَ لَقَدْ أصْبَحَتِ الأمَمُ تَخَافُ ظُلْمَ رُعَاتِهَا وَ أصْبَحْتُ أخَافُ ظُلْمَ رَعِيَّتِي.

  • إلى أن يقول:

  • أيُّهَا الشَّاهِدَةُ أبْدَانُهُمْ، الْغَائِبَةُ عُقُولُهُمْ، الْمُخْتَلِفَةُ أهْوَاؤُهُمْ، الْمُبْتَلَى بِهِمْ أمَرَاؤُهمْ، صَاحِبُكُمْ يُطِيعُ اللهَ وَ أنْتُمْ تَعْصُونَهُ، وَ صَاحِبُ أهْلِ الشَّامِ

    1. حيدي حياد كلمة يقولها الهارب الفارّ، من حاد عن الشيء اي انحرف.( م)
    2. اي يتعلّلون بالأضاليل التي لا جدوي لها.( م)
    3. المطل فالدين: تأخيره و دفعه كرّةً بعد أُخري.( م)
    4. «نهج البلاغة» الخطبة 29، طبعة محمّد عبده- مصر، ص 73 إلى 75.

معرفة المعاد ج٤

25
  • يَعْصِي اللهَ وَ هُمْ يُطِيعُونَهُ.

  • لَودَدْتُ وَ اللهِ أنَّ مُعَاوِيةَ صَارَفَنِي بِكُمْ صَرْفَ الدِّينَارِ بِالدِّرْهَمِ، فَأخَذَ مِنِّي عَشْرَةً مِنْكُمْ وَ أعْطَانِي رَجُلًا مِنْهُمْ.1

  • و لقد كان أمير المؤمنين يسعى بهذه الخطب و الكلمات البليغة العميقة إلى التحدّث مع أرواحهم، و إلى إحياء إحساسهم الباطنيّ و وجدانهم، و إلى إفهامهم حقيقة الأمر بطرق مختلفة، بهذه اللطائف من الإشارات و الكنايات و الاستعارات.

  • و قد أورد عليه السلام في خطبة له في بداية حرب صفّين حين منع معاويةُ جيشَ الإمام من الماء:

  • فَالْمَوْتُ في حَيَاتِكُمْ مَقْهُورِينَ، وَ الْحَيَاةُ في مَوْتِكُمْ قَاهِرِينَ.2

  • و هو في الحقيقة عالمٌ من دروس الأدب و الأخلاق و العزّة و الشرف لو دُوّنت في شرحه و تفسيره الكتب لكان ذلك جديراً.

  • و لقد أتعبوا و أبرموا الإمام عليه السلام بتساهلهم و تقاعسهم، بحيث كان ينتظر الموت و يترقّبه حقّاً، حتّى إذا هوت ضربة ابن ملجم المراديّ على يافوخه،3 نادى: فُزْتُ وَ رَبِّ الْكَعْبَةِ!

  • و كان يضع من تراب المحراب على رأسه و يقول:

  • مِنْها خَلَقْناكُمْ وَ فِيها نُعِيدُكُمْ وَ مِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى.4

    1. «نهج البلاغة» الخطبة 95، طبعة محمّد عبده- مصر، ص 187 و 188.
    2. الخطبة 51، ص 100.
    3. اليافوخ ملتقي عظم مقدّم الرأس و مؤخّره؛ و يستفاد من هذه العبارة أنّ سيف ابن ملجم لم يمرّ من عند جبين الإمام، بل جاء فعرض رأسه الشريف بين اذنيه و هوي على يافوخه و مخّه.
    4. الآية 55، من السورة 20: طه.

معرفة المعاد ج٤

26
  • صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيكَ وَ صَلَوَاتُ مَلَائكَتِهِ المُقَرَّبينَ وَ أنبِيائِهِ المُرسَلِينَ وَ عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ يا أمِيرَ المُؤمِنِينَ.

معرفة المعاد ج٤

28
  •  

  •  

  • المَجْلِسُ الحادِي وَ العشرُون: عَلَامَاتُ الْقِيَامَة

  •  

  •  

معرفة المعاد ج٤

30
  •  

  •  

  • بسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

  • (مطالب القيت في اليوم الحادي و العشرين من شهر رمضان المبارك)

  • الحمد للَّه ربّ العالمين و لا حول و لا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم

  • و صلّى الله على محمّد و آله الطاهرين

  • و لعنة الله على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين

  • قال الله الحكيم في كتابه الكريم:

  •  

  •  

  • فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها.1

  • دار كلامنا في مقدّمات الشروع و الورود في عالم القيامة، و ذكرنا أنّ هناك إجمالًا تواتراً معنويّاً للأخبار على أنّ الناس يُقلبون و يفقدون حالتهم الإنسانية حين يقترب قيام القيامة، فيزداد الفسق و الفجور و الفساد في الأرض، و تُفتقد الرحمة و الإنصاف و المروءة، و يُستهان بأعراض الناس، و لا تُمدّ يد المعونة للضعفاء و المسحوقين، و لا يبجّل الكبار، و لا يحكم قانون العدل بين الناس.

  • و قد جرى في المجلس السابق نقل رواية شريفة عن تفسير عليّ بن إبراهيم رواها بسنده المتّصل عن عبد الله بن عباس، عن رسول الله

    1. الآية 18، من السورة 47: محمّد.

معرفة المعاد ج٤

31
  • صلّى الله عليه و آله، حدّثها في حجّة الوداع1 لسلمان الفارسيّ، و كان أقرب الناس إليه، بينما كان صلوات الله عليه ممسكاً بيده حلقة باب الكعبة، و قد احتوت مضموناً رفيعاً حقّاً.

  • حديث الإمام الصادق عليه السلام مع المنصور في مسيرهما

  • و نذكر الآن رواية اخرى نقلها محمّد بن يعقوب الكلينيّ في كتابه الشريف «روضة الكافي» بسنده عن حمران بن أعين (و هو أخو زُرارة و عبد الملك و بَكر بن أعين، و جميعهم من الرواة).

  • حديث الإمام الصادق في موكب المنصور:

  • يقول حمران: قال أبو عبد الله (الصادق) عليه السلام و ذُكر هؤلاء عنده و سوء حال الشيعة عندهم فقال: إنّي سرتُ مع أبي جعفر المنصور (الدوانيقي) و هو في موكبه، و هو على فرسٍ و بين يديه خيلٌ و من خلفه خيلٌ، و أنا على حمارٍ إلى جانبه، فقال لي: يا أبا عبد الله؛ قد كان ينبغي لك أن تفرحَ بما أعطانا اللهُ من القوّةِ و فتح لنا من العزِّ، و لا تُخبر الناسَ أنكَ أحقّ بهذا الأمرِ منّا و أهل بيتك، فتُغْرينا بكَ و بهم.

  • قال: فقلتُ: و مَن رَفَعَ هذا إليكَ عنّي فقد كذب.

  • فقال لي: أ تحلف على من تقول؟

  • قال: فقلت: إنّ الناسَ سحرة، يعني يحبّون أن يفسدوا قلبك عَلَيّ فلا تمكّنهم من سمعكَ فإنّا إليك أحوج منك إلينا.

    1. يأتي وزن فَعلة بالفتح لبيان المرّة الواحدة، مثل ضربته ضَربة؛ و أمّا وزن فِعلة بالكسر فيأتي للهيئة و الكيفيّة، مثل جلستُ جِلسة العبد.
      و يستفاد منه أنّ حِجّة الوداع صحيحة بالكسر لا بالفتح، اي تلك الكيفيّة الخاصّة من الحجّ الذي له صفة الوداع.

معرفة المعاد ج٤

32
  • فقال لي: تذكر يوم سألتُك هلْ لنا مُلكٌ؟ فقلتَ: نعم؛ طويلٌ عريضٌ شديدٌ، فلا تزالون في مُهلةٍ من أمركم و فسحةٍ من دنياكم حتّى تُصيبوا منّا دماً حراماً في شهرٍ حرامٍ في بلدٍ حرامٍ. فعرفتُ أنه قد حفظ الحديثَ، فقلتُ: لعلّ الله عزّ و جلّ أن يكفيك، فإنّي لم أخصّك بهذا، و إنّما هو حديث رويتُه، ثمّ لعلّ غيرك من أهل بيتك يتولّى ذلك. فسكتَ عنّي، فلمّا رجعتُ إلى منزلي أتاني بعضُ موالينا فقال: جُعِلْتُ فِداك! و اللهِ لقد رأيتُك في موكبِ أبي جعفر و أنتَ على حمار و هوَ على فرسٍ، و قد أشرفَ عليك يكلّمك كأنك تحته، فقلتُ بيني و بين نفسي: هذا حجّة الله على الخلقِ، و صاحبُ هذا الأمر الذي يُقتدى به، و هذا الآخر يعمل بالجور و يقتلُ أولادَ الأنبياءِ و يسفك الدماءَ في الأرضِ بما لا يحبّ اللهُ، و هو في موكبه و أنت على حمارٍ، فدخلني من ذلك شكُّ حتّى خِفْتُ على ديني و نفسي.

  • قال (الإمام): فقلتُ: لو رأيتَ مَنْ كان حولي و بين يدي و من خلفي و عن يميني و عن شمالي من الملائكة لاحتقرتَه و احتقرتَ ما هو فيه.

  • فقال: الآن سكنَ قلبي. ثمّ قال: إلى متى هؤلاء يملكون أو متى الراحة منهم؟

  • فقلتُ: أ ليس تعلم أنّ لكلِّ شيءٍ مُدّة؟

  • قال: بلى!

  • فقلتُ: هل ينفعك علمُك أنّ هذا الأمرَ إذا جاءَ (أي الظهور و القيام) كان أسرعَ من طرفة العين؟ إنّك لو تعلم حالهم عند اللهِ عزّ و جل و كيف هي كنت لهم أشدَّ بُغْضاً، و لو جهدتَ و جهد أهلُ الأرض أن يدخلوهم في أشدِّ ما هم فيه من الإثم لم يقدروا!

معرفة المعاد ج٤

33
  • الشَّيْطانُ1 وَ لِلَّهِ الْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ لكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا.2

  • ألا تعلم أنّ من انتظر أمرنا و صبر على ما يريى من الأذى و الخوف هو غداً في زمرتنا.

  • ثمّ يبدأ الإمام مفصّلًا ببيان العلامات التي يجب أن تقع في آخر الزمان لظهور الإمام وليّ العصر كمقدّمة للرجعة و القيامة، فيذكر جميع تفاصيل أخلاق الناس و سيرتهم، و تعاستهم و شقاءهم، و الظلم الذي يلحق بهم، و المعاصي التي يبتلون بارتكابها، الواحد بعد الآخر، بحيث يزيد ذلك على أربع صفحات للكتاب من الحجم العادي. ثمّ يعزّيه الإمام و يطيّب خاطره بأنّ الله معنا دوماً، و عسى الله أن يعجّل فرجنا:

  • وَ اعْلَمْ: إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ،3 و: إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ.4 و5

    1. اقتباس من الآية 64، من السورة 17: الإسراء: وَ اسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ.
    2. اقتباس من الآية 8، من السورة 63: المنافقون: وَ لِلَّهِ الْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ لكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ.
    3. وردت هذه الآية بهذا اللفظ في ثلاثة مواضع من القرآن: الاوّل: الآية 120، من السورة 9: التوبة. إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ. الثاني: الآية 115، من السورة 11: هود؛ وَ اصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ. و الثالث: الآية 90، من السورة 12 يوسف. إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَ يَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ.
    4. الآية 56، من السورة 7: الأعراف.
    5. «روضة الكافي» طبعة المطبعة الحيدرية، ص 36 إلى 42.

معرفة المعاد ج٤

34
  • ظهور عشرة أحداث من علامات القيامة

  • و روى الصدوق رحمة الله عليه في كتاب «الخصال» عن أبي الطُّفيل عن حُذَيفة بن اسيد، قال: اطّلعَ علينا رسولُ اللهِ صلّى الله عليه و آله من غرفةٍ و نحنُ نتذاكرُ الساعةَ، [ف-] قال رسولُ اللهِ صلّى الله عليه و آله:

  • لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَكُونُ عَشْرُ آيَاتٍ: الدَّجَّالُ، وَ الدُّخَانُ، وَ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَ دَابَّةُ الأرْضِ، وَ يَأجُوجُ وَ مأجُوجُ، وَ ثَلَاثُ خُسُوفٍ: خَسْفٌ بِالْمَشْرِقِ، وَ خَسْفٌ بِالْمَغْرِبِ، وَ خَسْفٌ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَ نَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَنٍ تَسُوقُ النَّاسَ إلَى الْمَحْشَرِ، تَنْزِلُ مَعَهُمْ إذَا نَزَلُوا، وَ تُقِيلُ مَعَهُمْ إذَا قَالُوا.1

  • و هذا الحديث موجود في «الخصال» المطبوع بالطبعة الحجرية، إلّا أنّ المجلسي أورده عنه في «بحار الأنوار» باب أشراط الساعة، بسنده المتّصل عن أبي الطفيل، عن حذيفة بن اسيد، لكنّه أورد بدلًا من الجملة الأخيرة، جملة: وَ تُقْبِلُ مَعَهُمْ إذَا أقْبَلُوا.2

  • و الخلاصة فقد ذُكرت في هذا الحديث تسع علامات لظهور القيامة، أمّا العاشرة فهي بالطبع نزول النبيّ عيسى ابن مريم على نبيّنا و آله و عليهما السلام، و الشاهد على هذا القول أنّ هذا الحديث قد ذُكر في «صحيح مسلم» عن أبي الطفيل، عن حُذيفة بن اسيد الغفاريّ، و ذكر فيه نزول عيسى ابن مريم، علاوة على الفقرات التسع التي ذكرناها هنا.3

    1. «الخصال» طبعة المطبعة الحيدرية، ص 431 و 432.
    2. «بحار الأنوار» الطبعة الحروفيّة، ج 6، ص 303.
    3. «صحيح مسلم» طبعة محمّد فؤاد عبد الباقي- بيروت، ج 4، كتاب الفتن و أشراط الساعة، تسلسل الصفحة 2225 و 2226.

معرفة المعاد ج٤

35
  • و الشاهد الآخر أنّ الصدوق يروي في «الخصال» بسنده المتّصل عن حُذيفة بن اسيد يقول:

  • سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ يَقُولُ: عَشْرُ آيَاتٍ بَيْنَ يَدَي السَّاعَةِ: خَمْسٌ بِالْمَشْرِقِ وَ خَمْسٌ بِالْمَغْرِبِ، فَذَكَرَ الدَّابةَ، وَ الدَّجَّالَ، وَ طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَ عِيسَى ابْنَ مَرْيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَ يَأجُوجَ وَ مَأجُوجَ، وَ أنهُ يَغْلِبُهُمْ وَ يُغْرِقُهُمْ في الْبَحْرِ، وَ لَمْ يَذْكُرْ تَمَامَ الآيَاتِ.1

  • استدلال علامات القيامة من آيات القرآن الكريم

  • و قد وردت روايات كثيرة بأسانيد مختلفة و مضامين متفاوتة حول الفقرات المختلفة للرواية التي ذكرناها بهذا السند، و التي تتحدّث عن أمر الدجّال و نزول عيسى ابن مريم و مجيء يأجوج و مأجوج و فناء الأرض و غيرها، كما يمكن- إجمالًا- استنتاج تلك المضامين من آيات القرآن الكريم:

  • هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ.2

  • فظهور آيات الله تعالى في هذه الآية الشريفة لا ينحصر في الآيات الظاهرية التي وُجدت فعلًا من الأرض و السماء و الرياح و الغيوم و نزول المطر و أمثال ذلك، لأنّ الناس يشاهدون هذه الآيات و أشباهها فلا يؤمنون. بل هم في صدد مشاهدة نوع خاصّ من الآيات الخارقة للعادة، و في صدد البحث عن نوع من الأعاجيب و الغرائب التي لم يروا لها مثيلًا.

    1. «الخصال» طبعة المطبعة الحيدرية، ص 446 و 447.
    2. الآية 158، من السورة 6: الأنعام.

معرفة المعاد ج٤

36
  • و عليه فإنّ تلك الآيات نوع من الآيات الاستثنائيّة التي تظهر قدرة الله في مجالات خرق العادات و الامور غير المألوفة و غير المعهودة التي سيعجز المنكرون و الكفّار و المشركون و المعاندون أمامها أن يصرّوا على جحودهم و إنكارهم، و لن يكون لديهم مناص من الإقرار بها.

  • قصّة ذي القرنين و سدّ يأجوج و مأجوج

  • ظهور يأجوج و مأجوج

  • و يمكن اعتبار هذه الآية الشريفة منطبقة على نزول عيسى على نبيّنا و آله و عليه السلام، و على طلوع الشمس من المغرب، أو بعض الآيات و العلامات الخارقة، فقد جاء في الآيتين 98 و 99، من السورة 18: الكهف على لسان ذي القرنين في خطابه للقوم الذي بنى لهم السدّ:

  • قالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَ كانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا* وَ تَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً.

  • ثمّ يقول:

  • وَ عَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً، الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَ كانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً.1

  • و من أجل أن يتّضح جليّاً معنى الآية الشريفة التي عدّت من علامات القيامة و من ملاحم القرآن، فإنّ علينا الشروع في البحث في مواضيع ثلاثة:

  • الأوّل: ذو القرنين.

    1. الآيتان 100 و 101، من السورة 18: الكهف.

معرفة المعاد ج٤

37
  • الثاني: طائفة يأجوج و مأجوج.

  • الثالث: السدّ.

  • أمّا ذو القرنين فقد ورد ذكره في موضع واحد فقط في القرآن الكريم و ذلك في سورة الكهف، فقد ذُكرت عنه امور عدّة:

  • قصّة ذي القرنين من وجهة نظر القرآن:

  • 1- إنّا مكّنّا له في الأرض و سخّرنا له كل الأسباب فهي طوع أمره.

  • 2- إنّه سخّر تلك الأسباب، فتحرّك مرّة إلى الغرب حيث (وصل إلى آخر المعمورة جنب البحر الخضمّ المترامي فبدا له أنّ) الشمس تغرب في عين حمئة،1 و وجد هناك قوماً. فقلنا له: إنّ لك أن تختار في وضعك هذا إمّا أن تعذّبهم و تعاقبهم جزاءً على ما فعلوا، أو أن تتّخذ فيهم إحساناً. فقال لهم ذو القرنين: من ظلم فإنّنا سنعذّبه في هذه الدنيا سريعاً، ثمّ يُرَدّ إلى ربّه فيعذّبه عذاباً غير معهود و لا مألوف و لا متوقّع. و أمّا من عمل صالحاً فإنّ جزاءه و ثوابه سيكون الحسنى، و سنقول له من أمرنا يسرا.

  • 3- ثمّ استفاد من تلك الأسباب و تحرّك صوب الشرق حتّى وصل إلى قوم يعيشون في صحراء تطلع عليهم الشمس فيها فلا ستر لهم دونها، عرايا لا لباس لهم و لا ستر.

  • 4- ثمّ استفاد من تلك الأسباب و تحرّك حتّى وصل بين السدّين فوجد هناك قوماً ليس لهم نصيب من التمدّن و الإنسانيّة و لا يفقهون و لا يعقلون

    1. قال صاحب« الميزان» قدّس سرّه: المراد بالعين البحر ... و المراد بوجدان الشمس تغرب في عين حمئة أي تقف على ساحل بحر لا مطمع في وجود برّ وراءه، فرأى الشمس كأنها تغرب في البحر لمكان انطباق الافق عليه.( م)

معرفة المعاد ج٤

38
  • قولًا. فقال اولئك القوم لذي القرنين: إنّ يأجوج و مأجوج مفسدون في الأرض، أ فترضى أن نعطيك خرجاً على أن تبني بيننا و بينهم سدّاً.

  • فقال: إنّ ما مكّنني منه ربّي من الأموال و العدّة خيرٌ و أفضل من خرجكم، فأعينوني لأصنع لكم سدّاً متيناً راسخاً. اجلبوا لي قطع الحديد الكبيرة و أرصفوها بين هذين الجبلين لتسدّ هذه الفتحة و الفرجة بين قمّتيهما، فلمّا فعلوا ذلك قال: فانفخوا الآن بمنافخ الحديد، لتحمرّ قطع الحديد و تتوهّج، ثمّ قال لهم: أذيبوا قطع النحاس و صبّوها في مسامات قطع الحديد و فراغاته، لتمتلئ تلك الثقوب و ليتشكّل منها سدّ محكم واحد يسدّ بين ذينك الجبلين. فما استطاع قوم يأجوج و مأجوج أن يعلوا ذلك السدّ بعد ذلك فيؤذوا اولئك القوم، و لا أن ينقبوا ذلك السدّ ليمكنهم التردّد من خلاله.

  • و آنذاك قال لهم ذو القرنين: هذه رحمة من ربّي منّ بها عليّ فاستطعتُ صنع سدّ كهذا لكم، أمّا حين يأتي وعد ربّي للقيامة، فإنّ هذا السدّ سيندكّ و يتلاشى.

  • كان هذا ما جاء في القرآن الكريم بشأن ذي القرنين

  • من هو ذو القرنين و ما أصله؟

  • أمّا مَن هو ذو القرنين، و هل جاء له ذكر في الكتب السماويّة الأخرى أو في التأريخ؟

  • هناك احتمالات كثيرة، و للمؤرّخين و المفسّرين أبحاث طويلة في هذا الشأن، فقد بذلوا قصارى جهدهم و استعانوا بالروايات التي جاءت في شأن ذي القرنين، فقام كلٌّ منهم بتفسير إحدى الآيات القرآنيّة على نحوٍ ما

معرفة المعاد ج٤

39
  • لنفسه، و اعتبر أنّ بعض الملوك هو الملقّب بذي القرنين، و أنّ هذا العنوان ينطبق عليه.

  • و قد ذكرت بيانات مفصّلة في أمر تعيين ذي القرنين و علّة تسميته بهذا اللقب في «مجمع البحرين» مادّة «ق ر ن»، و في المجلّد الخامس من «بحار الأنوار» في أحوال ذي القرنين.

  • يقول العلّامة الطباطبائيّ مدّ ظلّه1 في تفسير هذه الآية الشريفة:

  • إن الروايات المرويّة من طرق الشيعة و أهل السنّة عن النبيّ صلّى الله عليه و آله، و من طرق الشيعة عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام، و كذا الأقوال المنقولة عن الصحابة و التابعين [التي] يتعامل معها أهل السنّة معاملة الأحاديث الموقوفة في قصّة ذي القرنين مختلفة اختلافاً عجيباً، متعارضة متهافتة في جميع خصوصيّات القصّة و كافّة أطرافها، و هي مع ذلك مشتملة على غرائب يستوحش منها الذوق السليم أو يحيلها العقل و ينكرها الوجود، لا يرتاب الباحث الناقد إذا قاس بعضها إلى بعض و تدبّر فيها، أنها غير سليمة عن الدسّ و الوضع و مبالغات عجيبة في وصف القصّة، و أغربها ما روي عن علماء اليهود الذين أسلموا كوَهَب بن منبّه و كعب الأحبار، أو ما تُشعر القرائن أنه مأخوذ منهم.

  • بيان العلّامة الطباطبائي في شأن ذي القرنين

  • و نذكر هنا خلاصة ما أورده في تفسير «الميزان»:

  • لم يتعرّض القرآن الكريم لاسم ذي القرنين، و لا لتأريخ زمن

    1. حافظنا على تعبير المؤلّف، فقد الّف الكتاب زمن حياة العلّامة قدّس سرّه و هذا هو دأبنا فجميع فصول الكتاب.( م)

معرفة المعاد ج٤

40
  • ولادته و حياته و نسبه و سائر خصوصيّاته، على ما هو دأبه في ذكر قصص الماضين، بل اكتفى بالتطرّق إلى ثلاث رحلات له.

  • و الخصوصيّات و الجهات الجوهريّة التي تستفاد من القصّة هي أنّ صاحبها كان يسمّى بذي القرنين قبل نزول قصّته في القرآن، بل حتّى في زمن حياته كما يظهر من سياق القصّة القرآنية:

  • يَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ؛ قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ؛ قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ.

  • و ثانياً: أنه كان مؤمناً بالله و اليوم الآخر متديّنا بدين الحقّ.

  • و ثالثاً: أنه كان ممّن جمع الله له خير الدنيا و الآخرة، أمّا خير الدنيا فالمُلك العظيم الذي بلغ مغرب الشمس و مطلعها فلم يقم له شيء، و قد ذلّت له الأسباب. و أمّا خير الآخرة فبسط العدل و إقامة الحقّ و الصفح و العفو و الرفق و كرامة النفس و بثّ الخير، و دفع الشرّ. و كان له- على هذا- السيطرة في الجهتين الجسمانيّة و الروحانيّة.

  • و رابعاً: أنه صادف قوماً ظالمين بالمغرب فعذّبهم، ثمّ إنّه سافر مرّة اخرى فبنى في سفره سدّاً و ردماً محكماً متيناً، و السدّ الذي بناه واقع في غير المغرب و المشرق، لأنه بناه بعد سفره إلى المشرق و المغرب، بعد أن تحرّك إلى اولئك القوم البعيدين عن المدنيّة و الذين بنى لهم السدّ.

  • و من خصوصيات السدّ مضافاً إلى كونه واقعاً في غير المغرب و المشرق، أنه واقع بين جبلين كالحائطين، و أنه ساوى بين صدفيهما و سدّ الثغرة بينهما، و أنه استعمل في بنائه زبر الحديد و القطر (النحاس) و لا محالة أنه في مضيق يربط بين ناحيتين من نواحي الأرض المسكونة.

  • و الخلاصة، فلم يذكر قدماء المؤرّخين في أخبار ملكاً يسمّى في عهده بذي القرنين أو ما يؤدّي معناه من غير اللفظ العربيّ، و لا يأجوج

معرفة المعاد ج٤

41
  • و مأجوج بهذين اللفظين و لا سدّاً ينسب إليه باسمه.

  • نعم، ينسب إلى بعض ملوك حِمْير من اليمنيّين أشعار في المباهاة و الفخر يذكر فيها ذا القرنين و أنه من أسلافه التبابعة، ذكر فيها سيره إلى المغرب و المشرق و سدّ يأجوج و مأجوج.

  • و جاء في كتاب «كيهان شناخت» و تعريبه: «معرفة العالم» للحسن بن قطّان المروزيّ الطبيب المنجّم المتوفى سنة 548، أنّ الذي بنى السدّ هو أحد ملوك آشور و اسمه «بلينس»، و سمّاه أيضاً إسكندر.

  • فقد كان يهجم في حوالَى القرن السابع قبل الميلاد أقوام يسمّون عند الغربيّين باسم «سيت» و عند اليونانيّين باسم «ميكاك»، من مضيق جبال قفقاز إلى أرمينية ثمّ غربي إيران، و ربّما بلغوا بلاد آشور و عاصمتها نينوى فيحيطون بهم قتلًا و سبياً و نهباً، فبنى ملك آشور السدّ لصدّهم.

  • و قال في «روح المعاني»: و قيل هو- يعني ذا القرنين- فريدون بن أثفيان بن جمشيد خامس ملوك الفرس الفيشداديّة، و كان ملكاً عادلًا مطيعاً للّه تعالى. و في كتاب «صور الأقاليم» لأبي زيد البلخيّ أنه كان مؤيّداً بالوحي، و فيه أنّ التأريخ لا يعترف بذلك.

  • و قيل إنّ ذا القرنين هو الإسكندر المقدونيّ و إنّه هو الذي بنى السدّ، و هو المشهور على الألسن، و سدّ الإسكندر كالمثل السائر بينهم.

  • و قد ورد ذلك في الروايات كما في رواية «قرب الإسناد» عن موسى بن جعفر عليهما السلام، و رواية عقبة بن عامر و وهب بن منبّه عن رسول الله صلّى الله عليه و آله.

  • و به قال بعض قدماء المفسّرين من الصحابة و التابعين، كمعاذ بن جبل على ما في «مجمع البيان» و قتادة على ما رواه في «الدرّ المنثور»،1

  • معرفة المعاد ؛ ج4 ؛ ص41
    1. حسينى طهرانى، سيد محمد حسين، معرفة المعاد، 10جلد، دار المحجة البيضاء - بيروت - لبنان، چاپ: 1، 1416 ه.ق.

معرفة المعاد ج٤

42
  • و على هذا الرأي الشيخ ابن سينا حيث تحدّث عن أرسطو استاذ الإسكندر في كتابه «الشفاء» فوصفه بذي القرنين، و أصرّ على ذلك الإمام الفخر الرازيّ في تفسيره الكبير.

  • لكنّ هذا المعنى لا ينسجم مع تعبير القرآن، لأنّ القرآن ذكر أوّلًا أنّ ذا القرنين كان مؤمناً بالله و اليوم الآخر، و على دين التوحيد، بينما نعلم أنّ الإسكندر كان مشركاً وثنيّاً و صابئيّاً؛ و جاء في التأريخ أنه كان يقدّم قرابينه إلى جِرَم «المشتري».

  • و ثانياً: فقد عدّ القرآن ذا القرنين من عباد الله الصالحين من ذوي العدل و الرفق، بينما يبيّن لنا التأريخ خلاف ذلك عن الإسكندر.

  • و ثالثاً: أنه لم يرد في شيء من التواريخ أنّ الإسكندر المقدونيّ بنى سدّ يأجوج و مأجوج.

  • و ذكر جمع من المؤرّخين، كالأصمعيّ في «تاريخ العرب قبل الإسلام»، و ابن هشام في «السيرة» و «تيجان الملوك»، و أبي ريحان البيرونيّ في «الآثار الباقية»، و نشوان بن سعيد الحِميريّ في «شمس العلوم» أنّ ذا القرنين أحد الملوك التبابعة الأذواء اليمنيين من ملوك حِميَر.

  • و قد بحث المقريزيّ في «الخطط» هذا الموضوع مفصّلًا، و يستفاد من مجموع كلامه أوّلًا: أنّ لقب ذي القرنين تَسَمَّى به أكثر من واحد من ملوك حِمير.

  • و ثانياً: أنّ ذا القرنين الأوّل و هو الذي بنى سدّ يأجوج و مأجوج كان قبل الإسكندر المقدونيّ بقرون كثيرة.

  • بَيدَ أنّ هناك إشكالين في كلامه: أحدهما: أين موضع هذا السدّ الذي بناه تبّع الحِميريّ؟

معرفة المعاد ج٤

43
  • و ثانيهما: من هم هؤلاء المفسدون- أي يأجوج و مأجوج- الذين بُنى هذا السدّ لصدّهم؟

  • فهل هذا السدّ أحد السدود المبنيّة في اليمن أو ما والاها، كسدّ مأرب و غيره؟

  • إن هذا غير صحيح، لأنّ سدّ مأرب بُني لادّخار المياه لا لصدّ الأعداء، كما أنه لم يستعمل في سدّ مأرب قطع الحديد و النحاس المصهور؛ يضاف إلى ذلك أنّ ما كان يجاور تبّع من حمير من أمثال الأقباط و الآشوريين و الكلدانيّين كانوا أهل حضارة و مدنيّة، و لم يكونوا أقواماً متوحّشين ليحتاجوا إلى سدّ لصدّهم.

  • نظريّة العلّامة الشهرستاني في شأن ذي القرنين

  • و قال العلّامة السيّد هبة الدين الشهرستانيّ في تأييد هذا القول:

  • إن ذا القرنين المذكور في القرآن قبل الإسكندر المقدونيّ بعدّة قرون، فهو أحد الملوك الصالحين من التبابعة الأذواء من ملوك اليمن، و كان من شيمة طائفة منهم التسمّي بذي، ك- «ذي هَمْدان» و «ذي غمدان» و «ذي المنار» و «ذي الأذعار» و «ذي يَزَن».

  • و كان مسلماً موحّداً و عادلًا حسن السيرة، سار نحو المغرب فوصل إلى البحر الأبيض، ثمّ سار نحو المشرق، ثمّ مال إلى الشمال حتّى بلغ مدار السرطان، و لعلّه الذي شاع في الألسن أنه دخل الظلمات، فسأله أهل تلك البلاد أن يبني لهم سدّاً فبناه لهم.

  • فإن كان هذا السدّ هو الحائط الكبير الحائل بين الصين و منغوليا (طائفة المغول)، فيجب القول إنّ ذا القرنين عمّره و رمّم فيه مواضع تهدّمت

معرفة المعاد ج٤

44
  • بمرور الأيّام، و لا إشكال في أنّ أصل الحائط إنّما بناه بعض ملوك الصين قبل ذلك التأريخ. و إن كان سدّاً آخر فلا إشكال في الأمر.

  • ثمّ أورد السيّد هبة الدين شاهداً لتأييد كلامه، و هو أنّ ذا القرنين كان ملكاً عربياً صالحاً يسأل عنه الأعرابُ رسول الله صلّى الله عليه و آله و يذكره القرآن الكريم للتذكّر و الاعتبار، و هو أقرب لذوق العرب و سؤالهم من أن يسألوا عن ملوك الروم و العجم و الصين و هم من الامم البعيدة التي لم يكن لهم اتّصال بتأريخ العَرب، و لم يكن للعرب رغبة في سماع أخبارهم أو الاعتبار بآثارهم. لذا لم يتعرّض القرآن لشيءٍ من أخبار الامم و الطوائف التي كانت بعيدة عن العرب. (انتهى كلام الشهرستانيّ ملخّصاً).

  • لكنّ الإشكال الموجود على هذه النظريّة، أنّ كون حائط الصين هو سدّ ذي القرنين لا سبيل إليه، فإنّ ذا القرنين سبق الإسكندر بعدّة قرون، و قد بُني حائط الصين بعد الإسكندر بما يقرب من نصف قرن. و أمّا غير الحائط الكبير ففي ناحية الشمال الغربيّ من الصين بعض السدود الاخرى، لكنّها مبنيّة بالحجارة و لا أثر فيها من الحديد و النحاس.

  • و قال في «تفسير الجواهر» إنّ المعروف من دول اليمن بمعونة من النقوش المكتشف خرائب اليمن ثلاث دول:

  • 1- دولة معين و عاصمتها قَرْناء، و زمن حكمها من القرن الرابع عشر قبل الميلاد إلى القرن السابع أو الثامن قبله.

  • 2- دولة سبأ و هم من القحطانيّين، و يبتدئ ملكهم من قبل الميلاد إلى 115 قبل الميلاد.

  • 3- دولة الحِمْيرِيِّينَ، و هم طبقتان:

معرفة المعاد ج٤

45
  • الاولى: ملوك سبأ وريدان، من سنة 115 قبل الميلاد إلى سنة 275 ميلادية.

  • و الثانية: ملوك سبأ وريدان و حضرموت و غيرها، و يبتدئ ملكهم من سنة 275 ميلاديّة إلى سنة 525 ميلاديّة.

  • و يُستفاد ممّا ذكر أنّ صفة الاتّصاف بلقب «ذي» مثل ذي القرنين عائدة إلى ملوك اليمن، بينما لا نجد في غيرهم كملوك الروم من يلقِّب ب- «ذي». فذو القرنين- إذَن- من ملوك اليمن، و قد ذكر التأريخ بعض الملوك باسم ذي القرنين، و لكن هل هو ذو القرنين المذكور في القرآن؟

  • نقول في الإجابة: كلّا، لأنّ ذا القرنين هذا مذكور في ملوكٍ قريبي العهد إلى زمان رسول الله و القرآن، و لم يرد في التأريخ ذكر لسدٍّ بهذه المواصفات و لا ذكر لأسفاره.

  • و قد كذّب ابن خلدون جميع هذه الأخبار الواردة في شأن ذي القرنين و وسمها بأنها مُبالَغ فيها، و نقضها بأدلّة جغرافيّة و أُخرى تأريخيّة. (انتهى ما أورده في «الجواهر»).

  • نظريّة السير أحمد خان الهندي و أبي الكلام آزاد في شأن ذي

  • و أخيراً فقد قال السير أحمد خان الهندي: إنّ ذا القرنين هو كورش أحد ملوك الفرس الهخامنشيّين، و تأريخه من 560 قبل الميلاد إلى 539 قبل الميلاد، و هو الذي أسّس الإمبراطوريّة الإيرانيّة، و جمع بين مملكتي فارس و ماد، و سخّر بابل، و أذن في رجوع اليهود من بابل إلى أُورشليم، و ساعد في بناء الهيكل، و سخّر مصر و اليونان و بلغ المغرب، ثمّ سار إلى أقاصي المعمورة.

معرفة المعاد ج٤

46
  • نظريّة أبي الكلام آزاد في شأن ذي القرنين:

  • و قد أيّد هذا المدّعى المحقّق الخبير الباحث أبو الكلام آزاد، و بذل الجهد في إيضاحه و تقريبه.1

  • فأوّلًا أنّ الذي ذكره القرآن من وصف ذي القرنين منطبق على هذا الملك العظيم، فقد كان مؤمناً بالله بدين التوحيد، عادلًا في رعيّته سائراً بالرأفة و الرفق و الإحسان، سائساً لأهل الظلم و العدوان، و قد آتاه الله من كلّ شيء سبباً، فجمع بين كمالات الدين و العقل و فضائل الأخلاق و العدّة و القوّة و الثروة و الشوكة و مطاوعة الأسباب.

  • و قد سار- كما ذكر الله في كتابه- مرّة نحو المغرب حتّى استولى على ليديا و حواليها، ثمّ سار ثانياً نحو المشرق حتّى بلغ مطلع الشمس و وجد عندها قوماً بدويّين همجيّين يسكنون في البراري، ثمّ بنى السدّ و هو على ما تدلّ عليه الشواهد، السدّ المعمول في مضيق داريال بين جبال قفقاز بقرب مدينة تفليس.

  • أمّا إيمانه بالله و اليوم الآخر، فيدلّ على ذلك ما في كتب العهد العتيق ككتاب عزرا و «الإصحاح 1» و كتاب دانيال «الإصحاح 6» و كتاب أشعياء «الإصحاح 44 و 45».

  • و لو قطع النظر عن كونه وحياً، فاليهود على ما بهم من العصبيّة المذهبيّة لا يعدّون رجلًا مشركاً مجوسيّا أو وثنيّاً- لو كان كورش كذلك- مسيحاً إلهيّاً مهديّا مؤيّداً و راعياً للربّ.

  • على أنّ النقوش و الكتابات بالخطّ المسماريّ المأثور عن داريوش الأكبر، و بينها و بين كورش من الفصل الزمانيّ ثمانين سنة، ناطقة بكونه

    1. نشرة« ثقافة الهند» العددان الأوّل و الثاني.

معرفة المعاد ج٤

47
  • موحّداً غير مشرك، و ليس من المعقول أن يتغيّر ما كان عليه كورش في هذا الزمن القصير.

  • و أمّا فضائله النفسانيّة فيكفي في ذلك الرجوع إلى المحفوظ من أخباره و سيرته و ما قابل به الطغاة و الجبابرة الذين خرجوا عليه أو حاربهم كملوك ماد و ليديا و بابل و مصر و طغاة البدو في أطراف بَكْتريا و هو «بلخ»، فقد كان كلّما ظهر على قومٍ عفا عن مجرميهم و أكرم كريمهم و رحم ضعيفهم، و ساس مفسدهم و خائنهم.

  • و قد أثنت عليه كتب العهد القديم، و اليهود يحترمونه أعظم الاحترام لما نجّاهم من أسر بابل على يد بخت نَصّر (بنوكد نصر) الذي خرّب معبدهم، و أرجعهم إلى بلادهم، و بذل لهم الأموال لتجديد بناء الهيكل، و ردّ إليهم نفائس الهيكل المنهوبة المخزونة في خزائن ملوك بابل.

  • و هذا في نفسه مؤيد و شاهد آخر على كون ذي القرنين هو كورش، فإنّ السؤال عن ذي القرنين في القرآن الكريم إنّما كان بتلقين من اليهود على ما في الروايات. و قد وردت كلمة قَرْن في اللغة العبريّة و العربيّة بمعنى واحد.

  • و قد ذكره مؤرّخو اليونان القدماء، كهيرودوت و غيره، فلم يسعهم- مع عدائهم لإيران و ملوكها- إلّا أن يصفوه بالمروءة و الفتوّة و السماحة و الكرم و الصفح و قلّة الحرص، و الرحمة و الرأفة، و يثنوا عليه بأحسن الثناء.

  • و أمّا تسمية كورش بذي القرنين، فالتواريخ و إن كانت خالية عمّا يدلّ على شيء من ذلك، لكنّ اكتشاف تمثاله الحجريّ أخيراً في «مشهد مرغاب» في جنوب إيران يزيل الريب في اتّصافه بذي القرنين. و هذا

معرفة المعاد ج٤

48
  • التمثال- تبعاً لقول «دي لافواي»- نموذج ثمين و قيّم للنحت القديم، فهو مماثل لأفضل التماثيل اليونانيّة و النموذج الأوحد للفنون الآسيويّة. و قد صنع هذا التمثال و نصب في «عصر أردشير»، و قد قدم العلماء الألمان إلى إيران لمجرّد التفرّج عليه. و كان اكتشافه في القرن التاسع عشر الميلاديّ في «مرغاب».

  • و هذا التمثال بقدر قامة الإنسان، و يمثّل «كورش» في وضع و قد بسط في جانبيه جناحا نسر، و له فوق رأسه قرنان كقرني الكبش لا يقعان على جانبي رأسه، بل يقعان في وسط الرأس، و أحد القرنين يقع خلف الآخر، مرتدياً الملابس التي يرتديها ملوك بابل.

  • و هذا التمثال يثبت بلا ريب وجود تصوّر معنى ذي القرنين عند «كورش» و في تفكيره، لذا فقد مُثل فيه ذا قرنين نابتين من امّ رأسه من منبت واحد، و أحد القرنين مائل إلى الأمام و الآخر إلى الخلف.1

  • و الخلاصة فإنّ معنى القرنين الموجودين في تمثال كورش و تلقيبه بذي القرنين هو تشكيل دولة واحدة من فارس و ماد اللتين كانتا إلى ذلك الوقت دولتين مستقلّتين لكلّ منهما حاكم مستقلّ، إلّا أنّ كورش تغلّب عليهما و شكّل منهما دولة واحدة، و هذا هو المعنى الذي ورد في رؤيا النبيّ دانيال.

    1. أجرى العالم الجليل السيد صدر الدين البلاغيّ بحثاً لطيفاً حول نظريّة أبي الكلام و ذلك في كتاب« فرهنگ قصص قرآن» و تعريبه:« معجم قصص القرآن» من ص 359 إلى 374؛ و طبع في ص 364 صورة للتمثال جديرة بالتأمّل و الملاحظة.( الطبعة السادسة لدار نشر اميركبير).

معرفة المعاد ج٤

49
  • رؤيا النبيّ دانيال في شأن ذي القرنين

  • جاء في كتاب دانيال (الإصحاح الثامن، من الصفحة 1 إلى 9):

  • «في السنة الثالثة من مُلك «بيلشاصر» الملك ظهرت لي أنا دانيال رؤيا بعد التي ظهرت لي في الابتداء. فرأيتُ في الرؤيا و كأنّ في رؤياي و أنا في «شوشن» القصر الذي في ولاية عيلام. و رأيت في الرؤيا و أنا عند نهر «أُولاي» فرفعتُ عيني و إذا بكبش واقف عند النهر و له قرنان، و القرنان عاليان و الواحد أعلى من الآخر، و الأعلى طالع أخيراً. [ف] رأيتُ الكبش ينطح غرباً و شمالًا و جنوباً فلم يقف حيوان قدّامه و لا منفذ من يده، و فعل كمرضاته و عظم.

  • و بينما كنت متأمّلًا إذا بتيس من المعز جاء من المغرب على وجه كلّ الأرض و لم يمسّ الأرض، و للتيس قرن معتبر بين عينيه، و جاء إلى الكبش صاحب القرنين الذي رأيته واقفاً عند النهر و ركض إليه بشدّة قوّته و رأيته قد وصل إلى جانب الكبش فاستشاط عليه و ضرب الكبش و كسر قرنيه فلم تكن للكبش قوّة على الوقوف أمامه، و طرحه على الأرض و داسه و لم يكن للكبش منفذ من يده، فتعظّم تيس المعز جدّاً».

  • ثمّ ذكر بعد تمام الرؤيا أنّ جبرئيل تراءى له و فسّر رؤياه بما ينطبق فيه الكبش ذو القرنين على كورش و قرناه مملكتا فارس و ماد، و التيس ذو القرن الواحد على الإسكندر المقدوني.

  • و جاء في رؤيا دانيال أنّ الكبش الذي شاهده كان له قرنان، إلّا أنهما ليسا كقرون سائر الأكباش، بل كان أحد القرنين خلف الآخر، و هذا المعنى نفسه هو المعنى المشاهد في التمثال الأثريّ لكورش.

  • أمّا ذينك الجناحان اللذان يشبهان جناحي نسر في تمثال كورش

معرفة المعاد ج٤

50
  • فهما صورة لرؤيا أشعياء الذي عبّر عن رؤيا نسر الشرق بكورش.

  • و لهذا السبب فقد اشتهر تمثال كورش ب- «مرغ» يعني «الطائر»، كما أنّ النهر المصوّر عند قدمي كورش في التمثال يدعى «مرغاب» يعني «نهر الطائر».

  • و قد فهم اليهود من بشارة دانيال أنّ انتهاء أسرهم في بابل منوط بذلك الملك صاحب القرنين الذي سيستولي على مملكة فارس و ماد و يتغلّب على ملوك بابل، فيخرجهم في النهاية من الأسر.

  • ثمّ إنّ كورش ظهر بعد رؤيا دانيال بعدّة سنوات، و كان اليهود يدعونه ب- «خورش» بينما كان اليونانيّون يدعونه ب- «سائوس»، فاستولى على مملكة فارس و ماد فظهرت دولة عظيمة، و كما جاء في رؤيا دانيال من نطح المغرب و الشمال و الجنوب، فقد استولى كورش على فارس و ماد و تقدّم إلى الجنوب أي إلى بابل و حرّر اليهود، لذا فقد اجتمع اليهود بكورش في بابل بعد استيلائه عليها و قصّوا له رؤيا دانيال ففرح بذلك و عزم على مساعدة اليهود و الإحسان إليهم، فأعادهم إلى أُورشليم و أعاد تعمير معبدهم.

  • و الخلاصة، فإنّ هذه بأجمعها شواهد صدق على أنّ كورش هو الآخر كان يعتبر نفسه ذا القرنين، أي صاحب دولتي فارس و ماد اللتين ظهرتا في الرؤيا في هيئة قرنين متّصلين ببعضهما نميا من على أمّ رأسه. لذا فقد كان يضع على تاجه أو قلنسوته هذين القرنين علامة لهاتين الدولتين، و انعكس ذلك أيضاً في تمثاله.

  • و أمّا سيره نحو المغرب فقد كان لدفع طاغية ليديا الذي كان قد سار بجيوشه نحو كورش ظلماً و عدواناً برغم قرابته من كورش و المعاهدة التي

معرفة المعاد ج٤

51
  • كانت بينهما، و كان- إضافة إلى ذلك- يُثير عليه سلاطين اوروبّا، فسار إليه كورش و حاربه و هزمه، ثمّ تعقّبه حتّى حاصره في عاصمة ملكه ثمّ فتحها و أسره، ثمّ عفا عنه و عن سائر أعضاده و أكرمه و إيّاهم و أحسن إليهم، و كان له أن يسوسهم و يبيدهم. و هذه القصّة تنطبق على قوله تعالى:

  • حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ (و لعلّها الساحل الغربي من آسيا الصغرى) وَ وَجَدَ عِنْدَها قَوْماً قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَ إِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً.1

  • لقد قلنا لذي القرنين إنّ لك الخيرة في هؤلاء الذين ظلموا فوقعوا في يدك، إمّا أن تعذّبهم جزاءً لما فعلوا، أو أن تعفو عنهم و تُحسن إليهم.

  • فقال ذو القرنين: ساعاقب الذين يظلمون بعد الآن، أمّا الذين يؤمنون و يعملون صالحاً، فإنّي ساحسن إليهم إضافة إلى الثواب الاخرويّ الذي سينالونه.

  • ثمّ إنّه بعد سفره إلى المغرب سار نحو الصحراء الكبيرة في المشرق حوالي «بكتريا» لإخماد غائلة قبائل بدويّة همجيّة انتهضوا هناك للمهاجمة و الفساد.

  • حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْراً.

  • بحث حول طائفة يأجوج و مأجوج

  • و أمّا طائفة يأجوج و مأجوج فقد ورد ذكرهم في القرآن الكريم في موردين:

  • الاوّل: في سورة الكهف، حيث يبيّن قصّة ذي القرنين، و قد مرّ شرح ذلك.

    1. الآية 86، من السورة 18: الكهف.

معرفة المعاد ج٤

52
  • الثاني: في سورة الأنبياء:

  • حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَ مَأْجُوجُ وَ هُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ، وَ اقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يا وَيْلَنا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ.1

  • و قد ورد ذكر هاتين الطائفتين في مواضع من كتب العهد القديم، و ذكروا في التوراة باسم يأجوج و مأجوج.

  • و قد ورد في الإصحاح العاشر من سفر التكوين و كتاب حزقيال الإصحاح 28 و الإصحاح 39، و في رؤيا يوحنّا في الإصحاح 20 مطالب تدلّ على أنّ «مأجوج» أو «جوج و مأجوج» كانوا امّة أو امماً تقطن الأراضي المعمورة في شمال آسيا، و أنهم كانوا من أهل الحرب و القتال يشتغلون بالحرب و النهب و إثارة الفتن.

  • و من هنا فيبدو أنّ كلمة يأجوج و مأجوج ليست عبريّة، بل إنّها تسرّبت إلى العبريّة من اللغات الخارجيّة، لأنّ هاتين الكلمتين تلفظان في اليونانيّة بلفظ «گاگ و ما گاگ» و قد وردت بهذا النحو في الترجمة السبعينيّة للتوراة و في سائر اللغات الاوروبيّة.

  • و من مسلّمات التأريخ أنّ منطقة شمال شرقيّ آسيا و براري و مرتفعات شمال الصين كانت محلّ سكنى طوائف كبيرة من البدو و الهمجيّين الذين كانت أعدادهم تتزايد باستمرار. و كانت تلك الطوائف تهاجم الامم التي تجاورها مثل الصينيّين، بل ما أكثر ما عبرت الصين و وصلت إلى دول وسط آسيا و الدول الغربيّة من آسيا، ثمّ سارت من هناك إلى شمال أُوروبا، حيث توطّن بعضهم في تلك البلاد المنهوبة كما فعل

    1. الآيتان 96 و 97، من السورة 21: الأنبياء.

معرفة المعاد ج٤

53
  • أغلب سكنة اوروبّا الشماليّة الذين اختاروا مدناً لهم هناك، فتمدّنوا تدريجيّاً و اشتغلوا بالزراعة و الصناعة، و عاد البعض الآخر بعد إغارتهم و استمرّوا في ديدنهم في الهجوم و الإغارة و النهب.

  • و قال البعض إنّ يأجوج و مأجوج امّة تقطن المنطقة الشماليّة من آسيا، و مدنهم تمتدّ من التبت و الصين إلى المحيط المنجمد الشماليّ، و تصل غرباً إلى بلاد تركستان. و قد نقل هذا القول عن «فاكهة الخُلفاء» و «تهذيب الأخلاق» لابن مسكويه، و عن «رسائل إخوان الصفا».

  • أمّا من جهة البحث في التطوّرات الحاكمة على اللغات فيمكن القول إنّ أصلها الصينيّ «منگوگ» أو «منجوگ» ثمّ صارت في العبريّة و العربيّة «يأجوج و مأجوج»، و في اليونانيّة «گوك و ماگوك» و يمكن الحكم من التشابه الكامل بين «ماگوگ» و «منگوگ» أنّ هذه الكلمة متطوّرة من التلفّظ الصينيّ «منگوگ»، كما اشتقّ منه «منغول و مغول». فيأجوج و مأجوج هم المغول، و كانت هذه الامّة القاطنة في الشمال الشرقيّ من آسيا من أقدم الأعصار امّة كبيرة مهاجمة، تهاجم برهة الصين و برهة من طريق داريال القفقاز إلى أرمينية و شمال إيران، و برهة بعد بناء السدّ إلى شمال اوروبّا. و تسمّى عندهم ب- «سيت». و منهم الامّة الهاجمة على الروم.

  • و قد سقطت في هذه الكرّة دولة الرومان؛ و الرومانيون يسمّونهم «سي تهين» الذي ذكر في الواجهة المخطوطة لداريوش في اصطخر فارس.

  • و قد تقدّم أنّ المستفاد من كتب العهد القديم أن هذه الامّة المفسدة هم من سكنة أقاصي الشمال.1

    1. «تفسير الميزان» ج 13، ص 387 إلى 426؛ و يقول العلّامة هنا: هذا جملة ما لخّصناه من كلامه، و هو و ان لم يخل عن اعتراضٍ ما في بعض أطرافه، لكنّه أوضح انطباقاً على الآيات و أقرب إلى القبول من غيره.

معرفة المعاد ج٤

54
  • بحث حول طائفة يأجوج و مأجوج

  • أمّا أين يقع السدّ؟ فقد ورد في تفسير «الدرّ المنثور» عن ابن عبّاس في تفسير حَتَّى إذَا بَلَغَ بَينَ السَّدَّيْنِ1، قال: الجبلين أرمينية و آذربيجان.2

  • و للعثور على هذا السدّ فإنّ علينا الالتفات إلى جهتين:

  • الاولى: أنّ السدّ قد صُنع في محلّ شكّلت الجبال الواقعة في أطرافه ما يشبه الجدار العالي، أي أنّ السدّ يقع في مضيق جبليّ.

  • و الاخرى: أنّ قطع الحديد و النحاس قد استعملت في بناء هذا السدّ لأنّ القرآن الكريم ذكر هذه الخصوصيّات في مواصفات السدّ.

  • و عليه فإنّ ما نسب إلى البعض من قولهم إنّ سدّ ذي القرنين هذا هو جدار الصين ليس صحيحاً، فجدار الصين جدار طويل بُني بين الصين و بين منغوليا، بناه «شين هوانغ تي» أحد ملوك الصين لصدّ هجمات المغول عن الصين، و طول هذا الجدار ثلاثة آلاف كيلومتر و عرضه تسعة أمتار و ارتفاعه خمسة عشر متراً، و قد بُني هذا السدّ بالأحجار.

  • هذا و قد أقدم شين هوانغ تي حاكم الصين على البدء فيه سنة 264 قبل ميلاد المسيح، و انتهى العمل فيه في مدّة عشر سنين أو عشرين سنة.

  • و من هنا فإنّ سدّ ذي القرنين لا يمكن أن يكون جدار الصين، و ذلك أوّلًا: لأنه لم يرد في تأريخ الصين أنّ هذا الملك كان له سفر إلى غرب الأرض.

  • و ثانياً: لأنّ جدار الصين لا يقع بين جبلين، بل هو جدار بطول ثلاثة

    1. الآية 93، من السورة 18: الكهف.
    2. «تفسير الميزان» ج 13، ص 406.

معرفة المعاد ج٤

55
  • آلاف كيلومتر يمرّ في مسيره من الجبال و الصحاري.

  • و ثالثاً: أنه مصنوع من الصخر و لم يُستعمل في بنائه أي حديد أو نحاس.1

  • و قال البعض: إنّه حائط دربند الذي سُمّي في العربية ب- «باب الأبواب». و قد اختار البيضاويّ في تفسيره هذا القول، فيقول: إنّ أنوشيروان قد أعاد تعميره و ترميمه، لكنّ أصل بنائه كان على يد ذي القرنين.

  • و باب الأبواب حائط طويل و عال بُني على ساحل بحر الخزر في جوار سدّ مضيق داريال؛ و هذا القول غير صحيح لانّ أيّاً من الأوصاف التي ذكرها القرآن لسدّ ذي القرنين لا توجد فيه. و قد وقع بعض المؤرّخين المعاصرين في هذا الخطأ فتصوّر أنّ حائط دربند هو سدّ ذي القرنين، و قد ثبت عند المؤرّخين المسلمين أنّ أصل حائط دربند قد بني في زمن الساسانيّين بأمر أنوشيروان، و لا معنى لأن يكون يوسف اليهوديّ الرحّالة الإسرائيليّ المعروف الذي كان يعيش قبل أنوشيروان بقرون قد شاهده، لأنّ من المسلّم أنّ هذا الرحّالة قد شاهد ذا القرنين في أسفاره و ذكر خصائصه و صفاته.

  • و من ثمّ فإنّ سدّ ذي القرنين هذا هو السدّ الموجود في مضيق جبال قفقاز الممتدة من بحر الخزر إلى البحر الأسود، و يسمّى المضيق «داريال» (و داريال محرّف داريول التي تعني بالتركيّة المضيق، و يدعى هذا السدّ باللغة المحلّيّة دمير قاپو بمعنى البوّابة الحديديّة).

  • و يقع هذا المضيق بين بلدة «تفليس» و بين «ولادي كيوكز»، و هذا

    1. «الميزان» ج 13، ص 411.

معرفة المعاد ج٤

56
  • السدّ واقع في مضيق بين جبلين شاهقين يمتدّان من جانبيه، و هو وحده الفتحة الرابطة بين تلك السلسلة الجبليّة.

  • كما أنّ هذا المضيق هو الرابط الوحيد بين النواحي الشماليّة و النواحي الجنوبيّة، لأنّ تلك السلسلة الجبليّة بين بحر الخزر و البحر الأسود هي نفسها مانع و حاجز طبيعيّ يمتدّ آلاف الكيلو مترات و يفصل الجنوب عن الشمال.

  • و كان يهجم في تلك الأعصار أقوام شريرة من قاطني الشمال الشرقيّ من آسيا من مضيق جبال قفقاز إلى ما يواليها من الجنوب فيُغيرون على ما دونها من أرمينية ثمّ إيران حتّى آشور و كلدة، فلا يتورّعون في هجماتهم عن ارتكاب القتل و السبي و النهب، و قد هجموا مرّة في حوالي القرن السابع قبل الميلاد حتّى بلغوا نينوى عاصمة آشور، و كان ذلك في القرن السابق على عهد كورش.

  • و قد ذكر المؤرّخون اليونانيّون مثل هيرودوت سير كورش إلى شمال إيران لإخماد نوائر فتن اشتعلت هناك، و الظاهر أنه بنى السدّ في مضيق داريال في مسيره هذا بطلب من أهل الشمال و تظلّم منهم، و قد بناه بالحجارة و الحديد، و هو السدّ الوحيد المتين الذي استعمل فيه الحديد، و هو ذلك السدّ الواقع بين جبلين الذي ينطبق عليه قوله تعالى:

  • فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُمْ رَدْماً، آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ.

  • و ممّا أيد هذا المدّعى وجود نهر بالقرب منه يسمّى «سايروس» و هو اسم كورش عند الغربيّين، كما أنّ هذا الحائط يسمّى في الآثار التأريخيّة القديمة للأرمن «هاك كورائي» و معنى هذا اللفظ مضيق كورش أو ممرّ كورش. و من الجلي أنّ كتابات الأرمن في هذا الموضوع- بناء على

معرفة المعاد ج٤

57
  • قربهم من أرمينية و وجود المضيق- تعدّ بمنزلة شهادة محلّيّة.

  • و كما قلنا فإنّ يوسف اليهوديّ قد شاهده، ثمّ شاهده بعده المؤرّخ المعروف بروكوبيس في القرن السادس الميلاديّ و كتب عنه شرحاً.1

  • و إلى هنا ينتهي بحثنا عن ذي القرنين و يأجوج و مأجوج و بناء السدّ، و علينا الآن أن نرى ما معنى الدكّ الذي ورد في القرآن الكريم فعدّ دكّ سدّ ذي القرنين من علامات القيامة.

  • كما أنّ انفتاح السبيل ليأجوج و مأجوج ليتدفّقوا من كلّ صوب و حدب إلى البلاد و المدن قد عدّ من تلك العلامات، و انكسار السدّ و تدفّقهم من ملاحم القرآن و أخباره الغيبيّة.

  • حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَ مَأْجُوجُ وَ هُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ، وَ اقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يا وَيْلَنا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ.2

  • يقول العلّامة الطباطبائيّ مدّ ظلّه: أمعن أهل التفسير و المؤرّخون في البحث حول القصّة (قصّة يأجوج و مأجوج)، و أشبعوا الكلام في أطرافها، و أكثرهم على أنّ يأجوج و مأجوج امّة كبيرة في شمال آسيا، و قد طبّق جمع منهم ما أخبر به القرآن من خروجهم في آخر الزمان و إفسادهم في الأرض على هجوم التتر في النصف الأوّل من القرن السابع الهجريّ على غربي آسيا، و إفراطهم في إهلاك الحرث و النسل بهدم البلاد و إبادة النفوس و نهب الأموال و فجائع لم يسبقهم إليها سابق.

  • و قد أخضعوا أوّلًا الصين ثمّ زحفوا إلى تركستان و إيران و العراق

    1. «الميزان» ج 13، ص 425، نقلًا عن كلام أبي الكلام آزاد.
    2. الآيتان 96 و 97، من السورة 21: الأنبياء.

معرفة المعاد ج٤

58
  • و الشام و قفقاز إلى آسيا الصغرى، و أفنوا كلّ ما قاومهم من المدن و البلاد و الحصون، كسمرقند و بخارا و خوارزم و مرو و نيسابور و الري و غيرها فكانت المدينة من المدن تصبح و فيها مئات الالوف من الناس، و تُمسي و لم يبق من عامّة أهلها نافخ نار، و لا من هامة، أبنيتها حجر على حجر.

  • ثمّ رجعوا إلى بلادهم ثمّ عادوا و حملوا على الروس و دمروا أهل بولونيا و بلاد المجر، و حملوا على الروم و ألجأوهم على الجزية، كلّ ذلك في فجائع يطول شرحها.

  • معنى تحطّم سدّ ذي القرنين

  • لكنّهم أهملوا البحث عن أمر السدّ من جهة خروجهم منه و حلّ مشكلته، فإنّ قوله تعالى:

  • فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَ مَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً، قالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَ كانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا، وَ تَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ1 الآيات، ظاهرة على ما فسّروه أنّ هذه الامّة المفسدة محبوسون فيما وراءه لا مخرج لهم إلى سائر الأرض ما دام معموراً قائماً على ساقه، حتّى أنّ إذا جاء وعد الله سبحانه جعله دكّاء مثلّماً أو منهدماً فخرجوا منه إلى الناس و ساروا بالفساد و الشرّ.

  • فكان عليهم (أي على الباحثين و المؤرّخين) على هذا أن يقرّروا للسدّ وصفه هذا، فإن كانت الامّة المذكورة هي التتر و قد ساروا من شمال الصين إلى إيران و العراق و الشام و قفقاز إلى آسيا الصغرى، فأين كان هذا السدّ الموصوف في القرآن الذي وطئوه ثمّ طلعوا منه إلى هذه البلاد و جعلوا عاليها سافلها؟ (فإن كان المراد بيأجوج و مأجوج المغول و التتر فإنّ هذا الإشكال باقٍ في محلّه) و إن لم يكن (يأجوج و مأجوج) هي التتر أو

    1. الآيات 97 إلى 99، من السورة 18: الكهف.

معرفة المعاد ج٤

59
  • غيرها من الامم المهاجمة في طول التأريخ، فأين هذا السدّ المشيّد بالحديد و من صفته أنه يحبس امّة كبيرة منذ الوف من السنين من أن تهجم على سائر أقطار الأرض و لا مخرج لهم إلى سائر الدنيا دون السدّ المضروب دونهم، و قد ارتبطت اليوم بقاع الأرض بعضها ببعض بالخطوط البريّة و البحريّة و الجوّيّة و ليس يحجز حاجز طبيعيّ كجبل أو بحر، أو صناعيّ كسدّ أو سور أو خندق امّة من امّة، فأيّ معني لانصداد قوم عن الدنيا بسدّ بين جبلين بأيّ وصف وُصف و على أي نحوٍ فُرض؟

  • و الذي أرى في دفع هذا الإشكال- و الله أعلم- أن قوله: دكّاء من الدكّ بمعنى الذلّة، قال في «لسان العرب»: و جبل دكّ: ذليل- انتهى.

  • و المراد بجعل السدّ دكّاء جعله ذليلًا لا يعبؤ بأمره و لا ينتفع به من جهة اتّساع طرق الارتباط و تنوّع وسائل الحركة و الانتقال برّاً و بحراً و جوّاً. فحقيقة هذا الوعد (بجعل السدّ دكّاء) هو الوعد بِرُقِيِّ المجتمع البشريّ في مدنيّته، و اقتراب شتّى اممه إلى حيث لا يسدّه سدّ و لا يحوطه حائط عن الانتقال من أي صقع من أصقاع الأرض إلى غيره، و لا يمنعه من الهجوم و الزحف إلى أي قومٍ شاءوا.

  • و يؤيّد هذا المعنى سياق قوله تعالى في موضع آخر يذكر فيه هجوم يأجوج و مأجوج: حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَ مَأْجُوجُ حيث عبّر بفتح يأجوج و مأجوج و لم يذكر السدّ.

  • و للدكّ معنى آخر و هو الدفن بالتراب، ففي «صحاح اللغة»: دَكَكْتُ الرَّكِي- و هو البئر- دفنتُه بالتراب- انتهى. و معنى آخر و هو صيرورة الجبل رابية من طين. قال في «الصحاح»: و تَدَكْدَكَتِ الْجِبَالُ أي صَارَتْ رَابِيَةً مِن طِينٍ وَاحِدَتُهَا دَكَّاءُ- انتهى.

معرفة المعاد ج٤

60
  • فمن الممكن أن يحتمل أنّ السدّ من جملة أبنية العهود القديمة التي ذهبت مدفونة تحت التراب عن رياح عاصفة أو غريقة بانتقال البحار أو اتّساع بعضها على ما تثبتها الأبحاث الجيولوجيّة، و بذلك يندفع الإشكال لكنّ الوجه السابق أوجه.1

  • و كلام العلّامة الطباطبائيّ هذا ناظر إلى أبحاث أبي الكلام و السير أحمد خان اللذين أشارا بتحقيقهما في أمر السدّ من خلال الشواهد التأريخيّة و القرآنيّة و الآثار القديمة أنّ باني السدّ هو كورش، إلّا أنهما- مع ذلك كلّه- لم يحلّا مشكلة اندكاك السدّ الذي يعدّ من علامات القيامة، و قد حللناها بفضل الله تعالى بهذا البيان.

  • لقد عُدّ أمير المؤمنين عليه السلام ذا قرني الامّة في الكثير من الروايات التي وردت عن طريق الشيعة و السنّة، و هذه الروايات تصل إلى حدّ الاستفاضة إن لم نقل بوصولها حدّ التواتر.

  • يروي الصدوق في «إكمال الدين» بسنده المتّصل عن أبي بصير، عن الإمام محمّد الباقر عليه السلام:

  • قَالَ: إنَّ ذَا الْقَرنَينِ لَمْ يَكُنْ نَبِيَّاً، وَ لَكِنَّهُ كَانَ عَبْداً صَالِحاً أحَبَّ اللهَ فَأحَبَّهُ اللهُ، وَ نَاصَحَ لله فَنَاصَحَهُ اللهُ، أمَرَ قَوْمَهُ بِتَقْوَى اللهِ فَضَرَبُوهُ على قَرْنِهِ فَغَابَ عَنْهُمْ زَمَاناً ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِمْ فَضَرَبُوهُ على قَرْنِهِ الآخَرِ وَ فِيكُمْ مَنْ هُوَ على سُنَّتِهِ.2

  • أمير المؤمنين عليه السلام ذو قرني الامّة

  • كما يروي بسنده المتّصل عن الأصبغ بن نباتة، قال:

  • قَامَ ابْنُ الْكَوَّا إلَى أمِيرِ الْمُؤْمِنِين عَلِيِّ بْنِ أبي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَ هُوَ

    1. « الميزان» ج 13، ص 426 إلى 428.
    2. «إكمال الدين» الطبعة الحجرية، الباب 40، ص 220.

معرفة المعاد ج٤

61
  • على الْمِنْبَرِ فَقَالَ: يَا أمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! أخْبِرْنِي عَنْ ذي الْقَرْنِينِ أ نَبِيٌّ كَانَ أوْ مَلِكٌ؟ وَ أخْبِرْنِي عَنْ قَرْنَيْهِ أذْهَبُ كَانَ أوْ فِضَّةٌ؟

  • فَقَالَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: لَمْ يكُنْ نَبِيَّاً وَ لَا مَلِكاً وَ لَا قَرْنَاهُ مِنْ ذَهَبٍ وَ لَا فِضَّةٍ؛ وَ لَكِنَّهُ كَانَ عَبْداً أحَبَّ اللهَ فَأحَبَّهُ اللهُ وَ نَصَحَ اللهَ فَنَصَحَهُ اللهُ، وَ إنَّمَا سُمِّيَ ذَا الْقَرْنَيْنِ لأنهُ دَعَا قَوْمَهُ فَضَرَبُوهُ على قَرْنِهِ فَغَابَ عَنْهُمْ حِيناً، ثُمَّ عَادَ إلَيْهِمْ فَضَرَبُوهُ على قَرْنِهِ الآخَرِ؛ وَ فِيكُمْ مِثْلُهُ.1

  • و المراد بذلك نفسه الشريفة حين ضربه عَمرو بن وُدّ بالسيف على رأسه، ثمّ إنّه سيضرب مرّة اخرى، إذ سيضربه ابن ملجم المراديّ على قرنه بالسيف، و هذا من ملاحمه صلوات الله عليه.

  • و قد روي هذا الحديث في تفسير «البرهان» عن الصدوق بنفس السند، و في «علل الشرايع» أيضاً بهذا السند، و في «تفسير عليّ بن إبراهيم» دون ذكر السند؛2 كما أورده في كتاب «الغارات» ضمن حديث طويل يسأل فيه ابن الكوّا أمير المؤمنين عليه السلام3؛ و نقله عن «الغارات» المجلسيّ في «بحار الأنوار» المجلّد الرابع، باب «ما تفضّل عليّ عليه السلام به على الناس» ص 120، س 19، كما نقله عنه حسن بن سليمان الحلّيّ تلميذ الشهيد الأوّل في كتاب «مختصر البصائر» ص؛ و أورده كذلك في «البحار» المجلّد 13، باب الرجعة، ص 227، س 4. 14

  • و يقول في هامش ص 31 من كتاب «الغارات»: أورد هذا الحديث

    1. «إكمال الدين» الطبعة الحجرية، الباب 40، ص 220.
    2. «تفسير البرهان» ج 2، ص 641، الطبعة الحجرية؛ و« علل الشرايع» ص 40 و 41؛ و« تفسير القمّي» ص 402.
    3. «الغارات» ج 1، ص 182.
    4. «الغارات» ج 1، التعليقة الاولي من ص 182.

معرفة المعاد ج٤

62
  • ابن عساكر في تأريخه، ج 7، ص 300 بأدنى اختلاف في اللفظ؛ و المجلسيّ رحمة الله عليه في «بحار الأنوار» المجلّد 15، عن عليّ بن إبراهيم، بسنده عن أبي بصير، عن الإمام الصادق عليه السلام. كما أورد محمّد بن عليّ بن شهرآشوب في كتاب «المناقب» فصل «أنّ أمير المؤمنين الشاهد و المشهود و ذو القرنين»، الجزء الثالث من طبعة بمبي، ص 63، عن كتاب أبي عبيد «غريب الحديث» أنّ رسول الله صلّى الله عليه و آله قال لأمير المؤمنين عليه السلام:

  • إن لَكَ بَيْتاً في الْجَنَّةِ؛ وَ إنكَ لَذو قَرْنَيْهَا.

  • و جاء في الحديث أنّ سُوَيد بن غَفَلة و أبا الطفيل رويا عن أمير المؤمنين عليه السلام هذه الرواية التي أوردناها عن ابن الكوّا بأدنى اختلاف في اللفظ. و أورد هذه الرواية محمّد بن مسعود العيّاشيّ في تفسيره، في تفسير آية: يَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ؛ و رواها أحمد بن أبي طالب في كتاب «الاحتجاج».

  • يقول أبو عبيد القاسم بن سلام الهرويّ المتوفى سنة 224 هجريّة في كتاب «غريب الحديث»: قد كان بعضُ أهلِ العلمِ يتأوّل هذا الحديث [أي قول رسول الله: ذُو قَرْنَيْهَا] أنه ذو قرني الجنّة، يريدُ طرفيها، و إنّما تأوّل ذلك لذكره الجنّة في أوّل الحديث [فأرجعوا الضمير في «ذو قرنيها» إلى الجنّة]، و أمّا أنا فلا أحسبه أراد ذلك و الله أعلم، و لكنّه أراد [بقوله: ذُو قَرْنَيْهَا] أنك ذو قرني الامّة، فأضمر الامّة و إن كان لم يذكرها، و هذا سائر كثير في القرآن الكريم. ثمّ يضرب عدّة أمثلة من القرآن الكريم1 ثمّ

    1. كالآية الشريفة: وَ لَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ. و في موضع آخر: مَا تَرَكَ عَلَيْهَا. حيث إنّ الضمير في كلا الموضعين يعود إلى الارض مع أنها لم تُذكر. و كمثل الآية الشريفة: إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ، أي تورات الشمس، مع أنها لم تذكر. و نظير هذا كثير في كلام العامّة. و قد يقول القائل: مَا بِهَا أعْلَمُ مِنْ فُلَانٍ؛ يعني القرية و المدينة و البلدة. و نظير هذا قول حاتم طيء[ من البحر الطويل]:
      أمَاوِي مَا يُغْنِيالثّرَاءُ عَنِ الْفَتَى--إذَا حَشْرَجَتْ يوْماً وَ ضَاقَ بِهَا الصَّدْرُ
      --
      أَراد النفسَ فَأضمرها.

معرفة المعاد ج٤

63
  • يقول:

  • و إنّما اخترت هذا التفسير على الأوّل لحديث عن عليٍّ نفسه هو عندي مفسّر له و لنا، و ذلك أنه ذكر ذا القرنين فقال: دَعَا قَوْمَهُ إلَى عِبَادَةِ اللهِ فَضَرَبُوهُ على قَرْنِهِ ضَرْبَتَيْنِ، وَ فِيكُمْ مِثْلُهُ.

  • و نعلم من هذا الحديث أنه كان يعني نفسه الطاهرة، أي أنه يقول إنّني أدعو الناس إلى الحقّ حتّى اضرب ضربتين و اقتل على إثرهما.

  • كما أنّ الزمخشريّ في «الفائق» مادة [قَرَنَ]، ج 2، ص 327 قد أرجع الضمير إلى الامّة.

  • و أورد ابن منظور في «لسان العرب» مادّة «قرن» نظير مفاد كلام ابن الأثير، كما ذكر الزبيديّ في «تاج العروس» هذا الحديث بعد بحث مفصّل، و أورد تفسير أبي عبيد؛ ثمّ يبيّن مطلباً لطيفاً عن أبي الكمال السيّد أحمد عاصم في «اقيانوس بسيط» ترجمة «القاموس المحيط» في قول رسول الله لأمير المؤمنين عليهما صلوات الله:

  • إن لَكَ في الْجَنَّةِ بَيْتاً وَ إنكَ لَذُو قَرْنَيْهَا.1

  • و من هنا، و تبعاً لمفاد هذه الروايات المستفيضة، بل المتواترة التي ذكرنا بعضها هنا، و التي رواها الشيعة و السنّة و فسّروا ذا القرنين فيها بمعنى

    1. خلاصة التعليقة 31 من تعليقات« الغارات» ج 2، ص 740 إلى 745.

معرفة المعاد ج٤

64
  • مَن ضُرِب على قرنيه، و عيّنوا إن مَثَله في هذه الامّة أمير المؤمنين عليه السلام، فإنّ تطبيق الآيات الواردة في شأن ذي القرنين على كورش سيكون أمراً مُستعصياً.

  • من علامات القيامة ظهور الدخان في السماء و خروج دابّة الأرض

  • ظُهُورُ الدُّخَانِ في السَّمَاء

  • و أحد علامات القيامة: الدخان الذي يظهر في افق السماء، و هذا الدخان ظاهر جليّ، و هو علامة للعذاب:

  • فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ، يَغْشَى النَّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ، رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ، أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى وَ قَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ.1

  • خروج دَابَّة الأرضِ مِن عَلامَاتِ القِيامَة

  • و أحد علامات القيامة خروج دابّة الأرض:

  • وَ إِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ.2

  • فما المراد بدابّة الأرض في هذه الآية التي ذكرها الرسول الأكرم في هذه الرواية الشريفة، تلك الدابّة التي هي إحدى علامات يوم القيامة، و التي وردت أخبار كثيرة في شأنها؟

  • دابّة تخرج من الأرض فتكلّم الناس، و تَسِمُ المعاندين و المعارضين و الكافرين، و تجلو وجوه المؤمنين و الملتزمين، و تفرّق هذين الفريقين

    1. الآيات 10 إلى 13، من السورة 44: الدخان.
    2. الآية 82، من السورة 27: النمل.

معرفة المعاد ج٤

65
  • عن بعضهما في صفّين مختلفين متميّزين؟

  • هناك نكتة ما في عدم ذكر القرآن الكريم لاسمها، كما أنّ هناك نكتة في عدم ذكر اسم عليّ عليه السلام في جميع القرآن الكريم، مع أنّ جميع القرآن قد تحدّث عن مقامات أمير المؤمنين و صفاته و أخلاقه، أي عن مقام الولاية. فالولاية في الباطن هي النبوّة، و النبوّة هي ظاهر الولاية، و القرآن الكريم كتاب النبوّة، أي ظاهر الولاية.

  • الولاية هي تفسير القرآن و تأويله، و التفسير و التأويل في الباطن، لأنه تأويل و تفسير بالفرض. لذا لا يمكن- أُصولًا- أن يوجد اسم عليّ في القرآن، و من ثمّ فقد ورد في آثار كثيرة أنّ تفسير و تأويل آيات القرآن عائد إلى أمير المؤمنين عليه السلام، و إذا ما شاهدنا آيةً ما تفسّر في بعض التفاسير الواردة عن الأئمّة عليهم السلام على نحوٍ يرجع معه مفادها و معناها إليهم- عليهم السلام- أو إلى أعدائهم، فإنّ هذا راجع إلى تأويل القرآن لا إلى بيان الظاهر، و لا تنافي أبداً بين هذين المقامين و المرحلتين.

  • و من جملة ذلك هذه الآية الشريفة التي وردت في أخبار كثيرة نُقل معظمها في تفسير «البرهان» ذيل الآية الشريفة.

  • و قد روى في «مجمع البيان» عن محمّد بن كعب القرظيّ أنّ عليّاً صلوات الرحمن عليه سُئل عن المراد بهذه الدابّة، فقال:

  • أمَا وَ اللهِ مَا لَهَا ذَنَبٌ وَ إنَّ لَهَا لَلِحْيَة.1

  • أمير المؤمنين عليه السلام هو المراد بدابّة الأرض

  • و روى عليّ بن إبراهيم القمّي في تفسيره، عن أبيه، عن ابن أبي عُمير، عن أبي بصير، عن الإمام الصادق عليه السلام، قال:

  • انْتَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ إلَى أمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلَامُ

    1. «مجمع البيان» طبعة صيدا، ج 4، ص 234.

معرفة المعاد ج٤

66
  • وَ هُوَ نَائِمٌ في الْمَسْجِدِ قَدْ جَمَعَ رَمْلًا وَ وَضَعَ رَأسَهُ عَلَيْهِ، فَحَرَّكَهُ بِرِجْلِهِ ثُمَّ قَالَ لَه: قُمْ يَا دَابَّةَ اللهِ! فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أصْحَابِهِ: يَا رَسُولَ اللهِ! أ يُسمِّي بَعْضُنَا بَعْضاً بِهَذَا الاسْمِ؟

  • فَقَالَ: لَا، وَ اللهِ مَا هُوَ إلَّا لَهُ خَاصَّةً، وَ هُوَ الدَّابةُ التي ذَكَرَ اللهُ في كِتَابِهِ: وَ إِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ.

  • ثُمَّ قَالَ: يَا عَلَيُّ! إذَا كَانَ آخِرُ الزَّمَانِ أخْرَجَكَ اللهُ في أحْسَنِ صُورَةٍ وَ مَعَكَ مِيْسَمٌ تَسِمُ بِهِ أعْدَاءَكَ.

  • فقالَ رَجُلٌ لأبي عبدِ اللهِ (الصادق) عليه السلام: إنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ هَذِهِ الدَّابة إنمَا تَكْلِمُهُمْ؟

  • فقال أَبو عبد الله عليه السلام: كلمهم اللهُ في نَارِ جَهَنَّمَ، إنَّمَا هُوَ يُكَلِّمُهُمْ مِنَ الْكَلَامِ.

  • و الدليلُ على أنّ هَذَا في الرَّجْعَةِ قَوْلُهُ:

  • وَ يَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ، حَتَّى إِذا جاؤُ قالَ أَ كَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَ لَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.1

  • قال (الإمام): الآياتُ أَمِيرُ المُؤمِنِينَ وَ الائمَّةُ عليهمُ السَّلَامُ.

  • فقال الرجلُ لأبي عبد الله عليه السلام: إنَّ العَامَّةَ تَزْعَمُ أنَّ قَوْلَهُ «وَ يَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً» عنى به يوْمَ الْقِيَامَةِ (لا الرجعة).

  • فقال أبو عبد الله عليه السلام: أ فَيَحْشُرُ اللهُ مِنْ كُلِّ امَّةٍ فَوْجاً وَ يَدَع البَاقِينَ؟ لَا، وَ لَكِنَّهُ في الرَّجْعَةِ، وَ أمَّا آيةُ القِيامَةِ فَهِي:

    1. الآيتان 83 و 84، من السورة 27: النمل.

معرفة المعاد ج٤

67
  • وَ حَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً.1

  • يقول عليّ بن إبراهيم: و حدّثني أبي عن ابن أبي عُمير، عن المفضّل عن الإمام الصادق عليه السلام، قال:

  • قال رجلٌ لعمّار بن ياسر: يَا أبَا اليَقْظَان! آيةٌ في كتابِ اللهِ قَدْ أفْسَدَتْ قَلْبِي وَ شَكَّكَتْنِي.

  • قال عمّار: و أي آيةٍ هي؟

  • قال: قولُ اللهِ: وَ إِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ،2 الآية؛ فأيّ دابّة هي؟

  • قال عمّار: وَ اللهِ مَا أجْلُسُ وَ لَا آكُلُ و لَا أشْرَبُ حَتَّى ارِيكَهَا.

  • فجاء عمّار مع الرجلِ إلى أمير المؤمنين عليه السلام و هو يأكلُ تَمْراً و زبداً، فقال له: يَا أبا اليقظان هَلُمَّ! فجلسَ عمّار و أقبل يأكُل معه، فتعجّب الرجل منه، فلمّا قام عمّار قالَ لَهُ الرجلُ: سُبحانَ اللهِ! يَا أَبَا اليقظان حَلَفْتَ أَنكَ لا تأكلُ و لا تشربُ و لا تجلسُ حتّى ترينيها! قال عمّار: قَدْ أرَيْتُكَهَا إنْ كُنْتَ تَعْقِلُ!3

  • و قد نُقلت هذه الرواية عن عليّ بن إبراهيم في «مجمع البيان» و تفسير «البرهان»،4 و أوردها الأخير بسنده المتّصل عن الأصبغ بن نباتة قال:

  • دَخلْتُ على أمِيرِ المُؤمِنِينَ عَلَيهِ السَّلَامُ وَ هُوَ يَأكُلُ خُبْزَاً وَ خَلًا وَ زَيْتَاً،

    1. الآية 47، من السورة 18: الكهف.
    2. الآية 82، من السورة 27: النمل.
    3. « تفسير علي بن إبراهيم» ص 479 و 480.
    4. «مجمع البيان» ج 4، ص 234؛ و« تفسير البرهان» ج 2، ص 781.

معرفة المعاد ج٤

68
  • فَقُلْتُ: يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ! قَالَ اللهُ عَزَّ وَ جَلَّ:

  • وَ إِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ.

  • فَما هَذهِ الدَّابَّةُ؟

  • قَالَ: هي دَابَّةٌ تَأكُلُ خُبْزاً وَ خَلًا وَ زَيْتاً.1

  • و روى أيضاً بسنده المتّصل عن رسول الله صلّى الله عليه و آله:

  • تَخْرُجُ دَابةُ الأرْضِ وَ مَعَهَا عَصَا مُوسَى وَ خَاتَمُ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ، تَجْلُو وَجْهَ الْمُؤْمِنِ بِعَصَا مُوسَى، وَ تَسِمُ وَجْهُ الْكَافِرِ بِخَاتَمِ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ.2

  • و هذا هو مقام ظهور الولاية، لأنّ الولاية المطلقة لأمير المؤمنين عليه السلام طبقت المُلك و الملكوت، لكنّ تلك الولاية تظهر و تبرز و تتجلّى من خفائها و كمونها بعالم الشهادة حين تتحقّق مقدّمات القيامة.

  • و الولاية موجودة الآن أيضاً، إلّا أنه ليس لها ظهور لعامّة الناس، فهي مختفية لا يحسّونها و لا يدركونها. بلى، لها ظهور لخواصّ الناس الذين جاهدوا الجهاد الأكبر و طووا منازل الإخلاص و صاروا من عباد الله المقرّبين المخلَصين، فاولئك هم الذين يرون جميع حركات و سكنات العوامل تحت سيطرة الولاية و هيمنتها؛ أمّا في الرجعة فإنّ ظهور الولاية سيكون لعموم الناس.

  • علوّ مقام أمير المؤمنين عليه السلام

  • و لدينا في الكثير من الروايات: عَلِيٌّ قَسِيمُ الْجَنَّةِ وَ النَّارِ، وَ لَا يجُوزُ أحَدٌ على الصِّرَاطِ إلَّا وَ كَتَبَ عَلِيٌّ لَهُ الْجَوَازَ.

  • عليّ هو دابّة الأرض، يجلو بعصا موسى وجوه المؤمنين فتصبح نيّرة

    1. ( 1 و 2)-« تفسير البرهان» ج 2، ص 781 و 782.
    2. ( 1 و 2)-« تفسير البرهان» ج 2، ص 781 و 782.

معرفة المعاد ج٤

69
  • و ضّاءة، و يسم بميسمه وجوه الكفّار، و يفصل أفراد المؤمنين عن الكافرين واحداً فواحداً، و يميز الحقّ عن الباطل، و يشخّص أهل الجنّة من أهل النار.

  • و لقد تجلّى تجلّياً بسيطاً في هذه الدنيا فحار فيه المجوسيّ و النصرانيّ و اليهوديّ و بهتوا و أذعنوا لعظمته، فقافلة الوجود سائرة لاستكشاف مقامه و منزلته.

  • يقول جُبران خليل جُبران:

  • وَ في عَقِيدَتِي أنَّ عَلِيَّ بْنَ أبِي طَالِب أوَّلُ عَرَبِيٍّ جَاوَرَ الرُّوحَ الْكُلِّيَّة وَ سَامَرَهَا.

  • و يقولُ: عَلِيٌّ مَاتَ وَ الصَّلَاةُ بَيْنَ شَفَتَيْهِ.

  • و يقول: لَقَدْ فَاقَ عليُّ بْنُ أبي طالبٍ [عَلَيهِ السَّلَامُ] زمانَهُ، و لستُ أعلمُ ما السرُّ في أن يجيء الدهرُ أحياناً بأفرادٍ لا ينتمونَ إلى زمانهم!

  • و لقد أشار أمير المؤمنين عليه السلام بنفسه إلى هذا الأمر في وصيّته القصيرة حين ضُرب و سقط في الفراش، و ذلك في قوله:

  • غَداً تَرَوْنَ أيَّامِي، وَ يُكْشَفُ لَكُمْ عَنْ سَرَائِرِي؛ وَ تَعْرِفُونِي بَعْدَ خُلُوِّ مَكَانِي وَ قِيَامِ غَيْرِي مَقَامِي.1

  • و قوله:

  • وَ اللهِ مَا فَجَأنِي مِنَ الْمَوْتِ وَارِدٌ كَرِهْتُهُ، وَ لَا طَالِعٌ أنْكَرْتُهُ، وَ مَا كُنْتُ إلَّا كَقَارِبٍ وَرَدَ، وَ طَالِبٍ وَجَدَ، وَ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِلأبْرَارِ.2

  • بل ى، ذلك الإمام الذي كان يقول مرّةً:

    1. «نهج البلاغة» الخطبة 147، ج 1، ص 269، طبعة محمّد عبده- مصر.
    2. « نهج البلاغة» الكلمة 23، ج 2، ص 21.

معرفة المعاد ج٤

70
  • وَ لألْفَيْتُمْ دُنْيَاكُمْ هَذِهِ أزْهَدَ عِنْدِي مِنْ عَفْطَةِ عَنْزٍ.1

  • و يقول في موضعٍ آخر:

  • وَ إنَّ دُنْيَاكُمْ عِنْدِي لَاهْوَنُ مِنْ وَرَقَةٍ في فَمِ جَرَادَةٍ تَقْضِمُهَا.2

  • و في موضع:

  • وَ اللهِ لَدُنْيَاكُمْ هَذِهِ أهْوَنُ في عَيْنِي مِنْ عَرَاقِ3 خِنْزِيرٍ في يَدِ مَجْذُومٍ.4

  • ذلك الإمام الذي يروي مرّة عن رسول الله صلّى الله عليه و آله قوله:

  • مَوْتَةٌ على الْفِرَاشِ أشَدُّ مِنْ ضَرْبَةِ ألْفِ سَيْفٍ.5

  • و الذي تربّى في هذه المدرسة الإلهيّة بحيث صار يُقسم:

  • وَ الذي نَفْسُ ابْنِ أبِي طَالِبٍ بِيَدِهِ لألْفُ ضَرْبَةٍ بِالسَّيْفِ أهْوَنُ عَلَيَّ مِنْ مِيتَةٍ على الْفِرَاشِ.6

  • لحقيقٌ أن يكون عاشقاً للموت و لقاء الله تعالى، و حقيقٌ أن يُحار أفراد البشر أمام عظمته، أي عظمة الله تعالى، و لأن تخضع البشريّة أمامه و تخشع.

  • صَلَّى اللهُ عَلَيْكَ يَا أبَا الْحَسَنِ وَ على رُوحِكَ الطَّيِّبِ وَ بَدَنِكَ الطَّاهِرِ وَ رَحْمَةُ اللهِ وَ بَرَكَاتُهُ.

    1. «نهج البلاغة» الخطبة 3، ج 1، ص 37 من طبعة محمّد عبده- مصر.
    2. «نهج البلاغة» الخطبة 222، ج 1، ص 453.
    3. فبعض نسخ« نهج البلاغة» عراق بضمّ العين، و هو العظم الذي أُكل اللحم الذي عليه.
    4. «نهج البلاغة» الحكمة 236، ج 2، ص 188.
    5. «الغارات» ج 1، ص 43.
    6. «نهج البلاغة» الخطبة 121، ج 1، ص 237.

معرفة المعاد ج٤

71
  • داديم به يك جلوه رويت دل و دين را***تسليم تو كرديم همان را و همين را

  • ما سير نخواهيم شد از وصل تو آرى***لب تشنه قناعت نكند ماء معين را

  • مىديد اگر چشم ترا لعل سليمان***مىداد در اول نظر از دست نگين را

  • در دائره تاجْوَران راه ندارد***آن سر كه نسائيده به پاى تو جبين را 1

  • و قد ورد عن الخليل بن أحمد العروضيّ أنهُ سُئِلَ: لِمَ هَجَرَ النَّاسُ عَليَّاً، وَ قُرْبُهُ مِن رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ قُرْبُه، وَ مَوْضِعُهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مُوْضِعُهُ، وَ عِيَاذُهُ في الإسْلَامِ عِيَاذُهُ؟

  • فَقَالَ: بَهَرَ وَ اللهِ نُورُهُ أنْوَارَهُمْ، وَ غَلَبَهُمْ على صَفْوِ كُلِّ مَنْهَلٍ، وَ النَّاسُ إلَى أشْكَالِهِمْ أمْيَلُ.

  • ثُمَّ قَالَ: أ مَا سمعتَ الأوَّل حَيث يقُول:

  • وَ كُلُّ شَكْلٍ إلَى شَكْلِهِ آلِفٌ***أ مَا تَرَى الْفِيِلَ يَألَفُ الْفِيلَا

  • قَالَ: وَ أنْشَدَنَا الرياشيُّ في مَعْنَاهُ عن العبّاس بن الأحنف:

  • وَ قَائِلٍ كَيْفَ تَهَاجَرْتُمَا***فَقُلْتُ قَوْلًا فيهِ إنْصَافُ

  • لَمْ يَكُ مِنْ شَكْلِي فَهَاجَرْتُهُ***وَ النَّاسُ أشْكَالٌ وَ آلاف. 2

    1. يقول: و هبنا لحُسن طلعتك القلبَ و الدين معاً و وضعنا هما فيديْكَ.
      لن تَنقضي لوصلك لهفتنا، و لن يقنع الماءُ المعين الشفاه الظماء إليك.
      كان سيعطيك يا قوته منذ أوّل لمحة، خاتمُ سليمانَ، لو شاهدَ عينيك.
      و هيهات أن يجد سبيلًا لدائرة المتوَّجينَ، رأسٌ لم يمرّغْ جبينَه على قدمَيْك!
    2. «أمالي الصدوق» المجلس الأربعون، ص 190 و 191.

معرفة المعاد ج٤

72
  • وَ سُئِلَ أيْضَاً: مَا هُوَ الدَّلِيلُ على أنَّ عَلِيَّاً إمَامُ الْكُلِّ في الْكُلِّ؟

  • فَقَالَ: احْتِياجُ الْكُلِّ إلَيْهِ وَ غِنَاهُ عَنِ الْكُلِّ.

  • و سئلَ الخليلُ عن فضائل عليّ بن أبي طالب عليه السلام، فَقالَ:

  • مَا أقُولُ في حَقِّ مَنْ أخْفى أحِبَّاؤُهُ فَضَائلَهُ مِنْ خَوْفِ الأعْدَاءِ، وَ سَعَى أعْدَاؤُهُ في إخْفَائِهَا مِنَ الْحَسَدِ وَ الْبَغْضَاءِ، وَ ظَهَرَ مِنْ فَضَائِلِهِ مَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ مَا مَلَا الْمَشْرِقَ وَ الْمَغْرِبَ؟1

  • و ما أبدعَ و أروعَ ما أنشد الصاحب بن عبّاد في هذا المعنى:

  • مَا لِعَلِيِّ الْعُلَى أشْبَاهُ***لَا وَ الذي لَا إلَهَ إلَّا هُو

  • مَبْنَاهُ مَبْنَى النَّبِيِّ تَعْرِفُهُ***وَ ابْنَاهُ عِنْدَ التَّفَاخُرِ ابْنَاهُ

  • إنَّ عَلِيَّاً عَلَا على شَرَفٍ***لَوْ رَامَهُ الْوَهْمُ زَلَّ مَرْقَاهُ 2

    1. «روضات الجنّات» الطبعة الحجرية، ص 275؛ و الحروفيّة ج 3، ص 299 و 300. و قال مؤلّف الروضات: و ممّن صرّح بتشيع الخليل: القاضي نور الله الشوشتريّ ف-« مجالس المؤمنين»، و استدلّ على ذلك بوجوه، منها ما أوردناه هنا إلى قوله الذي يقول فيه: احتياج الكلّ إليه و غناهُ عن الكلّ.
    2. «الكنى و الألقاب» ج 1، ص 301، طبعة الصيدا.

معرفة المعاد ج٤

74
  •  

  •  

  • المَجْلِسُ الثَّانِي وَ الْعِشْرُون: نَفْخُ الصُّور وَ إحْيَاءُ الْمَوْتَى

  •  

  •  

معرفة المعاد ج٤

76
  •  

  •  

  • بسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

  • (مطالب القيت في اليوم الثاني و العشرين من شهر رمضان المبارك)

  • الحمد للَّه ربّ العالمين و لا حول و لا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم

  • و صلَّى الله على محمّد و آله الطاهرين

  • و لعنة الله على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين

  • قال الله الحكيم في كتابه الكريم:

  •  

  •  

  • وَ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ وَ كُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ* وَ تَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَ هِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ* مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَ هُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ* وَ مَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.1

  • و هذه الآية المباركة معروفة بآية نفخ الفزع، أي أنّ جميع مَن في السماوات و الأرض سيخافون و يهلعون و يفزعون و يروّعون بواسطة النفخ في الصور.

  • كما لدينا الآيتان 68 و 69 من السورة 39: الزمر:

  • وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ

    1. الآيات 87 إلى 90، من السورة 27: النمل.

معرفة المعاد ج٤

77
  • شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ* وَ أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَ وُضِعَ الْكِتابُ وَ جِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَ الشُّهَداءِ وَ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ.1

  • و الآية المباركة معروفة بآية نفخ الصَّعْق؛ و صُور الصعْق هو الصور الذي ينفخ فيه نفخة يهلك على إثرها الجميع، لانّ الصعق بمعنى الهلاك. إلّا أنه يستفاد من الآية الأخيرة أنّ لدينا صورين، أي أنّ النفخ في الصور على نحوين.

  • أحدهما النفخ الذي يموت على إثره جميع الأحياء في السماوات و الأرض.

  • و النحو الآخر النفخة الذي يبعث بواسطته جميع الأموات و يُنشرون بعد موتهم. ذلك لأنه يقول: ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى.

  • بِيَدِ أنّ الصعق و الفزع يمتلكان على الظاهر معنى واحداً، و قد وردا لإظهار حالة معينة، فالفزع في الآية يعني الخوف و الجزع المؤدّي إلى الموت، كما أنّ الصعق بمعنى الهلاك الذي يصيب الإنسان إثر خوف و رعب مفاجئ.

  • إذَن فمفاد صدر كلا الآيتين: الواردة في سورة النمل، و الواردة في سورة الزمر، هو النفخ في الصور الذي يصاب على إثره جميع الأحياء بالفزع و الرعب و الهلاك.

  • أمّا مفاد ذيل الآية الثانية، أي تلك الواردة في سورة الزمر، فهو إحياء

    1. قال في مجمع البيان» ج 7، ص 370 من طبعةدار نشر« ناصر خسرو» طهران ف- تفسير الآية: اي ماتوا لشدّة الخوف و الفزع، يدلّ عليه قوله فموضع آخر: فصعق من السماوات.( م)

معرفة المعاد ج٤

78
  • الأموات و بعثهم بعد هلاكهم و فنائهم. يقول الشيخ الطبرسيّ في «مجمع البيان»: و قيل هي ثلاث نفخات [ينفخها إسرافيل في الصور]، الاولى نفخة الفزع، و الثانية نفخة الصعق [التي يموت على إثرها جميع من في السماوات و الأرض]، و الثالثة نفخة القيام لربّ العالمين [و فيها يخرج جميع الناس من قبورهم].1

  • وقوع الصيحة السماويّة و خمود الناس

  • إلّا أننا سنبين إن شاء الله تعالى أنّ ذلك الفَرَق و الرعب الذي ينتاب الناس في الدنيا بواسطة النفخ في الصور، و المعبّر عنه بالصيحة:

  • إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ.2 و3

  • ليس إلّا صيحة واحدة لا أكثر سيخمد على إثرها جميع الناس و يتسمّرون و يفنون. و قد ورد في آية اخرى:

  • ما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَ هُمْ يَخِصِّمُونَ، فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَ لا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ.4

  • حتّى أنه ورد في الحديث: تقوم الساعة و الرجلان قد نشرا ثوبهما يتبايعانه فما يطويانه حتّى تقوم، و الرجل يرفع أكلته إلى فيه فما تصل إلى فيه حتّى تقوم، و الرجل يليط حوضه ليسقي ماشيته فما يسقيها حتّى تقوم.5

  • و لربّما كان مَن نقل الطبرسيُّ قولَه يريد بنفخة الفزع: الصيحة التي

    1. «مجمع البيان» تفسير آية نفخ الصور فسورة النمل، ج 4، ص 239.
    2. الآية 29، من السورة 36: يس.
    3. بالرغم من أنّ هذه الآية تتحدّث عن هلاك أهل أنطاكية، إلّا أنه يمكن استفادة العموم منها.
    4. الآيتان 49 و 50، من السورة 36: يس.
    5. «مجمع البيان» ج 4، ص 427.

معرفة المعاد ج٤

79
  • يُنادى بها في الدنيا فيهلك على إثرها الناس.

  • أمّا الصيحة التي تُطلق عند القيامة فإنّما هي صيحتان: صيحة تُميت أهل البرزخ ليردوا في القيامة، و أُخرى لأهل البرزخ أنفسهم ليبعثوا من جديد بعد موتهم.

  • و على ذلك فإنّ نفخة الفزع و نفخة الصعق عائدتان إلى أهل البرزخ لا إلى أهل الدنيا، و ليس هناك إلّا نفخة واحدة لا غير. أمّا النفخة الاخرى فتتعلّق بإحياء الأموات و بعثهم.

  • و على كلّ تقدير فإنّ النفخة التي يموت الناس على إثرها ثمّ يبعثون نفختان لا أكثر، نفخة الإماتة و نفخة الإحياء؛ النفخ في الصور للإماتة و نفخه للإحياء من جديد.

  • معنى الصور و النفخ فيه

  • و ينبغي أن نرى الآن ما هو الصور؟ الصور بمعنى القرن، أي قرن البقر أو الماعز أو الحيوانات الاخرى، المفتوح من أحد طرفيه و المغلق من الطرف الآخر، و الصور جمع [لا مفرد له]، و يكثر أن يُثقب فيُنفخ فيه من ذلك الثقب فيخرج الصوت من طرفه المفتوح مرتفعاً منتشراً، و يقال له في الفارسية «بوق».1

  • و بهذا الصور ينبأون بالموت، و بالاستعداد و التهيّؤ و الحياة. و قد ورد ذكر نفخة الصور في عشر مواضع من القرآن الكريم، كما استعمل لفظ الصيحة في ثلاثة عشر موضعاً منه.

  • أمّا ذلك الصور الذي تحصل الإماتة بواسطته فقد ورد في هاتين الآيتين فقط: آية الفزع و آية الصعق في سورتي النمل و الزمر، أمّا

    1. ف-« لسان العرب» مادّة[ بوق]: و البوق شبه مِنقاف ملتوي الخَرْق. ينفخ فيه الطحّان فيعلو صوته فيُعلم المراد به.( م)

معرفة المعاد ج٤

80
  • المواضع الأخرى فقد ورد فيها ذكر النفخ في الصور للإحياء و البعث.

  • و قد احتمل المرحوم الشيخ الطبرسيّ، و من قبله الشيخ المفيد رضوان الله عليهما، أنّ الصور في هذه الآيات جمع الصورة، و أنّ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ أي بواسطة النفخ في الصُّوَرِ فتحيا تلك الصُّوَر. و كما يصوّر الجنين في رحم الامّ ثمّ ينفخ فيه بعد تصويره فتحيا تلك الصورة و تتحرّك، فإنّ الله عزّ و جلّ يصوّر الموتى في قبورهم و ينفخ في صورهم فيُحييهم؛ و من ثمّ فإنّ صور جمع صورة.

  • كما يمكن القول إنّ الصور الموجودة في عالم البرزخ تتعلّق بالأفراد الذين رحلوا عن الدنيا، فهم يمتلكون صوراً برزخيّة يُنفخ فيها فيُبعثون؛ و في ضوء ذلك فلا احتمال هناك لكون الصور بمعنى البوق، كما أنه ليس إعلاناً للموت و الحياة.

  • بَيدَ أنّ هذا الاحتمال مُجانب للصواب، فهو أوّلًا مخالف لظواهر الآيات القرآنيّة، بل لصريح الآيات، إذ ليس هناك من صُوَر في النفخة الأولى لينفخ فيها، و لأنّ هذا الاحتمال- ثانياً- يتنافى مع المجيء بالضمير مفرداً في قوله تعالى نُفِخَ فِيهِ أُخْرى، لأنه يجب أن يقال عند صحّة هذا الاحتمال ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى أي النفخ في تلك الصُوَر.

  • و ثالثاً فإنّ هذا الاحتمال يوجب أن نترك- بلا داعٍ و لا مبرّر- النصوصَ الصريحة الصحيحة الواردة عن الأئمّة المعصومين عليهم السلام التي فسّرت الصور بالبوق. و نحن نعلم أنّ سيّد الساجدين صلوات الله عليه قال في دعائه الثالث من أدعية الصحيفة السجّاديّة الكاملة:

  • و إسرافيل صاحب الصور الشاخص الذي ينتظر منك الإذن و حلول

معرفة المعاد ج٤

81
  • الأمر، فينبه بالنفخة صرعى رهائن القبور.1

  • و عليه فإنّ الصور في هذه الآيات بمعنى البوق، و هو تلك الآلة التي تستعمل لبثّ الصوت و تكبيره، و المستخدمة في الطرق و الجبال و الصحاري و في مواقع القتال و الحرب التي تكثر فيها الجلبة و الضوضاء فلا يصل الصوت إلى جميع النقاط إلّا بها.

  • موجودات عالم البرزخ و القيامة لا تشبه موجودات عالم المادّة

  • إلّا أنّ هناك مطلباً ينبغي التنبيه إليه، و هو: لما ذا عُرفت هذه الآلة بالصُور؟ و هل الصور الذي في يد إسرافيل ينفخ فيه، هو هذا البوق المعروف الذي له طرف صغير و آخر كبير؟ و هل هو مكوّن من جسم مادّي يمسكه ذلك المَلَك المقرّب في يده، كما يفعل جنود الحكّام و الملوك، و ينفخ فيه بالحنجرة و النَّفَس الخارج من الرئة، فيخرج من إسرافيل هواء كَنَفس الإنسان و نفخه المسبّب للصوت، فيؤدّي إلى خروج الصوت من الصور، ذلك الصوت الذي يملأ فضاء عالم الدنيا و البرزخ، و تلك الموجات التي تهلك مَن تصيبه مِن موجودات عالم البرزخ، ثمّ يبعثون في الوهلة الاخرى؟ أم أنّ الأمر ليس على هذا النحو، و أنه أمر آخر؟

  • و من أجل بيان الأمر و إيضاحه لا بدّ لنا من ذكر مقدّمة، و هي أنّ جميع الموجودات في عالم البرزخ أو في عالم القيامة لا تشابه بأيّ وجه من الوجوه موجودات هذا العالم الذي هو محلّ الطبع و المادّة، كما لا تشابه اعتبارات و توهّمات و حُجب هذا العالم.

  • فالشخص الذي يرحل عن هذا العالم يترك جميع الامور الاعتباريّة2

  • معرفة المعاد ؛ ج4 ؛ ص81
    1. «بحار الأنوار» ج 6، ص 326، الطبعة الحروفيّة مع التوضيحات التي ذكرناها لها سابقاً.
    2. حسينى طهرانى، سيد محمد حسين، معرفة المعاد، 10جلد، دار المحجة البيضاء - بيروت - لبنان، چاپ: 1، 1416 ه.ق.

معرفة المعاد ج٤

82
  • و الأفكار و الخيالات التي تدور حول المصالح الشخصيّة وراء ظهره و يخلّفها في زوايا النسيان، فيرد عالماً جديداً لا يشبه هذا العالم بأيّ وجه من الوجوه. كما أنّ الموجودات البرزخيّة حين تريد ورود عالم القيامة فإنّها تتخلّى عن خصوصيّات عالم البرزخ و تتعرّى عنها و عن لوازمها، فترد عالم القيامة دونها.

  • بَيدَ أنه قد ذُكر لنا ذلك باعتبار عدم وجود أي معرفة و انس لنا بتلك العوالم، فالآيات القرآنيّة الكريمة و الروايات الواردة عن المعصومين سلام الله عليهم أجمعين حين قرّبت تلك المعاني لأفهامنا و إدراكنا كان لا بدّ لها الدخول من باب تشبيه المعقول بالمحسوس، و خلع لباس المحسوسات على تلك المعاني الرفيعة و الدقائق السنيّة، و صبّها و قولبتها في قالب تلك المحسوسات.

  • فالإنسان- مثلًا- يرى في عالم الرؤيا و المنام أنه يُرزق رزقاً معنويّاً و باعتبار أنّ الحليب هو ذلك الرزق الطاهر السائغ و المفيد له في عالم اليقظة، يفيد منه جميع الناس، المرأة و الرجل، الشيخ و الشابّ، الصغير و الكبير، و السليم و السقيم، فإنه سيرى ذلك الرزق المعنويّ الروحانيّ في عالم الرؤيا في هيئة الحليب، فيُصوّر له أنه يشرب منه.

  • و حين يذهب إلى مفسّر الأحلام فيقصّ عليه رؤياه و يسأله تفسيره، فإنّ المفسّر سيقول له: إنّك ستُرزق رزقاً معنويّاً و روحانيّاً، و هذا من باب أُنس ذهن المفسّر بارتباط الغذاء المعنويّ و الروحانيّ بالغذاء المادّيّ اللطيف، و بإدراك حالات من يشاهد الرؤيا و كيفيّة تداعي المعاني في نفسه.

  • و ذلك لانّ ذهن من يشاهد الرؤيا محروم عن إدراك الحقائق المجرّدة

معرفة المعاد ج٤

83
  • بسبب انسه و الفته بعالم المادّة، فهو يتصوّر كلّ غذاء لطيف مفيد لا ضرر فيه في قالب الحليب و مفهومه، لذا فإنّه سيمثّل في عالم النوم ذلك الغذاء المعنويّ و يجسّده في هيئة الحليب، و إلّا فليس هناك في عالم البرزخ حليب مادّي.

  • و قد يشاهد الإنسان في الرؤيا أنه يسبح في بحرٍ ما، و حين يرجع إلى المفسّر فسيقول له: إنّك ستخوض غمار علوم طاهرة فتستفيد منها، لأنّ العلم الخالي من الغشّ و الجهل يتمثّل في الدنيا في هيئة ماء زلال لا كدر فيه و لا طين، و هذا من باب تنزّل المعقول إلى المحسوس.

  • و لدينا الكثير من هذا القبيل في آيات القرآن الكريم، مثل:

  • الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى.1

  • وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ.2

  • أ فهل للّه تعالى جسم و بدن محسوس ليحتاج إلى الجلوس على عرش و كرسيّ؟ و ليكون له عرش مُلكٍ و سُلطان يجلس عليه فيأمر و ينهى؟

  • ليس الله تعالى جسماً، و ليس له حدّ و لا نهاية، و لا يحيطه مكان و لا زمان، بل هو بسيط مجرّد، و هو محض الوجود و الوجود المحض بلا كمّيّة و لا كيفيّة بأيّ عنوان كانت؛ و جميع السماوات و الأرضين في حضوره و في قبضته و تحت قدرته:

  • وَ السَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ.3

  • أمّا لو شاء مَلِكٌ ما في عالم الطبع و محلّ الامور الاعتباريّة هذا، أن

    1. الآية 5، من السورة 20: طه.
    2. الآية 255، من السورة 2: البقرة.
    3. الآية 67، من السورة 39: الزمر.

معرفة المعاد ج٤

84
  • يأمر و ينهى، و أن يصدر حُكماً أو قراراً، فإنّه يذهب إلى حيث مظهر قدرته، فيجلس على عرشه، ذلك العرش المزيّن بالجواهر التي تمثّل تعيّنه و اعتباره، ثمّ يصدر أمره و حكمه من فوق ذلك العرش بينما يصطفّ أمامه جميع أعضاء الدولة و ضبّاطها و قادتها مستعدّين متأهّبين لتنفيذ أمره، و هو من باب تشبيه المعقول بالمحسوس، فالأحكام الصادرة من حضرة ذي الجلال و أمره و نهيه قد بُيّنت هي الأخرى بهذه المضامين و بهذه الألفاظ الممثّلة لهذه المعاني.

  • أمّا عرش الله و كرسيّه فليسا جسماً، و لا جهة لهما، و ليس الله جسماً ليستقرّ على ذلك الموضع، بل كرسيّه سبحانه محيط بجميع السماوات و الأرض، و عرشه محيط بعالم الوجود و أرجائه، و بجميع عالم الإمكان و بجميع المخلوقات، بل و بأسمائه و صفاته؛ أي أنه مسيطر و مهيمن عليها جميعاً بإرادته و اختياره و مشيئته المطلقة، و مهيمن و حاكم على أرجاء عالم الخلقة، و هو الملك و الحاكم الأوحد لعالم الوجود.

  • ثمّ إنّ جميع موجودات عالم الطبع تحت كرسي الله، أي الملكوت الأسفل، و هي جميعاً تحت عرش الله، و هو الملكوت الأعلى. و على ذلك فإنّ عرش الله يعني مشيئة الله و قدرته؛ و كرسيّه يعني جميع الموجودات الواقعة تحت تلك القدرة و المشيئة القاهرة و قد ظهرت و تلبّست بلباس الوجود.

  • وَ جاءَ رَبُّكَ وَ الْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا.1

  • فلو تصوّر امرؤ من هذه الآية المباركة أنّ مجيء الله تعالى كمجيء الحكّام و السلاطين الذين يأتون يوم ظهور قدرتهم بابّهة و عظمة بينما يقف

    1. الآية 22، من السورة 89: الفجر.

معرفة المعاد ج٤

85
  • الضبّاط و الجنود مصطفّين سماطين في تلك الهيئة الخاصّة، لكان تصوّره هذا خاطئاً و مجانفاً للحقيقة.

  • بل لأنّ عظمة الملوك و جلالهم في عالم الاعتبار يتجلّيان في المجيء بهذه الكيفيّة، و في إظهار الجلال و القدرة على هذا النحو، فقد شُبّهت لنا قدرةُ و عظمة الله جلّ شأنه و علا قدره في يوم القيامة بهذه الصورة من باب تشبيه المعقول بالمحسوس، و إلّا فإنّ ورود الملائكة ليس وروداً ماديّاً، كما أنهم ليسوا في جهة مادّيّة و مكان مادّيّ، فالملائكة هم الموجودات المقرّبة التي طبّقت جميع العوالم.1

  • و كونهم صفّاً صفّاً يعني القدرة تلو القدرة، و العلم تلو العلم، و الحياة تلو الحياة؛ كما أنّ مجيء الملائكة ليس بأقدام مادّيّة، بل هو اقتراب و ظهور تدريجيّ، و مجيء الله تعالى ليس مجيء جسم أو هيكل معين، و ليس له تعالى قدم، بل مجيئه تعالى ظهور تجلّيات جماله و جلاله الذي عُبّر عنه في العربيّة بالمجيء باعتبار حصوله تدريجيّاً في القيامة، و باعتبار تحقّق لقاء الحضرة الأحديّة.

  • و الخلاصة فقد ورد الكثير من هذا النوع من التعبيرات في كتاب الله و بيانات رسول الله و الأئمّة الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين.

  • و بناء على أنّ الألفاظ وُضعت للمعاني العامّة الكلّيّة، كما هو الحقّ المحقّق في محلّه، فلا مجال للشكّ و الارتياب في هذا الأمر، و لا حاجة لنا

    1. المراد بعدم كون الملائكة مادّيّين، أنّ أصل خلقتهم ليس من الأرض، و أنهم ليسوا كالإنسان المخلوق من الطين، و لا كالجنّ المخلوقين من النار و الدخان و الغاز، و ليس المراد بذلك عدم تمتّعهم بآثار المادّة و خواصّها كالكمّ و الكيف، و إلّا فلا ترديد هناك من ارتداء الملائكة لباس الصورة و تشكّلهم فأشكال مختلفة.

معرفة المعاد ج٤

86
  • لتشبيهات و استعارات و كنايات لإيصال المعاني و تفهيمها، بل إنّ الألفاظ متكفّلة بنفسها بإيفاء هذه المعاني.

  • في أنّ الأنبياء قد خاطبوا الناس على قدر عقولهم

  • و ما يحلّ هذا الإشكال و يكشف الستار عن هذا اللغز، رواية وردت عن الرسول الأكرم صلّى الله عليه و آله في أنّ الأنبياء يكلّمون الناس دوماً على قدر عقولهم و إدراكهم.

  • يروي الكلينيّ في «اصول الكافي» عن جماعة من الأصحاب؛ و في «روضة الكافي» عن محمّد بن يحيى، و كلا السندين عن أحمد بن محمّد ابن عيسى، عن الحسن بن علي بن فضّال، عن بعض أصحاب الإمام الصادق عليه السلام.

  • قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: مَا كَلَّمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ الْعِبَادَ بِكُنْهِ عَقْلِهِ قَطُّ. وَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ: إنَّا مَعَاشِرَ الأنْبِيَاءِ امِرْنَا أنْ نُكَلِّمَ النَّاسَ على قَدْرِ عُقُولِهِمْ.1

  • إن إسرافيل من ملائكة الله المقرّبين، و هو الملك المأمور بالإحياء، فوجوده يطبّق جميع عوالم الإمكان المحتاجة إلى الحياة، و صُوره قدرته، و صُوره أجنحته الملكوتيّة و المعنويّة، و صورُه إمكاناته التي مَنَّ عليه بها الربّ جلّ و علا، و الوسائل الخاصّة التي جهّزه بها و وهبه إمكان الإحياء.

  • فصُور إسرافيل- إذَن- هو الثروة العلميّة و القدرة التي في يده،

    1. «اصول الكافي» ج 1، ص 23؛ و« روضة الكافي» ص 268. و أورده في« تحف العقول» ص 36، و في« بحار الأنوار» الطبعة الكمباني، المجلّد 17( الروضة)، ص 41 و المجلّد 77، ص 140 من الطبعة الحروفيّة، عن« تحف العقول» بلفظ: قال رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم:« إنّا معاشر الأنبياء امرنا أن نكلّم الناس على قدر عقولهم». و روى البرقيّ في« المحاسن» ص 165 بسنده عن سليمان بن جعفر بن إبراهيم الجعفريّ، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه و آله: إنّا معاشر الأنبياء نكلّم الناس على قدر عقولهم.

معرفة المعاد ج٤

87
  • و اختياره خاضع لاختيار الله تعالى.

  • ينفخ إسرافيل في صوره الخاصّ فتهلك جميع الموجودات، ثمّ ينفخ فيه كرّة اخرى فيُحيى جميع الموتى و الهالكين. و ليس بوقه و صوره جسماً و لا هيئة له، و ليس شرقيّاً و لا غربيّاً، بل إنّه قد طبق جميع السماوات و الأرض و ما بينهما. و أصحاب مثل هذه القدرة التي أفاضها الله عليهم يحيطون بجميع العوالم العلويّة و السفليّة و يسيطرون و يهيمنون عليها و يعملون كلّ لحظة بوظيفتهم بأمر الله تعالى.

  • و قد روي في «تفسير عليّ بن إبراهيم» ذيل آية وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ، عن ثوير بن أبي فاختة، عن الإمام السجّاد عليه السلام يقول فيها:

  • وَ لِلصُّورِ رَأسٌ وَاحِدٌ وَ طَرَفَانِ؛ وَ بَينَ طَرَفِ كُلِّ رَأسٍ مِنْهُمَا مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الأرْضِ.1

  • التعبير عن النفخ في الصور بنداء المنادي

  • كما عبّر عن الصور بألفاظ اخرى في بعض آيات القرآن؛ إذ يعبّر عنه في موضع بتعبير:

  • وَ اسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ، يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ.2

  • فهم يخرجون من القبور في ذلك اليوم، و يتّجهون من عالم البرزخ إلى القيامة و ذلك هو يوم الحشر.

  • و للفظ «نداء» معنى أصيل، و لاستماعه حقيقة و واقعيّة، كما أنّ الحيّ هو الذي يمكنه الاستماع و الاستفادة من ذلك السماع، فالميّت لا يمكنه

    1. «تفسير القمّي» ص 580.
    2. الآيتان 41 و 42، من السورة 50: ق.

معرفة المعاد ج٤

88
  • الاستماع إلى شيءٍ ما أو سماعه.

  • و نعلم- من جهة- أنّ هذا النداء يوجّه إلى الموتى فيحيون بواسطته، فنستنتج أنّ النداء نفس كلمة الإحياء، و أنّ إسرافيل ينادي بواسطة اسم المحيي، و أنّ الحياة هي عين الاستماع.

  • فذلك الصور الذي ينفخ فيموت الناس يمثّل كلمة المُميت، فيكون ذلك على يد عزرائيل، و ذلك الصور الذي ينفخ فيحيا الناس و يُبعثون هو كلمة المحيي، و يكون على يد إسرافيل.

  • هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَ يُمِيتُ فَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.1

  • إرادة الله لإحياء الموجودات هي إحياؤهم و بعثهم، و إرادة الله على إماتة الموجودات هي إماتتهم.

  • العلّة في عدم التعبير عن النفخ في الصور بالموت

  • إلّا أنّ هنا نكتة ينبغي عدم نسيانها هنا، و هي: لما ذا لم يُعبّر عن الموت في آية الصعق المباركة بلفظ الموت، بل عُبّر عنه بلفظ الصعق:

  • وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ.2

  • فَلِمَ لَمْ يقل يا ترى: فَمَاتَ، أو فَيَمُوتُ مَن في السماواتِ وَ مَنْ في الأرْضِ؟

  • ذلك لأنّ الموت خروج الروح من البدن، بينما الموجودات التي في عالم البرزخ لا بدن لها، كي تخرج الروح منه و تغادره؛ لذا لم يعبّر عن ذلك ب- «الموت».

  • أمّا الفناء و الهلاك فلا اختصاص له بخروج الروح من البدن، بل يشمل هذا المورد و الموارد الأخرى التي تمثّل الموجودات الحيّة التي

    1. الآية 68، من السورة 40: غافر.
    2. الآية 68، من السورة 39: الزمر.

معرفة المعاد ج٤

89
  • لا بدن لها. و على هذا الأساس فإنّ الله سبحانه يقول عن أصحاب الجنّة:

  • لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى.1

  • و هذا الموت هو الذي ذاقوه في الدنيا، مع أنّ أهل الجنّة يتوجّهون- بدورهم- من البرزخ إلى القيامة، إلّا أنه لا يحصل هنا خلع و لبس للصورة، بل يحصل خلع فقط، بَيدَ أنّ هذا الخلع لم يعبّر عنه بالموت، و إلّا توجّب أن يكون لأهل الجنّة موتان.

  • و علّة ذلك أنّ نفوسهم في عالم البرزخ لم تكن مبتلاة بالصورة و الهيئة، و لا مقيّدة و محبوسة فيها ليحتاج الخلاص منها و التحرّر منها إلى مشقّة و قلق و فزع و تحمّل للآلام و لمستلزمات هذا الخلع، فنفوسهم تخرج من الصورة و الهيئة تلقائيّاً و تذهب إلى القيامة:

  • يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ.2

  • أمّا غير أصحاب الجنّة فلهم موتان و حياتان، الأوّل: الموت من الدنيا و عالم الطبع و المادّة، و خلع البدن و ارتداء الصورة و الورود في عالم البرزخ.

  • و الثاني: الموت من عالم البرزخ و الصورة، و خلع الصورة و ارتداء المعنى المجرّد النفسيّ و الورود في عالم القيامة.

  • الأوّل هو الموت الدنيويّ و الحياة البرزخيّة، و الثاني الموت البرزخيّ و حياة القيامة.

  • ثمّ إنّ أهل جهنّم يضجّون و يصطرخون في خضمّها بهذا النداء:

  • قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَ أَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى

    1. الآية 56، من السورة 44: الدخان.
    2. الآية 40، من السورة 40: غافر.

معرفة المعاد ج٤

90
  • خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ.1

  • و هذان الموتان هما الموت الدنيويّ و البرزخيّ، و هاتان الحياتان هما الحياة البرزخيّة و حياة القيامة. بَيدَ أنهُ حين ينفخ في الصور فيُصار إلى إهلاك جميع الأحياء، فإنّ الأحياء فوق الأرض ممّن يمتلكون بدناً و مادّة لا يموتون وحدهم فحسب- حيث لا إشكال في التعبير بشأنهم بالموت- بل إنّ جميع الموجودات الحيّة في عالم البرزخ و الملائكة المقرّبين و الأرواح الطيّبة و سكّان الملأ الأعلى من نفوس الصدّيقين و القدّيسين و المقدّسين و المخلصين و النفوس الشريفة لعباد الله الصالحين، ممّن لا يمتلكون بدناً أصلًا، و ممّن كانت خلقتهم الاولى مجرّدة عن المادّة، أو ممّن كانت لهم أبدان فخلعوها سيكونون المخاطبين بالفناء و الهلاك.

  • لذا لم يعبّر عن ذلك ب- «الموت» و جاء التعبير عنه ب- «الصعق» الذي لا يختصّ بذوي الأبدان.

  • روى في «تفسير عليّ بن إبراهيم» ذيل آية الصعق، بسنده عن أبيه، عن الحسن بن محبوب، عن محمّد بن النعمان الأحوال، عن سلام بن المستنير، عن ثوير بن أبي فاختة، عن الإمام السجّاد زين العابدين عليّ بن الحسين عليهما السلام، قال:

  • سُئِلَ [عَلَيهِ السَّلَامُ] عَنِ النَّفْخَتَيْنِ كَمْ بَينهما؟ قَالَ: مَا شَاءَ اللهُ.

  • فقيل له: فأخبرني يَا بْنَ رسولِ اللهِ كَيْفَ يُنفَخُ فيه؟

  • فقال: أمَّا النفخة الاولى فإنَّ اللهَ يأمرُ إسرافيلَ فيهبطُ إلى الأرضِ و معه الصُّورُ، و للصُّورِ رأسٌ وَاحدٌ و طَرَفَانِ و بَينَ طَرفِ كلِّ رَأسٍ منهما مَا

    1. الآية 11، من السورة 40: غافر

معرفة المعاد ج٤

91
  • بَينَ السماءِ و الأرضِ.

  • قال: فَإذَا رأت الملائكة إسرافيل و قد هبطَ إلى الدُّنيا و معهُ الصُّورُ، قالوا: قَدْ أذِنَ اللهُ في مَوْتِ أَهْلِ الأرْضِ.

  • قَالَ: فينفخُ فيه نفخةً فيخرج الصَّوْتُ من الطرفِ الذي يلي أهلَ الأرضِ، فلا يبقى في الأرض ذُو روحٍ إلّا صعقَ و ماتَ. و يخرجُ الصَّوتُ مِن الطرف الذي يلي أهلَ السماواتِ، فلا يبقى في السماواتِ ذُو روحٍ إلّا صعقَ و ماتَ إلّا إسرافيل، فيمكثونَ في ذلك ماشاءاللهُ.

  • قال: فيقولُ اللهُ لإسرافيلَ: يا إسرافيلُ مُتْ! فيموتُ إسرافيلُ فيمكثونَ في ذلك ماشاء اللهُ، ثمّ يأمُر اللهُ السماواتِ فتمور، و يأمر الجبالَ فتسير، و هو قوله:

  • يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً، وَ تَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً.1

  • يعني: تُبسط. و [الآية]:

  • يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ.2

  • يعني: بأرضٍ لم تُكْسَب عليها الذنوب بارزةً ليس عليها جبالٌ و لا نباتٌ كما دَحَاها أوَّلَ مرّةٍ، و يعيد عَرْشَهُ على الماءِ كما كانَ أوَّلَ مَرّةٍ مُستقلًا بعظمتهِ و قُدرته.

  • قال: فعند ذلك ينادي الجبّارُ جلَّ جلالُه بصوتٍ من قبله جهوريّ يُسمع أقطار السماواتِ و الأرضين: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ؟3 فلا يجيبه مُجيبٌ فعند ذلك يقول الجبّار مجيباً لنفسه: اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ، و أنا قهرتُ

    1. الآيتان 9 و 10، من السورة 52: الطور.
    2. الآية 48، من السورة 14: إبراهيم.
    3. الآية 16، من السورة 40: غافر.

معرفة المعاد ج٤

92
  • الخلائقَ كلَّهم فَأمَتُّهُمْ.

  • إنِّي أنَا اللهُ لَا إلَهَ إلَّا أنَا وَحْدِي لَا شَرِيكَ لِي وَ لَا وَزِيرَ لِي، وَ أنَا خَلَقْتُ الْخَلْقَ بِيَدِي وَ أنَا امِيتُهُمْ بِمَشِيَّتِي، وَ أنَا أُحْيِيهمْ بِقُدْرَتِي.

  • قال: فينفخُ الجبّارُ نفخةً في الصُّورِ فيخرجُ الصَّوتُ من أحدِ الطرفينِ الذي يلي السماواتِ فلا يبْقى في السماوات أحدٌ إلّا حيي و قامَ كما كان، و يعود حملةُ العرشِ، و تحضر الجنّةُ و النَّارُ، و تُحشر الخلائقُ للحسابِ.

  • قال [الراوي ثوير بن فاختة]: فرأيتُ عليَّ بْنَ الحسين عليهما السلام يبْكي عند ذلك بُكَاءً شَدِيداً.1

  • قبض روح جميع الملائكة و بقاء ذات الله عزّ و جل وحدها

  • و روى في «الكافي» عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة بن أيّوب، عن أبي المعزا، قال: حدّثني يعقوب الأحمر، قال: دخلنا على أبي عبد الله (الصادق) عليه السلام نُعزّيه بإسماعيل، فترحّم عليه، ثمّ قال:

  • إن اللهَ عَزَّ وَ جَلَّ نَعَى إلَى نَبِيِّه صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَ آلِهِ نَفْسَهُ فقال:

  • إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ.2

  • و قال: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ.*3

  • ثُمّ أنشأ يحدّث فقال: إنَّهُ يموتُ أهلُ الأرضِ حَتَّى لَا يَبقى أحدٌ، ثُمَّ يموتُ أهلُ السَّماءِ حَتَّى لا يبْقَى أَحدٌ إلَّا مَلَكُ الْمَوْتِ وَ حَمَلَةُ الْعَرْشِ وَ جَبْرَئِيلُ وَ مِيكَائِيلُ عَلَيهِمُ السَّلَامُ.

    1. «تفسير القمّي» ص 580 و 581 الطبعة الحجرية.
    2. الآية 30، عن السورة 39: الزمر.
    3. الآية 185، من السورة 3: آل عمران؛ و الآية 35 من السورة 21: الأنبياء؛ و الآية 57، من السورة 29: العنكبوت.

معرفة المعاد ج٤

93
  • قال: فيجيء مَلَكُ الموتِ عليه السلام حتّى يقوم بين يدي الله عزّ و جل فيُقال له: مَنْ بقي- و هو أعلم-؟ فيقول:: يَا ربِّ لَمْ يَبْقَ إلَّا مَلَكُ الموتِ و حملةُ العرشِ و جبرئيلُ و ميكائيلُ عَلَيهِمُ السَّلَامُ.

  • فيقال له: قُلْ لجبرئيلَ و ميكائيلَ فَلْيَمُوتَا! فتقول الملائكةُ عند ذلك: يا رَبِّ رَسُولَيْكَ وَ أمِينَيْكَ.

  • فيقول: إنِّي قَدْ قَضَيْتُ على كُلِّ نَفْسٍ فِيهَا الرُّوحُ الْمَوْتَ.

  • ثُمّ يَجيءُ مَلَكُ الموتِ حَتّى يقفَ بَينَ يدي اللهِ عزّ و جلَّ فيُقال له: مَنْ بقي؟- و هو أعلم-

  • فيقولُ: يَا رَبِّ، لَمْ يَبْقَ إلَّا مَلَكُ الْمَوتِ و حملةُ العرشِ.

  • فيقول: قُل لِحملةِ العَرْشِ فَلْيَمُوتُوا!

  • قال: ثُمَّ يجيء كَئيباً حَزيناً لَا يرفع طَرْفَهُ، فيقال: مَنْ بَقي؟

  • فيقول: لَمْ يَبْقَ إلَّا مَلَكُ الْمَوْتِ.

  • فيُقال له: مُتْ يَا مَلَكَ الْمَوْتِ! فَيمُوتُ.

  • ثُمَّ يأخذُ الأرْضَ بيمينه و السَّماوات بيمينِهِ و يقولُ: أين الذين كانوا يدعون معي شريكا؟ أين الذين كانوا يجعلون معي إلها آخر.1

  • يقولُ أمير المؤمنين عليه السلام:

  • وَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَتَزْهَقُ كُلُّ مُهْجَةٍ، وَ تَبْكَمُ كُلُّ لَهْجَةٍ، وَ تُدَكُّ الشُّمُّ الشَّوَامِخُ، وَ الصُّمُّ الرَّوَاسِخُ؛ فَيَصِيرُ صَلْدُهَا سَرَاباً رَقْرَقاً، وَ مَعْهَدُهَا قَاعاً سَمْلَقاً؛ فَلَا شَفِيعٌ يَشْفَعُ، وَ لَا حَمِيمٌ يَدْفَعُ، وَ لَا مَعْذِرَةٌ تَنْفَعُ.

  • نبّهنا الله جميعاً ببركات أمير المؤمنين عليه السلام لنعي في هذه

    1. «الكافي» الطبعة الحروفيّة، ج 3، أبواب الجنائز ص 256 و 257؛ و الطبعة الحجريّة، ج 1، ص 70 و 71.

معرفة المعاد ج٤

94
  • الأيّام المعدودة من الدنيا أي عواقب تنتظرنا!

  • و لقد كان عليه السلام يحذّر الناس في خطبه و جلساته سرّاً و علانية أن: أيّها الناس! إنّ هذا الدهر الطويل و ساعاته، و هذا الطلوع و الغروب المتواليان المتعاقبان ليسا لكم إلّا لحظات عيش معدودة، إن اغتنمتموها فنِعم ما فعلتم، و إلّا لحقكم الخُسران المقيم!

  • ثم يكتب وصيّة في «الحاضِرَيْن» لولده الإمام الحسن عليه السلام حيث تتكشّف حقّاً عن عجائب الحِكم و غرائب النصائح و المواعظ، بحيث عزّ أن يصدر لها من أعاظم الدهر نظير أو شبيه في نكاتها العميقة و الدقيقة، على امتداد التأريخ و تصرّم الأزمان و الأعوام، و لم يسجّل لها نظير في صفحات الدهر.

  • موعظة الإمام أمير المؤمنين بعد إصابته

  • يقول عليه السلام في موعظته بعد أن ضُرب:

  • وَ أنَا بِالأمْسِ صَاحِبُكُمْ، وَ أنَا الْيَوْمَ عِبْرَةٌ لَكُمْ، وَ غَداً مُفَارِقُكُمْ، غَفَرَ اللهُ لِي وَ لَكُمْ. إنْ تَثْبُت الْوَطْأةُ في هَذِهِ الْمَزَلَّةِ [فأشفى من جرحي هذا] فَذَاكَ، وَ إنْ تَدْحَضِ الْقَدَمُ [فأرحل عن هذه الدنيا] فَإنَّمَا كُنَّا في أفْيَاءِ أغْصَانٍ وَ مَهَبِّ رِيَاحٍ، وَ تَحْتَ ظِلِّ غَمَامٍ اضْمَحَلَّ في الْجَوِّ مُتَلَفَّقُهَا، وَ عَفَا في الأرْضِ مَخَطُّهَا.

  • وَ إنَّمَا كُنْتُ جَاراً لَكُمْ جَاوَرَكُمْ بَدَنِي أيَّاماً، وَ سَتُعْقَبُونَ مِنِّي جُثَّةً خَلَاءَ، سَاكِنَةً بَعْدَ حرَاكٍ، وَ صَامِتَةً بَعْدَ نُطْقٍ؛ لِيَعِظَكُمْ هُدُوِّي، وَ خُفُوتُ إطْرَاقِي1 وَ سُكُونُ أطْرَافِي، فَإنهُ أوْعَظُ لِلْمُعْتَبِرِينَ مِنَ الْمَنْطِقَ الْبَلِيغِ، وَ الْقَوْلِ الْمَسْمُوعِ.2

    1. الإطراق: إرخاء العينين و النظر بهما إلى الأرض.
    2. «نهج البلاغة» الخطبة 147، ج 1، ص 268 و 269، طبعة محمّد عبده- مصر.

معرفة المعاد ج٤

95
  • خطبة الإمام الحسن عليه السلام بعد شهادة أبيه

  • و لقد عاد أبناؤه إلى الكوفة بوجوهٍ محزونة بعد أن دفنوا جسده المطهّر في النجف الأشرف، و الغبار يعلوهم، فجاء الإمام الحسن عليه السلام إلى مسجد الكوفة ورقي المنبر فخطب في الحشد الذي كان يموج في المسجد خطبة مفصّلة، فاختنق أوّل الخطبة بعبرته،1 ثمّ مكث هنيئة فحمد الله و صلّى على جدّه رسول الله و على أهل بيته المعصومين عليهم السلام و قال فيها:

  • ... في هَذِهِ الليلَةِ قُتِلَ يُوشعُ بْنُ نُون [وصيّ عيسي]، و في هَذِهِ الليلةِ مَاتَ أبِي أميرُ المؤمنينَ عَلَيهِ السَّلَامُ ... وَ مَا تَرَكَ صَفْرَاءَ وَ لَا بَيْضَاءَ إلَّا سَبْعَمائَةِ دِرْهَمٍ فَضُلَتْ مِنْ عَطَائِهِ كَانَ يَجْمَعُهَا لِيَشْتَرِي بِهَا خَادِماً لأهْلِهِ.2

  • و أورده الحاكم في «المستدرك» بهذه الكيفيّة:

  • خَطَبَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ النَّاسَ حِينَ قُتِلَ عَلِيٌّ، فَحَمِدَ اللهَ وَ أثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ قُبِضَ في هَذِهِ اللَيْلَةِ رَجُلٌ لَا يَسْبِقُهُ الأوَّلُونَ بِعَمَلٍ، وَ لَا يُدْرِكُهُ الآخِرُونَ.

  • وَ قَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ يُعْطِيه رَايَتَهُ فَيُقَاتِلُ وَ جِبْرِيلُ عَنْ يمِينِهِ، وَ مِيكَائِيلُ عَنْ يَسَارِهِ، فَمَا يَرْجعُ حَتَّى يَفْتَحُ اللهُ عَلَيْهِ. وَ مَا تَرَكَ لأهْلِ الأرْضِ صَفْرَاءَ وَ لَا بَيْضَاءَ إلَّا سَبْعَمائَةِ دِرْهَمٍ فَضُلَتْ مِنْ عَطَايَاهُ أرَادَ أنْ يَبْتَاعَ بِهَا خَادِماً لأهْلِهِ.3

  • ثُمَّ قَالَ: أيُّهَا النّاسُ! مَنْ عَرَفَنِي فَقَدْ عَرَفَنِي، وَ مَنْ لَمْ يَعْرِفْنِي فَأنا

    1. «مقاتل الطالبيين» ص 52.
    2. تلخيص الرواية الواردة في-« أمالي الصدوق» ص 192.
    3. «طبقات ابن سعد» ج 3، ص 38؛ و« تاريخ الطبري» ج 5، ص 157، دار المعارف- مصر.

معرفة المعاد ج٤

96
  • الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ؛ وَ أنَا ابْنُ النَّبِيِّ؛ وَ أنَا ابْنُ الْوَصِيِّ؛ وَ أنَا ابْنُ الْبَشِيرِ؛ وَ أنَا ابْنُ النَّذِيرِ؛ وَ أنَا ابْنُ الدَّاعِي إلَى اللهِ بِإذْنِهِ؛ وَ أنَا ابْنُ السِّراجِ الْمُنِيرِ؛ وَ أنَا مِن أهْلِ الْبَيْتِ الذي كَانَ جِبْرِيلُ يَنْزِلُ إلَيْنَا وَ يَصْعَدُ مِنْ عِنْدِنَا؛ وَ أنَا مِنْ أهْلِ الْبَيْتِ الذي أذْهَبَ اللهُ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَ طَهَّرَهُمْ تَطْهِيراً؛ وَ أنَا مِنْ أهْلِ الْبَيْتِ الذي افْتَرَضَ اللهُ مَوَدَّتَهُمْ على كُلِّ مُسْلِمٍ؛ فَقَالَ تَبَارَكَ وَ تعالى لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ: «قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى وَ مَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً»؛ فَاقْتِرَافُ الْحَسَنَةِ مَوَدَّتُنَا أهْلُ الْبَيْتِ.1

  • و أورد الهيتميّ في «مجمع الزوائد» عن الإمام المجتبى عليه السلام نظير هذا الاستشهاد بمقام الطهارة،2 و روي كذلك في «غاية المرام» و «فرائد السمطين» و «ينابيع المودّة».3

  • ثمّ إنّ الإمام الحسن عليه السلام توجّه لساعته إلى ابن ملجم، لأنّ امّ كلثوم كانت قد أقسمت عليه بعد شهادة أبيها و استحلفته بالله خالق الخلق أن لا يترك الملعون حيّاً ساعة واحدة.

  • فسأله الإمام الحسن عليه السلام عمّا حمله على ما فعل، فقال:

    1. «مستدرك الحاكم» باب فضائل الحسن بن عليّ عليهما السلام، ج 3، ص 172؛ و« مقاتل الطالبيين» ص 52.
    2. «مجمع الزوائد» باب فضائل أهل البيت، ج 9، ص 172.
    3. «غاية المرام» ص 295، الحديث 16؛ و الحموينيّ ف-« فرائد السمطين» حسب نقل« غاية المرام» ص 291، الحديث 35؛ و ورد ف-« ينابيع المودّة» الباب 90، ص 479 نقلًا عن الحافظ جمال الدين الزرنديّ ف-« نظم درر السمطين». كما ورد أيضاً ف-« أمالي الصدوق» ص 192؛ و« أُصول الكافي» ج 1، ص 457؛ و أورده الطوسيّ ف-« التهذيب» حسب نقل« بحار الأنوار» ج 9، ص 649.

معرفة المعاد ج٤

97
  • قد عاهدت الله عهداً أن أقتل أباك، فقد وفيت، فإن رأيتَ أن تدعني أذهب إلى الشام لأقتل معاوية أيضاً ثمّ أعود إليك فتحكم في بحكمك، إن شئتَ اقتصَصْتَ و إن شئتَ عفوتَ.

  • فقال: لا حتّى أعجّلك إلى النار.

  • فقدّمه و ضرب عنقه [ضربة واحدة بالسيف] ثمّ تناول الناس جثّته فرموها في هوّة عميقة.

  • هذا و قد أورد علماء المسلمين في كتبهم المفصّلة الروايات التي وردت في أنّ العذاب البرزخيّ لابن ملجم من أشدّ أنواع العذاب و أقساها.

  • العلّة التي لا يمكن لأحد بسببها أن يقتل قاتله

  • و علينا الآن أن نبحث في أمرين:

  • الأوّل: لما ذا لم يقتل أمير المؤمنين عليه السلام زمن حياته قاتله ابن ملجم،1 مع أنّه عليه السلام أخبر مراراً أنّ قاتله هو عبد الرحمن بن ملجم،

    1. نقل الصفّار في« بصائر الدرجات» ص 24، بسنده المتّصل عن بعض أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام، قال: دخل عبد الرحمن بن ملجم لعنه الله على أمير المؤمنين عليه السلام في وفد مصر الذي أوفدهم محمّد بن أبي بكر رحمة الله عليه و معه كتاب الوفد. قال: فلمّا مرّ باسم عبد الرحمن بن ملجم، قال: أنتَ عبد الرحمن؟ لعن الله عبد الرحمن! قال: نعم يا أمير المؤمنين، أما و الله يا أمير المؤمنين إنّي لأحبّك.
      قال: كذبتَ و الله ما تحبّني( ثلاثاً).
      قال: يا أمير المؤمنين، أحلف ثلاثة أيمان إنّي أحبّك و أنت تحلف ثلاثة أيمان إنّي لا أحبّك!
      قال: ويلك!( أو ويحك) إنّ الله خلق الأرواح قبل الأبدان بألفي عام فأسكنها الهواء، فما تعارف منها هنالك ائتلف في الدنيا، و ما تناكر منها اختلف في الدنيا، و إنّ روحي لا تعرف روحك.
      قال: فلمّا ولّى، قال: إذا سرّكم أن تنظروا إلى قاتلي فانظروا إلى هذا!
      قال بعضُ القوم: أَ وَ لا تقتله؟( أو قال: نقتله؟)

معرفة المعاد ج٤

98
  • و مع أنّ الكثير من أصحاب الإمام طلبوا منه قتله، حتّى أنّ عبد الرحمن نفسه عرض على الإمام أن يقتله.

  • الجواب: أوّلًا: أنّ أمير المؤمنين عليه السلام هو نفسه مصدر العدالة و محور القسط و الإنصاف، فكيف يقتل عبد الرحمن و هو بعدُ لم يرتكب جرماً و لم يجترح جناية؟ أ فليس هذا العمل بذاته جرماً و جناية؟

  • و كان الإمام سيبدو آنذاك جانياً مكان ابن ملجم، و كان ابن ملجم سيبدو بدل الإمام بريئاً لا ذنب له و لا جريرة.

  • و هذا العمل غير صحيح ممّن يعدّ هو ميزاناً للقسط و العدالة، بل إنّ القصاص قبل الجريمة هو بذاته جريمة و ذنب، لأننا نعلم أنّ القصاص يحصل فقط عند ارتكاب القتل، و ليس عند توفّر نيّة القتل و العزم عليه، و لا بالرغبة فيه و الاشتياق إليه؛ و لا قصاص عند عدم تحقّق القتل، بالرغم من تحقّق النيّة و الرغبة و العزم عليه.

  • ثانياً: أنّ القتل لن يقع ما لم تتحقّق علّته التامّة، و إحدى علل قتل أمير المؤمنين لابن ملجم، أن يريد عليه السلام قتله و يعزم عليه؛ و لأنّ هذا القتل غير مشروع بسبب عدم صدور جناية منه بعدُ، فإنّ قتل ابن ملجم سيكون أمراً محالًا.

  • و ثالثاً: لو قدّر في علم الله تعالى حقيقةً، على أساس سلسلة الأسباب و المسبّبات و العلل و المعلولات، أن يكون ابن ملجم قاتلًا و أن يكون أمير المؤمنين عليه السلام مقتولًا، فكيف سينعكس الأمر فيصبح أمير المؤمنين قاتلًا و ابن ملجم مقتولًا، و ليس هذا إلّا فساد علمه تعالى، نعوذ بالله.

معرفة المعاد ج٤

99
  • و خلاصة الأمر أنّ هذا العلم لو كان صحيحاً، فإنّ ابن ملجم سيكون قاتلًا و لو اجتمع الثقلان على منعه؛ و إن لم يكن صحيحاً فإنّ قتل ابن ملجم سيكون بلا داعٍ، و سيكون شخص بريء قد قُتل بلا ذنب.

  • و قد نُسب نظير هذا الخطأ و الزلّة الفادحة إلى فرعون، فقد أخبره الكهنة أنه سيولد من بني إسرائيل و الأسباط ولد يكون على يديه زوال عرش فرعون و مُلكه و سلطانه، فبدأ بقتل الأولاد، و صار يذبح كلّ ولد تلده امرأة من الأسباط، و لم يكن المسكين ليعلم أنّ أخبار الكهنة لو صحّت و صدقت حقيقةً، فإنّ ذلك الولد الذي سيسقط التاج و السلطنة سيأتي في النهاية و سينجو من بين هؤلاء الأولاد، و سيكون اولئك المقتولون في تلك الحال غيره، و سيكونون- من ثمّ- قد قُتلوا و ذبحوا بلا جريرة.

  • أمّا لو كانت أخبار الكهنة خاطئة، فإنّ جميع اولئك الأولاد سيكونون أيضاً قد ذبحوا بلا ذنب و لا جريرة.

  • و على هذا الأساس فإنّه كان عليه السلام حين يُخبر عن شهادته على يد ابن ملجم فيقول له أصحابه:

  • أ وَ لَا تَقْتُلُهُ؟ أ وَ لَا نَقْتُلُهُ؟

  • فيجيب:

  • مَا أعْجَب مِنْ هَذَا تَأمُرُونِّي أنْ أقْتُلَ قَاتِلِي؟1

  • الثاني: أنه كان عليه السلام يوصي في عبد الرحمن أن يوسّع عليه في الطعام و الشراب، و أرسل إليه بنفسه وعاء الحليب بعد أن شرب منه

    1. «بصائر الدرجات» ص 24؛ و ورد ف-« بحار الأنوار» ج 9، ص 647، نقلًا عن« كشف الغمّة» عن« مناقب الخوارزمي» أنه قيل له مرّة:« أ فلا تقتله؟ قال: لا، فمن يقتلني إذاً؟».

معرفة المعاد ج٤

100
  • جرعة و أوصى الإمام الحسن عليه السلام أن لا يمثّل به،1 و أن لا تُفقأ عيناه، أو تُصْلَم اذناه أو يجذع أنفه أو يُجَذَّ لسانُه أو تُقطع يداه و رجلاه، و أن لا يحرق حيّاً، و أوصى أن يضرب بالسيف ضربةً بضربة، و إن عُفي عنه لكان خيراً.

  • رغبة أمير المؤمنين عليه السلام في العفو عن قاتله

  • و يقول في وصيّته:

  • إن أبْقَ فَأنَا وَ لِي دَمِي، وَ إنْ أفْنَ فَالْفَنَاءُ مِيعَادِي، وَ إنْ أعْفُ فَالْعَفْوُ لِي قُرْبَةٌ، وَ لَكُمْ حَسَنَةٌ؛ فَاعْفُوا وَ اصْفَحُوا ألَا تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَاللَهُ لَكُم.

  • فَيَا لَهَا حَسْرَةً على كُلِّ ذي غَفْلَةٍ أنْ يَكُونَ عُمْرُهُ عَلَيْهِ حُجَّةً، أوْ يُؤَدِّيهِ أيَّامُهُ إلَى شَقْوَةٍ؛ جَعَلَنَا اللهُ وَ إيَّاكُمْ مِمَّنْ لَا يَقْصُرُ بِهِ عَنْ طَاعَةِ اللهِ رَغْبَةٌ، أوْ يُحْمِلُ عَلَيْهِ بَعْدَ الْمَوْتِ نِقْمَةٌ، فَإنَّمَا نَحْنُ لَهُ وَ بِهِ.

  • ثُمَّ أقْبَلَ على الْحَسَنِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ؛ ضَرْبَةً مَكَانَ ضَرْبَةٍ، وَ لَا تَأثِمْ.2

    1. ورد في الرسالة 47 من« نهج البلاغة» ج 3، ص 77، طبعة محمّد عبده- مصر أنه عليه السلام قال في وصاياه: انظروا إذا أنا متّ من ضربته هذه، فاضربوه ضربةً بضربة، و لا يمثَّل بالرجل، فإنّي سمعتُ رسول الله صلّى الله عليه و آله يقول: إياكم و المثلة و لو بالكلب العقور. و نقله بهذا اللفظ في« بحار الأنوار» ج 9، ص 663 عن« نهج البلاغة»؛ و في ص 660 عن« مناقب الخوارزميّ». و أورد في« تاريخ الطبريّ» ج 5، ص 148، تحقيق محمّد أبي الفضل إبراهيم:« و قد كان عليّ نهى الحسن عن المثلة و قال: يا بني عبد المطلّب لا ألفينّكم تخوضون في دماء المسلمين تقولون: قُتل أمير المؤمنين، قُتل أمير المؤمنين. لا يقتلنّ إلّا قاتلي. انظر يا حسن إن أنا متُّ من ضربته هذه فاضربه ضربةً بضربة و لا تمثّل بالرجل فإنّي سمعت رسول الله صلّى الله عليه[ و آله] و سلّم يقول: إيّاكم و المثلة و لو أنها بالكلب العقور». و أورد ابن الأثير في« الكامل» ج 2، ص 391 عين هذا الحديث.
    2. أورده في« بحار الأنوار» ج 42، ص 207؛ كما أورده في نفس المجلّد ص 651 عن« الكافي»؛ و أورد في ص 661 عن« من لا يحضره الفقيه»: ثمّ أقبل على ابنه الحسن عليه السلام فقال: يا بني؛ أنت وليّ الأمر بعدي و وليّ الدم، فإن عفوتَ فلكَ، و إن قتلتَ فضربة مكان ضربة و لا تأثم.

معرفة المعاد ج٤

101
  • أَوّلًا: لما ذا كان أمير المؤمنين عليه السلام يشفق على قاتله و يداريه إلى هذا الحدّ؟

  • و ثانياً: لما ذا لم يعفو الإمام الحسن عليه السلام عن القاتل، بل اقتصّ منه؟

  • بديهي أنّ الإجابة واضحة فنحن نعلم أنّ أعمال أمير المؤمنين عليه السلام لا تدور على محور تشفي الخاطر الشهويّ أو الغضبيّ، و لا على أساس الحسد و الحقد و الطمع و البخل، بل إنّ جميع أفعال الإمام ذي الصدق و الاستقامة كانت وفقاً للحقّ و التقوى و طهارة الباطن، بل إنّها كانت أفضل و أسمى أمثلة الكتاب الإلهيّ و معلّم البشريّة.

  • فقد ورد في موضع من القرآن الكريم:

  • وَ إِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَ لَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ.1

  • لذا، فعمل أمير المؤمنين بهذه الآية المباركة و هو أمير المؤمنين و قدوتهم، هو النموذج الأوحد و المثال الأبرز الأجلى، و التدبير الحكيم.2

    1. الآية 126، من السورة 16: النحل.
    2. حين يروي ابن عبّاس عن رسول الله صلّى الله عليه و آله أنه قال: ما أنزل اللهُ آية فيها« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» إلّا و عليُّ رأسُها و أميرُها. أي أنّ أمير المؤمنين له الإمارة و الرئاسة على جميع المؤمنين في الخطابات و التكاليف الواردة لهم، و هذه الرئاسة ليست عنواناً اعتبارياً، بل على أساس الملكات الشريفة الموجودة فيه عليه السلام. لذا فإنّ له الرئاسة و الإمارة أيضاً في مفاد هذه الآية الشريفة« وَ إِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ» أي أنه في تحقّقه بهذا المقام أمير العافين و الصابرين. و لو لم يقدّم العفو و يفضّله، و لو حكم بالقصاص بشكل جازم، فإنّه إذا وُجد مِن أفراد الامّة منذ بداية الخليقة إلى يوم القيامة مَن يقدّم العفو في مثل هذا الظرف، لصار إماماً- على وجه التحقيق في العمل بهذه الآية و في تنفيذ هذا التكليف، و لصار أمير المؤمنين مأموماً؛ و ليس الأمر كذلك.
      و هذه الرواية الواردة عن ابن عبّاس مرويّة في« حلية الأولياء» ج 1، ص 62؛ و« مطالب السؤول» ص 21 عن« الحلية»؛ و في« ينابيع المودّة» ص 212.

معرفة المعاد ج٤

102
  • العلّة في عدم عفو الإمام المجتبى عن قاتل أمير المؤمنين

  • و أمّا علّة عدم عفو الإمام المجتبى فلعدم تناسبه مع الظروف التي كانت حاكمة في ذلك الوقت، إذ كان العفو عن عبد الرحمن في تلك البُرهة، مع مؤامرات معاوية و تمرّد أهل الكوفة على استمرار القتال، و مع اضطراب دولة و حكومة الإسلام و زعزعتها بمثابة دليل على انكسار و ضعف دولة الإمام المجتبى، و لأجل ذلك فقد قدّم الإمام عليه السلام القصاص وفقاً للمصلحة العامّة للمسلمين.

  • و هكذا فقد كانت رغبة أمير المؤمنين عليه السلام في العفو قائمة على أساس كرم النفس و العفو الشخصيّ، و كان قصاص الإمام المجتبى على أساس الصالح العامّ و حفظ دولة الإسلام.

  • لذا فقد كان عامّة المسلمين في مأتم و حزن لموت أمير المؤمنين عليه السلام و فقده، فقد خسروا مثل هذا الإمام العادل المتحقّق بالحقّ. و لقد عمّت المصيبة مدينتي مكّة و المدينة و بيوتهما.

  • و كان الإمام الحسن قد قصّ على أبيه قبل أن يُضرب رؤيا موحشة و مروّعة، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: يَا بُنَي! رَأيْتُ كأنَّ جبرئيل عَلَيهِ السَّلَامُ قَد نَزَلَ مِنَ السَّماءِ على جَبَلِ أبِي قُبَيس فتناولَ منه حَجرين و مضى بهما إلى الكعبةِ و تركهما على ظهرِها، و ضربَ أحدَهُما على الآخرِ فصارتْ كالرميم، ثمّ ذَرَّهُمَا في الريحِ، فما بَقِيَ بمكّةَ و لا بالمدينةِ بَيتٌ إلّا و دَخَلَهُ من ذلك الرمادِ.

معرفة المعاد ج٤

103
  • فقال له (الحسن عليه السلام): يَا أبَتِ وَ مَا تَأوِيلُهَا؟

  • فقال: يَا بُنَي إنْ صَدَقَتْ رُؤيَاي فَإنَّ أَبَاكَ مَقْتُولٌ، وَ لَا يَبْقَى بِمَكّةَ حِينَئذٍ وَ لَا بِالمدينةِ بَيْتٌ إلَّا وَ يَدْخُلهُ مِن ذَلِكَ غَمٌّ و مُصِيبَةٌ مِنْ أجْلِي.1

  • إن مكارم أخلاق أمير المؤمنين و معالي درجاته و مقاماته الروحيّة هي التي جعلته إماماً للبشريّة. فهو وصيّ رسول الله الذي جاء فيه: وَ إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ.2

  • و ما أروع ما أنشد الإمام الشافعيّ حسب نقل «ينابيع المودّة»:

  • قِيلَ لِي قُلْ في عَلِيٍّ مَدْحَاً***ذِكْرُهُ يخْمِدُ نَاراً مُؤصَدَه

  • قُلْتُ لَا أقْدِمُ في مَدْحِ امْرِئٍ***ضلَّ ذُو اللُّبِّ إلَى أنْ عَبَدَهْ

  • وَ النَّبِيُّ الْمُصطَفى قَالَ لنا***لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ لَمَّا صَعَّدَهْ

  • وَضَعَ اللهُ بِظَهْرِي يَدَهُ***فَأحَسَّ الْقَلْبُ أنْ قَدْ بَرَّدَهْ

  • وَ عَلَيُّ وَاضعٌ أقْدَامَهُ***في مَحَلٍّ وَضَعَ اللهُ يَدَهْ 3

    1. «بحار الأنوار» ج 9، ص 670.
    2. الآية 4، من السورة 68: القلم.
    3. «ينابيع المودّة» الباب 48، ص 140.

معرفة المعاد ج٤

104
  •  

  •  

  • المَجْلِسُ الثَّالِثُ وَ العِشْرُون: الْمُرَادُ بِالْمَبْعُوثيِنَ بِنَفْخِ الصُّورِ، وَ الأفْرَاد الْمُسْتَثْنُونَ

  •  

  •  

معرفة المعاد ج٤

106
  •  

  •  

  • بسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

  • (مطالب القيت في اليوم الثالث و العشرين من شهر رمضان المبارك)

  • الحمد للَّه ربّ العالمين و لا حول و لا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم

  • و صلَّى الله على محمّد و آله الطاهرين

  • و لعنة الله على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين

  • قال الله الحكيم في كتابه الكريم:

  •  

  •  

  • وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ* وَ أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَ وُضِعَ الْكِتابُ وَ جِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَ الشُّهَداءِ وَ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ1

  • ذكرنا سابقاً أنّ هاتين النفختين في الصور من باب تشبيه المطالب العقليّة الرفيعة و المعاني الكلّيّة المجرّدة بالمطالب المحسوسة الجزئيّة، فحين يريد الملوك و السلاطين- عادةً- أن يسيّروا أفواجهم للقتال فإنّهم يعدّون صوراً و بوقاً فينفخون فيه للنفير و الاستعداد، ثمّ ينفخون فيه اخرى للحركة صوب الجهة التي يريدون التحرّك إليها.

  • و هكذا فعلى أثر النفخ الأوّل في الصور يموت جميع الناس، و هذا

    1. الآيتان 68 و 69، من السورة 39: الزمر.

معرفة المعاد ج٤

107
  • يعني الفناء في ذات الله تعالى، لأنّ على جميع الموجودات أن تعود- دونما استثناء- إلى الله تعالى.

  • وَ إلَى اللهِ الْمَصِيرُ.1

  • أ لآ إلَى اللهِ تَصِيرُ الأمُورُ.2

  • وَ لِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاواتِ وَ الأرْضِ وَ إلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ.3

  • يا أيُّهَا الإنْسانُ إنَّكَ كَادِحٌ إلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ.4

  • وَ أنَّ إلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى.5

  • و أمثال هذه الآيات الكريمة كثيرة في القرآن الكريم، و دالّة على أنّ جميع الموجودات يجب أن تفنى في ذات الله تعالى.

  • ثمّ ينفخ في الصور ثانية (و هو صور الإحياء) فيحصلون على البقاء بالله، فيتشرّف البشر و النفوس العالية للملائكة السماويّين بمقام البقاء- بعد نيلهم للفناء- فيبقون ببقاء الذات المقدّسة للحضرة الأحديّة.

  • نفخ الصور الأوّل لأهل البرزخ

  • و علينا أن نرى، مَن هم المعنيّون بتعبير مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ؟ و مَن هم الافراد الذين يشكّلون مصداق هذا الاستثناء في إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ؟

  • إن المراد ب- مَنْ فِي الْأَرْضِ هم الأفراد الذين رحلوا عن هذه الدنيا، إلى عالم البرزخ، لا اولئك الأحياء على ظهر الأرض حاليّاً؛ ذلك لأنّ

    1. الآية 28 من السورة 3: آل عمران؛ و الآية 42، من السورة 43: النور؛ و الآية 18 من السورة 35: فاطر.
    2. الآية 53، من السورة 42: الشوري.
    3. الآية 123، من السورة 11: هود.
    4. الآية 6، من السورة 84: الانشقاق.
    5. الآية 42، من السورة 53: النجم.

معرفة المعاد ج٤

108
  • الكائنات الموجودة على الأرض إن هلكت بالصور الأوّل، ثمّ حضرت في القيامة بالصور الثاني فهذا يعني أنّ لها موت واحد و حياة واحدة لا أكثر و أنّها تخطّت عالم البرزخ، و هو ممّا يتعارض و صريح الآية القرآنيّة الكريمة التي قرّرت أنّ على جميع أفراد البشر أن يعبروا البرزخ، طالت مدّته أم قصرت، فالبرزخ على كلا التقديرين ضروريّ:

  • وَ مِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ.1

  • و على هذا الأساس، فإن ماتت موجودات الأرض أيضاً من جرّاء النفخ و احضرت في القيامة، فإنّ برزخها سيتجاوز و يُفقد، و هو خلاف مفاد القرآن الكريم الذي قضى على جميع أفراد الإنسان بعبور البرزخ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ.

  • و بناء عليه يجب القول إنّ المراد ب- «وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ» اولئك الذين رحلوا عن الدنيا، فهم في البرزخ في انتظار حلول عالم القيامة، لأنّ عالم البرزخ- كما ذكر سابقاً- من تتمّة الدنيا، فيُقال له عالم الأرض، كما يُدعى بعالم القبر و بجنّة الدنيا، و يسمّونه أيضاً بعالم الدنيا الأخير و بتتمّة الدنيا.

  • و على هذا الأساس، فقد عُبّر عن عالم البرزخ في هذه الآية الشريفة بالأرض، و عُبّر عن ساكنيه ب- «مَنْ فِي الْأَرْضِ».

  • إذَن فاولئك الذين رحلوا عن الدنيا و هم في عالم البرزخ في صُوَرٍ مثاليّة، سيموتون جميعاً إثر النفخ الأوّل في الصُّوْرِ. أي أنهم سيخلعون الصُّوَرَ المثاليّة و القوالب البرزخيّة و يلقون بها جانباً.

  • و يبيّن الله عزّ و جلّ قصّة أهل البرزخ في القرآن الكريم فيقول:

  • وَ يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذلِكَ كانُوا

    1. الآية 100، عن السورة 23: المؤمنون.

معرفة المعاد ج٤

109
  • يُؤْفَكُونَ، وَ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَ الْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ وَ لكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ.1

  • و كما يقول القرآن الكريم في خطاب الله سبحانه لمن خفّت موازينهم يوم الجزاء:

  • قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ، قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ، قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ.2

  • أمّا من في السماوات، و المعبّر عنهم ب- «فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ»، فالمراد بهم أرواح السعداء و المقرّبين و أرواح الملائكة و أرواح الموجودات المجرّدة القدسيّة و الجواهر المتلألئة للعوالم العلويّة التي لم يكن لها أصلًا عبور من عالم البرزخ، أو التي عبرت عالم البرزخ، و وردت عالم النفس لتخطّيها ابتلاءات عالم البرزخ و لعدم تحدّدها بعالم الصورة، فاستقرّت في السماوات.

  • و آيات القرآن الكريم دالّة على هذا المعنى:

  • وَ فِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَ ما تُوعَدُونَ.3

  • قُلْ لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَ لا تَسْتَقْدِمُونَ.4

  • وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ.5

  • إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ67

    1. الآيتان 55 و 56، من السورة 30: الروم.
    2. الآيات 112 إلى 114، من السورة 23: المؤمنون.
    3. الآية 22، من السورة 51: الذاريات.
    4. الآية 30، من السورة 34: سبأ.
    5. صدر الآية 72، من السورة 9: التوبة.
    6. و هو النفس المجرّدة للإنسان المؤمن.
    7. مقطع من الآية 10، من السورة 35: فاطر.

معرفة المعاد ج٤

110
  • يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ.1

  • تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَ الرُّوحُ إِلَيْهِ.2

  • و الآية الشريفة:

  • هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ.3

  • و الكثير من الآيات القرآنيّة الأخرى الدالّة على حياة الأنفس في عالم تجرّد النفس، و عند الله تعالى.

  • الصيحة لأهل الدنيا؛ و نفخ الصور لأهل البرزخ

  • و أمّا تلك الصعقة التي يصعق بها الناس، فيُطوى على إثرها بناء الدنيا فتضمحلّ و تتلاشى، فلا تُدعى بالنفخ في الصور، بل عُبّر عنها في بعض الآيات القرآنيّة بالصيحة، إلّا أنها ليست بالصيحة البرزخيّة:

  • إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ.4

  • ما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَ هُمْ يَخِصِّمُونَ، فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَ لا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ.5

  • و على هذا، فالصيحات ثلاث: الاولى صيحة دنيويّة؛ و نفختان في الصور: نفخة الإماتة، و نفخة الإحياء.

  • أمّا تلك الصيحة الدنيويّة التي يموت على أثرها مَن على ظهر الأرض فقد عبّر عنها في القرآن الكريم ب- «الصاخّة».6

    1. مقطع من الآية 11، من السورة 58: المجادلة.
    2. صدر الآية 4، من السورة 70: المعارج.
    3. مقطع من الآية 2، من السورة 6: الأنعام.
    4. الآية 29، من السورة 36: يس.
    5. الآيتان 49 و 50، من السورة 36: يس.
    6. الصوت الهائل الذي يصلّ الأسماع.

معرفة المعاد ج٤

111
  • فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ، يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، وَ أُمِّهِ وَ أَبِيهِ، وَ صاحِبَتِهِ وَ بَنِيهِ.1

  • كما عُبّر عنها بالنَقْر و الزَّجْر:

  • فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ23

  • فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ.4

  • كما جرى الحديث عنها بتعبير نداء المنادي:

  • وَ اسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ.5

  • و الخلاصة، فقد كانت هذه المطالب تفسيراً لتعبير مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ، و قد علمنا أنهم الموجودات البرزخيّة و الملائكة و الأرواح السماويّة من المؤمنين؛ و علمنا كذلك أنّ الصيحة التي يموت أهل الدنيا على إثرها هي غير نفختي الصور.

  • و يمكن خلاصة النتيجة الحاصلة بأنّ المراد ب- «مَنْ فِي الْأَرْضِ» أهل البرزخ المحبوسون في عالم الصورة، الذين لم يتمكّنوا من الخروج من عالم البرزخ، و هم أصحاب الشمال.

  • و المراد ب- «مَنْ فِي السَّماواتِ» الملائكة و أرواح الشهداء و السعداء الذين تخطّوا البرزخ، إلّا أنّهم لم يفنوا بعد في الذات الأحديّة، و هم أصحاب اليمين.

    1. الآيات 33 إلى 36، من السورة 80: عبس.
    2. اي: إذا نُفخ فالصور.
    3. الآيات 8 إلى 10، من السورة 74: المدّثّر.
    4. الآية 19، من السورة 37: الصافّات.
    5. الآية 41، من السورة 50: ق.

معرفة المعاد ج٤

112
  • المراد ب- «إلَّا مَن شَاءَ اللهُ» في آية الفزع

  • و الآن علينا أن نعرف ما المراد بالاستثناء؟ و مَن هم المستثنون؟

  • فالجميع يموتون إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ؛ فلا بدّ- إذَن- أن يكونوا أفضل و أعلى من الملائكة و من أرواح أصحاب اليمين و المحسنين، و أن يكون لهم من القدرة و التحمّل إلى درجة أن لا تؤثّر في قلوبهم و آذانهم أبداً تلك الصيحة الشديدة المنبعثة من الصور التي تهلك أهل البرزخ؛ و كذلك لا تؤثّر فيهم مطلقاً تلك الصيحة التي تُميت ملك الموت و تُهلك جبرئيل و إسرافيل و ميكائيل و جميع الملائكة المقرّبين، فلا تقتلهم و لا تفزعهم أو تُرعبهم.

  • و كما قلنا، فقد ورد هذا الاستثناء في آيتين من القرآن، أي في سورتي النمل و الزمر، و سنبحث الآن في كلتا الآيتين و نبيّن- بحول الله و قوّته- هذا الاستثناء من القرائن و الامارات الحافّة به.

  • أمّا في سورة النمل:

  • وَ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ وَ كُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ.1

  • حيث يستفاد معنى إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ من الآيات اللاحقة، لأنه يقول بعد ذكر آية اخرى:

  • مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَ هُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ، وَ مَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.2

  • فهو سبحانه يقول في هذه الآيات إنّ فاعل الحسنة في أمن من الفزع و الخوف؛ و من ثمّ فإنّ استثناء إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ سيشمل الأفراد الذين جاءوا

    1. الآية 87، من السورة 27: النمل.
    2. الآيتان 90 و 91، من السورة 27: النمل.

معرفة المعاد ج٤

113
  • بالحسنة.

  • و المراد بالحسنة هنا مُطلق الحسنة، لا عملًا صالحاً واحداً أو خُلُقاً حميداً معيّناً. و ذلك أوَّلًا: أنّ المراد بالحسنة لو كان عموم الإحسان، فلا معنى عندئذٍ للاستثناء في آية الفزع، و لتوجّب أن يكون الجميع في أمان من الفزع، إذ ليس هناك أحد من أفراد البشر إلّا و قد صدرت منه حسنة و عمل صالح.

  • و ثانياً: أنّ الحسنة قد جُعلت هنا مقابل السيئة، و قد أوعد الله سبحانه و تعالى جهنّم جزاء السيّئة. لذا فإنّ من عمل الحسنة و السيّئة معاً، و خلط عملًا صالحاً بآخر طالح، فهو من فزع يومئذ غير آمن.

  • و حتماً لا بدّ أن يكون الأمان الذي خصّه الله تعالى لأهل الحسنة مختصّاً بالأفراد الذين عملوا الحسنة بصورة مطلقة، أي بأصحاب الذوات الطيّبة المطهّرة و السيرة و الصفات و الأخلاق الطيّبة الحميدة النزيهة كلّيّاً، فاولئك هم مورد الاستثناء من الفزع عند نفخ الصور.

  • و من جهة اخرى، نعلم أنّ الله تعالى عدّ السيّئة من الاعمال الخبيثة و قدّر محلّها في جهنّم:

  • وَ يَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ على بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ في جَهَنَّمَ.1

  • و قال أيضاً:

  • الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَ الْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَ الطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَ الطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ.2

    1. الآية 37، من السورة 8: الأنفال.
    2. صدر الآية 26، من السورة 24: النور.

معرفة المعاد ج٤

114
  • كما عدّ كلّ كفر و نفاق و شرك خُبثاً و رجساً و نجاسة:

  • وَ أَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَ ماتُوا وَ هُمْ كافِرُونَ.1

  • إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ.2

  • كما عدّ بعض درجات الإيمان شركاً:

  • وَ ما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَ هُمْ مُشْرِكُونَ.3

  • و على هذا الأساس فلن يكون أكثر المؤمنين مصونين من رجس الشرك الخفي و نجاسته.

  • لذلك فإن الذين أصبحوا خالصين من الشرك بكلّ معنى الكلمة، هم الذين لم تتوجّه قلوبهم أبداً لغير الله تعالى، و الذين لا سكينة لهم و لا اطمئنان إلّا به سبحانه، و الذين لا يجعلون لذاته المقدّسة الكبريائيّة جلّ و عزّ شأنه أي شريك في ذاته و أسمائه و صفاته و أفعاله، و هذا هو معنى الولاية!

  • فالأفراد الذين على هذا النحو ستطيب ذواتهم و أفعالهم، أي أنّ سرّهم و حقيقتهم قد أصبحت طاهرة و منزّهة و مصونة من وسوسة الشيطان و النفس الأمّارة، فهم في حرم الأمن و الأمان الإلهيّ فرحون مطمئنّون لا تشوبهم شائبة من اضطراب أو قلق.

  • و الآية الشريفة:

  • الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ

    1. الآية 125، من السورة 9: التوبة.
    2. مقطع من الآية 28، من السورة 9: التوبة.
    3. الآية 106، من السورة 12: يوسف.

معرفة المعاد ج٤

115
  • بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.1

  • عائدة إليهم، لأنها جعلت الطيبين بمعنى طيّبي الذات و المطهّرين المنزّهين، أي أنهم صاروا طاهرين مطهّرين بالولاية التي هي تسليم جميع الامور، صغيرها و كبيرها، إلى الله تعالى. و سلام الملائكة عليهم هو معنى الأمن و الأمان الذي ورد في آية الفزع.

  • و يستنتج ممّا ذكر، أنّ المراد ب- «مَن شَاءَ اللهُ» اولئك الذين أسلموا جميع امورهم و فوّضوها إلى الله سبحانه، و وصلوا إلى مقام التوكّل و التفويض و التسليم و عبروا منه، فصارت ذواتهم فانية في ذات الحضرة الأحديّة، و الذين لم يدعوا في زوايا نفوسهم شيئاً من شوائب الاستكبار و الفرعونية و إظهار الوجود؛ و هذا هو معنى الولاية!

  • و ما ألطف و أجمل ما تُشعر آية الولاية بهذا المعنى:

  • قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى وَ مَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ.2

  • أي من يُسْلِم نفسه و يُقْيل بكلّيّته إلى الولاية، فإنّا سنجزيه حسناً على حسنته هذه، فهي تتضاعف و تتزايد باستمرار حتّى يصل إلى حدّ الولاية و يرتوي من مصدر الرحمة و منبع الفيض.

  • أورد علي بن إبراهيم القمّيّ ذيل آية الفزع و تفسير الحسنة و السيّئة، قال: الْحَسَنَةُ- وَ اللهِ- وَلَايَةُ أمِيرِ الْمُؤمِنِينَ، وَ السَّيِّئَةُ عَدَاوَتُهُ.3

  • و ولاية أمير المؤمنين هي ولاية الله التي مرّ ذكر آثارها

    1. الآية 32، من السورة 16: النحل.
    2. الآية 23، من السورة 42: الشوري.
    3. «تفسير القمّي» ص 480.

معرفة المعاد ج٤

116
  • و خصائصها.

  • كما يروي الكلينيّ في «الكافي» بسنده عن الإمام الصادق عليه السلام، عن أبيه، عن أمير المؤمنين عليه السلام:

  • قال عليه السلام: الْحَسَنَةُ مَعْرِفَةُ الْوَلَايةِ وَ حُبُّنَا أهْلِ الْبَيْتِ؛ وَ السَّيِّئَةُ إنْكَارُ الْوَلَايةِ وَ بَغْضُنَا أهْلِ الْبَيْتِ، ثُمَّ قَرَأ الآيةَ.1

  • المراد ب- «إلَّا مَن شَاءَ اللهُ» في آية الصعق

  • ما سبق بيانه حتّى الآن كان راجعاً إلى الاستثناء في آية الفزع، أمّا الاستثناء في آية الصعق:

  • وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ.

  • فينبغي أن نرى ما المراد ب- «مَن شَاءَ اللهُ» في هذه الآية؟ و مَن هم الأفراد الذين لا يريد الله أن يشملهم الصعق و الهلاك؟

  • نحن نعلم أنّ لظاهر الآية دلالة على أنّ الأفراد الذين يشملهم الصعق فيهلكون، هم اولئك الذين يُبعثون بعدئذٍ فإذا هم قيام للّه تبارك و تعالى، و هم المحضرون في ساحة الله تعالى حسب مفاد الآية:

  • إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ.2

  • و لأنّ عباد الله المخلَصين- من جهة- قد استثنوا من المحضرين و اعفوا من الحضور بمفاد الآية:

  • فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ، إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ.3

  • فإنّ المراد ب- «مَنْ شاءَ اللَّهُ» الذين استثنوا في آية الصعق، هم

    1. «أُصول الكافي» ج 1، ص 185، الباب 65.
    2. الآية 53، من السورة 36: يس.
    3. الآيتان 127 و 128، من السورة 37: الصافّات.

معرفة المعاد ج٤

117
  • عباد الله المخلَصون.

  • و من جهة اخرى فإنّ الله سبحانه وصف عباده المخلَصين في كتابه العزيز بأنهم مصونون محفوظون من إغواء إبليس حينما طُرد و ابعد.

  • قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ.1

  • كما أبان سبحانه في القرآن الكريم عن أنّ إغواء الشيطان لهم يكون بالوعود و الأماني الكاذبة التي يمنّيهم بها فيستجيبون له، فيحشرون إلى جهنّم ليذوقوا العذاب الأليم الشديد بمقتضى شركهم بالله عزّ و جلّ و شقائهم الذاتيّ الذي هو عين الظلم و العدوان.

  • وَ قالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَ وَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَ ما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَ لُومُوا أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَ ما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ.2

  • و يستفاد من هذه الآية المباركة أنّ اللوم يرجع مباشرة إليهم لا إلى الشيطان، و أنّ ذلك الذنب و المعصية التي ارتكبوها ناجمة من الشرك، و أنهم قد أشركوا و سلكوا سبيل المعصية و الذنب بمقتضى شقائهم الذاتي.

  • أمّا عباد الله المخلَصُونَ، فهم الذين طهرت ذواتهم و خلصت من الشرك بجميع أقسامه و أنواعه، فهم لا يرون لغير الله تعالى أثراً في أي من العوالم، و لا يعدّون لغيره وجوداً استقلاليّاً، و لا يحسّون لغيره اسماً و لا رسماً، و لا يرون لأنفسهم- بعنوان التملّك- نفعاً و لا ضرّاً و لا موتاً

    1. الآيتان 82 و 83، من السورة 38: ص.
    2. الآية 22، من السورة 14: إبراهيم.

معرفة المعاد ج٤

118
  • و لا حياةً و لا نشوراً و لا رجوعاً؛ أي أنهم لا يمتلكون أي قدرة و حياة و علم و عين و أثر، و هذا هو معنى الولاية.

  • و إجمالًا فإنّ أولياء الله المستثنين في آيتي الفزع و الصعق فلا موت لهم و لا هلاك هم الذين سلكوا طريق الخلوص في الدنيا، و جعلوا تمام أفعالهم للمعبود جلّ اسمه، و تخلّصوا من الشرك فعلًا و صفةً و ذاتاً، و وردوا عالم الخلوص، و تخطّوا جميع درجات المخلِصِين (بكسر اللام) و صاروا عين الخلوص و محضه. لذلك لم يبقَ لهم أي وجود ليحتاجوا إلى قبض الروح، فلقد صار وجودهم و سرّهم و حقيقتهم مندكّة و فانية في ذات الله تعالى. و لقد تربّعوا باستمرار على درجات المحبّة بنوافلهم و بإتيانهم ما يحبّه و يرتضيه المحبوب الحقّ جلّ و عزّ، فصارت آذانهم أُذن الله و أعينهم عين الله و أيديهم يد الله تعالى. رَزَقَنَا اللهُ وَ كُلَّ مَن أحَبَّ بِمُحَمَّدٍ وَ آلِهِ الطَّاهرينَ.

  • إن ولاية أمير المؤمنين و أولاده الطيّبين تعني الوصول إلى مقام الفناء المطلق في ذات الله، و البقاء بالله بعد الفناء، فعلى إثر هذا نالوا مقام العبوديّة المطلقة، و ولاية و قيادة عالم الإمكان بإذن الله تعالى، و مقام العصمة و الطهارة و العلوم اللدنّيّة، و التحلّي بأعلى مقامات التفويض و التسليم، و التخلّق بجميع الأسماء العليا و الصفات الحسنى الإلهيّة و هي بأجمعها من لوازم تلك الولاية و آثارها، لذا فقد جُعلت معرفة ولايتهم حسنة في الرواية الأخيرة التي سلف ذكرها، كما جُعل إنكار ولايتهم سيّئة.

  • لحوق التابعين بالمستثنين في دخول الجنّة

  • و إنّا لسعداء حقّاً بامتلاكنا معرفة ولايتهم (لا أننا نمتلك مقام الولاية بأنفسنا) فهذا من عظيم دواعي السرور و الابتهاج، لأنّ المعرفة بالولاية ستؤدّي بالطبع إلى الارتباط الواقعيّ بحقيقة الولاية، و هذا الارتباط سيؤدّي

معرفة المعاد ج٤

119
  • إلى اللحوق و الاتّحاد و الانتماء في نهاية المطاف، فيلزم من ذلك طلوع و ظهور آثار المتبوع في التابع. و قد ورد في القرآن الكريم في شأن فرعون أنه يقدم قومه يوم القيامة فيوردهم النار

  • يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ.1

  • و هذا اللحوق يحصل إثر المحبّة و المتابعة، حيث توجب الجاذبيّة المغناطيسيّة بين الحبيب و المحبوب الاتّحادَ بينهما.

  • و هكذا فإنّ كلّ طائفة و جماعة ستلحق بإمامها يوم القيامة، فتدخل الجنّة أو النار؛ و سيلحق الشيعة و التابعون و المحبّون لولاية أمير المؤمنين عليه السلام بإمامهم على إثر المحبّة و المودّة و المتابعة، و يرافقونه إلى الجنّة. و هذا الأمر ذو أهميّة كبيرة، و هو ممّا يُثلج أفئدة أتباع الإمام و يبعث فيهم الأمل، حتّى و إن لم يتمكّنوا في الدنيا و بالرغم من كدحهم و سعيهم أن ينالوا مقام العبوديّة المطلقة و الولاية الكلّيّة إلى الإمام إثر الإقرار و الاعتراف بولايته الحقيقيّة، و باتّباعهم لنهجه و سيرته، و في ظلّ ألطافه و رأفته، و تبعاً لمصدر مغناطيسيّة محبّته و جذبة ولايته و مودّته سيرافقونه إلى الجنّة.

  • لقد طهّر أمير المؤمنين و أولاده الطاهرون وجودهم من لوث الأهواء و الأفكار الشهوانيّة، و من أكدار الهواجس الشيطانيّة، لذا فإنّ الرشحات التي تنضح من ذلك النبع ستكون على الدوام اموراً طاهرة نقيّة صافية. و ليس معقولًا أن ترشح من النفوس القدسيّة أكدار و سيّئات، فكلّ إناءٍ بالذي فيه ينضح.

  • و لو صببتم ماء الورد في قدح فخاريّ فارغ، لرشحت مساماتُه على

    1. صدر الآية 98، من السورة 11: هود.

معرفة المعاد ج٤

120
  • الدوام ماء الورد لا عصير الخلّ، لذا نجد بعض الناس يعمدون حين يشترون قدحاً فخاريّاً جديداً إلى ملئه بماء الورد ثمّ يفرغونه و يملأونه بالماء القراح، فيبقى ذلك القدح يبعث رائحة الورد، و مهما ملئ بالماء فسيبقى دائماً فيه عبير ماء الورد.

  • إن أهل بيت العصمة لهم ذوات و أسرار طاهرة، و هم من المستثنين في آية الفزع و الصعق، إذ لم يعلق بأثواب وجودهم غبار دنس الوجود مطلقاً، كما أنّ صُور الجلال و صُور الجمال و نفخ الإماتة و الإحياء لا تترك أثراً في صماخ آذانهم و لا على و تين قلوبهم و نياطها، فلقد تخطّوا هذه المراحل، فلا حياة لهم و لا موت إلّا ببقاء الربّ الودود، كما أنّ مشيئة الله تعالى لم تتعلّق بشمولهم بالفزع و الصعق. على أنّ محبّتهم و اتّباعهم يدلّان على نوعٍ من الاتّحاد، و إلّا فإنّ المودّة و المحبّة الباطنيّة لا تتعلّق بشيءٍ اعتباطاً و بلا داعٍ.

  • كند هم جنس با هم جنس پرواز

  • كبوتر با كبوتر باز با باز1 و بديهيّ أن يكون هناك نوع من الطهارة و النزاهة في نفوس مَن يقتفون آثار و نهج أهل بيت العصمة و نهجهم، هذا ممّا لا شكّ فيه أبداً، فلا بدّ أنهم يشعرون بتلك الرغبة و الشوق لسلوك سبل ذلك المنهج القويم و الصراط المستقيم. و ينبغي أن يكون هناك أثر- و لو جزئيّ- من ذلك المحبوب و المتبوع في هذا المحبّ و التابع، و إلّا لزم أن يحبّ كلُّ موجود كلَّ موجود آخر، و لسادت المحبّة و المودّة بين الجميع، بينما ليس الأمر كذلك.

    1. يقول: تحلّق الطيور مع أمثالها، الحمامة مع الحمامة و الباز مع الباز.
      ( و حسب المثل العربيّ: إنّ الطيور على أشكالها تقع).( م)

معرفة المعاد ج٤

121
  • يقول المرحوم الملّا صدرا رحمة الله عليه: وَ قَدْ أثْبَتَ الْفَلَاسِفَةُ أنهُ مَا يَعْرِفُ شَيْءٌ شَيئاً إلَّا بِمَا هُوَ فِيهِ مِنْهُ؛ و إنصافاً فقد بيّن مطلباً دقيقاً و لطيفاً.

  • و ينبغي على المرء في هذه الحالة أن يسعد بهذا القدر الموجود من المحبّة و المتابعة، لأنّ هذا الارتباط له حكم النور، حيثما حلّ أزاح الظلام و بدّده. و مهما كان النور ضعيفاً ضئيلًا، إلّا أنّ له قدرة على تبديد الظلام و الحلكة، خلافاً للظلمة التي تعجز عن إزاحة النور و إخراجه، فالنور متّصل في النهاية بمنبع النور، و شعاع الشمس لا ينفصل عنها. فالنور الجزئيّ متّصل بالنور الأشمل و الأكبر، و النور الضعيف بالنور الأقوى، و الكلّ مرتبط في النهاية بمركز إشعاع النور الكلّيّ.

  • لقد قتلوا أمير المؤمنين عليه السلام، و انتشر خبر شهادته، فحزن كلّ من كان له ارتباط به عليه السلام، و ذرفت العيون الدموع غزاراً، و غمرت الحرقة القلوب في مأتم فقدان ذلك الإمام الصادق الحقيقيّ.

  • سرور معاوية بشهادة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام

  • و في نفس الوقت كان هناك أفراد قد فرحوا و أظهروا سرورهم و جذلهم لهذا الخبر المؤسف، فحين أُخبر معاوية بنبإ شهادة الإمام قال:

  • إن الأسَدَ الَّذِي كَانَ يَفْتَرِشُ ذِرَاعَيْهِ في الْحَرْبِ قَدْ قَضَى نَحْبَهُ.

  • ثمّ تمثلّ قائلًا:

  • قُلْ لِلأرَانِبِ تَرْعَى أيْنَمَا سَرَحَتْ***وَ لِلظبَاءِ بلَا خَوْفٍ وَ لَا وَجَلِ 1

  • و لقد وصل نبأ رحيل وصيّ رسول الله إلى المدينة، فعمّ الحزن و الغمّ جميع بيوتها، و لكن انظروا إلى ما تقوله عائشة!2

  • معرفة المعاد ؛ ج4 ؛ ص121
    1. «منتهى الآمال» الطبع الرحلي، المكتبة العلمية الاسلامية، ج 1، ص 134.
    2. حسينى طهرانى، سيد محمد حسين، معرفة المعاد، 10جلد، دار المحجة البيضاء - بيروت - لبنان، چاپ: 1، 1416 ه.ق.

معرفة المعاد ج٤

122
  • لَمَّا أنْ جَاءَ عَائِشَةَ قَتْلُ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ سَجَدَتْ،1 ثُمَّ تَمَثَّلَتْ بِهَذَا الشِّعْرِ:

  • فَألْقَتْ عَصَاها وَ اسْتَقَرَّ بِهَا النَّوَى***كَمَا قَرَّ عَيْنَاً بِالإيابِ الْمُسَافِرُ

  • (كناية عن أنّ أمر عليّ قد انتهى، و أنه سيرقد في حفرته فلا نهضة له بعدُ، و أننا قد سررنا و غمرتنا اللذّة بهذه الواقعة كما يقرّ المسافر عيناً بإيابه إلى أهله.)

  • ثُمَّ قَالَتْ: مَنْ قَتَلَهُ؟

  • فَقِيلَ: رَجُلٌ مِنْ مُراد.

  • فَقَالَتْ:

  • فَإنْ يَكُ نَائِياً فَلَقَدْ نعَاهُ***غُلامٌ لَيْسَ في فيهِ التُّرَابُ

  • (تريد القول إنّه كان الأجدر أن يقتل عليّ على يد رجل من قريش و من العرب المعروفين ليكون الفخر بذلك من نصيبهم، لا أن يقوم به رجلٌ مجهول من طائفة عربيّة نائية غير معروفة؛ إلّا أننا سُعداء بأنّ نبأ موته قد أتانا به غُلامٌ لا كان في فيه التراب حين يموت و يُقبر).

  • فَقَالَتْ لَهَا زَيْنَبُ بِنْتُ امّ سَلَمَة: أ لِعَلِيٍّ تَقُولِينَ هَذَا؟!

  • فَقَالَتْ: إنِّي أنْسَى، فَإذَا نَسيتُ فَذَكِّرُونِي.2

  • وَ كَانَ الذي جَاءَهَا بِنَعْيهِ سُفيَانُ بْنُ أبِي اميّة بْنُ عَبد شمس بن أبي وقّاص.3

    1. «مقاتل الطالبيين» طبع دار المعرفة- بيروت، ص 43.
    2. «مقاتل الطالبيين» ص 42؛ و« الكامل في التاريخ» لابن الأثير، طبعة بيروت، سنة 1385 ه-، ج 3، ص 394؛ و« تاريخ الطبري» تحقيق: محمّد أبو الفضل إبراهيم، ج 5، ص 150؛ و« الطبقات» لابن سعد، ج 3، ص 40.
    3. «مقاتل الطالبيين» ص 43.

معرفة المعاد ج٤

123
  • يقول أبو الفرج الإصبهانيّ في «مقاتل الطالبيّين»:

  • ثُمَّ تَمَثَّلَتْ (عائشةُ، بعد هذا الكلام):

  • مَا زَالَ إهْدَاءُ الْقَصَائِدِ بَيْنَنَا***بِاسْمِ الصَّدِيقِ وَ كَثْرَةِ الألْقَابِ

  • حَتَّى تَرَكتُ وَ كَانَ قَوْلُكَ فِيهمْ***في كُلِّ مُجْتَمَعٍ طَنِينَ ذُبَابِ 1

  • و لقد قالت عائشة لابن عبّاس، و كان مأموراً من قبل أمير المؤمنين عليه السلام بالتحدّث معها بعد حرب الجمل: إنَّ أبْغَضَ الْبُلْدَانِ إلَيَّ بَلَدٌ أنْتُمْ فِيهِ.2

  • و قال عبد الله ابن الزبير (ابن اخت عائشة، و كانت تودّه و تحبّه إلى درجة يمكن تسميتها بحدّ العشق) لابن عبّاس يوماً:

  • إني لأكْتُمُ بُغْضَكُمْ أهْلَ هَذَا الْبَيْتِ مُنذُ أرْبَعِينَ سَنَةً.3

  • بكاء الجمادات دماً عند قتل أمير المؤمنين عليه السلام

  • بينما بكت الأحجار دماً في شهادة أمير المؤمنين عليه السلام، و قد وردت الأخبار بأمثال ذلك في كتب العامّة- فضلًا عن مصنّفات الشيعة- إلى الحدّ الذي يطول المقام لاستقصائها جميعاً.

  • يروي الحاكم (النيسابوريّ) في «المستدرك»، عن ابن شهاب الزهري أنه قال: قدمتُ دمشقَ و أَنا أُريد الغزوَ، فأتيتُ عبدَ المَلَك (ابن مروان) لأسلّم عليه، فوجدتُه في قبّةٍ على فرش بقرب القائم و تحته سِماطان، فسلّمتُ ثمّ جلستُ. فقالَ لي: يا ابنَ شهاب! أَ تعلمُ ما كانَ في بيتِ المقدسِ صَباحَ قتل عليّ بن أبي طالب؟

    1. مقطع من الآية 11، من السورة 58: المجادلة.
    2. «أحاديث امّ المؤمنين عائشة» ج 1، ص 195، عن المسعوديّ و« شرح نهج البلاغة» لابن أبي الحديد.
    3. المصدر السابق، ج 1، ص 185.

معرفة المعاد ج٤

124
  • فقلتُ: نعم!

  • فقال: هَلُمَّ! فَقُمْتُ من وراءِ الناسِ حتّى أتيتُ خلفَ القبّةِ، فحوّل إلَيَّ وجهَهُ فَأحنا عَلَيّ فقال: مَا كانَ؟

  • فقلتُ: لَمْ يُرْفَعْ حَجَرٌ مِنْ بَيْتِ المقدسِ إلَّا وُجِدَ تَحْتَهُ دَمٌ.

  • فَقَالَ: لَمْ يبْقَ أحدٌ يعلم هَذَا غيري و غيرُك. لَا يَسْمَعَنّ مِنْكَ أَحدٌ! فما حَدَّثْتُ به حَتّى تُوفَّي.1

  • كما يروي الحاكم بسنده عن الزهريّ:

  • إن أسْمَاءَ الأنصاريّة قالتْ: مَا رُفِعَ حَجَرٌ بِإيلياءَ لَيْلَةَ قُتِلَ عَلِيُّ إلَّا وُجِدَ تَحْتَهُ دَمٌ عَبِيطٌ.2

  • و يروي الشيخ الطوسي في «الاستبصار» بسنده عن الصدوق، و هو بسنده المتّصل عن أبي بصير، عن الإمام أبي عبد الله (الصادق) عليه السلام قال: سألَ هشامُ بنُ عبد الملك أبي عليه السلامُ فقالَ: أَخْبِرني عن الليلة التي قُتل فيها عليُّ بنُ أبي طالب عليه السلام، بما استدلَّ النائي عن المصر الذي قُتل فيه عليٌّ؟ و ما كانت العلامةُ فيه للناسِ؟ و أخبرني هَلْ كانتْ لغيره في قتله عبرة؟

  • فقال له أبي: إنَّه لمّا كانت الليلةُ التي قُتِلَ فيها عليٌّ صلوات الله عليه لَمْ يُرْفَعْ عَنْ وجهِ الأرْضِ حَجَرٌ إلَّا وَجِدَ تَحْتَهُ دَمٌ عَبِيطٌ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، وَ كَذَلكَ كانت الليةُ التي فُقِدَ فيها هارونُ أخو موسى صلوات الله عليهما، و كذلك كانت الليلة التي قُتِلَ فيها يوشَعُ بنُ نون، و كذلك كانت الليلةُ التي رُفع عيسى ابن مريم صلوات الله عليه، و كذلك الليلةُ التي قُتِلَ فيها الحسينُ

    1. «مستدرك الحاكم» ج 3، ص 113.
    2. «مستدرك الحاكم» ج 3، ص 144.

معرفة المعاد ج٤

125
  • صلواتُ اللهِ عليه.1

  • و ورد في «مناقب ابن شهرآشوب» عن ابن عبّاس، أنّ رسول الله صلّى الله عليه و آله قال: إنَّ السماءَ و الأرضَ لَتبكي على المؤمنِ إذَا ماتَ أربعين صباحاً، و إنّها لَتبكي على العالِمِ، إذَا ماتَ أربعينَ شَهْراً، و إنّ السماء و الأرضَ لَيبكيان على الرسولِ أربعينَ سنةً، و إنّ السماء و الأرضَ ليبكيان عليكَ يا عليُّ إذا قُتِلْتَ أَربعينَ سنةً.2

  • قال ابن عبّاس: لقد قُتِلَ أمير المؤمنين عليه السلام على الأرض بالكوفةِ، فأمطرت السماءُ ثلاثَة أَيّامٍ دَماً.

  • و روى أبو حمزة عن الصادق عليه السلام، و هو مرويّ أيضاً عن سعيد بن المسيّب أنه لَمّا قُبِضَ أميرُ المؤمنين عليه السلام لَمْ يُرْفَعْ مِنْ وَجْهِ الأرْضِ حَجَرٌ إلَّا وُجِدَ تَحْتَهُ دَمٌ عَبِيطٌ.

  • و أورد الخطيب (البغداديّ) في «تاريخ بغداد»، و النسويّ في تأريخه أنّ عبدُ الملك بن مروان سأل الزهريَّ: مَا كَانتْ عَلامة يَوْمَ قُتِلَ عَليّ عليه السلام؟

  • قال: مَا رُفِعَ حَصَاةٌ مِن بَيْتِ المقدسِ إلَّا كَانَ تَحتَها دَمٌ عبيطٌ.3

  • و نقل المرحوم المجلسيّ عن الصادق عليه السلام أنه قال: و اللهِ لقد بكت السماء و الطير و الحيوانات و وحوش الفلوات و الملائكة على جدّي الحسين. و اللهِ لقد كانت الشمس تطلع لمّا قبض جدّي الحسين لشهرين

    1. «بحار الأنوار» ج 9، ص 677؛ و الطبعة الحروفيّة ج 42، ص 302.
    2. أورد المحدّث العظيم الشأن السيّد هاشم البحرانيّ هذه الرواية في« مدينة المعاجز» ص 179، إلّا أنه ذكر في شأن البكاء على أمير المؤمنين لفظ« أربعين خريفاً» بدل« أربعين سنة».
    3. «بحار الأنوار» ج 9، ص 677؛ و الطبعة الحروفيّة: ج 43، ص 309.

معرفة المعاد ج٤

126
  • على الجدران، فكأنّما لُطخت الجدران دما.

  • هذه هي روح الولاية التي تؤثّر في الجمادات، أمّا هذا الإنسان الأقسى من الحجر فيسجد (فرحاً) لقتل عليّ.

  • أ فلم تنزل آية سورة التحريم في عائشة و حفصة؟ أ لم يشبّه الله سبحانه تلك المرأتين بامرأتي نوح و لوط حين خانتاهما و عصتاهما!

  • أورد الزمخشريّ في «الكشّاف»:

  • «إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ» خِطَابٌ لِحَفْصَةَ وَ عَائِشَةَ على طَرِيقَةِ الالْتِفَاتِ، لِيَكُونَ أبْلَغَ في مُعَاتَبَتِهِمَا.

  • و عن ابن عبّاس: لَمْ أزَلْ حَرِيصاً على أنْ أسْألَ عُمَرَ عَنْهُمَا حَتَّى حَجَّ وَ حَجَجْتُ مَعَهُ، فَلَمَّا كَانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ عَدَلَ وَ عَدَلْتُ مَعَهُ بِالإدَاوَةِ، فَسَكَبْتُ الْمَاءَ على يَدِهِ فَتَوَضَّأ. فَقُلْتُ: مَنْ هُمَا؟

  • فَقَالَ: عَجَبَاً يَا ابْنَ عَبَّاس! كَأنهُ كَرِهَ مَا سَألْتُهُ عَنْهُ. ثُمَّ قَالَ: هُمَا حَفْصَةُ وَ عَائِشَةُ.1

  • عائشة التي كانت تُعرض عن قُرّتي عين رسول الله و تحتجب عنهما و تأبى أن تراهما أو يرياها. و كان ابن عبّاس يقول إنّ دخول الحسنين عليهما السلام عليها بلا حجاب حلال.

  • يقول ابن سعد في «الطبقات» بعد ذكر هذا الأمر:

  • [إن زوجة الأب و زوجة الجدّ للُامّ و الجدّ للأب بالنسبة لهما من

    1. «تفسير الكشّاف» المجلّد الثاني، ص 1501، طبعة كلكتا سنة 1276 ه-، مطبعة« ليسي» و هي أقدم طبعة للكشّاف؛ و فالطبعة الاولي لمطبعة الشرفيّة سنة 1307 ه-، ص 471؛ و فطبعة دار الكتاب العربيّ- بيروت لبنان، سنة 1366 ه-، ص 566. و قال ابن حجر العسقلانيّ فكتاب« الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشّاف» المطبوع فهامش« الكشّاف»: هذا حديث متّفقٌ عليه.

معرفة المعاد ج٤

127
  • المحارم] و قد قال أبو حنيفة و مالك بن أنس: الرجلُ يتزوّج المرأة فلا تحلّ لولده و لا لولد ولده من الذكور أن يتزوّجها أبداً، لا هُمْ و لا أولادُهم و لا أولادُ بناتهم، و هذا مُجمعٌ عليه [و لم يكن هذا الأمر خافياً على عائشة، اللهمّ إلّا أن يكون احتجابها منهما لشيءٍ آخر].1

  • و لقد بكت السماواتُ في مأتم سيّد الشهداء، و لقد انصرفوا عنه و تركوا بدنه الأنور ملقى على الأرض بلا غُسل و لا كفن.

  • يقول الإمام السجّاد عليه السلام: [لم يكونوا ليدعوننا نقترب من تلك الأبدان شبراً واحداً، فمن تقدّم كان جزاؤه الضرب بالسياط ثمّ يُبعدونه عن البدن قهراً].

  • بكاء الحيوانات عند شهادة سيّد الشهداء عليه السلام

  • و قد ورد في الأثر أنّ الوحوش كانت تأتي فتحيط بذلك البدن و هي منتصبة على قوائمها رافعة أيديها تذرف الدموع، و أنّ طيور السماء كانت تتحلّق بتلك الأبدان الطيّبة الزكيّة و تبسط أجنحتها فوق البدن المطهّر لسيّد الشهداء عليه السلام فتظلّله من الشمس.

  • چون صبا ديد به صحرا بدن بى كفنش***خاك مىريخت به جاى كفنش بر بدنش

  • چون كه از مركب خود شاه به گودال افتاد***عهد يزدان به لبش بود و شفاعت سخنش

  • آخرين بار كه شه جانب ميدان مىرفت***خواهرش داد به او كهنهترين پيرهنش

  • تا كه دشمن نكند خواهش تن پوش حسين***كهنه پيراهن او بود به جاى كفنش

    1. «الطبقات الكبرى» لابن سعد، ج 8، ص 73. و لم نعثر فيه على العبارات بين المعقوفتين.

معرفة المعاد ج٤

128
  • گشت آغشته به خونِ دل او پيكر او***از سم اسب سواران به بدن تاختنش 1

  • و ما أروع و أبدع ما أنشد المرحوم نيّر التبريزيّ في هذا المجال:

  • شهيد عشق كه تنگست پوست بر بدنش***تو خصم بين كه به غارت برند پيرهنش

  • زِرِهْ به غارت اگر خصم خيره برد چه غم***كه بود جوشن تن زلفهاى پرشكنش

  • شهى كه سندس فردوس بود پوشش او***روا نديد به تن خصم جامه كهنش 2

  • و قال الشافعيّ في هذا الباب:

  • تَزَلْزَلَتِ الدُّنيَا لآلِ مُحَمَّدٍ***وَ كَادَتْ لَهُمْ صُمُّ الْجِبَالِ تَذُوبُ

    1. يقول: حين رأت الصَّبا بدنه الملقي ف- الصحرا دون كفن، فقد سفّت عليه الرمالَ كفناً.
      و حين هوي الملك من جواده إلى حفرة مقتله، فقد كان عهد الله بين شفتيه، و الشفاعة حديثه.
      و لقد أعطته أُخته، حين توجّه إلى ساحة القتال للمرّة الأخيرة أرثّ ثيابه و أخلقها.
      و لئلّا يستوهبالعدوّ من الحسين الثوب الذي يرتديه، فقد كان أرثّ ثيابه كفناً له.
      و لقد تضمّخ بدنه بدماء قلبه، من حوافر خيول الفوارس الذين هاجموه.
    2. يقول: لقد ضاق بشهيد العشق جلد بدنه، فانظر إلى الخصم الذي ينهب منه ثوبه!!
      و لا ضَيْر إن سلب العدوّ الضالّ منه درعه، فدرع بدنه خصلات ذؤابته الموّاجة.
      إنّ الملك الذي مِن سُندس الفردوس رداؤُه، لم يجد لائقاً أن يرتدي الخصم قميصه الخَلِق.

معرفة المعاد ج٤

129
  • وَ غَارَتْ نُجُومٌ وَ اقْشَعَرَّتْ كَوَاكِبٌ***وَ هُتِّكَ أسْتارٌ وَ شُقَّ جُيُوبُ 1

    1. و بداية هذه الأشعار:
      تَأوَّهَ قَلْبي وَ الْفُؤَادُ كَئِيبُ--وَ أرَّقَ نَوْمي فَالْسهَادُ عَجِيبُ
      فَمنْ مُبلِغٌ عَنِّي الْحُسَيْنَ رَسَالَةً--وَ إنْ كَرِهَتْهَا أنْفُسٌ وَ قُلُوبُ
      ذَبِيحٌ بِلَا جُرَمٍ كَأنَّ قَمِيصَهَ--صَبيغٌ بِمَاءِ الأرْجُوَانِ خَضِيبُ
      فَلِلسيْفِ إعوَالٌ وَ لِلرُمحِ رَنةٌ--وَ لِلْخَيْلِ مِنْ بَعْدِ الصَّهِيلِ نحِيبُ
      --
      ثمّ يقول بعدها: تزلزلت الدنيا ... البيت؛ ثمّ يقول بعد البيتين:
      يُصَلَّي عَلَي الْمَبْعُوثِ مِنْ آلِ هَاشِمٍ--وَ يُغْزَي بَنُوهُ إنَّ ذَا لَعَجِيبُ
      لَئِنْ كَانَ ذَنْبِي حُبُّ آلِ مُحَمّدٍ--فَذَلك ذَنْبٌ لَسْتُ مِنْهُ أتُوبُ
      هُمُ شُفَعَائِي يَوْمَ حَشْرِي وَ موْقِفِي--إذَا مَا بَدَتْ لِلنَّاظِرينَ خُطُوبُ
      --
      و قد وردت هذه الأبيات في-« مناقب ابن شهرآشوب» ج 2، ص 232 و 233.

معرفة المعاد ج٤

130
  •  

  •  

  • المَجْلِسُ الرَّابعُ وَ العِشْرُون: ألْمُخْلَصُونَ هُمُ الَّذِينَ لا يَمُوتُونَ بِنَفْخِ الصُّور

  •  

  •  

معرفة المعاد ج٤

132
  •  

  •  

  • بسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

  • (مطالب القيت في اليوم الرابع و العشرين من شهر رمضان المبارك)

  • الحمد للَّه ربّ العالمين و لا حول و لا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم

  • و صلَّى الله على محمّد و آله الطاهرين

  • و لعنة الله على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين

  •  

  •  

  • المراد بالأفراد المستثنين من الموت عند النفخ في الصور

  • قال الله الحكيم في كتابه الكريم:

  • وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ.1

  • وَ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ.2

  • يتضمّن مجمل مفاد هاتين الآيتين أنّ جميع موجودات السماوات و الأرض سوف تموت عند نفخ الصور إلّا من شاء الله. فتكون النتيجة الحاصلة أوّلًا: أنّ الموت حتميّ لجميع المخلوقات. و ثانياً: أنّ هناك أفراداً تعلّقت بهم مشيئة الله فلا يشملهم الفزع و الصعق، و لا يؤثّران في ماهيّتهم، فلا يرتدون رداء الموت.

    1. صدر الآية 68، من السورة 39: الزمر
    2. الآية 87، من السورة 27: النمل.

معرفة المعاد ج٤

133
  • و ينبغي أن نرى: مَن هم هؤلاء الأفراد؟ و أي مزية و خصوصيّة يمتلكون بحيث لا تتبدّل حياتهم موتاً؟ و بحيث يبقون أحياء مخلّدين؟

  • مع أننا نعلم أنّ جميع موجودات السماء، من الملائكة و الملائكة المقرّبين، و أرواح المقدّسين، و الحور، و أرواح الصلحاء و الشهداء التي اجتازت عالم البرزخ و التحقت بالسماوات، و كذلك جميع الموجودات البرزخيّة من المؤمنين و الكافرين ينبغي أن يموتوا بلا استثناء إثر الصعقة، فيكرعون كأس الموت و يفنون.

  • إذاً فمن المسلّم أنّ الأفراد المستثنين لهم هويّة خاصّة و شاكلة متفرّدة، بحيث إنّهم اعفوا من هذا الحكم الإلهيّ العامّ، و بحيث إنّ هذه الوقائع و الحوادث المدمّرة القاصمة و الساحقة التي تطبق أرجاء عالم الأحياء من المُلك و الملكوت لا تؤثرّ فيهم شيئاً.

  • تلك إذَن سمة إلهيّة و صبغة رحمانيّة رفيعة و متسامية فيهم ميّزتهم عن جميع الأحياء.

  • و من جهة أُخرى فقد جاء في القرآن الكريم:

  • لا إِلهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ.1

  • هنا نستنتج أنّ المصون عن الهلاك هو وجه الله تعالى.

  • كما جاء في القرآن الكريم:

  • كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ، وَ يَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ.2

  • حيث استثني هنا أيضاً وجه الربّ الذي هو وجه الله، و جُعلت له صفتا الجلال و الإكرام.

    1. مقطع من الآية 88، من السورة 28: القصص.
    2. الآيتان 26 و 27، من السورة 55: الرحمن.

معرفة المعاد ج٤

134
  • و في الحقيقة فإنّ وجه الله له صفتا الجلال و الجمال، لأنّ مرجع الإكرام إلى الإحسان و الإنعام و هما من صفات الجمال، كما أنّ الجلال و العظمة و الابّهة تُذكر مقابل الجمال.

  • و قد جُعلت صفتا الجلال و الإكرام في هذه الآية المباركة صفةً للوجه لا للربّ، أي أنّ وجه ربّك هو ذو الجلال و الإكرام. و تريد الآية القول إنّ لربّك هاتين الصفتين، و ذلك لانّ «ذو الجلال» مرفوع و نعت للوجه، و إلّا لوجب أن تقول: «ذي الجلال» ليكون نعتاً للربّ.

  • و في ضوء ذلك، و بالإضافة إلى ما يستفاد من هذه الآية من أنّ وجه الربّ باقٍ و خالد، فإنّه يُستنتج أنّ وجه الله يمتلك صفة الجلال و الإكرام؛ و نعلم أيضاً أنّ صفتي الجلال و الإكرام ليستا نعتاً لاسم الله، بل نعتاً للّه تعالى نفسه.

  • تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ.1

  • فيستفاد من ضمّ هاتين الآيتين الأخيرتين أنّ وجه الله أعلى و أرفع من اسم الله، لأنّ (ذي الجلال و الإكرام) لم تقع نعتاً للاسم، بل جاءت نعتاً للربّ. و لأنّ وجه كلّ شيء هو المُظهر لنفس ذلك الشيء، فإنّ وجه الله و وجه الربّ هو الربّ نفسه، حيث نُعت الوجه بنفسه بهاتين الصفتين تارةً، بينما نُعت الربّ بهما تارة اخرى.

  • و إذا ما لاحظنا الآن آيات نفخ الصور- و قد اتّضح لدينا هذا المطلب- و تأمّلنا في مورد الاستثناء و في هذه الآيات، و قارنّا بينها، لظهر أنّ المراد ب- «مَنْ شاءَ اللَّهُ»- و هم الذين لم يشأ الله موتهم- هو وجه الله تعالى.

    1. الآية 78، من السورة 55: الرحمن.

معرفة المعاد ج٤

135
  • ذلك لانّ المقارنة بين آيات نفخ الصور الدالّة على موت جميع الموجودات إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ، و بين آيات سورة الرحمن الدالّة على فناء و هلاك كلّ شيء إلّا وجهه، و إلّا وجه ربّك، ستجعل استنتاج أنّ «مَن شَاءَ اللهُ» هو وجه الله أمراً لا يحتاج إلى تأمّل.

  • و باعتبار علمنا من الآية الشريفة:

  • وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ.1

  • أنّ القيام و الحضور عند الله تعالى مختصّ بمن يموتون في نفخ الصور الأوّل و يبعثون بنفخ الصور الثاني (نفخ الإحياء)، فيحضرون أمام الله تعالى. كما نعلم من الآية الشريفة:

  • فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ، إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ.2

  • أنّ العباد المخلَصين لا حضور لهم و لا حشر.

  • لذا فإنّ «مَن شَاءَ اللهُ» الذين لا يموتون، هم الذين لا قيام لهم و لا حضور، و أنهم عباد الله المخلَصُون.

  • عباد الله المخلصون هم وجه الله

  • و بقياس و مقارنة هذه الآيات مع الآيات التي ذكرت في سورة الرحمن، و التي بشّرت جميع الموجودات بالموت، و اعتبرت أنّ الباقي هو وجه الله سبحانه، فإنّه يستفاد أنّ وجه الله الباقي الذي لا يطرأ عليه البوار و الهلاك هو عباد الله المخلَصون.

  • إن عباد الله المخلَصين حين يرحلون عن الدنيا، فإنّهم لا يتوقّفون عند البرزخ، و ليس لهم حشر و لا حضور عند القيامة، و لا تؤثّر شيئاً في

    1. الآية 68، من السورة 39: الزمر.
    2. عجز الآية 127، و الآية 128، من السورة 37: الصافّات.

معرفة المعاد ج٤

136
  • أيّ منهم الصيحة البرزخيّة الاولى (صور الإماتة) و لا الصيحة الثانية (صور الإحياء)، لأنهم عبروا هذه المراتب و الدرجات، و وردوا في عالم أعلى من عالم البرزخ و عالم الحشر و النشور و الحساب و الكتاب و العرض و السؤال، و تحقّق وجودهم و سرّهم بحقيقة وجه الله، حيث لا سبيل هناك للموت و البوار و الفناء و العدم.

  • و بطبيعة الحال فإنّ هذه المقامات و الدرجات خاصّة بالمخلَصين (بفتح اللام على اسم المفعول) لا المخلِصين (بكسر اللام على اسم الفاعل) لأنّ المخلِصين (بالكسر) هم الذين خطوا خطواتهم سالكين في مقام مجاهدة النفس الأمّارة في طي طريق القرب و الخلوص و الفناء، إلّا أنّ وجودهم و سرّهم- مع ذلك- لم يتمحّض و يخلُص تماماً، و مجاهدتهم لم تنتهِ بعدُ، فهم لا يزالون في جدال و نزاع و مجاهدة مع النفس الأمّارة و الشخصيّة و الأنانيّة و في صفوف و مراحل مختلفة من وادي السير و السلوك هذا.

  • أمّا المخلَصين (بالفتح) فقد انتهت مراحل مجاهدتهم و نالوا مقام الطهارة و النزاهة، سواء الطهارة في مقام الفعل أو في مقام الأخلاق و الملكات و الصفات، أو في مقام السرّ و الذات. فقد اجتازوا جميع هذه المراحل، و وردوا في حرم الله طاهرين مطهّرين، و وصلوا إلى مقام الفناء في ذات الحضرة الأحديّة. وَ لَا يمْلِكُونَ لأنفُسِهِمْ نَفعاً وَ لَا ضَرّاً وَ لَا مَوْتاً وَ لَا حَياةً وَ لَا نُشُوراً.

  • فلا وجود لهم بعدُ ليصيبه صعق الموت و فزعه، و لم يبق فيهم أي شيء من الإنّية ليحتاجوا إلى حساب و كتاب، فلقد أنهوا حسابهم و كتابهم في الدنيا حين سلكوا بخطوات صادقة، ثابتة طريق لقاء المعبود، ثمّ خطوا بعد الموت الطبيعيّ الدنيويّ في جنّة الخُلد و جنّة الذات، منعّمين بنعم لقاء

معرفة المعاد ج٤

137
  • و شهود جمال و جلال الحضرة الأحديّة.

  • فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ.1

  • نعم، إنّ أحوال و مقامات المخلَصين لا تتّسع لها صدور غيرهم من أفراد البشر، لأنّ ثواب و نتائج أعمالهم لا تخطر على بال بشر، و يقصر عنها شأن صقر العقل البعيد التحليق، و لا تدركها و لا ترقى إليها أفكار العقلاء و العلماء، كما أنّ عُقبان الفكر و الفطنة و الدراية، بأجنحتها القويّة المتينة، لو رامت استنشاق نسمة من تلك الحالات و المقامات لحبطت و عجزت.

  • المواهب الإلهيّة للمخلَصين

  • و حين لا يكون لهم من جزاء إلّا الذات المقدّسة للمعبود جلّ و علا، فكيف ستكون درجاتهم- و الحال هذه- في مستوى فهم و علم البشر و في وسع الفكر و العقل؟

  • نُقل عن «التفسير الصغير» للفضل بن الحسن الطبرسيّ أنه قال: جاء في حديث:

  • يقول الله تعالى: أعَدْدَتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأتْ، وَ لَا اذُنٌ سَمِعَتْ، وَ لَا خَطَرَ على قَلْبِ بَشَرٍ؛ فَلَهُ مَا أطْلَعْتُكُمْ عَلَيْهِ. اقْرَاوا إنْ شِئتُمْ: «فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ».2 و3

  • و عن «أسرار الصلاة» للشهيد الثاني عليّ بن أحمد العامليّ، عن الصادق عليه السلام أنّ رسول الله صلّى الله عليه و آله قال:

  • قَالَ اللهُ: لَا أطَّلِعُ على قَلْبِ عَبْدٍ، فَأعْلَمُ فِيهِ حُبَّ الإخْلَاصِ

    1. عجز الآية 40، من السورة 40: غافر.
    2. «كلمة الله» ص 134.
    3. و هذه الآية هي الآية 17، من السورة 32: السجدة.

معرفة المعاد ج٤

138
  • لِطَاعَتِي، وَ ابْتِغَاءِ وَجْهِي إلَّا تَوَلَّيْتُ تَقوِيمَهُ وَ سِيَاسَتَهُ.1

  • بلى، إنّ المخلصين يمتلكون- بنصّ آيات القرآن الكريم و صريحها- آثاراً و خصائصَ لا نَصيب للآخرين فيها.

  • الأُولى: أنه بأيّ وجه من الوجوه لا سبيل للشيطان و لا تسلّط و لا قدرة له عليهم؟ و ذلك بنصّ الآية القرآنيّة الكريمة:

  • فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ.2

  • و بديهي أنّ هذا الاستثناء ليس تشريعيّاً، بل إنّ الشيطان لا قدرة له على المخلَصين بعدُ، و ذلك بسبب اقتدارهم الذاتيّ في مقام التوحيد، فلا يمكنه- لضعفه و عجزه- الوصول إليهم في هذه المرحلة.

  • بلى، لقد محض المخلَصون أنفسهم و أخلصوها للّه تعالى، لذا فأينما نظروا يرون الله سبحانه تعالى في كلّ الأشياء، و أينما ظهر لهم الشيطان و بأيّ كيفيّة كانت أو صورة فإنّهم ينظرون إلى ذلك الشيء بالنظر الإلهيّ لتكون لهم منه عبرة إلهيّة.

  • لهذا فقد أقرّ الشيطان منذ الوهلة الأُولى و اعترف بعجزه و مسكنته أمام هذه الطائفة و تدرّع دونهم؛ و إلّا فإنّ ذات الشيطان لإغواء بني آدم، و ليس بالذي يرحم أحداً أو يعرض عن إغواء و إضلال أحد.

  • الثاني: أنّ هذه الطائفة قد اعفيت و فرغت من محاسبة الحشر الآفاقيّ و من الحضور في تلك الساحة و العرصة.

  • و قد ورد في القرآن الكريم: وَ نُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَن في السَّمَاواتِ وَ مَن في الأرْضِ إلَّا مَن شَاءَ اللهُ.

    1. «كلمة الله» ص 138.
    2. معظم الآية 82 و الآية 83، من السورة 38: ص.

معرفة المعاد ج٤

139
  • و ذلك لأن هذه الآية- كما قلنا سابقاً- حين تُضمّ إلى الآية الشريفة: فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ، إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ.

  • سيتّضح أنّ هذه الطائفة الآمنة من صعقة القيامة هم عباد الله المخلَصون. و ذلك لانهم قتلوا في جهاد الأنفس من خلال المراقبة و الرياضة الشرعيّة و التحقوا بالحياة الأبديّة، و عبروا القيامة العظمى الأنفسيّة، و حوسبوا في مرحلة المجاهدة، و ها هم قد ارتدوا خلعة الحياة الأبديّة عند ربّهم إثر القتل في سبيل الله، فهم منعّمون بالرزق الخاصّ النازل من الخزانة الأبديّة، قال عزّ من قائل:

  • وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ.1

  • إضافةً إلى ذلك فإنّنا نعلم أنّ الإحضار فرع على عدم الحضور؛ فعباد الله المخلَصون كانوا حاضرين في كلّ مكان قبل ظهور طليعة القيامة، و كانوا مطّلعين على جميع الأحوال. لأنه يقول: عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ.

  • الثالث: أنّ ما يلحق كلّ امرئ من الأجر و الثواب يوم القيامة إنّما هو مقابل عمله، اللهم إلّا هذا الصنف من العباد، فالكرامة الإلهيّة لهم فوق أجر العمل و ثوابه:

  • وَ ما تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ* إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ.2

  • فإن قيل أنّ مفاد هذه الآية هو أنّ طائفة المعذّبين يجزون وفق أعمالهم، إلّا عباد الله المحسنين فجزاؤهم ليس مقابل العمل، بل يجزيهم

    1. الآية 169، من السورة 3: آل عمران.
    2. الآيتان 39 و 40، من السورة 37: الصافّات.

معرفة المعاد ج٤

140
  • الله بمنّه و فضله و كرمه.

  • فإنّنا نقول في الإجابة: إنّ مفاد الآية مُطلق، و لا اختصاص في مُخاطَبها بطائفة المعذّبين.

  • ناهيك عن أنّ مجازاة العباد بالفضل و الكرم لا تتنافى مع الجزاء في مقابل العمل، لأنّ معنى الفضل أن يمنّ الله المنّان بجزاء كبير مقابل عمل صغير، فهو في الحقيقة يعدّ العمل الصغير كبيراً، إلّا أنّ الجزاء- مع هذا كلّه- قد وقع مقابل العمل، بينما مفاد الآية الشريفة غير هذا. إذ تتضمّن أنّ العباد المخلَصين للّه لا يجزون مقابل أعمالهم.

  • كما يقول في آية اخرى:

  • لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها وَ لَدَيْنا مَزِيدٌ.1

  • فيتضح أنّ هناك من الكرامات الإلهيّة ما سيُعطى فوق إرادتهم و مشيئتهم، و أعلى من مستوى فكرهم، و أرفع ممّا يرقى إليه و يُحلّق فيه طائر اختيارهم و إرادتهم، و هي نكتة جديرة بالملاحظة و التأمّل.

  • الرابع: أنهم يمتلكون مقاماً منيعاً و منصباً رفيعاً و مرتبة عظيمة، بحيث يمكنهم الثناء على الله و حمد ذاته الأبديّة كما هو حقّه و أهله، و كما تستحقّ ذاته القدسيّة.

  • قال عزّ و جلّ:

  • سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ، إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ.2

  • و هو غاية و منتهى كمال المخلوق، و ذروة منصب الممكن.

  • و قد ذكرنا هذه الميزات الأربع في رسالتنا الموسومة ب- «لبّ اللباب

    1. الآية 35، من السورة 50: ق.
    2. الآيتان 159 و 160، من السورة 37: الصافّات.

معرفة المعاد ج٤

141
  • در سير و سلوك اولي الألباب»1 من تقريرات الدروس العرفانيّة لسماحة العلّامة الطباطبائيّ مدّ ظلّه، و أوردناها هنا للمناسبة.

  • الحديث القدسي: عبدي أطعني أجعلك مثلي

  • و قد ورد في الأخبار الواردة عن المعصومين صلوات الله عليهم في شأن مقامات المخلَصين و درجاتهم تفاصيل عجيبة تُذهل الألباب. إذ يروي أحمد بن محمّد بن خالد البرقيّ في كتاب «المحاسن» عن عبد الرحمن بن حماد، عن حنان بن سدير، عن الإمام أبي عبد الله جعفر الصادق عليه السلام، عن رسول الله صلّى الله عليه و آله، قال:

  • قَالَ اللهُ تَعَالَى: مَا تَحَبَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أحَبَّ إلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ؛ و إنَّهُ لَيتَحَبَّبُ إلَيَّ بِالنَّافِلَةِ حَتَّى احِبُّهُ فَإذَا أحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الذي يَسْمَعُ بِهِ، وَ بَصَرَهُ الذي يَبْصُرُ بِهِ، وَ لِسَانَهُ الذي يَنْطِقُ بِهِ، وَ يَدَهُ التي يَبْطِشُ بِهَا، وَ رِجْلَهُ التي يَمْشِي بِهَا، إذَا دَعَانِي أجَبْتُهُ، وَ إذَا سَألَنِي أعْطَيْتُهُ، وَ مَا تَرَدَّدْتُ في شَيءٍ أنَا فَاعِلُهُ كَتَرَدُّدِي في مَوْتِ مُؤْمِنٍ يكْرَهُ الْمَوْتَ وَ أنَا أكْرَهُ مَسَاءَتَهُ.2

  • و قد أورد المجلسيّ هذه الرواية في «بحار الأنوار» المجلّد الخامس عشر، الجزء الثاني، باب حبّ الله تعالى، ص 29.

  • و يقول ابن فهد الحلّيّ في «عدّة الداعي»: وَ في الحديث القدسيّ: يَا بْنَ آدَمَ أنَا غَنِيُّ لَا أفْتَقِرُ، أطِعْنِي فِيمَا أمَرْتُكَ، أجْعَلْكَ غَنِيّاً لَا تَفْتَقِرُ. يَا بْنَ آدَمَ أنَا حَيٌّ لَا أمُوتُ، أطِعْنِي فِيمَا أمَرْتُكَ، أجْعَلْكَ حَيَّاً لَا تَمُوتُ. يَا بْنَ آدَمَ أنَا أقُولُ لِلشَّيءِ كُنْ فَيَكُونُ، أطِعْنِي فيمَا أمَرْتُكَ، أجْعَلْكَ تَقُولُ

    1. فارسي، و معرّبه:« رسالة لبّ اللباب في سير و سلوك اولي الألباب.( م)
    2. «المحاسن» ج 1، كتاب مصابيح الظلم، الباب 47 المحبوبات، ص 291.

معرفة المعاد ج٤

142
  • لِلشَّيْءِ كُنْ فَيَكُونُ.1

  • و يقول الحافظ رجب البرسيّ في «مشارق أنوار اليقين»: ورد في الحديث القدسي: إنَّ لِلَّهِ عِبَاداً أطَاعُوهُ فِيمَا أرَادَ، فَأطَاعَهُمْ فِيمَا أرَادُوا؛ يَقُولُونَ لِلشَّيءِ: كُنْ فَيَكُونُ.2

  • أحوال المخلَصين و مقامهم

  • بلى، لقد خطى هؤلاء بقدم صادقة سبُل مجاهدة النفس الأمّارة، و تخطّوا الإنّيّة، و وصلوا إلى مقام معرفة النفس، و بالنتيجة إلى ما يلازم ذلك تبعاً للأخبار الواردة، فقد وصلوا إلى مقام معرفة الله تبارك و تعالى، و أصبحت كلّ ذرّة في وجودهم طاهرة مطهّرة من لوث و دنس الكدورات الشيطانيّة، و تخلّصوا تماماً من الرذائل الأخلاقيّة و الوجوديّة، فلا قصد و لا مقصود لهم إلّا ذات الحضرة الأحديّة و رضاها؛ اولئك الذين نصبوا خيامهم و سرادقاتهم خارج الدنيا و ما فيها، و خارج الآخرة و ما فيها، أي خارج جميع لذائذ العالمين، فلم يطووا طريقاً و سبيلًا إلّا سبيل تحصيل مقام القرب المعنويّ و الخُلوص. لذا لم يعد لهم إرادة لهم و لا رغبة إلّا إرادة الله سبحانه و اختياره.

  • أُولئك الذين عاينوا ظهورات و تجلّيات الحقّ المتعال في جميع العوالم، و مسّوا و لا مسوا في مقام شهود إرادة الله و اختياره إلّا وَ مَا تَشَاءُونَ إلأ أن يَشَآءَ اللهُ.3

  • فأصبح وجودهم مرآة تجلّيات الله سبحانه و تعالى، و حيث دَفنوا في مقبرة النسيان جميع مراتب إظهار الوجود. لا أن يكون قد صار لهم

    1. «عُدّة الداعي» ص 233.
    2. «كلمة الله» ص 143.
    3. الآية 30، من السورة 76: الإنسان.

معرفة المعاد ج٤

143
  • - و العياذ بالله- وجود في مقابل وجود الله تعالى، أو صارت لهم قدرة و علم و حياة منفصلة عنه تعالى، فتلك هي الفرعونيّة.

  • بل إنّ قدرتهم و علمهم و حياتهم قد أصبحت كلّها مندكّة و فانية في قدرة الله و علمه و حياته، فهم لا يرون لأنفسهم- بأيّ وجه من الوجوه- حياةً و لا علماً و لا قدرة، بل يرون أنّ الله جلّ و عزّ هو المصدر الأوحد للحياة و العلم و القدرة، فلملموا- من ثمّ- موائدهم و متاعهم جمعاء أمام ذاته اللامتناهية الأزليّة الأبديّة السرمديّة، و واجهوا نسبة هذه الصفات إليهم بالتوبة و الاعتذار و الخجل و الحياء، و تخطّوا ذواتهم خارجاً إلى أجلٍ غير مسمّى، و التحقوا بالحقّ.

  • و ما أجمل ما أفصح شاعرنا الحكيم الفارسيّ سعدي الشيرازيّ عن هذا المعنى بقوله:

  • ره عقل جز پيچ در پيچ نيست***بر عارفان جز خدا هيچ نيست

  • توان گفت اين نكته با حقشناس***ولى خرده گيرند أهل قياس

  • كه پس آسمان و زمين چيستند***بنى آدم و ديو و دَد كيستند

  • همه هر چه هستند از آن كمترند***كه با هستيش نام هستى برند

  • عظيم است پيش تو دريا به موج***بلند است خورشيد تابان به اوج

  • ولى أهل صورت كجا پى برند***كه ارباب معنى به مُلكى درند

معرفة المعاد ج٤

144
  • كه گر آفتابست يك ذرّه نيست***و گر هفت درياست يك قطره نيست

  • چو سلطان عزّت عَلَم در كشد***جهان سر به جيب عدم در كشد 1

  • اولئك هم الذين لا يعدّون عالم الاعتبارات إلّا سراباً، و لا يعتقدون بوجود أصيل غير أصالة الحقّ في جميع عوالم الوجود.

  • و لقد أجاد الشاعر العربيّ في وصفهم حين قال:

  • ألَا إنَّ الْوُجُودَ بِلَا مَحَالٍ***خَيَالٌ في خَيَالٍ في خَيَالِ

  • وَ لَا يَقْظَانَ إلَّا أهْلُ حَقٍ***مَعَ الرَّحْمَنِ هُمْ في كُلِّ حَالِ

  • وَ هُمْ مَتَفَاوِتُونَ بِلَا خِلَافٍ***فَيَقْظَتُهُمْ على قَدْرِ الكَمَالِ

  • هُمُ النَّاسُ الْمُشَارُ إلَى عُلَاهُمْ***لَهُمْ دُونَ الْوَرَى كُلُّ التَّعَالِي

  • حَظوا بِالذَّاتِ وَ الاوصَافِ طُرَّاً***تَعَاظَمَ شَأنُهُمْ في ذي الْجَلَالِ

  • فَطُوْراً بِالْجَلَالِ على التذَادٍ***وَ طَوْراً بِالتَّلَذُّذِ بِالْجَمَالِ

    1. «بوستان سعدي» ص 113، طبعة محمد على فروغي، ضمن الكلّيّات.
      يقول: ليس سبيل العقل إلّا متاهات، و ليس عند العارفين من موجود إلّا الله.
      و هذه النكتة يمكن قولها لمن يعرف الحقّ، أمّا أهل القياس فسيعترضون عليها.
      ( و يقولون) إذن ما هذه السماوات و الأرض؟ و ما البشر و الجنّ و الوحوش؟
      لكنّ هؤلاء مهما كانوا فهم أصغر- مع وجوده هو- مِن أن يطلق عليهم اسم الوجود.
      عظيمٌ عندك البحر بأمواجه، و متعاليةٌ لديك الشمس الساطعة في أوج السماء.
      و لكن أنى لأهل الصورة أن يدركوا أنّ أصحاب المعني مزّقوا المُلك و كشفوه.
      فليست- و إن كانت شمساً- ذرّة واحدة، و ليست- و إن كانت أبحراً سبعاً- قطرة واحدة.
      و حين يلوّح سلطان العزّة بالراية عالياً، فإنّ العالَم سيتواري في جيب العدم.

معرفة المعاد ج٤

145
  • سَرَتْ لَذَّاتُ وَصْفِ اللهِ فِيهمْ***لَهُمْ في الذَّاتِ لَذّاتٌ عَوَالِي 1

  • و أنّ درجات و مقامات أمثال هؤلاء الأفراد، و قَدْرهم و جلالهم عند الله المتعال إلى الحدّ الذي يرفع الله- ببركة وجودهم- العذاب عن الأرض، ذلك العذاب الذي ينزل على العُصاة و المتمرّدين.

  • صرف العذاب عن المذنبين ببركة أولياء الله

  • يروي الكلينيّ في «الكافي» بسنده المتّصل عن أبي حمزة الثماليّ، عن الإمام باقر العلوم عليه السلام، قال:

  • مَكْتُوبٌ في التوراةِ التي لَمْ تُغيَّر أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلَامُ سَألَ رَبَّهُ فَقَالَ:

  • يَا رَبِّ! أ قَرِيبٌ أنْتَ مِنِّي فَانَاجِيكَ؟ أمْ بَعِيدٌ فانَادِيك؟

  • فَأوْحَى اللهُ عَزَّ وَ جَلَّ إلَيْهِ: يَا مُوسَى أنَا جَلِيسُ مَنْ ذَكَرَنِي.

  • فَقَالَ مُوسَى: فَمَنْ في سِتْرِكَ يَوْمَ لَا سِتْرَ إلَّا سَتْرُكَ؟

  • قَالَ: الَّذِينَ يَذْكُرُونَنِي فَأذْكُرُهُمْ، وَ يَتَحَابُّونَ في فَاحِبُّهُمْ، فَاولَئِكَ الَّذِينَ إذَا أرَدْتُ أنْ اصِيبَ أهْلَ الأرْضِ بِسُوءٍ ذَكَرْتُهُم، فَدَفَعْتُ عَنْهُمْ بِهِمْ.2

  • كما يروي في «عدّة الداعي» ن الرسول الأكرم صلّى الله عليه و آله قال:

  • قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ: إذَا عَلِمْتُ أنَّ الْغَالِبَ على عَبْدِي الاشْتِغَالُ بِي نَقَلْتُ شَهْوَتَهُ في مَسْألَتِي وَ مُنَاجَاتِي؛ فَإذَا كَانَ عَبْدِي كَذَلِكَ فَأرَادَ أنْ يَسْهُو حُلْتُ بَيْنَهُ وَ بَينَ أنْ يَسْهُو.

    1. «الإنسان الكامل» عبد الكريم الجيليّ، ج 2، ص 26.
    2. «أُصول الكافي» ج 2، ص 496؛ كما أورد هذه الرواية ف-« عدّة الداعي» الطبعة الحجريّة، ص 184.

معرفة المعاد ج٤

146
  • اولَئِكَ أوْلِيَائِي حَقَّاً؛ اوْلَئِكَ الأبْطَالُ حَقَّاً؛ اولَئِكَ الَّذِينَ إذَا أرَدْتُ أنْ اهْلِكَ أهْلَ الأرْضِ عُقُوبَةً، زَوَيْتُهَا عَنْهُمْ مِنْ أجْلِ اولَئِكَ الأبْطَالِ.1 و2

  • كما ورد في «عدّة الداعي» أنه جاء في بعض الأحاديث القدسيّة أنّ الله تعالى يقول:

  • أيُّمَا عَبْدٍ اطَّلَعْتُ على قَلْبِهِ فَرَأيْتُ الْغَالِبَ عَلَيْهِ التَّمَسُّكُ بِذِكْرِي، تَوَلَّيْتُ سِيَاسَتَهُ وَ كُنْتُ جَلِيسَهُ وَ مُحَادِثَهُ وَ أنِيسَهُ.3

  • و كذلك يذكر في «عدّة الداعي» عن الحسن بن أبي الحسن الديلميّ في كتابه، عن وهب بن منبّه حديثاً في خطاب الله عزّ و جل لداود عليه السلام، من جملة فقراته:

  • يَا دَاوُدُ! ذِكْرِي لِلذَّاكِرِينَ؛ وَ جَنَّتِي لِلْمُطِيعِينَ؛ وَ حُبِّي لِلْمُشْتَاقِينَ؛ وَ أنَا خَاصَّةٌ لِلْمُحِبِّينَ.4

  • علم أولياء الله و قدرتهم هما علم الله و قدرته

  • و قد استبان، بذكر هذه المطالب التي كانت شرحاً موجزاً عن حالات المخلَصِين، أنّ الله تعالى كفيل المخلَصين و وكيلهم و وليّهم في جميع امورهم، و أنهم تخطّوا جميع الدرجات و المقامات و اللذائذ الشهويّة و الغضبيّة و حبّ الجاه و المال و الرئاسة، فصارت أعمالهم خالصة صرفاً و محضاً للمعبود الأزليّ الأبدي.

    1. أورد السهرورديّ هذا الحديث الشريف في« عوارف المعارف» بهذا اللفظ: قال رسول الله صلّى الله عليه[ و آله] و سلّم: يقول الله تعالى: إذا كان الغالب على عبدي الاشتغال بي، جعلتُ همّته و لذّته في ذكري، عشقني و عشقته، و رفعت الحجاب فيما بيني و بينه لا يسهو إذا سها الناس، اولئك كلامهم كلام الأنبياء، اولئك الأبطال حقّاً، اولئك الذين إذا أردتُ بأهل الأرض عقوبةً أو عذاباً، ذكرتهم فيها فصرفته عنهم.
    2. ( 2 و 3)-« عدّة الداعي» ص 184.
    3. ( 2 و 3)-« عدّة الداعي» ص 184.
    4. «عدّة الداعي» ص 186.

معرفة المعاد ج٤

147
  • فهم- لأجل ذلك- أحياء بحياة الله عزّ و جل، و باقون ببقاء تلك الذات المتعالية. إذ لا يؤثّر فيهم نفخ الصور، لا النفخة الاولى (و هي نفخة الإماتة) حيث جاءت عبارة «إلَّا مَن شَاءَ اللهُ» فذكرت استثناءهم صراحةً؛ و لا النفخة الثانية (و هي نفخة الإحياء)؛ لأنهم لم يموتوا ليبُعثوا و يُنشروا من جديد.

  • و آنذاك تطوى السماوات، و يعود العالم من الشكل و الترتيب إلى هيئة خلقته الاولى:

  • يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ.1

  • وَ السَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ.2

  • و الشيء الباقي هو وجه الله تعالى و المخلَصون من عباده، لذا فلا بوار و لا هلاك لهم.

  • على أنّ وجه الله في كلّ مكان، فجميع عوالم الخلقة هي وجه الله من وجهة الارتباط بالله تعالى، فلقد أحاط وجه الله جميع عالم المُلك و الملكوت، فلا نجد أي ذرّة إلّا و كان الوجود المقدّس للّه له المعيّة معها:

  • وَ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَ الْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ.

  • و مع أنّ بدن أولياء الله له هذه الكميّة و الكيفيّة المشهودة، لكنّ حقيقتهم- و هي وجه الله- قد أحاطت كلّ مكان، و هيمنت على المُلك و الملكوت. فهم مع الكلّ، و في كلّ مكان، و لا يستتر عنهم شيء، لأنهم قد تخطّوا الجزئيّة و التحقوا بالكلّيّة. قد اخترق امتداد إشعاعاتهم الفكريّة

    1. صدر الآية 104، من السورة 21: الأنبياء
    2. مقطع من الآية 67، من السورة 39: الزمر.

معرفة المعاد ج٤

148
  • و بصيرتهم الحقيقيّة الزمان و المكان، فهم ينظرون إلى العالم من افق أوسع و أرحبُ بنظرة أكثر عمقاً و نفوذاً.

  • و معجزات الأنبياء و كرامات الأولياء و الأئمّة الطاهرين سلام الله عليهم أجمعين هي بأكملها من هذا القبيل، حيث إنّهم قادرون إثر اتّساع نطاقهم الوجوديّ على أعمال و أفعال خارجة عن افق البشر المحدود المقيّد في سجن عالم الطبيعة، و خارجة عن تعقّل و فكر مفكّري العالم. فهم ينظرون إلى صور عالم الطبيعة من العالم العلويّ، مستقرّين في صدر القضاء و القدر و الأحكام الكلّيّة الإلهيّة، ترتوي أرواحهم من منهل معدن المشيئة، و يردون البحر الخضمّ اللامتناهي للمعارف و الحقائق الإلهيّة و يصدرون عنه مِلاءً رواءً.

  • فأنى- و الحال هذه- للعقول الاعتياديّة التي لم تتحرّر من قبضة عالم الطبع و المادّة و تصرّفه، أن تطّلع على أسرارهم أو تدرك كُنههم؟

  • و نحن نعلم أنّ علم الله و قدرته و حياته و سائر الأسماء و الصفات المنشعبة عنها كلّيّة و واسعة و شاملة، غير محدودة و لا مقيّدة.

  • وَ عَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَ قَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً.1

  • وَ لا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ.2

  • فأولياء الله و المخلَصين الممحّضين من هوى النفس، الذين تحقّقوا في مقام الصفات و الأسماء بصفات الله و أسمائه، فصاروا يحكون جمال الله و جلاله بلا كدر و غشّ، كما تحكي المرآة الصافية، عالمين بما شاء لهم

    1. الآية 111، من السورة 20: طه.
    2. مقطع من الآية 255، من السورة 2: البقرة.

معرفة المعاد ج٤

149
  • الله علمه، و قادرين على فعل ما شاء لهم الله فعله. لا تحجبهم المادّة و لا يصدّهم عالم الطبع و الزمان و المادّة.

  • قال أمير المؤمنين عليه السلام ضمن خطبة موجزة بعد إصابته:

  • وَ إنمَا كُنتُ جَاراً لَكُمْ جَاوَرَكُمْ بَدَنِي أيَّاماً.1

  • أي أنّ ما أحسستموه منّي قد كان هذا البدن، بَيدَ أنّ حقيقتي و نفسي خارجتان عن إدراككم، فلا سبيل لكم للوصول إليهما، إذ لم يكونا في عالمكم و لم ينتميا إليه أبداً.

  • و من هنا فإنّ ما نُسب في بعض الخطب و الروايات المأثورة عن أمير المؤمنين عليه السلام من الكرامات و الإخبار بالمغيّبات، و شفاء الأمراض، و إحياء الموتى، و التصرّف في موادّ الكائنات، ينبغي ألّا يُثير العجب أو يبعث على الإنكار.

  • فهذه الامور مسائل تتّفق معها و تُثبت إمكانها و تحقّقها المسائلُ الفلسفيّة، و العرفانيّة؛ كما تؤيدها و تتّفق معها الروايات و السنن الشرعيّة.

  • و على الإنسان المنصف الذي لا خبرة له و لا اختصاص في أمر ما، أن يكل علمه إلى أهله، و أن يحترز عن العجلة و الاستنتاج و الحكم نفياً أو إثباتاً.

  • پشّه كى داند كه اين باغ از كِى است***در بهاران زاد و مرگش در دِى است 2

  • أنّ اهتمام أولياء الله من الأنبياء و الأئمّة بالتكاليف و الواجبات

    1. «نهج البلاغة» الخطبة 147، طبعة محمّد عبده- مصر، ج 1، ص 269.
    2. أني لهذه البعوضة أن تعلم متى خُلقت هذه الروضة، فلقد وُلدت فالربيع، و ستموت فالشتاء.

معرفة المعاد ج٤

150
  • الشرعيّة أمرٌ له موضوعيّته، لأنّ هذه الامور وسيلة للتقرّب إلى الله و لحصول ملكة التقوى و صفاء الباطن، و الاتّصاف بالأسماء و الصفات الإلهيّة.

  • لذلك فقد كان لُاولئك العظماء كلّ تلك المثابرة و الإصرار من أجل التزكية و تهذيب النفس و التخلّق بالأخلاق الحميدة و التحلّي بالعبوديّة التامّة، و على الإنسان أن لا يأتي بعمل بلا محتوى معنويّ و لا إخلاص، فيُبهج نفسه بمحض فعله له. و من ثمّ فإنّ العمل ضروريّ مع الإخلاص.

  • فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَ لا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً.1

  • وصية الإمام أمير المؤمنين الى الإمام الحسن عليهما السلام

  • و لقد أوصى أمير المؤمنين عليه السلام، إضافة إلى دعوته الدائبة إلى الإخلاص في العمل، في خطبه و مواعظه، سرّاً و علناً؛ عدّةَ وصايا بعد إصابته، تدلّ جميعها على ذروة الاهتمام بالعمل الصالح.

  • فله عليه السلام وصيّة معروفة مشهورة نقلها المرحوم الكلينيّ و ابن شعبة الحرّانيّ و المجلسيّ و غيرهم، كما ذكرها الطبريّ في تأريخه.2

  • و هي إنصافاً وصيّةٌ جامعة و شاملة لجميع الأوامر و المواعظ، حيث يوصي عليه السلام فيها بالتكاليف الشرعيّة واحداً فواحداً، مؤكّداً كلامه ب- «اللهَ اللهَ» و محرّضاً على تنفيذه بالتذكير بمراقبة الله تعالى في هذا الأمر.

  • كقوله عليه السلام:

    1. النصف الثاني من الآية 110، من السورة 18: الكهف.
    2. «فروع الكافي» ج 5، ص 51، باب الوصايا؛ و« تحف العقول» ص 197؛ و« بحار الأنوار» ج 9، ص 661؛ و« تاريخ الطبريّ» تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم، طبعة دار المعارف- مصر، ج 5، ص 147 و 148.

معرفة المعاد ج٤

151
  • اللهَ الله في ذُرِيَّةِ نَبِيِّكُمْ فَلَا يُظْلَمَنَّ بِحَضْرَتِكُمْ، وَ بَينَ ظَهْرَانِيكُمْ، وَ أنْتُمْ تَقْدِرُونَ على الدَّفْعِ عَنْهُمْ.

  • كما جاء في آخر وصيّته المفصّلة:

  • حَفَظَكُمُ اللهُ مِنْ أهْلِ بَيْتٍ وَ حَفِظَ فِيكُمْ نَبِيَّكُمْ؛ أسْتَوْدِعُكُمُ اللهَ؛ وَ أقْرَا عَلَيْكُمُ السَّلَامَ وَ رَحْمَةُ اللهِ.

  • كما أنّ له وصيّة اخرى أوصى بها الإمام الحسن عليه السلام، و هي الاخرى وصيّة جامعة لمحاسن الحِكَم و الآداب، يكفي العمل بها لصون الإنسان من جميع المخاطر الدنيويّة و المهالك الاخرويّة.

  • و قد روى الشيخ المفيد في «المجالس» و الشيخ الطوسيّ في «الأمالي» و المجلسيّ في «بحار الأنوار» هذه الوصيّة عن ذينك الإمامين الجليلين دون اختلاف في فقراتها و جملاتها.

  • فيروي الشيخ المفيد محمّدُ بن محمّد بن النعمان هذه الرواية سنة أربعمائة و تسعة للهجرة، في شهر رمضان المبارك، بسنده المتّصل عن أبي بكر بن عيّاش، عن الفجيع العقيليّ، قال: حدّثني الحسن بن عليّ بن أبي طالب عليهما السلام، قال: لمّا حضرت أبي الوفاة أقبل يوصي فقال:

  • هَذَا ما أوصَى بِهِ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَالِبٍ أخُو مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيْهِ و آلِهِ وَ ابْنُ عَمِّهِ وَ صَاحِبُهُ.

  • أوّلُ وصيّتي أَني أشهدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللهُ، و أنّ مُحمّداً رسولُهُ و خيرتُهُ، اختارَهُ بعلمِهِ و ارتضاهُ لخيرته، و أنّ اللهَ باعث مَن في القبورِ، وَ سَائِلُ الناس عَنْ أَعمالِهِم عالم بِما في الصُدورِ.

  • ثُمَّ إنّي اوصيك- يَا حسن- و كفى بكَ وَصِيّاً، بما أوصاني به رسولُ اللهِ صلّى الله عليه و آله، فإذا كانَ ذَلكَ يا بُنَيَّ الزمْ بيتَك، و ابكِ عَلى خطيئتِكَ، و لا تكن الدنيا أكبَر هَمِّكَ، و اوصيك يا بُنَيَّ بالصلاةِ عندَ

معرفة المعاد ج٤

152
  • وقتِهَا، و الزكاة في أهْلِها عندَ مَحالّها، و الصمت عند الشُّبهةِ، و الاقتصاد، و العدل في الرضا و الغضبِ، و حسن الجِوار، و إكرام الضيف، و رحمة المجهود و أصحاب البلاء، و صلة الرَّحِم، و حبّ المساكين و مجالستهم، و التواضع فإنّه من أفضل العبادةِ، و قصر الأملِ، و اذكر الموتَ، و ازهد في الدُّنيا فإنّكَ رهينُ موتٍ، و غَرَضُ بلاءٍ، و صريعُ سقمٍ.

  • و اوصيك بخشية اللهِ في سرِّ أمرك و علانيّتك، و أنهاكَ عن التسرّعِ بالقولِ و الفعلِ، و إذا عرضَ شيءٌ من أمرِ الآخرةِ فابدأ به، و إذا عرضَ شيءٌ من أمر الدنيا فتأنه حتّى تصيب رشدَك فيه، و إيّاكَ و مواطنَ التُّهمَةِ و المجلسَ المظنون به السُّوء، فإنّ قرينَ السوءِ يغرّ جليسَهُ. و كن للَّهِ يا بُنَيَّ عاملًا، و عن الخَنَا زَجُوراً، و بالمعروفِ آمراً، و عن المنكرِ نَاهِياً، و واخِ الإخوَانَ في اللهِ، و أحبَّ الصالحَ لصلاحه، و دارِ الفاسقَ عن دينِك، و ابغضه بقلبِك، و زايله بأعمالك، كي لا تكونَ مثلَه، و إيّاكَ و الجلوسَ في الطُّرقات، ودع المماراةَ، و مجاراةَ مَن لا عقلَ له و لا علم.

  • و اقتصد، يا بُنَيَّ في معيشتك، و اقتصد في عِبادتك، و عليكَ فيها بالأمرِ الدائمِ الذي تطيقه، و الزم الصمتَ تسلم، و قدّمْ لنفسك تَغنَم، و تعلّم الخيرَ تَعْلم، و كُن للّهِ ذَاكراً على كلِّ حالٍ، و ارحمْ من أهلك الصغيرَ، و وقّرْ منهم الكبيرَ، و لا تأكلنَّ طعاماً حتّى تتصدّق منه قبل أكلِهِ، و عليك بالصومِ فإنّه زَكاةُ البدنِ و جُنّةٌ لأهله، و جاهد نفسَكَ، و احذر جليسَكَ، و اجتنب عدوَّكَ، و عليك بمجالسِ الذكرِ، و أكثرْ من الدعاءِ فإنّي لم آلك يا بُنَيَّ نُصحاً، و هذا فِراقُ بيني و بينك.

  • و اوصيك بأخيكَ محمّد خَيراً، فإنّه شقيقك و ابنُ أبيك، و قد تعلم حُبّي له، فأمّا أخوك الحسينُ فهو ابنُ امّك، و لا أزيد الوصاةَ بذلك، و اللهُ الخليفة عليكم، و إيّاهُ أسألُ أن يُصلحكم، و أن يكفَّ الطُّغاةَ البُغاةَ عنكم،

معرفة المعاد ج٤

153
  • و الصبرَ الصبرَ حتّى ينزل اللهُ الأمرَ، و لا حولَ و لا قوّةَ إلّا باللهِ العليِّ العظيمِ.1

  • و لقد قال ابن أبي الحديد (المعتزليّ) في قصيدته الرائيّة، و هي من علويّاته السبعة:

  • وَ وَارِثُ عِلْمِ الْمُصْطَفى وَ شَقِيقُهُ***أخاً وَ نَظِيراً في الْعُلَى و الأواصِرِ 2

  • هُوَ الآيَةُ الْعُظْمَى وَ مُسْتَنْبِطُ الْهُدَى***وَ حَيَاةُ أرْبَابِ النُّهَى وَ البصَائرِ

  • تَعَاليْتَ عَنْ مَدْحٍ فَأبْلَغُ خَاطِبٍ***بِمَدْحِكَ بَيْنَ النّاسِ أقْصَرُ قَاصِر 3

    1. «مجالس المفيد» المجلس 25، ص 118؛ و« أمالي الطوسيّ» المجلس الأوّل، الطبعة الحجريّة، ص 4 و 5؛ و فطبعة النجف ص 6 و 7؛ و« بحار الأنوار» ج 9، ص 649 طبعة القطع الرحليّ.
    2. الآصرة: الرابطة و العلاقة التي تنشأ بين إنسان و آخر إثر قرابة أو عمل حسن، و الجمع الأواصر.
    3. «ديوان المعلّقات السبعة» حيث طبعت ضمنه قصائد ابن أبي الحديد، و هذه القصيدة تدعي بالرائيّة و مطلعها:
      لِمَنْ ظَعنٌ بين--الغميمِ و حاجرِ
      --

      بَزَغْنَ شُموساً فظَلَامِ الدَّيَاجرِ

معرفة المعاد ج٤

154
  •  

  •  

  • المَجْلِسُ الْخَامِسُ وَ العِشْرُون: الانْبِيَاءُ وَ الأئِمَّةُ مُتَحَقِقُونَ بِأسْمَاءِ اللهِ الْحُسْنَى

  •  

  •  

معرفة المعاد ج٤

156
  •  

  •  

  • بسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

  • (مطالب القيت في اليوم العشرين من شهر رمضان المبارك)

  • الحمد للَّه ربّ العالمين و لا حول و لا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم

  • و صلَّى الله على محمّد و آله الطاهرين

  • و لعنة الله على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين

  •  

  •  

  • المقرّبون و المخلصون هم وجه الله و أسماؤه

  • قال الله الحكيم في كتابه الكريم:

  • كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ، وَ يَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ.1

  • انتهى بنا البحث إلى أنّ موجودات السماوات و الأرض تموت بأجمعها إثر نفخ الصور عدا العباد المقرّبين للّه تعالى الذين عُدّوا من الطاهرين و المطهّرين و بتعبير القرآن الكريم إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ الذين لا موت لهم.

  • و قد قسّم العباد في القرآن الكريم إلى طوائف و مجموعات ثلاث هم:

  • أصحاب اليمين، أصحاب الشمال، و المقرّبون.

  • أصحاب الشمال هم المنحرفون و المعتدون كالكفّار و المشركين و المنافقين؛ و أصحاب اليمين هم المؤمنون الذين عملوا عملًا صالحاً؛ أمّا

    1. الآيتان 26 و 27، من السورة 55: الرحمن.

معرفة المعاد ج٤

157
  • المقرّبون الذين يُدعون أيضاً بالأبرار و السابقين، فهم الذين عبروا مقامات و درجات أصحاب اليمين و تخطّوها، فصاروا طاهرين مطهّرين في ذاتهم و سرّهم، و يسمعون و يقولون و يرون بلسان القلب و اذنه و عينه. و الذين قد سلّموا جميع شئون وجودهم للّه سبحانه، فإرادته و اختياره في وجودهم بدل إرادتهم و اختيارهم. أي أنّ نفس إرادتهم و اختيارهم عين إرادة الله و اختياره.

  • إن المقرّبين لساحة ذي الجلال هم الذين عُدّوا من عباد الله المخلَصين، و استُثنوا في آية نفخ الصور المباركة، و هذا الاستثناء في ظاهر تركيب العبارة، إلّا أنّ الحقيقة هي أن لا استثناء في الأمر، و أنّ الجميع يموتون. أي أنّ كلّ ذي نفس مآله إلى الموت، بَيدَ أنهم ليسوا بأصحاب أنفس. الذي يموت هو كلّ من له نفس مختصّة به و متعلّقة به، أمّا هم فقد أدركوا شهوداً و عياناً أنّ أنفسهم غير متعلّقة بهم، بل متعلّقة بالله تعالى.

  • ثمّ إنّ تجلّيات أسماء الربّ و صفاته التي تنشأ و تظهر من صقع نفوسهم تجلّيات شاملة و عامّة، فلقد غادروا وجود و حضور عالم الطبع و عالم الصورة و عالم النفس، فليسوا بعدُ أرضيّين و لا سماويّين، بل فوق السماء و الأرض. أي أنهم يعيشون في دائرة قدرة الخالق دونما حجاب للطبع و الصورة و النفس، مندكّين في أسماء الباري تعالى شأنه و صفاته و ذاته. و ليس لهم موت، لأنهم وجه الله سبحانه:

  • كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ؛1 و وجه الله حيّ لا يموت.

  • على أنّ جميع أسماء الذات المقدّسة الإلهيّة و صفاته هي في مرحلة التعين، و في مرحلة الاسم الواحديّة، أمّا اسم أحديّته فمبرّأ من كلّ تعين

    1. الآية 88، من السورة 28: القصص.

معرفة المعاد ج٤

158
  • و لو كان تعين الأسماء و الصفات، إذ ليس هناك أي اسم و رسم.

  • عنقا شكار كس نشود دام باز گير***كانجا هميشه باد به دست است دام را 1

  • و على هذا فإنّ صفات الجلال و الإكرام في هذه الآية المباركة قد نُسبت لوجه الله تعالى: وَ يَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ.

  • وَ ينبغي العلم بأنّ جميع الصفات الجماليّة و الجلاليّة، من العلم اللامتناهي، و الحياة اللامتناهية، و القدرة اللامتناهيّة، لها ظهور و تجلٍّ في هذه الأسماء الحسنى.

  • روى الكلينيّ في «الكافي» بإسناده عن معاوية بن عمّار، عن الإمام الصادق عليه السلام في قوله عزّ و جلّ: وَ لِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها.2

  • قال: نَحْنُ- وَ اللهِ- الأسْمَاءُ الْحُسْنَى التي لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنَ الْعِبَادِ إلَّا بِمَعْرِفَتِنَا.3

  • و روى الصفّار في «بصائر الدرجات» بسنده عن الإمام الباقر عليه السلام، قال:

  • إن اسمَ اللهِ الأعْظَم على ثَلَاثَةٍ وَ سَبْعِينَ حَرْفاً؛ وَ إنَّمَا عِنْدَ آصفَ مِنْهَا حَرْفٌ وَاحِدٌ فَتَكَلَّمَ بِهِ فَخَسَفَ بِالأرْضِ فِيمَا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ سَرِيرِ بلْقَيْس؛ ثُمَّ تَنَاوَلَ السَّرِيرَ بِيَدِهِ؛ ثُمَّ عَادَتِ الأرْضُ كَمَا كَانَتْ أسْرَعَ مِنْ طَرْفَةِ عَيْنٍ

    1. يقول: لم يتسنَّ لأحد اصطياد العنقاء، فلم لم شراكك، فهناك لا تصطاد غيرَ الهواء الشراكُ.
    2. صدر الآية 180، من السورة 7: الأعراف.
    3. «تفسير الميزان» ج 8، ص 384، عن« الكافي».

معرفة المعاد ج٤

159
  • وَ عِنْدَنَا نَحْنُ مِنَ الاسْمِ اثْنَان وَ سَبْعُونَ حَرْفاً، وَ حَرْفٌ عِندَ اللهِ اسْتَأثَرَ بِهِ في عِلْمِ الغَيْبِ عِندَهُ، وَ لَا حَولَ وَ لَا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.1

  • و معنى هذه الروايات مع طائفة عظيمة من الروايات الأخرى التي نُقلت غالباً في «اصول الكافي» باب الحجّة، أننا إذا شئنا معرفة حقيقة اسم القادر، و اسم العالم، و اسم القيّوم، و اسم الرحيم، و اسم الرءوف، و سائر أسماء الربّ، فإنّ علينا أن نجدها فيهم.

  • ذلك لأنّ وجودهم صار مندكّاً في الذات، و لأنّ تلك الأسماء تجلّت فيهم عليهم السلام، فأينما نظرنا و تأمّلنا في عالم الوجود فإنّه هم، لأنهم وجه الله تعالى: فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ.

  • و علّة هذه الحقيقة هي أنّ أي موجود في أي من عوالم الملك و الملكوت لا يرتدي لباس الوجود إلّا توجّب أن يُفاض عليه من جانب وجه الله، و أنّ ارتباط أي موجود بخالقه و ربّه إنّما هو بواسطة هذا الجانب (وجه الله)، و لو لا هذا الوجه لانعدمت جميع الموجودات.

  • لو لا الإمام لساخت الأرض بأهلها

  • و على هذا الأساس فإنّ لدينا روايات تدلّ على أنه: لَوْ لا الْحُجَّةُ لَسَاخَتِ الأرْضُ بِأهْلِهَا.

  • و ينقل المرحوم الكلينيّ في «الكافي» في هذا الشأن ثلاث عشرة رواية بإسناده المتّصل عن الأئمّة الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين،2 مفادها أنّ العالم سيفنى و يُعدم لو لا الإمام.

  • و لو لا الإمام، لما عُدم الإنسان لوحده، بل لعُدم كذلك الحيوان و الجانّ و الملائكة و الأرض و الزمان، و لصاروا- فضلًا عن الرماد- عدماً محضاً،

    1. «تفسير الميزان» ج 8، ص 382، عن« بصائر الدرجات».
    2. «أُصول الكافي» ج 1، ص 178 و 179.

معرفة المعاد ج٤

160
  • لأنّ الرماد- بدوره- موجود قائم بوجه الله.

  • و العلّة في أنّ الله تعالى لم يقضِ بالهلاك على وجه الله، و في استثنائه إياه الذي بيّنه في آية نفخ الصور، لا تمثّل عنواناً اعتباريّاً و شكليّاً، بل هي على أساس حقيقة عالية رفيعة، فكلمات القرآن الكريم متينه قاطعة و ثابتة و ليست مزاحاً و لا هزلًا.

  • إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ، وَ ما هُوَ بِالْهَزْلِ.1

  • و سنذكر إن شاء الله تعالى في بحث الأعراف، أنّ الله سبحانه بعد أن يبيّن مفصّلًا أحوال أهل الجنّة و محادثتهم لأهل جهنّم، و بعد بيانه عذاب أهل جهنّم، و محادثتهم مع أهل الجنّة، فإنّه يقول إنّ هناك حجاباً بين هاتين الطائفتين يقف عليه رجال:

  • وَ بَيْنَهُما حِجابٌ23

  • و هناك عيون من ماء الجنّة تتدفّق من تحت هذا الجبل (جبل الأعراف)، عيون الماء القراح المعين، و عيون اللبن و العسل المصفى و الخمر اللذيذ؛ و هذه العيون الأربعة هي غير عيون التسنيم الأربعة. فعين التسنيم جارية من تحت أقدام أمير المؤمنين و المعصومين الآخرين الواقفين على قمّة ذلك الجبل.

  • و هؤلاء الأفراد المتمكّنون في الأعراف بمثابة الحَكَم بين أهل الجنّة و النار، أي الحاكم على الجنّة و النار، و المهيمن و المسيطر على العالمين.

  • و لدينا في الروايات أنّ الذين يقفون على الأعراف أربعة عشر:

    1. الآيتان 13 و 14، من السورة 86: الطارق.
    2. و فالروايات أنه جبل، و هو نفسه الأعراف.
    3. الآية 46، من السورة 7: الأعراف.

معرفة المعاد ج٤

161
  • النبيّ محمّد بن عبد الله، فاطمة الزهراء، أمير المؤمنين و أولاده الأحد عشر إلى بقيّة الله الأعظم محمّد بن الحسن عليهم صلوات الله و مقاماتهم فوق الجنّة.

  • و ممّا يستدعي العجب هنا، التعبير في آية الأعراف المباركة هذه عن فاطمة الزهراء سلام الله عليها بعنوان رجل، كما عُبِّر عنها أيضاً بعنوان رجل في آية النور المباركة:

  • رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَ لا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ.1

  • و سيتّضح إن شاء الله تعالى في بحث الأعراف أنّ ذلك العالم عالمٌ لا معنى فيه للرجل و المرأة، فليس في ذلك العالم، عالم الفعليّة المحضة من انفعال و لا ذكورة أو انوثة. كما أنه ليس هناك في عوالم الربوبيّة و الجبروت أيّاً من عنواني الذكورة و الانوثة، فهذه العناوين متعلّقة بعالم الطبع و البرزخ و النفس، أي بعالم الدنيا و المثال و القيامة.

  • منزلة إبراهيم الخليل عليه السلام و أسماء الله تعالي

  • و من جملة الذين وصلوا إلى مقام وجه الله و تحقّقوا بحقيقة ملكوت السماوات و الأرض: إبراهيم خليل الرحمن عليه الصلاة و السلام، فذلك النبيّ الجليل الذي وضع الحجر الأساس لتوحيد الإسلام، و جاء بالدين الحنيف، له مقام و مزايا على جميع الأنبياء- عدا نبيّ الإسلام- رفعت منزلته و درجته أعلى من سائر اولئك الأنبياء.

  • وَ كَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ.2

  • و لقد كان الله تبارك و تعالى يحيي الموتى على يد إبراهيم عليه3

  • معرفة المعاد ؛ ج4 ؛ ص161
    1. صدر الآية 37، من السورة 24: النور.
    2. الآية 75، من السورة 6: الأنعام.
    3. حسينى طهرانى، سيد محمد حسين، معرفة المعاد، 10جلد، دار المحجة البيضاء - بيروت - لبنان، چاپ: 1، 1416 ه.ق.

معرفة المعاد ج٤

162
  • السلام، و ذلك بواسطة جانب وجه الله الموجود فيه، و بواسطة تحقّقه عليه السلام باسم الله عزّ و جلّ المُحيي.

  • فكلّما تجلّى اسم من أسماء الله تعالى في شخصٍ ما، صار بإمكانه بذلك الاسم- بأمر الله و إذنه- تحقيق مفاد و مصداق ذلك الاسم خارجاً.

  • و الآيات الشريفة القرآنيّة صريحة في أنّ عيسى ابن مريم قال:

  • وَ أُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَ الْأَبْرَصَ وَ أُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ.1

  • و قد طلب إبراهيم عليه السلام من ربّه معرفة كيفيّة إحياء الموتى على يد الله تعالى، فجعله الله يحيي الموتى بيده من خلال إفاضة اسم المُحيي عليه؛ خلافاً للنبيّ إرميا الذي طلب من الله- تسكيناً لخواطره- أن يريه إحياء الموتى، فأماته الله ثمّ أحياه و هو ينظر بامّ عينيه. و شتّان بين هذين الطلبين، و هاتين المنزلتين.

  • أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَ هِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ.2

  • و من أجل أن يتّضح سموّ منزلة إبراهيم عليه السلام، فإنّ الله سبحانه يذكر في القرآن قصّة النبيّ إرميا على نبيّنا و آله و عليه السلام، ثمّ يذكر بعدها قصّة النبيّ إبراهيم.

  • موت النبي إرميا و بَعثه

  • لقد كان إرميا من الأنبياء، و مع أنّ جميع الأنبياء يدعون إلى التوحيد، و مع امتلاكهم لدرجة العصمة، إلّا أنهم يقفون في درجات و منازل متفاوتة و متباينة.

    1. مقطع من الآية 49، من السورة 3: آل عمران.
    2. مقطع من الآية 259، من السورة 2: البقرة.

معرفة المعاد ج٤

163
  • و هكذا فبعد أن دمّر بخت نصّر1 بيت المقدس و قتل فيه سبعين ألف نفراً و هيمن على جميع نواحيه، و بعد أن سوّى القرى و المدن بالأرض، و بعد أن انهارت سقوف بيوت القرية، و صار الموتى فيها عظاماً متناثرة مبدّدة مرّ إرميا على تلك القرية (و ما جاء في بعض الروايات التي تنسب هذه القصّة إلى عُزير ليس صحيحاً، فتلك الروايات لا سند لها كما أنها من روايات الآحاد، و من المسلّم به أنّ هذه القصّة تتعلّق بإرميا).

  • كان إرميا يسير، فمر في طريقه في الصحراء على قرية فشاهد سقوفها منهارة و مدمّرة، و رأى أهليها موتى قد سقطوا على الأرض و تبدّدت عظامهم و تلاشت.

  • قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها؟

  • لقد قال لمّا هاله الأمر و أثار دهشته: أنى يبعث الله هؤلاء الأفراد الكثيرين الذين استحالوا بعد موتهم بهذه الصورة، فيمنحهم حياة جديدة؟! لم ينكر إرميا البعث و الإحياء، فقد كان نبيّاً. لكنّ الأمر كان من الأهميّة بحيث كان يحيّر الإنسان. و لقد كان أمر البعث و النشور محيراً لإرميا لجهتين: إحداهما: أنّ تلك العظام كانت مبدّدة متباعدة عن بعضها، و على و شك أن تكون رميماً متلاشياً، فكيف يجمع الله هذه الذرّات المختلفة و يؤلّفها و ينفخ فيها روح الحياة؟

  • و الاخرى: لبُعد العهد بالأمر، فحتّى تحين القيامة فيشاء الله إحياء هؤلاء الموتى، فإنّ كلّ ذرّة منهم كانت ستسقط في زاوية من الدنيا، و ستعصف بها الريح فتجعلها هباءً منثوراً.

    1. ذكرنا سابقاً فالمجلس الحادي و العشرين الوجه فضبط لفظ« بُخْتُنُصَّر» و السبب فتسميته بهذا الاسم.

معرفة المعاد ج٤

164
  • و لقد أثارت هاتان الجهتان تعجّب إرميا و تساؤله، فكان السؤال هو الخُطور الذي مرّ على قلبه، و الحديث الذي تمتم به مع نفسه.

  • فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ.

  • ما إن عجب للأمر حتّى قال له اللهُ: مُتْ! فمات مائة عام. و كان حماره إلى جانبه فمات هو الآخر، و سقط بدن إرميا و بدن حماره على الأرض و إلى جانبهما شيء من التين أو العنب و من عصير العنب كان قد جاء بها من مدينته في سفره، و كان التين أو العنب و العصير زاده في سفره.

  • ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ.

  • لقد أحياه الله بعد مائة عام و خاطبه: كم لبثت؟

  • فنظر إرميا يمنة و يسرة و قال: يوماً أو بعض يوم.

  • كان الوقت صباحاً حين أماته الله، أمّا الآن- و بعد أن أحياه الله بعد مائة عام- فالوقت عصر، فخُيّل لإرميا أنه كان متعباً فنام هنا ليلة، فكان لبثه هنا يوماً واحداً.

  • و خاطبه الله تعالى: بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ. مائة عام كاملة.

  • فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَ شَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ.

  • مع أنّ أوّل ما يفسد و يتسنّه و يتغير ريحه هو التين و عصير العنب اللطيف الذي لا يقاوم الحرارة و التغيّرات الجويّة.

  • وَ انْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَ لِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ.

  • فانظر إلى حمارك و اعلم أننا جعلنا منك آية إلهيّة للناس. جعلناك آية و دلالة على قدرتنا و عظمتنا و جلالنا.

  • وَ انْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً.

  • انظر إلى العظام و تأمّل كيف نرفعها عن الأرض و نصلها ببعضها ثمّ

معرفة المعاد ج٤

165
  • نكسوها اللحم. و انظر إلى الحمار! انظر و تطلّع كيف نرفعه عن الأرض و نجمع في لحظة واحدة جميع تلك الذرّات و نصلها ببعضها، و كيف اجتمعت ذرّات العظام المبدّدة هنا و هناك، ثمّ كساها اللحم و الجلد، فنهض الحمار واقفاً. و انظر كيف بعثناك و جمعنا عظامك ثمّ كسوناها لحماً فجعلناك خلقا سويّاً، بحيث صارت عيناك كغرقئ البيض1 لامعتين برّاقتين؛ و الظاهر أنّ عيني إرميا كانتا أوّل ما خُلق منه.

  • أ فليس مُثيراً للعجب أن يفعل الله ذلك في طرفة عين، فيجمع عظام إرميا البالية المبدّدة المسحوقة و عظام حماره المبدّدة المفتّتة المتلاشية، فيجعلهما- و هو ينظر بامّ عينيه- حيّيْن سويّيْن صحيحيْن؟

  • لقد اجيب على الاستبعادين اللذين طرحهما إرميا. فاجيب على طول المدّة و العهد بالسنوات المائة التي تصرّمت و انقضت، و على تشتّت أجزاء الموتى و تفرّقها بجمع الله الأوصال و الأجزاء المبدّدة و منحه إيّاها الحياة أمام أعين إرميا، ثمّ يصرّح سبحانه بأنا- إضافةً إلى هاتين الجهتين- فعلنا ذلك ليكون آية للناس.

  • لقد كانت عبارة فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَ شَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ لرفع استبعاد طول العهد و المدّة، فالعنب و العصير لم يفسدا، و الحمار المتهرّئ قد بُعث حياً. وَ لِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ لعبرتهم و مشاهدتهم و للتأريخ، في أنّ مائة سنة قد مرّت و حلّ جيل جديد محلّ آخر، و أنّ إرميا الذي كان يوماً ما حيّاً يسير على الأرض ذا أثر، ثمّ استحال خبراً احتلّ مكانه في صفحات التأريخ، قد استحال من جديد أثراً، و انسلّ من بين صفحات الكتب

    1. الغِرْقي: القشرة الملتزمة ببياض البيض، و هي قشرة لطيفة رقيقة تلي قشر البيضة الصلب.

معرفة المعاد ج٤

166
  • و الأوراق ليتحرّك فوق الأرض أمام أعين الناس.

  • و جملة وَ انْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً لرفع استبعاد تفرّق و تشتّت أعضاء الموتى و أوصالهم، حيث إنّ هذه الامور لا تشكل صعوبة أو مشقّة للّه القدير العليم.

  • فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.1

  • و لم يقل: قد علمتُ الآن. ذلك لأنّ إرميا كان نبيّاً، و كان يعلم منذ البداية أنّ الله قادر، لكنّ هذا العلم السابق قد أوجب- إثر الوضوح و التبيّن الفعليّ- سكون خاطره.

  • هذه هي قصّة إرميا، أمّا إبراهيم فلم يتلقّ جواباً على سؤاله بهذا النحو من إحياء الموتى، فقد أراد أن يعلم كيفيّة إعمال قدرة الله الفاعلة في إحياء الموتى.

  • وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَ اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.2

  • لم يسأل إبراهيم كما سأل إرميا عن إحياء الموتى، بل سأل عن كيفيّة قوّة الله الفاعلة و تأثيرها على الموتى. فقد كان إبراهيم مَن أراه الله ملكوت السماوات و الأرض، و من الموقنين.

  • لقد أرى الله تعالى الملكوتَ لإبراهيم، أي أنه جعله في مركز الملكوت، و جعل قلبه حاوياً لأسرار الملكوت.

    1. مقطع من الآية 259، من السورة 2: البقرة.
    2. الآية 260، من السورة 2: البقرة.

معرفة المعاد ج٤

167
  • فهو يسأل: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى؛ و لا يقول كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى؟ و كما سبق أن ذكرنا، فشتّان بين السؤالين!

  • افرضوا أنّ أحداً لم يسبق له رؤية الجبن سألكم: ما هو الجبن؟

  • فستقولون له: اشترِ شيئاً من الجبن و هاته! فيفعل و يرى- من ثمّ- مادّة بيضاء دسمة من مشتقّات اللبن قد صنعت في قالب معيّن. و سيعلم حين يرى شكل الجبن و هيئته ماهيّة الجبن.

  • إلّا أنه لو أراد أن يفهم كيف يصنع الجبن، فإنّكم ستقولون له: سخّن الحليب إلى درجة حرارة معيّنة، ثمّ أضف إليه محلول تخمير الجبن بقدر معيّن، و اصبر عليه مدّة فإنّه سيتصلّب و يبرد. ثمّ اسكبه في كيس لينفصل عنه الماء الخارج من الحليب. فهذه كيفيّة صناعة الجبن.

  • و هذان الأمران مختلفان عن بعضهما، فقد كان الأوّل إراءة الجبن لمن لا يعلم ماهيّته، و كان الثاني صنع الجبن و الاطّلاع على كيفيّة و نحو إيجاده. يقول الله سبحانه في جواب إبراهيم: أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ؟

  • قالَ بَلى وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي.

  • أريد أن يسكن بحر قلبي، فلا يشاهد فيه أي موج و أي اضطراب.

  • إن الأفراد الذين لا يمتلكون السكينة و الاطمئنان- حتّى و إن كانوا موحّدين- في اضطراب و حركة و تأرجح قلبي يسبّب لهم الأذى، فالخطرات تبعث الاضطراب في قُلوبهم حتّى و إن كانوا غائصين في غمار بحر التوحيد.

  • و لو قلتم لأحد: اذهب الليلة إلى المقبرة، فهناك قبر مفتوح من المقرّر تغطيته غداً، قد وضع فيه ميّت في أكفانه، و عليك أن تأتي بالخاتم الذي في يده. و عليك أن تذهب إلى المقبرة بمفردك. لوجدتم أغلب الناس يفزعون من هذا العمل، مع أنهم يعلمون يقيناً أن ليس هناك من شيء في

معرفة المعاد ج٤

168
  • المقبرة، و أنّ الميّت لا شأن له بأحد. فإذا دخل أحياناً أحدهم المقبرة، فإنّ نبضات قلبه ستتضاعف و تزداد كلّما دنا أكثر، ثمّ تبدأ الأيدي و الأرجل بالارتجاف، فإن تقدّم أكثر فلربّما توقّف عن الحركة و سقط على الأرض و هو لما يصل القبر المعهود بعدُ، و لربّما مات رعباً و خوفاً. و هكذا فإنّ هذا العمل شاقّ و عسير لمن لا عهد له به، مع وجود اليقين و العلم.

  • إحياء إبراهيم عليه السلام الطيورَ المذبوحة

  • إن إبراهيم الخليل عليه السلام يخاطب الله تعالى: أعلم أنك تُحيي باسم المُحيي و باسم القدير، لكنّي أريد أن ألمس هذه الحقيقة بشكل لا يبقى معه اضطراب، و بحيث يحلّ سكون الخاطر في قلبي. أي أني أريد أن ألمس ذلك الاسم لينكشف هذا الأمر لي بعد علم اليقين و عين اليقين و حقّ اليقين.

  • فيصل الخطاب:

  • قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَ اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.1

  • خُذ أربعةَ طيور و اجعلهنّ في بيتك ليأنسن بك، ثمّ اذبحهنّ و قطّعهنّ إرباً إرباً، ثمّ اطرق أوصالهن في هاون بحيث تتداخل أجزاؤهن و ذرّاتهنّ في بعضها، ثمّ اجعل على قمّة كلّ من هذه الجبال جزءاً منهنّ، ثمّ ادعهنّ واحداً بعد الآخر، فستراهنّ يأتينك مسرعات، و اعلم أنّ الله عزيز حكيم.

  • و كانت هذه الطيور وفق رواية عليّ بن إبراهيم القمّي هي الطاوس والديك و الحمامة و الغراب.

  • و من ثمّ فقد ذبح إبراهيم الطيور بأمر الله و إذنه، و مزجهنّ معاً، و وضع عُشراً من مخلوطهنّ على قمّة كلّ جبل، ثمّ أخذ منقار الطاوس في

    1. الآية 260، من السورة 2: البقرة.

معرفة المعاد ج٤

169
  • يده و ناداه: أيّها الطاوس تعال!

  • و لم يكن حال إبراهيم آنذاك حالًا عاديّاً، بل كان فانياً في ذات الله و أسمائه الحسنى، فانياً في اسم العزيز و الحكيم و القدير و المُحيي.

  • فلم يكن إبراهيم في الحقيقة هو القائل: أيّها الطاوس تعال! بل كان الله تعالى؛ و الله هو الذي قال: أيّها الطاوس تعال!

  • و لقد شاهد إبراهيم ذرّات كثيرة تتحرّك إليه بسرعة من فوق قمم الجبال العشرة، ثمّ جاءت و جاءت حتّى لصقت بمنقار الطاوس الذي كان في يده، فاستوى بدن الطاوس و جناحاه و رجلاه، و تشكّل هيكل بدنه و كانت هذه الذرّات هي ذرّات العظام التي شكّلت أصل هيكل الطاوس أولًا. ثمّ جاءت بعدها ذرّات اللحم و ذرّات العين و اللسان، و تتابعت هكذا سائر الأعضاء و الأمعاء و الأحشاء، مشكّلة في سرعة و دونما توقّف أجزاءَ الطاوس.

  • ثمّ وصلت النوبة إلى الريش، فجاءت ذرّات الريش بلا انحراف و لا زيغ مسرعة من قمم الجبال، فاستوت أجنحة الطاوس و ريشه، و آنذاك تحرّك الطاوس و انتفض أمام إبراهيم، طاووس جميل حيّ.

  • و بنفس الطريقة فقد أمسك إبراهيم عليه السلام منقار الديك و الحمامة و الغراب في يده، و دعا كلًّا منها، فأسرعت إليه ذرّات كلّ منها من قمم الجبال و اتّصلت بالمنقار، فبُعثت تلك الطيور واقفة أمام إبراهيم.

  • و لقد انجزت هذه الأعمال على يد إبراهيم عليه السلام بإذن الله تعالى، و كان نداء «تعالَ» من إبراهيم عليه السلام بأمر الله تعالى بقوله «ثُمَّ ادْعُهُنَّ»، و كان إنشاءً للحياة و إعمالًا للقوّة الفاعلة للإحياء. و من هنا فحين قام إبراهيم بهذا العمل، فقد جاءه الخطاب:

  • وَ اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.

معرفة المعاد ج٤

170
  • و اعلم أنّ الله قيّوم الموجودات، و أنّ مقام عزّته مقتضٍ للفاعليّة، و أنه في مقام الحكمة، أي لا فتور و لا تراخٍ و لا انفعال فيه؛ و أنّ أعماله ثابتة و راسخة على أساس من الاستحكام و المتانة.

  • لكنّه عزّ و جل يقول في شأن إرميا:

  • فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

  • و إذا ما سمعتم أنّ أمير المؤمنين عليه السلام أحيا ميتاً، فلا عجب في الأمر، لأنّ أمير المؤمنين يمتلك الاسم، و متحقّق بالاسم.

  • كار پاكان را قياس از خود مگير گرچه باشد در نوشتن شير شير1 فالأسد المكتوب على الورق هو أسد، لكنّه العوبة في يد الأطفال و الصبيان، يمزّقونه بأيديهم، أمّا الأسد النائم في الأجمة فأسدٌ لو مرّ قربه أحد و سمع صوت تنفّسه لذاب كبده خوفاً و هلعاً!

  • و أنى للطفل الرضيع الذي لا قدرة له على طرد ذبابة عن أنفه، أن يدرك أنّ هناك بطلًا في العالم يرفع أثقالًا تبلغ أربعمائة كيلو غراماً؟!

  • و لقد سطّرت الكتب المعتبرة أمر إشارة الإمام موسى بن جعفر عليه السلام إلى أسد مرسوم على الستار، و بَعْث الأسد حيّاً، و التهامه الرجل الهازئ و الساخر في مجلس هارون؛ و إشارة الإمام عليّ بن موسى الرضا عليه السلام إلى أسدين مصوّرين على مسند المأمون، و أمر بعثهما و التهامهما حاجب المأمون الذي كان مأموراً بالحطّ من قدر الرضا عليه السلام في مجلس المأمون.2

    1. يقول: لا تقس فعلك مع أفعال المطهّرين الصالحين، فلو كان الأمر كذلك لكان الأسد المكتوب( علي الورق) أسداً حقيقيّاً.
    2. نقل ابن شهرآشوب في كتابه« المناقب» قصّة إحياء الأسد بإشارة من الإمام موسى بن جعفر عليهما السلام، ضمن حالات الإمام؛ و ذلك نقلًا عن عليّ بن يقطين.( ج 2، ص 364 و 365 من الطبعة الحجرية).
      و أورد قصّة إحياء الأسد على يد الإمام الرضا عليه السلام كلّ من كتاب« عيون أخبار الرضا» الباب 40، ص 354 من الطبعة الحجريّة؛ و كتاب« إثباتالهداة» ج 6، ص 55. كما أوردنا هذه القصّة في الجزء الأوّل من هذا الكتاب.

معرفة المعاد ج٤

171
  • قصّة إحياء حمامة ميّتة على يد ولى للّه

  • هذا و قد سمع الحقير بنفسه هذه القصّة من المرحوم آية الحقّ و سند العلم آية الله الحاجّ الميرزا محمّد جواد الأنصاريّ الهَمَدانيّ رضوان الله عليه، حيث يقول:

  • نقل لي أحد أعلام هَمَدان ممّن ربطتني به المودّة و المعرفة منذ القِدَم؛ فقال: تردّدت على التكيّات و أماكن الذكر منذ أكثر من عشرين سنة من أجل كشف الحقيقة و فتح باب المعنويّات، و تردّدت على الأقطاب و الدراويش فأخذت منهم تعليمات عملتُ بها، إلّا أنها لم تثمر شيئاً، و لم تنفتح أمامي أي نافذة للكمال و المعارف، و لم تشرع في وجهي أي باب، حتّى تصوّرت- من يأسي و حيرتي و ضياعي- أن ليس هناك من شيء أصلًا، بل إنّ ما نُقل عن الأئمّة عليهم السلام ربّما كان مبالغة. فلربّما كانت هناك مطالب و امور يسيرة نُقلت عن الأنبياء و الأئمّة، فتضخّمت بمرور الوقت على أيدي أتباعهم و مريديهم، فصار الناس يذكرونها لهم الآن كمعجزات و كرامات و خوارق العادات. قال: و كنتُ قد تشرّفت بالذهاب إلى العتبات المقدّسة، فزرتُ كربلاء، ثمّ تشرّفت بالذهاب إلى النجف الأشرف حيث وفّقتُ بالزيارة. و ذهبتُ يوماً إلى الكوفة فقمت بالأعمال الواردة لمسجد الكوفة، ثمّ خرجت من المسجد قبل غروب الشمس بساعة، و وقفت أمام المسجد أنتظر قدوم العربة لأرجع إلى النجف.

معرفة المعاد ج٤

172
  • و كان هنالك في ذلك الوقت عربة تجرّها الخيول تتحرّك بين النجف و الكوفة (و بينهما فرسخان)، و كان الناس يدعونها ب- «الريل».

  • و طال انتظاري دونما جدوى، إلى أن رأيتُ رجلًا يتّجه نحوي من الناحية الاخرى، و كان متوجّهاً هو الآخر إلى النجف. و كان رجلًا عاديّاً يحمل على ظهره جراباً، فسلّم و قال: لما ذا تقف هنا؟

  • أجبت: أنتظر العربة، فأنا أريد الذهاب إلى النجف!

  • قال: تعالى نتمشّى سويّاً على رسلنا، حتّى نرى عاقبة الأمر لنتحدّث سويّاً و نسير حتّى نرى عاقبة الأمر!

  • و هكذا فقد سرنا سويّاً و نحن نتحدّث، فقال لي في الطريق دون مقدّمة: أيّها العزيز، إنّ أحاديثك التي تتحدّث بها من أن ليس هناك من شيء، و أن ليس هناك من أساس للكرامات و المعجزات، أحاديث خاطئة و غير صائبة.

  • قلتُ: لقد كلّت عيناي و اذناي و مُلئتا من هذه الكلمات، فقد سمعت كثيراً و لم أر أثراً، فلا تتحدّث معي بهذه الكلمات، إذ لا أعتقد بهذه الامور. فلم يجب، ثمّ سرنا قليلًا فعاد يتحدّث و قال:

  • على الإنسان أن يلتفت إلى بعض الامور، فهذا العالم له ملكوت، و له روح. أ فليس لك روح؟ كيف يسير بدنك الآن؟ إنّما ذلك بإرادتك و روحك. و هذا العالم له روح هو الآخر، له روح كلّيّة، و الروح الكلّيّة للعالم هي الإمام، و هو قادر على فعل كلّ شيء.

  • و إذا ما كان هناك أشخاص قد تاجروا بالأمر و دعوا الناس إلى الباطل، فليس هذا دليلًا على أنه لا وجود للحقائق المسلّم بها في هذا العالم.

  • فعلى الإنسان أن لا يتراجع عن عقائده أو أن ينحرف عن المسلّمات.

معرفة المعاد ج٤

173
  • قلتُ: لقد سمعتُ الكثير من هذا الكلام، و لقد كلّت اذناي و ثقلتا بذلك، و أنا الآن مُتعب مُنهك، فتعال نتحدّث في موضوعات أُخرى؛ ثمّ ما شأنك أنت و هذه الامور؟!

  • قال: لا يمكن ذلك! لا يمكن ذلك يا عزيزي.

  • قلت: لقد كنتُ في التكيّات و أماكن الذكر طوال عشرين سنة و التقيت بالمرشدين و الأقطاب، لم أنتفع شيئاً!

  • قال: ليس هذا دليلًا على أنّ الإمام ليس لديه شيء هو الآخر؛ ما الذي تريده لتصدّق بالأمر؟!

  • و كنّا آنذاك قد وصلنا إلى خندق الكوفة (و كانوا قد حفروا في السابق خندقاً بين النجف و الكوفة لا تزال آثاره واضحة حتّى الآن).

  • فقلت: إن أحيا أحدٌ ميتاً لقبلتُ كلامه، و لقبلت و اقتنعتُ بكلّ ما يتحدّث به عن الإمام و النبيّ و عن معجزاتهم و كراماتهم.

  • فتوقّف و قال: ما الذي هناك؟

  • فنظرتُ و رأيتُ حمامةً متيبّسة ساقطة في الخندق.

  • ثمّ قال: اذهب فهاتها!

  • فذهبتُ و أتيتُ بالحمامة الميتة المتيبّسة.

  • قال: تمعّن فيها أ هي ميّتة؟

  • قلت: ميّتة و متصلّبة و قد تناثر بعض ريشها.

  • قال: أ فتصدّق إن أنا أحييتُها؟

  • أجبت: لن أصدّق بهذا وحده، بل إنّني سأصدّق جميع ما ستقوله، و بجميع معجزات الأئمّة و كراماتهم.

  • فأمسك الحمامة بيده و تأمّل قليلًا، ثمّ دعا بدعاء و قال للحمامة: طيري بإذن الله.

معرفة المعاد ج٤

174
  • فما إن قال ذلك حتّى حلّقت الحمامة طائرة و ذهبت! و كنت غارقاً في عالم من الحيرة، مذهولًا مبهوتاً.

  • ثمّ قال لي: تعال! أ رأيتَ؟ أ صدّقت؟

  • ثمّ تحرّكنا إلى النجف إلّا أني لم أكن في حالة طبيعيّة، و كان التعجب و الحيرة يلفّان وجودي.

  • ثمّ قال: أيّها العزيز! إنّ هذا الذي شاهدتني أفعله بإذن الله هو من أعمال صِبية طلّاب مذهب الحقيقة!

  • هكذا كان نصّ كلامه: هو من أعمال صِبية طلّاب مذهب الحقيقة.

  • فما الذي كنت تقوله يا تُرى؟ كنت تقول: إن لم اشاهد بعيني شيئاً فإنّني لن أؤمن! أ فجاء النبيّ و الإمام ليبسطوا لي و لك كلّ يوم مائدة فيصبّوا من هذه الكرامات في أفواه الناس؟! لقد كانت لهم جميع أنواع القدرة، و كانوا يستخدمونها بإذن الله كلّما اقتضت الحكمة ذلك، و من المحال أن يصدر منهم عمل دون إذن الله تعالى.

  • لقد كان هذا عمل صِبية طلّاب مذهب الحقيقة، و لا زال هناك طريق طويل حتّى المنزل المقصود.

  • كنّا نتحدّث معاً باستمرار، و كنت استفسر منه فيجيبني على كلّ أسئلتي، حتّى وصلنا النجف الأشرف.

  • (و كان القادمون من الكوفة إلى النجف سابقاً يصلون أوّل ما يصلون إلى المقبرة المعروفة بوادي السلام، ثمّ يدخلون النجف).

  • و عند ما وصلنا وادي السلام أراد أن يودّعني لينصرف، فقلت له: لقد وصلتُ اليوم إلى هذه النتيجة بعد عشرين سنة من المشقّة و الألم و لستُ بتاركك! إنك تريد أن تدعني و تنصرف، لكنّي سالازمك بعد الآن.

معرفة المعاد ج٤

175
  • قال: تعال غداً عند بزوغ الشمس، فنلتقي هنا.

  • و لم تغمض لي عين تلك الليلة حتّى الصباح من فرط شوقي للقائه، و كان اشتياقي يتصاعد كلّ ساعة، بل و كلّ دقيقة للذهاب صباح الغد لرؤيته. و كنت في وادي السلام أوّل طلوع الصبح، فشاهدتُ جنازة يرافقها عدّة أشخاص، و حين أرادوا دفنها اتّضح أنها كانت جنازة ذلك الرجل!

  • و ليست هذه بالقصّة و الحكاية، و لم تُنتزع من بطون الكتب القديمة، بل هي من صُلب هذا الزمان و راويها سلمان الزمان: المرحوم الأنصاريّ رحمة الله عليه الذي مضى على رحيلة سبع عشرة سنة.1

  • تو على را به تارى ديدهاى***زين سبب غيرى بر او بگزيدهاى 2

  • ،،،

  • حقّ را چو به خلق شد جلوهگرى***پوشيد على را به لباس بشرى

  • از عالم لا مكان به امكان آورد***تا بى خبران را دهد از خود خبرى خبري 3

    1. رحلة ذلك المرحوم فالثاني من ذي القعدة لسنة 1379 هجريّة، حيث انقضي عليها إلي زمن هذه الأبحاث( أي شهر رمضان لسنة 1369 ه-) سبع عشرة سنة إلّا أنه قد انقضي على ذلك إلى زمن طبع هذا المجلّد من دورة« معرفة المعاد»( ربيع الاوّل 1403 ه-) أربعة و عشرون سنة تقريباً.
    2. يقول: لقد رأيتَ عليّاً عليه السلام فالظلام و الحلكة، فلا جرم أن قدّمتَ عليه غيرَه!
    3. يقول: حين تجلّي الحقّ إلى الخلق، فقد ألبس عليّاً رداء البشر!

معرفة المعاد ج٤

176
  • علو مقامات أمير المؤمنين عليه السلام

  • و العجيب هو أنّ أحداً في زمن عليّ عليه السلام لم يفهم ما الذي كان يقوله، لقد كان نفسه يقول:

  • إنمَا كُنْتُ جَاراً لَكُمْ جَاوَرَكُمْ بَدَنِي أيَّاماً.

  • و لقد سطّرت خطب أمير المؤمنين عليه السلام في الكتب، و تناقلتها الأيدي، و قُرئت للناس، فمن الذي أدرك على مدى العصور ما الذي يقوله علي؟

  • لقد أورد استاذنا سماحة العلّامة الطباطبائيّ مدّ ظلّه عدّة خطب من «نهج البلاغة» في التوحيد، و ذلك في المجلّد السادس من تفسير «الميزان» ص 96 إلى 108، و هي جديرة بالتأمّل و الاهتمام.

  • الاولى: الخطبة الاولى: ألْحَمْدُ لله الذي لَا يَبْلُغُ مِدْحَتَهُ الْقَائِلُونَ- الخطبة.

  • الثانية: الخطبة الثالثة و الستّون: ألْحَمْدُ لِلَهِ الذي لَمْ يَسْبِقْ لَهُ حَالٌ حَالًا- الخطبة.

  • الثالثة: الخطبة الخمسون بعد المائة: ألْحَمْدُ لله الدَّالِّ على وُجُودِهِ بِخَلْقِهِ- الخطبة.

  • الرابعة: الخطبة الحادية و الستّون بعد المائة: ألْحَمدُ لله خَالِقِ الْعِبَادِ وَ سَاطِحِ الْمِهَادِ- الخطبة.

  • و الخامسة: الخطبة الرابعة و الثمانون بعد المائة: مَا وَحَّدَهُ مَنْ كَيَّفَهُ، وَ لَا حَقِيقَتَهُ أصَابَ مَن مَثَّلَهُ- الخطبة.

  • ثمّ يقول سماحة الاستاذ:

  • إن المطالب التي أبان عنها أمير المؤمنين عليه السلام في هذه

  • و جاء به من عالم اللامكان إلى المكان، ليُنبئ الغافلين عن نفسه خبراً!

معرفة المعاد ج٤

177
  • الخطب في توحيد ذات الحقّ تعالى بالصرافة لم يدركها أحد من العلماء إلى ما بعد الألف الهجريّ، حتّى أنّ ابن سينا لم يدرك- بدوره- هذا المعنى، فكان يقول بتوحيد الحقّ بالوحدة العدديّة.1

  • ثمّ جاء العلّامة بمطالب نفيسة في هامش ص 110 جديرة بالتأمّل و الملاحظة.

  • أقول: الظاهر أنّ مراد الاستاذ من العلماء بعد الألف الهجريّ: المرحوم صدر المتألّهين القائل بالتوحيد بالصرافة.

  • بلى؛ نحن نذهب إلى النجف الأشرف للزيارة و التوسّل احتراماً لبدنه عليه السلام، و احتراماً لتعلّق النفس بذلك البدن، و إلّا فإنّ روحه و نفسه عليه السلام قد طبقت الآفاق: لَا شَرْقِيةٌ وَ لَا غَرْبِيةٌ.

  • فهي في كلّ مكان، و موجودة مع كلّ شيء، و هو الوليّ الأعظم لمركز الفعل الربوبيّ جلّ و عزّ. و هو الذي توسّل به آدم أبو البشر للنجاة و بلوغ المقصود، و توسّل به نوح و موسى و عيسى و سائر الأنبياء، على نبيّنا و آله و عليهم الصلاة و السلام.

  • و لقد أوردنا في بعض بياناتنا مفصّلًا أنّ إبراهيم عليه السلام مع أنه كان أفضل و أشرف من جميع الأنبياء عدا نبيّ الإسلام، و مع أنه كان من المخلَصين، إلّا أنه سأل ربّه الوصول إلى مقام الصلوح، فوعده الله تعالى بنيله في الآخرة:

  • وَ لَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَ إِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ.2

    1. النصّ المنقول ليس نصّ كلام العلّامة الطباطبائيّ قدّس سرّه، بل تلخيص لما قاله.( م)
    2. عجز الآية 130، من السورة 2: البقرة.

معرفة المعاد ج٤

178
  • و سأل يوسف عليه السلام ربّه هذا المقام، فلم يرد في القرآن الكريم أنه سيُعطاه في الدنيا أو في الآخرة، فقد ذُكر دعاؤه و سؤاله فقط:

  • أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَ أَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ.1

  • أمّا بالنسبة إلى أمير المؤمنين عليه السلام، فقد ورد التعبير عنه في القرآن الكريم ب- «صالح المؤمنين».

  • إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَ إِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَ جِبْرِيلُ وَ صالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ.2

  • و لقد استدعت رحابة روح أمير المؤمنين و عظمته و علوّه في مقام التوحيد الذاتيّ و الفناء و البقاء بالله في ذات الحضرة الأحديّة على أساس من التلمذة على يد رسول الله صلّى الله عليه و آله، استدعت قيام جميع الأنبياء بالتوسّل به و بالأنوار الخمسة الطاهرة، و رغبتهم- ببركة اولئكم- في ترميم و إكمال نقص كمالهم.

  • كى رفتهاى ز دل كه تمنّا كنم ترا***كى بودهاى نهفته كه پيدا كنم ترا

  • غائب نگشتهاى كه شوم طالب حضور***پنهان گشتهاى كه هويدا كنم ترا

  • با صد هزار جلوه برون آمدى كه من***با صد هزار ديده تماشا كنم ترا

  • مستانه كاش بر حرم و دير بگذرى***تا قبله گاه مؤمن و ترسا كنم ترا

    1. النصف الثاني من الآية 101، من السورة 12: يوسف.
    2. الآية 4، من السورة 66: التحريم.

معرفة المعاد ج٤

179
  • طوبى و سِدره گر به قيامت به من دهند***يكجا فداى قامت رعنا كنم ترا 1

  • إن أمير المؤمنين عليه السلام لم يكن له تجلٍّ واحد، بل كان له في كلّ آن الآلاف المؤلّفة من التجلّيات. فأنى للإنسان أن يتطلّع إلى تجلّياته بهذه الأعين الرمداء! إنّ مائة ألف عين تلزم المرء ليرى بها تجليّاته عليه السلام، و ينبغي- إذَن- أن ينظر إلى عليّ بعين عليّ نفسه.

  • ديدهاى وام كنم از تو به رويت بنگرم***چونكه شايسته ديدار تو نبود بَصَرم 2

  • عسى الله تعالى أن يجعل امورنا في جميع العوالم مع أمير المؤمنين عليه السلام، فيُحيينا بنداء واحد كما نادى إبراهيم الطيور فأحياها؛ و أن ينظر إلينا أمير المؤمنين بنظره الملكوتيّ، فيقلب نُحاس وجودنا- كفعل الكيمياء- ذهباً، و يرفعنا من حضيض عوالم البهيميّة إلى أوج الإنسانيّة و ذروتها، و يجعل هذا الإنسان الظلمانيّ الحبيس في سجن الهوى و الهوس ملكوتيّاً، و يهديه إلى التوحيد المحض.

  • به ذرّه گر نظر لطف بو تراب كند***به آسمان رود و كار آفتاب كند 3

  • و قد ورد في باب زيارته عليه السلام، عن رسول الله صلّى الله عليه

    1. يقول: متى غادرتَ قلبي لأتمنّاك؟! و متى كنت مستتراً لأعثر عليك؟!
      لم تَغِبْ كي أروم حضورك، و لم تَخْفَ لُاظهرك للعيان!
      لقد تجلّيت للعيان بمائة ألف تجلٍّ، فأنا أتطلّع إليك بمائة ألف بصر.
      ولَيتك تمرّ ثملًا على الحرم و الدير، لأجعلك قبلة للمؤمن و المسيحيّ.
      و لو منحوني يوم القيامة طوبى و السدرة، لفديتُهما جميعاً لقامتك الفاتنة!
    2. يقول: سأستعير منك بَصَراً لأنظر به إلى طلعتك، إذ ليس بصري جديراً بلقياك!
    3. يقول: لو تطلّع أبو تراب بلطفه إلى ذرّةٍ ما، لَرَقَتْ إلى السماء فكانت شمساً!

معرفة المعاد ج٤

180
  • و آله قال: مَنْ زَارَ عَليَّاً بَعْدَ وَفَاتِهِ فَلهُ الْجَنَّةُ.1

  • و جاء عن الصادق عليه السلام:

  • مَن تَرَكَ زِيَارَةَ أمِيرِ الْمُؤمِنِينَ لَمْ يَنْظُرِ اللهُ إلَيْهِ. أ لَا تَزُورُونَ مَنْ تَزُورُهُ الْمَلَائِكَةُ وَ النَّبِيُّونَ؟!2

  • كما روي عنه عليه السلام أنه قال:

  • إن أبْوَابَ السَّمَاءِ لَتُفْتَحُ عِنْدَ دُعَاءِ الزَّائِرِ لأمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَا تَكُنْ عِنْدَ الْخَيْرِ نَوَّاماً.3

  • و يروي المجلسيّ رضوان الله عليه عن كتاب «أخبار الطالبيّين» قال:

  • إن الروم أسروا قوماً من المسلمين، فاتي بهم إلى الملك، فعرض عليهم الكفر فأبوا، فأمر بإلقائهم في الزيت المغليّ و أطلق منهم رجلًا يُخبر بحالهم. فبينما هو يسير إذ سمع وقع حوافر الخيول، فوقف فنظر إلى أصحابه الذين القوا في الزيت! فقال لهم في ذلك، فقالوا: قد كان ذلك، فنادى منادٍ في السماء في شهداء البرّ و البحر: إنّ عليّ بن أبي طالب قد استشهد في تلك الليلة فصلّوا عليه! فصلّينا عليه و نحن راجعون إلى مصارعنا.4

  • و ينبغي العلم أنّ هذه القصّة وقعت في عالم البرزخ، و أنها اتّضحت لهذا الرجل على هيئة مكاشفة.

  • لعن الملائكة لقتلة أمير المؤمنين و قتلة سيّد الشهداء عليهما السلام

  • يروي عن صفوان الجمّال، عن أبي عبد الله (الصادق) عليه السلام قال: سألتُه في طريقِ المدينةِ و نحنُ نريد مكّةَ، فقلتُ: يا بنَ رسولِ اللهِ! ما

    1. ( 1 تا 4)-« مناقب ابن شهرآشوب» الطبعة الحجرية، ج 2، ص 84.
    2. ( 1 تا 4)-« مناقب ابن شهرآشوب» الطبعة الحجرية، ج 2، ص 84.
    3. ( 1 تا 4)-« مناقب ابن شهرآشوب» الطبعة الحجرية، ج 2، ص 84.
    4. «بحار الأنوار» ج 9، ص 679؛ و الطبعة الحروفيّة ج 42، ص 309.

معرفة المعاد ج٤

181
  • لي أراك كئيباً حَزيناً مُنكسراً؟

  • فقال: لَو تسمعُ ما أسمعُ لَشَغَلَكَ عَنْ مسألتي.

  • فقلتُ: و ما الذي تسمعُ؟

  • قال: ابتهال الملائكة إلى اللهِ عزّ و جلَّ على قتلةِ أمير المؤمنين و قتلة الحسينِ عليهما السلام، و نوح الجنِّ و بكاء الملائكة الذين حولَهُ و شدّة جزعهم، فمن يتهنّأ مع هَذا بِطَعامٍ أو شَرابٍ أو نَوْمٍ؟1

  • و يروي ابن قولويه القمّيّ عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن بعض أصحابه، عن أحمد بن قتيبة الهمدانيّ، عن إسحاق بن عمّار، قال:

  • قلتُ لأبي عبد الله (الصادق) عليه السلام: إنّي كنتُ بالحائر ليلةَ عرفة، و كنتُ اصلّي و ثَمّ نحو من خمسين ألفاً من الناس جميلة وجوههم طيّبة روائحهم، و أقبلوا يصلّون الليلة (الليل خ ل) أجمع، فلمّا طلع الفجر سجدتُ ثمّ رفعت رأسي فلم أر منهم أحداً.

  • فقال لي أبو عبد الله عليه السلام: إنّه مرّ بالحسين عليه السلام خمسون ألف مَلَك و هو يقتل، فعرجوا إلى السماء فأوحى الله إليهم: مررتم بابن حبيبي و هو يقتل فلم تنصروه، فاهبطوا إلى الأرض فاسكنوا عند قبره شعثاً غبراً إلى يوم تقوم الساعة.2

    1. «نفس المهموم» ص 313، عن ابن قولويه.
    2. «كامل الزيارات» الباب 39، ص 115.

معرفة المعاد ج٤

182
  •  

  •  

  • المَجْلسُ السَّادِسُ وَ العِشْرُون: فِي مَعْنِى وَجْهِ اللهِ وَ وَجْه الْمَخْلُوقَات

  •  

  •  

معرفة المعاد ج٤

184
  •  

  •  

  • بسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

  • (مطالب القيت في اليوم السادس و العشرين من شهر رمضان المبارك)

  • الحمد للَّه ربّ العالمين و لا حول و لا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم

  • و صلَّى الله على محمّد و آله الطاهرين

  • و لعنة الله على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدينر

  •  

  •  

  • معنى وجه الله بين الموجودات في حقيقة وجه الله

  • قال الله الحكيم في كتابه الكريم:

  • كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ، وَ يَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ.1

  • لعالم الخلقة ظاهر و باطن، فظاهره هذه الموجودات المتكثّرة المادّيّة و الطبيعيّة التي يمتلك كلّ منها تشخّصاً و إنّيّة، و ينعم بما تتّسع له ماهيّته بنعمة الوجود و العلم و القدرة. و هذه الماهيّات المختلفة و الهويّات المتغايرة المتباينة تجعل من نفسها ميزاناً للقيم و الحياة، و تدعو إلى نفسها، و تدافع عن وجودها و شخصيّتها. و حين تلحظ أنها في معرض النقص، فإنّها تستفيد من الموجودات الأخرى لترميم وجودها، و تسخّرها لسدّ نقصها، و لا تتورّع عن أي سعى و جهد استجلاباً للنفع و الفائدة، و دفعاً للضرر و الأذى. فإن شاهدت أساس حياتها في معرض الخطر، تصدّت لدفع ذلك الخطر بكلّ ما تملك من قوّة. بل إنّها قد تشرف على الموت

    1. الآيتان 26 و 27، من السورة 55: الرحمن.

معرفة المعاد ج٤

185
  • و الفناء في دفاعها عن حياتها.

  • و تمتلك هذه الموجودات نفوساً و شخصيّات متفاوتة، فكلّ منها قد رفع عقيرته بنداء الاستقلال، و رفع على منكبه علم وجوده الخاصّ.

  • أمّا باطن عالم الخلقة هذا فهو الارتباط المحض لهذه الموجودات مع العوالم المجرّدة اللاهوتيّة و الجبروتيّة، و الارتباط الخالص مع الباري تعالى شأنه العزيز، الذي يفيض عليهم الوجود و العلم و القدرة و الحياة من عالم الربوبيّة و صقع الجبروتيّة، بحيث يحفظ أوراد روضة هذه الماهيّات يانعة طريّة غضّة على الدوام، و بحيث إنّ ذلك الارتباط لو انفصم للحظة واحدة، لصار جميع هذا العالم- مع سعته العجيبة و امتداده و تراميه المحيّر للعقول- العدم المحض بحدِّ ذاته، و لَدُمغ على جبينه بخاتم البُطلان، أي العدم المطلق من الحياة و الوجود و آثارهما و لوازمهما. و يدعى هذا العالم الظاهر: وجه الخِلقة، بينما يدعى عالم الباطن باسم: وجه الله.

  • و الوجه بمعنى المُشير و المُظهر لذات الموجود، فوجه الإنسان مثلًا هو أفضل و أرقى عضو فيه، و هو المظهر له، حيث يعبّر عنه أيضاً بالسيماء. و وجه العمارة هو مظهر واجهة البناية الذي يمتاز بمشخّصات و خصائص معيّنة عن سائر البنايات. و وجه المراكب و السيّارات و سائر الأشياء هو أفضل عضو من الأعضاء المظهرة لتلك المراكب و السيّارات.

  • و هكذا تختلف وجوه هذه الموجودات، من الإنسان و الحيوان فيما بينها، إذ خُلقت على أساسٍ من الاختلاف. و من ثمّ فإنّ معيار الاختلاف و ميزانه مشهود أيضاً في وجودهها.

  • على أنّ وجه الله الذي أوجد هذه الموجودات و خلع عليها لباس الوجود واحد، لأنّ الله تعالى واحد، و الحياة و العلم و القدرة التي يُفيضها واحدة، و لأنّ كيفيّة ارتباط هذه الموجودات مع عالم الباطن واحد.

معرفة المعاد ج٤

186
  • و مع أنّ مقدار الحياة و العلم و القدرة في الموجودات مختلف، إلّا أنّ إعمال القدرة و العلم و الحياة في الذات الإلهيّة لإيجاد الموجودات المختلفة ليس متفاوتاً. فالله سُبحانه لم يُعْمِل في خلق الشمس قدرةً أكثر من تلك التي استخدمها لخلق قطعة من الكُرات و الكواكب الأصغر منها بكثير.

  • و لم يستخدم في خلق جبل «الوند» علماً أو قوّة أكثر من تلك التي استخدمها لخلق قطعة حجر. و الأمر كذلك في خلق الفيل و البعوضة، و في خلق أوّل الموجودات الإمكانيّة و أسماها: النبيّ محمّد بن عبد الله صلّى الله عليه و آله و في خلق أضعف فرد من صنف الإنسان أو أنواع الحيوان.1 فالقدرة و العلم و سائر الصفات و الأسماء الإلهيّة واحد غير متعدّد فهي تتعلّق بالموجودات وفق نهج خاصّ و طريق واحد متميّز، و ليس هناك من جهة الحضرة الربوبيّة شدّة أو ضعف، و لا زيادة و نقصان، و لا كمّ و كيف، و لا زمان و مكان.

  • وَ ما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ.2

  • وَ ما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ.3

  • لكنّه يختلف ضعفاً و شدّة، و زيادةً و نقصاناً من جهة موجودات هذا العالم و ظرفيّاتها المختلفة و ماهياتها المتكثّرة، فيظهر و ينشأ مقيّداً بالزمان

    1. ينقل في« الأسفار الأربعة» الطبعة الحجريّة ج 1، ص 26، و الطبعة الحروفيّة ج 1، ص 114، عن فيلسوف العرب يعقوب بن إسحاق الكنديّ قال: إذا كانت العلّة الاولى متّصلة بنا مفيضة علينا، و كنّا غير متّصلين به إلّا من جهة، فقد يمكن فينا ملاحظته على قدر ما يمكن للمفاض عليه أن يلاحظ المفيض، فيجب أن لا يُنسب قدر إحاطته بنا إلى قدر ملاحظتنا له، لأنها أغزر و أوفر و أشدّ استغراقاً.
    2. الآية 50، من السورة 54: القمر.
    3. مقطع من الآية 77، من السورة 16: النحل.

معرفة المعاد ج٤

187
  • و المكان و سائر الأعراض.

  • و يقال لتلك الجهة الإلهيّة وجه الله، و لهذه الجهة الخَلقيّة وَجه الخلق.

  • كما يدعى الأوّل بعالم الملكوت أو الباطن و الغيب، و الثاني بعالم المُلك و الشهادة.

  • و كذلك فإنّ الأوّل يدعى بعالم الأمر، و الثاني بعالم الخَلق، و ذلك استنباطاً من الآيات القرآنيّة، مثل:

  • أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ.1

  • فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.2

  • قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَ هُوَ يُجِيرُ وَ لا يُجارُ عَلَيْهِ.3

  • عالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ.4

  • وَ مَا الْوَجْهُ إلَّا وَاحِدٌ غَير أنهُ***إذَا أنْتَ عَدَّدْتَ الْمَرَايَا تَعَدَّدَا

  • بلى، إنّ اختلاف الوجوه و تعدّدها في هذا العالم مرهون بأنّ الموجودات التي يمثّل كلٌّ منها آية و مرآة للجمال الإلهيّ متكثّرة، و هي متكثّرة من ناحية وجودها، إلّا أنها واحدة من جهة إراءة ذي الآية، أي ذات الباري تعالى شأنه العزيز.

  • تماماً كمثل شخص يقف في غرفة وُضعت فيها مرايا مختلفة تواجهه بزوايا مختلفة، فمن الواضح أنّ هناك شكلًا خاصّاً سيظهر في كلّ مرآة و أنّ كلّ مرآة ستحكى وضعاً خاصّاً منه، إلّا أنّ صاحب هذه الصور

    1. المقطع الثاني من الآية 54، من السورة 7: الأعراف.
    2. الآية 83، من السورة 36: يس.
    3. صدر الآية 88، من السورة 23: المؤمنون.
    4. ورد هذا التعبير فعشر مواضع من القرآن، من بينها فالآية 73، من السورة 6: الأنعام.

معرفة المعاد ج٤

188
  • في الوقت نفسه واحد، بل إنّ نفس وجهه و صورته واحدة لا غير.

  • و هكذا فإنّ عالم الأمر، أي عالم وجه الله و الوجهة الإلهيّة و الوجهة الربوبيّة للموجودات واحد لا أكثر، و هذا التكثّر و الغوغاء العجيبة للاختلاف في هذا العالم إنّما هو مرايا لا تعدّ و لا تُحصى بعدد آحاد موجودات عالم الخلقة، و قد أتى بها عالم الخلقة.

  • إن الزوال و العدم، و الموت و الهلاك تتعلّق بالوجهة الخلقيّة للموجودات الكائنة في عالم المادّة و الطبع، أي عالم الكَون و الفساد، لأنّ أصل معدن هذا العالم و مادّته الأوّليّة قد صُنعا من التغيّر و التبدّل و التحوّل، و لأنّ العدم و التجدّد و الحدوث قد صبّا في أوّل قالب من الموادّ الخام لموجودات هذا العالم.

  • أمّا الوجهة الإلهيّة لهذا العالم، فلا فناء فيها و لا عدم، و هي وجود محض، لأنها ليست مادّيّة و لا طَبع لها، و لا كَوْن و لا فساد، و لا زمان و لا مكان. كما أنها ليست مكيّفة بالكيفيّة و لا مكمّمة بالكميّة و لا معرّضة لسائر الأعراض. هي بسيطة مجرّدة، و هي العلاقة و الارتباط المحض و نفس التعلّق و عينه.

  • كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ.1

  • و جليّ أنّ الوجه الإلهيّ لكلّ شيء ثابت غير متغيّر، مجرّد لا مادّيّ و ربط محض لا ارتباط.

  • و بناء على ما ذكر فإنّ معنى الآية الكريمة:

  • فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ.2

    1. مقطع من الآية 88، من السورة 28: القصص.
    2. مقطع من الآية 115، من السورة 2: البقرة.

معرفة المعاد ج٤

189
  • سيتّضح جيّداً، لأنّ وجه الله جهة ربط الله بكلّ موجود. و جليّ أنّ الله تعالى موجود مع كلّ موجود، و أنّ له المعيّة مع كلّ موجود. فالواحد و البسيط و المجرّد- إذَن- هو وجه الله، فهو موجود مع كلّ واحد من هذه الموجودات. أي: فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ.

  • و لقد أبدع العارف الفارسيّ الجليل بابا طاهر العريان في إنشاده:

  • به صحرا بنگرُم صحرا تَه وينُم***به دريا بنگَرُم دريا تَه وينم

  • به هر جا بنگَرُم كوه و در و دشت***نشان از روى زيباى ته وينُم 1

  • و يقول الإمام السجّاد زين العابدين عليه السلام في مناجاته في ساحة ربّ العزّة سبحانه:

  • انَاجِيكَ يَا مَوْجُودُ في كُلِّ مَكَانٍ لَعَلَّكَ تَسْمَعُ نِدَائِي.2

  • و جلي أنّ المكان ليس ظرفاً لوجود الله تعالى، فالمراد هو وجه الله الموجود في كلّ مكان، و الذي له المعيّة مع كلّ موجود، و الذي هو حقيقة كلّ موجود و باطنه.

  • و بناء على ما ذكرنا سابقاً في آيات نفخ الصور:

  • فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ.3

    1. يقول: أنظر فالصحراء فأراك صحراءً، و أتطلّع في- البحر فأراك بحراً!
      و حيثما نظرت فالجبل و الوادي و الصحراء، رأيتُ آيةً من طلعتك الحسناء!
    2. هذه الفقرة هي صدر دعاء الحزين الذي أورده الشيخ( الطوسيّ) ف-« مصباح المتهجّد» ص 116 ضمن أدعية بعد صلاة الوتر.
    3. صدر الآية 68، من السورة 39: الزمر.

معرفة المعاد ج٤

190
  • فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ.1

  • و بمقارنتها مع هذه الآيات التي استثنت وجه الله، أي ملكوت كلّ شيء و وجهه الباطنيّ، فسيتّضح أنّ المراد ب- «مَن شَاءَ اللهُ» هو وجه الله. فوجه الله لا موت و لا بوار له، و كلّ من يصل إلى مقام وجه الله، أي من يخرج من ذاته (التي هي وجهته الخَلقيّة و دعوته إلى نفسه) و يتخلّص من أنانيّته و استكباره، فيفنى في ذات الله و صفاته؛ فإنّه سيتحقّق ب- «وجه الله» فلا هلاك له بعدُ و لا موت.

  • الأئمّة و المخلَصون هم وجه الله و موجودون مع جميع

  • إن أحد الألقاب المباركة لبقيّة الله تعالى: محمّد بن الحسن العسكريّ عجّل الله تعالى فرجه هو وجه الله، حيث نقرأ في زيارته عليه السلام:

  • السَّلَامُ على وَجْهِ اللهِ الْمُتَلَقِّبِ بَيْنَ أظْهُرِ عِبَادِهِ.2

  • و نقرأ في دعاء الندبة:3

  • أيْنَ وَجْهُ اللهِ الذي يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ الأوْلِيَاءُ؟4

  • و قد روي عن الإمام الصادق عليه السلام قوله:

  • مَن زَعَمَ أنَّ لِلَّهِ وَجْهاً كَالْوُجُوهِ فَقَدْ أشْرَكَ. وَ مَنْ زَعَمَ أنَّ لِلَّهِ جَوَارِحَ كَجَوَارِحِ الْمَخْلُوقِينَ فَهُوَ كَافِرٌ بِاللهِ، فَلَا تَقْبَلُوا شَهَادَتَهُ وَ لَا تَأكُلُوا ذَبِيحَتَهُ، تعالى اللهُ عَمَّا يصفَهُ الْمُشَبّهُونَ بِصِفَةِ الْمَخْلُوقِينَ، فَوَجْهُ اللهِ أنْبِياؤُهُ

    1. مقطع من الآية 87، من السورة 27: النمل.
    2. «النجم الثاقب» اللقب 175، ص 46.
    3. «مصباح الزائر» للسيّد ابن طاوس.
    4. أورد المرحوم السيّد ابن طاوس في-« مصباح الزائر» دعاء الندبة بعد أن نقل ستّ زيارات لصاحب الزمان عليه السلام فالسرداب المطهّر.

معرفة المعاد ج٤

191
  • وَ أوْلِيَاؤُهُ.1

  • إن الأفراد الذين يتحقّقون بوجه الله هم مع الله دائماً، لا يحجبهم و لا يمنعهم عن الحضور أي موجود.

  • تَجَلَّى لِي الْمَحْبُوبُ في كُلِّ وِجْهَةٍ***فَشَاهَدْتُهُ في كُلِّ معنى وَ صُورَةِ 2

  • به هر چه مىنگرم صورت تو مىبينم***از آنكه در نظرم جملگى تو مىآئى 3

  • جَلَتُ في تَجَلِّيهَا الْوُجُودُ لِنَاظِرِي***فَفي كُلِّ مَرْئِي أرَاهَا بِرُؤيَةِ 4

  • گفت نوح أي سركشان من من نيم***من ز جان مُردم به جانان مىزيم

  • چون ز جان مردم به جانان زندهام***نيست مرگم تا أبد پايندهام

  • چون بمردم از حواس بو البشر***حقّ مرا شد سمع و ادراك و بصر

  • چون كه من من نيستم اين دم ز هوست***پيش اين دم هر كه دم زد كافر اوست

    1. «سفينة البحار» ج 2، ص 635.
    2. «طبقات الأخيار» للشعراني، ص 182، ج 1؛ و هذا الشعر للشيخ إبراهيم الدسوقيّ.
    3. يقول: مهما نظرتُ إلى شيء رأيتُ وجهك، لأنك تأتي فى- نظري أجمع.
    4. «ديوان ابن الفارض» من التائيّة الكبرى، ص 66.

معرفة المعاد ج٤

192
  • گر نبودى نوح را از حقّ يدى***پس جهانى را چسان بر هم زدى 1

  • في معيّة وجه الله لجميع عوالم الخلق

  • و قد ورد عن الرسول الأكرم صلّى الله عليه و آله أنه قال:

  • لَوْ دُلِّيتُمْ بِالأرْضِ السُّفْلَى لَهَبَطْتُمْ على اللهِ تَعَالَى.2

  • و يقول المعلّق في تعليقة «الأسفار»:

  • و ورد في نسخة اخرى:

  • لَوْ ادْليتُمْ بِحَبْلٍ إلى الأرْضِ السُّفْلَى لَهَبَطْتُمْ على اللهِ تَعَالَى.

  • و بطبيعة الحال فإنّ مضمون هذا الحديث نفس مضمون دعاء الحزين الذي يقول فيه الإمام السجّاد عليه السلام:

  • انَاجِيكَ يَا مُوجُودُ في كُلِّ مَكَانٍ.

  • أي أنّ وجه الله موجود مع جميع الموجودات، و لو في أدنى نقاط الأرض، و أنّ الله تبارك و تعالى له المعيّة مع كلّ موجود بدون استثناء.

  • و يُقال لجهة موجوديّة الموجود وجه الخلق، و لجهة معيّة الله تبارك و تعالى لتلك الجهة: وجه الله.

  • و على كلّ حال، و كما سبق بيانه، فإنّ العباد المقرّبين و المخلَصين للّه

    1. يقول: قال نوح لقومه: أيّها المتمرّدون! اعلموا أني لستُ أنا، فقد متّ من نفسي فأنا حي بالحبيب.
      و لأني متّ عن نفسي و حييت بالحبيب، فلا موت لي بعدُ، و أنا خالد دوماً.
      و لأني فنيتُ عن حواسّ البشر، فقد صار الله عيني و اذني و إدراكي.
      و لأني لستُ أنا، فإنّ النَّفَس الذي أنشقه منه هو، و من تنفّس قبل هذا النفس( و أظهر وجوده) صار كافراً.
      و لو لم ترافق يدُ الحقّ نوحاً، فكيف كان سيسوط العالم بالطوفان( سوطَ القدر)؟
    2. «الأسفار» الطبعة الحجريّة، ج 1، ص 26؛ و الطبعة الحروفيّة ج 1، ص 114.

معرفة المعاد ج٤

193
  • لا موت لهم، و لا حياة بعد الموت، فقد ابعد عنهم جميع عقبات الطرق و منعطفاتها التي لا بدّ لغيرهم من طيها، من الفزع، و الخوف، و سماع الصيحة الدنيويّة، و القلق عند سكرات الموت، و أنواع العذاب، و سؤال القبر، و الصيحة التي يُنادى بها في القبر فيرتدون إثرها اللباس البرزخيّ و المثاليّ (و تُدعى بنفخ صور الإماتة)، و الآيات التي تقع بعد تلك الصيحة حتّى نفخ الصور الثاني (و يدعى بنفخ صور الإحياء). و تدعى هذه المجموعة بالآيات الواقعة بين النفختين.

  • و لقد ابعدت جميعها عنهم، أي أنهم قد طووا هذه الصعوبات و العقبات في الدنيا بقدم المجاهدة للنفس الأمّارة، فوردوا الجنّة طاهرين مطهّرين، فهم هناك منعّمون مع الصالحين بالنعم الإلهيّة التي لا تزول و لا تفنى. و ذلك لأنه ليس هناك مناص من طيّ هذه الطرق و تجاوزها، إذ إنّ صعود الإنسان و رقيّة إلى مقام النفس، و طلوع القيامة الأنفسيّة من الضروريّات، و هذا الرقيّ و الصعود لا يحصل دون طيّ الدرجات و المراتب الواقعة أدنى من الصورة، و إلّا استلزم الطفرة التي هي من المحالات.

  • و إذا ما طُويت هذه الطرق و اجتيزت- كما قد فعل المقرّبون و المخلصونَ و السابقون- بهمّة إنسانيّة عالية، و بخطوات التوفيق الإلهيّ و الاصطبار و مجاهدة النفس- أي الجهاد الأكبر- فبها المطلوب، و إلّا فإنّ الإنسان سوف يُساق مُجبراً بعد الموت، بل و قبل الموت أيضاً، للعبور من هذه العقبات. و أنّ هذا الإنسان المستكبر المغرور ذا العين الرمداء التي لا تُبصر الله و لا تعرفه، يجب أن يرد مقام الإقرار و الاعتراف في مقام عبوديّة الحقّ تعالى شأنه.

  • الآيات الدالّة على انقراض الدنيا و رجوع الإنسان الى الله

  • إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً، لَقَدْ

معرفة المعاد ج٤

194
  • أَحْصاهُمْ وَ عَدَّهُمْ عَدًّا، وَ كُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً.1

  • و سينادى بأهل الدنيا بالصيحة:

  • وَ ما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ.2

  • يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ، وَ تَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ.3

  • يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ، تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ، قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ، أَبْصارُها خاشِعَةٌ، يَقُولُونَ أَ إِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ، أَ إِذا كُنَّا عِظاماً نَخِرَةً، قالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ، فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ، فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ.4

  • يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَ الْجِبالُ وَ كانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلًا.5

  • إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ، وَ أَذِنَتْ لِرَبِّها وَ حُقَّتْ، وَ إِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ، وَ أَلْقَتْ ما فِيها وَ تَخَلَّتْ، وَ أَذِنَتْ لِرَبِّها وَ حُقَّتْ، يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ.6

  • إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ، وَ إِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ، وَ إِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ، وَ إِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ، عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَ أَخَّرَتْ، يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ، الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ.7

    1. الآيات 93 إلى 95، من السورة 19: مريم.
    2. الآية 15، من السورة 38: ص.
    3. الآيتان 4 و 5، من السورة 101: القارعة.
    4. الآيات 6 إلى 14، من السورة 79: النازعات.
    5. الآية 14، من السورة 73: المزّمّل.
    6. الآيات 1 إلى 6، من السورة 84، الانشقاق.
    7. الآيات 1 إلى 7، من السورة 82: الانفطار.

معرفة المعاد ج٤

195
  • إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ، وَ إِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ، وَ إِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ، وَ إِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ، وَ إِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ، وَ إِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ، وَ إِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ، وَ إِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ، بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ، وَ إِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ، وَ إِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ، وَ إِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ، وَ إِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ، عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ.1

  • ثمّ يقول:

  • فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ، الْجَوارِ الْكُنَّسِ، وَ اللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ، وَ الصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ، إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ.2

  • يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ، يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَ تَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَ تَرَى النَّاسَ سُكارى وَ ما هُمْ بِسُكارى وَ لكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ.3

  • فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ، وَ خَسَفَ الْقَمَرُ، وَ جُمِعَ الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ، يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ، كَلَّا لا وَزَرَ، إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ،

  • يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَ أَخَّرَ، بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ، وَ لَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ.4

  • فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ، وَ حُمِلَتِ الْأَرْضُ وَ الْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً، فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ.5

  • في كيفيّة تخطّى أولياء الله للمراحل و العقبات بعد الموت

  • و أولياء الله، أي المقرّبون و الأبرار و المخلَصون، فارغون من جميع

    1. الآيات 1 تا 14، من السورة 81: التكوير.
    2. الآيات 15 إلى 19، من نفس السورة.
    3. الآيتان 1 و 2، من السورة 22: الحجّ.
    4. الآيات 7 إلى 15، من السورة 75: القيامة.
    5. الآيات 13 إلى 15، من السورة 69: الحاقّة.

معرفة المعاد ج٤

196
  • هذه المنازل، لأنهم طووها و اجتازوها بأجمعها؛ فلقد طووا الصيحة الدنيويّة، و تكوير الشمس، و خسف القمر و اندكاكهما معاً، و انكدار النجوم، و تسيير الجبال، و تعطيل العشار، و تسجير البحار، و نشر الصحف و تسعير الجحيم، و إزلاف الجنّة، و العلم بما قدّموا و أخّروا، و ... و اجتازوها و تخطّوها بأجمعها.

  • و علينا الآن أن نرى كيف عبر هؤلاء؟ مع أنّ هذه المنازل و المراحل تعقب هذا العالم و تأتي بعده، و مع أنّ الجميع يترقّبونها و ينتظرونها؟

  • فكيف- ترى- طُويت هذه المراتب و المراحل من قبل هؤلاء الأفراد خاصّة خلافاً للآخرين؟

  • ينبغي ذكر مقدّمة لإيضاح الأمر:

  • إن لنا- نحن أفراد البشر- بدناً هو هذا الجسد الطبيعيّ و المادّي الذي يعيش في عالم يماثله في الآثار و الخواصّ الطبيعيّة و المادّيّة، و لنا ذهن هو محلّ خواطرنا و أفكارنا. فهما- أي بدننا و جسمنا- يشتغلان بالتصوّرات الذهنيّة و يفعلان ما يشاءان فعله. فإذا شئنا أن نفعل شيئاً- مثلًا- فإنّ ذهننا سيرسم في داخله صورة متخيّلة لذلك العمل، ثمّ يقيّم منافع و مضارّ ذلك العمل، فإذا شخّص مصلحة في ذلك العمل، وُجدت الرغبة في فعله، فيأمر الذهنُ البدنَ بفعله، و آنذاك ينهمك البدن (و هو المسخّر للذهن) في ذلك العمل.

  • و هكذا فإنّ بدننا حين ينجز أي حركة أو سكنة، كأن ينام أو يصحو أو يصلّي أو يذنب أو يعمل صالحاً، فإنّ ذلك كلّه يجري وفق تخطيط و تدبير ذهنيّ مُسبق.

  • كما أنّ لدينا ذاتاً هي نفسنا؛ فذهننا ذاك ليس داخل بدننا، كما أنه ليس بالخارج عنّا، و ليس قبلنا و لا بعدنا، و ليس إلى جانبنا، بل هو محيط

معرفة المعاد ج٤

197
  • بنا. كما أنّ نفسنا محيطة بذلك الذهن و محيطة ببدننا أيضاً.

  • و يمكننا القول إنّها بأجمعها شيء واحد، كما يمكننا أن نقول إنّها منفصلة عن أحدها الآخر، لكنّ بعضها محيط بالبعض الآخر؛ النفس محيطة بالذهن، و الذهن محيط بالبدن، و مثلها ليس كمثل جماعة اجتمعوا معاً، إذ ليست نفسنا إلى جانب مثالنا، و ليس مثالنا مجاوراً لبدننا.

  • و نلحظ أنّ نفسنا محيطة ببدننا، و أنّ النفس حين تريد، فإنّها تحرّك البدن معها، و أنّ عالم مثالنا و ذهننا محيط بدوره ببدننا، فحين يأمر البدن بالحركة، فإنّ البدن سيبدو كمثل آلة مسيّرة في يده يحرّكها كيف يشاء.

  • و أنهما (أي النفس و الذهن) ليسا خارجينِ عن البدن، بل هما محيطان به، خلافاً للبدن الذي لا يحيط بهما، إذ ليس البدن محيطاً بذهننا. و ليس ذهننا محيطاً بنفسنا، و بالنتيجة فإنّ الذهن و البدن ليسا محيطين بالنفس. و لذلك فإنّ عالم المثال و القيامة ينسب إلى عالم الدنيا بهذا الاعتبار و المناسبة.

  • و لدينا دنيا هي عالم الطبع هذا، بَيدَ أنّ عالم المثال و البرزخ ليسا في هذه الدنيا، كما أنهما ليسا خارجها، و ليسا في امتداد هذا العالم بحيث يوجدان بعد مرور خمسين ألف سنة، أو بعد مائة ألف سنة.

  • عالم البرزخ و عالم القيامة موجودان حاليّاً، و محيطان بهذا العالم. كما أنّ عالم القيامة موجودٌ و محيط بعالم البرزخ و عالم الطبع.

  • و من هنا فإنّ هذا العالم منضوٍ و منطوٍ داخل عالم البرزخ، و عالم البرزخ منضوٍ بدوره داخل عالم القيامة، لكنّه انضمام و انضواء لا يُماثل تراكب طبقات لباب البصل و قشوره التي تغطّيها. فتلك جميعاً متجانسة و من سنخ واحد، و هي بأجمعها مادّيّة. بل هو كمثل إحاطة التجرّد من الصورة و المادّة بالصورة و المادّة، و إحاطة التجرّد من الصورة بالمادّة،

معرفة المعاد ج٤

198
  • و ليس أي منها بالعَرْضي.

  • و إذا ما تحرّكنا هنا في طول الزمن و امتداده، فإنّ الأمر ليس بحيث إنّنا سنصل إلى عالم البرزخ بعد مائة سنة مثلًا، ثمّ نصل بعد تقدّم مائة سنة اخرى مثلًا إلى عالم القيامة. فمثل هذا السير يدعى بالسير العَرْضيّ، و الأمر ليس على هذا النحو، بل هو سير طوليّ لا عرضي.

  • أي أنّ علينا الحركة في درجات العوالم و مراتبه، من الأسفل إلى الأعلى، و من الأدنى إلى الأرقى، و من غير المجرّد إلى المجرّد، و هذه الحركة ليست عرضيّة بل طوليّة. و هي لا تحتاج إلى طيّ زمان و مكان، بل إلى السير في أطوار النفس و آثارها.

  • و الآيات القرآنيّة الكريمة التي اشير إليها، من أنّ هناك صيحة سيُنادى بها في الدنيا، و أنّ زلزلة ستحصل، و أنّ الشمس ستُكسف، إنّما تبين العقبات التي ينبغي طيّها عند الورود إلى البرزخ. أي أنّ هذه الحوادث حين تنشأ و تحدث، فإنّ الورود إلى البرزخ سينكشف للإنسان، و آنذاك سيدرك الإنسان البرزخ و يفهم أنه قد ورد فيه. و ليس الأمر بحيث أنّ البرزخ غير موجود حاليّاً و أنه سيوجد بعد هذه الحوادث.

  • و باعتبار أنّ الاطّلاع على هذه الامور مترتّب على الموت الاضطراريّ و الاختياريّ، فهم- لذلك- يقولون إنّ البرزخ يعقب الدنيا و يتلوها. فتلوّ البرزخ للدنيا هو باعتبار إدراك البرزخ و انكشافه بعد الموت، و إلّا فإنّ البرزخ موجود حاليّاً، و الموت شرط إدراكه.

  • مثال: حين يعيّنون جائزة لطفلٍ ما، من أنه إذا اجتاز هذا الفصل الدراسي بمعدّل جيد، فإنّهم سيمنحونه تلك الجائزة. و من ثمّ فإنّ تلك الجائزة موجودة الآن، و على الطفل أن يقرأ دروسه و يجتهد ليعطوه إيّاها.

  • فليس للطفل من سبيل- فعلًا- للوصول إلى تلك الجائزة، و نيلها إذ

معرفة المعاد ج٤

199
  • يترتّب على الارتقاء إلى مرتبة أعلى؛ و ليس الأمر بحيث أنّ الجائزة ستوجد فيما بعد، أو أنها ستوجد فيما لو أتى بمعدّل جيّد.

  • و لدينا روايات جمّة في هذا الشأن، و قد أوردنا مفصّلًا في المباحث السابقة أنّ الأعمال التي يجترحها الإنسان من خير و شرّ تتّخذ لنفسها منذ الآن صورة برزخيّة و ترتدي لباساً مثاليّاً، و تتّخذ لنفسها صورة قيامتيّة، فهي ذخيرة للإنسان في عالم عِلم الله المدعو في تعيّن النشآت بعالم البرزخ و القيامة، ليصل إليها الإنسان و ينالها بعد العبور من عقبات الموت.

  • كما أنّ الأعمال التي يقوم بها الإنسان تتّخذ لنفسها على الفور صورة طبعيّة و برزخيّة و قيامتيّة، فصورتها الطبعيّة مشهودة للجميع، أمّا صورتها البرزخيّة و القيامتيّة فمستورة و محجوبة بحجاب البرزخ و القيامة، فإن هُتك كلّ واحد من تلك الأستار و الحُجب و ازيح جانباً صارت مشهودة مُدرَكةً جليّة.

  • و هكذا فإنّ أسرى عالم الهوى و الهوس الذين لم يتخطّوا آثار عالم الطبع و لوازمه، فهم سجناء في حبس الأماني و الشهوات، سوف لن يدركوها. و مع أنها نار متأجّجة، إلّا أنهم لا يدركون كُنه الاحتراق بينما يحترقون وسط اتونها و ألسنتها. تماماً كمثل من يجلس تحت مبضع جرّاح يجري له عمليّة جراحيّة و يمزّق كليته فتتدفّق الدماء من بدنه. لكنّه- و قد فقد الإحساس و الوعي- لا يدرك ذلك و لا يحسّه، أمّا حين يصحو و يعود إليه وعيه، فإنّه سيفهم ما حلّ به، و سيحسّ آنذاك بالألم ينتابه، فيشرع بالبكاء و الأنين.

  • على أنّ أ لم هذا الرجل لم ينشأ مع صحوه و عودة وعيه إليه، بل نشأ من العمليّة الجراحيّة، كلّ ما في الأمر، أنه صار يحسّه الآن.

  • و للأعلام مقولة مضمونها أنّ عبدة شهوات الدنيا لا يدركون جهنّم،

معرفة المعاد ج٤

200
  • لأنهم سكارى الامنيات و التخيّلات، فمن سكر في غريزة ما عمت عيناه و صُمّت اذناه عن إدراك غيرها، فصار أعمى و أصمّ. فهو- لذلك- لا يدرك الضرر و الشرّ و نار جهنّم: حُبُّكَ الشَّيءَ يُعْمِي وَ يُصِمُّ.

  • أمّا حين يفقد تلك الغريزة، و يصحو من سكره الناجم عنها، و تنفتح عينه و اذنه فتبصر واقعه، فإنّه سيرى، يلحظ الأضرار التي لحقت به، و يُعاين في أي لظى غرورٍ و نخوة و استكبار يحترق.

  • و مجمل القول إنّ الآيات و الروايات التي تعدّ البرزخ و القيامة في الظاهر تلو الدنيا زمنيّاً، تستند إلى أنّ معرفة تلك العوالم و إدراكها يحصل بعد الموت. و بمقتضى نصوص الآيات و الأخبار الدالّة على فعليّة تحقّق تلك العوالم، فإنّ الظهور في التلو الزمانيّ يجب حمله على التلو في المعرفة و الانكشاف.

  • و هكذا فإنّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ الذين هم وجه الله وفقاً للآيات المذكورة، و الذين لا بوار لهم- من ثمّ- و لا هلاك، قد انكشف لهم البرزخ و القيامة في الدنيا و عالم الطبع بواسطة مجاهدة النفس الأمّارة- و هو الجهاد الأكبر1 و على إثر الأعمال الصالحة. أي أنهم خرجوا من الدنيا و وردوا عالم البرزخ و صيح بهم في البرزخ بنفخة صور الإماتة و الإحياء، ثمّ خرجوا من البرزخ و وردوا عالم القيامة، و أدركوا عواقبه و نتائجه أيضاً.

  • لقد ماتوا بالموت الاختياريّ فهم أحياء بالحياة الإلهيّة، و دخلوا إلي

    1. نقل فى-« بحار الأنوار» ج 2، ص 42 عن« جامع الأخبار» أنّ رسول الله قال: رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر. و نقل فى-« البحار»، ج 6، ص 443 عن« الكافي» بإسناده عن الصادق عليه السلام أنّ رسول الله بعث بسريّة فلمّا رجعوا، قال: مرحباً بقوم قضوا الجهاد الأصغر و بقي الجهاد الأكبر. قيل: يا رسول الله و ما الجهاد الأكبر؟ قال: جهاد النفس.

معرفة المعاد ج٤

201
  • عالم يفوق عالم النفس، حيث لا زمان و لا مكان، بل الإحاطة التامّة للزمان و المكان، فكلّ شيء حاضر لديهم، الماضي و الحال و المستقبل. و الوقائع الحادثة مشهودة لديهم، و علم البلايا و المنايا لديهم أمر عاديّ مألوف.

  • فحين ازيل الزمان للمخلَصين، فقد استوى لديهم الماضي و المضارع، و وقفوا على علوم الأوّلين و الآخرين و صارت حركة الجبال و الصيحات و فوران البحار و غيرها حاضرة أمامهم ينظرون إليها و يشهدونها، و صارت الأرض و السماء، الثوابت و السيّارات و وقائع الأرض و السماء بأجمعها مشهودةً لديهم في عالم ما فوق الزمان و ما يتعلّق بالزمان، كما هي مشهودة للّه تبارك و تعالى.

  • و مع أنهم لم يعمّروا طويلًا ليروا نفخة الصور و يسمعونها، و ليُشاهدوا زلزلة القيامة، إلّا أنهم- بسبب ارتقائهم إلى عالم التجرّد من المادّة و الطبع- قد استولوا على جمع الزمانيّات و هيمنوا عليها، فهي بأجمعها على مَرأى منهم و مَسمع.

  • و بطبيعة الحال فإنّ هذه المقامات مختصّة باولئك الذين حيوا بحياة الله، فلم يعد في وجودهم- بأيّ وجه من الوجوه- شيء من بقايا النفس و آثارها، فهم طاهرون مطهّرون.

  • و ذلك لأنّ وجودهم إذا احتوى في زاوية من زواياه على شيء من آثار النفس لما أحاطوا بالزمان. و جليّ بيّن أنّ من يكون- بذاته- أسيراً للزمن، سجيناً مقيّداً به، سيعجز أن يطّلع من افق الزمان الأعلى للزمان و متعلّقاته.12

  • معرفة المعاد ؛ ج4 ؛ ص201
    1. يقول أمير المؤمنين عليه السلام ضمن حكم نهج البلاغة: إنّ أولياء الله هم الذين نظروا إلى باطن الدنيا إذا نظر الناس إلى ظاهرها؛ و اشتغلوا بآجلها إذا اشتغل الناس بعاجلها؛ فأماتوا منها ما خشوا أن يميتهم؛ و تركوا منها ما علموا أنه سيتركهم؛ و رأوا استكثار غيرهم منها استقلالًا؛ و دركهم لها فوقاً؛ أعداء ما سالم الناس؛ و سلم ما عادى الناس؛ بهم علم الكتاب و به علموا؛ و بهم قام الكتاب و به قاموا؛ لا يرون مرجوّاً فوق ما يرجون؛ و لا مخوفاً فوق ما يخافون-« نهج البلاغة» ج 2، الحكمة 432، طبعة محمّد عبده- مصر، ص 337.
    2. حسينى طهرانى، سيد محمد حسين، معرفة المعاد، 10جلد، دار المحجة البيضاء - بيروت - لبنان، چاپ: 1، 1416 ه.ق.

معرفة المعاد ج٤

202
  • الإحاطة الكلّيّة للأئمّة عليهم السلام بعوالم البرزخ و القيامة

  • أمّا الأئمّة الطاهرون صلوات الله و سلامه عليهم أجمعين، الذين علموا بما مضى و ما سيأتي، و الذين استقرّوا في منهل التشريع و وصلوا إلى معدن العظمة، و نهلوا من ماء الحياة السرمديّة، و ذلك لكونهم فوق الزمان، و لإدراكهم حقيقة أنفسهم الإدراك الملازم لمعرفة النفس، و لوصولهم إلى درجات الخلوص و الإخلاص، و إقامتهم في حرم أمن و أمان الحضرة الأحديّة.

  • لذا يشاهد أنّ قيد الزمان لم يقيّدهم و لم يحدّهم أبداً، و لم يمنعهم أو يردعهم عن التحليق في سدرة المنتهى، فكانوا يعطون الأجوبة القاطعة على البديهة عن كلّ سؤال عمّا مضى و عمّا سيأتي و يكون، و عن الأحكام الجزئيّة و العلوم الكلّيّة و المعارف الإلهيّة.

  • فالسؤال الذي كان يطرح على الإمام، إنّما كان يطرح على الإمام، أي على عينه و اذنه و حواسّه الظاهريّة، فتقوم حواسّه على الفور بالاستعلام من مِثال الإمام، فيُخبر مثاله- بسعته و رحابته تلك- عن نفس الإمام، و تُخبر نفسه عن المُلك و الملكوت في طرفة عين. تماماً كما نجد نحن أيضاً في مكالماتنا و مذاكرتنا الاعتياديّة اليوميّة بواسطة الجسم و الحواسّ أنّ هناك ارتباطاً بين أحدها و الآخر، حيث تقوم حواسّنا بالاكتساب من مثالنا و ذهننا باتّصال برقي، كما يكتسب ذهننا من نفسنا.

  • فالعين و الاذن و اللسان هي آلات يستخدمها ذهننا، و الذهن هو

معرفة المعاد ج٤

203
  • الصفحة المرسومة أمام أنظار نفسنا. و هكذا تقوم العين بإرسال إبصارها إلى الذهن، فيقوم الذهن بإيصال حقيقته و واقعه- دون صورة- إلى النفس. و على العكس فإنّ النفس تُنزل المطالب الكلّيّة إلى الذهن و تجعلها في قوالب معيّنة، فيقوم الذهن بعكسها إلى الخارج عن طريق العين.

  • و الأمر على هذا النحو الذي ذكرناه في نفس الإمام المقدّسة التي هي نفسه الكلّيّة، و في برزخه أي المثال الكلّيّ. فهما في الحقيقة القضاء و القدر الكلّيّ الإلهيّ. بل إنّ الأمر أسمى من ذلك و أجلّ، و أدقّ إحاطةً وسعة، و أعجب و أوسع و أكثر شمولًا.

  • على أنّ الارتقاء إلى هذا المقام يستلزم السعة و الكلّيّة و نسيان الجزئيّة، كما أنّ الارتقاء إلى القيامة من قبل البشر العاديّين يستلزم رفض العلاقات الاعتباريّة و الروابط الجزئيّة المنتمية إلى هذا العالم.

  • فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَ لا يَتَساءَلُونَ.1

  • فإذا بُدّل هذا العالم، تبدّلت معه ارتباطاته التي هي من شئونه؛ أمّا ذلك العالم فله شئون اخرى. ذلك العالم عالم الحقيقة لا الاعتبار، و عالم الواقعيّة الذي لا روابط فيه على أساس المادّة و الطبع.

  • و سيجتمع هناك الأفراد الذين يرتبطون ببعضهم من جهة المعنى و الواقعيّة و وشائج النفوس الروحانيّة، و لو كانوا غُرباء عن بعضهم بلحاظ المادّة و الطبع، أو بلحاظ الروابط الاعتباريّة.

  • إن الحقّ و الباطل ممتزجان في هذا العالم، و الروابط و العلاقات قائمة فيه على أساس استجلاب المنافع المادّيّة و الاعتباريّة؛ أمّا في ذلك العالم فالحقّ منفصل عن الباطل متميّز عنه، و الروابط قائمة على ميزان قرب

    1. الآية 101، من السورة 23: المؤمنون.

معرفة المعاد ج٤

204
  • النفوس و بُعدها عن بعضها.

  • في هذه الدنيا يحترم الكبار دفعاً للضرر و للنوايا المختلفة الاخرى التي تعود نتائجها على الإنسان في هذا العالم، أمّا هناك فلا كبير و لا عظيم، عالمٌ يفرّ الإنسان فيه من أبيه و ابنه، إذ لا تدع له محنه و ابتلاءاته مجالًا و لا احتمالًا للالتقاء بالآخرين.

  • فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ، يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، وَ أُمِّهِ وَ أَبِيهِ، وَ صاحِبَتِهِ وَ بَنِيهِ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ.1

  • فمن كان هناك أعرف بالله و برسوله كان نسبه أشرف. و لدينا في الروايات أنّ إمام العصر عجّل الله فرجه الشريف حين يظهر فإنّ الناس لن يتوارثون على أساس القرابة و الرحم، بل يتوارثون- كما فعلوا في صدر الإسلام- على أساس القرابة المعنويّة و الاخوّة الدينيّة. مع أننا قلنا إنّ ظهور إمام العصر مرتبة أدنى من الرجعة، و الرجعة أدنى من القيامة. لذا فإنّ أي قرابة و رحم سوف لن تنفع الإنسان يوم القيامة أو تُعينه بأيّ وجه.

  • ولاء غير المتّقين لبعضهم سيتبدّل يوم القيامة الى عداء و خصومة

  • الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ.2

  • إن الصداقات التي تربط بين الناس في هذه الدنيا على غير ميزان الله و قُربه و محبّته، باعتبار عدم قيامها على أساس الحقّ، فإنّها ستتبدّل إلى عداء في ذلك العالم، عالم بروز و ظهور الحقائق، و تظهر على هيئة نفور و خصومة، أمّا العلاقات و الروابط التي تربط بين الناس على أساس ميزان الحقّ و القربة من الله تعالى، فتتجسّد في ذلك العالم أيضاً في هيئة مودّة و صداقة و خلّة.

    1. الآيات 33 إلى 37، من السورة 80: عبس.
    2. الآية 67، من السورة 43: الزخرف.

معرفة المعاد ج٤

205
  • و لو نوقشت الصداقات بين أهل الدنيا، للوحظ أنها قائمة على محور العهود و المواثيق و الامور الاعتباريّة الاخرى، أو على أساس القرابة و الرحم و اتّحاد الدم. و لأنّ جميع هذه الامور هي لتسكين الخاطر و استجلاب النفع الدنيويّ، فإنّها لن تبقى أبعد من حافّة الموت و حدّه، و لن تقاوم أكثر من ذلك و أبعد منه.

  • فالمرء يربّي ابنه ليستعين به عند هرمه و كبره، و يحترم السيّد ليستفيد منه، و يحبّ ولده ليطيعه و ينفّذ أوامره. أمّا لو كبر ولده و تمرّد عليه، و لو لم يعِنْه عند شيخوخته؛ و لو سلّم اليوم على أحد فلم يجبه؛ و لو لم تكن الزوجة بمستوى ما يتوقّع زوجها؛ و لو لم يلبِّ الزوج امنيات زوجته؛ أ فكانت المحبّة و المودّة ستصمد في هذه الحال و تبقى، أم أنها ستتحوّل إلى ساحة تشتعل فيها نيران العداء و الانفصال؟

  • إن جميع صداقات أهل الدنيا لو جرى مناقشتها و الفحص عن جذورها و عللها و أسباب نشوئها، و عن علل تصرّمها و فقدانها، لاتضح أنها قائمة بأجمعها- عدا المودّة التي تربط بين أولياء الله و المتّقين- على أساس الشهوة و الغضب و عبادة المال و النفس، و على أساس اللذائذ المادّيّة في الجنس و الأكل و حبّ الجاه و الرئاسة و سائر الامور الاعتباريّة الوهميّة.

  • و حين تقوم القيامة، فينهار هذا الأساس و يقلب رأساً على عقب: وَ إِلَيْهِ تُقْلَبُونَ.1

  • فإنّ هذه الصداقات تتبدّل إلى عداوة، و إذا ما التقى يوم الجزاء الأصدقاءُ الذين تعاقدوا و تآخوا من فرط المحبّة و المودّة، فإنّهم سينهالون ضرباً على رؤوس بعضهم البعض و يصرخون من أعماقهم في وجوه بعضهم:

    1. عجز الآية 21، من السورة 29: العنكبوت.

معرفة المعاد ج٤

206
  • اغرب عنّي! ينهال الأب بقبضة يده على امّ رأس ابنه، و الولد على رأس أبيه؛ و الأمر كذلك بين الزوج و الزوجة، و بين الشريكين، و بين السائق و الراكب، و بين العبد و المولى.

  • أمّا المتّقون و أخلّاء الإيمان، فهم يودّون بعضهم دون أن يتوقّعوا من بعضهم أي شيء، و يسعون في قضاء حوائج أحدهم الآخر دون ترقّب مكافأة، و يجلسون متقاربين في مجالس الصلاة و المساجد و مجالس الذكر فيذكرون الله تعالى دون انتظار شيء. و يجتمعون فيما بينهم فلا يكون اجتماعهم شيطانيّاً؛ و يبنون مسجداً للإيمان و التقوى، لا مسجدَ ضرار.

  • لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا.1

  • و هكذا يجتمع في مثل هذه المساجد أولياء الله و أحبّاؤه، فيتطلعون إلى بعضهم، و يتبادلون الامور المعنويّة، و الحقائق و المعارف في محبّة و إخلاص لا يقوى على نقض اسّها شيء فهي خالدة دائمة- باعتبار خلوصها للّه تعالى- لا ينقضي زمنها و لا تنقرض مدّتها إثر انقضاء الدنيا و زوالها. خلافاً للصداقات الدنيويّة التي ختامها أوّل مرحلة الموت، حيث يخاطب أصحابها ملائكة قبض الأرواح عند احتضارهم:

  • لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَ ضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ.2

  • طلب ابن ملجم من أمير المؤمنين أن يحمله على فرس

  • و لقد كان ابن ملجم المراديّ يقسم إنّه يحبّ أمير المؤمنين و يودّه، و كان المسكين يكذب، فقد كان يحبّه من أجل العطاء و الصلات التي كانت تصله من الإمام، و يحبّه من أجل الفَرَس ذي اللون الجميل الذي أعطاه إيّاه و كان يودّ أن يُزاد عطاؤه من بيت المال.

    1. مقطع من الآية 108، من السورة 9: التوبة.
    2. مقطع من الآية 94، من السورة 6: الأنعام.

معرفة المعاد ج٤

207
  • جاء في «إرشاد المفيد» أنه روي جعفر بن سليمان الضبعيّ، عن المعلّى

  • بن زياد، قال:

  • جَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْن مُلْجَم لَعَنَهُ اللهُ إلَى أمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَسْتَحْمِلُهُ، فَقَالَ: يَا أمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ احْمِلْنِي! فَنَظَرَ إلَيْهِ أمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ثُمَ قالَ لَهُ: أنْتَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُلْجَمِ الْمُرَادِيّ؟

  • قَالَ: نَعَمْ!

  • ثُمَّ قَالَ: أنْتَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُلْجَمِ الْمُرَادِيّ؟

  • قَالَ: نَعَمْ!

  • قَالَ: يا غَزْوَانُ1 احْمِلْهُ على الأشْقَرِ! فَجَاءَ بِفَرَسٍ أشْقَر فَرَكَبَهُ ابْنُ مُلْجَم لَعَنَهُ اللهُ، وَ أخَذَ بِعِنَانِهِ، فَلَمَّا وَلَّى، قَالَ أمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيهِ السَّلَامُ:

  • ارِيدُ حِبَاءَهُ وَ يُرِيدُ قَتْلِي

  • عَذِيرَكَ مِنْ خَلِيلِكَ مِن مُرَادِ2 و ورد في «مناقب ابن شهرآشوب» أنهُ جَاءَ لِيُبَايِعَهُ فَرَدَّهُ مَرَّتَينِ أوْ ثَلَاثاً، فَبَايَعَهُ وَ تَوَثَّقَ مِنْهُ ألَّا يَغْدِرَ وَ لَا يَنْكُثَ؛ فَقَالَ: وَ اللهِ مَا رَأيْتُكَ تَفْعَلُ هَذَا بِغَيْرِي! فَقَالَ: يَا غَزوَانُ؛ احْمِلْهُ على الأشْقَرِ، فَأرْكَبَهُ، فَتَمَثَّلَ أمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلَامُ:

  • ارِيدُ حَيَاتَهُ وَ يُرِيدُ قَتلِي

  • عَذِيرَكَ مِنْ خَلِيلِكَ مِنْ مُرَادِ امْضِ يَا بْنَ مُلْجَم فَوَ اللهِ مَا أرَى تَفي بِمَا قُلْتَ!3 و نقل المجلسيّ في «بحار الأنوار» عن كتاب «تذكرة خواصّ الامّة»

    1. غزوان اسم مأمور الإمام.
    2. «الإرشاد» للمفيد، ص 7.
    3. «مناقب ابن شهرآشوب» ج 2، ص 78.

معرفة المعاد ج٤

208
  • قال: قال ابن سعد في «الطبقات»:

  • إن أمِيرَ الْمُؤْمِنينَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا جَاءَ ابْنُ مُلْجَم وَ طَلَبَ مِنْهُ الْبَيْعَةَ، طَلَبَ مِنْه فَرَساً أشْقَرَ فَحَمَلَهُ عَلَيْهِ، فَرَكَبَهُ فَأنْشَدَ أمِيرُ الْمُؤمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ارِيدُ حَيَاتَهُ ...1

  • لكن ما وجده الحقير في «الطبقات» كان تمثّل الإمام بذلك البيت فقط، و لم يذكر طلب ابن ملجم من الإمام الفرس الأشقر.2

  • لقد كان ابن ملجم يدّعي مودّته لأمير المؤمنين، و كان يكذب في ادّعائه، فلقد اتّضح حين امتُحن بقطام فعشقها أنّ تلك المودّة كانت صوريّة و أنه قد ارتكب مثل هذه الجناية لنيل هدفه الشهويّ.

  • أمّا من له ولاء و مودّة حقيقية، فلو قُطّع إرباً إرباً لما كفّ عن مودّته، إذ عِنْدَ الامْتِحَانِ يُكْرَمُ الرَّجُلُ أوْ يُهَانُ.

  • لقد كان أمير المؤمنين يخاطب بعض صحابة رسول الله الأجلّاء بلفظ «إخواني» مع أنهم لم يمتّوا إليه بصلة قرابة أو رحم. فقد قال في خطبته:

  • أيْنَ إخْوانِي الَّذِينَ رَكِبُوا الطَّرِيقَ وَ مَضَوْا على الْحَقِّ؟3

  • أيْنَ عَمَّارُ وَ أيْنَ ابْنُ التَّيِّهَانِ وَ أيْنَ ذُو الشَّهَادَتَيْنِ؟

  • فكان عليه السلام يخاطب هؤلاء المؤمنين الراسخين بلفظ «إخواني» و يخاطب عمّاراً بلفظ «أخي».

  • و لعمّار تأريخ عجيب في الإسلام، تأريخ طافح بأجمعه بالفهم و الدراية و الإيمان و الإيثار. و كان عاشقاً لرسول الله متيّماً به. و لقد عمل مع رسول الله في تشييد المسجد بالمدينة، فكان رسول الله و كلّ واحد من

    1. «بحار الأنوار» ج 9، ص 647.
    2. «الطبقات» لابن سعد، ج 3، ص 34.
    3. «نهج البلاغة» الخطبة 180، طبعة محمّد عبده- مصر، ص 344.

معرفة المعاد ج٤

209
  • الصحابة ينقلون حصّة من اللبن و الطين، فتقبّل عمّار حمل حصّة رسول الله فكان هذا الشيخ الذي شارف الستّين1 يعمل بشوق و لهفة بحيث كان عبرةً للآخرين، و كان رسول الله يمسح الغبار عن وجه عمّار بيده و كمّه المبارك و يقول:

  • وَيْحَ عَمَّارُ تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ!

  • و قال: يَا عَمَّارُ! إنَّكَ أخُو عَلِيِّ بْنِ أبِي طَالِبٍ وَصِيِّي.

  • و قد استشهد عمّار في صفّين في ركاب أمير المؤمنين عليه السلام على أيدي الطغاة: معاوية و أتباعه.

  • و لقد قال رسول الله صلّى الله عليه و آله: كُلُّ سَبَبٍ وَ نَسَبٍ مُنْقَطِعٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَّا سَبَبِي وَ نَسَبِي.2 و3

    1. كان عمر عمّار عند استشهاده أربعاً و تسعين سنة، لذا فإنّ عمره عند رحيل رسول الله ستٌّ و ستّين سنة، و عند بناء المسجد أوائل الهجرة ما يقارب الستّين سنة.
    2. يروي السيوطي هذا الحديث في« الجامع الصغير» ج 2، ص 93، عن الطبرانيّ في« الجامع الكبير» و الحاكم في« المستدرك»، و عن البيهقيّ في« السنن» عن عمر؛ كما يرويه أيضاً عن الطبراني في« الجامع الكبير» عن ابن عبّاس و عن المسوّر. و يقول: هذا حديث صحيح.
    3. يقول في تفسير« مجمع البيان» ذيل آية: فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ: و قال النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم: كُلُّ حَسَبٍ وَ نَسَبٍ مُنْقَطِعٌ يَوْمَ الْقِيامَةِ إلَّا حَسَبِي وَ نَسَبِي.( المجلّد الرابع، ص 119).