/ ۲۵۲

معرفة المعاد ج۱۰

1

معرفة المعاد ج۱۰

3
  •  

  •  

  • المَجْلِسُ السَّابِعُ وَ السِّتُّونَ: في الأعْرَافِ وَ أصْحابِ الأعْرَافِ

  •  

  •  

معرفة المعاد ج۱۰

4
  •  

  •  

  • بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

  • الحمد للّه ربّ العالمين و لا حول و لا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم

  • و صلَّى الله على محمّد و آله الطاهرين

  • و لعنة الله على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين

  • قال الله الحكيم في كتابه الكريم:

  •  

  •  

  • وَ بَيْنَهُما حِجابٌ وَ عَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ وَ نادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَ هُمْ يَطْمَعُونَ.1

  • تشير هذه الآية الكريمة إلى موقف الأعراف و إلى أصحاب الأعراف الذين يقفون في عرصات القيامة بين الجنّة و النار، فيهيمنون عليهما معاً، و يفصلون بين السعداء و الأشقياء.

  • و بما أنّ وقوع الآية في سياق آيات تتحدّث عن طبيعة تخاطب أصحاب الجنّة و أصحاب النار، و تتعرّض لذكر منزلة أصحاب الأعراف، فمن الضروريّ أن نتعرّض أوّلًا لذكر تلك الآيات، ثمّ نعرّج للبحث في جوانبها المختلفة.

  • تفسير إجماليّ لآيات الاعراف

  • أمّا الآيات، فقد وردت على النحو التالي:

  • وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ.

    1. الآية 46، من السورة 7: الأعراف.

معرفة المعاد ج۱۰

5
  • الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَ ما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ وَ نُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.

  • وَ نادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ، الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَ يَبْغُونَها عِوَجاً وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ.

  • وَ بَيْنَهُما (بين أصحاب الجنّة و أصحاب النار) حِجابٌ وَ عَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا (من أصحاب الجنّة و أصحاب النار) بِسِيماهُمْ وَ نادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَ هُمْ يَطْمَعُونَ، وَ إِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ.

  • وَ نادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَ ما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ، أَ هؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ (كيف شملتهم رحمته، فسكنوا الجِنان؟ ثمّ يخاطب أصحاب الأعراف أصحاب الجنّة فيقولون لهم:) ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَ لا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ.

  • وَ نادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ، الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَ لَعِباً وَ غَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا وَ ما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ.1

  • و قد لاحظنا في هذه الآيات التي وردت في ذكر الأعراف أنّ لفظ

    1. الآيات 42 إلى 51، من السورة 7: الأعراف.

معرفة المعاد ج۱۰

6
  • الأعراف قد ورد في موضعين فقط، و أنّ أصحاب الأعراف و رجال الأعراف- الذين تكرّر ذكرهم في عدّة مواضع على هيئة ضمائر- قد انحصر ذكرهم في هذه الآيات دون غيرها.

  • و من خلال التأمّل في دقائق هذه الآيات يستفاد أنّ الأعراف يمثّل فاصلًا و حجاباً يفصل بين أصحاب الجنّة و أصحاب النار، و أنّ هذا الحجاب ذو درجات و مراتب تتربّع على قمّتها النفوس القدسيّة المهيمنة على الجنّة و النار، فتعرف أصحاب الجنّة و أصحاب النار كلًّا بسيماهم.

  • و لقد ارتقت تلك النفوس في مراتب الخُلوص و القُرب، و خطت في الافق العالي بحيث هيمنت على طائفتي أصحاب الجنّة و أصحاب النار، و أشرفت على الجنّة و النار و أخضعتهما لدائرة نفوذها و هيمنتها. فأصحاب تلكم النفوس هم الذين يقولون لأصحاب الجنّة ادْخُلُوا الْجَنَّةَ؛ و هم الذين يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ، و منهم المؤذّن في قوله: فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ؛ و هم الفاعل في خطاب: وَ نُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ. و هم الذين يتلقّون أصحاب الجنّة و يبشّرونهم بالخلود، و الذين يؤاخذون أصحاب النار و يناقشونهم الحساب و يقولون لهم: ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَ ما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ؛ و يقولون لهم: أَ هؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ.

  • و هناك طائفة من الناس تقف في الدرجات السفلى من الأعراف، و هم شيعة تلك النفوس القدسيّة المخلَصة و أتباعها، و هم محسوبون من طائفة تلك النفوس، كما يعدّ جيش السلطان جزء حكومته، إلّا أنّ اولئكم الشيعة و الأتباع لم يدخلوا الجنّة مباشرة بسبب الأخطاء و الذنوب التي بدرت منهم. و تقف هذه الطائفة بين الجنّة و النار مترقبة لفيض الرحمة و الشفاعة، و تنتظر نيل جواز العبور على الصراط، على أمل هطول الرحمة

معرفة المعاد ج۱۰

7
  • و نزول الفيض وصولًا إلى دخولهم الجنّة.

  • و أفراد هذه الطائفة هم الذين يسلّمون على من سبقهم إلى الجنّة فيقولون: سَلامٌ عَلَيْكُمْ؛ و هم الذين إذا ما صُرفت أبصارهم تلقاء الظالمين من أصحاب النار، قالوا: رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ.

  • و قد سبق أن برهنّا في موارد عديدة- من دورة العلوم و المعارف الإسلاميّة، ما كان منها في «معرفة الإمام» أم «معرفة المعاد»- على أنّ عباد الحقّ المخلَصين لا يحضرون في الحشر للسؤال و الحساب:

  • فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ، إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ.1

  • و أنّ مقامهم هو المقام الأعلى و الأسنى و الأشرف، و أنّ حساب الامم عليهم و في أيديهم. و ما دام اولئكم هم الفائزون بمقام الفناء في الله، و النائلون لمقام البَقَاءِ بَعْدَ الفَنَاء و منزلة جَمْعِ الجَمْعِ، فهم- إذاً- أعلى من الجنّة و النار، و هم الواقفون في مرتبة الحجاب الأقرب، و المهيمنون على كلا الفريقين، و المتطلّعون إليهم من الافق الأعلى؛ يعرفون كلًّا بسيماهم، و يعيّنون لكلٍّ مقامه و درجته.

  • تفسير تفصيليّ لآية الاعراف

  • هذا هو إجمال ما استفدناه من آيات الأعراف، و نشرع الآن بِحَوْلِ اللهِ وَ قُوَّتِهِ في البحث القرآنيّ الدقيق من خلال تفسير الآية بالآية، مستشهدين خلال ذلك بنماذج من الروايات الواردة عن أهل بيت العصمة التي تدعم هذه الحقيقة و تؤيّدها، وَ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ العليّ العَظِيمِ.

  • وَ بَيْنَهُما حِجابٌ وَ عَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ.

  • يطلق لفظ الأعراف على أعالي السور، كما يُطلق على التلال الرمليّة الصحراويّة التي تتشكّل من خلال عصف الرياح و هبوبها. و نظراً لورود

    1. الآيتان 127 و 128، من السورة 37: الصافّات.

معرفة المعاد ج۱۰

8
  • كلمة الأعراف في هذه الآية بعد كلمة: حجاب، فيحتمل أن يكون المعنى الأوّل للأعراف هو المراد، إلّا أنّ وجود رجال على الأعراف ممّا يدعم المعنى الثاني و يقوّيه. بَيدَ أنّه ليس ثمّة منافاة بين هذين المعنيين في الآية المباركة، لأنّ معنى الحجاب هو: مَا يَحْجُبُ شَيئاً عَنْ شَيْءٍ. و لذا يمكن القول: إنّ لهؤلاء الرجال الواقفين على الأعراف مقام رفيع يجعلهم يهيمنون على أصحاب الجنّة و على أصحاب النار و يطلّعون على مقامَي الجنّة و النار معاً.

  • و لذا، فقد كَانُوا على الأعْرَافِ ليعرفوا كلًّا بسيماهم، لأنّ الاشتقاق اللغويّ للأعراف من عَرَفَ يَعْرِفُ مَعْرِفَةً وَ عِرْفَاناً.

  • و قد وصف الله تعالى الأعراف في القرآن الكريم- في الآية 13، من السورة 57: الحديد- بصفة سور، و عبّر عن تخاطب أصحاب الجنّة و أصحاب النار بتحاور المنافقين و المنافقات مع المؤمنين و المؤمنات؛ و هو- كما نرى- يمثّل بيان أمر واحد و حقيقة واحدة بعنوانينِ و تعبيرينِ.

  • يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَ الْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَ ظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ.1

  • و قد ورد في ذيل آية الأعراف: وَ نادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ.

  • و نلحظ من خلال مقارنة الآية الواقعة في سورة الأعراف مع نظيرتها في سورة الحديد أنّ مقولة المنافقين: انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ و مقولة

    1. الآية 13، من السورة 57: الحديد.

معرفة المعاد ج۱۰

9
  • المؤمنين في جوابهم: قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً هما نفس مقولة أصحاب النار لأصحاب الجنّة بحقيقتها، و الجواب الذي يسمعونه منهم: أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ.

  • الحجاب و السور بين أصحاب الجنّة و أصحاب النار هما شيء واحد

  • و من هنا، فإنّ السور الذي ضُرب بين المنافقين و المؤمنين هو نفس الحجاب و الأعراف الفاصل بين أصحاب الجنّة و أصحاب النار، و إنّ ما ورد في آية سورة الحديد من جعل المنافقين وراء باب هذه السور عائد إلى اشتراك أمرهم مع المؤمنين في الظاهر، نظراً لكونهم منافقين يُبطنون الكفر. لذا، فإنّ باب هذا السور الذي باطنه و حقيقته الإيمان سيمثّل الرحمة، أمّا ظاهره فيجسّد العذاب. و سوف لن ينتفع المنافقون- الذين لا يعلمون عن الحقيقة شيئاً- من باطن الباب الذي يمثّل الرحمة، و ستنحصر استفادتهم بظاهر الإسلام الذي تلبّسوا به في الدنيا، ذلك الظاهر الذي يتجلّى في المحشر في هيئة العذاب.

  • و حاصل المعنى هو أنّ السور و الحجاب هما شيء واحد، إلّا أنّه ذو وجهينِ: ظاهريّ و باطنيّ. أمّا ظاهره فالعذاب؛ و أمّا باطنه فالرحمة.

  • و سيحظى الذين أدركوا باطنه بالفوز بعاقبة الإيمان و الحقيقة؛ أمّا الذين اكتفوا بظاهره و لم يعلموا عن باطنه شيئاً، فلن ينتفعوا من حقيقة الإيمان و العقيدة الطاهرة، لأنّهم ما آمنوا إلّا حفظاً لمصالحهم الشخصيّة لا غير، و هؤلاء هم الذين سيرزحون في العذاب أمام ظاهر هذا السور و هذا الباب.

  • و لو اخترقت أنظار هذه الطائفة الظاهر إلى الباطن، لبلغوا النعيم الإلهيّ و لشملتهم رحمة الحقّ تعالى، لكنّهم قنعوا بظاهر السور، فحُرِموا من الاستفادة من باطنه.

  • فالسور و الحجاب شيء واحد إذاً، و له ظاهر و باطن، و الاختلاف إنّما

معرفة المعاد ج۱۰

10
  • يكمن في إدراك المؤمنين و الكافرين و فهمهم له؛ كحالهم في دار الدنيا تماماً، حيث كان الطريق الذي ينبغي عليهم طيّه إلى الله تعالى واحداً، فطواه المؤمنون باستقامة، فصاروا يخطون في الصراط المستقيم؛ أمّا الكفّار فقد انحرفوا في طيّه عن سواء السبيل. لقد كانوا سواء، فاختلفوا في استقامة النفوس و انحرافها، و في الإرادة الحسنة و الاختيار الحسن، و الإرادة السيّئة و الاختيار السيّئ.

  • و نرى أنّه ورد في الآية: يُنادُونَهُمْ أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قالُوا بَلى وَ لكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَ تَرَبَّصْتُمْ وَ ارْتَبْتُمْ وَ غَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَ غَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ،1 (للدلالة على) أنّ المنافقين قد شاركوا المؤمنين في دار الدنيا في جميع الجوانب الطبيعيّة و المزايا المادّيّة، حيث كانوا يعيشون على أرض واحدة و ينحدرون من نفس الأبوين و العشيرة، و يتناولون طعاماً واحداً، و يُنجزون نفس الأعمال و يتمتعون بنفس العمر؛ فليس ثمّة تمايز فيما بينهم من الناحية الطبيعيّة إذاً؛ أمّا في النوايا و الأهداف و الأخلاق و الدوافع المعنويّة فهم مختلفون تماماً، فاستدعى ذلك سَوْق الكفّار إلى جهنّم، و هدي المؤمنين إلى الجنّة.

  • الطريق إلى الله واحد، لكنّ البعض يطويه باستقامة و البعض الآخر بانحراف

  • فالصراط واحد، و هو الطريق الذي يتوجّب على الإنسان طيّه تجاه الله تعالى. أمّا المؤمنون فيطوون الصراط المستقيم، لكنّ الكافرين و المنافقين و المسيئين إنّما يسلكون الصراط المنحرف المعوجّ.

  • و قد ورد قبل آية الأعراف، قوله تعالى:

  • وَ نادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ

    1. الآية 14، من السورة 57: الحديد.

معرفة المعاد ج۱۰

11
  • عَلَى الظَّالِمِينَ، الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَ يَبْغُونَها عِوَجاً وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ.

  • الطريق إلى الله واحد، لكنّ البعض يسلكه باستقامة و صدق، بينما البعض الآخر يسلكه بانحراف و زيغ، و هو بذاته الحقيقة الواحدة لسور الأعراف و حجابه، حيث يلتفت البعض إلى باطن السور الذي يمثّل الرحمة، و يلتفت البعض الآخر إلى الظاهر الذي يجسّد النقمة و النكبة.

  • و قد تكرّر هذا المطلب في القرآن الكريم تصريحاً و تلميحاً، كقوله تعالى:

  • يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَ هُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ.1 حيث يتّضح- بقرينة المقابلة التي جعلت الآخرة مقابل ظاهر الحياة الدنيا- أنّ المقصود بالآخرة هو باطن الحياة الدنيا. فهناك حياة واحدة لا غير، و هي حياة ذات ظاهر و باطن؛ و فظاهرها هذه الحياة البهيميّة، أي حياة الشهوة و الوهم و الغفلة عن المقرّ الأبديّ و عن الحياة الإنسانيّة الأبديّة المعنويّة، أمّا باطنها فهو الحياة الإنسانيّة المعنويّة و الروحيّة و العقليّة المتلازمة مع الوعي، بَيدَ أنّ هاتين الصورتين اللتين تعكسان جانبي هذه الحياة الواحدة ستتجلّيان بعد الموت.

  • و كقوله تعالى: أَ وَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَ أَجَلٍ مُسَمًّى وَ إِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ.2

  • أي أنّهم لو تأمّلوا بنظر الحقّ في خلق السماوات و الأرض، و لاحظوه

    1. الآية 7، من السورة 30: الروم.
    2. الآية 8، من السورة 30: الروم.

معرفة المعاد ج۱۰

12
  • مع الحقّ و الأجل المسمّى، لجُسّد لهم الصراط الفكريّ المستقيم الراسخ.

  • أمّا لو تطلّعوا إليه بنظر الباطل المقترن بإنكار لقاء الله، لمُثّل لهم سبيل الانحراف الفكريّ.

  • و كقوله تعالى: وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَ وَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ.1

  • السبيل إلى الله تعالى واحد، أمّا الكافر فيرى السراب ماءً، و أمّا المؤمن فيرى الماء على حقيقته؛ ثمّ يسير الكافر و المؤمن إلى غايتيهما، فيبقى الأوّل ظمآناً و يُجزى على غفلته و وهمه، و ينهل الثاني ريّاً رويّاً.

  • العيش على أمل لقاء الله تعالى سعادة، و بدون ذلك الامل جحيم

  • و كقوله تعالى: فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَ لَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا، ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى.2

  • و هو قول صريح في أنّ العيش في دار الدنيا إذا اقترن بقصر الهمّة على البهيميّة و المراتب المتنزّلة من العيش و المعاشرة، كان عين الضلال و الإعراض عن ذكر الله تعالى، أمّا لو اقترن بجعل لقاء الله هدفاً و مقصداً، و بالتعالي عن هذه المراتب المتدنّية، كان عين الاهتداء.

  • و كقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَ رَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَ اطْمَأَنُّوا بِها وَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ، أُولئِكَ مَأْواهُمُ النَّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ.3

    1. الآية 39، من السورة 24: النور.
    2. الآيتان 29 و 30، من السورة 53: النجم.
    3. الآيتان 7 و 8، من السورة 10: يونس.

معرفة المعاد ج۱۰

13
  • الذي يبيّن أنّ الركون إلى ظاهر الحياة الدنيا و الاكتفاء بها دون رجاء لقاء الله، إنّما هو ركون إلى النار. و في المقابل فإنّ العيش المقترن برجاء لقاء الله، و عدم الاعتماد على امور الدنيا الزائلة، و الالتفات إلى آيات الله و درايتها، هو السعادة و الجنّة.

  • و الآيات الواردة في هذا الشأن كثيرة، لكنّ الآية التالية أكثر صراحة من غيرها:

  • أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ، جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَ بِئْسَ الْقَرارُ.1

  • و قد ذكرنا سابقاً أنّ المراد من النعمة هنا الولاية. و الولاية هي السبيل إلى الله تعالى. و يقابلها الكفر، و هو إغلاق طريق العبوديّة.

  • و من هنا، فإنّ البوار و الهلاك هما غاية و نهاية سير مثل هؤلاء الأفراد الجامدين على الظاهر و المعرضين عن الباطن، لأنّ مصير الظاهر إلى الفناء و الفساد، أمّا الباطن فيمتاز بالثبوت و الرسوخ و الخلود.

  • كما يقول تعالى: وَ بَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ.2

  • ويقول: في مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ.3

  • و يقول: لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَ لا تَأْثِيماً.4

  • و يقول: لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَ لا كِذَّاباً.5

  • و من هنا، فإنّ غاية المؤمنين تتمثّل في مقعد الصدق و الحقّ، حيث

    1. الآيتان 28 و 29، من السورة 14: إبراهيم.
    2. الآية 2، من السورة 10: يونس.
    3. الآية 55، من السورة 54: القمر.
    4. الآية 25، من السورة 56: الواقعة.
    5. الآية 35، من السورة 78: النبأ.

معرفة المعاد ج۱۰

14
  • لا لغو و لا كذب و لا باطل، خلافاً لغير المؤمنين.

  • و إجمالًا، فإنّ أصحاب مقامات الأعراف العالية هم المهيمنون على الجنّة و النار و المتصرّفون في السعداء و الأشقياء.

  • و باعتبار علمنا بعدم مشابهة تلكم التلال للتلال الرمليّة الطبيعيّة، لأنّ الأرض لن تكون يومذاك على هيئتها الحاليّة، بل ستكون أرضاً لا ارتفاع فيها: وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً، فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً، لا تَرى فِيها عِوَجاً وَ لا أَمْتاً.1 فيكون المراد بأصحاب الأعراف، أصحاب المنزلة الرفيعة قياساً إلى أهل المحشر الذين هم أهل الجمع.

  • و أصحاب الأعراف ليسوا من المُحضرين، لأنّهم من المخلَصين الذين آمنهم الله من الصعق و نفخ الصور و من فزع ذلك اليوم. أمّا مقامهم فالحجاب الذي ينطوي على رحمة وسعت كلّ شيء و هيمنت على النار المستولية على أهلها و يمكن استيحاء هذا المعنى من قوله تعالى: فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ؛ و ذلك أنّه لم يقل فَأذَّنَ بَيْنَهُمْ مُؤَذِّنٌ، لأنّ الظاهر في العبارة الاولى عدم كون المؤذّن منهم، بل هو مسيطر عليهم. خلافاً للعبارة الثانية الظاهرة في أنّ المؤذّن منهم.

  • صفات أصحاب الاعراف و خصائصهم النفسانيّة

  • و أصحاب الأعراف هم الحاكمون يوم القيامة على الجنّة و النار معاً، و هم الذين يُحاسبون أصحاب النار و يؤاخذونهم؛ و آية الأعراف صريحة في هذا الأمر: وَ نادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَ ما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ، أَ هؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ.

  • ثمّ يوجّه أصحاب الأعراف أمرهم لأصحاب الجنّة أنّ: ادْخُلُوا

    1. الآيات 105 إلى 107، من السورة 20: طه.

معرفة المعاد ج۱۰

15
  • الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَ لا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ.

  • و أصحاب الأعراف هم أصحاب الروح الذين يؤذن لهم و للملائكة في الكلام يوم القيامة، فيتكلّمون بالصواب.

  • يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَ الْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَ قالَ صَواباً.1

  • لأنّهم اكتسبوا الإيمان و العلم بالكتاب من خلال وحي الروح الذي هو موجود أفضل من جميع الملائكة.

  • وَ كَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَ لَا الْإِيمانُ.2

  • و هم الذين يحكمون يوم القيامة بخسران الذين خسروا أنفسهم و أهليهم: وَ تَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَ قالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَ أَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ.3

  • و على الرغم من أنّ ظاهر الآية هو أنّ المؤمنين هم الذين يحكمون بهذا الحكم بعنوان قضاء و حكومة، إلّا أنّ هذا الأمر مختصّ بالمتّصفين بصفات أصحاب الأعراف، حيث يعدّ هذا الحكم من جملة وظائفهم.

  • و أصحاب الأعراف هم الذين اعطوا العلم و الإيمان، و هم الذين يجيبون على ادّعاء المجرمين بأنّهم لم يلبثوا غير ساعة، فيخاطبونهم: لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث:

    1. الآية 38، من السورة 78: النبأ.
    2. الآية 52، من السورة 42: الشورى.
    3. الآية 45، من السورة 42: الشورى.

معرفة المعاد ج۱۰

16
  • وَ يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ، وَ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَ الْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ وَ لكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ.1

  • لقد أخطأ المجرمون في ظنّهم، لأنّهم قيّدوا أنفسهم في الدنيا و قصروا أبصارهم و انتباههم على الساعات التي انهمكوا فيها بالأفكار الشيطانيّة و الهواجس النفسانيّة و اللذائذ الحيوانيّة البهيميّة، و لم يوسّعوا افق أفكارهم و أبصارهم أبعد من ذلك، بحيث يتطلّعون إلى ما قبل مجيئهم إلى الدنيا، و الى ما بعد رحيلهم عنها، ليدركوا- بحسب السيطرة على الزمان- هذا الأمد المتطاول و المدّة المديدة. فهم لم يشاهدوا إلّا الساعة الفعليّة التي سرعان ما تأتي و تمرّ، فصاروا يُقسِمون يوم الحشر أن: ما لبثنا في الدنيا غير ساعة.

  • أجل، لو قايسنا بين فترة الحياة الدنيويّة و بين الدهر، لكانت مدّة الدنيا ضئيلة و قليلة جدّاً، و لأمكن القول حقّاً بأنّها ليست أكثر من ساعة واحدة. إلّا أنّ اولئك المجرمين لم يقصدوا بمقولتهم هذه النسبة، و إلّا لصدق قولهم. و نرى أنّهم لم يقصدوا بقولهم هذا الأمر، لذا فقد عوتبوا على كلامهم، و عدّ قولهم بأنّهم لم يلبثوا غير ساعة إفكاً و كذباً.

  • لكن عمر الإنسان- كما سبق أن ذكرنا- و قياساً إلى امتداد الزمان و الدهر، لا يمثّل إلّا ساعة واحدة؛ قال تعالى: كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ.2

  • و قال تعالى: قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ، قالُوا لَبِثْنا يَوْماً

    1. الآيتان 55 و 56، من السورة 30: الروم.
    2. الآية 35، من السورة 46: الأحقاف.

معرفة المعاد ج۱۰

17
  • أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ، قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ.1

  • يقول عزّ و جلّ: لو أنكم اطلعتم على حياتكم الأبدية، لعلمتم أن مكثكم في الدنيا كان قليلا جدآ و لو استغرق سنين عديدة.

  • و على أيّة حال، فقد يكون خطاب أهل العلم و الإيمان للمجرمين:

  • لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ وَ لكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ. إشارة إلى قوله تعالى: وَ لَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ.2 و إشارة إلى الآية: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ.3

  • و قد أوردنا في بداية بحث «معرفة المعاد»- في المجلس الثاني من الجزء الأوّل- بحثاً في الأجل و الأجل المسمّى الواردينِ في الآية الكريمة:

  • ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَ أَجَلٍ مُسَمًّى، و اتّضح أنّ الأجل المسمّى هو أجل ثابت عند الله تعالى، و أنّه هو الجانب الملكوتيّ الثابت لهذا الأجل.

  • و من هنا، فإنّ أصحاب العلم و الإيمان (و هم أصحاب الأعراف) قد تحدّثوا في خطابهم للمجرمين عن ذلك الجانب الملكوتيّ و عن تعيين الأجل المسمّى، و أنّهم خاطبوهم: لمّا كان لبثكم و انقضاء ذلك اللبث أمرين مسلّمينِ، فهذا هو يوم البعث، لكنّكم كنتم لا تعلمون بهذا التحديد و هذا الأجل الملكوتيّ، و كنتم لا ترون الأجل المسمّى حاكماً على الأجل

    1. الآيات 112 إلى 114، من السورة 23: المؤمنون.
    2. الآية 14، من السورة 42: الشورى.
    3. الآية 2، من السورة 6: الأنعام.

معرفة المعاد ج۱۰

18
  • و محيطاً به، و لا تعلمون: إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ، و لا تعلمون: إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ؛ و لذلك فقد كنتم في جهل و غفلة؛ و ها قد علمتم أنّ هذا هو يوم القيامة، يوم البعث و الحشر.

  • و ينبغي أن لا ننسى القول بأنّ هذا الادّعاء الخاطئ من المجرمين بأنّهم لم يلبثوا غير ساعة، و ظهور بطلان هذا الادّعاء، و أمثال هذه الاختلافات الناجمة عن المخاصمات بين المستضعفين و المستكبرين، و المجادلات التي يذكر القرآن وقوعها بين الذين اتَّبَعوا و الذين اتُّبِعوا، و المشاجرات التي تنشب بينهم يوم القيامة حول المسائل الدنيويّة، فيحاول كلّ منهم التنصّل عن الذنب و رميه على عاتق غيره؛ كلّ ذلك لا يتنافى مع ما مرّ سابقاً من أنّ يوم القيامة هو يوم تجلّي الحقائق و إزالة الحجب و إظهار السرائر، لأنّ كشف الحقائق و تجلّيها بما لا يمكن إنكارها، إنّما يحصل بدرجات متفاوتة. فقد يحصل الكشف لدى البعض بصورة كاملة، بينما يحصل لدى البعض الآخر بصورة إجماليّة، و يوجد هذا الاختلاف في جميع شئون القيامة.

  • الروايات الدالّة على أنّ الاعراف هو موقف العارفين

  • و تنقسم الروايات الواردة في هذا الباب إلى عدّة أقسام بلحاظ المضمون و الموضوع:

  • الأوّل: الروايات الدالّة على أنّ لفظ الأعراف يتضمّن المعرفة و العرفان؛ و ربّما نشأ أساس هذا النوع من تعبير الآية القرآنيّة الكريمة:

  • وَ عَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ.

  • و قد عُدّ الوقوف على الأعراف في هذه الآية خاصّاً بمن يعرفون الناس بسيماهم، فيما لو أرجعنا الضمير «هُمْ» إلى «كُلًّا»؛ أو بالعلامات الموجودة في سيمائهم فيما لو أرجعنا الضمير «هُمْ» إلى «رِجَال».

  • و يمكن أن نقول بأن الضمير راجع الى «كلًّا» و الى «رجال» على حدٍّ

معرفة المعاد ج۱۰

19
  • سواء، إذ لا إشكال في ذلك من الناحية الأدبيّة، كما أنّه لا ضير في إرجاع الضمير إلى جامع بين شيئين مذكورين في عبارة.

  • جاء في «تفسير مجمع البيان»: و ذكر أنّ بكر بن عبد الله المزنيّ قال للحسن: بلغني أنّهم قوم استوت حسناتهم و سيّئاتهم. فضرب الحسن يده على فخذه و قال: هؤلاء قوم جعلهم الله على تعريف أهل الجنّة و النار، يميّزون بعضهم عن بعض. و الله لا أدري لعلّ بعضهم معنا في هذا البيت.

  • و قيل إنّ الأعراف موضع عالٍ على الصراط عليه حمزة و العبّاس و عليّ و جعفر يعرفون محبّيهم ببياض الوجوه و مُبغضيهم بسواد الوجوه؛ عن الضحّاك عن ابن عبّاس، رواه الثعلبيّ بالإسناد في التفسير؛ ثمّ قال:

  • قَالَ أبُو جَعْفَرٍ البَاقِرُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: هُمْ آلُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ؛ لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلَّا مَنْ عَرَفَهُمْ وَ عَرَفُوهُ، وَ لَا يَدْخُلُ النَّارَ إلَّا مَنْ أنْكَرَهُمْ وَ أنْكَرُوهُ.1

  • و في «تفسير العيّاشيّ» عن هِلقام، عن أبي جعفر (الباقر) عليه السلام قال: سألتُه عن قول الله: وَ عَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ؛ ما يعني بقوله: وَ على الأعْرَافِ رِجَالٌ؟

  • قال: أ لستم تعرفون عليكم عرفاء على قبائلكم ليعرفون مَن فيها مِن صالح أو طالح؟

  • قلتُ: بلى.

  • قال: فنحن اولئك الرجال الذين يعرفون كلّا بسيماهم.2

  • و روى العيّاشيّ عن زاذان، عن سلمان قال: سمعتُ رسول الله

    1. تفسير« مجمع البيان» ج 2، ص 423، طبعة صيدا.
    2. «تفسير العيّاشيّ» ج 2، ص 18.

معرفة المعاد ج۱۰

20
  • صلّى الله عليه و آله و سلّم يقول لعليّ أكثر من عشر مرّات:

  • يَا عَلِيّ! إنَّكَ وَ الأوْصِيَاءَ مِنْ بَعْدِكَ أعْرَافٌ بَيْنَ الجَنَّةِ وَ النَّارِ، لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلَّا مَنْ عَرَفَكُمْ وَ عَرَفْتُمُوهُ، وَ لَا يَدْخُلُ النَّارَ إلَّا مَنْ أنْكَرَكُمْ وَ أنْكَرْتُمُوهُ.1

  • كما روى العيّاشيّ عن سعد بن طريف، عن أبي جعفر (الباقر) عليه السلام في هذه الآية: وَ عَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ؛ قال:

  • يا سعد! هم آل محمّد عليهم السلام؛ لا يدخل الجنّة إلّا من عرفهم و عرفوه، و لا يدخل النار إلّا من أنكرهم و أنكروه.2

  • و روي عن الثماليّ، قال: سئل أبو جعفر (الباقر) عليه السلام عن قول الله: وَ عَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ؛ فقال أبو جعفر:

  • نَحْنُ الأعْرَافُ الَّذِينَ لَا يُعْرَفُ اللهُ إلَّا بِسَبَبِ مَعْرِفَتِنَا؛ وَ نَحْنُ الأعْرَافُ الَّذِينَ لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلَّا مَنْ عَرَفَنَا وَ عَرَفْنَاهُ، وَ لَا يَدْخُلُ النَّارَ إلَّا مَنْ أنْكَرَنَا وَ أنْكَرْنَاهُ. وَ ذَلِكَ بِأنَّ اللهَ لَوْ شَاءَ أنْ يُعَرِّفَ النَّاسَ نَفْسَهُ لَعَرَّفَهُمْ، وَ لَكِنَّهُ جَعَلَنَا سَبَبَهُ وَ سَبِيلَهُ وَ بَابَهُ الذي يُؤْتَى مِنْهُ.3

  • و في «بصائر الدرجات» عن محمّد بن الحسين، عن موسى بن سعدان، عن عبد الله بن قاسم، عن بعض أصحابه، عن سعد الإسكاف، قال: قلتُ لأبي جعفر عليه السلام: قوله عزّ و جلّ: وَ عَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ؛ فقال: يا سعد! إنّها أعراف لا يدخل الجنّة إلّا مَن عرفهم و عرفوه، و أعراف لا يدخل النار إلّا مَن أنكرهم و أنكروه، و أعراف لا يُعرف الله إلّا بسبيل معرفتهم.

    1. ( 1 و 2)-« تفسير العيّاشيّ» ج 2، ص 18.
    2. ( 1 و 2)-« تفسير العيّاشيّ» ج 2، ص 18.
    3. ( 1 و 2)-« تفسير العيّاشيّ» ج 2، ص 18.

معرفة المعاد ج۱۰

21
  • فَلَا سَوَاءٌ مَا اعْتَصَمَتْ بِهِ المُعْتَصِمَةُ وَ مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ النَّاسِ ذَهَبَ النَّاسُ الى عَيْنٍ كَدِرَةٍ يَفْرُغُ بَعْضُهَا في بَعْضٍ، وَ مَنْ أتَى آلَ مُحَمَّدٍ أتَى عَيْناً صَافِيَةً تَجْرِي بِعِلْمِ اللهِ لَيْسَ لَهَا نَفَادٌ وَ لَا انْقِطَاعٌ.

  • ذَلِكَ بِأنَّ اللهَ لَوْ شَاءَ لأرَاهُمْ شَخْصَهُ حَتَّى يَأتُوهُ مِنْ بَابِهِ، لَكِنْ جَعَلَ اللهُ مُحَمَّداً وَ آلَ مُحَمَّدٍ الأبْوَابَ التي يُؤْتَى مِنْهَا، وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ: «وَ لَيْسَ الْبِرُّ بِأن تَأتُوا الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَ لَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَ أتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أبْوَابِهَا».1

  • و قد أورد فرات بن إبراهيم الكوفيّ في تفسيره نظير هذه الروايات في أصحاب الأعراف عن الأصبغ بن نباتة و عن حبّة العرنيّ، عن أمير المؤمنين عليه السلام.2 كما أوردها الشيخ الصدوق في «معاني الأخبار» عن الإمام الباقر، عن أمير المؤمنين عليه السلام.3 كما أورد نظير ذلك عليّ بن إبراهيم في تفسيره.4 و أورده الكلينيّ عن الإمام الصادق عليه السلام في كلام ابن الكوّاء مع أمير المؤمنين عليه السلام.5

  • أمير المؤمنين عليه السلام هو المؤذّن بلعنة الله على الظالمين

  • الثاني: الروايات الدالّة على أنّ المؤذّن بين أصحاب الجنّة و أصحاب النار بأن لعنة الله على الظالمين، هو أمير المؤمنين عليه السلام.

  • فقد روى الطبرسيّ عن أبي القاسم الحسكانيّ بإسناده عن محمّد ابن الحنفيّة، عن أمير المؤمنين عليه السلام، قال: أنَا ذَلِكَ المُؤَذِّنُ.

  • كما روى الحسكانيّ بإسناده عن أبي صالح عن ابن عبّاس، قال:

    1. «بحار الأنوار» ج 8، ص 336، عن« بصائر الدرجات».
    2. «تفسير فرات» ص 46.
    3. «معاني الأخبار» ص 59، طبعة المطبعة الحيدريّة.
    4. «تفسير القمّيّ» ص 694.
    5. «اصول الكافي» ج 1، ص 184، الطبعة الحروفيّة.

معرفة المعاد ج۱۰

22
  • إنّ لِعَلِيّ في كِتَابِ اللهِ أسْمَاءً لَا يَعْرِفُهَا النَّاسُ؛ قَوْلُهُ: «فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ» فَهُوَ المُؤَذِّنُ بَيْنَهُمْ، يَقُولُ: ألَا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ، الَّذِينَ كَذَّبُوا بِوَلَايَتِي وَ اسْتَخَفُّوا بِحَقِّي.1

  • و روى العيّاشيّ عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام، في قوله: «فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ»؛ قَالَ: المُؤَذِّنُ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلَامُ.2

  • ورو ى الكلينيّ عن الحسين بن محمّد، عن المعلى بن محمّد، عن الوشّاء، عن أحمد بن عمر الحلّال، قال: سألتُ أبا الحسن الرضا عليه السلام عن قوله تعالى: فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ؛ قال: المؤذّن أمير المؤمنين عليه السلام.3

  • رجال الاعراف هم أئمّة أهل البيت

  • الثالث: الروايات الدالّة على أنّ الرجال الواقفين على الأعراف هم أئمّة آل محمّد عليهم السلام.

  • فقد روى الصفّار في «بصائر الدرجات» عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن أبي أيّوب، عن بُريد العجليّ، قال:

  • سألتُ أبا جعفر عليه السلام عن قول الله: «وَ عَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ»، قَالَ:

  • انْزِلَتْ في هَذِهِ الامَّةِ، وَ الرِّجَالُ هُمُ الأئِمَّةُ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ.

  • قُلْتُ: فَمَا الأعْرَافُ؟

  • قَالَ: صِرَاطٌ بَيْنَ الجَنَّةِ وَ النَّارِ، فَمَنْ شَفَعَ لَهُ الأئِمَّةُ مِنَّا مِنَ المُؤْمِنِينَ

    1. «مجمع البيان» ج 2، ص 422، طبعة صيدا؛ و« بحار الأنوار» ج 8، ص 331.
    2. «تفسير العيّاشيّ» ج 1، ص 355؛ و وردت هذه الرواية في« تفسير البرهان» ج 2، ص 17؛ و« تفسير الصافي» ج 1، ص 578.
    3. «اصول الكافي» ج 1، ص 426.

معرفة المعاد ج۱۰

23
  • وَ المُذْنِبِينَ نَجَا، وَ مَنْ لَمْ يَشْفَعُوا لَهُ هَوَى.1

  • كما روي في «بصائر الدرجات» عن بعض الأصحاب، عن محمّد بن الحسين، عن صفوان، عن ابن مُسكان، عن أبي بصير، عن أبي جعفر (الباقر) عليه السلام في قول الله تعالى:

  • «وَ عَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ»؛ قَالَ: الأئِمَّةُ مِنَّا أهْلَ البَيْتِ في بَابٍ مِنْ يَاقُوتٍ أحْمَرَ على سُورِ الجَنَّةِ، يَعْرِفُ كُلُّ إمَامٍ مِنَّا مَا يَلِيهِ. قَالَ رَجُلٌ: مَا مَعْنَى مَا يَلِيهِ؟ قَالَ: مِنَ القَرْنِ الذي هُوَ فِيهِ الى القَرْنِ الذي كَانَ.2

  • و أورد العيّاشيّ في تفسيره عن مسعدة بن صدقة، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام، قال:

  • أنا يعسوب المؤمنين، و أنا أول السابقين، و خليفة رسول رب العالمين، و أنا قسيم الجنة و النار، و أنا صاحب الأعراف.3

  • و هذه الطوائف الثلاث من الروايات متّفقة في الدلالة على أنّ رجال الأعراف هم أئمّة أهل البيت من آل محمّد عليهم السلام.

  • الرابع: الروايات الدالّة على أنّ الواقفين على الأعراف هم الأئمّة من محمّد مع أتباعهم من المذنبين الذين يرجون في حقّهم العفو و الشفاعة و الرحمة، كالرواية الواردة في «تفسير عليّ بن إبراهيم» عن أبيه، عن ابن محبوب، عن أبي أيّوب، عن بريد، عن أبي عبد الله (الصادق) عليه السلام، قال:

    1. «بصائر الدرجات» ص 146.
    2. «بصائر الدرجات» ج 10، ص 500، باب 16، حديث 19.
    3. «تفسير العيّاشيّ» ج 2، ص 17 و 18.

معرفة المعاد ج۱۰

24
  • الأعراف كثبان بين الجنّة و النار، و الرجال الأئمّة صلوات الله عليهم، يقفون على الأعراف مع شيعتهم و قد سيق المؤمنون إلى الجنّة بلا حساب، فيقول الأئمّة لشيعتهم من أصحاب الذنوب: انظروا إلى إخوانكم في الجنّة قد سيقوا (سبقوا- خ) إليها بلا حساب، و هو قوله تبارك و تعالى: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَ هُمْ يَطْمَعُونَ.

  • ثمّ يقال لهم: انظروا إلى أعدائكم في النار، و هو قوله:

  • وَ إِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ، وَ نادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ، في النار ف- قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ، في الدنيا، وَ ما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ.

  • ثمّ يقولون (و الضمير عائد للأئمّة) لمن في النار من أعدائهم: أ هؤلاء شيعتي و إخواني الذين كنتم أنتم تحلفون في الدنيا أن لا ينالهم الله برحمة؟

  • ثمّ يقول الأئمّة لشيعتهم: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَ لا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ؛ ثمّ: نادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ.1

  • و قال المرحوم الصدوق في كتابه «العقائد»: اعتقادنا في الأعراف أنّه سور بين الجنّة و النار، و عليه رجال يعرفون كلّا بسيماهم. و الرجال هم النبيّ صلّى الله عليه و آله و أوصياؤه عليهم السلام. و لا يدخل الجنّة إلّا مَن عرفهم و عرفوه، و لا يدخل النار إلّا مَن أنكرهم و أنكروه. و عند الأعراف:

  • المرجون لأمر الله، إمّا يعذّبهم و إمّا يتوب عليهم.2

  • الموقوفون عند الاعراف هم الذين لم يصدر الحكم بحقّهم

  • الخامس: الروايات الدالّة على أنّ الواقفين على الأعراف هم

    1. «تفسير عليّ بن إبراهيم» ص 216 و 217.
    2. «بحار الأنوار» ج 8، ص 340، نقلًا عن« العقائد».

معرفة المعاد ج۱۰

25
  • المذنبون و الخاطئون الذين استوت حسناتهم و سيّئاتهم، و لم يصدر في حقهم الحكم النهائيّ.

  • فقد أورد العيّاشيّ عن الطيّار، عن أبي عبد الله (الصادق) عليه السلام؛ قَالَ:

  • قُلْتُ لَهُ: أي شَيْءٍ أصْحَابُ الأعْرَافِ؟

  • قَالَ: اسْتَوَتِ الحَسَنَاتُ وَ السَّيِّئَاتُ؛ فَإنْ أدْخَلَهُمُ اللهُ الجَنَّةَ فَبِرَحْمَتِهِ، وَ إنْ عَذَّبَهُمْ لَمْ يَظْلِمْهُمْ.1

  • و روى عليّ بن إبراهيم، قال:

  • سُئِلَ العَالِمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْ مُؤْمِنِي الجِنِّ، أ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ؟

  • فَقَالَ: لَا؛ وَ لَكِنَّ لِلَّهِ حَظَائِرُ بَيْنَ الجَنَّةِ وَ النَّارِ يَكُونُ فِيهَا مُؤْمِنُو الجِنِّ وَ فُسَّاقُ الشِّيعَةِ.2

  • و قال سعدي الشيرازيّ في هذه الطائفة:

  • اى سير ترا نان جوين خوش ننمايد***معشوق منست آنكه به نزديك تو زشت است

  • حوران بهشتى را دوزخ بود أعراف***از دوزخيان پرس كه أعراف بهشت است 3

    1. «تفسير العيّاشيّ» ج 2، ص 18؛ و« بحار الأنوار» ج 8، ص 337.
    2. «تفسير القمّيّ» ص 622.
    3. «كلّيّات سعدي» ص 23، طبعة فروغي« گلستان».
      يقول:« لا يُبهجك قرص الشعير أيّها الشبعان الممتلئ، فما يبدو لديك قبيحاً هو معشوقي.
      و بينما حور الجنان يحسبن الأعراف جحيماً، لو نشدتَ عنه الجهنّميّون تعالوا: بل هو الجنّة».

معرفة المعاد ج۱۰

26
  • و حاصل مجموع الروايات بلحاظ جمع الدلالة بينها، هو أنّ الأعراف مكان و سور بين الجنّة و النار، له درجات إلى الأعلى و دركات إلى الأسفل، يقف الأئمّة عليهم السلام في درجاته العليا، أمّا في قاعدته و درجاته السفلى فيقف الشيعة و أفراد من الفسّاق الذين لم يُبتّ في أمرهم بعدُ. و في الحقيقة فإنّ كلّ إمام يقف على الأعراف مع امّته التي لم يصدر الحكم النهائيّ في أمرها.

  • و بطبيعة الحال، فإنّ الذروة من مقام الأعراف هي مقام رفيع و منيع لا يبلغه أحد و لا يرقى إلى ذراه أي نسر مهما حلّق و ارتفع، لأنّ ذلك المقام مختصّ بالحاكمين على الجنّة و النار و بالمهيمنين على أصحاب الجنّة و أصحاب النار، فهم الواقفون في ذلك الافق المبين و المقام الجليل و يعرفون كلًّا بسيماهم، و يعيّنون لكلّ واحد من أصحاب الجنّة مقامه في درجاتها الثمان، و يوزّعون أصحاب النار على دركاتها السبعة.

  • و تنطبق جميع هذه الروايات مع مضامين الآيات التي ذكرناها، فقد ذكرت الآيات رجال الأعراف بصفاتهم، و بيّنت أنّ ذلك المقام لا يناله إلّا المقرّبون من الحضرة الأحديّة من أئمّة أهل البيت عليهم السلام. كما ورد في الآيات- كما شاهدنا- خصائص طائفة لم تدخل الجنّة بعد، تلك المنتظرة على أمل أن تشملها رحمة ربها لدخول الجنّة.

  • إلّا أنّ هناك نكتة ينبغي التطرّق إليها في هذا المجال، و هي: أين يقع مقام الصدّيقة الكبرى فاطمة الزهراء سلام الله عليها؟ و هل تقف على الأعراف أم في درجات أدنى منها؟

  • ليس هناك من شكّ في أنّ مقامها المقدّس مماثل لمقام أبنائها من أئمّة أهل البيت، و تكمن علّة عدم تصريح هذه الروايات بوقوف الزهراء على الأعراف في أنّ ضعفاء العقول يتخيّلون أنّ الأعراف تلّ يماثل تلال

معرفة المعاد ج۱۰

27
  • الدنيا، و أنّ ارتقاء تلك المخدّرة لذلك التلّ ممّا يتنافى و مقام الحياء و العصمة.

  • و قد ورد في بعض الروايات التي استشهدنا بها سابقاً أنّ الزهراء عليها السلام تمتلك مقاماً في المحشر و في سائر المشاهد الاخرى يماثل مقام الأئمّة، و أنّ تلك المخدّرة تحضر عند الشخص المحتضر، إلّا أنّ اسمها- مع كلّ ذلك- لم يرد في الروايات إجلالًا لها، و خاصّة في الروايات التي تقصر أفهام العامّة عن إدراكها، لأنّهم لا يعلمون أنّه ليس ثمّة عنوان للُانوثة مقابل الذكورة في مقام الأعراف الرفيع الذي يسمو على الجنّة و الحجاب الأقرب، و أنّ هذه العناوين تتعلّق بالأعراف السفلى و الجنّة و النار؛ لذا فقد انطوى اسمها المقدّس في عنوان الرجال في الآية المباركة:

  • وَ عَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ، تماماً كما انطوى اسمها المقدّس- بلا أدنى ريب- في عنوان «الرجال» الوارد في آية النور المباركة:

  • فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَ الْآصالِ، رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَ لا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَ إِقامِ الصَّلاةِ وَ إِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَ الْأَبْصارُ.1

  • و لا يسعنا المجال للتوسّع في إعلام أخلّاء الروح و إخوة الإيمان عن جلالة مقام هذه المرأة التي أضحت فخر آلاف الأنبياء و الأئمّة، و غدت شفيعة الأنبياء من ذوي العزم و شفيعة الصدّيقين و الشهداء، فقد كانت سرّ رسول الله، و سلالة النبوّة و جوهرها. و لقد كان رسول الله يقبّل يدها و يُجلسها مكانه و يتردّد على بيتها باستمرار، و كان إذا عاد من سفر أو غزوة فأوّل ما يذهب إلى بيتها لرؤيتها.

    1. الآيتان 36 و 37، من السورة 24: النور.

معرفة المعاد ج۱۰

28
  • مقامات الصدّيقة الكبرى سلام الله عليها

  • وَ (صَلَواتُ اللهِ وَ مَلَائِكَتِهِ وَ حَمَلَةِ عَرْشِهِ وَ جَمِيعِ خَلْقِهِ مِنْ أرْضِهِ وَ سَمَائِهِ) على الجَوْهَرَةِ القُدْسِيَّةِ في تَعَيُّنِ الإنْسِيَّةِ.

  • صُورَةِ النَّفْسِ الكُلِّيَّةِ، جَوَادِ العَالَمِ العَقْلِيَّةِ، بَضْعَةِ الحَقِيقَةِ النَّبَوِيَّةِ، مَطْلَعِ الأنْوارِ العَلَوِيَّةِ، عَيْنِ عُيُونِ الأسْرَارِ الفَاطِمِيَّةِ.

  • النَّاجِيَةِ المُنْجِيَةِ لِمُحِبِّيهَا عِنَ النَّارِ، ثَمَرَةِ شَجَرَةِ اليَقِينِ، سَيِّدَةِ نِسَاءِ العَالَمِينَ. المَعرُوفَةِ بِالقَدْرِ، المَجْهولَةِ بِالقَبْرِ، قُرَّةِ عَيْنِ الرَّسُولِ، الزَّهْرَاءِ البَتُولِ عَلَيْهَا الصَّلَاةُ وَ السَّلَامُ)1

  • امُّ أئِمَّةِ العُقُولِ الغُرِّ بَلْ***امُّ أبِيهَا وَ هوَ عِلَّةُ العِلَلْ

  • رُوحُ النَّبِيّ في عَظِيمِ المَنْزِلَه***وَ في الكِفَاءِ كُفْوُ مَنْ لَا كُفْوَ لَه

  • تَمَثَّلَتْ رَقِيقَةُ الوُجُودِ***لَطِيفَةٌ جَلَّتْ عَنِ الشُّهُودِ

  • تَطَوَّرَتْ في أفْضَلِ الأطْوَارِ***نَتِيجَةُ الأدْوَارِ وَ الأكْوَارِ

  • تَصَوَّرَتْ حَقِيقَةُ الكَمَالِ***بِصُورَةٍ بَدِيعَةِ الجَمَالِ

  • فَإنَّهَا الحَوْرَاءُ في النُّزُولِ***وَ في الصُّعُودِ مِحْوَرُ العُقُولِ

  • يُمَثِّلُ الوُجُوبُ فِي الإمْكَانِ***عَيَانُهَا بِأحْسَنِ البَيَانِ

  • فَإنَّهَا قُطْبُ رَحَى الوُجُودِ***في قَوْسَيِ النُّزُولِ وَ الصُّعُودِ

  • وَ لَيْسَ في مُحِيطِ تِلْكَ الدَّائِرَهْ***مَدَارُهَا الأعْظَمُ إلَّا الطَّاهِرَهْ 2

    1. من الصلوات المعروفة لمحيي الدين بن عربي التي قام الملّا محمّد صالح الموسويّ الخلخاليّ بترجمتها و شرحها، فطُبعت في كتيّب بالحجم الجيبيّ الصغير باسم« شرح المناقب» ص 171 و 172.
    2. «الأنوار القدسيّة» لآية الله الشيخ محمّد حسين الأصفهانيّ الكمبانيّ، ص 31.

معرفة المعاد ج۱۰

30
  •  

  •  

  • المَجْلِسُ الثَّامِنُ وَ السِّتُّونَ: الجَنَّةُ وَ تَعْيِينُ مَكَانِهَا

  •  

  •  

معرفة المعاد ج۱۰

32
  •  

  •  

  • بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

  • الحمد للّه ربّ العالمين و لا حول و لا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم

  • و صلَّى الله على محمّد و آله الطاهرين

  • و لعنة الله على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين

  • قال الله الحكيم في كتابه الكريم:

  •  

  •  

  • وَ سِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها وَ فُتِحَتْ أَبْوابُها وَ قالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ، وَ قالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَ أَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ، وَ تَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَ قِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.1

  • يقول أمير المؤمنين عليه السلام في عاقبة التقوى و أثرها: وَ اعْلَمُوا أنَّ مَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً مِنَ الفِتَنِ، وَ نُوراً مِنَ الظُّلَمِ، وَ يُخَلِّدُهُ فِيمَا اشْتَهَتْ نَفْسُهُ، وَ يُنَزِّلُهُ مَنْزِلَ الكَرَامَةِ عِنْدَهُ في دَارٍ اصْطَنَعَهَا لِنَفْسِهِ، ظِلُّهَا عَرْشُهُ وَ نُورُهَا بَهْجَتُهُ، وَ زُوَّارُهَا مَلَائِكَتُهُ، وَ رُفَقَاؤُهَا رُسُلُهُ، فَبَادِرُوا بِأعْمَالِكُمْ تَكُونُوا مَعَ جِيرَانِ اللهِ في داره! رَافَقَ بِهِمْ رُسُلَه.

  • حتّى يصل في خطبته إلى قوله عليهالسلام:

  • وَ أزَارَهُمْ مَلَائِكَتَهُ، وَ أكْرَمَ أسْمَاعَهُمْ عَنْ أنْ تَسْمَعَ حَسِيسَ نَارٍأبَداً،

    1. الآيات 73 إلى 75، من السورة 39: الزمر.

معرفة المعاد ج۱۰

33
  • وَ صَانَ أجْسَادَهُمْ أنْ تَلْقَى لُغُوباً وَ نَصَباً، ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَ اللهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ.1

  • للّه الحمد و له المنّة أن وفّقنا لنبلغ في بحث مسائل المعاد إلى هذه الغاية و المحطّة، و هي محطّة الجنّة. و هذا البحث من النفاسة و الدقّة و اللطافة بمكان، لأنّه بحث في المحطة الحقيقيّة للإنسان و ملجئه و موطنه الأصليّ الأمين. بَيدَ أنّه، و كما قال استاذنا: سماحة آية الله العلّامة الطباطبائيّ، فإنّ «ما ورد من الآيات و الروايات فيها أوسع من مجال هذه الرسالة، فقد وردت في كتاب الله تعالى في وصف الجنّة ما يقرب من ثلاثمائة آية، و ذكرها وارد في جميع سور القرآن إلّا عشرين سورة هي سورة الممتحنة و المنافقين و ثمان عشرة سورة من السور القصار.»2 لكنّنا سنشرع في البحث بشأنها بحول الله و قوّته بحسب ما يقدّر لنا. و علينا الآن أن نرى أين محلّ الجنّة.

  • يستفاد من الآية التي ذكرناها في بداية البحث، التي وردت على لسان أصحاب الجنّة الذين يقولون عند ورودهم الجنّة في مقام حمد الحقّ و الثناء عليه: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَ أَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ. أنّ هناك ارتباطاً خاصّاً بين الأرض و بين الجنّة.

  • و ربّما كانت مقولتهم: صَدَقَنا وَعْدَهُ، إشارة إلى الآية المباركة: وَ لَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ.3

    1. «نهج البلاغة» شرح الشيخ محمّد عبده، الخطبة 181، ص 347 إلى 349، طبعة مصر.
    2. «رسالة الإنسان بعد الدنيا» مخطوطة، ص 68.
    3. الآية 105، من السورة 21: الأنبياء.

معرفة المعاد ج۱۰

34
  • و معنى الوراثة أن يملك المرء شيئاً قد ملكه غَيرُه قبله، بانتقال ذلك المُلك إليه، فهو انتقال من السلف إلى الخلف.

  • فلا بدّ في مفاد الميراث من وجود شيء ثابت (تركة)، و شخص يتصرّف بذلك الشيء بعد أن كان في حيازة شخص آخر، و يكون ذلك الخلف بديلًا للسلف في التصرّف.

  • و كان مقتضى سياق هذه الآية بياناً لصدق الوعد، أن تقول: أوْرَثَنَا الأرْضَ نَتَبَوَّا مِنْهَا، أو تقول: أوْرَثَنَا الجَنَّةَ نَتَبَوَّا مِنْهَا.

  • أين تقع الجنّة؟ هل الجنّة على الارض؟

  • بَيدَ أنّ عبارة الآية كانت على النحو التالي: أوْرَثَنَا الأرْضَ نَتَبَوَّا مِنَ الْجَنَّةِ، ممّا يدلل على وجود الترابط العضويّ بين الأرض و الجنّة. و الأمر على هذه الشاكلة أيضاً في باقي الآيات التي تحدثت عن توريث الأرض، كما في الآية: أَ وَ لَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ.1

  • و الآية: وَ أَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَ مَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها.2

  • و الخلاصة، فقد اتّبعت آيات كثيرة هذا النهج، و أشارت تصريحاً أو تلميحاً إلى أنّ الجنّة واقعة على هذه الأرض؛ مثل الآية: وَ سَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ.3

  • و أصرح منها دلالة، الآية الكريمة: وَ الَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ أَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَ عَلانِيَةً وَ يَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ

    1. الآية 100، من السورة 7: الأعراف.
    2. الآية 137، من السورة 7: الأعراف.
    3. الآية 42، من السورة 13: الرعد.

معرفة المعاد ج۱۰

35
  • السَّيِّئَةَ أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ، جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَ مَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَ أَزْواجِهِمْ وَ ذُرِّيَّاتِهِمْ وَ الْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ، سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ.1

  • حيث يلاحظ في هذه الآية أنّ «جنّات عدن» قد وردت صفةً لـ «عُقبى الدار»، أو بدلًا منها أو معطوفةً عليها، و سيصبح مضمونها في كلّ الأحوال أنّ عُقبى الدار هي نفسها «جَنَّاتُ عَدْنٍ».

  • و كما نعلم أنّ تحقّق معنى الدخول يستلزم الدخول ضمناً، فيكون مَثَل الداخلين في الجنّة كمثل من يسكن الأرض ثمّ يبني لنفسه فيها منزلًا، ثمّ يزيّن إحدى غرف ذلك المنزل فيدخلها؛ حيث يُقال حينئذٍ إنّه دخل هذه الغرفة الموجودة في هذا المنزل الموجود على الأرض.

  • فالدخول إلى الجنّة إذَاً، هو الارتقاء بعد الكمالات، و هو الدخول في الأوج من بعد الحضيض.

  • الآيات الدالّة على أنّ الارض يرثها المتّقون في هيئة الجنّة

  • و قد وردت في القرآن الكريم آيات اخرى بهذه المثابة، كما في الآية:

  • قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَ اصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ.2

  • و الآية: تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا.3

  • والآية: وَ تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.4

  • و قد وردتفي هذا الشأن روايتان فسّرتا الوراثة على نحوٍ آخر، إلّا

    1. الآيات 22 إلى 24، من السورة 13: الرعد.
    2. الآية 128، من السورة 7: الأعراف.
    3. الآية 63، من السورة 19: مريم.
    4. الآية 72، من السورة 43: الزخرف.

معرفة المعاد ج۱۰

36
  • أنّ أيّة منهما لا تتنافى مع وراثة الأرض.

  • الاولى في «تفسير مجمع البيان»؛ فقد روي عن رسول الله صلّى الله عليه و آله أنّه قال: مَا مِنْ أحَدٍ إلَّا وَ لَهُ مَنْزِلٌ في الجَنَّةِ وَ مَنْزِلٌ في النَّارِ؛ فَأمَّا الكَافِرُ فَيَرِثُ المُؤْمِنَ مَنْزِلَهُ في النَّارِ؛ وَ المُؤْمِنُ يَرِثُ الكَافِرَ مَنْزِلَهُ مِنَ الجَنَّةِ.1 فَذَلِكَ قَوْلُهُ: «اورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ».2

  • الثانية في كتاب «ثواب الأعمال» للصدوق، عن أبيه، عن سعد، عن أحمد بن الحسين، عن عثمان بن عيسى، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله (الصادق) عليه السلام، قال:

  • ما خلق الله خلقاً إلّا جعل له في الجنّة منزلًا و في النار منزلًا، فإذا سكن أهل الجنّة الجنّة و أهل النار النار نادى منادٍ: يا أهل الجنّة أشرفوا! فيشرفون على النار و تُرفع لهم منازلهم في النار، ثمّ يُقال لهم: هذه منازلكم التي لو عصيتم ربّكم دخلتموها. قال: فلو أنّ أحداً مات فرحاً لمات أهل الجنّة في ذلك اليوم فرحاً لما صُرف عنهم من العذاب. ثمّ ينادون: يا معشر أهل النار! ارفعوا رؤوسكم فانظروا إلى منازلكم في الجنّة. فيرفعون رؤوسهم فينظرون إلى منازلهم في الجنّة و ما فيها من النعيم. فيُقال لهم: هذه منازلكم التي لو أطعتم ربّكم دخلتموها. قال: فلو أنّ أحداً مات حزناً، لمات أهل النار ذلك اليوم حزناً، فيورث هؤلاء منازل هؤلاء، و هؤلاء منازل هؤلاء، و ذلك قول الله عزّ و جلّ:

  • أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ، الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ.3

    1. «مجمع البيان» ج 4، ص 69، طبعة صيدا.
    2. وردت هذه التتمّة في رسالة« الإنسان بعد الدنيا» ص 69؛ مخطوطة.
    3. «ثواب الأعمال» ص 249 و 250. و الآيتان هما 10 و 11، من السورة 23: المؤمنون.

معرفة المعاد ج۱۰

37
  • و الخلاصة، فإنّ هذا النحو من توارث منازل الجنّة و النار محفوظ في موضعه، إلّا أنّه لا يتنافى مطلقاً مع كون الجنّة على هذه الأرض، و أنّ التوارث المذكور يحصل عليها.

  • و لا بدّ من العلم أنّ تلك الأرض لن تماثل هذه الأرض، و أنّها ستكون أرضاً اخرى طاهرة و نورانيّة.

  • يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ.1

  • وَ أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها.2

  • وَ الْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ.3

  • و الشاهد على كلامنا أنّ أصحاب الجنّة كلّما رزقوا من رزق يوم القيامة قالوا هذا الذي رُزقنا من قبلُ: كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَ أُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً.4

  • قال عليّ بن إبراهيم في تفسيره في قوله تعالى: وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى، عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى؛5 قال: في السماء السابعة. و أمّا الردّ على من أنكر خلق الجنّة و النار، فقوله: «عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى». أي عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهَى؛ فَسِدْرَةُ المُنْتَهَى في السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، وَ جَنَّةُ المَأوَى عِنْدَهَا.6

  • و يستفاد من كلامه أنّ الجنّة واقعة في السماء السابعة. أمّا العلّامة

    1. الآية 48، من السورة 14: إبراهيم.
    2. الآية 69، من السورة 39: الزمر.
    3. الآية 67، من السورة 39: الزمر.
    4. الآية 25، من السورة 2: البقرة.
    5. الآيتان 13 و 14، من السورة 53: النجم.
    6. «بحار الأنوار» ج 8، ص 125، نقلًا عن« تفسير القمّيّ».

معرفة المعاد ج۱۰

38
  • المجلسيّ رضوان الله عليه فقد قال في مكان الجنّة: «و أما مكانهما (أي مكان الجنّة و النار) فقد عرفتَ أنّ الأخبار تدلّ على أنّ الجنّة فوق السماوات السبع ... و عليه أكثر المسلمين».1

  • و لا تتنافى هذه المطالب مع كون محلّ الجنّة على الأرض، لعدم وضوح أنّ السماوات السبع هي هذه السماوات الطبيعيّة أم لا، لأنّ جميع هذه السماوات بنجومها من الشمس و الكواكب و السيّارات و المنظومات و المجرّات تشكّل سماء الدنيا تبعاً للآية الشريفة: إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ.2

  • و من هنا، فإنّ كون السماء السابعة و مافوقها مختفٍ في بطون عالم المُلك و طبقاته الكامنة، لا يتنافى مع كونها في ملكوت الأرض، إذ يمكن أن يكون ملكوت الأرض و باطنها هو السماء السابعة حيث محلّ الجنّة.

  • و يشهد على هذا المطلب أنّ الأرض ستشبه هذه الأرض من جهة، و ستختلف عنها من جهة اخرى. فهي حينذاك كهذه الأرض باعتبار أنّها مثلها، و هي مختلفة عن الأرض باعتبار أنّها قد ابدلت بأرض اخرى مشرقة و نورانيّة، و أنّها في قبضة الله تعالى.

  • و يدعم هذه الكلام آيتان قرآنيّتان كريمتان، تدلّان على أنّ عرض الجنّة بقدر السماوات و الأرض؛ الاولى: الآية 133، من السورة 3:

  • آل عمران:

  • وَ سارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ.

    1. «بحار الأنوار» ج 8، ص 205، الطبعة الحروفيّة.
    2. الآية 6، من السورة 37: الصافّات.

معرفة المعاد ج۱۰

39
  • و الثانية: الآية 21، من السورة 57: الحديد:

  • سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ جَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ.

  • الجنّة و النار كالنهار و الليل، لا يتزاحمان و لا يجتمعان

  • و قد سئل الرسول الأكرم صلّى الله عليه و آله و سلّم: إذَا كَانَتِ الجَنَّةُ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَ الأرْضِ، فَأيْنَ تَكُونُ النَّارُ؟ فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ: سُبْحَانَ اللهِ! إذَا جَاءَ النَّهَارُ فَأيْنَ اللَّيْلُ؟1

  • و هو كلام مُثقل بالدرر يمكن أن تستخرج منه أبواب في العلم و المعرفة، و أن يُتوصَّل من خلاله إلى حقيقة الجنّة و النار؛ فقد أراد النبيّ بيان أنّ الليل و النهار أمران عارضان على الأرض، و أنّهما لا يجتمعان معاً.

  • فحين يأتي الليل سيطبق الظلام على أرجاء العالم، و تتلاشى جميع نقاط النور؛ أمّا حين يأتي النهار، فسيعمّ النور العالم و يزيح عنه عتمة الليل. و كذا الأمر بالنسبة إلى الجنّة و النار باعتبارهما أمران عارضان على السماء و الأرض. فالجنّة هي الباطن و الملكوت و في عالم القُرب؛ أمّا النار ففي عالم الظاهر و المُلك و في عالم البُعد. و هما لا يتعارضان مع بعضهما أبداً.

  • موطن الجنّة هو عالم المعنى و الحقيقة، و هو عالم العلم و العرفان و رفع الحجب و كشف المجهولات؛ أمّا موطن النار فعالم الباطل و المجاز، و عالم الجهل و العمى و الحجب و تراكم المجهولات. و لا يمكن لهذه الامور أن تجتمع مع بعضها.

  • إنّ العلم يأتي فيُزيح الجهل، و الحقّ يأتي فيمحق الباطل، و الحجب

    1. «مجمع البيان» ج 1، ص 504.

معرفة المعاد ج۱۰

40
  • تنكشف فتُسفر عن طلعة الحبيب، و الجنّة تأتي فتزيل النار، و النهار يطلع فيعقب الليل و يمحوه.

  • و من هنا، فإنّ الجنّة موجودة في السماوات و الأرض، و عرضها بقدر السماوات و الأرض، و كذا الحال بالنسبة إلى جهنّم. بَيدَ أنّ الجنّة إذا وُجدت، فُقدت النار لأنّها موجودة في زمن آخر و في رتبة البُعد الملكوتيّ، و ليس ثمّة تزاحم بينهما، كما أنّهما لا يجتمعان أبداً.

  • و في مرحلة النفس البشريّة، فحين تحقّق طلوع العلم و العرفان و كشف الحجب النورانيّة و الظلمانيّة، فسيزول الجهل و العماء و الحجب من أرجاء تلك النفس.

  • و لو نظرنا إلى مرحلة ظهور نور العلم و إشراقه على هياكل عالم الكثرة و على الموجودات الأرضيّة و السماويّة، لوجدنا للجنّة تجلّياً؛ أمّا مرحلة الخفاء و العماء التي ينظر فيها كلّ موجود من الموجودات الأرضيّة و السماويّة نظراً استقلاليّاً، فإنّها تمثّل تجلّي النار و ظهورها.

  • و يتلخّص المطلب في أنّ الجنّة التي عرضها كعرض السماوات و الأرض هي عالم الواقع و الملكوت الذي لا يتعارض مع النار. و هي ملكوت الأرض الذي يصدق في شأنه قوله تعالى: وَ أَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها.

  • و قوله: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ.

  • و قوله: وَ الْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ.

  • و يتّضح بهذا البيان جواب إشكال آخر يقول: إذا كانت الجنّة في السماء، فكيف يكون عرضها كعرض السماوات و الأرض؟ كما تتّضح سخافة و ضآلة الأجوبة التي نقلها صاحب «تفسير مجمع البيان» عن أنس بن مالك، و عن قتادة، و عن أبي بكر أحمد بن عليّ، و عن آخرين

معرفة المعاد ج۱۰

41
  • غيرهم.1

  • الجنّة و النار موجودتان حاليّاً

  • السفرجل فاكهة أمير المؤمنين، و التفّاح فاكهة سيّد الشهداء، و الرمّان فاكهة الزهراء

  • و علينا أن نرى الآن هل الجنّة و النار موجودتان فعلًا؟ أم أنّهما ستُخلقان فيما بعد؟

  • لقد علمنا من خلال كثير من المباحث السابقة- كمسألة تجسّد الأعمال، و عدم ضياع شيء في عالم التكوين، و مسألة المعاد الجسمانيّ- أنّ الجنّة و النار موجودتان فعلًا. و قد صرّحت بهذا المطلب الآية المباركة في سورة يس:

  • قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ، بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَ جَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ.2

  • كما أنّ الآية المباركة في سورة نوح: مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً.3 صريحة في هذا الشأن أيضاً.

  • و نكتفي في هذا المجال بذكر عدّة روايات:

  • فقد روى الشيخ الصدوق في «عيون أخبار الرضا» و «التوحيد» عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن الهرويّ؛ و روى الشيخ الطبرسيّ في «الاحتجاج» مرسلًا عن الهرويّ، قَالَ: قُلْتُ لِلرِّضَا عَلَيْهِ السَّلَامُ: يَا بْنَ رَسُولِ اللهِ! أخْبِرْنِي عَنِ الجَنَّةِ وَ النَّارِ، أ هُمَا اليَوْمَ مَخْلُوقَانِ؟

  • فَقَالَ: نَعَمْ، وَ إنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ قَدْ دَخَلَ الجَنَّةَ،4

  • معرفة المعاد ؛ ج10 ؛ ص41
    1. «مجمع البيان» ج 1، ص 504.
    2. الآيتان 26 و 27، من السورة 36: يس؛ و الآية راجعة إلي الذي آمن بعيسى ابن مريم و ناصَرَ المرسلين فقُتل. فذكر تعالى قصّته، و أنّه قيل له: ادخل الجنّة! قال:« يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَ جَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ».
    3. الآية 25، من السورة 71: نوح؛ و هي عائدة إلى قوم نوح الذين أغرقهم الله بسبب معاصيهم، فيقول تعالى أنّهم أغرقوا فأدخلوا ناراً، أي بلا فاصلة و تأخير.
    4. حسينى طهرانى، سيد محمد حسين، معرفة المعاد، 10جلد، دار المحجة البيضاء - بيروت - لبنان، چاپ: 1، 1416 ه.ق.

معرفة المعاد ج۱۰

42
  • وَ رَأى النَّارَ لَمَّا عُرِجَ بِهِ الى السَّمَاءِ.

  • قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: إنَّ قَوْماً يَقُولُونَ: إنَّهُمَا اليَوْمَ مُقَدَّرَتَانِ غَيْرُ مَخْلُوقَتَيْنِ!

  • فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: مَا اولَئِكَ مِنَّا وَ لَا نَحْنُ مِنْهُمْ. مَنْ أنْكَرَ خَلْقِ الجَنَّةِ وَ النَّارِ فَقَدْ كَذَّبَ النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ كَذَّبَنَا، وَ لَيْسَ مِنْ وَلَايَتِنَا على شَيْءٍ، وَ خُلِّدَ في نَارِ جَهَنَّمَ! قَالَ اللهُ عَزَّ وَ جَلَّ: «هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ، يَطُوفُونَ بَيْنَها وَ بَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ».

  • وَ قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ: لَمَّا عُرِجَ بِي الى السَّمَاءِ أخَذَ بِيَدِي جَبْرَئِيلُ فَأدْخَلَنِي الجَنَّةَ فَنَاوَلَنِي مِنْ رُطَبِهَا فَأكَلْتُهُ، فَتَحَوَّلَ ذَلِكَ نُطْفَةً في صُلْبِي، فَلَمَّا هَبَطْتُ الى الأرْضِ وَاقَعْتُ خَدِيجَةَ فَحَمَلَتْ بِفَاطِمَةَ؛ فَفَاطِمَةُ حَوْرَاءُ إنْسِيَّةٌ.

  • فَكُلَّمَا اشْتَقْتُ الى رَائِحَةِ الجَنَّةِ شَمَمْتُ رَائِحَةَ ابْنَتِي فَاطِمَةَ.1

  • و وفق هذا النهج، فقد ورد في «تفسير عليّ بن إبراهيم»: كان رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم يكثر تَقْبِيلَ فاطمة عليها و على أبيها و بعلها و أولادها ألف ألف تحيّة و السلام، فأنكرتْ ذلك عائشة، فقال رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم: يا عائشة! إنّي لمّا اسري بي إلى السماء دخلتُ الجنّة فأدناني جبرائيل من شجرة طوبى و ناولني من ثمارها فأكلتُه فحوّل اللهُ ذلك ماءً في ظهري، فلمّا هبطتُ إلى الأرض واقعتُ خديجةَ فحملت بفاطمةَ، فما قبّلتُها قطّ إلّا وجدتُ رائحة شجرة طوبى

    1. «عيون أخبار الرضا» ص 65؛« أمالي الصدوق» ص 276؛« توحيد الصدوق» ص 118، ضمن الحديث 21، طبعة المطبعة الحيدريّة؛ و« الاحتجاج» ج 2، ص 119، طبعة النجف، ضمن أسئلة أبي الصلت الهرويّ من الإمام الرضا عليه السلام.

معرفة المعاد ج۱۰

43
  • منها.1

  • و روى الصدوق في «الخصال» عن ابن الوليد، عن الصفّار، عن ابن أبي الخطّاب، عن محمّد بن عبد الله بن هلال، عن علاء، عن محمّد، عن أبي جعفر (الباقر) عليه السلام، قَالَ:

  • وَ اللهِ مَا خَلَتِ الجَنَّةُ مِنْ أرْوَاحِ المُؤْمِنِينَ مُنْذُ خَلَقَهَا، وَ لَا خَلَتِ النَّارُ مِنْ أرْوَاحِ الكُفَّارِ العُصَاةِ مُنْذُ خَلَقَهَا عَزَّ وَ جَلَّ- الخبر.2

  • و جاء في «تفسير النعمانيّ» في الرواية الواردة عن أمير المؤمنين عليه السلام؛ قال: و أمّا الردّ على مَن أنكر خلق الجنّة و النار، فقال الله تعالى: عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى، عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى.3

  • و قال رسول الله صلّى الله عليه و اله و سلّم: دخلتُ الجنّة فرأيتُ فيها قصراً من ياقوت أحمر، يُرى داخله من خارجه، و خارجه من داخله من نوره، فقلتُ: يا جبرئيل! لمن هذا القصر؟!

  • فقال: لِمَنْ أطَابَ الكَلَامَ، وَ أدَامَ الصِّيَامَ، وَ أطْعَمَ الطَّعَامَ، وَ تَهَجَّدَ بِاللَّيْلِ وَ النَّاسُ نِيَامٌ.

  • فقلت: يا رسول الله! و في امّتك مَن يطيق هذا؟

  • فقال لي: ادنُ منّي! فدنوت.

  • فقال: ما تدري ما إطابة الكلام؟

  • فقلتُ: الله و رسوله أعلم.

  • فقال: هو سُبْحَانَ اللهِ وَ الحَمْدُ لِلَّهِ وَ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ وَ اللهُ أكْبَرُ. أ تدري

    1. «تفسير القمّيّ» ص 341 و 342.
    2. «بحار الأنوار» ج 8، ص 133، الطبعة الحروفيّة.
    3. الآيتان 14 و 15، من السورة 53: النجم.

معرفة المعاد ج۱۰

44
  • ما إدامة الصيام؟

  • فقلتُ: الله و رسوله أعلم.

  • فقال: مَنْ صام شهر رمضان و لم يفطر منه يوماً. أ تدري ما إطعام الطعام؟

  • فقلتُ: الله و رسوله أعلم.

  • فقال: مَنْ طلب لعياله ما يكفّ به وجوههم. أ تدري ما التهجّد بالليل و الناس نيام؟

  • فقلتُ: الله و رسوله أعلم.

  • فقال: من لا ينام حتّى يصلّي العشاء الآخرة. و يريد بالناس هاهنا اليهود و النصارى، لأنّهم ينامون بين الصلاتينِ.

  • و قال صلّى الله عليه و آله و سلّم: لمّا اسري بي إلى السماء، دخلت الجنّة فَرَأيْتُ فِيهَا قِيعَانَ وَ رَأيْتُ فِيهَا مَلَائِكَةً يَبْنُونَ لَبِنَةً مِنْ ذَهَبٍ وَ لَبِنَةً مِنْ فِضَّةٍ، وَ رُبَّمَا أمْسَكُوا. فَقُلْتُ لَهُمْ: مَا بَالُكُمْ قَدْ أمْسَكْتُمْ؟

  • فَقَالُوا: حتّى تَجِيئَنَا النَّفَقَةُ.

  • فَقُلْتُ: وَ مَا نَفَقَتُكُمْ؟

  • قَالُوا: قَوْلُ المُؤْمِنُ: «سُبْحَانَ اللهِ، وَ الحَمْدُ لِلَّهِ، وَ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ، وَ اللهُ أكْبَرُ» فَإذَا قَالَ بَنَيْنَا، وَ إذَا سَكَتَ أمْسَكْنَا.

  • و قال صلّى الله عليه و آله و سلّم: لمّا اسري بي إلى سبع سماواته، و أخذ جبرئيل بيدي و أدخلني الجنّة و أجلسني على درنوك من درانيك الجنّة و ناولني سفرجلة، فانفلقت نصفين و خرجت حوراء منها فقامت بين يدي و قالت: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ! السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أحْمَدُ! السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ!

  • فقلتُ: وَ عَلَيْكِ السَّلَامُ، مَن أنتِ؟

معرفة المعاد ج۱۰

45
  • فقالت: أنا الراضية المرضيّة، خلقني الجبّار من ثلاثة أنواع، أعلاي من الكافور، و وسطي من العنبر، و أسفلي من المسك، عُجنت بماء الحيوان؛ قال لي ربّي: كوني فكنتُ لأخيك و وصيّك عليّ بن أبي طالب.

  • و هذا و مثله دليل على خَلْق الجنّة، و بالعكس من ذلك الكلام في النار.1

  • و روى الشيخ الطوسيّ في «الأمالي» صدر هذه الرواية بسنده المتّصل عن رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم.2

  • و في «تفسير عليّ بن إبراهيم» بإسناده إلى حذيفة بن اليمان، قال:

  • دخلت عائشة على النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم و هو يقبّل فاطمة عليها السلام و قالت: يا رسول الله! أتقبّلها و هي ذات بعل؟!

  • (فيذكر رسول الله حديث المعراج حتّى يصل إلى قوله)

  • ثمّ أخذ جبرئيل عليه السلام بيدي فأدخلني الجنّة و أنا مسرور، فإذا أنا بشجرة من نورٍ، فإذا أنا بتفّاح لم أر تفّاحاً أعظم منه، فأخذتُ واحدة ففلقتها، فخرجت عَلَيّ منها حوراء كأنّ أجفانها مقاديم أجنحة النسور.

  • فقلتُ: لمن أنت؟

  • فبكت، و قالت: لِابْنِكَ المَقْتُولُ ظُلْماً: الحُسَيْنِ بْنِ عليّ بْنِ أبِي طَالِبٍ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ.

  • ثمّ تقدّمتُ أمامي فإذا أنا برطب ألين من الزبد و أحلى من العسل، فأخذتُ رطبة فأكلتُها و أنا أشتهيها، فتحوّلت الرطبة نطفة في صلبي، فلمّا هبطت الى الأرض واقعتُ خديجة فحملتْ بفاطمة، ففاطمة حوراء إنسيّة،

    1. «بحار الأنوار» ج 8، ص 176، نقلًا عن« تفسير النعمانيّ» ص 105 إلى 107.
    2. «أمالي الشيخ» ص 293، الطبعة الحجريّة.

معرفة المعاد ج۱۰

46
  • فإذا اشتقت إلى رائحة الجنّة شممتُ رائحة ابنتي فاطمة عليها السلام.1

  • و في «مجموعة ورّام بن أبي فراس» عن أبي أيّوب الأنصاريّ، عن رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم، قال:

  • لَيْلَةَ اسْرِي بِي مَرَّ بِي إبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ: مُرْ امَّتَكَ أنْ يُكْثِرُوا مِن غَرْسِ الجَنَّةِ! فَإنَّ أرْضَهَا وَاسِعَةٌ وَ تُرْبَتَهَا طَيِّبَةٌ.

  • قُلْتُ: وَ مَا غَرْسُ الجَنَّةِ؟ قَالَ: لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ.2

  • مَن ذكر الله، غرس الله له شجرة في الجنّة

  • و روى الكلينيّ في «الكافي» عن جماعة من الأصحاب، عن الفضيل ابن عبد الوهاب، عن إسحاق بن عبيد الله، عن عبيد الله بن الوليد، و روى الصافيّ مرفوعاً عن رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم، قال:

  • مَنْ قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللهُ، غُرِسَتْ لَهُ شَجَرَةٌ في الجَنَّةِ مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ مَنْبَتُهَا في مِسْكٍ أبْيَضَ، أحْلَى مِنَ العَسَلِ وَ أشَدُّ بَيَاضاً مِنَ الثَّلْجِ، وَ أطْيَبُ رِيحاً مِنَ المِسْكِ، فِيهَا أمْثَالُ ثَدْيِ الأبْكَارِ تَعْلُو عَنْ سَبْعِينَ حُلَّة.

  • وَ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ: خَيْرُ العِبَادَةِ قَوْلُ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ.

  • وَ قَالَ: خَيْرُ العِبَادَةِ الاسْتِغْفَارُ؛ وَ ذَلِكَ قَوْلُ اللهِ عَزَّ وَ جَلَّ في كِتَابِهِ:

  • «فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ وَ اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ».3

  • و روى الصدوق في «الأمالي» عن أحمد بن هارون الفاميّ، عن محمّد بن عبد الله الحميريّ، عن أبيه، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن أبي عبد الله (الصادق) عليه السلام، عن أبيه، عن جدّه عليهم السلام، قال:

    1. «تفسير فرات» ص 10.
    2. «بحار الأنوار» ج 8، ص 149، عن كتاب« تنبيه الخاطر و نزهة الناظر».
    3. «اصول الكافي» ج 2، ص 517، الطبعة الحروفيّة.

معرفة المعاد ج۱۰

47
  • قَالَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ: مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ، غَرَسَ اللهُ لَهُ بِهَا شَجَرَةً في الجَنَّةِ. وَ مَنْ قَالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، غَرَسَ اللهُ لَهُ بِهَا شَجَرَةً في الجَنَّةِ؛ وَ مَنْ قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللهُ، غَرَسَ اللهُ لَهُ بِهَا شَجَرَةً في الجَنَّةِ؛ وَ مَنْ قَالَ: اللهُ أكْبَرُ، غَرَسَ اللهُ لَهُ بِهَا شَجَرَةً في الجَنَّةِ.

  • فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ: يَا رَسُولَ اللهِ! إنَّ شَجَرَنَا في الجَنَّةِ لَكَثِيرٌ!

  • قَالَ: نَعَمْ! وَ لَكِنْ إيَّاكُمْ أنْ تُرْسِلُوا عَلَيْهَا نِيرَاناً فَتُحْرِقُوهَا، وَ ذَلِكَ أنَّ اللهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ لا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ».1

  • فإن قال شخص ما: إذا كانت الجنّة و النار مخلوقتين، و كان من المسلّم أنّ موضع النار على الأرض، و كان موضع الجنّة- كما هو مستفاد من الآيات القرآنيّة على وجه التقريب- في ملكوت الأرض، فلما ذا إذاً لا يراهما الناس؟

  • و الإجابة على ذلك هي أنّ الناس لم يمتلكوا أعيناً ترى الجنّة و النار.

  • و لو تطلّعوا بتلك الأعين لرأوهما. و قد برهنّا في بحث تجسّد الأعمال على أنّ أي عمل سوف لن يضمحلّ في عالم التكوين، و أنّه يمتلك صوراً مختلفة في النشآت المختلفة؛ و أنّ الجنّة و النار ليستا إلّا ظهوراً لحقائق الأعمال.

  • وَ أُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ، وَ بُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ.2

  • وَ بُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى.3

    1. «أمالي الصدوق» ص 362، الطبعة الحجريّة. و الآية هي 33، من السورة 47:
      محمّد صلّى الله عليه و آله.
    2. الآيتان 90 و 91، من السورة 26: الشعراء.
    3. الآية 36، من السورة 79: النازعات.

معرفة المعاد ج۱۰

48
  • و لهذا فإنّ أعين الناس حين تبصر الحقائق و تدركها يوم القيامة، فإنّما تبصرها إثر التجرّد الذي سيحصل لها. و لو اعطيت ذلك التجرّد في هذا العالَم، لشاهدت الجنّة و النار عياناً كما عاينها رسول الله و الأئمّة المعصومون و أولياء الله تعالى.

  • و تعبير أُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ له دلالة جليّة على هذا المعنى، في قوله تعالى:

  • وَ أُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ.1

  • لأنّ الزلفى و القرب إنّما يقالان للشيء الموجود البعيد الذي يقرّب، و من الجليّ أنّ تقريب الجنّة هو تقريب إدراك الإنسان لحقيقتها شأنها في ذلك شأن العبادات التي نقوم بها تقرّباً إلى الله تعالى، و نهدف بها رفع الحجب و تقريب الإدراك، و لا نقصد و العياذ بالله أنّنا بعيدون عن الله و أنّنا نقترب منه بالعبادة.

  • و قد ورد في القرآن الكريم أنّ لجهنّم سبعة أبواب:

  • لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ.2

  • الجنّة ذات ثمانية أبواب

  • أمّا أبواب الجنّة، فليس من آية في القرآن تتحدّث عن عددها، بَيدَ أنّه قد ورد في أخبار كثيرة أنّ لها ثمانية أبواب. و ربّما كان السرّ في ذلك هو أنّ رحمة الله سبقت غضبه، وفقاً للآية الكريمة: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ.3

  • و لهذا السبب، فإنّ أبواب الرحمة و الفضل و العافية و الخير تفوق دائماً أبواب النقمة و النكبة و الشرّ، كما أنّ الماء (و هو مظهر رحمة الله في

    1. الآية 31، من السورة 50: ق.
    2. الآية 44، من السورة 15: الحجر.
    3. الآية 101، من السورة 21: الأنبياء.

معرفة المعاد ج۱۰

49
  • هذا العالم) سبق النار (و هي مظهر غضبه تعالي) فهو يُخمِد لهبها و يُطفؤها.

  • و من جملة تلك الأخبار، الرواية الواردة في «الخصال» للصدوق بسنده المتّصل عن الإمام أبي عبد الله الصادق، عن أبيه، عن جدّه عليّ بن أبي طالب عليهم السلام، قال:

  • إنّ للجنّة ثمانية أبواب، بابٌ يدخل منه النبيّون و الصدّيقون، و باب يدخل منه الشهداء و الصالحون، و خمسة أبواب يدخل منها شيعتنا و محبّونا، فلا أزال واقفاً على الصراط أدعو و أقول: ربِّ سلِّم شيعتي و محبّييّ و أنصاري و مَن تولّاني في دار الدنيا، فإذا النداء من بطنان العرش:

  • قد اجيبتْ دعوتك و شُفّعتَ في شيعتك، و يشفع كلّ رجل من شيعتي و مَن تولّاني و نصرني و حارب مَن حاربني بفعلٍ أو قول في سبعين ألف من جيرانه و أقربائه؛ و بابٌ يدخل منه سائر المسلمين ممّن شهد أن لا إله إلّا الله و لم يكن في قلبه مقدار ذرّة من بُغضنا أهل البيت.1

  • و قد فصّلنا البحث في هذه المطالب في المجلس السادس عشر من الجزء الثالث من بحث «معرفة المعاد» و أوضحنا أن جهنّم هي مقرّ المنكرين و المستكبرين. و لذا، فإنّ العامّة سيذهبون إلى الجنّة إذا أقرّوا بالشهادتين و كان عدم قبولهم للولاية غير نابع عن الإنكار و الاستكبار، و كان ناشئاً عن القصور. و أوردنا رواية مفصّلة عن «كتاب سليم بن قيس الهلاليّ» عن أمير المؤمنين ذات دلالة على أنّ الناس ينقسمون إلى ثلاث و سبعين فرقة، منها فرقة واحدة ناجية، أمّا الهالكون فهم قادة المذاهب و المتعصّبون لها. و أمّا الباقون فخارجون عن هذا التقسيم، و هم الذين يشكّلون السواد الأعظم من الامم المختلفة، و هم المستضعفون الذين

    1. «الخصال» باب الثمانية، ص 407 و 408، الطبعة الحروفيّة.

معرفة المعاد ج۱۰

50
  • يخضعون في كلّ عصر إلى هيمنة مستكبري ذلك العصر، و هم مسلوبو الاستقلال و حريّة الرأي و العقيدة.

  • و من هنا، فإنّ العامّة من غير المنكرين و المستكبرين هم من أصحاب الجنّة، إلّا أنّهم يدخلون الجنّة من باب خاصّ، و أنّهم لا يساوون الشيعة في درجتهم و مقامهم.

  • روى الصدوق في «الخصال» بسنده عن جابر، عن أبي جعفر الباقر عليه السلام أنّه قال:

  • أحْسِنُوا الظَّنَّ بِاللهِ، وَ اعْلَمُوا أنَّ لِلْجَنَّةِ ثَمَانِيَةَ أبْوَابٍ، عَرْضُ كُلِّ بَابٍ مِنْهَا مَسِيرَةُ أرْبَعِينَ سَنةً.1

  • و روى الصدوق في «الأمالي» عن أنس بن مالك، قال:

  • تُوفّي ابن لعثمان بن مظعون رحمة الله عليه فاشتدّ حزنه عليه حتّى اتّخذ من داره مسجداً يتعبّد فيه، فبلغ ذلك رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم، فقال له: يا عثمان! إنّ الله تبارك و تعالى لم يكتب علينا الرهبانيّة، إنّما رهبانيّة امّتي الجهاد في سبيل الله. يا عثمان بن مظعون! للجنّة ثمانية أبواب و للنار سبعة أبواب، أ فما يسرّك أن لا تأتي باباً منها إلّا وجدتَ ابنك إلى جنبك آخذاً بحجزتك يشفع لك إلى ربّك؟

  • قال: بلى.

  • فقال المسلمون: و لنا يا رسول الله في فرطنا ما لعثمان؟

  • قال: نعم، لمن صبر منكم و احتسب. ثمّ قال: يا عثمان! من صلّى صلاة الفجر في جماعة، ثمّ جلس يذكر الله تعالى حتّى تطلع الشمس، كان له في الفردوس سبعون درجة، بُعد ما بين كلّ درجتينِ كحضر2 الفرس

    1. «الخصال» باب الثمانية، ص 408، الطبعة الحروفيّة.
    2. كحضر: كعدوة- عدا يعدو عدواً، أى كخطوة الفرس.

معرفة المعاد ج۱۰

51
  • الجواد المضر سبعين سنة؛ و مَن صلّى الظهر في جماعة، كان له في جنّات عدن خمسون درجة، بُعد ما بين كلّ درجتينِ كحضر الفرس الجواد خمسين سنة؛ و مَن صلّى العصر في جماعة كان له كأجر ثمانية من ولد إسماعيل كلّ منهم ربّ بيت يعتقهم؛ و مَن صلّى المغرب في جماعة، كان له كحجّة مبرورة و عُمرة متقبّلة؛ و مَن صلّى العشاء في جماعة، كان له كقيام ليلة القدر.1

  • الكلمات المكتوبة على أبواب الجنّة

  • و روى المجلسيّ رضوان الله عليه عن كتاب «فضائل ابن شاذان» و عن كتاب «الروضة» بالإسناد يرفعه إلى عبد الله بن مسعود، عن رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم أنّه قال:

  • لمّا اسري بي إلى السماء، قال لي جبرئيل عليه السلام: قد أمرتُ الجنّة و النار أن تُعرَض عليك. قال: فرأيتُ الجنّة و ما فيها من النعيم، و رأيت النار و ما فيها من العذاب. و الجنّة فيها ثمانية أبواب، على كلّ باب منها أربع كلمات، كلّ كلمة خير من الدنيا و ما فيها لمن يعلم و يعمل بها؛ و للنار سبعة أبواب، على كلّ باب منها ثلاث كلمات، كلّ كلمة خير من الدنيا و ما فيها لمن يعلم و يعمل بها.

  • فقال لي جبرئيل عليه السلام: اقرأ يا محمّد ما على الأبواب!

  • فقرأتُ ذلك، أمّا أبواب الجنّة فعلى أوّل باب منها مكتوب: لَا إلَهَ إلَّا اللهُ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، عَلِيّ وَلِيّ اللهِ؛ لكلّ شيء حيلة، و حيلة العيش أربع خصال: القناعة، و بذل الحقّ، و ترك الحقد، و مجالسة أهل الخير.

  • و على الباب الثاني مكتوب:

  • لَا إلَهَ إلَّا اللهُ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، عَلِيّ وَلِيّ اللهِ؛ لكلّ شيء حيلة،

    1. «الأمالي» للصدوق، ص 40 و 41.

معرفة المعاد ج۱۰

52
  • و حيلة السرور في الآخرة أربع خصال: مسح رؤوس اليتامى، و التعطّف على الأرامل، و السعي في حوائج المؤمنين، و التفقّد للفقراء و المساكين.

  • و على الباب الثالث مكتوب:

  • لَا إلَهَ إلَّا اللهُ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، عَلِيّ وَلِيّ اللهِ؛ لكلّ شيء حيلة، و حيلة الصحّة في الدنيا أربع خصال: قلّة الكلام، و قلّة المنام، و قلّة المشي، و قلّة الطعام.

  • و على الباب الرابع مكتوب:

  • لَا إلَهَ إلَّا اللهُ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، عَلِيّ وَلِيّ اللهِ؛ مَن كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فليكرم ضيفه؛ من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فليكرم جاره؛ من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فليكرم والديه؛ من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فليقل خيراً أو يسكت.

  • و على الباب الخامس مكتوب: لَا إلَهَ إلَّا اللهُ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، عَلِيّ وَلِيّ اللهِ؛ من أراد أن لا يُظلَم فلا يَظلم؛ و من أراد أن لا يُشتَم فلا يَشتم، و من أراد أن لا يذلّ فلا يذلّ، و من أراد أن يستمسك بالعروة الوثقى في الدنيا و الآخرة فليقل: لا إله إلّا الله، محمّد رسول الله، عليّ وليّ الله.

  • و على الباب السادس مكتوب: لَا إلَهَ إلَّا اللهُ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، عَلِيّ وَلِيّ اللهِ؛ من أراد أن يكون قبره وسيعاً فسيحاً فليبن المساجد، و من أراد أن لا تأكله الديدان تحت الأرض فليكسُ المساجد بالبسط.

  • و على الباب السابع مكتوب: لَا إلَهَ إلَّا اللهُ، مُحَمَّدُ رَسُولُ اللهِ، عَلِيّ وَلِيّ اللهِ؛ بياض القلب في أربع خصال: عيادة المريض، و اتّباع الجنائز، و شراء الأكفان، و ردّ القرض.

  • و على الباب الثامن مكتوب: لَا إلَهَ إلَّا اللهُ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، عَلِيّ

معرفة المعاد ج۱۰

53
  • وَلِيّ اللهِ؛ من أراد الدخول من هذه الأبواب فليتمسّك بأربع خصال:

  • السخاء، و حُسن الخُلق، و الصدقة، و الكفّ عن أذى عباد الله تعالى.

  • (ثمّ يذكر رسول الله الكلمات المكتوبة على أبواب جهنّم السبعة بالتفصيل)؛1 و سنذكر هذا القسم من الرواية في بحث جهنّم إن شاء الله تعالى.

  • و روى الصدوق في «معاني الأخبار» بإسناده عن أنس بن مالك، قال:

  • قال رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم:

  • إنّ لِلْجَنَّةِ بَاباً يُدْعَى الرَّيَّانَ، لَا يَدْخُلُ مِنْهُ إلَّا الصَّائِمُونَ.2

  • و لا يفوتنا القول بأنّ غرف الجنّة قد ورد ذكرها في القرآن الكريم و في الروايات، حيث يستفاد من مضمون ما ورد أنّ تلك الغرف محلّ خاصّ ذو أهمّيّة كبيرة.

  • و يُطلق لفظ الغُرفة في اللغة على العِلّيّة، و هي الحجرة التي تُبنى فوق حجرات و تشكّل الموضع المرتفع من البيوت و القصور، و هي في الآيات و الروايات كناية عن المقام العالي في الجنّة الذي يُمنّ به على أفراد معيّنين.

  • فقد ورد- مثلًا- في الآية 20، من السورة 39: الزمر: لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعادَ.

  • و جاء في الآية 75، من السورة 25: الفرقان: أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا وَ يُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَ سَلاماً.

    1. «بحار الأنوار» ج 8، ص 144 و 145، الطبعة الحروفيّة.
    2. «معاني الأخبار» ص 409، الحديث 90 من النوادر، طبعة المطبعة الحيدريّة.

معرفة المعاد ج۱۰

54
  • (و الحديث عن عباد الرحمن الذين ورد ذكرهم في الآيات الأثنتي عشرة السابقة). أي أنّ عباد الرحمن يُسكنون في تلك الغُرفات جزاء صبرهم و استقامتهم في طاعة الله و في اجتناب معصيته. و هو لا ينفكّ عن الصبر في النوائب و الشدائد. و اولئكم يتلقّاهم الملائكة من قِبل ربّهم بالتحية و السلام و الأمن من كلّ خوف و فزع.

  • روى المرحوم الصدوق في «الأمالي» عن العطّار، عن سعد، عن ابن عيسى، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن ابن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (الصادق) عليه السلام، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليه السلام، قَالَ:

  • قَالَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ: إنَّ في الجَنَّةِ غُرَفاً يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا، وَ بَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا، يَسْكُنُهَا مِنْ امَّتِي مَنْ أطَابَ الكَلَامَ، وَ أطْعَمَ الطَّعَامَ، وَ أفْشَى السَّلَامَ، وَ صَلَّى بِاللَّيْلِ وَ النَّاسُ نِيَامٌ- الخبر.1

  • و هناك كثير من الذنوب لها تأثير عميق في النفوس، بحيث تُبعد مرتكبيها عن رحمة الله تعالى، و قد ورد أنّهم لا يجدون رائحة الجنّة مع أنّ ريحها توجد من مسيرة خمسمائة عام أو ألف عام.

  • أصحاب الفحشاء لا يردون الجنّة

  • روى الصدوق في «معاني الأخبار» عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن أبيه، عن أحمد بن النضر، عن عمرو بن الشمر، عن جابر، عن أبي جعفر (الباقر) عليه السلام، قال:

  • قَالَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ: أخْبَرَنِي جَبْرَئِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أنَّ رِيحَ الجَنَّةِ يُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ ألْفِ عَامٍ، مَا يَجِدُهَا عَاقٌّ، وَ لَا قَاطِعُ

    1. «أمالي الصدوق» ص 198.

معرفة المعاد ج۱۰

55
  • رَحِمٍ، وَ لَا شَيْخٌ زَانٍ، وَ لَا جَارُّ إزَارَهُ خُيَلَاءَ، وَ لَا فَتَّانٌ، وَ لَا مَنَّانٌ، وَ لَا جَعْظَرِيّ.

  • قَالَ: قُلْتُ: فَمَا الجَعْظَرِيّ؟

  • قَالَ: الذي لَا يَشْبَعُ مِنَ الدُّنْيَا.1

  • و جاء في حديث آخر: وَ لَا جَيُّوفٌ وَ هُوَ النَّبَّاشُ، وَ لَا زَنُوقٌ و هُوَ المُخَنَّثُ، وَ لَا جَوَّاضٌ2] وَ هُوَ الجَلْفُ الجَافِي [وَ لَا جَعْظَرِيّ وَ هُوَ الذي لَا يَشْبَعُ مِنَ الدُّنْيَا.3

  • و روي في «نوادر الراونديّ» بإسناده عن أبي عبد الله (الصادق) عليه السلام، عن آبائه عليهم السلام، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم:

  • لمّا خلق الله تعالى جنّة عدن، خلق لَبِنَها من ذهب يتلألأ و مسك مدوف، ثمّ أمرها فاهتزّت و نطقتْ فقالت: أنْتَ اللهُ لَا إلَهَ إلَّا أنْتَ الحَيّ القَيُّومُ. فطوبى لمن قدّر له دخولي. قال الله تعالى:

  • وَ عِزَّتِي وَ جَلَالِي وَ ارْتِفَاعِ مَكَانِي لَا يَدْخُلُكِ مُدْمِنُ خَمْرٍ، وَ لَا مُصِرٌّ على رِباً، وَ لَا قَتَّاتٌ وَ هُوَ النَّمَّامُ، وَ لَا دَيُّوثٌ وَ هُوَ الذي لَا يَغَارُ وَ يَجْتَمِعُ في بَيْتِهِ عَلَى الفُجُورِ، وَ لَا قَلَّاعٌ وَ هُوَ الذي يَسْعَى بِالنَّاسِ عِنْدَ السُّلْطَانِ لِيُهْلِكَهُمْ، وَ لَا خَيُّوفٌ وَ هُوَ النَّبَّاشُ، وَ لَا خَتَّارٌ وَ هُوَ الذي لَا يُوفِي بِالعَهْدِ.4

  • هذه حال أمثال هؤلاء المحجوبين و العاصين، و شتّان بين حالهم و حال سكنة الجنان الذين أسكرهم عبق رائحتها! بل شتّان بينهم و بين

    1. «معاني الأخبار» ص 330، طبعة المطبعة الحيدريّة.
    2. جوّاظ( بالظاء) بمعنى الغليظ و الجلف. و لم نعثر عليه بالضاد.
    3. «معاني الأخبار» ص 330، طبعة المطبعة الحيدريّة.
    4. «بحار الأنوار» ج 8، ص 199، الطبعة الحروفيّة.

معرفة المعاد ج۱۰

56
  • السائرين الى الجنان الذين يثملهم عطرها على البُعد!

  • «و ز سَقاهُم رَبُّهُم بين جملة أبْرار مست»1

  • طوبى و سدره گر به قيامت به من دهند***يكجا فداى قامت رعنا كنم ترا

  • مستانه كاش بر حرم و دير بگذرى***تا قبله گاه مؤمن و ترسا كنم ترا

  • با صد هزار جلوه برون آمدى كه من***با صد هزار ديده تماشا كنم ترا

  • بالاى خود در آينه چشم من ببين***تا با خبر ز عالم بالا كنم ترا

  • خواهم شبى نقاب ز رويت بر افكنم***خورشيد كعبه، ماه كليسا كنم ترا

  • زيبا شود به كار گه عشق كار من***هر گه نظر به صورت زيبا كنم ترا 2

    1. يقول:« تطلّع إلى الأبرار و هم ثمالى بأجمعهم ممّا سقاهم ربّهم».
    2. مقتطفات من شعر غزليّ لفروغي البسطاميّ.
      يقول:« لو أعطيتُ يوم القيامة شجرة طوبى و سدرة المنتهى، لفديتُهما معاً لقامتك الجميلة!
      وليتك تمرّ ثملًا على الحرم و الدير--لأجعلك قبلة للمؤمن و اليهوديّ.
      لقد تجليّتَ بمائة ألف جلوة--من أجل أن أراك بمائة ألف.
      فانظر الى قامتك في مرآة عيني--لُاخبرك عن العالم العلويّ.
      سأزيح النقاب ليلةً عن طلعتك--و أجعلك شمسَ الكعبة و قمرَ الكنيسة.
      و مهما تأمّلتُ في محيّاك الرائع--كان فِعلي مستحسناً لدى العاشقين!».
      --

معرفة المعاد ج۱۰

57
  • خدايا زاهد از تو حور مىخواهد قصورش بين***به جنّت مىگريزد از درت يا رب شعورش بين 1

    1. يقول:« انظر يا ربّ إلى قصور الزاهد حين يطلب منك الحور( و يطلب منك سواك)، و تطلّع إلى شعوره حين يهرب من بابك إلى جنّتك!».

معرفة المعاد ج۱۰

58
  •  

  •  

  • المَجْلِسُ التَّاسِعُ وَ السِّتُّونَ: الجَنَّةُ مَحَلُّ الأطْهَارِ

  •  

  •  

معرفة المعاد ج۱۰

60
  •  

  •  

  • بسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

  • الحمد للّه ربّ العالمين و لا حول و لا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم

  • و صلّى الله على محمّد و آله الطاهرين

  • و لعنة الله على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين

  •  

  •  

  • الجنّة محلّ القداسة و الطهارة

  • قال الله الحكيم في كتابه الكريم:

  • إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ، دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وَ تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ وَ آخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.1

  • الجنّة هي محلّ الطهر و الطهارة، و موضع القدس و النزاهة؛ و في المقابل فإنّ جهنّم هي محلّ الرجس و الدنس و موضع القذارة و النجاسة و الغلّ و الغش.

  • و على هذا الأساس، فإنّ الجنّة بذاتها و أبوابها و درجاتها طاهرة مطهَّرة، كما أنّ خدّامها و ساكنيها و وارديها طاهرون مطهّرون، في السيرة و السلوك و في الملكات و الصفات و العقائد. و لا مكان هناك لفعل القبيح و القول الذميم و النيّة المدنّسة، و لا للمكر و الخدعة و الحرص و الطمع و البُخل و الحقد و الحسد و المداهنة و التملّق و النفاق و الغرور و الاستكبار و الأنانيّة.

    1. الآيتان 9 و 10، من السورة 10: يونس.

معرفة المعاد ج۱۰

61
  • و ليس هناك مَن يدعو إلى الكفر و الشرك و النفاق، أو يميل إلى الباطل و الآراء الفاسدة، و لا مكان للغو و العبث و الباطل من القول.

  • فدأب الجميع هناك الحمد و السلام و التحيّة و الإكرام و التهنئة و التسبيح و التقديس، و شأنهم التمجيد و التهليل و التكبير و الذكر، و حالهم التلاقي و التزاور و النضارة و السرور و البهجة و الحبور، يملؤهم الإحساس بالخفّة و النشاط فيحلّقون، و تطفح فيهم اللذّة و النعمة و الخير و البركة و العافية و الرحمة؛ و يفيض منهم العطف و الودّ و الحبّ و الشوق و الإحسان و الإخلاص.

  • و لقد كانت الصدمات و المشاكل الدنيويّة و البؤس و الضرّاء و المجاهدات في تكميل النفوس و القابليّات تستهدف ورود هذا المقام المنيع و بلوغ هذه الذروة الرفيعة. و كانت شدائد سكرات الموت و عذاب عالم القبر و البرزخ، و سؤال منكر و نكير، و تطاول عالم الصورة، و النفخ في الصور، و القيام عند الله تعالى، و عالم الحشر و النشور، و صحائف الأعمال، و الحساب و الجزاء و العرض و الصراط و الميزان و الشفاعة و الأعراف و الوسيلة و غيرها، تشكّل بأجمعها دروساً تربويّة لتطهير النفوس و تزكيتها لنيل مقام القداسة و ورود الجنّة.

  • كما أنّ جهنّم بدورها هي نوع من التطهير و التزكية بالنسبة إلى غير المخلّدين فيها، لأنّهم يذوقون جزاء ما ارتكبوا من قبائح، من أجل أن توجد فيهم القابليّة لنيل العفو و الغفران. ثمّ إنّهم يخرجون منها فيغتسلون في ماء الكوثر، و ينهلون من معين الولاية، فتنالهم الشفاعة إثر ذلك، و يتوجّهون صوب الجنّة.

  • و ما أجمل هذه الآية الشريفة و هي تنطق بلسان أصحاب الجنّة في مناجاتهم المستمرّة لربّهم، و ترنّمهم ب- «سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ» و السلام تحيّتهم،

معرفة المعاد ج۱۰

62
  • و أنّ آخر دعواهم و كلامهم يتمثل في حصر جميع مراتب التمجيد و الثناء و الحمد في الذات القدسيّة لربّ العالمين. أي أنّهم قد بلغوا آنذاك مقام العرفان الحقيقيّ، فحصروا الأفعال و الصفات و الأسماء و الذوات في الذات القدسيّة لحضرة ذي الجلال، و صاروا يرون نوره متجلّياً في جميع مظاهر و عوالم المُلك و الملكوت، و يشاهدون العالم بأسره نوراً و ضياءً و شعاعاً من بريق الشمس الساطعة للحضرة الأحديّة.

  • إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَ لُؤْلُؤاً وَ لِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ، وَ هُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَ هُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ.1

  • و نلحظ في هذا المجال أنّ الآية عدّت أفضل هدايا الجنّة و تُحفها مجسّدة في القول الطيّب و سبيل العزّة الذي يرتضيه الله تعالى. و الحقّ أنّ هذا الكلام الحقيقيّ الحاكي عن محض الواقع و حقيقة العرفان يفوق كلّ لذّة و بهجة و سرور.

  • جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَ لُؤْلُؤاً وَ لِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ، وَ قالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ، الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَ لا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ.2

  • حيث إنّ عنوان حمد الله، و إسناد إذهاب الحَزَن إلى الله تعالى، و الثناء عليه عزّ و جلّ بصفتَي «الغفور» و «الشكور»، و نسبة الإحلال في دار المقامة إليه تعالى، إضافة إلى عدم حسّ التعب و اللغوب، هي امور تدلّ

    1. الآيتان 23 و 24، من السورة 22: الحجّ.
    2. الآيات 33 إلى 35، من السورة 35: فاطر.

معرفة المعاد ج۱۰

63
  • بأجمعها على مقام التوحيد و العرفان الحقيقيّ لأصحاب الجنّة، إذ ليس في عالم لقاء الحضرة الأحديّة من مشكلات و لا صعوبات، و لا سبيل للكدورات إليه.

  • الجنّة دار السلام

  • إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ، ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ، وَ نَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ، لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ وَ ما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ.1

  • و على هذا الأساس، فإنّ الجنّة هي محلّ السلام و السلامة؛ أي المحلّ الذي لا يعتري الإنسان فيه مرض أو فقر أو موت، و لا يواجهه فيه صعوبة أو نقصان في بُعدٍ من أبعاده الوجوديّة.

  • وَ لَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَ لَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ، جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ كَذلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.2

  • إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ (بربّهم و بالموجودات المجرّدة الملكوتيّة في العالم العلويّ) فاكِهُونَ، هُمْ وَ أَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ، لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَ لَهُمْ ما يَدَّعُونَ، سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ.3

  • و نشاهد في هذه الآية الأخيرة أنّ مقصود أصحاب الجنّة و غايتهم هو سلام الله تعالى، لأنّهم جعلوا الله بُغيتهم و مقصودهم فطووا إليه مراحل

    1. الآيات 45 إلى 48، من السورة 15: الحجر.
    2. الآيات 30 إلى 32، من السورة 16: النحل.
    3. الآيات 55 إلى 58، من السورة 36: يس.

معرفة المعاد ج۱۰

64
  • السلوك، و ساروا إلى اللقاء و الحضور و العرفان، و يمّموا صوب الفناء في نهاية المطاف في ذاته القدسيّة و البقاء ببقائه و أبديّته و خلوده؛ و ها هم قد بلغوا دار السلام، فصار ربّهم وليّهم و مدبّرهم.

  • لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ هُوَ وَلِيُّهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ.1

  • أجل، إنّ السلام من أسماء الله تعالى، أي أنّ له عزّ و جلّ صفة السلام، و أنّه تعالى عارٍ عن أي نقصان أو حزن أو خوف أو عجز، و منزّه عن أي فتور أو عاهة أو مرض. و هي صفة تُفاض على المؤمن فيتّصف بصفة السلام و يسمّى باسم السلام.

  • هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ.2

  • و قد ورد في الدعاء: اللهُمَّ أنْتَ السَّلَامُ وَ مِنْكَ السَّلَامُ وَ لَكَ السَّلَامُ وَ إلَيْكَ يَعُودُ السَّلَامُ.3

  • و بما أنّ المؤمن قد اتّصف بصفة السلام و اسم السلام، فجميع آثار و خواصّ السلام الموجودة في الله تعالى ستتجلّى في المؤمن، و سيحظى من ثَمّ بمقام عالٍ و رفيع حقّاً.

  • و ما أعظم دين الإسلام المقدّس و أمتنه حين جعل السلام تحيّة المسلمين! السَّلَامُ عَلَيْكُمْ. يعني: لكم اسم السلام الخاصّ بالله. و يعني:

    1. الآية 127، من السورة 6: الأنعام.
    2. الآية 23، من السورة 59: الحشر.
    3. ينقل المجلسيّ رحمة الله عليه في كتاب« مزار البحار» ج 22، ص 241، طبعة الكمبانيّ القديمة، عن السيّد ابن طاووس( ج 96، ص 83 إلي 92، الطبعة الجديدة الحروفيّة) زيارةً لصاحب العصر في السرداب المطهّر، يصلّي الزائر بعدها اثنتي عشرة ركعة و يُهديها له عليه السلام، و يسبّح تسبيحة الزهراء عليها السلام كلّما سلّم في كلّ ركعتين، ثمّ يقول: اللهُمَّ أنْتَ السَّلَامُ، وَ مِنْكَ السَّلَامُ، وَ إلَيْكَ يَعُودُ السَّلَامُ، حَيِّنَا رَبَّنَا مِنْكَ بِالسَّلَامِ- الدعاء.

معرفة المعاد ج۱۰

65
  • اتّصفوا بهذا الإسلام و تمتعوا بالسلامة المطلقة للباري تعالى.

  • فالسلام- إذَاً- ليس تحيّة يُنشؤها المسلم من عند نفسه، فيُهديها إلى أخيه المسلم؛ بل هو دعاء و إنشاء طلب من الله تعالى ليمنّ بالسلام على ذلك الأخ المسلم.

  • كما أنّ صيغة السَّلَامُ عَلَيْنَا وَ عَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ هي أيضاً دعاء يدعو به المسلم، فيطلب من الله السلام و الاتّصاف بهذه الصفة لنفسه و لعباد الله الصالحين.

  • أ وَ لسنا محتاجين لمثل هذا المقام؟ فَلِمَ إذَاً نُحرم من مثل هذا الدعاء؟

  • قد يُخال للبعض أنّ السلام نوع من أنواع التحيّة و المجاملة الشكليّة، فلا يذكر كلمة «علينا»، و يكتفي في كتاباته بعبارة: السَّلَامُ عَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، و هو أمر ينطوي على خطأ جليّ و صريح.

  • و يتّضح ممّا قيل أنّ السلام ليس مجرّد كلام و ألفاظ متبادلة، بل هو حقيقة و عالم خاصّ. بَيدَ أنّ الدعاء للسلام لمّا استلزم الكلام، فصار يُخال للعامّة أنّ السلام من الكلام و الحديث. و شأن السلام شأن الرحمة و البركة و العافية التي تمثّل حقيقة و عالماً خاصّاً، و التي إذا ما شئنا الدعاء بها كما في قولنا: رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْكُمْ، وَ بَرَكَةُ اللهِ لَكُمْ، وَ عَافَاكُمُ اللهُ لاستلزم ذلك الكلام و استعمال الألفاظ.

  • وَ أُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ، هذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ، مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وَ جاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ، ادْخُلُوها بِسَلامٍ ذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ، لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها وَ لَدَيْنا مَزِيدٌ.1

    1. الآيات 31 إلى 35، من السورة 50: ق.

معرفة المعاد ج۱۰

66
  • فيتّضح من هذه الآيات أنّ ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ لا يعني أنّ الملائكة يسلّمون عليهم لفظاً، بل يعني أنّ دخولهم الجنّة يتساوق مع السلام و السلامة و الأمن من كلّ نقص و أذى.

  • و يدلّ السلام المشرّع في الإسلام كتحيّة و دعاء، على طلب الشخص السلامَ من الله للمسلَّم عليه، و إخباره بأنّ وجود مُلقي السلام سيتّصف باسم السلام، و أنّ ظهور هذا الاسم فيه سيصون متلقّي السلام عن أي أذى و شرّ من جانب مُلقي السلام.

  • يضاف إلى ذلك أنّ السلام معدود من درجات الطهر و الطهارة، و قد سبق أن نوّهنا بأنّ أصحاب الجنّة مطهّرون بأسرهم، و أنّ منازلهم و أزواجهم مطهّرة أيضاً.

  • الجنّة محلّ الاطهار.

  • أمّا بشأن طهارة أصحاب الجنّة، فقد ورد في الآية الكريمة 73، من السورة 39: الزمر:

  • سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ.

  • حيث يدلّ التفريع بالفاء في هذه الآية على طهارة المنزِل كدلالته على طهارة النازل من أصحاب الجنّة.

  • سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ.1

  • و يدلّ التفريع بالفاء في هذه الآية على طهارة المنزلة المسبّبة عن طهارة النازل، تلك المنزلة التي نالها إثر الصبر.

  • و إضافة إلى هذا الفارق بين الآيتين، فقد ورد السلام في الآية الثانية من قِبل الله تعالى، و في مقام الامتنان؛ أمّا في الآية الاولى فقد ورد من قِبل الملائكة الذين يتلقّون أصحاب الجنّة الطيّبين بالبشرى.

    1. الآية 24، من السورة 13: الرعد.

معرفة المعاد ج۱۰

67
  • و أمّا بشأن طهارة منازل أصحاب الجنّة، فيدلّ عليه قوله تعالى في الآية 12، من السورة 61: الصفّ: وَ يُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَ مَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ.

  • و أمّا بشأن طهارة أزواجهم، فبدلالة الآية 15، من السورة 3:

  • آل عمران: أَقُلْ (و الخطاب للنبيّ) أَ أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَ أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَ رِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ وَ اللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ.

  • و لا تنحصر الطهارة و القداسة في الجنّة في الوجود و النفس و المظاهر، بل تسري كذلك في الكلام و القول، فيخلو كلام أصحاب الجنّة من كلّ لغو و إثم.

  • لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَ لا تَأْثِيماً، إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً.1

  • لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَ لا كِذَّاباً.2

  • فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ، لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً.3

  • و يمكن أن نعتبر أوسع الآيات شمولًا و جامعيّة في هذا الشأن، الآية 49، من السورة 7: الأعراف: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَ لا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ.

  • و ذلك لأنّ الخوف ينشأ من احتمال وقوع أمر سيّئ، و أنّ الحزن ينشأ من أمر سيّئ واقع؛ و قد نفى الله عزّ و جلّ في هذه الآية عن أصحاب الجنّة كلّ نقصان وجوديّ، سواء النقصان الواقع أم النقصان المحتمل. و عليه،

    1. الآيتان 25 و 26، من السورة 56: الواقعة.
    2. الآية 35، من السورة 78: النبأ.
    3. الآيتان 10 و 11، من السورة 88: الغاشية.

معرفة المعاد ج۱۰

68
  • فليس في أهل الجنّة أي عيب أو نقص، و هم منزّهون عن كلّ أمر عدميّ، و كاملون في كينونة ذواتهم، كما لا يطرأ على الجنّة شيء من منغّصات الدنيا و عوامل الفعل و الانفعال التي تستدعي النقصان.

  • و لقد نُفي عن أهل الجنّة جميع أنحاء العيوب، و ابعد عنهم الغلّ و الغشّ، ففازوا بالرحمة الإلهيّة و غشيان الجذبات الربّانيّة، و عاشوا في أمن و سلام.

  • الإسلام هو الدين المرضيّ في الآخرة لا غير.

  • و يمكننا أن ندرك من خلال ذلك أنّ السلم و المسالمة و الإسلام و التسليم هي الحاكمة هناك، و أنّ الإنكار و الجحود و الاستكبار امور منتفية في ذلك العالم، و أن ليس من سبيل لمن يتّصف بهذه الرذائل لبلوغ ذلك العالَم، و أنّ الدين المرضيّ هناك هو دين الإسلام، دين التسليم و السلامة، و أنّ من ينتحل لنفسه ديناً سواه، سوف لن يُقبل منه، سواءً كان مذهباً سماوياً أم وضعيّاً.

  • إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ.1

  • وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَ هُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ.2

  • فاختيار الدين ليس بما تهوى النفوس و ترغب، و ليس من حقّ الإنسان أن يختار اليهوديّة أو النصرانيّة بعد أن جاء دين الإسلام الناسخ لجميع الأديان التي سبقته؛ فالواجب يحتّم على الجميع الاعتقاد بهذا الدين الذي هو أكمل و أتمّ الشرائع، و إلّا كانوا من الخاسرين.

  • و بغضّ النظر عمّا أصاب دينَي موسى و عيسى على نبيّنا و آله

    1. الآية 19، من السورة 3: آل عمران.
    2. الآية 85، من السورة 3: آل عمران.

معرفة المعاد ج۱۰

69
  • و عليهما السلام من تحريف المحرّفين و تدخّل أهواء حملتهما، و طروء التحريف على التوراة و الإنجيل، فإنّ الاسلام يعدّ متمّم الشرائع و الصراط المستقيم الهادي إلى الله تعالى، و النهج الأوحد إلى الحقيقة، كما يعد الواضع لأفضل الخطط و البرامج الشاملة لأرقى التعاليم الهادفة إلى إيصال الكمالات و القابليّات البشريّة إلى فعليّتها، و الى بلوغ توحيد و عرفان الحضرة الأحديّة. و لذلك فقد أضحى من الحكمة عدم اتّباع السبل الاخرى الضعيفة المنقطعة. و سيرحل أتباع تلكم السبل حين يرحلون عن الدنيا ناقصين لم يبلغوا بمراتب قابليّاتهم الوجوديّة إلى ذروة فعليّتها، و لم يتمكّنوا من طيّ طريق التوحيد إلى غايته، و سيكونون في العاقبة من الأخسرين أعمالًا، ذلك الخسران المبين الناشئ من النقصان و الامور العدميّة. و سيكون أمثال هؤلاء الأفراد ناقصين و حزانى في الآخرة التي هي محلّ تجلّيات النفس و ظهور عالم التوحيد، حتّى لو أنجزوا واجباتهم المناطة بهم على أكمل وجه.

  • و من هنا فلا يُمكن الاستفادة من آية:

  • لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ،1 بأنّ الناس مختارون في اختيار الدين و المذهب، لأنّ هذه الآية في صدد بيان أنّ الدين و العقيدة هما أمر وجدانيّ، و لا يمكن أن يُكره إنسان على اعتناق دين معيّن؛ و ما على البشر حين يتبيّن لهم الرشد و السعادة من الغيّ و الضلال، إلّا أن يسيروا صوب الكمال و الرشد.

  • و لا يعني ذلك كون الناس مختارين في اختيار الدين، لأنّ عليهم- بلحاظ الظاهر و الأحكام الاجتماعيّة و التعاليم الأخلاقيّة- أن يختاروا دين

    1. الآية 256، من السورة 2: البقرة.

معرفة المعاد ج۱۰

70
  • الإسلام حتماً؛ و هذا الاختيار و القبول سيهيّئان قلوبهم تدريجيّاً لتقبّل كمالات الإسلام المعنويّة.

  • و خلاصة القول أنّ هذه الآية في صدد الحكاية عن حالات الناس القلبيّة، و ليست في مقام الإنشاء و منح الاختيار في عالم الظاهر. و يشهد على هذا الأمر، أنّ هناك آيات اخرى تدلّ على أنّ الإسلام وحده هو الدين المرضيّ لدى الله تعالى، و أنّ أي دين و نهج آخر لن يحظى بارتضائه عزّ و جلّ، كالآيات 68 إلى 73، من السورة 43: الزخرف.

  • يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَ لا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ، الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَ كانُوا مُسْلِمِينَ، ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَ أَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ، يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَ أَكْوابٍ وَ فِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَ تَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَ أَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ، وَ تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، لَكُمْ فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْها تَأْكُلُونَ.

  • و قد وردت كلمة الإسلام في هذه الآية و في الآيتين اللتين سبقتاها تعبيراً عن خصوص الإسلام المصطلح، و ليس بمعنى التسليم الحقيقيّ، و هذا هو معنى الإسلام في الاصطلاح القرآنيّ، شأنه في ذلك شأن الإيمان الذي يعني خصوص الإيمان بالله و برسوله و لا يعني مطلق الإيمان.

  • و لذلك فإنّ الآيات القرآنيّة الكثيرة التي تجمع على أنّ الجنّة لمن آمن و عمل صالحاً، كالآية 82، من السورة 2: البقرة: وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ.

  • و الآية 40، من السورة 40: المؤمن: وَ مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ.

  • هذه الآيات بكثرتها عائدة إلى خصوص المسلمين و المؤمنين، لأنّ المتبادر من لفظ المؤمن في عرف الإسلام و عرف مسلمي صدر الإسلام هو

معرفة المعاد ج۱۰

71
  • خصوص المؤمن بالله و برسوله.

  • و يماثل تلك الآيات، الآية 2، من السورة 47: محمّد: وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ آمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وَ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَ أَصْلَحَ بالَهُمْ.

  • و نظير هذه الآيات، الآيات التي تدعو أهل الكتاب إلى الإسلام و الى الإيمان برسول الله و بالقرآن، كالآية 110، من السورة 3: آل عمران: وَ لَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ.

  • و كالآية 65، من السورة 5: المائدة: وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَ اتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَ لَأَدْخَلْناهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ.

  • و من الواضح أنّ الاعتقاد بدين النبيّ موسى أو بدين النبيّ عيسى لو كان كافياً، لما كان لأمر الله أهلَ الكتاب بالإسلام و بالإيمان بما نزّل على محمّد من معنى، و لا للومه إيّاهم لقولهم جزافاً بأنّ اليهوديّة و النصرانيّة تستتبعان دخول الجنّة، و لبيانه بأنّ الإسلام (و هو تسليم الوجهة الباطنيّة للّه تعالي) و الإحسان هما السبب الوحيد لثبات الأجر عند الله، و للنجاة من كلّ خوف و حُزن.

  • وَ قالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ، بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَ هُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ.1

  • الجنّة دار المؤمن و المسلم

  • و لدينا في هذا المسار آيتان قرآنيّتان لهما دلالة على عدم نفع الإيمان الظاهريّ، و على انتفاء أثر التسمّي بالإسلام و الإيمان، و على أنّ الإيمان الحقيقيّ هو الميزان و الملاك للسعادة و للنجاة من الخوف و الحزن.

    1. الآيتان 111 و 112، من السورة 2: البقرة

معرفة المعاد ج۱۰

72
  • اولاهما: الآية 69، من السورة 5: المائدة: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ الَّذِينَ هادُوا وَ الصَّابِئُونَ وَ النَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ عَمِلَ صالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ.

  • و ثانيتهما: الآية 62، من السورة 2: البقرة: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ الَّذِينَ هادُوا وَ النَّصارى وَ الصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ عَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ.

  • و هاتان الآيتان في صدد بيان أنّ أفراد البشر لمّا تيقّنوا بأنّ الدين الإسلاميّ المقدّس هو أكمل الأديان و أفضلها و أشرفها، و أنّه أفضل الطرق و أقصرها و أيسرها لإيصال البشريّة إلى سعادتها، فقد توجّب عليهم عقلًا و شرعاً و فطرةً أن يرفعوا أيديهم عن الأديان و المذاهب و المناهج الاخرى، و أن ينضووا تحت لواء هذه الشريعة الغرّاء، و إلّا فالخسران عاقبتهم.

  • و لو بذل امرؤ ما قصارى و سعه لإدراك الحقيقة، ثمّ أيقن- لبُعده عن محيط العلم و الإيمان، و لنشوئه في محيط جاهليّ- بأنّ دين النبيّ موسى أو دين النبيّ عيسى على نبيّنا و آله و عليهما السلام كافٍ في هذا الزمان، فآمن هذا الشخص بالله و بيوم الجزاء و عمل صالحاً وفق ما تأمره به شريعته، و تبعاً للنواميس و الأحكام العقليّة، و اجتنب الظلم و الاعتداء على حقوق الآخرين، فإنّه سيعدّ من المستضعفين أو يُلحق بهم أو يعدّ ممّن هم «مُرجون لأمر الله». و لن يؤاخذ مثل هذا الشخص على عدم إسلامه و عدم إيمانه، على الرغم من أنّه لن يمتلك مقام المسلم و المؤمن و درجتهما.

  • و على هذا الأساس، فسيدخل الجنّة أهل العامّة الذين لا يكنّون في قلوبهم بُغضاً و نصباً لأهل البيت، إلّا أنّهم- في الوقت نفسه- لم يتيقّنوا

معرفة المعاد ج۱۰

73
  • بحقّانيّة مولى الكونينِ و إمام الثقلين عليّ بن أبي طالب عليه السلام و ولايته الحقّة الإلهيّة، إلّا أنّهم سيتفاوتون بالتأكيد مع الواردين من سائر أبواب الجنّة بلحاظ المقام و المنزلة.

  • الجنّة محلّ الاتقياء و ذوي السرائر الطيّبة

  • و قد ورد في كثير من الآيات القرآنيّة أنّ دخول الجنّة مشروط بالتقوى و طاعة الله و رسوله، و مخالفة هوى النفس، و الخوف من مقام عظمة الله و جلاله، و الوجل من موقف العرض في محضره عزّ و جلّ و سكون النفس بالله و خضوعها و خشوعها أمامه، و بامتلاك القلب السليم؛ و من هذه الآيات، الآية 198، من السورة 3: آل عمران:

  • لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ.

  • و الآية: وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَ مَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذاباً أَلِيماً.1

  • و الآية: وَ أَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَ نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى.2

  • و الآية: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ أَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ.3

  • و الآية: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَ لا بَنُونَ، إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ.4

  • شجرة طوبى هي شجرة الولاية

  • شجرة طوبى مهر الزهراء عليها السلام

  • و بناءً على أنّ الجنّة هي محلّ الطهر و الطهارة، و محلّ الطيّب و مكان

    1. الآية 17، من السورة 48: الفتح.
    2. الآيتان 40 و 41، من السورة 79: النازعات.
    3. الآية 23، من السورة 11: هود
    4. الآيتان 88 و 89، من السورة 26: الشعراء.

معرفة المعاد ج۱۰

74
  • ورود الطيّبين الطاهرين، فإنّ موضع شجرة طوبى سيكون في الجنّة.

  • و حقيقة شجرة طوبى من الطهر، لأنّ طوبى مشتقّة من طابَ يطيبُ.1

  • الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وَ حُسْنُ مَآبٍ.2

  • فحقيقة طوبى إذاً هي النزاهة و القداسة. و لمّا كان تجلّي الطهارة و القداسة في أنواع و أشكال مختلفة، فستتجلّى يوم القيامة في هيئة شجرة لها فروع طيّبة مثمرة. و بالنظر إلى أنّ أساس شجرة الطهر و القداسة هو الولاية التي يرشح عنها كلّ طيب و خير، و أنّ أي شيء سوف لن يمتلك قدراً بدون الولاية الناشئة من المحبّة؛ فإنّ هذه الشجرة ستضرب بجذورها الراسخة في منزل الولاية، و ستنمو- شجرة الولاية- مستمدّة من معدن الولاية، و تمدّ فروعها التي هي عبارة عن الطهارة و الرحمة و العافية و الإيثار و الإنفاق و العبوديّة و الجهاد و الصلاة و الصيام و سائر الأفعال و الصفات الحميدة. و هي فروغ نابعة من أصل الشجرة، و معتمدة عليها في رشدها و نموّها.

  • و على هذا الأساس، فقد ذكر المرحوم الطبرسيّ في تفسيره «مجمع البيان» تسعة أقوال للمفسّرين في معنى كلمة طوبى، ثمّ ذكر لها معنى عاشراً و هو أنّها شجرة في الجنّة أصلها في دار النبيّ، و في دار كلّ مؤمن منها غصن. ثمّ قال بأنّ هذا المعنى منقول عن عبيد بن عمير و وهب و أبي هريرة و شهر بن حوشب. و رواه عن أبي سعيد الخدريّ مرفوعاً، و هو المروي عن أبي جعفر (الباقر) عليه السلام.

    1. طاب و طوبى أجوف يائيّ، و كانت طوبى في الأصل طُيْبي، لذا فقد قلبت الياء المسبوقة بالضمّة واواً.
    2. الآية 29، من السورة 13: الرعد

معرفة المعاد ج۱۰

75
  • ثمّ قال: و روى الثعلبيّ بإسناده عن الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، قال: طُوبَى شَجَرَةٌ أصْلُهَا في دَارِ عَلِيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ في الجَنَّةِ؛ وَ في دَارِ كُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْهَا غُصْنٌ.

  • وَ رَوَاهُ أبُو بَصِيرٍ عَنْ أبي عَبْدِ اللهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَ رَوَى الحَاكِمُ أبُو القَاسِمِ الحَسْكَانِيّ بِإسْنَادِهِ عَنْ موسى بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ آبَائِهِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ عَنْ طُوبَى قَالَ: شَجَرَةٌ أصْلُهَا في دَارِي وَ فَرْعُهَا عَلَى أهْلِ الجَنَّةِ. ثُمَّ سُئِلَ عَنْهَا مَرَّةً اخْرَى فَقَالَ: في دَارِ عَلِيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ. فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ؛ فَقَالَ: إنَّ دَارِي وَ دَارُ عَلِيّ في الجَنَّةِ بِمَكَانٍ وَاحِدٍ.1

  • و روى عليّ بن إبراهيم في تفسيره عن أبيه، عن ابن محبوب، عن عليّ بن رئاب، عن أبي عبيدة، عن أبي عبد الله (الصادق) عليه السلام، قال:

  • طُوبَى شَجَرَةٌ في الجَنَّةِ في دَارِ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَ لَيْسَ أحَدٌ مِنْ شِيعَتِهِ إلَّا وَ في دَارِهِ غُصْنٌ مِنْ أغْصَانِهَا وَ وَرَقَةٌ مِنْ أوْرَاقِهَا يَسْتَظِلُّ تَحْتَهَا امَّةٌ مِنَ الامَمِ.2

  • و روى في نفس التفسير عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله عليه السلام في حديث المعراج، قال:

  • ثمّ خرجتُ (من البيت المعمور) فانقاد لي نهران، نهر يسمّى الكَوْثَر، و نهر يسمّى الرَّحْمَة، فشربتُ من الكوثر و اغتسلتُ من الرحمة، ثمّ انقادا لي جميعاً حتّى دخلتُ الجنّة فإذا على حافّتيها بيوتي و بيوت

    1. «مجمع البيان» ج 3، ص 291، طبعة صيدا.
    2. «تفسير القمّيّ» ص 341، الطبعة الحجريّة.

معرفة المعاد ج۱۰

76
  • أزواجي، و إذا ترابها كالمسك، فإذا جارية تنغمس في أنهار الجنّة، فقلتُ:

  • لمن أنت يا جارية؟ فقالت لزيد بن حارثة، فبشّرتُه بها حين أصبحتُ.

  • و إذا بطيرها كالبُخت،1 و إذا رمّانها مثل الدلاء العظام، و إذا شجرة لو ارسل طائر في أصلها، ما دارها تسعمائة سنة، و ليس في الجنّة منزل إلّا و فيها فرعٌ منها، فقلتُ: ما هذه يا جبرئيل؟ فقال: هذه شجرة طوبى؛ قال الله: طُوبَى لَهُمْ وَ حُسْنُ مَآبٍ.2

  • و روى الصدوق في «الخصال» بسنده عن أبي جعفر (الباقر) عليه السلام، عن أمير المؤمنين عليه السلام، قال:

  • طوبى شجرة في الجنّة أصلُها في دار رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم، فليس من مؤمن إلّا و في داره غُصن من أغصانها، لا ينوي في قلبه شيئاً إلّا أتاه ذلك الغصن به، و لو أنّ راكباً مجدّاً سار في ظلّها مائة عام لم يخرج منها، و لو أنّ غراباً طار من أصلها ما بلغ أعلاها حتّى يبيضّ هرماً، ألا ففي هذا فارغبوا.3

  • و في «تفسير العيّاشيّ» عن عمرو بن الشمر، عن جابر، عن أبي جعفر (الباقر) عن آبائه عليهم السلام، قال:

  • بينما رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم جالس ذات يوم، إذ دخلتْ عليه امّ أيمن في ملحفتها شيء، فقال لها رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم:

  • يا امّ أيمن! أي شيءٍ في ملحفتك؟

    1. البُخت، بضمّ الباء- الإبل الخراسانيّة.
    2. «تفسير القمّيّ» ص 374.
    3. «الخصال» ج 2، ص 82، باب( لأهل التقوى اثنتا عشرة علامة)، الطبعة الحجريّة.

معرفة المعاد ج۱۰

77
  • فقالت: يا رسول الله فلانة بنت فلانة أملكوها فنثروا عليها فأخذت من نثارها شيئاً.

  • ثمّ إنّ امّ أيمن بكت، فقال لها رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم:

  • ما يُبكيك؟

  • فقالت: فاطمة زوّجتها فلم تنثر عليها شيئاً.

  • فقال لها رسول الله لا تبكين فو الذي بعثني بالحقّ بشيراً و نذيراً، لقد شهد أملاك فاطمة جبرئيل و ميكائيل و إسرافيل في الوف من الملائكة، و لقد أمر الله طوبى فنثرت عليهم من حُللها و سُندسها و استبرقها و درّها و زمرّدها و ياقوتها و عطرها، فأخذوا منه حتّى ما دروا ما يصنعون به، و لقد نحل الله طوبى في مهر فاطمة، فهي في دار عليّ بن أبي طالب.1

  • كما روي في «تفسير العيّاشيّ» عن أبان بن تغلب، قال:

  • كان النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم يُكثر تقبيل فاطمة. قال: فعاتبته على ذلك عائشة، فقالت: يا رسول الله! إنّك لتكثر تقبيل فاطمة؟

  • فقال لها: ويلك! لمّا أن عُرج بي إلى السماء مرّ بي جبرئيل على شجرة طوبى فناولني من ثمرها فأكلتها فحوّل الله ذلك إلى ظهري، فلمّا أن هبطتُ إلى الأرض واقعتُ خديجة، فَحَمَلت بفاطمة عليها السلام، فما قبّلت فاطمة إلّا وجدتُ رائحة شجرة طوبى.2

  • و ذكر في «تفسير فرات بن إبراهيم» أربع روايات بأسناد مختلفة عن رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم، كما نقل رواية مفصّلة عن أمير المؤمنين عليه السلام في شجرة طوبى تشتمل على خصائص هذه

    1. «تفسير العيّاشيّ» ج 2، ص 211 و 212.
    2. «تفسير العيّاشيّ» ج 2، ص 212.

معرفة المعاد ج۱۰

78
  • الشجرة الطيّبة و أوصافها.1

  • و أحد عوالم أصحاب الجنّة هو مقام الرضا، و هو لا يجسّد مقام رضا الله تعالى عنهم فحسب، بل هو كذلك مقام رضاهم عنه تعالى، حيث يرضى الطرفان عن بعضهما و يرتفع بينهما العتب و المؤاخذة.

  • و ليس المراد من الرضا هو الرضا التكوينيّ، لأنّ الله تعالى راضٍ عن جميع الموجودات، و كيف لا يرضى عنها و قد خلقها بأمره و مشيئته؛ بل المراد به الرضا التشريعيّ، أي أنّ العبد يصل في مقام العمل حدّاً يرتفع معه عنه أي عتب على ربّه، فيرى جميع أفعال ربّه حسنة و جميلة؛ و في المقابل فإنّ الله تعالى سيرى أفعال عبده جميلة و حسنة يرضاها له و يمُضيها، و يكون بين الطرفين رضا متبادلًا.

  • يقول تعالى في الآية 72، من السورة 9: التوبة: وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَ مَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَ رِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ.

  • و يقول في الآية 100، من نفس السورة: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ وَ أَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ.

  • تفسير آية: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ ..

  • و قد وردت عبارة: رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ، التي تجسّد رضا الطرفين عن بعضهما، في أربعة مواضع من القرآن الكريم؛ الأوّل: في سورة التوبة و قد مرّ؛ و الثاني: في الآية 119، من السورة 5: المائدة:

  • و الثالث: في الآية 22، من السورة 58: المجادلة؛ و الرابع: في الآية 8، من السورة 98: البيّنة.

    1. «تفسير فرات» ص 74 و 75.

معرفة المعاد ج۱۰

79
  • و ينبغي العلم بأنّه لمّا كانت الجنّة عالم التجرّد و الإطلاق فكلّ ما شاء المؤمنين و اشتهوه وجدوه حاضراً في متناول أيديهم، أي أنّه سيكون حاضراً بمجرّد تحقّق رغبتهم و مشيئتهم الباطنيّة.

  • لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ.1

  • وَ فِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنفُسُ وَ تَلَذُّ الْأَعْيُنُ.2

  • وَ لَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَ لَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ.3

  • و أكمل هذه الآيات دلالةً على نيل أصحاب الجنّة لما يشتهون، قوله تعالى: وَ هُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ.4

  • فكلّ كمال تمتلكه النفس، و كلّ مقصود تسعى إليه، و كلّ مشتهى تشتهيه و ترغب فيه، فإنّها ستخلّد في ذلك الكمال و ذلك المشتهى، و تقف عنده.

  • و من هنا، فالذين يقصرون هممهم على الحور و القصور و الأنهار و اللذّة دون أن يقصدوا لقاء الله تعالى، سوف لن يمّحون في جمال الحضرة الأحديّة، و سيخلّدون في تلك المشتهيات و الأماني.

  • إنّ للجنّة- كما سيأتي إن شاء الله تعالى- درجات و مقامات مختلفة، و إنّ لأصحاب الجنّة درجات متفاوتة، و إنّ كلًا منهم سيخلّد في مشتهياته و نواياه، و بمقدار همّته و سعة صدره.

  • و ينبغي العلم بأنّ جميع الآيات الواردة في وصف خصوصيّات الجنّة

    1. الآية 34، من السورة 39: الزمر.
    2. الآية 71، من السورة 43: الزخرف.
    3. الآية 31، من السورة 41: فصّلت.
    4. الآية 102، من السورة 21: الأنبياء.

معرفة المعاد ج۱۰

80
  • من الحور و القصور و الطيور و الأشجار و الأثمار و الأنهار و الظلال و الشراب و الغلمان و الزينة و الخلود، إنّما تقصد هذه المعاني، و هي معانٍ مطلقة لا يشوبها نقص و لا فناء.

  • أجل، لدينا آية في القرآن الكريم تدلّ على أنّه تعالى قد جعل لبعض عباده أشياءً تفوق مشيئتهم و تتخطّى افق أفكارهم و رغباتهم، و هي امور لا يعلم أحد عن كُنهها شيئاً.

  • تفسير آية: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ...

  • فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما اخْفِيَ لَهُم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ جَزاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ.1

  • و بعد علمنا بأنّ جميع درجات تعيّنات عالم الملكوت، من الحور و القصور و الأنهار و غير ذلك، هي مطلقة بأجمعها و غير مشوبة بامور عدميّة، و أنّ الله سبحانه قد وصف عطاءه بكلّ صفة جميلة و بليغة؛ فسنفهم أنّ ما أخفاه لعباده هو فوق تصوراتهم و ممّا لا يخطر على بالهم، و لا بدّ له من أن يكون ممّا لا يعدّ و لا يحصى.

  • قال الشيخ الطبرسيّ في تفسير هذه الآية: أي لا يعلم أحد ما خبا لهؤلاء الذين ذكروا مما تقر به أعينهم. قال ابن عبّاس: هي ما لا تفسير له، فالأمر أعظم و أجلّ ممّا يُعرف تفسيره.

  • وَ قَدْ وَرَدَ في الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيّ صلّى الله عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ أنَّهُ قَالَ:

  • إنّ اللهَ يَقُولُ: أعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأتْ، وَ لَا اذُنٌ سَمِعَتْ، وَ لَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ؛ بَلْهَ مَا أطْلَعْتُكُمْ عَلَيْهِ، اقْرَاوا إنْ شِئْتُمْ: «فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما اخْفِيَ لَهُم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ». رَوَاهُ البُخَارِيّ وَ مُسْلِمٌ جَمِيعاً.2

  • و روى عليّ بن إبراهيم في تفسيره، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن

    1. الآية 17، من السورة 32: التنزيل( السجدة).
    2. «مجمع البيان» ج 4، ص 331، طبعة صيدا؛ و« بحار الأنوار» ج 8، ص 120.

معرفة المعاد ج۱۰

81
  • أبي نجران، عن عاصم بن حميد، عن أبي عبد الله (الصادق) عليه السلام، قال: ما مِن عملٍ حسن يعمله العبد إلّا و له ثواب في القرآن، إلّا صلاة الليل، فإنّ الله لم يبيّن ثوابها لعظم خطرها عنده، فقال:

  • تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَ طَمَعاً وَ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ، فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما اخْفِيَ لَهُم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ جَزاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ.1

  • ثمّ قال: إنّ للّه كرامة في عباده المؤمنين في كلّ يوم جمعة، فإذا كان يوم الجمعة بعث الله إلى المؤمنين ملكاً معه حلّتان فينتهي إلى باب الجنّة فيقول: استأذنوا لي على فلان، فيُقال له: هذا رسول ربّك على الباب، فيقول لأزواجه: أي شيء ترينّ عَلَيّ أحسن؟ فيقلن: يا سيّدنا! و الذي أباحك الجنّة، ما رأينا عليك شيئاً أحسن من هذا قد بعث إليك ربّك، فيتّزر بواحدة و يتعطّف بالاخرى فلا يمرّ بشيء إلّا أضاء له، حتّى ينتهي إلى الموعد، فإذا اجتمعوا تجلّى لهم الربّ تبارك و تعالى، فإذا نظروا إليه، أي إلى رحمته خرّوا سجّداً، فيقول: عبادي! ارفعوا رؤوسكم ليس هذا يوم سجود و لا عبادة، قد رفعتُ عنكم المئونة. فيقولون: يا ربّ! و أي شيء أفضل ممّا أعطيتنا؛ أعطيتنا الجنّة. فيقول: لكم مثل ما في أيديكم سبعين ضِعفاً. فيرى المؤمن في كلّ جمعة سبعين ضِعفاً مثل ما في يده، و هو قوله: وَ لَدَيْنَا مَزِيدٌ، و هو يوم الجمعة، إنَّهَا لَيْلَةٌ غَرَّاءُ وَ يَوْمٌ أزْهَرُ فأكثروا فيها من التسبيح و التهليل و التكبير و الثناء على الله و الصلاة على رسوله.

  • قال: فيمرّ المؤمن فلا يمرّ بشيء إلّا أضاء له حتّى ينتهي إلى أزواجه فيقلن: و الذي أباحنا الجنّة يا سيّدنا ما رأيناك أحسن منك الساعة، فيقول:2

  • معرفة المعاد ؛ ج10 ؛ ص81
    1. الآيتان 16 و 17، من السورة 32: السجدة.
    2. حسينى طهرانى، سيد محمد حسين، معرفة المعاد، 10جلد، دار المحجة البيضاء - بيروت - لبنان، چاپ: 1، 1416 ه.ق.

معرفة المعاد ج۱۰

82
  • إنّي قد نظرتُ إلى نور ربّي، ثمّ قال: إنّ أزواجه لا يغرن و لا يحضن و لا يصلفن.

  • قال الراوي (عاصم بن حميد): قلت: جُعلت فداك؛ إنّي أردت أن أسألك عن شيء أستحي منه.

  • قال: سَلْ.

  • قلت: جُعلت فداك؛ هل في الجنّة غناء؟

  • قال: إنّ في الجنّة شجرة يأمر الله رياحها فتهبّ فتضرب تلك الشجرة بأصوات لم يسمع الخلائق مثلها حُسناً.

  • ثمّ قال: هذا عوض لمن ترك السماع للغناء1 في الدنيا من مخافة الله.

  • قال، قلتُ: جُعلت فداك؛ زدني!

  • فقال: إنَّ اللهَ خَلَقَ جَنَّةً بِيَدِهِ وَ لَمْ تَرَهَا عَيْنٌ وَ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهَا مَخْلُوقٌ، يَفْتَحُهَا الرَّبُّ كُلَّ صَبَاحٍ فَيَقُولُ: ازْدَادِي رِيحاً، ازْدَادِي طِيباً، وَ هُوَ قَوْلُ اللهِ تَعَالَى: «فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما اخْفِيَ لَهُم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ جَزاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ».2

  • و خلاصة الأمر أنّنا نجد أنفسنا مجبرين- إيضاحاً لهذه الحقيقة- على ذكر بحث مختصر، و هو أنّه قد جاء في القرآن الكريم قوله تعالى: وَ أن

    1. المراد بالغناء المحرّم كلّ صوت يُطرب الإنسان، كمجالس الغناء و سماع المغنّيات أو سماع الموسيقى و آلاتها، أمّا مجرّد الصوت الجميل و اللحن الحسن، و لو كان ترجيعاً فغير حرام مهما كان مُبهجاً أو مُحزناً. بل الصوت الحسن من الامور الحميدة و من موجبات صفاء الروح، و خاصّة عند قراءة القرآن و الدعاء و الأشعار التي تذكّر بالله تعالى و بعالم التجرّد و الإطلاق، إذ تحتلّ أهمّيّة كبيرة، و هي حقّاً من غناء الجنّة.
    2. «تفسير القمّيّ» ص 512 و 513؛ و في طبعة النجف الحروفيّة: ج 2، ص 169 و 170.

معرفة المعاد ج۱۰

83
  • لَيْسَ لِلإنسَانِ إلَّا مَا سَعَى، وَ أنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى، ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأوْفَى.1

  • و جاء من جهة اخرى: لَهُم ما يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ.2

  • و هو يدلّ على أنّ ما يشاءه الإنسان المؤمن هو مملوك له، بقرينة كلمة لهم الدالّة على الملكيّة. بَيدَ أنّ هناك اموراً مملوكة للإنسان و خارجة- في الوقت نفسه- عن مشيئته و دائرة إرادته:

  • فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما اخْفِيَ لَهُم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ جَزاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ.

  • و تعبير جَزاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ يدلّ على أنّ ذلك الجزاء الذي يفوق المشيئة هو أجر للعمل، و هو من ممتلكات الفرد المؤمن.

  • و لذلك فإنّ ما يُفهم من هذه الآية، أنّ هناك كمالًا للإنسان هو أسمى من درجة فهمه و أوسع من افق فكره، و يمكن أن ينال الفرد ذلك الكمال جزاء عمله.

  • في تفسير آيتي: وُجُوهٌ يَوْمَئذٍ ناضِرَةٌ، الى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ.

  • و بطبيعة الحال، فليس هناك ما يخرج عن حدود الإنسان و سعته غير الله تعالى و تجلّياته و النظر إلى وجهه الكريم:

  • وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ، الى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ.3

  • و هذا النظر هو بالتأكيد النظر و المشاهدة القلبيّينِ، و هو ممّا لا يحدّه جهة و لا يستلزم تجسيماً و لا تشبيهاً للّه سبحانه.

  • فَمَن كَانَ يَرْجُوا لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحاً وَ لَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أحَداً.4

    1. الآيات 39 إلى 41، من السورة 53: النجم.
    2. الآية 34، من السورة 39: الزمر؛ و الآية 22، من السورة 42: الشورى.
    3. الآيتان 22 و 23، من السورة 75: القيامة.
    4. الآية 110، من السورة 18: الكهف.

معرفة المعاد ج۱۰

84
  • و نلحظ في هذه الآية أنّ لقاء الله تعالى مترتّب على العلم النافع و العمل الصالح، و هو بنفسه لقاء مَا اخْفِيَ لَهُمْ المترتّب على جَزاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ.

  • و نظراً لأنّ آية: لَهُم ما يَشَآءُونَ فِيهَا وَ لَدَيْنَا مَزِيدٌ.1 قد أثبتت زيادة على مشيئة العباد، و لمّا كان قد أخبر الله تعالى بأن ما تشتمل عليه إرادة المؤمن و مشيئته حاضر عنده؛ لذا، فالآية تبيّن أنّ تلك الزيادة ليست تحت مطلق المشيئة، بل خارجة عن حدود تلك الإرادة و المشيئة.

  • و بما أنه قد علمنا- من جهة اخرى- بأنّ ذلك يمثّل كمالًا للمؤمن، و أنّ أي كمال واقع بلا ريب تحت مشيئة أصحاب الجنّة، فلا يمكن لذلك الكمال إلّا أن يكون غير الكمال اللامحدود و اللامتعيّن بحدود؛ و لهذا، فهو غير منطو تحت الإرادة أو ضمنها، لأنّ كلّ ما تشتمل عليه الإرادة و المشيئة هو محدود مقيّد.

  • و يستفاد من ذلك بوضوح أنّ المؤمنين الساعين للقاء الله إجمالًا، سوف يحظون بشرف لقاء الله المتعال تفصيلًا، و أنّ ذلك اللقاء أعلى من كلّ كمال متعيّن و محدود، و أفضل من كلّ ما يخضع للوصف، و أسمى من كلّ لذّة و بهجة و سرور و حبور متصوّر، و أنّه هو الاندكاك و الفناء في صفة أو اسم من صفاته أو أسمائه تعالى، بل هو الاندكاك في الذات، و هو الفناء المطلق، رَزَقَنَا اللهُ إنْ شَاءَ الله تعالى.

  • جاء في «تفسير على بن إبراهيم» في تفسير قوله تعالى: وَ لَدَيْنَا مَزِيدٌ: قال عليه السلام: النَّظَرُ الى وَجْهِ اللهِ.2

    1. الآية 35، من السورة 50: ق.
    2. «تفسير القمّيّ» ص 646.

معرفة المعاد ج۱۰

85
  • و ربّما استفيد هذا المعنى من قوله تعالى: لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَ يَزِيدَهُم مِن فَضْلِهِ وَ اللهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ.1

  • و قد وردت الآية في ذيل آيات النور الواردة في شأن الأئمّة الأطهار عليهم السلام و في درجاتهم و مقاماتهم، و هي تبيّن أنّ تلك الزيادة هي رزق من فضل الله بلا حساب.

  • و جاء من جهة اخرى: وَ اللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ وَ اللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ.2

  • و جاء أيضاً: وَ لَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ و مَا زَكَى مِنكُم منْ أحَدٍ أبَداً.3

  • التي يستفاد منها أنّ الفضل هو من الرحمة، و أنّ تلك الرحمة لم تكن عن استحقاق و جدارة.

  • و جاء أيضاً: وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ.4

  • التي تبيّن بأنّ تلك الرحمة و الفضل الموصوفين بالمزيد مختصّان بالمؤمنين، و أنّهما ممّا اخْفِيَ لَهُمْ.

  • الجنّة الإلهيّة هي الرحمة

  • و لو تدبّرنا في كثير من الآيات القرآنيّة التي ورد فيها لفظ الرحمة كآية: فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ.5

  • و آية: أَ هؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ.6

    1. الآية 38، من السورة 24: النور.
    2. ذيل الآية 105، من السورة 2: البقرة.
    3. الآية 21، من السورة 24: النور.
    4. الآية 156، من السورة 7: الأعراف.
    5. الآية 13، من السورة 57: الحديد.
    6. الآية 48، من السورة 7: الأعراف.

معرفة المعاد ج۱۰

86
  • و آية: إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ.1

  • و قارنّاها مع آية: وَ أُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ.2

  • لاستنتجنا أنّ رحمة الله إنّما هي الجنّة، بل الجنّة من شئون الرحمة و مراتبها.

  • و خلاصة القول أنّ شوق لقاء الله تعالى و اللهفة للنظر إلى جماله لم يدعا لعاشقي لقاء الله مجالًا للنظر إلى سواه، و جعلاهم في حال الذهول و السَّكرة من التجلّيات الجماليّة و الجلاليّة و الأنوار القاهرة الأزليّة و السبحات القدّوسيّة له تعالى.

  • يقول حمّاد بن حبيب في حديث له عن أحوال الإمام السجّاد عليه السلام في سفره للحجّ:

  • فلمّا أن تقشّع الظلام، وثب (الإمام) قائماً و هو يقول: يَا مَنْ قَصَدَهُ الضَّالُّونَ فَأصَابُوهُ مُرْشِداً، وَ أمَّهُ الخَائِفُونَ فَوَجَدُوهُ مَعْقِلًا، وَ لَجَأ إلَيْهِ العَابِدُونَ فَوَجَدُوهُ مَوْئِلًا، مَتَى رَاحَةُ مَنْ نَصَبَ لِغَيْرِكَ بَدَنَهُ؟ وَ مَتَى فَرَحُ مَنْ قَصَدَ سِوَاكَ بِهِمَّتِهِ؟ إلَهِي! قَدْ تَقَشَّعَ الظَّلَامُ وَ لَمْ أقْضِ مِنْ خِدْمَتِكَ وَطَراً، وَ لَا مِنْ حِيَاضِ مُنَاجَاتِكَ صَدَراً، صَلِّ على مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ وَ افْعَلْ بِي أوْلَى الأمْرَيْنِ بِكَ يَا أرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.3

  • مرا كه جنّت ديدار در درون دل است***چه التفات به ديدار حور عين باشد 4

    1. الآية 56، من السورة 7: الأعراف.
    2. الآية 31، من السورة 50: ق.
    3. «منتهى الآمال» ج 2، ص 9، طبعة إسلاميّة من القطع الرحليّ.
    4. يقول:« ما التفاتي إلى لقاء الحور العين و قلبي عامر بجنّة اللقاء؟!».

معرفة المعاد ج۱۰

87
  • أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ.1 و جاء في الحديث القدسيّ: أنَا جَلِيسُ مَنْ ذَكَرَنِي.2

  • و ربّما صبّت في هذا المجال الرواية التي نقلها السيّد ابن طاووس رحمة الله عليه في «فلاح السائل» عن الصفّار عن محمّد بن عيسى، عن ابن أسباط، عن رجل، عن صفوان الجمّال، قال:

  • قَالَ أبُو عَبْدِ اللهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: إذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ، نَظَرَ رِضْوَانٌ خَازِنُ الجَنَّةِ الى قَوْمٍ لَمْ يَمُرُّوا بِهِ فَيَقُولُ: مَنْ أنْتُمْ؟ وَ مِنْ أيْنَ دَخَلْتُمْ؟ قَالَ، فَيَقُولُونَ: إيَّاكَ عَنَّا، فَإنَّا قَوْمٌ عَبَدْنَا اللهَ سِرّاً فَأدْخَلَنَا اللهُ سِرّاً.3

    1. ذيل الآية 28، من السورة 13: الرعد.
    2. «كلمة الله» ص 149.
    3. «بحار الأنوار» ج 8، ص 146، الطبعة الحروفيّة، نقلًا عن« فلاح السائل».

معرفة المعاد ج۱۰

88
  •  

  •  

  • المَجْلِسُ السَّبْعُونَ: في دَرَجاتِ الجَنَّةِ وَ نِعَمِهَا

  •  

  •  

معرفة المعاد ج۱۰

90
  •  

  •  

  • بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

  • الحمد للّه ربّ العالمين و لا حول و لا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم

  • و صلّى الله على محمّد و آله الطاهرين

  • و لعنة الله على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين

  • قال الله الحكيم في كتابه الكريم:

  •  

  •  

  • وَ إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ، جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ، مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَ شَرابٍ، وَ عِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرابٌ، هذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسابِ، إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ.1

  • الجنّة حقيقة الولاية

  • الولاية هي حقيقة الجنّة، و هي العبوديّة المحضة و الرقّ المطلق للّه تعالى، حيث تختفي في تلك النقطة من الكينونة جميع الحجب الفاصلة بين العبد و مولاه، و حيث يهوي العبد على تراب المسكنة و الفقر و الذلّ و الجهل و العجز و الفاقة و الفناء خاشعاً أمام ربّه الغفور الودود الرحيم المتربّع على عرش عظمته و جلاله و عِلمه و قدرته و حياته و حُكمه و حِكمته.

  • أمّا فيض النِّعم في العوالم، فمنشؤه من الولاية، و على أثر إظهار العبوديّة قبال إطلاق صفات الله و أسمائه الظاهرة في كلّ نشأة و عالم

    1. الآيات 49 إلى 54، من السورة 38: ص.

معرفة المعاد ج۱۰

91
  • بأشكال و صور مختلفة متناسبة مع ذلك العالم؛ سواء في ذلك نِعم هذا العالم أم نِعم عالم البرزخ أم نِعم عالم القيامة.

  • و يجسّد الإقرار بعزّ مقام كبرياء الباري تعالى شأنه العزيز، و إيكال جميع مراتب الوجود و الإنّيّة و الشخصيّة بيده عزّ و جلّ، و طيّ مراحل التوحيد الأفعاليّ و الصفاتيّ و الأسمائيّ و التوحيد الذاتيّ لذلك الوجود المقدّس بتمام معنى الكلمة، يجسّد الدرجة العليا و الذروة الأسنى للجنّة، كما تمثّل المقامات الأدنى منه درجات أدنى في الجنّة.

  • و من الجليّ أنّ المحبّة لم تُقسّم في عالم الوجود على حدٍّ سواء، و أنّها مُنحت لكلّ موجود بمقدار ماهيّته و سعته، فترشّح في كلّ موجود رشحة من المحبّة الدائمة الخالدة.

  • و من هنا، فلو قلنا بأنّ الولاية هي حقيقة الجنّة، و بأنّ المحبّة ترشّحت عنها فتجلّت في كلّ عالم بصور مختلفة و أشكال متباينة تتناسب مع سعة ذلك العالم، و أنّها أنشأت عالم المُلك و الملكوت فلن نكون قد قلنا جزافاً.

  • ثمّ إنّ المحبّة كلّما زادت شدّة، ازداد معها الصفاء و الخلوص و الإيثار و الإنفاق و العبوديّة. أمّا لو قلّت تلك المحبّة، فإنّ تلك الامور ستتضاءل معها، و لهذا يمكننا أن نعتبر أن يحبّهم هو أساس نشوء العالم و أنّ يحبّونه قد نشأ على ذلك الأساس؛ و أنّ يحبّهم و يحبونه قد تعانقا بديمومة، بحيث تسبّب الجذب الربوبيّ و الانجذاب العبوديّ في نشوء العالم، و أنّ العباد قد خُلقوا من الله تعالى، و أنّهم يعودون إليه، و أنّ للمتّقين مآباً حسناً.

  • و يمثّل رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم مركز الولاية الكامنة، بينما يجسّد أمير المؤمنين عليه السلام ظهور مقام الولاية. و لدينا روايات مستفيضة، بل متواترة، في أنّ الجنّة و آثارها و درجاتها و حورها و قصورها

معرفة المعاد ج۱۰

92
  • و فاكهتها و شرابها و جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ و غلمان الجنّة و ملائكتها و خازنها و جميع خصوصيّاتها إنّما هي من الولاية و تابعة لها، و أنّ إنشاءها و انتفاع العباد بها قائمينِ على هذا الأساس.

  • روى الصدوق في «الأمالي» عن رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم، قال:

  • إنّ حَلْقَةَ بَابِ الجَنَّةِ مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ على صَفَائِحِ الذَّهَبِ. فَإذَا دُقَّتِ الحَلْقَةُ عَلَى الصَّفْحَةِ طَنَّتْ وَ قَالَتْ: يَا عَلِيّ.1

  • و روى النطنزيّ في «الخصائص» عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم:

  • عَلِيّ بْنُ أبي طَالِبٍ حَلْقَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِبَابِ الجَنَّةِ، مَنْ تَعَلَّقَ بِهَا دَخَلَ الجَنَّةَ.2

  • و روى الصدوق في «الخصال» بسنده المتّصل عن عطيّة، عن جابر قال: قال رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم:

  • مَكْتُوبٌ على بَابِ الجَنَّةِ: لَا إلَهَ إلَّا اللهُ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، عَلِيّ أخُو رَسُولِ اللهِ، قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَ الأرْضَ بِألْفَيْ عَامٍ.3

  • و روي في «الخصال» أيضاً بسنده المتّصل عن رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم، قال:

  • ادْخِلْتُ الجَنَّةَ فَرَأيْتُ عَلَى بَابِهَا مَكْتُوباً بِالذَّهَبِ:

  • لَا إلَهَ إلَّا اللهُ، مُحَمَّدٌ حَبِيبُ اللهِ، عَلِيّ وَلِيّ اللهِ، فَاطِمَةُ أمَةُ اللهِ،

    1. ( 1 و 2)-« سفينة البحار» ج 1، ص 183، مادّة( جنن) عن« الأمالي» للصدوق، و« الخصائص» للنطنزيّ.
    2. ( 1 و 2)-« سفينة البحار» ج 1، ص 183، مادّة( جنن) عن« الأمالي» للصدوق، و« الخصائص» للنطنزيّ.
    3. ( 1 و 2)-« سفينة البحار» ج 1، ص 183، مادّة( جنن) عن« الأمالي» للصدوق، و« الخصائص» للنطنزيّ.

معرفة المعاد ج۱۰

93
  • الحَسَنُ وَ الحُسَيْنُ صَفْوَةُ اللهِ؛ على مُبْغِضِيهِمْ لَعْنَةُ اللهِ.1

  • و روى الصدوق في «إكمال الدين و إتمام النعمة» بإسناده عن أبي الطفيل، عن عليّ عليه السلام ضمن أجوبته على أسئلة رجل يهوديّ، قال:

  • وَ مَنْزِلُ مُحَمَّدٍ صلّى الله عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سلَّمَ مِنَ الجَنَّةِ في جَنَّةِ عَدْنٍ وَ هِيَ وَسَطُ الجِنَانِ، وَ أقْرَبُهَا مِنْ عَرْشِ الرَّحْمَنِ جَلَّ جَلَالُهُ. قَالَ لَهُ اليَهُودِيّ:

  • أشْهَدُ بِاللهِ لَقَدْ صَدَقْت. قَالَ لَهُ عَلِيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ: وَ الَّذِينَ يَسْكُنُونَ مَعَهُ فِي الجَنَّةِ هَؤُلَاءِ الأئِمَّةُ الاثْنَا عَشَرَ.2

  • و روى الصدوق في «الأمالي» عن الحسن بن محمّد بن يحيى، عن يحيى بن الحسن، عن إبراهيم بن عليّ و الحسن بن يحيى، عن نصر بن مزاحم، عن أبي خالد، عن زيد بن عليّ، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليه السلام، قال: كَانَ لِي عَشْرٌ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلّى الله عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ لَمْ يُعْطَهُنَّ أحَدٌ قَبْلِي وَ لَا يُعْطَاهُنَّ أحَدٌ بَعْدِي.

  • قَالَ لِي: يَا عَلِيّ! أنْتَ أخِي في الدُّنْيَا، وَ أنْتَ أخِي في الآخِرَةِ، وَ أنْتَ أقْرَبُ النَّاسِ مِنِّي مَوْقِفاً يَوْمَ القِيَامَةِ، وَ مَنْزِلِي وَ مَنْزِلُكَ في الجَنَّةِ مُتَوَاجِهَانِ كَمَنْزِلِ الأخَوَيْنِ، وَ أنْتَ الوَصِيّ! وَ أنْتَ الوَلِيّ، وَ أنْتَ الوَزِيرُ؛ عَدُوُّكَ عَدُوِّي، وَ عَدُوِّي عَدُوُّ اللهِ؛ وَ وَلِيُّكَ وَلِيِّي، وَ وَلِيِّي وَلِيّ اللهِ عَزَّ وَ جَلَّ.3

  • و روى الشيخ الطوسيّ هذه الرواية في «الأمالي» عن المفيد، عن عليّ بن محمّد الكاتب، عن الحسن بن عليّ الزعفرانيّ، عن إبراهيم بن

    1. «الخصال» ج 1، ص 157.
    2. «إكمال الدين» للصدوق، ص 173؛ الطبعة الحجريّة.
    3. «الأمالي» للصدوق، ص 48، الطبعة الحجريّة.

معرفة المعاد ج۱۰

94
  • محمّد الثقفيّ، عن عثمان بن أبي شيبة، عن عمرو بن ميمون، عن جعفر ابن محمّد، عن أبيه، عن جدّه عليهم السلام، قال: قال أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام على منبر الكوفة:

  • أيُّهَا النَّاسُ! إنَّهُ كَانَ لِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صلّى الله عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ عَشْرُ خِصَالٍ، لَهُنَّ أحَبُّ إلَيّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ- الحديث.1 ثمّ إنّه عليه السلام عدّد هذه الخصال، و قال في جملتها:

  • وَ أنْتَ الوَارِثُ مِنِّي! وَ أنْتَ الوَصِيّ مِنْ بَعْدِي في عِدَاتِي وَ اسْرَتِي! وَ أنْتَ الحَافِظُ لِي في أهْلِي عِنْدَ غَيْبَتِي! وَ أنْتَ الإمَامُ لُامَّتِي، وَ القَائِمُ بِالقِسْطِ في رَعِيَّتِي.2

  • كما روى الصدوق هذه الرواية في «الخصال» بنفس عبارة «الأمالي».3

  • مقامات الشيعة في الجنّة

  • و روى (الطبريّ الشيعيّ» في «بشارة المصطفي» بسنده المتّصل عن ابن عبّاس، قال:

  • يَأتِي عَلَى أهْلِ الجَنَّةِ سَاعَةٌ يَرَوْنَ فِيهَا نُورَ الشَّمْسِ وَ القَمَرِ، فَيَقُولُونَ:

  • أ لَيْسَ قَدْ وَعَدَنَا رَبُّنَا أنْ لَا نَرَى فِيهَا شَمْساً وَ لَا قَمَراً؟ فَيُنَادِي مُنَادٍ: قَدْ صَدَقَكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدَهُ لَا تَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَ لَا قَمَراً، وَ لَكِنْ هَذَا رَجُلٌ مِنْ شِيعَةِ عَلِيّ بْنِ أبي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَتَحَوَّلُ مِنْ غُرْفَةٍ الى غُرْفَةٍ، فَهَذَا الذي أشْرَقَ عَلَيْكُمْ مِنْ نُورِ وَجْهِهِ.4

  • و نقل مؤلّف «جامع الأخبار» في كتابه أنّ أمير المؤمنين عليه السلام قال:

    1. ( 1 و 2)-« الأمالي» للطوسيّ، ص 121، الطبعة الحجريّة.
    2. ( 1 و 2)-« الأمالي» للطوسيّ، ص 121، الطبعة الحجريّة.
    3. ( 1 و 2)-« الأمالي» للطوسيّ، ص 121، الطبعة الحجريّة.
    4. «بشارة المصطفي» ص 159، الطبعة الثانية، النجف.

معرفة المعاد ج۱۰

95
  • إنّ أهْلَ الجَنَّةِ يَنْظُرُونَ الى منَازِل شِيعَتِنَا كَمَا يَنْظُرُ الإنْسَانُ الى الكَوَاكِبِ.1

  • ثمّ إنّ من الامور الشيّقة التي تستلفت النظر، ما ورد عن الانس بالحور العين اللاتي ذكرهنّ القرآن الكريم، و ربّما كانت العلّة في ذلك هي أنّ الإنسان يرغب في الانس و المسامرة أكثر من رغبته في الأكل و الشرب.

  • نقل العيّاشيّ في تفسيره عن جميل بن درّاج، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال:

  • إنّ أهْلَ الجَنَّةِ مَا يَتَلَذَّذُونَ بِشَيءٍ في الجَنَّةِ أشْهَى عِنْدَهُمْ مِنَ النِّكَاحِ، لَا طَعَامٌ وَ لَا شَرَابٌ.2

  • و من البديهيّ أنّ الحور العين مدعاة للُانس و الاستئناس و الالفة و نسيان الغُربة، لذا جاء:

  • كَذلِكَ وَ زَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ.3

  • و الحور جمع الحوراء؛ و هي المرأة نقيّة بياض العينين، شديدة سواد الحدق. أمّا العِين فجمع العيناء؛ و العَيَن هو عِظَم سواد العين وسعتها.

  • و يطلق اسم الحور العين على النساء اللاتي لهنّ أعين سوداء واسعة، بحيث يحسن منظر سواد أعينهنّ في بياضها، لشدّة سواد أحداقهن و نقاء بياض أعينهنّ.

  • و جاء في الآيتين 22 و 23، من السورة 56: الواقعة: وَ حُورٌ عِينٌ،

    1. «جامع الأخبار» ص 203، الفصل 137، الطبعة الحجريّة.
    2. «بحار الأنوار» ج 8، ص 139، الطبعة الحروفيّة.
    3. الآية 54، من السورة 44: الدخان.

معرفة المعاد ج۱۰

96
  • كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ.

  • كما جاء في وصفهنّ: وَ عِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ، كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ.1

  • و جاء في الآية 33، من السورة 78: النبأ: وَ كَواعِبَ أَتْراباً.

  • و الكواعب جمع الكاعبة، و هي الجارية التي نَهد ثديُها. أمّا الأتراب فجمع التِّرْب، و هي اللِّدة و المِثل؛ أي أنّ حوريّات الجنّة جوارٍ مُتَماثلاتٌ في السنّ، أو أنّ المؤمنات اللواتي يرتحلن عن دار الدنيا يُصبحن لأزواجهنّ في الجنّة جوارٍ جميلات في عُمر واحد. حسنات الوجوه و الأخلاق.

  • الآيات الواردة في سورة الرحمن بشأن الجنّة

  • و نلحظ في سورتين من سور القرآن الكريم وصفاً للجنّة و نعمها يفوق ما ورد في باقي السور الاخرى؛ إحداهما سورة الرحمن، و هي السورة الوحيدة التي تبدأ بعد بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ باسم من أسماء الله تعالى. و وفقاً للرواية الواردة في «مجمع البيان» عن الإمام موسى بن جعفر، عن آبائه، عن رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم، فإنّها تُدعى عروس القرآن.

  • قَالَ صلّى الله عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ: لِكُلِّ شَيْءٍ عَرُوسٌ، وَ عَرُوسُ القُرْآنِ سُورَةُ الرَّحْمَنِ جَلَّ ذِكْرُهُ.

  • كما أورد السيوطيّ في «تفسير الدرّ المنثور» عن البيهقيّ، عن أمير المؤمنين عن رسول الله عليهما الصلاة و السلام نفس هذا المعنى.2

  • و السورة الاخرى هي سورة الواقعة. و نذكر فيما يلي بحول الله

    1. الآيتان 48 و 49، من السورة 37: الصافّات.
    2. «تفسير الميزان» ج 19، ص 105.

معرفة المعاد ج۱۰

97
  • و قوّته الفقرات التي وردت في هاتين السورتين في وصف الجنّة.

  • أمّا في سورة الرحمن: 55: وَ لِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ. (الآية 46).

  • و المراد بالخوف من مقام الربّ هو عبادته تعالى لذاته، لا طلباً للجنّة و لا خوفاً من النار. و لذلك فإنّ هذه الآية عائدة إلى المقرّبين و المخلَصين الذين لا تشوب عبادتهم لذات الحقّ تعالى شائبة. أمّا الجنّتان فالظاهر أنّهما عبارة عن الجنّة التي تُعطي جزاءً للعمل، و الجنّة التي يمنّ بها ربّ العزّة كزيادة على أجر العمل وفقاً لمقولة: وَ لَدَيْنا مَزِيدٌ.

  • ذَواتا أَفْنانٍ. (الآية 48)

  • ذواتا مثنّى ذات و قد سقطت نونُها بالإضافة. أمّا الأفنان فهي جمع فنّ بمعنى النوع، أو جمع فَنن و هو الغصن.

  • فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ. (الآية 50)

  • فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ. (الآية 52)

  • إحداهما الفاكهة التي وجدت في الدنيا، فأصحاب الجنّة يعرفونها من قبل، و الثانية فاكهة الجنّة التي لم يروها، فقد نالوها الآن.

  • مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَ جَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ. (الآية 54).

  • فُرش جمع فراش، و هو ما يُفترش و يُبسط للجلوس أو الاتّكاء.

  • و بطائن جمع بطانة و هي ما بطن من الثوب، خلاف الظِّهارة و هي ما ظهر منه. و الإستبرق هو الديباج الغليظ. أمّا الجنى فهو الثمر المجتنى، و دان في الأصل داني اسم فاعل من دنا يدنو.

  • فيكون المعنى أنّ أصحاب الجنّة متّكئون على فرش مبطّنة بديباج غليظ فضلًا عن ظاهرها الذي ينبغي أن يفوق الديباج كيفيّةً و قيمة؛ و أنّ ثمار هاتين الجنّتين قريبة على من يريد قطفها من أصحاب الجنّة، فهي في

معرفة المعاد ج۱۰

98
  • متناول أيديهم يقطفونها متى شاءوا، و هذا المعنى قريب ممّا في الآية 23، من السورة 69: الحاقّة: قُطُوفُها دانِيَةٌ؛ لأنّ قطوف جمع قِطف، و هي الفاكهة المقتطفة توّاً.

  • و قريب ممّا في الآية 14، من السورة 76: الدهر: وَ دانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَ ذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا.

  • فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَ لا جَانٌّ. (الآية 56)1

  • الطرف جفن العين، و قاصِرَاتُ الطَّرْفِ كناية عن النساء اللواتي قصرن أنظارهنّ على أزواجهنّ لم يُردن غيرهم.

  • أمّا الطَّمث فعبارة عن الافتضاض و النكاح بالتدمية. و الجانّ: الجنّ في مقابل الإنس.

  • فيكون المعنى أنّ تلكم النساء و الحوريّات مضطجعات على تلك الفرش- أو في الجِنان- لا يرغبنَ في غير أزواجهنّ، و يقصرن همّتهنّ فيهم، و أنّهنّ أبكار لم ينكحهنّ و لم يفتضّهن إنس و لا جانّ.

  • كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَ الْمَرْجانُ. (الآية 58)

  • هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ. (الآية 60)

  • أي أنّ الله تعالى سيُحسن للمؤمنين و المؤمنات الذين آمنوا في الدنيا و أطاعوا الله و رسوله و سلكوا سبيل الخلوص و التقوى فصاروا من المقرّبين و المحسنين، و يجزيهم على إحسانهم، فيمنّ عليهم بهذه النِّعم.

  • وَ مِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ. (الآية 62)

  • و هاتان الجنّتان، و إن أشبهتا الجنّتين السالفتين، إلّا أنّهما دونهما منزلةً و قدْراً و فضلًا و شرفاً، فقد كانت الاوليان لأهل الإخلاص الذين كانوا

    1. الآية 56، من السورة 55: الرحمن.

معرفة المعاد ج۱۰

99
  • يخشون ربّهم، و الذين عبدوا الله للّه، و هم المخلصون و المقرّبون. أمّا هاتان الجنّتان فمتعلّقتان بطائفة أدنى من اولئكم، و هم أصحاب اليمين الذين عبدوا الله تعالى أمّا خوفاً من ناره، أو طمعاً في جنّته. لذا كانت هاتان الجنّتان اللتان تمثّل إحداهما الجزاء و الثواب و تمثّل الاخرى مقولة:

  • وَ لَدَيْنا مَزِيدٌ، أوطأ منزلةً و مقاماً من الجنّتين الاوليين.

  • مُدْهامَّتانِ. (الآية 64)

  • مُدهامّة، مُدهاممة، اسم فاعل من باب إفعيلال من مادة دهم؛ و الدُّهمة هي السواد. و تطلق على الزرع إذا اشتدّت خُضرته فمال إلى السواد. و من هذا القبيل الفَرَس الأدهم أي المائل للسواد. و إدْهَمَّ و إدْهَامَّ من باب إفعلال و إفعيلال، كلاهما له نفس المعنى، أي المائلان للسواد.

  • و هذا اللون في الشجر يمثّل ريّ أوراقها و تمام خُضرتها بحيث صارت تضرب إلى السواد.

  • فِيهِما عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ. (الآية 66)

  • نَضَخَ يَنْضَخُ نَضْخاً و نَضَخاناً بمعنى اشتداد فوران الماء و تصاعده من العين.

  • فِيهِما فاكِهَةٌ وَ نَخْلٌ وَ رُمَّانٌ. (الآية 68)

  • و نظراً لأنّ النخل يعني الشجر دون فاكهة التمر، فالمراد بالفاكهة و الرّمان- بدلالة هذه القرينة- هو أشجار الفاكهة و الرمان أيضاً.

  • فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ. (الآية 70)

  • و الضمير في «فيهنّ» يعود إلى الجِنان، و هي جمع، لأنّ الجنّتين الاوليين و الجنّتين الاخريين تصبح أربع جنان.

  • و بما أنّ استعمال لفظ خَيْر في معنى المرأة، و لفظ حُسن في الطلعة و الشمائل، فإنّ معنى خيرات حسان هو نساء حسان الوجوه خيرات

معرفة المعاد ج۱۰

100
  • الخلائق و الطبائع. و حِسان جمع حسناء.

  • حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ. (الآية 72)

  • الخيام جمع الخيمة؛ و مقصورات أي محبوسات في الحِجال مستورات مصونات عن بذل أنفسهنّ لغير أزواجهنّ، فليس لأحد فيهنّ نصيب سوى أزواجهنّ.

  • لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَ لا جَانٌ. (الآية 74). مرّ معناه أخيراً.

  • مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَ عَبْقَرِيٍّ حِسانٍ. (الآية 76)

  • الرفرف قماش أخضر يُستعمل للفُرش. و العبقريّ و العباقريّ نوع من الفرش النفيسة. حسان جمع حسن و هو مذكّر؛ و لذلك فإنّ حسان هي جمع مذكّر و جمع مؤنّث أيضاً.

  • تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ. (الآية 78)

  • و ينبغي العلم بأنّ الآية الشريفة فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ قد تكرّرت في سورة الرحمن إحدي و ثلاثين مرّة، و من الموارد التي تكرّرت فيها هذه الآية، بين هذه الآيات في وصف الجنّة التي أوردناها في هذا المجال.

  • الآيات الواردة في سورة الواقعة بشأن الجنّة

  • أمّا السورة الثانية التي تكرّر فيها ذكر الجنّة، فهي سورة الواقعة حيث قسّمت السورة الناسَ إلى ثلاث طوائف: السابقون، أصحاب الميمنة و أصحاب المشأمة.

  • وَ السَّابِقُونَ السَّابِقُونَ، أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ، فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ، ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ، وَ قَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ. (الآيات 10 الى 14)

  • و جنّة النعيم- كما سيأتي- هي جنّة الولاية. و يقصد بالأوّلين: الامم السابقة، و بالآخرين: امّة خاتم الأنبياء. و بالتأكيد فإنّ المقرّبين في هذه الامّة أقلّ عدداً منهم في الامم السابقة، على الرغم من تفوّقهم عليهم كمالًا.

معرفة المعاد ج۱۰

101
  • أمّا أصحاب اليمين في هذه الامّة فعددهم مماثل في كثرته لعددهم في الامم السالفة، و سيأتي ذكر ذلك لاحقاً.

  • و الثُّلّة- بضمّ الثاء- هي الجماعة الكثيرة العدد. أمّا الثَّلة- بفتح الثاء- فهي القطيع من الأغنام. و في المَثَل: فُلَانٌ لا يفرّق بين الثَّلَّة و الثُّلَّة.

  • عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ، مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ. (الآيتان 15 و 16)

  • السرير بمعنى الأريكة و العرش، و يستعمل غالباً لعرش الملك، و جمعه سُرُر و أسِرَّة. وَضَنَ يَضِنُ وَضْناً بمعنى نَسَج، و موضونة أي منسوجة من الألياف، و هي استعارة تعبّر عن إحكامها و متانتها.

  • و تقابُل أصحاب الجنّة في الجلوس كناية عن كمال الانس و حسن المعاشرة و صفاء البواطن، فهم لا ينظرون في أقفية بعضهم، و لا يلوّثون بواطنهم- فتخالف ظواهرهم- بالغِيبة و الانتقاص لبعضهم.

  • يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ، بِأَكْوابٍ وَ أَبارِيقَ وَ كَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ، لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَ لا يُنْزِفُونَ. (الآيات 17 إلى 19)

  • ولدان جمع ولد، و هو الغلام. مُخلّد إمّا من الخُلود و الخَلْد و الخُلْد بمعنى البقاء؛ أو من الخُلد و الخَلَدة- بفتحتين- بمعنى القُرط.

  • أكواب جمع كوب، و هو الكوز الذي لا عروة له و لا خرطوم. أمّا أباريق فجمع إبريق و هو الإناء الذي له خرطوم. و كأس مفرد لا جمع، و هو الإناء الواسع الرأس الذي لا عروة له و لا خرطوم، خلافاً للكوز.

  • و العلّة في المجيء بالكأس مفرداً، هي أنّ الكأس يطلق على الإناء ما دام فيها شراب؛ فالكأس من غير شراب هي- إذاً- في حكم الأباريق و الأكواب.

  • لَا يُصَدَّعُونَ عَنهَا أي لا يأخذهم من خمر الجنّة صداع. و أنزف من باب إفعال، هو فعل لازم بمعنى السكر و ذهاب العقل. فيكون معنى

معرفة المعاد ج۱۰

102
  • و لا ينزفون لا تذهب عقولهم بالسكر و شرب الخمر.

  • وَ فاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ، وَ لَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ، وَ حُورٌ عِينٌ، كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ، جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ. (الآيات 20 الى 24)

  • لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَ لا تَأْثِيماً، إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً. (الآيتان 25 و 26)

  • اللغو ما لا فائدة فيه من الكلام. و الإثم: الذنب؛ و تأثيم: الكلام الذي يؤثم المرء فيه. قيل مصدر، شأنه شأن قَوْل و سلَاماً مصدر أيضاً، و قد مرّ معناه.

  • الآيات الواردة في نِعَم الجنّة

  • وَ أَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ، فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ، وَ طَلْحٍ مَنْضُودٍ، وَ ظِلٍّ مَمْدُودٍ، وَ ماءٍ مَسْكُوبٍ، وَ فاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ، لا مَقْطُوعَةٍ وَ لا مَمْنُوعَةٍ. (الآيات 27 إلى 33)

  • السِّدر شجرة معروفة ذات أشواك. و خَضَدَ يَخْضِدُ خَضْداً فعل متعدّ بمعنى نزع أشواك الشجرة و قطعها. و سدرة مخضودة هي السدرة التي نُزعت أشواكها.

  • و جاء في تفسير الدر المنثور: أخرج الحاكم و صحّحه، و البيهقيّ في «البعث» عن أبي أمامة، قال: كان أصحاب رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم يقولون: إنّ الله ينفعنا بالأعراب و مسائلهم.

  • أقبل أعرابيّ يوماً، فقال: يا رسول الله! لقد ذكر الله في القرآن شجرة مؤذية، و ما كنتُ أرى أنّ في الجنّة شجرة تؤذي صاحبها.

  • فقال رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم: و ما هي؟

  • قال: السدر، فإنّ لها شوكاً.

  • فقال رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم: أ ليس يقول الله: في سِدْرٍ مخْضُودٍ، يخضده الله من شوكه فيجعل مكان كلّ شوكة ثمرة، إنّها

معرفة المعاد ج۱۰

103
  • تنبت ثمراً تفتق الثمر منها عن اثنين و سبعين لوناً من الطعام، ما فيها لون يشبه الآخر.

  • و في «المجمع»: و روت العامّة عن عليّ عليه السلام أنّه قرأ رجل عنده: وَ طَلْحٍ مَنضُودٍ؛ فقال: ما شأن الطلح؟! إنّما هو وَ طَلْعٍ، كقوله: وَ نَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ.

  • فقيل له: أ لا تغيّره؟

  • قال: إنَّ القُرْآنَ لَا يُهَاجُ اليَوْمَ وَ لَا يُحَرَّكُ.

  • رواه عنه ابنه الحسن عليه السلام و قيس بن سعد.1

  • وَ فُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ، إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً، فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً، عُرُباً أَتْراباً. (الآيات 34 إلى 37)

  • فُرُش جمع فراش و هو البساط يُفرش فيجلس عليه، إلّا أنّ من الممكن أنّ المراد ب- فُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ في هذه الآية: النساء المرتفعات القدر في عقولهنّ و حسنهنّ و كمالهنّ. و الشاهد على ذلك أنّ المرأة تدعى فراشاً. و ممّا يُناسب هذا المعنى قوله بلا فصل: إنَّآ أنشَأنَاهُنَّ إنشَآءً.

  • و عُرُب جمع عروب، و هي المرأة التي تتحبّب إلى زوجها، أو المرأة اللعوب مع زوجها. و أتراب جمع تِرْب- بالكسرة ثمّ السكون- بمعنى المثيل و الشبيه.

  • لِأَصْحابِ الْيَمِينِ، ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ، وَ ثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ. (الآيات 38 إلى 40)

  • و ينبغي العلم أنّ ما جاء في قوله تعالى: فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ وَ طَلْحٍ مَنْضُودٍ وَ ظِلٍّ مَمْدُودٍ الى قوله فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً عُرُباً أَتْراباً متعلّق بأجمعه

    1. 1-« الميزان» ج 19، ص 145.

معرفة المعاد ج۱۰

104
  • بأصحاب اليمين.

  • أمّا ما ذُكر من قوله تعالى: في جَنَّاتِ النَّعِيمِ، إلى قوله تعالى إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً، فمتعلّق بالسابقين و المقرّبين.

  • و يتبيّن من خلال التأمّل في خصوصيات تلك المزايا و هذه المزايا المذكورة لأصحاب اليمين، أفضليّة السابقين و تقدّمهم شرفاً على أصحاب اليمين. كما ينبغي العلم بأنّ الله تعالى قد ذكر في سورة الدهر أيضاً آياتٍ في جزاء الأبرار و ثوابهم حاكية عن عظمتهم و مقامهم، إلّا أنّ تفسير تلك الآيات يندرج ضمن ما أوردناه في هذا المجال، لذا أعرضنا عن إيرادها.

  • و قد نزلت سورة الدهر في شأن أهل بيت رسول الله، و هم أمير المؤمنين و فاطمة الزهراء و الإمامين الحسن و الحسين عليهم السلام و خادمتهم فضّة.

  • لقد جاء في الآيتين 54 و 55، من السورة 54: القمر أنّ مقام المتّقين لدى المالك المطلق و الحاكم المقتدر يتمثّل في مَقْعَدِ صِدْقٍ:

  • إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَ نَهَرٍ، فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ.

  • كما جاء في الآيتين 7 و 8، من السورة 98: البيّنة أنّ ذلك الجزاء الذي يشتمل على رضا الطرفين قد ارسي على أساس من خشية الخالق عزّ و جلّ و إجلال مقامه تعالى.

  • إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ، جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ.

  • و جاء في الآيات 31 إلى 36، من السورة 78: النبأ: إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً، حَدائِقَ وَ أَعْناباً، وَ كَواعِبَ أَتْراباً، وَ كَأْساً دِهاقاً، لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَ لا كِذَّاباً، جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً.

معرفة المعاد ج۱۰

105
  • دَهَقَ يَدْهَقُ دَهْقاً: ملأ الكأس، و دهاقاً كأساً ممتلئة طافحة. أمّا كِذَّاباً فمن مصادر كَذَبَ يَكْذِبُ.

  • و يستفاد من هذه الآيات أنّ الجنّة هي مقام الصدق و الأمانة و التقوى و زوال الشكوى من آثار و مظاهر عالم الخلقة (و هو مخلوق للّه تعالي)، و حفظ مقام جلال و عظمة و ابّهة الربّ ذي الجلال. و هو مقام لا يتسرّب إليه اللغو و الباطل و الكذب و الذنوب، و لا يعتريه نقص و لا فتور و لا عيب. مقامٌ شرابه يُسكر بجمال الله و صفاته و أفعاله، لكنّه لا يسبّب الصداع للشاربين و لا يذهب بعقولهم. و هو بذاته الشراب الطهور المذكور في سورة الدهر.

  • كما أنّ طعام الجنّة طعام لا يُثقل المرء و لا يستدعي فتوره؛ و لا يعقب نكاح الجنّة أي فتور و ارتخاء. كلّ ما في الجنّة عشق و لذّة و سرور و حبور. و علّة ذلك في عدم وجود سبيل للعدم و النقصان و الفناء في الجنّة. و حين نلاحظ أنّ النكاح أو تناول الأطعمة و الأشربة اللذيذة في هذا العالم يبعث على لذّة ضعيفة و له تأثير ضعيف آنيّ، فإنّما يكون ذلك بسبب نقصان هذا العالم.

  • نِعَم الجنّة خالدة بلا نقصان

  • و لو فرضنا أنّ انعدام جهات النقص في هذا العالم فسوف لن يتبدّل كلٌّ من البهجة و السرور إلى انقباض و سوء في الحال، و لاتّسمت كلّ لذّة حاصلة بالبقاء و الخلود، فلا يشوبها و الحال هذه أي شيء من الفتور أو القصور أو النقصان.

  • و بعبارة أوضح، فإنّ النقصان و العيب و المرض و الموت و الفتور هي امور معلولة لثقل المادّة. أمّا في عالم القيامة فليس للمادة ثقل، و هو عالم تحلّق فيه الحور العين فيطوين في طرفة عين واحدة جنّةً سعتها سعة السماوات و الأرض، و عالم لا ثقل لطعامه، و عالمٌ يعرق ساكنوه فيفوح

معرفة المعاد ج۱۰

106
  • منهم العطر. و هو في النهاية عالمٌ تتواجد فيه جميع جوانب النعمة و اللذة مجتمعة، و تنعدم فيه آثار المادّة و خواصّها و ثقلها و كثافتها.

  • ذلك العالَم جنّة حقيقيّة واقعيّة بدون جهات عدميّة أو نقصان. و من هنا، فإنّ لذّة تلك الجنّة ستكون لذّة دائميّة لا يعتريها انقلاب و لا فساد و لا كدر.

  • و في الحديث: أنّ جميع أصحاب الجنّة جُرْد و مُرْد. و الجرد جمع الأجرد، و المرد جمع الأمرد، و كلاهما بمعنى الغلام الذي لم ينبت عارضاه.

  • أي سيكون أصحاب الجنّة في هيئة غلمان و فتيان لم ينبت الشعر على عوارضهم و إن فارق بعضهم الدنيا و هو شيخ هرم قد انحنت قامته و احدودب ظهره و ثقلت آذانه و عمشت عينه.

  • كما جاء في الرواية: أنّ الرسول الأكرم صلّى الله عليه و آله و سلّم كان يتحدّث يوماً عن الجنّة و أوصافها، فمازح عجوزاً مؤمنة كانت قريبه منه، فقال: إنّ الجنّة لا يدخلها العجز! فبكت المرأة، فضحك النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم، و قال: أ ما سمعتِ قول الله تعالى:

  • إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً؟

  • و جاء في «تفسير مجمع البيان» في ذيل الآية 25، من السورة 2: البقرة: وَ لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَ هُمْ فِيها خالِدُونَ؛ و قيل: هُنَّ من نساء الدنيا. قال الحسن: هُنَّ عَجَائِزُكُمُ الغُمْصُ الرُّمْصُ العُمْشُ طَهُرْنَ مِنْ قَذَرَاتِ الدُّنْيَا.

  • مُطَهَّرَةٌ؛ قيل: في الأبدان و الأخلاق و الأعمال، فلا يحضن. و لا يلدن و لا يتغوّطن و لا يبلْن، قد طهرنَ من الأقذار و الآثام. وَ هُمْ فِيهَا؛ أي في الجنّة. خَالِدُونَ؛ يعني دائمون يبقون ببقاء الله فلا انقطاع لذلك و لا نفاد،

معرفة المعاد ج۱۰

107
  • لأنّ النعمة تتمّ بالخلود و البقاء، كما تنتقص بالزوال و الفناء.1

  • و على هذا الأساس فقد عدّت الآية 35، من السورة 13: الرعد تناول طعام الجنّة دائميّاً، و عدّت ظلالها دائمة مستمرّة:

  • مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وَ ظِلُّها تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَ عُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ.

  • و جاء تفسيرها في «مجمع البيان» على النحو التالي: اكُلُهَا دَآئِمٌ؛ يعني أنّ ثمارها لا تنقطع كثمار الدنيا، و ظلّها لا يزول و لا تنسخه الشمس ... و قيل: معناه نعيمها لا ينقطع بموتٍ و لا آفة.2

  • و نقل مؤلّف «مجمع البيان» في تفسير الآية 18، من السورة 76: الدهر، وَ يُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا، عن ابن عبّاس، قال:

  • كلّ ما ذكره الله في القرآن ممّا في الجنّة و سمّاه ليس له مثيل في الدنيا، و لكن سمّاه الله بالاسم الذي يُعرف؛ و الزنجبيل ممّا كانت العرب تستطيبه، و كذلك ذكره في القرآن و وعدهم أنّهم يُسقَون في الجنّة الكأس الممزوجة بزنجبيل الجنّة.3

  • صفة الحور العِين

  • و نقل مؤلّف «جامع الأخبار» عن أمير المؤمنين عليه السلام، قال: قال النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم: إنّ في الجنّة سوقاً ما فيها شرى و لا بيع إلّا الصور من الرجال و النساء، من اشتهى صورة دخل فيها، و إنّ فيها مجمع حور العين يرفعن أصواتهنّ بصوت لم يسمع الخلائق بمثله:

  • نَحْنُ النَّاعِمَاتُ فَلَا نَبْأسُ أبَداً؛ وَ نَحْنُ الطَّاعِمَاتُ فَلَا نَجُوعُ أبَداً؛

    1. «مجمع البيان» ج 1، ص 65، طبعة صيدا.
    2. «مجمع البيان» ج 3، ص 296.
    3. «مجمع البيان» ج 5، ص 411.

معرفة المعاد ج۱۰

108
  • وَ نَحْنُ الكَاسِيَاتُ فَلَا نَعْرَى أبَداً؛ وَ نَحْنُ الخَالِدَاتُ فَلَا نَمُوتُ أبَداً؛ وَ نَحْنُ الرَّاضِيَاتُ فَلَا نَسْخَطُ أبَداً؛ وَ نَحْنُ المُقِيمَاتُ فَلَا نَظْعَنُ أبَداً؛ فَطُوبَى لِمَنْ كُنَّا لَهُ وَ كَانَ لَنَا؛ نَحْنُ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ؛ أزْوَاجُنَا أقْوَامٌ كِرَامٌ.1

  • و نقل في «مجمع البيان» في ذيل آية: فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ، عن رسول الله في ليلة المعراج أنّ الحوريّات استأذنَّ ربّهنّ عزّ و جلّ في السلام على النبيّ، فأذن لهنّ فقلنَ: نَحْنُ الخَالِدَاتُ فَلَا نَمُوتُ، وَ نَحْنُ النَّاعِمَاتُ فَلَا نَبْأسُ، أزْواجُ رِجَالٍ كِرَامٍ.2

  • و قال في تفسير هذه الآية: قيل إنّهنّ نساء الدنيا، ترد عليهم في الجنّة و هنّ أجلّ من الحور العين، و قيل: خيرات مختارات؛ و قيل: لَسْنَ بِذَرِباتٍ، وَ لَا زَفِرَاتٍ، وَ لَا نَخِرَاتٍ، وَ لَا مُتَطَلِّعاتٍ، وَ لَا مُتَسَوِّفاتٍ، وَ لَا مُتَسَلِّطَاتٍ، وَ لَا طَمَّاحَاتٍ، و لَا طَوَّافَاتٍ في الطُّرُقِ، وَ لَا يَغِرْنَ، وَ لَا يُؤْذِينَ.

  • قَالَ عَقَبَةُ بْنُ عَبْدِ الغَفَّارِ: نِسَاءُ أهْلِ الجَنَّةِ يَأخُذُ بَعْضُهُنَّ بِأيْدِي بَعْضٍ وَ يَتَغَنَّيْنَ بِأصْوَاتٍ لَمْ يَسْمَعِ الخَلائِقُ مِثْلَهَا:

  • نَحْنُ الرَّاضِيَاتُ فَلَا نَسْخَطُ، وَ نَحْنُ المُقِيمَاتُ فَلَا نَظْعَنُ، وَ نَحْنُ خَيْرَاتٌ حِسانٌ، حَبِيبَاتٌ لأزْوَاجٍ كِرَامٍ.3

  • و عموماً فليس هناك من عقل أو شرع قد شكّ في خلود لذائذ الجنّة و دوامها. و مع افتراض أنّ ذلك العالم ليس موضعاً لتزاحم المادّة و فعلها و انفعالها، و ليس موضعاً لوجود المادّة و فسادها؛ فليس ثمّة من معنى للتناقضات المادّيّة التي تسبّب تنغيص العيش و تقليل اللذّة، كما ليس ثمّة

    1. «جامع الأخبار» ص 202، الفصل 137، الطبعة الحجريّة.
    2. ( 2 و 3)-« مجمع البيان» ج 5، ص 211.
    3. ( 2 و 3)-« مجمع البيان» ج 5، ص 211.

معرفة المعاد ج۱۰

109
  • من موت أو مرض أو ما شاكل ذلك ليعكّر صفو تلك اللذّة.

  • و ما أكثر الآيات القرآنيّة الواردة في خلود أصحاب الجنّة الحاكية عن معنى: لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ.1

  • و النُّزُل كما في «مجمع البيان» هو ما يُعدّ للضيف من الكرامة و البرّ و الطعام و الشراب.

  • خلود الحياة في الجنّة

  • الَّذِينَ آمَنُوا وَ هاجَرُوا وَ جاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَ أُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ، يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَ رِضْوانٍ وَ جَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ، خالِدِينَ فِيها أَبَداً إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ.2

  • وَ مَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَ يَعْمَلْ صالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً.3

  • و قد نقل الكشيّ في رجاله في ترجمة هشام بن الحكم مناظرة شيّقة له مع النظام في أمر الخلود، يقول:

  • عليّ بن محمّد بن قتيبة النيسابوريّ، قال: حدّثني أبو زكريّا يحيى ابن أبي بكر، قال: قال النظام لهشام بن الحكم: إنّ أهل الجنّة لا يبقون في الجنّة بقاء الأبد فيكون بقاؤهم كبقاء الله، و محال أن يبقوا كذلك.

  • فقال هشام: إنّ أهل الجنّة يبقوا بمبقٍ لهم و الله يبقى بلا مُبْقٍ أ وَ ليس هو كذلك؟

    1. الآية 198، من السورة 3: آل عمران.
    2. الآيات 20 تا 22، من السورة 9: التوبة.
    3. الآية 11، من السورة 65: الطلاق.

معرفة المعاد ج۱۰

110
  • فقال: محال أن يبقوا للأبد.

  • قال: قال: ما يصيرون؟

  • قال: يدركهم الخمود.

  • قال (هشام): فبلغك أنّ في الجنّة ما تشتهي الأنفس؟1

  • قال: نعم.

  • قال: فإن اشتهوا و سألوا ربّهم بقاء الأبد؟

  • قال: إنّ الله تعالى لا يُلهمهم ذلك.

  • قال: فلو أنّ رجلًا من أهل الجنّة نظر إلى ثمرة على شجرة، فمدّ يده ليأخذها فتدلّت إليه الشجرة و الثمار،2 ثمّ كانت منه لفتة فنظر إلى ثمرة اخرى أحسن منها، فمدّ يده اليسرى ليأخذها فأدركه الخمود و يداه متعلّقة بشجرتين، فارتفعت الأشجار و بقي هو مصلوباً، فبلغك أنّ في الجنّة مصلوبين؟

  • قال: هذا محال.

  • قال: ف الذي أتيت به أمحل منه، أن يكون قوم قد خلقوا و عاشوا فادخلوا الجنان تموّتهم فيها يا جاهل.3

  • و ربّما لهذا السبب دُعيت الجنّة- بجميع أنواعها- بجنّة الخُلد،

    1. فقد ورد في القرآن الكريم: وَ لَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أنفُسُكُمْ( الآية 31، من السورة 41: فصّلت).
    2. إذ ورد في الروايات أنّ قطف ثمار الجنّة لا يستدعي صعود أشجارها، و حبّ المشتهي قطف ثمرة أن يمدّ يده إليها فيقطفها. و الآيات القرآنيّة صريحة في هذا المعني: قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ.
    3. «رجال الكشّيّ» ص 177 و 178، طبعة بمبي؛ و ج 2، ص 552، من طبعة مؤسّسة آل البيت عليهم السلام.

معرفة المعاد ج۱۰

111
  • و لإضافة الجنّة إلى الخُلد: جنّة الخلد الدالّة على الدوام و التأبيد، دلالة على أنّ الجنّة لا تمتلك في حدّ ذاتها بقاءً و دواماً، حيث تأتي الجملة اللاحقة: خَالِدِينَ فِيهَا، لتدلّ على خلود أصحاب الجنّة و بقائهم.

  • أسماء الجنان المذكورة في القرآن الكريم

  • و قد ورد في القرآن الكريم ذكر أربع جنان: جنّة عدن، جنّة الفردوس، جنّة النعيم و جنّة المأوى.

  • و جاء في الرواية: قال أبو جعفر عليه السلام: أمَّا الجِنَانُ المَذْكُورَةُ في الكِتَابِ فَإنَّهُنَّ جَنَّةُ عَدْنٍ، وَ جَنَّةُ الفِرْدَوْسِ، وَ جَنَّةُ نَعِيمٍ، وَ جَنَّةُ المَأوَى.

  • وَ إنَّ لِلَّهِ تَعَالَى جِنَاناً مَحْفُوفَةً بِهَذِهِ الجِنَانِ.1

  • أمّا جنّة النعيم فقد ورد ذكرها في آيات قرآنيّة كثيرة، كالآيات 10 إلى 12، من السورة 56: الواقعة: وَ السَّابِقُونَ السَّابِقُونَ، أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ، فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ.

  • و كالآيتين 38 و 39، من السورة 70: المعارج: أَ يَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ، كَلَّا.

  • و أمّا جنّة عدن فقد ورد ذكرها في آيات كثيرة أيضاً، كالآية 12، من السورة 61: الصفّ: وَ مَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ.

  • و أمّا جنّة الفردوس، فقد ذُكرت في موضعين من القرآن الكريم، أوّلهما: الآيتان 107 و 108 من السورة 18: الكهف: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا، خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا.

  • و ثانيهما: الآيتان 10 و 11، من السورة 23: المؤمنون: أُولئِكَ

    1. «علم اليقين» للفيض الكاشانيّ، ص 224، الطبعة الحجريّة بالقطع الوزيريّ.

معرفة المعاد ج۱۰

112
  • (و الحديث عن المؤمنين المتّصفين بصفات معيّنة) هُمُ الْوارِثُونَ، الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ.

  • و أمّا جنّة المأوى فقد وردت أيضاً في موضعين من القرآن الكريم:

  • الأوّل: الآية 19، من السورة 32: السجدة: أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى نُزُلًا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ.

  • و الثاني: الآيتان 14 و 15، من السورة 53: النجم: عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى، عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى.

  • و خلاصة القول أنّ جنّة الخُلد ليست جنّة سوى الجنان المعهودة لتكون قسيماً لها، بل هي مقسم تلك الجنان. و كما مرّت الإشارة سابقاً، فإنّ إضافة الجنّة إلى الخُلد قد حقّق معنى الخلود في تلك الجنّة.

  • أمّا جنّة النعيم فهي جنّة الولاية. و حيثما ورد ذكر للنعمة في القرآن الكريم، كانت الولاية هي المراد بتلك النعمة. و قد برهنّا على هذه الحقيقة في المجلس الثامن و الخمسين من الجزء الثامن من هذا الكتاب.

  • و كما نعلم فإنّ الحقّ تعالى قد وعد المؤمنين بلقائه و زيارته في أكثر من عشرين موضعاً من قرآنه الكريم، فإنّ جنّة اللقاء ستكون إحدى تلك الجنان ... و أي جنّة هي!

  • وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ، إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ.1

  • فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَ لا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً.2

  • و يمكن استفادة اسم جنّة اللقاء من خلال نسبة هذه الجنّة الى الله

    1. الآيتان 22 و 23، من السورة 75: القيامة.
    2. الآية 110، من السورة 18: الكهف.

معرفة المعاد ج۱۰

113
  • تعالى في قوله عزّ و جلّ:

  • يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً، فَادْخُلِي فِي عِبادِي، وَ ادْخُلِي جَنَّتِي.1

  • و يلاحظ في هذا المجال أنّه ذكر تلك الجنّة بلفظ جَنَّتِي، و أنّه جعلها خاصّة بعباد معيّنين من عباده، كما يُلاحظ أنّه لم يعبّر عن بعض الجنان بعنوان جنّة، بل أشار إليها بعنوان دار، كجنّة السلام التي وردت في قوله تعالى: لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ.2

  • و جاء في التفسير: قيل إنّ السلام هو الله تعالى و داره الجنّة.3

  • جنّة الذات

  • و من جملة مقامات السالك إلى الله تعالى، مقام الفناء في الله من جميع الجهات، و ينبغي لذلك أن تكون جنّة الذات بالتأكيد هي إحدى الجنان التي وعدها الحقّ تعالى للمؤمنين.

  • به زيورها بيارايند وقتى خوبرويان را***تو سيمين تن چنان خوبى كه زيور را بيارائي 4

  • و يتصوّر البعض أنّه لمّا كانت أبواب الجنّة ثمانية، وفقاً للروايات الواردة، فلا بدّ لعدد الجنان من أن يكون ثمان أيضاً، إذ إنّ دخول كلّ جنّة يستلزم الورود من بابها الخاصّ بها، و لا يمكن دخولها إلّا من ذلك الباب الخاصّ.

    1. الآيات 27 إلي 30، من السورة 89: الفجر.
    2. الآية 127، من السورة 6: الأنعام.
    3. «مجمع البيان» ج 2، ص 364.
    4. «كلّيّات سعدي الشيرازي» الغزليّات، ص 278، طبعة فروغي.
      يقول:« الحسناوات يتجمّلنَ بأسباب الزينة، لكنّك- يا ذات البدن النُّحاسيّ- جميلة تُضفين على وسائل الزينة حُسناً».

معرفة المعاد ج۱۰

114
  • و الآية الكريمة:

  • وَ أْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَ اتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ،1 دالّة على هذا المعنى.

  • لكنّ هذا الاستدلال يبقى ناقصاً، إذ يمكن أوّلًا أن تكون هناك جنّة واحدة ذات بابين أو أكثر، فيكون دخولها ممكناً عن طريقين و سبيلين. و يمكن ثانياً أن تكون جميع أبواب الجنّة الثمانية لجنّة واحدة، و أن يكون الله تعالى قد أعرض عن ذكر أبواب الجنان الباقية على لسان المعصومين. و يستفاد من بعض الروايات أنّ للجنّة أكثر من سبعين باباً. فقد روى ابن شهرآشوب في «المناقب» عن أمير المؤمنين عليه السلام، قال:

  • إنّ لِلْجَنَّةِ إحْدَى وَ سَبْعِينَ بَاباً، يَدْخُلُ مِنْ سَبْعِينَ مِنْهَا شِيعَتِي وَ أهْلُ بَيْتِي، وَ مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ سَائِرُ النَّاسِ.2

  • و روى الكلينيّ في «الكافي» عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عُمير، عن منصور بن يونس، عن إسحاق بن عمّار، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال:

  • إنّ لِلْجَنَّةِ بَاباً يُقَالُ لَهُ المَعْرُوفُ، لَا يَدْخُلُهُ إلَّا أهْلُ المَعْرُوفِ، وَ أهْلُ المَعْرُوفِ في الدُّنْيَا هُمْ أهْلُ المَعْرُوفِ في الآخِرَةِ.3

  • و روى الصدوق في «الأمالي» عن وهب بن وهب القرشيّ، عن أبي عبد الله، عن أبيه، عن جدّه عليهم السلام، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم:

    1. الآية 189، من السورة 2: البقرة.
    2. «بحار الأنوار» ج 8، ص 139، الطبعة الحروفيّة.
    3. «الكافي» ج 4، ص 30.

معرفة المعاد ج۱۰

115
  • لِلْجَنَّةِ بَابٌ يُقَالُ لَهُ بَابُ المُجَاهِدِينَ، يَمْضُونَ إلَيْهِ فَإذَا هُوَ مَفْتُوحٌ وَ هُمْ مُتَقَلِّدُونَ سُيُوفَهُمْ، وَ الجَمْعُ في المَوْقِفِ، وَ المَلَائِكَةُ تُرَحِّبُ بِهِمْ.

  • فَمَنْ تَرَكَ الجِهَادَ، ألْبَسَهُ اللهُ ذُلًا في نَفْسِهِ وَ فَقْراً في مَعِيشَتِهِ، وَ مَحْقاً في دِينِهِ. إنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أعَزَّ امَّتِي بِسَنَابِكِ الخَيْلِ وَ مَرَاكِزِ رِمَاحِهَا.1

  • و بطبيعة الحال فإنّ للجنّة درجات و مقامات يفضّل بعضها على بعض، و أنّ أبواب الجنّة مختلفة و متفاوتة شأنها شأن الجنان الثمانية، و بذلك يمكننا أن نعتبر أنّ الجنّة ذات أبواب و درجات كثيرة.

  • قَالَ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: دَرَجَاتٌ مُتَفَاضِلَاتٌ، وَ مَنَازِلُ مُتَفَاوِتَاتٌ، لَا يَنْقَطِعُ نَعِيمُهَا، وَ لَا يَظْعَنُ مُقِيمُهَا، وَ لَا يَهْرَمُ خَالِدُهَا، وَ لَا يَبْأسُ سَاكِنُهَا.2

  • المقامات المختلفة لانبياء الله و أوليائه في الجنّة

  • و جاء في الآيات القرآنيّة الكريمة أنّ الأنبياء يفضّل بعضهم على البعض الآخر؛ قال تعالى:

  • تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ.3

  • وَ لَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ.4

  • وَ ما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ.5

  • و على هذا الأساس فإنّ الأنبياء و الأئمّة و أولياء الله، مع كلّ خلوصهم و تقرّبهم، و مع امتلاكهم مقام التوحيد و العرفان الإلهيّ، فلكلّ واحد منهم منزلةً خاصّة و مقاماً خاصّاً. و ما أحلى و أروع مقولة الحكماء حين قالوا:

    1. «الأمالي» للصدوق، ص 344، الطبعة الحجريّة.
    2. «نهج البلاغه» ص 149، الخطبة 83، طبعة عبده، مصر.
    3. الآية 253، من السورة 2: البقرة.
    4. الآية 55، من السورة 17: الإسراء.
    5. الآية 164، من السورة 37: الصافّات.

معرفة المعاد ج۱۰

116
  • الطُّرُقُ الى اللهِ بِعَدَدِ أنْفَاسِ الخَلائِقِ. أي أنّ كلّ فرد يسير إلى الله تعالى في طريق نفسانيّ خاصّ به.

  • لذا، فإنّ منازل الجنّة ستكون مختلفة أيضاً، و سيحتلّ كلّ امرئٍ منزلًا و مقاماً خاصّاً به.

  • و بناءً على هذا الأساس فقد جاء في الرواية أنّ رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم، قال: نحن في جنّة عدن، و هي في وسط الجنان، و سائر الأنبياء حولنا في الجنان.1

  • روى الصدوق في «العيون» بإسناده عن التميميّ، عن أبي الحسن (الرضا) عليه السلام، عن آبائه عليهم السلام، أنّ رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم قال: وَسَطُ الجَنَّةِ لِي وَ لأهْلِ بَيْتِي.2

  • و أورد عليّ بن إبراهيم في تفسيره لذيل الآية 107، من السورة 18: الكهف: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا؛ قال: نزلت في أبي ذرّ و المقداد و سلمان الفارسيّ و عمّار بن ياسر؛ جعل الله لهم جنّات الفردوس نزلًا، أي مأوى و منزلًا.3

  • و روى الصدوق في «الخصال» بسنده عن ابن عبّاس، قال خَطَّ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ أرْبَعَ خِطَطٍ في الأرْضِ. قَالَ: أ تَدْرُونَ مَا هَذَا؟

  • قُلْنَا: اللهُ وَ رَسُولُهُ أعْلَمُ.

  • فَقَالَ: أفْضَلُ نِسَاءِ الجَنَّةِ أرْبَعٌ: خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَ فَاطِمَةُ بِنْتُ

    1. لم أعثر على هذه الرواية بهذا اللفظ، فاكتفيتُ بترجمتها من المتن.( م)
    2. «عيون أخبار الرضا» ص 257، الطبعة الحجريّة.
    3. «تفسير القمّيّ» ص 407، الطبعة الحجريّة.

معرفة المعاد ج۱۰

117
  • مُحَمَّدٍ صلّى الله عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ، وَ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَ آسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ.1

  • و روى المفيد في «المجالس» عن ابن قولويه، عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى، عن سعيد بن جناح، عن عبد الله بن محمّد، عن جابر بن يزيد، عن أبي جعفر عليه السلام، عن آبائه عليهم السلام، عن رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم، قال:

  • الجَنَّةُ مُحَرَّمَةٌ عَلَى الأنْبِيَاءِ حتّى أدْخُلُهَا، وَ مُحَرَّمَةٌ على الامَمِ كُلِّهَا حتّى يَدْخُلُهَا شِيعَتُنَا أهْلَ البَيْتِ.2

  • و روى الصدوق في «الخصال» بإسناده عن أبي عبد الله (الصادق) عليه السلام، قال:

  • قَالَ النَّبِيّ صلّى الله عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ: إنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى خَلَقَ في الجَنَّةِ عَمُوداً مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ، عَلَيْهِ سَبْعُونَ ألْفَ قَصْرٍ، في كُلِّ قَصْرٍ سَبْعُونَ ألْفَ غُرْفَةٍ، خَلَقَهَا اللهُ عَزَّ وَ جَلَّ لِلْمُتَحَابِّينَ وَ المُتَزَاوِرِينَ في اللهِ.3

  • الطرق المختلفة باتّجاه الجنّة

  • و لمّا علمنا بأنّ كلّ صفة من الصفات الحسنة، و كلّ فعل من الأفعال الحميدة هو سبيل إلى الجنّة فسنصل إلى أنّ الطرق إلى الجنّة لا تعدّ و لا تحصى.

  • و بهذه القرينة، فلمّا كانت الصفات السيّئة و الأفعال الذميمة طرقاً إلى النار، فإنّ طرق النار ستكون كثيرة أيضاً.

  • كلّ عمل للخير هو باب إلى الجنّة

  • و من هنا، فأبواب الجنّة الثمانية هي عنوان عامّ و جامع للجنّة، كما أنّ

    1. «الخصال» ج 1، ص 96، باب الأربعة، الطبعة الحجريّة.
    2. «الأمالي» للمفيد، ص 45، المجلس الثامن.
    3. «الخصال» ج 2، ص 171؛ باب« ما فوق الألف»، الطبعة الحجريّة.

معرفة المعاد ج۱۰

118
  • الأبواب الإحدى و السبعين هي عبارة عن الطرق الجامعة التي تقود الناس إلى الجنّة، و إلّا فإنّ أفراد الناس يمتلكون سبلًا كثيرة خارجة عن العدّ و الحصر.

  • يروي الشيخ الطوسيّ في «الأمالي» عن عدّة من الأصحاب، عن أبي المفضّل، عن جعفر بن محمّد بن جعفر، عن أيّوب بن محمّد، عن سعد بن مسلمة، عن الإمام جعفر بن محمّد، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليه السلام، قال:

  • قَالَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ: إنَّ السَّخَاءَ شَجَرَةٌ مِنْ أشْجَارِ الجَنَّةِ، لَهَا أغْصَانٌ مُتَدَلِّيَةٌ في الدُّنْيَا، فَمَنْ كَانَ سَخِيّاً تَعَلَّقَ بِغُصْنٍ مِنْ أغْصَانِهَا، فَسَاقَهُ ذَلِكَ الغُصْنُ الى الجَنَّةِ.

  • وَ البُخْلُ شَجَرَةٌ مِنْ أشْجَارِ النَّارِ، لَهَا أغْصَانٌ مُتَدَلِّيَةٌ في الدُّنْيَا، فَمَنْ كَانَ بَخِيلًا تَعَلَّقَ بِغُصْنٍ مِنْ أغْصَانِهَا، فَسَاقَهُ ذَلِكَ الغُصْنُ الى النَّارِ.1

  • و يروي الصدوق في «الأمالي» عن ابن ماجيلويه، عن عمّه، عن البرقيّ، عن أبيه، عن محمّد بن سنان، عن المفضّل بن عمر، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (ثمّ يذكر الحديث إلى أن يصل إلى قوله:)

  • وَ عَلَيْكُمْ بِتِلَاوَةِ القُرْآنِ! فَإنَّ دَرَجَاتِ الجَنَّةِ على عَدَدِ آيَاتِ القُرْآنِ، فَإذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ، يُقَالُ لِقَارِئِ القُرْآنِ:

  • اقْرَأ وَ ارْقَ، فَكُلَّمَا قَرَأ آيَةً رَقَى دَرَجَةً- الحديث.2

  • كما يروي الصدوق في «الأمالي» عن أبيه، عن سعد، عن سلمة بن الخطّاب، عن محمّد بن ليث، عن جابر بن إسماعيل، عن أبي عبد الله عليه

    1. «الأمالي» للطوسيّ، ص 302، الطبعة الحجريّة.
    2. «الأمالي» للصدوق، ص 216، الطبعة الحجريّة.

معرفة المعاد ج۱۰

119
  • السلام، عن أبيه عليه السلام، قال: إنّ رجلًا سأل عليّ بن أبي طالب عن قيام الليل بالقرآن، فقال له (ثمّ يذكر الصدوق كلام الإمام إلى أن يصل إلى قوله عليه السلام:)

  • وَ مَنْ صَلَّى لَيْلَةً تَامَّةً تَالِياً لِكِتَابِ اللهِ رَاكِعاً وَ سَاجِداً وَ ذَاكِراً، اعْطِيَ مِنَ الثَّوَابِ مَا أدْنَاهُ يَخْرُجُ مِنَ الذُّنُوبِ كَمَا وَلَدَتْهُ امُّهُ، وَ يُكْتَبُ لَهُ عَدَدَ مَا خَلَقَ اللهُ مِنَ الحَسَنَاتِ وَ مِثْلَهَا دَرَجَاتٌ، وَ يَثْبُتُ النُّورُ في قَبْرِهِ، وَ يُنْزَعُ الإثْمُ وَ الحَسَدُ مِنْ قَلْبِهِ، وَ يُجَارُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَ يُعْطَى بَرَاءَةً مِنَ النَّارِ، وَ يُبْعَثُ مِنَ الآمِنِينَ.

  • وَ يَقُولُ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لِمَلَائِكَتِهِ: مَلَائِكَتِي! انْظُرُوا الى عَبْدِي، أحْيَى لَيْلَةً ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي! أسْكِنُوهُ الفِرْدَوْسَ، وَ لَهُ فِيهَا مِائَةُ ألْفِ مَدِينَةٍ، في كُلِّ مَدِينَةٍ جَمِيعُ مَا تَشْتَهِي الأنْفُسُ وَ تَلَذُّ الأعْيُنُ وَ مَا لَا يَخْطُرُ على بَالٍ، سِوَى مَا أعْدَدْتُ لَهُ مِنَ الكَرَامَةِ وَ المَزِيدِ وَ القُرْبَةِ.1

  • كما يروي في «الأمالي» عن عليّ بن الحسين بن شاذويه المؤدِّب، عن محمّد بن عبد الله بن جعفر بن جامع، عن أبيه، عن يعقوب بن يزيد، عن محمّد بن أبي عمير، عن أبان بن عثمان، عن أبان بن تغلب، عن أبي جعفر (الباقر)، عن أبيه عليّ بن الحسين، عن أبيه الحسين بن عليّ سيّد الشهداء، عن أبيه عليّ بن أبي طالب سيّد الأوصياء، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم:

  • مَنْ صَلَّى عَلَيّ وَ لَمْ يُصَلِّ على آلي لَمْ يَجِدْ رِيحَ الجَنَّةِ؛ فَإنَّ رِيحَهَا لَتُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ.2

    1. «الأمالي» للصدوق، ص 176.
    2. «الأمالي» للصدوق، ص 120.

معرفة المعاد ج۱۰

120
  • و يلزم هنا أن نذكّر بأنّ جنّة القيامة هي جنّة صوريّة ذات حور و غلمان و أشجار و أثمار، و أنّ ما ذكرناه من أنّ جنّة القيامة هي طلوع عالم النفس من العوالم الثلاثة: الطبع و المثال و النفس، و أنّ الإنسان يصل إلى مقام الفناء في الله فلا يبقى غير الفناء شيء إلّا ذات الحقّ سبحانه و تعالى، هي امور صحيحة و محفوظة في مواضعها؛ إلّا أنّ موقف الجنّة هو موقف البقاء بعد الفناء، حيث لا تتنافى التجلّيات النفسانيّة هناك مع الاستيلاء و الغلبة و السيطرة على عالمَي الصورة و الطبع.

  • و نذكّر توضيحاً، بأنّ نفس الإنسان تعبر- بلا شكّ- من عالم الطبع و عالمَي الصورة و المثال من خلال حركتها إلى الله تعالى و تحقّق معنى إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ؛ ثمّ إنّها تندكّ و تفنى في ذات الحضرة الأحديّة، فيكون لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ لا سواه. هناك عالم الفناء الذي تفنى فيه جميع الموجودات، و عالم لا اسم له و لا رسم و لا صورة و لا شكل و لا عذاب فيه و لا ثواب؛ و لا إنسان فيه و لا حيوان و لا جانّ و لا نبيّ و لا مَلَك، حتّى أنّ ملك الموت ستُقبض روحه بأمر الله تعالى. ثمّ إنّ الموجودات تحصل على البقاء ببقاء الحقّ جلّ و علا، فتعود النفوس في عالم البقاء من جديد، و تحصل على آثار و خواصّ و ميزات، و يصل الدور إلى الثواب و العقاب، و الى السؤال و الحساب و الكتاب و العرض و الجزاء و الصراط و الميزان و تطاير الكتب، و الى المنبر و الوسيلة و الحمد، و الى الجنّة و النار في خاتمة المطاف. هناك، حيث تبقى الموجودات ببقاء الحقّ و تخلّد، و حيث طلوع عالم النفس في آثاره و خصوصيّاته.

  • فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَ فَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ.1

    1. الآية 7، من السورة 42: الشورى.

معرفة المعاد ج۱۰

121
  • و قد بحثنا مفصّلًا في مبحث المعاد الجسمانيّ (في المجلس التاسع و الثلاثين، الجزء السادس) عن كيفيّة حصول الفناء في الله، ثمّ البقاء بالله تعالى؛ وَ لِلَّهِ الحَمْدُ وَ لَهُ المِنَّةُ.

  • و من المناسب في هذا المجال أن نختتم بحث الجنّة بخُطبة من خطب أمير المؤمنين عليه السلام في أوصاف الجنّة أوردها في ذيل خُطبة له في عجائب خلقة الطاوس، قال فيها:

  • فَلَوْ رَمَيْتَ بِبَصَرِ قَلْبِكَ نَحْوَ مَا يُوصَفُ لَكَ مِنْهَا، لَعَزَفَتْ نَفْسُكَ عَنْ بَدَائِعِ مَا اخْرِجَ الى الدُّنْيَا مِنْ شَهَوَاتِهَا وَ لَذَّاتِهَا وَ زَخَارِفِ مَنَاظِرِهَا، وَ لَذَهِلْتَ بِالفِكْرِ في اصْطِفَافِ أشْجَارٍ غُيِّبَتْ عُرُوقُهَا في كُثْبَانِ المِسْكِ عَلَى سَوَاحِلِ أنْهَارِهَا، وَ في تَعْليقِ كَبَائِسِ1 اللُّؤْلُؤِ الرَّطْبِ في عَسَالِيجِهَا وَ أفْنَانِهَا، وَ طُلُوعِ تِلْكَ الثِّمَارِ مُخْتَلِفَةً في غُلُفِ أكْمَامِهَا، تُجْنَى مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ فَتَأتِي عَلَى مُنْيَةِ مُجْتَنِيهَا، وَ يُطَافُ عَلَى نُزَّالِهَا في أفْنِيَةِ قُصُورِهَا بِالأعْسَالِ المُصَفَّقَةِ، وَ الخُمُورِ المُرَوَّقَةِ؛ قَوْمٌ لَمْ تَزَلِ الكَرَامَةُ تَتَمَادَى بِهِمْ حتّى حَلُّوا دَارَ القَرَارِ، وَ أمِنُوا نُقْلَةَ الأسْفَارِ.

  • فَلَوْ شَغَلْتَ قَلْبَكَ أيُّهَا المُسْتَمِعُ بِالوُصُولِ الى مَا يَهْجُمُ عَلَيْكَ مِنْ تِلْكَ المَنَاظِرِ المُونِقَةِ، لَزَهَقَتْ نَفْسُكَ شَوْقاً إلَيْهَا، وَ لَتَحَمَّلْتَ مِنْ مَجْلِسِي هَذَا الى مُجَاوَرَةِ أهْلِ القُبُورِ اسْتِعْجَالًا بِهَا.

  • جَعَلَنَا اللهُ وَ إيَّاكُمْ مِمَّنْ سَعَى بِقَلْبِهِ الى مَنَازِلِ الأبْرَارِ بِرَحْمَتِهِ.23

  • معرفة المعاد ؛ ج10 ؛ ص121
    1. كبائس جمع كِباسة، و هو العذِق التامّ بشماريخه و رُطبه.( م)
    2. «نهج البلاغة» ج 1، ص 310 و 311، الخطبة 163، طبعة عبده، مصر.
    3. حسينى طهرانى، سيد محمد حسين، معرفة المعاد، 10جلد، دار المحجة البيضاء - بيروت - لبنان، چاپ: 1، 1416 ه.ق.

معرفة المعاد ج۱۰

122
  •  

  •  

  • المَجْلِسُ الحَادِي وَ السَّبْعُونَ: في جَهَنَّمَ وَ بِدَايَةِ نَشْأتِهَا

  •  

  •  

معرفة المعاد ج۱۰

124
  •  

  •  

  • بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

  • الحمد للّه ربّ العالمين و لا حول و لا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم

  • و صلّى الله على محمّد و آله الطاهرين

  • و لعنة الله على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين

  • قال الله الحكيم في كتابه الكريم:

  •  

  •  

  • وَ سِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها وَ قالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَ لَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَ يُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا بَلى وَ لكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ، قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ.1

  • يقول سيّد العارفين و سيّد الساجدين عليّ بن الحسين زين العابدين عليه السلام في دعائه في نافلة الليل مناجياً ساحة الربّ ذي الجلال:

  • اللهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنْ نَارٍ تَغَلَّظْتَ بِهَا عَلَى مَنْ عَصَاكَ، وَ تَوَعَّدْتَ بِهَا مَنْ صَدَفَ عَنْ رِضَاكَ. وَ مِنْ نَارٍ نُورُهَا ظُلْمَةٌ، وَ هَيِّنُهَا ألِيمٌ، وَ بَعِيدُهَا قَرِيبٌ؛ وَ مِنْ نَارٍ يَأكُلُ بَعْضُهَا بَعْضاً، وَ يَصُولُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ؛ وَ مِنْ نَارٍ تَذَرُ العِظَامَ رَمِيماً، وَ تَسْقِي أهْلَهَا حَمِيماً.

  • وَ مِنْ نَارٍ لَا تُبْقِي عَلَى مَنْ تَضَرَّعَ إلَيْهَا، وَ لَا تَرْحَمُ مَنِ اسْتَعْطَفَهَا،

    1. الآيتان 71 و 72، من السورة 39: الزمر.

معرفة المعاد ج۱۰

125
  • وَ لَا تَقْدِرُ عَلَى التَّخْفِيفِ عَمَّنْ خَشَعَ لَهَا وَ اسْتَسْلَمَ إلَيْهَا؛ تَلْقَى سُكَّانَهَا بِأحَرِّ مَا لَدَيْهَا مِنْ ألِيمِ النَّكَالِ وَ شَدِيدِ الوَبَالِ.

  • وَ أعُوذُ بِكَ مِنْ عَقَارِبِهَا الفَاغِرَةِ أفْوَاهَهَا، وَ حَيَّاتِهَا الصَّالِقَةِ بِأنْيَابِهَا، وَ شَرَابِهَا الذي يُقَطِّعُ أمْعَاءَ وَ أفْئِدَةَ سُكَّانِهَا، وَ يَنْزِعُ قُلُوبَهُمْ.

  • وَ أسْتَهْدِيكَ لِمَا بَاعَدَ مِنْهَا وَ أخَّرَ عَنْهَا.

  • اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ، وَ أجِرْنِي مِنْهَا بِفَضْلِ رَحْمَتِكَ، وَ أقِلْنِي عَثَرَاتِي بِحُسْنِ إقَالَتِكَ، وَ لَا تَخْذُلْنِي يَا خَيْرَ المُجِيرِينَ، إنَّكَ تَقِي الكَرِيهَةَ، وَ تُعْطِي الحَسَنَةَ، وَ تَفْعَلُ مَا تُرِيدُ، وَ أنْتَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ- الدعاء.1

  • إنّ الآيات القرآنيّة الشريفة التي تتحدّث عن جهنّم و شئونها تزيد- كما يقول آية الله العلّامة الطباطبائيّ مدّ ظلّه- على الآيات التي تتحدّث عن الجنّة؛ فقد ورد في القرآن الكريم ما يقرب من أربعمائة آية تتحدّث عن جهنّم، يُضاف إلى ذلك أنّه ليس مِن سورة من سور القرآن إلّا و فيها ذِكر من جهنّم، إمّا تصريحاً أو تلويحاً، عدا اثنتي عشر سورة من السور القصار.2

  • كيفيّة نشوء جهنّم

  • و إجمالًا، يفيد مجموع هذه الآيات بأنّ أصحاب النار محرومون من الحياة الأبديّة الحقيقيّة لعالم الآخرة. و ينبغي أن نرى الآن، لِمَ صار الحرمان نصيب أصحاب النار؟ و ما هي جهنّم عموماً؟ و من أين نشأت؟ و ما هي بداية نشأتها؟ و لِمَ صار ظهورها في عالم الباطن و الحقيقة في هيئة النار؟

  • نجد أنفسنا مضطرين في بياننا لهذا الأمر على إيراد مقدّمة؛ و هي أنّ

    1. الدعاء الثاني و الثلاثون من« الصحيفة الكاملة السجّاديّة».
    2. «رسالة الإنسان بعد الدنيا» ص 71 من النسخة الخطّيّة.

معرفة المعاد ج۱۰

126
  • جميع عالم الوجود بأرجائه وسعته، من المُلك و الملكوت و عالم الأرواح و العقول و الطبيعة إنّما يمثّل تجلّيات الحقّ سبحانه و تعالى و ظهوراته التي أوجدها من كَتم العدم و الفناء المحض، و خلع عليها رداء الوجود، فصار لكلّ واحد من هذه المخلوقات- في حال كونه عين ظهور الحقّ و تجلّيه- مرتبة خاصّة و درجة و ماهيّة يمتاز بها عمّن سواه.

  • فللإنسان- مثلًا- حدود معيّنة أهّلته لأن يكون إنساناً، فهو يختصّ بالعقل و الشعور و النفس الناطقة و غرائزه المميّزة التي امتاز بها عن غيره من سائر الموجودات من الحيوان و الجماد و النبات و العقول المفارقة و الأرواح المجرّدة القدسيّة، و لو لا هذه الخصوصيّة لما كان الإنسان إنساناً.

  • و كذا الأمر بالنسبة إلى سائر الموجودات التي لو لا خصائصها الوجوديّة، لما كان لها من وجود معيّن، و لطبّق الكون وجودٌ واحد بحت بسيط، لا تشخّص فيه و لا تميّز.

  • و هذه الماهيّات المختلفة التي تحدّد المراتب الوجوديّة للموجودات هي سبب امتياز الموجودات عن بعضها و ظهور تجلّي الحقّ تعالى؛ و كلُّ من هذه الماهيّات مطيع و منقاد في مقامه و مرتبته، و ساكن ضمن الحدّ المعيّن لوجوده وفقاً للأمر التكوينيّ للحقّ سبحانه و تعالى؛ و هي بأسرها ثابتة في ذواتها و وجوداتها و في حجب ماهيّاتها.

  • بَيدَ أنّ أفراد البشر و الجانّ من بين جميع المخلوقات يمتلكون- بالإضافة الى ماهيّتهم و امتيازهم الوجوديّ- خصوصيّة تميّزهم عن باقي المخلوقات، و هي حسّ النزعة الاستقلاليّة و الاستكبار و نزعة ال- «أنا» التي توجد لدى أفراد البشر بدرجة أكبر، و لدى أفراد الجانّ بدرجة أضعف. و هذا الحسّ يجعل الإنسان يرى نفسه أعلى و أفضل و أكرم ممّا هي عليه، و يجعله ينسب الى نفسه أفضل الصفات و أعلاها، كالعلم و القدرة و الحياة

معرفة المعاد ج۱۰

127
  • و ما يتفرّع منها، و يجعله يعتبر نفسه مركزاً لتلك الكمالات و مصدرها، ناسياً الحقّ تعالى نسياناً تامّاً.

  • و هذا الحسّ هو حجاب عظيم، لأنّه خلاف متن الواقع و الحقيقة، و هو حجاب خياليّ موهوم و ليس أصيلًا كسائر الموجودات. هو ذلك الحجاب الذي حاول سلب صفات الحقّ، الواحد تلو الآخر، لينسبها كذباً و زوراً إلى نفسه و عدّها من صفاته.

  • لقد خلق اللهُ الشيطان و أودعه خصّيصة الكبر و الاستكبار، أمّا النفوس البشريّة، فقد امتلكت هذه الخاصّيّة من خلال انقيادها للشيطان و اتّباعها له اختياراً، فَخُيّل إليها- من ثمّ- أنّها عظيمة. فصارت هذه النظرة منشأ لجميع الخيالات الفاسدة و الأفكار الباطلة و الأعمال الذميمة، و أضحت منشأ العقائد السيّئة و الملكات الخبيثة، و غدت باعثاً على ابتعاد تلك النفوس و نأيها عن الحقّ تعالى. و يخالف هذا السير التشريعيّ المنحرف مخالف للسنّة التكوينيّة و لمتن الواقع

  • خلق الشيطان على أساس المصلحة

  • . لقد كان خلق الشيطان قائماً على أساس المصلحة، و لو لا ذلك لما خلقه الله تعالى. فالشيطان هو مأمور للّه سبحانه في حكم المفتّش الدقيق الذي يحجز مَن تدنّس بغشّ عالم الطبيعة و لوث النفس الأمّارة و يصدّه عن أن يخطو في حرم الله عزّ و جلّ.

  • أمّا المنزّهون المطهّرون، فليس للشيطان عليهم من سبيل وفقاً للآية الكريمة: قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ.1

  • و أمّا من استكبر ممّن يسبقون ربّهم بالقول، و من الذين سرقوا صفات الله العليا و أسماءه الحسنى فنسبوها الى أنفسهم، فسيعترضهم

    1. الآيتان 82 و 83، من السورة 38: ص.

معرفة المعاد ج۱۰

128
  • الشيطان و يصدّهم عن الورود في حرم الله الذي هو محلّ الخلوص.

  • و لو لا الشيطان، لما وُجد عالم النزول و الطبع، و لما وُجد كلّ هذا الاختلاف؛ فقد كان الشيطان سبب نزول آدم إلى هذا العالم، و كان من قبل في الجنّة، و هي جنّة عالم الذرّ و جنّة القابليّة، و كان الإنسان في تلك الجنّة غير قابل للتكامل و الرقيّ، شأنه في ذلك شأن الملائكة. ثمّ إنّ الشيطان تسبب في هبوط آدم إلى هذا العالم، و في حركته و مجاهدته و نشدانه للحقّ، و سعيه لتدارك ما فات، حتّى ارتقى في نهاية المطاف بقدم المجاهدة من أسْفَلِ السَّافِلِينَ، فوصل بإرادة الحيّ القيّوم إلى أعلى عِليِّينَ، و أضحى أشرف من الملائكة، و اكتسب جميع هذه الفضائل و الدرجات.

  • و جميع هذه الامور هي من فوائد خلق الشيطان، و قد تحقّقت إثر ذلك الخلق، على الرغم من أنّ الشيطان ملعون رجيم باعتبار كونه حجاباً؛ لأنّ من مستلزمات مثل هذا الحجاب الذي يحجب و يبعّد، أن يكون منفوراً ملعوناً.

  • بَيدَ أنّ علينا أن لا ننسى المصلحة في خلق الشيطان، و أن لا نعدّه مخلوقاً مستقلًّا عن حكومة الحقّ تعالى، و لا نتوهّم أنّه فعّالٌ لما يشاء في أعماله، لأنّ هذا التصوّر هو عين الشرك، و هو تصوّر لضعف سلطان الحضرة الربوبيّة.

  • لقد خلق الله تعالى الإنسان مريداً مختاراً؛ و من لوازم هذا الاختيار أن يتمكّن من اختيار الأعمال الحسنة أو السيّئة؛ أمّا تسلّط الشيطان و إغواؤه فيحصلان بالدعوة إلى القبائح و الترغيب فيها، و ذلك من أجل أن يمتاز الإنسان المجاهد الذي لا يتزلزل، فيصل إلى مقام الكمال و الفعليّة؛ فيمتاز- في المقابل- الإنسان المنقاد خلف الهوى و الهوس؛ لِيَهْلِكَ مَنْ

معرفة المعاد ج۱۰

129
  • هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ.1

  • و لو لا ذلك ما امتاز الحسن عن السيّئ، و لا الجميل عن القبيح، و لطلب الجميع إقحام أنفسهم في مقام أولياء الله و هيئتهم، و لحاولوا التربّع على أريكة القُرب.

  • و تتّضح بهذا البيان الإجابة على جميع الإشكالات الإبليسيّة السبعة و يتجلّى أمر بطلانها.2

  • أجل، فالاستكبار و العُجب هما اللذان يبعثان على انحراف الإنسان عن علّة التكوين و يصرفانه عن جادّة الاستقامة، حيث يجعلانه يرى نفسه أعلى ممّا هي عليه في أصالة الحقيقة؛ و ينبغي على مثل هكذا شخص أن يُلقى في جهنّم ليصلاها و يحترق بلظاها. و مَن- يا ترى- يجد في نفسه القدرة، غير الحقّ و آثار الحقّ و صفاته، ليحسب أنّه يمتلك بذاته شيئاً بصورة مستقلّة؟!

  • جهنّم مثوى المتكبّرين

  • و قد ورد في الآية التي ذكرناها في مطلع البحث عبارة: فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ؛ و جهنّم هي مثوى المتكبّرين و مقرّهم.

  • لقد عصى الشيطان أمر ربّه في السجود لآدم و التواضع أمامه، و طغى و استكبر و كفر، بينما امتثلت الملائكة لذلك الأمر بأجمعها؛ تقول

    1. الآية 42، من السورة 8: الأنفال.
    2. أجاب العلّامة الطباطبائيّ مدّ ظلّه العالي في تفسير« الميزان» ج 8، ص 43 الى 58، أوائل سورة الأعراف، على ستّة من هذه الإشكالات بصورة كافية. و هذه الإشكالات هي التي وردت في« روح المعاني» عن شارح الأناجيل الأربعة، ضمن مناظرة دارت بين إبليس و الملائكة بعد قضيّة آدم. و قال الآلوسيّ بعدها: قال الفخر الرازيّ: إنّه لو اجتمع الأوّلون و الآخرون من الخلائق فحكموا بتحسين العقل و تقبيحه فإنّهم لم يجدوا من هذه الإشكالات مخلصاً، و كان الكلّ لازماً.

معرفة المعاد ج۱۰

130
  • الآية 34، من السورة 2: البقرة: إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى وَ اسْتَكْبَرَ وَ كانَ مِنَ الْكافِرِينَ.

  • و تقول الآية 74، من السورة 38: ص: إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَ كانَ مِنَ الْكافِرِينَ.

  • و تقول الآية 75، من السورة 38: ص: أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ.

  • لقد ملأ العُجب و الغرور إبليس في مقابل حضرة الحقّ تعالى، فنسب الوجود إلى نفسه، و قال: أنا خَيْرٌ مِنْهُ؛1 خلقتني من نار و خلقته من طين. و بما أنّ النار ترتفع إلى الأعلى و تستكبر، فقد رأى إبليس نفسه خيراً من الطين. و هذا الاستكبار هو الذي سبّب نزول الخطاب إلى إبليس.

  • قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ.2

  • و لقد تسبّب الاستكبار في هبوط الشيطان من الجنّة و صيّره جهنّميّاً ملعوناً طريداً منفوراً، لأنّه قد اعتبر نفسه ذا أثر في قبال الحقّ عزّ و جلّ، و هو ذنب عظيم لا يُغتفر.

  • كما أنّ هذا الكبر و التكبّر و الاستكبار يستدعي ابتعاد الإنسان المستمرّ عن الجنّة و اقترابه من جهنّم و من عالم البُعد، إذ ينزع بنفسه على الدوام إلى الباطل، و يمنّيها بالأوهام و الامور الاعتباريّة، و يهجر الحقائق و يبتعد عنها، فيغرق في عالم الوهم و الخيال و يعيش فيه حتّى كأنه يحسب أن ليس في عالم الخارج و الوجود المطلق و ذات حضرة الحيّ

    1. الآية 11، من السورة 7: الأعراف.
    2. الآية 13، من السورة 7: الأعراف.

معرفة المعاد ج۱۰

131
  • القيّوم ذي الجلال و الإكرام من أحد سوى وجوده هو، بل و يصل به الأمر إلى إنكار الحقّ و جحوده و الاستهزاء برسله، و إذا ما طرق سمعه قول الحقّ أعرض و استكبر و نأى بجانبه؛ يقول تعالى في مؤاخذة اليهود الذين كانوا يتمرّدون على أوامر الأنبياء:

  • أَ فَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ.1

  • و قد ورد أنّ الكفّار يُخاطَبون يوم القيامة: وَ أَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَ فَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَ كُنْتُمْ قَوْماً مُجْرِمِينَ.2

  • وَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَ اسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ.3

  • فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَ قالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَ كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ.4

  • وَ قالَ مُوسى (حين أراد فرعون قتله) إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَ رَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ.5

  • كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ، الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ وَ عِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ.6

    1. الآية 87، من السورة 2: البقرة.
    2. الآية 31، من السورة 45: الجاثية.
    3. الآية 36، من السورة 7: الأعراف.
    4. الآية 15، من السورة 41: فصّلت.
    5. الآية 27، من السورة 40: غافر.
    6. الآية 34 و الآية 35، من السورة 40: غافر. و قد وردت هاتان الآيتان بعد قوله تعالى( في النصف الأوّل من الآية 34): وَ لَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا.
      و ينبغي الالتفات الى أنّ لفظ« كلّ» في الآية الشريفة مقدّم على لفظ« قلب» و ليس مؤخّراً عنه، و أنّ لفظ الآية قد كان« على كلّ قلب متكبّر» و ليس« على قلب كلّ متكبّر». و لو تأخّر لفظ« كلّ»، لصار معناه أنّ الله تعالى يختم على قلب جميع الأفراد المتكبّرين، لكنّ الآية ستبقى مبهمة، إذ لن يكون معلوماً مدى شمول هذا الختم لجميع أقسام قلب كلّ متكبّر، فقد يشمل الختم بعض أقسام القلب دون بعضها الآخر. أمّا الآية- و قد ورد لفظ« كلّ» مقدّم على لفظ« قلب»- فتُبيّن ما لا يتبيّن بتأخير ذلك اللفظ. و لهذه النكتة الدقيقة قُدّم لفظ« كلّ»، حيث ستكون الآية أشمل و أعمّ بلحاظ أجزاء الموضوع.

معرفة المعاد ج۱۰

132
  • لا يستكبر مَن هو عند الله

  • هذا من جهة؛ و من جهة اخرى فإنّ الله تعالى يمدح في كثير من آيات القرآن الكريم مَن لا يستكبرون و لا يتمرّدون عن طاعته و عبادته عزّ و جلّ و لا يبغون علوّاً في الأرض؛ كقوله تعالى:

  • ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَ رُهْباناً وَ أَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ.1

  • و كآية: إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَ يُسَبِّحُونَهُ وَ لَهُ يَسْجُدُونَ.2

  • و آية: إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّداً وَ سَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَ هُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ.3

  • و حاصل المطلب هو أنّ حسّ الاستكبار و التمرّد و العجب و الغرور و حبّ الذات ممّا لا يستند على أصالة الواقع، و إنّما ينشأ من النفس الأمّارة بالسوء، و من الحجاب الغليظ الذي يحجب العبد عن الله تعالى إثر غواية

    1. الآية 82، من السورة 5: المائدة. و الآية في معرض الخطاب للنبيّ صلّى الله عليه و آله، و قد سبقها قوله تعالى: وَ لَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى.
    2. الآية 206، من السورة 7: الأعراف.
    3. الآية 15، من السورة 32: السجدة.

معرفة المعاد ج۱۰

133
  • الشيطان.

  • و لمّا كان إبليس مخلوقاً من النار، فسيكون هذا الحجاب من نار، و سيكون المحجوب بهذا الحجاب قد سار مسار إبليس و اشترك معه؛ كما سيكون المحجوب ناريّاً إثر اتّحاده و انسجامه مع هذا الكيان الناريّ. و حين يتجلّى هذا الحجاب يوم القيامة في هيئة النار، فإنّ العبد سيعذّب في تلك النار و يخلّد فيها.

  • و ممّا يثير العجب أنّ الله تعالى يسأل في هيئة استفهامٍ تقريريّ:

  • أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ.1

  • كما يجزم بأنّ من يستكبر عن عبادته سيدخل جهنّم ذليلًا صاغراً:

  • إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ.2

  • إنّ كلّ ذنب و اعتداء على الحقوق، و تجاوز على النواميس و الأعراض و الأموال، و قتلٍ للنفوس البريئة، ناشئ من الاستكبار.

  • و بصورة عامّة، فإنّ الفساد في الأرض ينشأ من حسّ الغرور الذي يصدّ الإنسان عن التسليم و الانقياد مقابل الحقّ، و يجعل بصره و بصيرته ينزعان إلى الباطل، و يقضي على حسّ الاتّعاظ و قبول النصح في وجوده؛ فإن نصحه أحد شمخ بأنفه و اخذته العزّة بالإثم الناشئة من العجب و الغرور، و نسجَ حول نفسه آلاف الخيوط العنكبوتيّة و قبع في شرنقة من الأنفة و الكبر مدفوعاً بالعزّة بالإثم و التعلّق بالمجاز و الباطل. أ فليس هذا من جهنّم و ممّا يليق بجهنّم؟!

  • وَ مِنَ النَّاسِ (كالأخْنَسِ بْنِ شُرَيق أحد المنافقين) مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ

    1. الآية 60، من السورة 39: الزمر.
    2. الآية 60، من السورة 40: غافر.

معرفة المعاد ج۱۰

134
  • فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ يُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَ هُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ.

  • وَ إِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَ يُهْلِكَ الْحَرْثَ وَ النَّسْلَ وَ اللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ.

  • وَ إِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَ لَبِئْسَ الْمِهادُ.1

  • بلى، فجهنّم نار مسجّرة للمتكبّرين و العصاة المتمرّدين على الحقّ؛ و هي قرينةُ هذا الكبر و العجب في أي لباسٍ ظهرا. و الشرك بالله تعالى هو من أوضح مصاديق الاستكبار، و هو اعتبار شيءٍ ما مؤثّراً في قباله عزّ و جلّ، و النظر لذلك الشيء بتأثير مستقلّ في عالم الوجود.

  • و أي ذنبٍ أعظم من أن يقف امرؤ أمام هذه الشمس التي قد ملأت العالم بنورها، و منحت جميع عالم الوجود رداء وجوده و دوامه، و التي تفيض هذا الوجود و الثبات على الكون في كلّ لحظة من لحظاته، و تمنحه قدرة و حياة و علماً، و التي منّت على المخلوقات- برحمتها العامّة- بالسمع و البصر و آلاف اخرى من الإحساسات التي لا تنقطع؛ نعم، يقف أمامها فيعتبر أنّ له أو لموجودٍ آخر غيره استقلالًا و أثراً، فيُنزّل الله تعالى عن إطلاق وجوده و عدم تناهي صفاته و أسمائه، و يحطّ من شأنه في عالم تخيّله، و ينسب إليه ما لا يليق به!

  • منشأ و أساس الاستكبار من الشرك بالله تعالى

  • و نرى أنّه حيثما وُجد فرعٌ من الاستكبار، وُجد معه الشرك بالله عزّ و جلّ، لكنّ درجات ذلك الشرك تتفاوت فيما بينها، فبينما يُبتلى بعض الناس بالشرك الجليّ، نرى الغالبية قد ابتليت بالشرك الخفيّ.

  • إنّ الله تعالى عظيم، و العظمة رداؤه، لأنّ كلّ عظمةٍ متصوّرة إنّما هي

    1. الآيات 204 إلى 206، من السورة 2: البقرة.

معرفة المعاد ج۱۰

135
  • لمحة من عظمته، و لأنّ ما نسبت ذاته القدسيّة إلى نفسها من عظمة، حقيق بها.

  • هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ.1

  • و ما أسمى نداء «الله أكبر» و ما أعظم معناه حين يجعل جميع مراتب الكبر و الكبرياء مختصّة بذات الله القدسيّة، و حين يصرّح- إضافة إلى ذلك- بأنّه تعالى أكبر و أعلى من كلّ ما يوصَف.

  • و على هذا الأساس فقد ورد في سورة المدثّر التي نزلت أوائل بعثة رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ، وَ رَبَّكَ فَكَبِّرْ.2

  • و لا تقلّ عنها روعة و غنى المعنى الآية الأخيرة من السورة 17: الإسراء: وَ قُلْ (و الخطاب للنبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَ كَبِّرْهُ تَكْبِيراً.

  • لا سبيل للمشركين و الكفّار إلّا إلى جهنّم

  • إنّ روح الاستكبار موجودة في المشرك بمقدار شركه؛ و لا بدّ لهذا الشرك من الاحتراق في نار جهنّم.

  • إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ.3

  • وَ إِذْ قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ وَ هُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ.4

    1. الآية 23، من السورة 59: الحشر.
    2. الآيات 1 إلى 3، من السورة 74: المدّثّر.
    3. الآية 48، من السورة 4: النساء.
    4. الآية 13، من السورة 31: لقمان.

معرفة المعاد ج۱۰

136
  • وَ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْماً عَظِيماً.1

  • وَ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ (فكأنّما سقط من إنسانيّة فأضحى في دار البوار) فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ.2

  • أي إنّما يقاس وجود الإنسان و قيمته بالتوحيد و أصالة الواقع و واقع الأصالة؛ و إذا عميت بصيرة الإنسان أو أصابها الحول فلم يعد الإنسان يرى عالم الوجود بالعين الموحِّدة، فإنّه لن يكون حينذاك إنساناً. و من الجليّ أنّه سيُعدم السبيل إلى الرشد و الرقيّ، و أنّ سيره سيصبح سير البُعد و النأي، و أنّه سيصل في خاتمة المطاف إلى مظاهر البُعد المتمثّلة في جهنّم المستعرة.

  • و معلومٌ أنّ هذا الشخص بإفساده إنسانيّته و خنق نطفة تكامله و بصيرته، سيكون من أسوأ الخلائق و أكثرهم شرّاً.

  • إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا (كاليهود و النصارى الذين لم يؤمنوا بنبيّ الإسلام) مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَ الْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ.3

  • و سيكون الكفّار من أصحاب النار بنفس الأساس الذي صار به المشركون من أصحابها، لأنّ عدم انقياد الكفّار أمام سطوع نور التوحيد من ملامح رسالة نبيّ الإسلام ذي الشأن العظيم، و أمام الدعوة إلى توحيد الواحد الأحد الصمد الذي لم يلد و لم يولد و لم يكن له كفواً أحد، ليس له من عنوان إلّا عنوان الاستكبار و التجبّر؛ اللهمّ إلّا الكفّار الذين كانوا يرومون

    1. الآية 48، من السورة 4: النساء.
    2. الآية 31، من السورة 22: الحجّ.
    3. الآية 6، من السورة 98: البيّنة.

معرفة المعاد ج۱۰

137
  • الحقّ، لكنّ سبيل وصولهم إلى الحقيقة و الى الإسلام و الإيمان بمحمّدٍ المصطفى حبيب الله كان مسدوداً في وجوههم باستضعافهم من قبل الحكّام، فسيُعدّ أمثال هؤلاء من المستضعفين، و سيُعاملون وفقاً للآية الواردة بهذا الصدد.

  • أمّا الذين لم يخضعوا لظلمٍ و استضعاف، ثمّ اختاروا بمشيئتهم ديناً غير الإسلام، دون أن يكونوا في صدد البحث عن الحقّ، أو أن يبحثوا عنه بالقدر الكافي، فبقوا في نهاية المطاف محرومين من نور الإسلام، فسيُحرم هؤلاء من النور في عقبات عالم الآخرة، و سيُبتلون بأنواع الانحراف و الضياع و التيه، فلا يجدون أمامهم من سبيل يسلكونه غير سبيل جهنّم.

  • إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ ظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَ لا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً، إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَ كانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً.1

  • جهنّم مثوى الكفّار و المنافقين

  • أجل، إنّ جهنّم مثوى الكفّار و المعاندين الذين يسترون الحقّ عناداً.

  • أَلْقِيا (و الخطاب للملَكينِ اللذين يشهد أحدهما يوم القيامة على الأعمال، و يسوق الآخر النفس الى المحشر) في جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ، مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ، الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ.2

  • و وفقاً لهذا الميزان، فإنّ المنافقين أيضاً سيُحشرون إلى جهنّم، لأنّ المنافقين يُبطنون الكفر و يظهرون الإسلام من أجل حفظ مصالحهم، بالانتفاع من بيت المال و الغنائم، و الاستفادة من الأحكام الاجتماعيّة الإسلاميّة.

    1. الآيتان 168 و 169، من السورة 4: النساء.
    2. الآيات 24 إلى 26، من السورة 50: ق.

معرفة المعاد ج۱۰

138
  • و لذلك فقد تساوق ذكر المنافقين الذين يظهرون الإسلام في كثير من الآيات القرآنيّة مع ذكر الكفّار، فعدّوا بأسرهم من أصحاب النار، كما في الآية 140، من السورة 4: النساء: إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَ الْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً.

  • و الآية 68، من السورة 9: التوبة: وَعَدَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَ الْمُنافِقاتِ وَ الْكُفَّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها.

  • و الآية 73، من نفس السورة: جاهِدِ الْكُفَّارَ وَ الْمُنافِقِينَ وَ اغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ.

  • و يمكن الاستنتاج ممّا قيل بأنّ كلّ استهزاءٍ بآيات الله عزّ و جلّ و إهانةٍ و استصغارٍ لأنبيائه و أئمّته و نواميسه و مقرّبي ساحة قدسه سيوجب دخول النار. فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ، الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ، يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا، هذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ.1

  • و تبعاً لنفس الأساس فقد اوعد صاحب كلّ ظلم و تجاوز على الحقوق، و كلّ طغيان و تمرّد بالنار:

  • هذا وَ إِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ، جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمِهادُ، هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَ غَسَّاقٌ، وَ آخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ، هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ.2

  • وَ مَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَ نُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَ ساءَتْ مَصِيراً.3

    1. الآيات 10 إلى 13، من السورة 52: الطور.
    2. الآيات 55 إلى 59، من السورة 38: ص.
    3. الآية 115، من السورة 4: النساء.

معرفة المعاد ج۱۰

139
  • من موجبات جهنّم: قتل المؤمن عمداً، و الفرار من الزحف

  • كما توعّد الله تعالى في قرآنه الكريم بجهنّم على كثير من الاعتداءات على الحقوق و على كثير من الذنوب، كقتل المؤمن عن عمد:

  • وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَ لَعَنَهُ وَ أَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً.1

  • و توعّد بجهنّم و بغضبٍ من الله على الفرار من الزحف خلال الجهاد مع الكفّار: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ، وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَ مَأْواهُ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ.2

  • كما توعّد بجهنّم على بعض المعاصي و الذنوب الاخرى. روى الصدوق في كتاب «الأمالي» عن أبيه، عن سعد، عن ابن عيسى، عن ابن فضّال، عن ابن بُكير، عن زرارة، عن أبي جعفر (الباقر) عليه السلام، قال:

  • لمّا اسري برسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم، لم يمرّ بخلقٍ من خلق الله إلّا و رأى منه ما يحبّ من البشر و اللطف و السرور به، حتّى مرّ بخلقٍ من خلق الله فلم يلتفت إليه و لم يقل له شيئاً فوجده قاطباً عابساً، فقال: يا جبرائيل! ما مررتُ بخلق من خلق الله إلّا رأيتُ البِشر و اللطف و السرور منه إلّا هذا، فمن هذا؟ قال: هذا مالك خازن النار، هكذا خلقه ربُّه. قال: فإنّي احبّ أن تطلب إليه أن يُريني النار؛ فقال له جبرائيل عليه السلام: إنّ هذا محمّد رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم و قد سألني أن أطلب إليك أن تريه النار. قال: فَأخْرَجَ لَه عُنقاً منها فرآها، فلمّا أبصرها

    1. الآية 93، من السورة 4: النساء.
    2. الآيتان 15 و 16، من السورة 8: الأنفال.

معرفة المعاد ج۱۰

140
  • لم يكن ضاحكاً حتّى قبضه الله عزّ و جلّ.1

  • و جاء في «أمالي الشيخ» أنّ أمير المؤمنين عليه السلام كتب في رسالته لأهل مصر في وصف نار يوم القيامة يقول:

  • قَعْرُهَا بَعِيدٌ، وَ حَرُّهَا شَدِيدٌ، وَ شَرَابُهَا صَدِيدٌ، وَ عَذَابُهَا جَدِيدٌ، وَ مَقَامِعُهَا حَدِيدٌ، لَا يَفْتُرُ عَذَابُهَا، وَ لَا يَمُوتُ سَاكِنُهَا. دَارٌ لَيْسَ فِيهَا رَحْمَةٌ، وَ لَا تُسْمَعُ لأهْلِهَا دَعْوَةٌ- الخبر.2

    1. «الأمالي» للصدوق، ص 357 و 358، الطبعة الحجريّة.
    2. «الأمالي» للطوسيّ، ص 18، الطبعة الحجريّة.

معرفة المعاد ج۱۰

142
  •  

  •  

  • المَجْلِسُ الثَّانِي وَ السَّبْعُونَ: في أصْحَابِ جَهَنَّمَ وَ دَرَكَاتِهَا

  •  

  •  

معرفة المعاد ج۱۰

144
  •  

  •  

  • بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

  • الحمد للّه ربّ العالمين و لا حول و لا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم

  • و صلّى الله على محمّد و آله الطاهرين

  • و لعنة الله على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين

  • قال الله الحكيم في كتابه الكريم:

  •  

  •  

  • وَ مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ، تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَ هُمْ فِيها كالِحُونَ، أَ لَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ، قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَ كُنَّا قَوْماً ضالِّينَ، رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ، قالَ اخْسَؤُا فِيها وَ لا تُكَلِّمُونِ، إِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا وَ ارْحَمْنا وَ أَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ، فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَ كُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ، إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ.1

  • نشاهد في هذه الآيات الكريمة أنّ أصحاب جهنّم يجعلون علّة تكذيبهم بآيات الله تعالى في شقاوتهم و غلبة الضلال الذي جعلهم يختارون السيّئ دون الحسن. كما نشاهد في كثير من الآيات القرآنيّة أنّها تعتبر علّة دخول أصحاب النار فيها هو تحقّق و ثبوت الكلمة الإلهيّة في شأنهم. كما في الآية 96، من السورة 10: يونس:

    1. الآيات 103 إلى 111، من السورة 23: المؤمنون.

معرفة المعاد ج۱۰

145
  • إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ.

  • و الآية 33، من السورة 10: يونس: كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ.

  • و الآية 6، من السورة 40: غافر: وَ كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ.

  • و الآية 71، من السورة 39: الزمر: قالُوا (و الضمير عائد لأصحاب النار الذين يجيبون على سؤال خازن النار عن علّة سوقهم إلى جهنّم، و سؤاله إيّاهم: أ لم يأتكم رسلٌ يحذّرونكم لقاء يومكم هذا؟) بَلى وَ لكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ.

  • و الآية 19، من السورة 39: الزمر: أَ فَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَ فَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ.

  • العذاب و النار كلمة حقّت من قِبَل الله تعالى

  • و هكذا الأمر في كثير من الآيات القرآنيّة الكريمة الاخرى التي تحدّثت عن مخالفة الامم السالفة لأنبيائها و تمرّدها و تجرّؤها عليهم، و عن العذاب الذي أصاب تلك الامم في الدنيا فأهلكها، و عن العذاب الاخرويّ من خلال نصيبهم في دخول جهنّم في خاتمة المطاف، و عن أن كلمة العذاب قد حقّت على تلكم الامم؛ كما في سور فصّلت و الأحقاف و يس.

  • و أكثر منها صراحة و وضوح، الآية 13، من السورة 32: التنزيل: وَ لَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَ لكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ.

  • و هي آية ذات مضمون رفيع يمكن أن يُستخلص منه ألف كتاب في الحكمة، لما فيها من تبيان لكيفيّة الخلق، و الإرادة و المشيئة، و ربط الحادث بالقديم، و هو نفس ظهور نور التوحيد و إشراقه على عالم الإمكان.

  • و قد روى المرحوم الشيخ الصدوق في هذا الشأن في كتاب «ثواب

معرفة المعاد ج۱۰

146
  • الأعمال» عن محمّد بن الحسن، عن محمّد بن الحسن الصفّار، عن محمّد ابن يحيى، عن أحمد بن معروف، عن محمّد بن حمزة، قال:

  • قال أبو عبد الله (الصادق) عليه السلام: مَنِ اشْتَاقَ الى الجَنَّةِ وَ الى صِفَتِهَا فَلْيَقْرَأ الوَاقِعَةَ؛ وَ مَنْ أحَبَّ أنْ يَنْظُرَ الى صِفَةِ النَّارِ، فَلْيَقْرَأ سَجْدَةَ لُقْمَانَ.1

  • و كما نعلم أنّ سورة السجدة لا تمتلك خصوصيّة معيّنة بلحاظ تفصيل العذاب، اللهمّ إلّا هذه الآية الكريمة التي ذكرناها؛ أمّا فيما عدا ذلك، فإنّ كثيراً من السور القرآنيّة تشتمل على تفاصيل أكثر لجهنّم و خصائصها.

  • أجل، فهذه الآية تبيّن بوضوح أنّ الله تعالى إذا أراد أن يهدي كلّ فرد من أفراد البشريّة بالهداية التكوينيّة أو الهداية التشريعيّة، و بإرادة الصلاح و السعادة، لهداه إلى السعادة و الى كمال فعليّة الجمال. لكنّه عزّ و جلّ لم يشأ ذلك، لأنّه قد أراد أن يكون الناس مختارين؛ و ذلك الاختيار هو عين اختيار الله و ضمن اختياره عزّ و جلّ؛ فهو الذي شاء أن يدخل الناس الجنّة أو جهنّم بهذه الكيفيّة المعهودة.

  • فإرادة الله و مشيئته إذاً تتمثلان في سير الناس بقدم المجاهدة، و في كونهم مكلّفين؛ فمن طوى سبيل السعادة و التقرّب بحُسن اختياره، فإنّه سيدخل الجنّة و ينال لقاء الله و رضوانه. و من طوى سبيل الشقاء و البُعد بسوء اختياره، ابتلي بجهنّم و تبعاتها.

    1. «ثواب الأعمال» ص 66، الطبعة الحجريّة. و المراد من سجدة لقمان هو سورة« الم تنزيل»( و تدعى بسورة« السجدة») و هي السورة الثانية و الثلاثون من القرآن الكريم، و تقع بعد سورة لقمان، لذا فقد دُعيت بسجدة لقمان تمييزاً لها عن السور القرآنيّة الثلاث التي تحتوي على سجدة.

معرفة المعاد ج۱۰

147
  • ختم القلوب بيد الله تعالى

  • و لدينا سلسلة من الآيات الكريمة التي تسند الشقاء و عدم الإيمان و عدم العلم، و الخيانات و الجنايات الصادرة من الكفّار و الفسّاق و المنافقين و المتمرّدين عن اختيار، إلى طبع الله على قلوبهم، أو إلى ختمه عزّ و جلّ على تلك القلوب.

  • فقد جاء في الآيتين 6 و 7، من السورة 2: البقرة: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ، خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَ عَلى سَمْعِهِمْ وَ عَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ.

  • و يقول في سورة يس، في الآيات 5 إلى 10 بعد خطابه للنبيّ بأنّه من المرسلين على صراط مستقيم، لينذر بهذا القرآن النازل من ربّ عزيز رحيم قوماً قد أنذر آباؤهم من قبل:

  • ... فَهُمْ غافِلُونَ، لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ، إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ، وَ جَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَ مِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ، وَ سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ.

  • و يقول في الآية 16، من السورة 47: محمّد صلّى الله عليه و آله و سلّم:

  • أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَ اتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ.

  • و يتحدّث في الآية 155، من السورة 4: النساء عن بني إسرائيل و نقضهم العهود و المواثيق و كفرهم بآيات الله تعالى، و قتلهم أنبياءه بغير حقّ، و قولهم بأنّ قلوبهم غلف عن الحقّ و القبول به، فيقول:

  • بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا.

  • و يتحدّث في الآية 93، من السورة 9: التوبة عن المخالفين و المتمرّدين الذين كانوا يتمرّدون على أوامر النبيّ للمشاركة في الجهاد في

معرفة المعاد ج۱۰

148
  • سبيل الله، مع كونهم قادرين على الجهاد و القتال؛ فقد أحبّوا أن يكونوا مع مَن تخلّف من المنافقين، و كانوا يستأذنون رسول الله في القعود عن الجهاد معتذرين بأعذار واهية. فيقول تعالى:

  • رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ.

  • و جاء في الآية 87، من نفس السورة: وَ طُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ.

  • و يتحدّث في الآية 74، من السورة 10: يونس عن قصّة النبيّ يونس على نبيّنا و آله و عليه السلام فيذكر أنّ أنبياءً قد ارسلوا من بعد يونس، فجاءوا لُاممهم بالبيّنات، فلم تؤمن تلك الامم كما كذّبت من قبل؛ ثمّ يقول: كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ.

  • و يقول في الآية 35، من السورة 40: المؤمن:

  • كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ.

  • و قد وردت كذلك آيات اخرى على هذا السياق.

  • أمّا عن المنافقين، فقد جاء في الآية 3، من السورة 63: المنافقون: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ.

  • و أمّا عن الكفّار الذين شرحوا بكفرهم صدراً، فباءوا بغضب من الله تعالى، فإنّه يعدّ جميع هذه الجهات مسبّبة عن ترجيحهم للحياة الدنيا على الحياة الخالدة الاخرى عن اختيار، ثمّ يعتبر أنّ جميع هذه الأسباب و المسبّبات معلولة للختم الذي خُتم على قلوب هؤلاء الكفّار و أعينهم و آذانهم.

  • ثمّ ينسب اولئك الكفّار إلى الغفلة، فيقول في الآيات 106 إلى 109، من السورة 16: النحل:

معرفة المعاد ج۱۰

149
  • وَ لكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ، ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَ أَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ، أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَ سَمْعِهِمْ وَ أَبْصارِهِمْ وَ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ، لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ.

  • و حاصل القول أنّ هذه الآيات و سواها من الآيات الكثيرة التي وردت في القرآن الكريم في هذا الشأن تتحدّث بكلام واحد و سياق واحد، و تتّفق على أمر واحد هو أنّ كفر الكفّار و اعتداء المعتدين مستندان على الطبع على قلوبهم من قبل الله تعالى.

  • فالاختيار الذي نمتلكه هو اختيار الله عزّ و جلّ و لا ينفكّ عن إرادته و مشيئته تعالى، إذ ليس هناك في العالم من حكومة مستقلّة في قبال حكومة الله سبحانه. و لو أنّنا عددنا أنفسنا مستقلّين في هذا الاختيار قيد شعرة، لكان فرضنا هذا هو محض الظلم و الشرك.

  • و قد تكرّرت الجملة الرائعة:. في موضعين من القرآن الكريم، أوّلهما في الآية 30، من السورة 76: الإنسان، و الثاني في الآية 29، من السورة 81: التكوير. فيعود السبب في أنّ البعض لا يفقه و لا يعلم و لا يؤمن، إلى أنّ الله تعالى قد طبع على قلبه؛ حيث نشاهد في الآيات التي مرّت، في قوله تعالى: وَ طُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ؛ وَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ؛ كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ و أمثال هذه الآيات، أنّ عبارات: فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ؛ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ؛ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا هي جمل تفريعيّة. أي أنّ هذا الأمر متفرّع على مطلب سابق و مسبَّب له. و مَن له دراية بالأدب العربيّ يعلم بأنّ هذه الجمل تمثّل تفريعاً على ما سبقها.

معرفة المعاد ج۱۰

150
  • و لقد ظنّ بعض مترجمي القرآن بأنّ هذا المعنى يستلزم الجبر، فقاموا بترجمة هذه الآيات على النحو التالي:

  • «چون خداوند مىدانسته است كه آنها اختيار كفر و تجاوز را مىكنند، لذا دل آنان را مهر زده است» (/ طَبَعَ اللهُ على قلوبهم لعلمه بأنّهم سيختارون الكفر و الاعتداء).

  • و ترجموا الآية 155، من سورة النساء بالكيفيّة التالية:

  • «بلكه خدا پس از كفر آنها، مُهر بر دلشان زد كه به جز قليلى ايمان نياوردند» (/ بل طبع الله على قلوبهم بعد كفرهم، فلا يؤمنون إلّا قليلًا).

  • بَيدَ أنّ من الأفضل أن نترجم الآية الكريمة بنفس العنوان الذي تحمله دون أن نُقحم فيها آراءنا الخاصّة، على الرغم من أنّ بعض الآيات القرآنيّة تشير إلى أنّ الانحراف كان موجوداً لدى هؤلاء البعض، و أنّ الله تعالى قد أضلّهم بسببه. كما في الآية 10، من السورة 2: البقرة، في قوله تعالى في شأن المنافقين: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً.

  • و الآية 5، من السورة 61: الصفّ، التي تتحدّث عن قوم موسى على نبيّنا و آله و عليه الصلاة و السلام و أذاهم له، حيث تقول: فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ.

  • و الآية 26، من السورة 2: البقرة، التي تتحدّث عن الأمثلة التي يضربها الله تعالى في القرآن و اعتراض الكافرين عليها و تساؤلهم: ما ذا أراد الله بهذا مثلًا؟ فتقول: يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَ يَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَ ما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ.

  • لكنّ الكلام هو في منشأ المرض الأوّل و النزوع إلى الباطل و الفسق الأوّل؛ فإنّه إن نشأ عن اختيارهم مستقلًا، لكان التفويض بذاته، و التفويض شرك محض. و إن كان ناشئاً عن إرادة الله و اختياره: وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ

معرفة المعاد ج۱۰

151
  • يَشاءَ اللَّهُ، لما كان في مضمون هذه الآيات أي اختلاف عن مضامين الآيات الاخرى.

  • التفويض كالجبر، كلاهما خطأ

  • و خلاصة القول أنّ علينا أن نكون دقيقين في هذا الأمر، لئلّا نهرب من مذهب الجبريّين فنسقط في مذهب المفوّضة، لأنّ كلا المذهبينِ مجانب للصواب. الجبر مخالف للوجدان و الحسّ؛ و التفويض يبعث على عزل الله عزّ و جلّ عن التدخّل في كثير من الشؤون، و إدخال غيره مكانه.

  • الامر بين الامرين من أسرار العلوم

  • و ينبغي الفحص بدقّة فيما يتعلّق بالمعارف الإلهيّة، و جعل المطالب برهانيّة حيثما دار البحث في المسائل الفلسفيّة و العقليّة العميقة. و بغير ذلك فإنّ اصول العقائد ستصبح تقليديّة، و ستكون النتيجة تابعة لأخسّ المقدّمتين. و بذلك سيصبح الإيمان بالله و صفاته و أسمائه الحسنى تقليديّاً بدوره، و هو محلّ ابتلاء أغلب الناس في هذه الأيّام، حيث نجد أنّ بعض الخواصّ- ناهيك عن العوامّ- يواجهون مسألة الجبر و الاختيار، فيلجأون- من حيث يشعرون أو لا يشعرون- إلى مذهب التفويض، و يسقطون دون أن يعلموا في شِراك هذا المذهب، و يخالون أنّهم قد فكّوا مغاليق تلك المسألة، و أنّهم قد فهموا جيّداً: أمْرٌ بَيْنَ الأمْرَينِ.

  • و لا أجمل و لا أبدع من كلام الفقيه النبيه: آية الله المرحوم الحاجّ آقا رضا الهمدانيّ في هذا المقام، فقد كتب في كتابه الشريف «مصباح الفقيه» في الجزء الأخير من مجلّد الطهارة، ص 56، بعد استدلاله على طهارة الجبريّين، يقول:

  • ] و أظهر من ذلك (أي من القول بطهارة الجبريّين) القول بطهارة المفوّضة، بل عن «شرح المفاتيح» أنّ ظاهر الفقهاء طهارتهم، يعني إسلامهم. فما عن كاشف الغطاء من أنّه عدّ (من إنكار الضروريّ) القول بالجبر و التفويض في غاية الضعف. كيف و عامّة الناس لا يمكنهم تصوّر:

معرفة المعاد ج۱۰

152
  • أمْرٌ بَيْنَ الأمْرَيْنِ كما هو المرويّ عن أئمّتنا حتّى يعتقدوا به، فإنّه من غوامض العلوم، بل من الأسرار التي لا يصل إلى حقيقتها إلّا الأوحديّ من الناس الذي هداه الله إلى ذلك. أ لا ترى أنّك إذا أمعنتَ النظر، لوجدتَ أكثر من تصدّى من أصحابنا لإبطال المذهبينِ لم يقدر على التخطّي عن مرتبة التفويض و إن أنكره باللسان، حيث زعم أنّ منشأ عدم استقلال العبد في أفعاله، كونها صادرة منه بواسطة أنّ الله تعالى أقدره عليها و هيّأ له أسبابها، مع أنّه لا يظنّ بأحدٍ ممّن يقول بالتفويض إنكار ذلك. و الحاصل أنّ هذا المعنى بحسب الظاهر عين القول بالتفويض، مع أنّ عامّة الناس تقصر أفهامهم عن أن يتعقّلوا مرتبة فوق هذه المرتبة لا تنتهي إلى مرتبة الجبر.

  • لكنّ هذا في مقام التصوّر التفصيليّ، و إلّا فلا يبعد أن يكون ما هو المغروس في أذهان عامّة أصحابنا خواصّهم و عوامهم مرتبة فوق هذه المرتبة، فانّهم لم يزالوا يربطون المكوّنات بأسرها من أفعال العباد و غيرها في حدوثها و بقائها بمشيئة الله تعالى و قدرته، من غير أن يعزلوا عللها عن التأثير حتّى يلزم منه- بالنسبة إلى أفعال العباد- الجبر، أو يلتزموا بكون المشيئة من أجزاء عللها حتّى يلزمه الإشراك و الوهن في سلطان الله تعالى.

  • و هذا المعنى و إن صعب تصوّره و الإذعان به لدى الالتفات التفصيليّ لما فيه من المناقضة الظاهرة لدى العقول القاصرة، لكنّه إجمالًا مغروس في الأذهان و مآله على الظاهر إلى الالتزام بالأمْرِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ بالنسبة إلى معلولات جميع العلل من أفعال العباد و غيرها. و كيف كان فلا ينبغي الارتياب في أنّه ليس شيء من مثل هذه العقائد- التي ربّما يعجز الفحول عن إبطالها مع مساعدة بعض ظواهر الكتاب و السنّة عليها- إنكاراً للضروريّ و الله العالم [. انتهى كلام الفقيه آية الله الهمدانيّ قدّس الله سرّه.

معرفة المعاد ج۱۰

153
  • و إذ نمضي كلام هذا الرجل الجليل في قوله بأنّ مسألة الأمر بين الأمرينِ هي من غوامض العلوم، و إنّ غالب الفحول الأعلام قد ابتلوا بمسألة التفويض، فإنّ لدينا كلام حول قوله بأنّ ما هو مغروس في الأذهان هو مسألة «لا جبر و لا تفويض» أي: الأمر بين الأمرينِ.

  • و يتلخّص كلامنا بما يلي:

  • أ يمكن الاكتفاء بما هو مغروس في الأذهان، أم أنّ على المؤمن الملتزم أن يعمد من خلال البحث و السعي الحثيث إلى كشف الستار عن الحقيقة، و أن يضع إيمانه على أساس عقيدة التوحيد الخالصة على وجه التفصيل لا الإجمال؟

  • و بعبارة اخرى، فكما أنّ التوحيد الفطريّ موجود لدى جميع أفراد البشر، حتّى أنّ اليهود و النصارى و المشركين و المادّيّين يجدون في قرارة أنفسهم أمر التوحيد فطريّاً و جبلّة، و يحسّون بنزعة إلى الذات الواحدة للحيّ القيّوم العليم الحكيم القدير الأزليّ الأبديّ، بَيدَ أنّ هذا التوحيد الفطريّ أو التوحيد الذهنيّ المغروس في الخواطر لا يكفي بدون حصول الانكشافات الخارجيّة، و بدون التعقّل و إعمال الإدراك و شهود الوجدان، و أنّ على جميع الناس أن يتنزّلوا عن الفطرة إلى العقل و الحسّ، فيجهدوا أنفسهم في أمر التوحيد من أجل أن يدركوا الله الواحد و يحسّونه وجداناً، و يطهّروا أسرار ذواتهم من خلال إسلامهم و اتّباعهم لرسول الله و للقرآن المقدّس، و من خلال اتّباع الأحكام العباديّة، وصولًا إلى مقام التوحيد التفصيليّ؛ فإنّ الغرس الإجماليّ في الأذهان لأمْرٍ بَيْنَ الأمْرَيْنِ لا يكفي صاحبه شيئاً، لأنّنا نعلم بأنّ عمل الناس من الخاصّة و العامّة قائم على أساس الشرك القلبيّ الخفيّ، على الرغم من قولهم بالتوحيد و عدم إذعانهم في الظاهر بهذا الشرك.

معرفة المعاد ج۱۰

154
  • و حاصل القول أنّ الإسلام لا يريد منّا نفي الشرك الجليّ و عبادة الأصنام الخارجيّة فحسب، فهذا هو واجب العوامّ و المستضعفين؛ بل ينتظر من المسلمين و المؤمنين أن يخطوا إلى الامام في مسيرة التوحيد خطوة فخطوة، فينفوا كلّ مؤثّر جزئيّ أو كلّيّ عن مقام ذات الحضرة الأحديّة، و يعدّوا الله تعالى المنشأ الأوحد للأثر في عالم الوجود ذاتاً و صفة و فعلًا.

  • أ فلا تدعونا كلّ هذه الآيات القرآنيّة إلى الكمال؟ ألا تدعونا هذه السنّة السنيّة، و هذا المنهاج، و هذه الروايات الواضحة المبرهنة من قِبل المعصومين إلى هجر الشرك الخفيّ، و الى الدخول في الإسلام الأكبر و الإيمان الأكبر؟ و ما الذي يعنيه الجهاد الأكبر و الهجرة الكبرى إذاً؟ أ يكفي المرء أن يقول جملة لَا إلَهَ إلَّا الله، كما تقول بعض العجائز، ثمّ ينتهي الأمر؟

  • إنّ هذه العبادات، و هذه المجاهدات، و هذه الدائرة الطويلة العريضة للتشريع إنّما تستهدف بأسرها كشف نور التوحيد؛ فلا ينبغي الاكتفاء بما هو مغروس في الأذهان. و سيأتي لاحقاً تفصيل معنى التفويض، الذي يعتبر ذات المرء و اختياره و كذا سائر الأسباب الأخرى مؤثّرة في الخارج تأثيراً مستقلًّا.

  • أجل، فربّما لم يكن قصد ذلك العَلَم الجليل إمكان الاكتفاء بما هو مغروس في الأذهان، و ربّما كان في صدد إثبات أنّ هذه العقائد لا تستلزم إنكار الضروريّ، و أنّه أراد أن يختم المطلب بلحاظ الطهارة التي تمثّل مسألة فقهيّة.

  • و عموماً، فإنّ روح المسألة تتمثّل في أنّنا إذا أردنا اعتبار العبد مستقلًّا في أعماله و لو قدر ذرّة واحدة، و إذا عددنا له اختياراً مستقلًّا، فسنكون قد عزلنا الله تعالى عن دائرة فعله؛ و ليس الشرك شيئاً غير هذا.

معرفة المعاد ج۱۰

155
  • إنّ الشرك لا يعني نفي الالوهيّة و تأثير ذات الله القدسيّة، بل هو جعل شريك للّه يشاركه في أفعاله، و اعتبار أنّ تلك الأفعال تحصل بيده تعالى و بِيَدِ غيره، و لذا فهو مخالف للصواب، سيّان في الأمر أن يُجعل للّه شريك فيعتبر مستقلًّا في تأثيره في الامور المهمّة و غير المهمّة، أو أن يكون ذلك الشريك هو اختيار الإنسان، أم مَلَكاً سماويّاً أم شيطاناً أرضيّاً.

  • و إذا اعتُبر اختيار الإنسان غير مستقلّ في التأثير، و عُدّ خاضعاً لاختيار الله تعالى و مشيئته، لجسّد ذلك عين التوحيد و لا شيء سوى التوحيد. بل إنّ اختيار العباد هو عين اختيار الحقّ سبحانه و تعالى. و ينبغي ألّا نعدّ هذا المعنى مستلزماً للجبر، ثمّ نقول- فراراً من الجبر- بأنّنا نمتلك اختياراً مستقلًّا، و إنّ الله تعالى لمّا كان يعلم بعلم الغيب عند خلقه للعبد أنّه سيعتبر اختياره مستقلًّا، فقد عاقبه على هذا الاختيار الاستقلاليّ بالطبع على قلبه؛ لأنّ مثل هذه المقولة ليست إلّا كلاماً معكوساً.

  • إنّ الله تعالى ليس ضعيفاً بائساً، لنضع أنفسنا محامين دفاع له، و لنحاول- من خلال المعارف الإلهيّة التي أسأنا فهمها- أن نتكلّم في صالحه بمثل هذه التأويلات الواهية و التعبيرات الركيكة التي لا أساس لها، و نحسب أنّنا ندافع بذلك عن الدين؛ و لنحاول و العياذ بالله تزويق الفساد الذي طرأ على المعارف المتينة المبرهنة نتيجة سوء فهمنا، إرضاءً لأفكار العامّة و جهّال الناس، فنكون قد خطونا في مسيرة الشرك بتناغمنا مع هذه الأفكار وفق رغبة العوام الذين يبحثون عن صنم ينحتونه ليعبدوه، كقوم موسى الذين اشتهوا في غيبته عجلًا يعكفون على عبادته.

  • إنّ الله عزّ و جلّ عزيز، و المعارف الإلهيّة متينة و راسخة. و توحيد ذات الله تعالى يسطع على الدوام كالشمس الوهّاجة المنيرة. و نورد في هذا المجال عدّة روايات من «اصول الكافي» ثمّ نشرع في بيان بحث مختصر

معرفة المعاد ج۱۰

156
  • إيضاحاً للمطلب.

  • الروايات الواردة في مسألة الامر بين الامرين

  • يروي الكلينيّ رحمه الله عن عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرحمن، عن حفص بن قُرط، عن أبي عبد الله (الصادق) عليه السلام، قال:

  • قَالَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ: مَنْ زَعَمَ أنَّ اللهَ يَأمُرُ بِالسُّوءِ وَ الفَحْشَاءِ فَقَدْ كَذَبَ عَلَى اللهِ. وَ مَنْ زَعَمَ أنَّ الخَيْرَ وَ الشَّرَّ بِغَيْرِ مَشِيَّةِ اللهِ، فَقَدْ أخْرَجَ اللهَ مِنْ سُلْطَانِهِ. وَ مَنْ زَعَمَ أنَّ المَعَاصِي بِغَيْرِ قُوَّةِ اللهِ فَقَدْ كَذَبَ على اللهِ؛ وَ مَنْ كَذَبَ عَلَى اللهِ أدْخَلَهُ اللهُ النَّارَ.1

  • كما يروي عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن إسماعيل بن مرار، عن يونس بن عبد الرحمن، قال:

  • قَالَ لِي أبُو الحَسَنِ الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلَامُ: يَا يُونُسُ! لَا تَقُلْ بِقَوْلِ القَدَرِيَّةِ، فَإنَّ القَدَرِيَّةَ لَمْ يَقُولُوا بِقَوْلِ أهْلِ الجَنَّةِ، وَ لَا بِقَوْلِ أهْلِ النَّارِ، وَ لَا بِقَوْلِ إبْلِيسَ؛ فَإنَّ أهْلَ الجَنَّةِ قَالُوا: «الْحَمْدُ للهِ الذي هَدَانَا لِهَذَا وَ مَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أنْ هَدَانَا اللهُ». وَ قَالَ أهْلُ النَّارِ: «رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَ كُنَّا قَوْماً ضَآلِّينَ».

  • وَ قَالَ إبْلِيسُ: «رَبِّ بِمَآ أغْوَيْتَنِي».

  • فَقُلْتُ: وَ اللهِ مَا أقُولُ بِقَوْلِهِمْ، وَ لَكِنِّي أقُولُ: لَا يَكُونُ إلَّا بِمَا شَاءَ اللهُ وَ أرَادَ وَ قَدَّرَ وَ قَضَى.

  • فَقَالَ: يَا يُونُسُ! لَيْسَ هَكَذَا؛ لَا يَكُونُ إلَّا مَا شَاءَ اللهُ وَ أرَادَ وَ قَدَّرَ وَ قَضَى- الخبر.2

    1. «اصول الكافي» ج 1، ص 158.
    2. «اصول الكافي» ج 1، ص 157 و 158.

معرفة المعاد ج۱۰

157
  • و يروى عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن الحسن الزعلان، عن أبي طالب القمّيّ، عن رجل، عن أبي عبد الله (الصادق) عليه السلام، قَالَ:

  • قُلْتُ: أجْبَرَ اللهُ العِبَادَ عَلَى المَعَاصِي؟

  • قَالَ: لَا.

  • قُلْتُ: فَفَوَّضَ إلَيْهِمُ الأمْرَ؟

  • قَالَ، قَالَ: لَا.

  • قَالَ، قُلْتُ: فَمَا ذَا؟!

  • قَالَ: لُطْفٌ مِنْ رَبِّكَ بَيْنَ ذَلِكَ.1

  • و يروى عن الحسين بن محمّد، عن المعلى بن محمّد، عن الحسن ابن عليّ الوشّاء، عن أبي الحسن (الرضا) عليه السلام، قال:

  • سَألْتُهُ فَقُلْتُ: اللهُ فَوَّضَ الأمْرَ الى العِبَادِ؟

  • قَالَ: اللهُ أعَزُّ مِنْ ذَلِكَ.

  • قُلْتُ: فَجَبَّرَهُمْ عَلَى المَعَاصِي؟

  • قَالَ: اللهُ أعْدَلُ وَ أحْكَمُ مِنْ ذَلِكَ.

  • قَالَ: ثُمَّ قَالَ: قَالَ اللهُ: يَا بْنَ آدَمَ! أنَا أوْلَى بِحَسَنَاتِكَ مِنْكَ، وَ أنْتَ أوْلَى بِسَيِّئَاتِكَ مِنِّي. عَمِلْتَ المَعَاصِي بِقُوَّتِي التي جَعَلْتُهَا فِيكَ.2

  • و يروى عن عليّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس ابن عبد الرحمن، عن جماعة كثيرة من الرواة، عن أبي جعفر (الباقر) و أبي عبد الله (الصادق) عليهما السلام، قَالا:

    1. «اصول الكافي» ج 1، ص 159.
    2. «اصول الكافي» ج 1، ص 157.

معرفة المعاد ج۱۰

158
  • إنّ اللهَ أرْحَمُ بِخَلْقِهِ مِنْ أنْ يُجْبِرَ خَلْقَهُ عَلَى الذُّنُوبِ ثُمَّ يُعَذِّبُهُمْ عَلَيْهَا؛ وَ اللهُ أعَزُّ مِنْ أنْ يُرِيدَ أمْراً فَلَا يَكُونُ.

  • قَالَ: فَسُئِلَا عَلَيْهِمَا السَّلَامُ: هَلْ بَيْنَ الجَبْرِ وَ القَدَرِ مَنْزِلَةٌ ثَالِثَةٌ؟!

  • قَالا: نَعَمْ، أوْسَعُ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الأرْضِ.1

  • و الخلاصة فقد أوردنا هذه الروايات كأمثلة في هذا المجال، حيث إنّها اشتملت على اسس مطالب هذا البحث. و قد وردت رواية الكلينيّ عن محمّد بن أبي عبد الله، عن الحسين بن محمّد، عن محمّد بن يحيى، عن راوٍ آخر، عن أبي عبد الله (الصادق) عليه السلام بلفظ: لَا جَبْرَ وَ لَا تَفْوِيضَ وَ لَكِنْ أمْرٌ بَيْنَ أمْرَيْنِ.2

  • رسالة الإمام الهاديّ عليه السلام في نفي الجبر و التفويض

  • هذا و قد نقل الحرّانيّ في «تحف العقول» رسالة مفصّلة عن الإمام أبي الحسن الثالث: عليّ بن محمّد الهاديّ عليه السلام في ردّ الجبر و التفويض، و إثبات العدل و المنزلة بين المنزلتين، كان عليه السلام قد أرسلها إلى جماعة من أهل الأهواز ردّاً على رسالة أرسلوها إليه، و قد ضمّت رسالة الإمام مطالب نفيسة و استشهادات ببيان الإمام الصادق عليه السلام.3 و قد أورد المجلسيّ رضوان الله عليه هذه الرسالة بتمامها في «بحار الأنوار»،4 و أورد الشيخ الطبرسيّ مختصراً لها في كتاب «الاحتجاج» تحت عنوان «رسالته عليه السلام إلى أهل الأهواز في مسألة الجبر و التفويض».5

    1. «اصول الكافي» ج 1، ص 159.
    2. «اصول الكافي» ج 1، ص 160.
    3. «تحف العقول» ص 458 إلى 475، الطبعة الحروفيّة.
    4. «بحار الأنوار» العدل و المعاد، ج 3، ص 20 إلى 25، الطبعة القديمة( الكمبانيّ).
    5. «الاحتجاج» للطبرسيّ، ج 2، ص 250 إلى 254، طبعة النجف.

معرفة المعاد ج۱۰

159
  • و تعدّ مسألة أمْرٌ بَيْنَ الأمْرَيْنِ من المسائل المهمّة، و من اصول الشيعة، و الحقّ أنّ بيان هذا الأمر في ذلك الزمان من قِبل الأئمّة الأطهار عليهم السلام له حكم المعجزة، لأنّه يمكن استخلاص جميع الاسس الإلهيّة الحقّة منها، و لأنّه لا يمكن لأحد أن ينشئ نظيرها إلّا أن يكون متمكّناً من منهل المعارف، و أن يكون قد لمس هذا الأمر و عاينه بعين بصيرته.

  • و لا يختصّ هذا الأمر بأفعال العباد، بل إنّ الجبر و التفويض منتفيان في عالم الوجود، و إنّ جميع الامور خاضعة لسنّة واحدة صحيحة هي: أمْرٌ بَيْنَ الأمْرَيْنِ.

  • يقول الجبريّون: إنّ إرادة الله الحتميّة قد تعلّقت بأفعال العباد كتعلّقها بسائر الامور، و إنّ الإنسان مُجبر في أعماله غير مختار، و إنّ جميع الامور مخلوقة للّه تعالى، كسائر أفعال الأسباب التكوينيّة.

  • أمّا أصحاب مذهب التفويض- و يُدعون بالمفوّضة- فينفون أي تعلّق لإرادة الله تعالى بأفعال العباد، و يعتبرون جميع الأفعال مخلوقة للإنسان على أساس إثبات الاختيار.

  • و نشاهد في هذه الروايات أنّ أئمّة الدين قد أبطلوا كلا المذهبينِ و أنكروهما أيّما إنكار.

  • أمّا مذهب الجبر، فلأنّ الله تعالى عادل، فحاشاه أن يجبر عبده على فعل شيء ثمّ يؤاخذه عليه و يعذّبه على فعله. و نحن نرى وجداناً أنّ الإنسان مختار، و أنّ هذا الاختيار مركوز في أساس وجوده، و أنّ أحداً لا يتدخّل في اختياره أو يُجبره على أمرٍ ما، و أنّ نفي الاختيار ممّا يخالف الوجدان و الشهود.

  • و أمّا مذهب التفويض، فلأنّ قدرة الحضرة الأحديّة و سلطانه و مشيئته لا ينقصها شيء و لا يحدّ منها شيء، و أنّ الموجودات- بلا استثناء-

معرفة المعاد ج۱۰

160
  • خاضعة في حدوثها و بقائها و جميع جوانبها الوجوديّة إلى قدرة الله تعالى و سلطانه و حكومته. و أنّنا لو قلنا بأنّ الإنسان عموماً فاعل لما يشاء فيما يتعلّق بالأفعال الاختياريّة، و أنّ الله عزّ و جلّ قد أوكل إلى عباده هذه السلسلة من الأفعال؛ و لو أنّنا عزلنا الله تعالى في هذا الجزء من الأفعال، و أخرجناه من دائرة حكومته في هذه الجهة، لَكُنّا قد ظلمناه سبحانه.

  • إنّ مَذْهَبَ الجَبْرِ يُمَثِّلُ ظُلْمَ الله تعالى لِعَبْدِهِ؛ كَمَا أنَّ مَذْهَبَ التَّفْوِيضِ يُجَسِّدُ ظُلْمَ العَبْدِ لِلَّهِ تَعَالَى.

  • و من هنا فقد جاء نفي هذين النحوينِ من الظلم، و نشأ مذهب أمْرٌ بَيْنَ الأمْرَيْنِ الذي يرتفع عن مذهب التفويض و ينخفض عن مذهب الجبر، و هو مذهب بين المذهبينِ، و منزلة بين المنزلتينِ، و هو مذهب التوحيد المحض، و مذهب التجلّي و الظهور. و ذلك أنّ العبد مختار، فإن عددنا هذا الاختيار مُغايراً لاختيار الله تعالى، للزم من ذلك التفويض؛ و إن نفينا هذا الاختيار، للزم من ذلك الجبر. أمّا أمْرٌ بَيْنَ الأمْرَيْنِ فيقول بأنّ هذا الاختيار موجود، و هو لا ينفي هذا الاختيار من جهة و لا يجعله غير اختيار الله تعالى من جهة اخرى، بل يعتبره اختياراً هو عين اختياره سبحانه: وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ. فليس ثمّة بينونة و انفصال للعبد عن ربّه، بل العبد نفس ظهور الله و تجلّيه. و لذلك فليس ثمّة شيء في عالم التوحيد و على أساس التوحيد سوى الذات القدسيّة للحيّ القيّوم و أسمائه و صفاته و أفعاله.

  • العبد مختار، و اختياره خاضع لاختيار الله سبحانه، و هو عين اختياره تعالى.

  • مثال للعلّامة الطباطبائيّ في نفي الجبر و التفويض

  • و قد ضرب استاذنا العلّامة الطباطبائيّ مدّ ظلّه مثالًا شيّقاً في هذا المجال في تعليقاته على كتاب «الكافي» قال فيه:

  • فلنفرض إنساناً اوتي سعة من المال و المنال و الضياع و الدار و العبيد و الإماء، ثمّ اختار واحداً من عبيده و زوّجه إحدى جواريه و أعطاه من الدار

معرفة المعاد ج۱۰

161
  • و الأثاث ما يرفع حوائجه المنزليّة، و من المال و الضياع ما يسترزق به في حياته بالكسب و التعمير.

  • فإن قلنا: إنّ هذا الإعطاء لا يؤثّر في تملّك العبد شيئاً، و المولى هو المالك و ملكه بجميع ما أعطاه قبل الإعطاء و بعده على السواء، كان ذلك قول المجبّرة. و إن قلنا: إنّ العبد صار مالكاً وحيداً بعد الإعطاء، و بطل به ملك المولى، و إنّما الأمر إلى العبد يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ في مِلْكِهِ، كان ذلك قول المفوّضة. و إن قُلنا- كما هو الحقّ- إنّ العبد يتملّك ما وهبه له المولى في ظرف ملك المولى و في طوله لا في عرضه، فالمولى هو المالك الأصليّ، و الذي للعبد ملك في ملك، كما أنّ الكتابة فعل اختياريّ منسوب إلى يد الإنسان و الى نفس الإنسان، بحيث لا يبطل إحدى النسبتينِ الاخرى.1

  • و ينبغي العلم بأنّه قد جيء بهذا المثال تقريباً للمطلب، و أنّه يختلف مع مسألتنا في أنّ ملكيّة المولى للعبد و إعطاءه إيّاه جميع أمواله هي امور اعتباريّة، أمّا ملكيّة العبد و أفعاله لذات الحقّ المقدّسة فهي ملكيّة حقيقيّة. و لذلك فإنّ هذا العالم بكلّ جماله البديع و طراوته هو أفعال الله تعالى و تجلّيات حضرته، و أنّ العالم بأرجائه يفيض بالجمال و الحسن و الروعة، و يختصّ كلّ ذلك بذات الله تعالى.

  • سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ، إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ.2

  • ليس في عالم خلق الحقّ سبحانه من عيب و لا نقص و لا فتور و لا فطور.

  • أمّا أفعال العبد، فخاضعة بأجمعها لنفوذ الحقّ و مشيئته؛ و كما ورد3

  • معرفة المعاد ؛ ج10 ؛ ص161
    1. التعليقة على« اصول الكافي» ج 1، ص 156.
    2. الآيتان 159 و 160، من السورة 37: الصافّات.
    3. حسينى طهرانى، سيد محمد حسين، معرفة المعاد، 10جلد، دار المحجة البيضاء - بيروت - لبنان، چاپ: 1، 1416 ه.ق.

معرفة المعاد ج۱۰

162
  • في رواية يونس، أنّ الرضا عليه السلام أمره أن يقول: مَا شَاءَ اللهُ. و لا يقول: بِمَا شَاءَ اللهُ. أي أنّ نفس ما يشاء الله يكون، لا بواسطة ما شاء سبحانه؛ أي أنّ الإمام أمره بنفي الواسطة، لأنّ الواسطة شرك، و لأنّ رائحة الاستقلال أينما شُمّت كانت شركاً، و الشرك مخالف للصواب.

  • و قد شاهدنا في رواية أبي طالب القمّيّ أنّ الإمام عليه السلام قال: لُطْفٌ مِنْ رَبِّكَ بَيْنَ ذَلِكَ (أي بين الجبر و بين التفويض). و اللطف عبارة عن النفوذ الدقيق. كما في قول: إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ،1 أي أنّ الله تعالى نافذ خبير.

  • و يعبّر الإمام هنا عن تأثير الله تعالى في أفعال العباد باللطف، أي بالاستيلاء الملكيّ الحقيقيّ المتناهي في الدقّة و عدم الشهود؛ و هو أمْرٌ بَيْنَ الأمْرَيْنِ أوسع ممّا بين السماء و الأرض؛ و هو أوسع حقيقة ممّا بين السماء و الأرض، لأنّ أمْرٌ بَيْنَ الأمْرَيْنِ- كما مرّ- يشمل جميع الموجودات، و لأنّ الجميع خاضع لحكومة الله عزّ و جلّ، و أنّه تعالى خبير لطيف بهم جميعاً، و أنّ اللطف و الدقّة و النفوذ غير المرئيّ قد طبّقت أرجاء عالم الإمكان من المُلك و الملكوت، و حيثما وُجد ممكن من العقول المجرّدة و النفوس الكلّيّة، وصولًا إلى عالم الطبع و أظلم العوالم، كان الله موجوداً و ذا معيّة مع كلّ شيء و في كلّ مكان.

  • و كما هو معلوم فإنّ مثل هذا البناء الشامخ للخلقة هو أوسع ممّا بين السماء و الأرض، على أنّ شرور الأفعال و السيّئات و القبائح و المنكرات ترجع بأسرها إلى ماهيّة العبد لا إلى وجود الله تعالى، كما رأينا في رواية ابن الوشاء من أنّ الإمام الرضا عليه السلام قد حكى عن الله تعالى قوله:

    1. الآية 63، من السورة 22: الحجّ.

معرفة المعاد ج۱۰

163
  • يَا بْنَ آدَمَ! أنَا أوْلَى بِحَسَنَاتِكَ مِنْكَ، وَ أنْتَ أوْلَى بِسَيِّئَاتِكَ مِنِّي!

  • و الحقّ أنّ هذه الجملة تمثّل كتاباً في المعرفة، و كتاباً في الفلسفة و الحكمة، و تشكّل عالماً من الشهود و العرفان نضح من معدن النبوّة. و هذه الكلمات النفيسة نفاسة الدرر هي إحدى المعجزات الباقية لأئمتنا، و هي كلمات تعدل الجبال وزناً و عظمة و جلالة.

  • إنّ الشرور و السيّئات هي امور عدميّة، و هي تنشأ عن ماهيّات النفوس لا من أصل وجودها، لأنّ أصل وجود النفوس خيرٌ محض، و الله سبحانه هو خالق الخير لا خالق الشرّ، و الشَّرُّ لَيْسَ إلَيْكَ.

  • و لو ازيل عنوان السوء من نظر العصاة القاصر، لما اقترفوا معصية، و لصارت جميع أعمالهم طاعة. لكنّ هذه القبائح و المساوئ تنشأ إثر الفكر الفاسد و التجرّي و الذنوب؛ أمّا مآلها فجهنّم التي تحترق فيها و تتّقد في أتُونها، حيث تحترق جميع هذه التهم في جهنّم بما فيها من نفاق و اثنينيّة و شكّ و شرك و إسناد الظلم إلى ذات الحقّ القدسيّة.

  • الجنّة مثوى المطهّرين؛ و النار مثوى الأرجاس، و سوف يزاح ستار الأوهام عن بصر من يواجه ابتلاءات الدنيا و اختباراتها بالإقرار بتوحيد الحقّ تعالى، و من يضع قدمه على مضمار عبوديّة الحقّ بالمجاهدة و الصبر و الاستقامة، فيصل إلى مقام معرفة الحقّ عزّ و جلّ معرفة شهوديّة و وجدانيّة. و لن يصبح مثل هذا الشخص مذنباً بعد ذلك، إذ لن يكون للذنب و المعصية في شأنه من معنى.

  • أمّا من لم يقرّ وجداناً بوحدانيّة الحقّ تعالى، فإنّه سيقرّ بذلك عند سكرات الموت، أو في القبر و في عالم البرزخ، أو في الحشر عند الصراط أو عند الميزان أو عند العرض أو في سائر المواطن الاخرى، على الرغم من أنّه سيهوي في جهنّم فيحترق بلظاها، لأنّ جهنّم تجتذب هذا

معرفة المعاد ج۱۰

164
  • الرجس و الدنس. نَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الجَحِيمِ وَ حَرِّهَا وَ شَهِيقِهَا وَ زَفِيرِهَا.

  • كلا المؤمن و الكافر مظهر للّه تعالى. المؤمن مظهر للرحمة، و الكافر مظهر للغضب. كما أنّ الجنّة و جهنّم كلاهما ظهور للّه عزّ و جلّ؛ ظهور للرحمة و ظهور للغضب.

  • و لو نُظر إلى الامور بعينٍ مبصرة للحقّ، لشوهد كلّ منها في موضعه الصحيح؛ أمّا لو نُظر إليها بعين مريضة كليلة، فلشوهد أنّ هناك إشكالًا في جميع أرجاء العالم. لكنّ هذا الإشكال- في حقيقة الأمر- ليس في العالم، بل في النظر و الإبصار، و هو إشكال يتلاءم مع جهنّم و يتجانس معها.

  • الشرك و الانحراف الفكريّ يؤولان إلى النار.

  • إنّ جهنّم هي ظهور الحجاب؛ و الحجاب توغّل في الكثرات و غفلة عن ذات الأحد تبارك و تعالى:

  • كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ، كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ.1

  • كما أنّ جهنّم هي ظهور للغفلة و الجهل و الشرك و الشكّ في التوحيد و لجميع الذنوب الفكريّة و العمليّة التي تتفرّع منها. و المبعدون عن جهنّم هم أصحاب التوحيد الذين يعترفون بالحضرة الأحديّة، أمّا سواهم فهم. جميعاً واردو جهنّم حتماً.

  • إِنَّكُمْ وَ ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ، لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَ كُلٌّ فِيها خالِدُونَ، لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَ هُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ، إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ، لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَ هُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ.2

    1. الآيتان 14 و 15، من السورة 83: المطفّفين.
    2. الآيات 98 إلى 102، من السورة 21: الأنبياء.

معرفة المعاد ج۱۰

165
  • و في هذه الآيات شاهد واضح على أنّ جهنّم تمثّل في عالم الآخرة مظهر الشكّ و الشرك، و أنّه ينبغي لمن عبد غير الله و عاش في كثرات عالم الطبع غافلًا عن حضرة ذي الجلال أن يحترق في أتُونَ جهنّم.

  • و آيات سورة التكاثر أكثر وضوحاً في بيان هذه الحقيقة، في قوله تعالى:

  • بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ، حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ، كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ، (أنّ هذه الكثرات لا حقيقة لها، و أنّها لا تحكي عن أصالةٍ ما) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ، (أن الكثرات سراب كاذب) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ، لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ، ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ، ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ.

  • تُظهِر هذه الآيات بوضوح أنّ الجحيم و النار المشتعلة المتأجّجة إنّما هي مشاهدة كثرات العالم، و الغفلة عن نور التوحيد، لكنّ هذا المعنى لا ينكشف للمرء ما دام بصر الباطن لديه مطبقاً؛ أمّا حين يُزاح الستار و يتحقّق عالم اليقين، فسيتّضح ما الذي فعله حجاب الكثرة، و أي جحيم متّقدة و نار محرقة قد أعقبَ!

  • فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ.1

  • لقد ورد الناس بأجمعهم إلى عالم الكثرة، فصار عليهم أن يردوا جهنّم بأجمعهم، ثمّ يخرج منها مَن سافر من الكثرة إلى التوحيد:

  • وَ إن مِنكُمْ إلَّا وَارِدُوهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مقْضِيّاً، ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقُوا و نَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً.2

    1. الآية 22، من السورة 50: ق.
    2. الآيتان 71 و 72، من السورة 19: مريم.

معرفة المعاد ج۱۰

166
  • و قد نقل في «تفسير النعمانيّ» بسنده المتّصل عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: نَسَخَ قوله تعالى «و إن منكم إلا واردوها» قَولُهُ «إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ».1

  • بَيدَ أنّه ينبغي العلم بأنّ فطرة بني آدم لمّا كانت قائمة على أساس التوحيد، فإنّ الجنّة ينبغي أن تكون قد خُلقت قبل جهنّم، و أنّ جميع مراتب الشكّ و الشرك و التكاثر هي عارض يغطّي سيماء التوحيد الجميلة المشرقة.

  • يروي الكلينيّ في «روضة الكافي» عن محمّد بن يحيى، عن أحمد ابن محمّد، عن ابن محبوب، عن أبي جعفر الأحول، عن سلام بن المستنير، عن أبي جعفر (الباقر) عليه السلام، قال:

  • إنّ اللهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَ الجَنَّةَ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ النَّارَ، وَ خَلَقَ الطَّاعَةَ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ المَعْصِيَةَ، وَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ قَبْلَ الغَضَبِ، وَ خَلَقَ الخَيْرَ قَبْلَ الشَّرِّ، وَ خَلَقَ الأرْضَ قَبْلَ السَّمَاءِ، وَ خَلَقَ الحَيَاةَ قَبْلَ المَوْتِ، وَ خَلَقَ الشَّمْسَ قَبْلَ القَمَرِ، وَ خَلَقَ النُّورَ قَبْلَ الظُّلْمَةَ.2

  • جهنّم محلّ ظهور التكاثر.

  • و ربّما كانت أبواب جهنّم السبعة التي يقود كلّ منها الوارد فيه إلى درك خاصّ، قد وضعت على أساس اختلاف حجب الواردين و اختلاف درجات توغّلهم في الكثرات. فكلّما زاد الاهتمام بالامور الاعتباريّة الدنيويّة الفانية، و التعلّق بالكثرات الوهميّة، تسافلت منزلة جهنّم التي تدعى دركاً؛ و العكس صحيح.

  • يقول الطبرسيّ في تفسير «مجمع البيان» (في تفسير قوله تعالى «في

    1. «تفسير النعمانيّ» ص 15؛ و« بحار الأنوار» ج 8، ص 306، الطبعة الحروفيّة.
    2. «روضة الكافي» ص 145.

معرفة المعاد ج۱۰

167
  • الدرك الأسفل من النار»): أي في الطبق الأسفل من النار، فإنّ للنار طبقات و دركات، كما أنّ للجنّة درجات.1

  • و يقول في تفسير الآية الكريمة: وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ، لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ:2

  • روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّ جهنّم لها سبعة أبواب أطباق بعضها فوق بعض- و وضع إحدى يديه على الاخرى فقال- هكذا؛ و أنّ الله وضع الجنان على العرض، و وضع النيران بعضها فوق بعض، فأسفلها جَهَنَّم و فوقها لَظَي3 و فوقها الحُطَمَة، و فوقها سَقَر، و فوقها الجَحِيم، و فوقها السَّعِير، و فوقها الهَاوِيَة.4

  • و قال عليّ بن إبراهيم القمّيّ في تفسيره، في تفسير هذه الآية الشريفة: يدخل في كلّ باب أهلُ ملّة؛ و للجنّة ثمانية أبواب.

  • و في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: إنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أجْمَعِينَ: فبلغني- و الله أعلم- أنّ الله جعلها سبع درجات، أعلاها: الجحيم، يقوم أهلها على الصفا منها، تغلي أدمغتهم فيها كغلي القدور بما فيها.

  • و الثانية: لَظى، نَزَّاعَةً لِلشَّوى تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَ تَوَلَّى، وَ جَمَعَ فَأَوْعى5 (و لم يُعطِ المالَ مستحقّيه).

    1. تفسير« مجمع البيان». ج 2، ص 130، طبعة صيدا.
    2. الآيتان 43 و 44، من السورة 15: الحجر.
    3. لظى معرفة، و هي بمعنى جهنّم. و هي ممنوعة من الصرف باعتبارها علماً مؤنّثاً. أمّا اللظى فمصدر، و يعني نفس النار أو لهب النار.
    4. «مجمع البيان» ج 3، ص 338، طبعة صيدا.
    5. الآيات 14 إلى 16، من السورة 70: المعارج.

معرفة المعاد ج۱۰

168
  • و الثالثة: سَقَرَ،1 لا تُبْقِي وَ لا تَذَرُ، لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ، عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ.2

  • و الرابعة: الحُطَمَة ترمي بشرر كالقصر كأنّه جمالات صفر،3 تدقّ كلّ من صار إليها مثل الكحل، فلا تموت الروح، كلّما صاروا مثل الكحل عادوا.

  • و الخامسة: الهاوية، فيها مَلَك، يدعون: يَا مَالِكُ! أغِثْنَا، فإذا أغاثهم جعل لهم آنيةً من صفر من نار فيها صديد ماء يسيل من جلودهم كأنّه مُهل، فإذا رفعوه ليشربوا منه تساقط لحم وجوههم فيها من شدّة حرّها، و هو قول الله: وَ إِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَ ساءَتْ مُرْتَفَقاً.4

  • و من هوى فيها هوى سبعين عاماً في النار، كلّما احترق جلده بُدّل جلد [اً] غيره.

  • و السادسة: السَّعِيرُ، فيها ثلاثمائة سرادق من نار؛ في كلّ سرادق ثلاثمائة قصر من نار؛ في كلّ قصر ثلاثمائة بيت من نار؛ و في كلّ بيت ثلاثمائة لون من عذاب النار؛ فيها حيّات من نار و عقارب من نار و جوامع من نار و سلاسل و أغلال5 من نار، و هو الذي يقول الله: إنَّآ أعْتَدْنَا

    1. سَقَرمعرفة، بمعنى جهنّم. و هي عَلَم لا ينصرف. و أمّا سَقَر- بفتحتينِ- كمصدر أو اسم مصدر أو وصف فغير موجودة في اللغة. أمّا سَقْر- بفتح السين و سكون القاف- فتعني وهج الشمس و النار الذي يحرق الوجوه و الدماغ بحرارته.
    2. الآيات 26 إلى 29، من السورة 74: المدثّر( عدا الآية 27:« و ما أدراك ما سقر»).
    3. هاتان الفقرتان منتزعتان من الآيتينِ 32 و 33، من السورة 77: المرسلات.
    4. الآية 29، من السورة 18: الكهف.
    5. الغُلّ: جامعة توضع في العنق و اليد فتجمعهما.

معرفة المعاد ج۱۰

169
  • لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَا وَ أغْلَالًا وَ سَعِيراً.1

  • و السابعة: جهنّم، و فيها الفَلَق و هو جُبّ في جهنّم، إذا فُتح أسعر النار سعراً، و هو أشدّ النار. و أمّا صعود فجبلٌ من صفر من نار وسط جهنّم؛ و أمّا أثاما فهو وادٍ من صفر مُذاب يجري حول الجبل، فهو أشدّ النار عذاباً.2 يروي الصدوق في «الخصال» عن أحمد بن الحسن القطّان، عن أحمد بن يحيى بن زكريّا القطّان، عن بكر بن عبد الله بن حبيب، عن محمّد بن عبد الله، عن عليّ بن الحكم، عن أبان بن عثمان، عن محمّد بن الفضيل الزرقيّ، عن أبي عبد الله (الصادق) عليه السلام، عن أبيه، عن جدّه عليهم السلام، قال:

  • للنار سبعة أبواب: باب يدخل منه فرعون و هامان و قارون؛ و باب يدخل منه المشركون و الكفّار ممّن لم يؤمن بالله طرفة عين؛ و باب يدخل منه بنو اميّة هو لهم خاصّة، لا يزاحمهم فيه أحد، و هو باب لظى، و هو باب سقر، و هو باب الهاوية تهوي بهم سبعين خريفاً، و كلّما هوى بهم سبعين خريفاً، فار بهم فورة قذف بهم في أعلاها سبعين خريفاً، ثمّ تهوي بهم كذلك سبعين خريفاً، فلا يزالون هكذا أبداً خالدين مخلّدين، و باب يدخل منه مُبغضونا و محاربونا و خاذلونا، و أنّه لأعظم الأبواب و أشدّها حرّاً.3

  • سبع طبقات من العلماء في سبع طبقات من جهنّم

  • و يروى في «الخصال» أيضاً عن محمّد بن عليّ ماجيلويه، عن محمّد بن يحيى العطّار، عن محمّد بن أحمد، عن الحسين بن موسى

    1. الآية 4، من السورة 76: الإنسان.
    2. «تفسير القمّيّ» ص 351 و 352.
    3. «الخصال» ج 2، ص 12، الطبعة الحجريّة؛ و ص 361، الطبعة الحروفيّة.

معرفة المعاد ج۱۰

170
  • الخشّاب، عن إسماعيل بن مهران و عليّ بن أسباط فيما أعلم، عن بعض رجالهما، قال: قال أبو عبد الله (الصادق) عليه السلام:

  • إنّ مِنَ العُلَمَاءِ مَنْ يُحِبُّ أنْ يَخْزِنَ عِلْمَهَ وَ لَا يُؤْخَذَ عَنْهُ، فَذَاكَ في الدَّرْكِ الأوَّلِ مِنَ النَّارِ.

  • وَ مِنَ العُلَمَاءِ مَنْ إذَا وُعِظَ أنِفَ، وَ إذَا وَعَظَ عَنُفَ، فَذَاكَ في الدَّرْكِ الثَّانِي مِنَ النَّارِ.

  • وَ مِنَ العُلَمَاءِ مَنْ يَرَى أنْ يَضَعَ العِلْمَ عِنْدَ ذَوِي الثَّرْوَةِ وَ الشَّرَفِ، وَ لَا يَرَى لَهُ في المَسَاكِينِ وَضْعاً، فَذَاكَ في الدَّرْكِ الثَّالِثِ مِنَ النَّارِ.

  • وَ مِنَ العُلَمَاءِ مَنْ يَذْهَبُ في عِلْمِهِ مَذْهَبَ الجَبَابِرَةِ وَ السَّلاطِينِ، فَإنْ رُدَّ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ قَوْلِهِ أوْ قُصِّرَ في شَيْءٍ مِنْ أمْرِهِ غَضِبَ؛ فَذَاكَ في الدَّرْكِ الرَّابِعِ مِنَ النَّارِ.

  • وَ مِنَ العُلَمَاءِ مَنْ يَطْلُبُ أحَادِيثَ اليَهُودِ وَ النَّصَارَى لِيُغْزِرَ بِهِ وَ يُكَثِّرَ بِهِ حَدِيثَهُ، فَذَاكَ في الدَّرْكِ الخَامِسِ مِنَ النَّارِ.

  • وَ مِنَ العُلَمَاءِ مَنْ يَضَعُ نَفْسَهُ لِلْفُتْيَا وَ يَقُولُ: سَلُونِي، وَ لَعَلَّهُ لَا يُصِيبُ حَرْفاً وَاحِداً، وَ اللهُ لَا يُحِبُّ المُتَكَلِّفِينَ، فَذَاكَ في الدَّرْكِ السَّادِسِ مِنَ النَّارِ.

  • وَ مِنَ العُلَمَاءِ مَنْ يَتَّخِذُ عِلْمَهَ مُرُوءَةً وَ عَقْلًا، فَذَاكَ في الدَّرْكِ السَّابِعِ مِنَ النَّارِ.1

  • و كما ذكرنا سابقاً، فإنّ جهنّم ناشئة من الاستكبار، أي من عدم رؤية المرء للحقّ تعالى، و عدّه نفسه في مرتبة تفوق درجتها و أصالتها؛ و هو بلاء يُصيب العلماء و السلاطين و الجبابرة، و ينبغي أن نستعيذ بالله منه.

    1. «الخصال» ج 2، ص 7 و 8، الطبعة الحجريّة؛ و ص 352 و 353، الطبعة الحروفيّة.

معرفة المعاد ج۱۰

171
  • و قد وردت في القرآن الكريم آية ينبغي حقّاً أن تقصم ظهور علماء السوء ممّن يرغبون في الشهرة و كسب الجاه و السمعة بين عامّة الناس، و أن تنبّههم من غفلتهم؛ و هي قوله تعالى: لا تَحْسَبَنَ (و الخطاب للنبيّ) الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَ يُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ.1

  • و لو قُدّر لإمام العصر أن يظهر و يُقيم ألف دليل و بيّنة على ولايته، لما أقرّ له علماء السوء بسبب غرورهم و تكبّرهم و تعاليهم، فتلك امور اجتهدوا في كسبها السنين الطوال حتّى صارت لهم مَلَكة؛ و لحاولوا الردّ على الإمام بألف عذر و حجّة و إشكال؛ و لجهدوا في أن يعرضوا عليه علومهم الواهية و أفكارهم البالية في رداء من الأصالة، و هيهات هيهات!

  • فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَ حاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ.2

    1. الآية 188، من السورة 3: آل عمران.
    2. الآية 83، من السورة 40: المؤمن.

معرفة المعاد ج۱۰

172
  •  

  •  

  • المَجْلِسُ الثَّالِثُ وَ السَّبْعُونَ: في خَصائِصِ جَهَنَّمَ وَ آثارِهَا

  •  

  •  

معرفة المعاد ج۱۰

174
  •  

  •  

  • بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

  • الحمد للّه ربّ العالمين و لا حول و لا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم

  • و صلّى الله على محمّد و آله الطاهرين

  • و لعنة الله على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين

  •  

  •  

  • لا نجاة من النار يوم القيامة بالفدية و الرشوة

  • قال الله الحكيم في كتابه الكريم:

  • وَ قَالُوا (و القول لليهود) لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ، بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَ أَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ.1

  • تبيّن هذه الآيات أنّ جهنّم لا تُصرف عمّن يستحقّها بالرشوة و الفدية و علاقات الصداقة و الواسطة و التأريخ الحافل الاعتباريّ الخياليّ، و أنّها لا تدور وفق محور الأوهام و الأفكار الشخصيّة، التي يجعلها كلّ شخص و كلّ طائفة ميزانهم. كما تبيّن أنّ الجنّة هي مثوى من اعتقد بالله اعتقاداً صادقاً راسخاً، و من كانت علاقته به عزّ و جلّ علاقة حقيقيّة، و من اجتنب الذنوب و الاعتداء على حقوق الآخرين، أمّا ما سواه فالنار مثواه.

  • إنّ توهّم الشرف و المركز الاجتماعيّ و الوجاهة لا ينفع المرء شيئاً، و لا يُبعد عنه نار غضب الله يوم القيامة؛ لأنّ الأحكام الإلهيّة لم توضع

    1. الآيتان 80 و 81، من السورة 2: البقرة.

معرفة المعاد ج۱۰

175
  • عبثاً، و لأنّ جهنّم ليست عبثاً، كما أنّ دخولها و الخروج منها لا يعتمدان على ميزان الامور الاعتباريّة و الخياليّة؛ و هي حقّ، لأنّها موضوعة من قِبل الحقّ تعالى، و إنّ موضع الرجس و الدنس و اكتساب السيّئات هو في جهنّم، مثله مثل أوساخ البيت و قمامته التي تُركم في وعاء خاصّ، ثمّ تُحمل إلى المزبلة.

  • أ فشاهد امرؤ أنّ أحداً قد وضع وعاء القمامة في غرفة الاستقبال بدل مزهريّة الورود، و جعله بين انظار الناس، و ترك روائحه الكريهة تزكم أ نُوفهم؟ كلّا ثمّ كلّا.

  • لقد كان اليهود يقولون: إنّنا لن ندخل النار، لأنّنا ننحدر من سلالة إسرائيل- أي يعقوب النبيّ- و إنّ الدنيا لنا، كما أنّ الآخرة لنا، و إن الله تعالى لن يعذّبنا إلّا أيّاماً معدودة تقابل الأيّام الأربعين التي ذهب فيها موسى عليه السلام إلى طور سيناء لمناجاة ربّه، فعصى بنو إسرائيل أمر أخيه هارون و عبدوا العجل؛ ثمّ إنّنا سنخلّد في الجنّة و نتنعّم بلذائذها.

  • لكنّ هذه الآيات تبيّن خطأ هذه الأقوال و اختلاقها، و أنّها لا تعدل في ميزان الحقّ شروى نقير، و أنّ مَن كان مطهّراً لم تحط به سيّئاته سيدخل الجنّة، أمّا من تلخّص عمره في السوء و الفسوق و الفجور و العصيان و أنواع الاعتداء على الحقوق، و في انتهاج سيرة الاستكبار و الاستعلاء و العُجب و الغرور، فسيذهب إلى النار ليخلّد فيها بلا شكّ، لا فرق في ذلك أيّاً كان، و مِن أي عنصر أو مذهب أو محيط قد انحدر!

  • و لقد خاطبهم القرآن متسائلًا في مقام المؤاخذة: أيّها المعتدون من ذوي الفكر القاصر! هل اتّخذتم عند الله عهداً أن لا يسوقكم إلى جهنّم، ليكون الله مُلزماً بالوفاء بما عهد؟! أم أنّكم قد كذبتم على الله تعالى، و لفّقتم من عند أنفسكم ما جعلتموه قانوناً تلتزمون به.

معرفة المعاد ج۱۰

176
  • أُفٍّ لَكُمْ وَ لِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ!

  • أيّ انحراف سوّل لكم محاولة إخضاع الله سبحانه لرغباتكم و أهوائكم؟ كلّا، بل سيعاقبكم الله عزّ و جلّ و يعاقب أمثالكم بلا استثناء، فيخلّدكم جميعاً في جهنّم المتّقدة المتأجّجة المحرقة جزاءً على هذه الجرائم.

  • و على هذا الأساس، فقد وردت في القرآن الكريم آيات كثيرة جاء فيها عدم جدوى الفدية و الرشوة يوم القيامة، و أنّ المذنب لن يفتدي يومئذٍ نفسه أو عمله بشيء فيُقبل منه، و أنّ الشفاعة لن تنفع يومذاك شيئاً.

  • و المقصود بالشفاعة الواسطة التي لا تقوم على أساس أو معيار؛ و قد شاهدنا في بحث الشفاعة أنّ الشفاعة الحقيقيّة القائمة على أساس علاقة الإيمان بالله و بأوليائه هي التي تنفع يوم القيامة، و أنّها تعدّ من أهمّ وسائل النجاة و سبله.

  • إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ ماتُوا وَ هُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَ لَوِ افْتَدى بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَ ما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ.1

  • إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَ مِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ.2

  • وَ أَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النَّارُ كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها وَ قِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ، وَ لَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ.3

    1. الآية 91، من السورة 3: آل عمران.
    2. الآيتان 36 و 37، من السورة 5: المائدة.
    3. الآيتان 20 و 21، من السورة 32: التنزيل.

معرفة المعاد ج۱۰

177
  • الركون إلى الدنيا و الاعتماد عليها هو جهنّم في حقيقته

  • و منشأ جهنّم و مبدؤها هو الإعراض عن الله و عن ذِكر الله تعالى، و الانغمار في عالم الكثرة و الدنيا الفانية، و إهمال الامور الباقية و عالم الآخرة و عالم الوحدة و أصالة الحقّ و الحقيقة.

  • إنّ لقاء الله المتعال هو الجهة الوحيدة التي تجذب قلب الإنسان صوب نشأة المعنى و المعرفة؛ و لذلك فقد عدّت الآيات القرآنيّة الخلود في نار جهنّم أمراً حتميّاً للأفراد الذين ينحصر همّهم في الدنيا و مأكلها و مشربها و إطفاء الشهوات فيها، فهي تقول مرّة:

  • وَ لَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَ لَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَ لَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ.1

  • و تقول اخرى: إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَ رَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَ اطْمَأَنُّوا بِها وَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ، أُولئِكَ مَأْواهُمُ النَّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ.2

  • و تقول: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَ زِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَ هُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ، أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَ حَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَ باطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ.3

  • و تقول: أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَ لا هُمْ يُنْصَرُونَ.4

    1. الآية 179، من السورة 7: الأعراف.
    2. الآيتان 7 و 8، من السورة 10: يونس.
    3. الآيتان 15 و 16، من السورة 11: هود.
    4. الآية 86، من السورة 2: البقرة.

معرفة المعاد ج۱۰

178
  • و تقول: أَ فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَ رِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ.1

  • و تقول: وَ لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ (العزيز القادر المتعال المحيي العليم السميع البصير) إِلهاً آخَرَ (كبيراً كان أو صغيراً؛ جاهاً كان أو ثروة؛ صديقاً حميماً كان أو زوجة أو ولداً) فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً.2

  • و ما دامت النفس الإنسانيّة الأمّارة باقية لم تتبدّل بعد إلى النفس اللوّامة أو النفس المطمئنّة و غيرها، فإنّ جهنّم ستكون باقية، لأنّها ظهور و بروز لحقيقة النفس في مراحل الحجاب و البعد.

  • إنّ النفس الأمّارة لا تنفكّ تأمر الإنسان بالفحشاء و المنكر؛ و ما إن يحاول الإطمئنان قليلًا حتّى تعود إلى أمره من جديد. و قد تفتر و تضعف تارةً، لتشتدّ بعد ذلك غير نازعة عن القبح و المنكر. فهي لا تلبث ممسكة بتلابيب صاحبها لا تفارقه، كلّما أراد إخمادها اشتعل أوارها و اتّقد من جديد.

  • وَ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَ مَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِهِ وَ نَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَ بُكْماً وَ صُمًّا مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً.3

  • وَ اسْتَفْتَحُوا (و الضمير عائد إلى الأنبياء و المرسلين الذين كانت اممهم تهزأ بهم و تكذّبهم و تهدّدهم بإخراجهم من ديارهم) وَ خابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ، مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ وَ يُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ، يَتَجَرَّعُهُ وَ لا يَكادُ

    1. الآية 109، من السورة 9: التوبة.
    2. الآية 39، من السورة 17: الإسراء.
    3. الآية 97، من السورة 17: الإسراء.

معرفة المعاد ج۱۰

179
  • يُسِيغُهُ وَ يَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَ ما هُوَ بِمَيِّتٍ وَ مِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ.1

  • إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَ لا يَحْيى.2

  • وَ كَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً، إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً حَكِيماً.3

  • و هذه الآيات و ما جاء على سياقها من الآيات الاخرى تدلّ بأجمعها على أنّ النفس الإنسانيّة الناطقة باقية على الدوام. و أنّ النفس تذوق أنواع العذاب طوراً بعد طور، و حالًا بعد حال، كما كانت و هي حيّة في عالم الدنيا بحالات المعصية المختلفة التي كانت تعتريها الواحدة تلو الاخرى.

  • و ممّا يثير العجب هو أنّ الآية المباركة التالية التي وردت في موضعين من القرآن الكريم: وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ؛4 تدلّ على أنّ جهنّم موجودة و مخلوقة فعلًا، لا أنّها ستخلق فيها بعد؛ لأنّ «محيطة» اسم فاعل، و العارفون بالعربيّة و آدابها يصرّحون بأجمعهم بأنّ المشتقّ حقيقة في مَن تَلَبَّسَ بِالمَبْدَإ؛ فيكون حاصل المعنى أنّ جهنّم محيطة بالكافرين فعلًا، لا أنّها ستخلق يوم القيامة فتحيط بهم. و إلّا لوجب أن يقال: وَ إنَّ جَهَنَّمَ لَتُحِيطُ بِالكَافِرِينَ.

  • وجود جهنّم حاليّاً

  • و كما قلنا سابقاً، فإنّ جميع العوالم موجودة بالفعل وجوداً طوليّاً

    1. الآيات 15 إلى 17، من السورة 14: إبراهيم.
    2. الآية 74، من السورة 20: طه.
    3. الآيتان 55 و 56، من السورة 4: النساء.
    4. الآية 49، من السورة 9: التوبة؛ و الآية 54، من السورة 29: العنكبوت.

معرفة المعاد ج۱۰

180
  • لا عرضيّاً؛ أي أنّ تلك العوالم متداخلة و ليست متعاقبة كتعاقب حبّات المسبحة.

  • و من هنا، فإنّ هذه الدنيا بكلّ ما فيها من أفعال قبيحة، و نوايا فاسدة و آراء كاسدة، و توغّل في الكثرات، و انصراف عن الحضرة الأحديّة و الذات الأحديّة إنّما تمثّل جهنّماً. كلّ ما هنالك أنّ حقيقتها و حقيقة نارها و سعيرها و شهيقها و زفيرها لا تُرى إلّا برحيل الإنسان عن الدنيا، أو بإزاحة الستار عن أعينه الحولاء، لتصبح مقولة: فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ جليّة أمامه وجداناً و شهوداً.

  • و من بين الآيات الدالّة صراحة على أنّ نار جهنّم موجودة فعلًا، الآية 25، من السورة 71: نوح: مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصاراً؛ حيث تقول الآية بأنّ قوم نوح اغرقوا فادخلوا في النار على الفور. و معلوم أنّ النار ينبغي أن تكون موجودة فعلًا ليدخلها قوم نوح.

  • و لا أزال عجبي ممّن ينكر تجسيم الأعمال كيف يقول من جهة بوجود جهنّم فعلًا، و يقول- من جهة اخرى- بأنّ جهنّم هذه موجودة على الأرض؟ لأنّنا لو قلنا بتجسيم الأعمال يوم القيامة، لاتّضح أنّ تلك النار هي حقيقة نفس هذه الأعمال. و بناء على ذلك فإنّ جهنّم ستكون موجودة في الوقت الحاضر، لكنّها لا تُرى بالعين المجرّدة، لأنّها ملكوت الأعمال.

  • أمّا لو أنكرنا هذا الأمر، و قلنا بأنّ النار هي غير حقيقة تجسيم الأعمال فأنّى سيمكننا القول بأنّها موجودة فعلًا، و بأنّ موضعها على هذه الأرض؟ إذ سيكون كلامنا آنذاك لغزاً بلا حلّ، و سيكون أشبه بقول القائل بأنّ أنياب الأغوال هي مادّيّة و موجودة فعلًا، إلّا أنّنا لا نراها!

  • أمّا في شأن وجود جهنّم على هذه البسيطة، فقد ورد ذلك في عدّة

معرفة المعاد ج۱۰

181
  • روايات:

  • منها: ما يرويه الصدوق في «الخصال» عن ابن موسى، عن ابن زكريّا القطّان، عن ابن حبيب، عن عبد الرحيم الجبلّيّ الصيدنانيّ، و عبد الله بن الصلت، عن الحسن بن نصر الخزّاز، عن عمرو بن طلحة، عن أسباط بن نصر، عن سِماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال (في حديث طويل جاء فيه أنّ يهوديينِ قدما إلى المدينة فسألا من أمير المؤمنين عليه السلام، فقالا:) أين تكون الجنّة، و أين تكون النار؟ قال: أمّا الجنّة ففي السماء، و أمّا النار ففي الأرض- الخبر.1

  • و منها: ما جاء في «تفسير عليّ بن إبراهيم» أنّ الدليل على كون جهنّم في هذه الأرض قوله تعالى في سورة مريم:

  • وَ يَقُولُ الْإِنْسانُ أَ إِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا، أَ وَ لا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَ لَمْ يَكُ شَيْئاً، فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَ الشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا2- الحديث.3

  • و ما جاء في «تفسير عليّ بن إبراهيم» في تفسير آية: كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً حَكِيماً؛ قال: فقيل لأبي عبد الله (الصادق) عليه السلام: كيف تبدّل جلوداً غيرها؟ قال: أ رأيتَ لو أخذتَ لبنة فكسرتها و صيّرتها تراباً، ثمّ ضربتَها في القالب، أ هي التي كانت. إنّما هي كذلك، و حدث تفسيراً آخر و الأصل

    1. «الخصال» للشيخ الصدوق، ج 2، ص 147، الطبعة الحجريّة؛ و« بحار الأنوار» ج 8، ص 128.
    2. الآيات 65 إلى 67، من السورة 19: مريم.
    3. «تفسير القمّيّ» ص 216، الطبعة الحجريّة.

معرفة المعاد ج۱۰

182
  • واحد.1

  • شدّة عذاب أصحاب النار.

  • كما جاء في نفس التفسير السالف الذكر، في تفسير آية: مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ، قال: مقيّدين بعضهم إلى بعض.

  • و في قوله تعالى: سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ، قال: السرابيل القميص. و في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (الباقر) عليه السلام في قوله: سَرَابِيلُهُم مِن قَطِرَانٍ: و هو الصفر الحارّ الذائب. يقول: انتهى حرّه. يقول الله: وَ تَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ: سُربلوا ذلك الصفر فتغشى وجوههم النار.2

  • و جاء في التفسير المذكور في قوله تعالى: مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ وَ يُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ، قال: ماء يخرج من فروج الزواني.

  • و قوله: يَتَجَرَّعُهُ وَ لا يَكادُ يُسِيغُهُ وَ يَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَ ما هُوَ بِمَيِّتٍ، قال: يقرّب إليه فيكرهه، و إذا ادني منه شوي وجهه و وقعت فروة رأسه، فإذا شرب تقطّعت أمعاؤه و مزّقت إلى تحت قدميه. و إنّه ليخرج من أحدهم مثل الوادي صديداً وقيحاً.

  • ثمّ قال: و إنّهم ليبكون حتّى تسيل من دموعهم فوق وجوههم جداول، ثمّ تنقطع الدموع فتسيل الدماء، حتّى لو أنّ السفن اجريت فيها لجرت، و هو قوله: وَ سُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ.3

  • و جاء في التفسير المذكور في قوله تعالى: فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ، يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ

    1. «تفسير القمّيّ» ص 129.
    2. «تفسير القمّيّ» ص 348.
    3. الآية 15، من السورة 47: محمّد صلّى الله عليه و آله و سلّم. و انظر:« تفسير القميّ» ص 344 و 345.

معرفة المعاد ج۱۰

183
  • وَ الْجُلُودُ، وَ لَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ، كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ،1 قال: فَالَّذِينَ كَفَرُوا يعني بني اميّة؛ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ- الى قوله- الْحَدِيدِ، قال: تغشاه النار فتسترخي شفته السفلى حتّى تبلغ سرّته، و تنقلص شفته العليا حتّى تبلغ وسط رأسه. وَ لَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ، قال: الأعمدة التي يُضربون بها ضرباً بتلك الأعمدة.2

  • و في التفسير المذكور في قوله تعالى: وَ أَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النَّارُ كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها (من غم) أُعِيدُوا فِيها، قال: إنّ جهنّم إذا دخلوها هووا فيها مسيرة سبعين عاماً، فإذا بلغوا أسفلها زفرت بهم جهنّم، فإذا بلغوا أعلاها قُمعوا بمقامع الحديد، فهذه حالهم.3

  • و في التفسير المذكور، في قوله تعالى: يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَ تَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ،4 قال: هو الاستفهام، لأنّ الله وعد النار أن يملأها، فتمتلئ النار فيقول لها هل امتلأت؟ و تقول: هل من مزيد؟ على حدّ الاستفهام، أي لَيْسَ في مَزِيد. قال: فتقول الجنّة: يا ربِّ وعدتَ النار أن تملأها و وعدتني أن تملأني، فلِمَ لا تملأني و قد ملأتَ النار؟ قال: فيخلق الله خلقاً يومئذٍ يملأ بهم الجنّة. قال أبو عبد الله (الصادق) عليه السلام: طوبى لهم إنّهم لم يروا غموم الدنيا و همومها.5

  • و جاء في التفسير المذكور، في قوله تعالى: تَصْلى ناراً حامِيَةً،

    1. الآيات 19 إلى 22، من السورة 22: الحجّ.
    2. «تفسير القمّيّ» ص 437.
    3. «تفسير القمّيّ» ص 513.
    4. الآية 30، من السورة 50: ق.
    5. «تفسير القميّ» ص 645 و 646.

معرفة المعاد ج۱۰

184
  • تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ، لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ، لا يُسْمِنُ وَ لا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ، قال: تَصْلى: وجوههم. ناراً حامِيَةً تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ، قال: لها أنين من شدّة حرّها. لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ، قال: عرق أهل النار و ما يخرج من فروج الزواني.1

  • العذاب الشديد للمعتدين و المتكبّرين

  • و في التفسير المذكور، في قوله تعالى: وَ إِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ،2 قال: حدّثنا سعيد بن محمّد، قال: حدّثنا بكر بن سهل، عن عبد الغنيّ بن سعيد، عن موسى بن عبد الرحمن، عن ابن جُرَيح، عن عطاء، عن ابن عبّاس في قوله: وَ إِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ: يريد اوقدت للكافرين. و الجحيم النار الأعلى من جهنّم. و الجحيم في كلام العرب ما عَظُم من النار، كقوله تعالى: ابْنُوا لَهُ بُنْياناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ،3 يريد النار العظيمة.4

  • و روى في نفس التفسير عن أبيه، عن ابن أبي عُمير، عن ابن بكير، عن أبي عبد الله (الصادق) عليه السلام، قال:

  • إنّ في جَهَنَّمَ لَوَادِياً لِلْمُتَكَبِّرِينَ يُقَالُ لَهُ «سَقَرُ» شَكَا الى اللهِ شِدَّةِ حَرِّهِ، وَ سَألَهُ أنْ يَتَنَفَّسَ، فَأذِنَ لَهُ، فَتَنَفَّسَ فَأحْرَقَ جَهَنَّمَ.5

  • و روى الكلينيّ هذه الرواية بهذا السند في كتابه «الكافي»،6 و رواها الصدوق في «عقاب الأعمال» عن محمّد بن الحسن، عن محمّد بن الحسن الصفّار، عن يعقوب بن يزيد، عن محمّد بن أبي عُمير، عن ابن بُكير، عن

    1. «تفسير القمّيّ» ص 722.
    2. الآية 12، من السورة 81: التكوير.
    3. الآية 97، من السورة 37: الصافّات.
    4. «تفسير القمّيّ» ص 713 و 714.
    5. «تفسير القمّيّ» ص 579.
    6. «اصول الكافي» ج 2، ص 310.

معرفة المعاد ج۱۰

185
  • أبي عبد الله الصادق عليه السلام.1

  • و روى القمّيّ في تفسيره عن أبيه، عن ابن أبي عُمير، عن منصور بن يونس، عن أبي عبد الله (الصادق) عليه السلام، قال: إنّ في النار لناراً يتعوّذ منها أهل النار، ما خُلقت إلّا لكلّ متكبّر جبّار عنيد، و لكلّ شيطان مريد، و لكلّ متكبّر لا يؤمن بيوم الحساب، و لكلّ مَن ناصب العداء لآل محمّد. و قال: إنّ أهون الناس عذاباً يوم القيامة لرجلٌ في ضحضاح من نار، عليه نعلان من نار و شراكان من نار يغلي منها دماغه كما يغلي المرجل، ما يرى أنّ في النار أحداً أشدّ عذاباً منه، و ما في النار أحد أهون عذاباً منه.2

  • بكلّ تأكيد إنّ عذاب جهنّم الشديد الأليم ليختصّ بالمعتدين الذين يغتصبون حقوق الضعفاء، و بالمتجبّرين و المتكبّرين و المستكبرين الذين يعيثون في الدنيا فساداً و يُشيعون فيها الفتنة، و يسفكون الدماء، و يقتلون الأبرياء الضعفاء فتسيل دماؤهم في الصحارى و الوديان. و لو اطيل في عمر هؤلاء الظلمة أضعافاً مضاعفة، لما نكصوا عن نهجهم و سيرتهم.

  • و قد شوهد أنّ كثرة اعتداءات السلاطين الجائرين و الحكّام المتجبّرين و العلماء الخونة و نظائرهم بما تفوق العدّ و الحصر، و هم لا يتورّعون عن ارتكاب أي ظلم و جور و تكبّر و غصب للحقوق.

  • و لذلك، فلو شاهدنا- كما ورد في الرواية فعلًا- أنّ الدموع تسيل فوق وجوه أصحاب النار جداولًا، ثمّ تنقطع الدموع فتسيل الدماء؛ أو أنّ الصديد يخرج من المعتدين مثل الوادي من شدّة الحزن، لما كان ذلك

    1. «عقاب الأعمال» ص 14، الطبعة الحجريّة.
    2. «تفسير القمّيّ» ص 585.

معرفة المعاد ج۱۰

186
  • مدعاةً للعجب، لأنّ ذلك ممّا كسبت أيديهم، وَ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ.

  • و تجسّد جهنّم ظهور هذه النوايا و الاعتداءات الدنيوية و بروزها و تجلّيها مثلًا بمثل؛ و لو قدّر لتلك النوايا الفاسدة و الأعمال القبيحة و العقائد الباطلة أن تُنشر في هذا العالم، فتظهر في صورها الملكوتيّة، لكانت نفس جهنّم المتّقدة المسجّرة و نفس الوديان الجهنميّة الطافحة بالصديد و الضريع.

  • التابوت و العذاب للحكّام الجائرين

  • روى الصدوق في «عقاب الأعمال» عن ابن الوليد، عن الصفّار، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن عبد الله بن هلال، عن عقبة بن خالد، عن مَيْسَر، عن أبي جعفر (الباقر) عليه السلام، قال:

  • إنّ في جَهَنَّمَ لَجَبَلًا يُقَالُ لَهُ: الصَّعْدَي؛ وَ إنَّ في الصَّعْدَي لَوَادِياً يُقَالُ لَهُ سَقَرُ؛ وَ إنَّ في سَقَرَ لَجُبّاً يُقَالُ لَهُ هَبْهَبُ؛ كُلَّمَا كُشِفَ غِطَاءُ ذَلِكَ الجُبِّ، ضَجَّ أهْلُ النَّارِ مِنْ حَرِّهِ؛ وَ ذَلِكَ مَنَازِلُ الجَبَّارِينَ.1

  • و جاء في «تفسير عليّ بن إبراهيم» في تفسير قوله تعالى: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ، قال: الفلق جُبّ في جهنّم يتعوّذ أهل النار من شدّة حرّه، فسأل الله أن يأذن له أن يتنفّس، فأذن له فتنفّس فأحرق جهنّم. قال: و في ذلك الجبّ صندوق من نار يتعوّذ أهل الجبّ من حرّ ذلك الصندوق، و هو التابوت. و في ذلك التابوت ستّة من الأوّلين و ستّة من الآخرين؛ فأمّا الستّة التي من الأوّلين، فابن آدم الذي قتل أخاه، و نمرود إبراهيم الذي ألقى إبراهيم في النار، و فرعون موسى، و السامريّ الذي اتّخذ العجل، و الذي

    1. «عقاب الأعمال» ص 43، الطبعة الحجريّة؛ و« بحار الأنوار» ج 3، ص 377، طبعة الكمبانيّ، و في الطبعة الحروفيّة: ج 8، ص 297؛ لكنّ في« عقاب الأعمال» ص 43، الطبعة الحجريّة، روي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام.

معرفة المعاد ج۱۰

187
  • هوّد اليهود، و الذي نصّر النصارى؛ و أمّا الستّة التي من الآخرين فهو الأوّل و الثاني و الثالث و الرابع و صاحب الخوارج و ابن ملجم لعنهم الله. وَ مِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ؛ قال: الذي يُلقي في الجبّ فيه يقب (يغيب فيه ظ).1

  • أجل، حين ينشغل قلب الإنسان بغير الله عزّ و جلّ، فإنّ الخواطر الشيطانيّة سوف لن تبرح تهاجم فكره، و سيهاجمه الهمّ المستمرّ بشكلٍ أو بآخر. و كلّما زاد الإنسان عن الله تعالى بُعداً، اشتدت تلك الأفكار، و ظهرت يوم القيامة في شرر شديد التطاير.

  • قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: مَنْ أصْبَحَ وَ أكْبَرُ هَمِّهِ الدُّنْيَا، ألْزَمَ اللهُ قَلْبَهُ شُغْلًا لَا فَرَاغَ لَهُ مِنْهُ أبَداً، وَ هَمّاً لَا يَنْقَطِعُ عَنْهُ أبَداً، وَ أمَلًا لَا يَبْلُغُ مُنْتَهَاهُ أبَداً، وَ فَقْراً لَا يَنَالُ غِنَاهُ أبَداً، وَ إنَّهُ لَيْسَ مِنَ اللهِ في شَيءٍ.2

  • شجرة الزقّوم طعام الضالّين و المكذّبين

  • و اعلم أنّ كلمة الزقّوم قد وردت في القرآن الكريم في ثلاثة مواضع:

  • أولها: الآيات 62 إلى 68، من السورة 37: الصافّات: أَذلِكَ (المقام الذي وعده الله أصحاب الجنّة من المخلصين) خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ، إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ، إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ، طَلْعُها (فِي قُبحه و خُبثه) كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ، فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ، ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ، ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ.

  • و الثاني: الآيات 43 إلى 49، من السورة 44: الدخان:

  • إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ، طَعامُ الْأَثِيمِ، كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ،

    1. «تفسير عليّ بن إبراهيم» ص 743 و 744.
    2. «أسرار الصلاة» للمرحوم آية الله الحاجّ الميرزا جواد آقا الملكيّ التبريزيّ، ص 191، الطبعة الحروفيّة، سنة 1380 ه-.

معرفة المعاد ج۱۰

188
  • كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (ثمّ يأتي الخطاب الغاضب من الله تعالى للملائكة أن) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ، ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ (ثمّ يُقال له سخريّةً و استهزاءً) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ.

  • و الثالث: الآيات 41 إلى 57، من السورة 56: الواقعة:

  • وَ أَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ، فِي سَمُومٍ وَ حَمِيمٍ، وَ ظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ، لا بارِدٍ وَ لا كَرِيمٍ، إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ، وَ كانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ، وَ كانُوا يَقُولُونَ أَ إِذا مِتْنا وَ كُنَّا تُراباً وَ عِظاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ، أَ وَ آباؤُنَا الْأَوَّلُونَ، قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَ الْآخِرِينَ، لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ، ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ، لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ، فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ، فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ، فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ، هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ، نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْ لا تُصَدِّقُونَ.

  • و الخلاصة، فإنّ شجرة الزّقوم- كما في الرواية الواردة في التفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكريّ عليه السلام- تقابل شجرة طوبى؛ فشجرة طوبى تجسّد الطهر و الطهارة و الغضارة و القداسة و الخير و البركة و الرحمة، أمّا منشؤها و أصلها فهو الولاية، كما مرّ.

  • أمّا شجرة الزقّوم فتجسّد القذارة و الرجس و النجاسة و الذلّة و النكبة و المشقّة و انعدام الرحمة؛ فيكون أصلها- تبعاً لذلك- هو البُعد عن الولاية و السعادة، و هي في النتيجة شجرة الشقاء و الخسران.

  • و ستخترق فروع شجرة الزقّوم قلب كلّ امرئ بمقدار ما يحتوي من شكّ و شرك و رجس باطنيّ، و بمقدار ما ينطوي عليه من خيانة و جريمة و اعتداء و ظلم و استكبار. و ستمتد جذور هذه الشجرة في سويداء القلب بذلك القدر المذكور.

معرفة المعاد ج۱۰

189
  • كلّ ذنب يرتكبه المرء يمثّل تعلّقاً بغصن من شجرة الزقّوم

  • جاء في التفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكريّ عليه السلام ضمن حديث طويل عن رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم قال فيه:

  • و الذي بعثني بالحقّ نبيّاً، و إنّ مَن تعاطى باباً من الشرّ و العصيان في هذا اليوم (الأوّل من شعبان) فقد تعلّق بغصنٍ من أغصان الزقّوم فهو مؤدّيه إلى النار.

  • ثمّ قال رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم: و الذي بعثني بالحقّ نبيّاً، فمن قصّر في صلاته المفروضة و ضيّعها، فقد تعلّق بغصنٍ منه. و من جاءه في هذا اليوم فقير ضعيف يشكو إليه سوء حاله، و هو يقدر على تغيير حاله من غير ضرر يلحقه و ليس هناك من ينوب عنه و يقوم مقامه، فتركه يضيع و يعطب و لم يأخذ بيده، فقد تعلّق بغصنٍ منه.

  • و مَن اعتذر إليه مسيء فلم يعذره، ثمّ لم يقتصر به على قدر عقوبة إساءته، بل أربى عليه، فقد تعلّق بغصنٍ منه.

  • و مَن أفسد بين المرء و زوجه، أو الوالد و ولده، أو الأخ و أخيه، أو القريب و قريبه، أو بين جارينِ أو خليطين أو أجنبيّينِ، فقد تعلّق بغصنٍ منه.

  • و من شدّد على معسر و هو يعلم إعساره فزاد غيظاً و بلاء، فقد تعلّق بغصنٍ منه. و من كان عليه دَين فكسره على صاحبه و تعدّى عليه حتّى أبطل دَينه، فقد تعلّق بغصنٍ منه.

  • و من جفى يتيماً و آذاه و تهضّم ماله، فقد تعلّق بغصنٍ منه. و من وقع في عِرض أخيه المؤمن و حَمَلَ الناس على ذلك، فقد تعلّق بغصنٍ منه. و من تغنّى بغناء حرام يبعث فيه على المعاصي، فقد تعلّق بغصن منه. و من قعد يعدّد قبائح أفعاله في الحروب و أنواعَ ظُلمه لعباد الله فافتخر بها، فقد تعلّق بغصنٍ منه.

معرفة المعاد ج۱۰

190
  • و من كان جاره مريضاً فترك عيادته استخفافاً بحقّه، فقد تعلّق بغصنٍ منه. و من مات جاره فترك تشييع جنازته تهاوناً به، فقد تعلّق بغصن منه. و من أعرض عن مصاب و جفاه إزراءً عليه و استصغاراً له، فقد تعلّق بغصن منه. و من عقّ والديه أو أحدهما، فقد تعلّق بغصن منه. و من كان قبل ذلك عاقّاً لهما فلم يُرضِهما في هذا اليوم و هو يقدر على ذلك، فقد تعلّق بغصنٍ منه. و كذا مَن فَعَلَ شيئاً من سائر أبواب الشرّ، فقد تعلّق بغصنٍ منه.

  • و الذي بعثني بالحقّ نبيّاً، إنّ المتعلّقين بأغصان شجرة الزقّوم تخفضهم تلك الأغصان إلى الجحيم.1

  • و يستنتج ممّا سبق أنّ جهنّم هي محلّ صدور القبائح و ورودها، و أنّ كلّ امرئ ينطوي على تلك القبائح بأيّ قدر أو صورة كانت، سواء في العقائد أم الملكات و الأخلاق و الصفات، أم في الأعمال و السلوك، و حتّى في النوايا و الرغبات الباطنيّة المجرّدة، فإنّه إذا اقترن بذلك القبح و الشرك و العناد و الانحراف عن الحقّ، و لم يتطهّر منها في المنازل التي تسبق القيامة، من مصائب الدنيا، و سكرات الموت، و عذاب القبر، و أهوال يوم القيامة، أو من خلال التوبة و الشفاعة و غيرها؛ فإنّه سيقترن بالنار و يكون توأماً لها.

  • و لذلك فقد مَثّل كلّ باب من أبواب جهنّم نوعاً من أنواع الانحراف و الاعتداء في أحد هذه المراحل.

  • يروي المجلسيّ رضوان الله عليه عن كتاب «فضائل ابن شاذان» و عن كتاب «الروضة» بإسناده مرفوعاً عن عبد الله بن مسعود، عن رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم ضمن حديث المعراج، قال:

    1. «بحار الأنوار» ج 8، ص 167 و 168، عن« تفسير الإمام العسكريّ».

معرفة المعاد ج۱۰

191
  • ... وَ رَأيْتُ عَلَى أبْوَابِ النَّارِ مَكْتُوباً على البَابِ الأوَّلِ ثَلَاثُ كَلِمَاتٍ: مَنْ رَجَا اللهَ سَعِدَ. وَ مَنْ خَافَ اللهَ أ مِنَ. وَ الهَالِكُ المَغْرُورُ مَنْ رَجَا غَيْرَ اللهِ، وَ خَافَ سِوَاهُ.

  • وَ عَلَى البَابِ الثَّانِي: مَنْ أرَادَ أنْ لَا يَكُونَ عُرْيَاناً يَوْمَ القِيَامَةِ، فَلْيَكْسِ الجُلُودَ العَارِيَةَ في الدُّنْيَا. مَنْ أرَادَ أنْ لَا يَكُونَ عَطْشَاناً يَوْمَ القِيَامَةِ، فَلْيَسْقِ العِطَاشَ في الدُّنْيَا. مَنْ أرَادَ أنْ لَا يَكُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ جَائِعاً، فَلْيُطْعِمِ البُطُونَ الجَائِعَةَ في الدُّنْيَا.

  • وَ على البَابِ الثَّالِثِ مَكْتُوبٌ: لَعَنَ اللهُ الكَاذِبِينَ؛ لَعَنَ اللهُ البَاخِلِينَ؛ لَعَنَ اللهُ الظَّالِمِينَ.

  • وَ عَلَى البَابِ الرَّابِعِ مَكْتُوبٌ ثَلَاثُ كَلِمَاتٍ: أذَلَّ اللهُ مَنْ أهَانَ الإسْلَامَ؛ أذَلَّ اللهُ مَنْ أهَانَ أهْلَ البَيْتِ؛ أذَلَّ اللهُ مَنْ أعَانَ الظَّالِمِينَ في ظُلْمِهِمْ لِلْمَخْلُوقِينَ.

  • وَ على البَابِ الخَامِسِ مَكْتُوبٌ ثَلَاثُ كَلِمَاتٍ: لَا تَتَّبِعُوا الهَوَى، فَالهَوَى يُخَالِفُ الإيمَانَ؛ وَ لَا تُكْثِرْ مَنْطِقَكَ فِيمَا لَا يَعْنِيكَ، فَتَسْقُطَ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ؛ وَ لَا تَكُنْ عَوْناً لِلظَّالِمِينَ.

  • وَ عَلَى البَابِ السَّادِسِ مَكْتُوبٌ: أنَا حَرَامٌ عَلَى المُجْتَهِدِينَ؛ أنَا حَرَامٌ على المُتَصَدِّقِينَ؛ أنَا حَرَامٌ عَلَى الصَّائِمِينَ.

  • وَ عَلَى البَابِ السَّابِعِ مَكْتُوبٌ ثَلَاثُ كَلِمَاتٍ: حَاسِبُوا أنْفُسَكُمْ قَبْلَ أنْ تُحَاسَبُوا؛ وَ وَبِّخُوا أنْفُسَكُمْ قَبْلَ أنْ تُوَبَّخُوا؛ وَ ادْعُوا اللهَ عَزَّ وَ جَلَّ قَبْلَ أنْ تَرِدُوا عَلَيْهِ وَ لَا تَقْدِرُوا على ذَلِكَ.1

  • عذاب قتلة الإمام الحسين عليه السلام

  • و ننهي هذا البحث الشريف برواية عن عذاب قَتَلة الحسين عليه

    1. «بحار الأنوار» ج 8، ص 145 و 146، الطبعة الحروفيّة.

معرفة المعاد ج۱۰

192
  • السلام و أبنائهم من بني اميّة لعنهم الله جميعاً، فقد روى فرات بن إبراهيم في تفسيره عن ابن عبّاس، عن أمير المؤمنين عليه السلام، قال: دخل رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم ذات يوم على فاطمة و هي حزينة ثمّ ينقل كلاماً مفصّلًا عن رسول الله في أحوال القيامة، حتّى يصل إلى قوله: فَتَقُولِينَ: يَا رَبِّ! أرِنِي الحَسَنَ وَ الحُسَيْنَ، فَيَأتِيَانِكِ وَ أوْدَاجُ الحُسَيْنِ تَشْخَبُ دَماً، وَ هُوَ يَقُولُ: يَا رَبِّ! خُذْ لِيَ اليَوْمَ حَقِّي مِمَّنْ ظَلَمَنِي!

  • فيغضب عند ذلك الجليل، و يغضب لغضبه جهنّم و الملائكة أجمعون، فتزفر جهنّم عند ذلك زفرة، ثمّ يخرج فوج من النار و يلتقط قتلة الحسين و أبناءهم و أبناء أبنائهم، و يقولون: يا ربّ! إنّا لم نحضر الحسين. فيقول الله لزبانية جهنّم: خذوهم بسيماهم بزرقة الأعين و سواد الوجوه، خذوا بنواصيهم فألقوهم في الدرك الأسفل من النار، فإنّهم كانوا أشدّ على أولياء الحسين من آبائهم الذين حاربوا الحسين فقتلوه، فتسمعين أشهقتهم في جهنّم- الحديث.1

    1. «تفسير فرات» ص 171 و 172؛« بحار الأنوار» ج 8، ص 172، الطبعة الحروفيّة.

معرفة المعاد ج۱۰

194
  •  

  •  

  • المَجْلِسُ الرَّابِعُ وَ السَّبْعُونَ: حَقِيقَةُ جَهَنَّمَ، حِجَابُ البُعْدِ عَنْ رَحْمَةِ اللهِ

  •  

  •  

معرفة المعاد ج۱۰

196
  •  

  •  

  • بسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

  • الحمد للّه ربّ العالمين و لا حول و لا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم

  • و صلّى الله على محمّد و آله الطاهرين

  • و لعنة الله على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين

  • قال الله الحكيم في كتابه الكريم:

  •  

  •  

  • كُلا (ليس هذا القرآن من أساطير الأوّلين) بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (فأضحت قلوبهم ظلمانيّة، و صاروا لا يفقهون آيات الله عزّ و جلّ) كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (فقد حاكوا حولهم شرنقة من حجاب الجهل و الغفلة) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ12

  • قال أمير المؤمنين عليه السلام في «نهج البلاغة»: فَبَادِرُوا المَعَادَ (فهو معادكم إلى ربّ العالمين و خالقهم) وَ سَابِقُوا الآجَالَ! فَإنَّ النَّاسَ يُوشِكُ أنْ يَنْقَطِعَ بِهِمُ الأمَلُ، وَ يَرْهَقَهُمُ الأجَلُ، وَ يُسَدَّ عَنْهُمْ بَابُ التَّوْبَةِ.

  • فَقَدْ أصْبَحْتُمْ في مِثْلِ مَا سَألَ إلَيْهِ الرَّجْعَةَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ (أي أنّكم

    1. لَصَالُوا الْجَحِيمِ مضاف و مضاف إليه؛ و صَالُوا في الأصل صَالُونَ، و هي اسم فاعل جمع، من صَلِيَ يَصْلَى، صَليً و صِليً و صُلْياً و صِلْياً النَّارَ وَ بِهَا: قَاسَى حَرَّهَا وَ أحتَرَقَ بِهَا. و صَالُونَ في الأصل صاليون، ثمّ سقطت الياء في الإعلال. أمّا في باب: صَلَى يَصلِي صَلْياً اللَّحْمَ: شَوَاهُ فَاللَّحْمُ مَصْلِيّ. و فَلَاناً النَّارَ وَ فِيهَا وَ عَلَيْهَا: أدْخَلَهُ إيَّاهَا وَ أثْواهُ فِيهَا.
    2. الآيات 14 إلى 17، من السورة 83: المطفّفون.

معرفة المعاد ج۱۰

197
  • تمتلكون ما سأله الموتى) وَ أنْتُمْ بَنُو سَبِيلٍ على سَفَرٍ مِنْ دَارٍ لَيْسَتْ بِدَارِكُمْ! وَ قَدْ اوذِنْتُمْ مِنْهَا بِالارْتِحَالِ، وَ امِرْتُمْ فِيهَا بِالزَّادِ.

  • وَ اعْلَمُوا أنَّهُ لَيْسَ لِهَذَا الجِلْدِ الرَّقِيقِ صَبْرٌ عَلَى النَّارِ، فَارْحَمُوا نُفُوسَكُمْ فَإنَّكُمْ قَدْ جَرَّبْتُمُوهَا في مَصَائِبِ الدُّنْيَا.

  • أ فَرَأيْتُمْ جَزَعَ أحَدِكُمْ مِنَ الشَّوْكَةِ تُصِيبُهُ، وَ العَثْرَةِ تُدْمِيهِ، وَ الرَّمْضَاءِ تُحْرِقُهُ؟ فَكَيْفَ إذَا كَانَ بَيْنَ طَابَقَيْنِ1 مِنْ نَارٍ، ضَجِيعَ حَجَرٍ وَ قَرِينَ شَيْطَانٍ؟ أ عَلِمْتُمْ أنَّ مَالِكاً إذَا غَضِبَ على النَّارِ حَطَمَ بَعْضُهَا بَعْضاً لِغَضَبِهِ، وَ إذَا زَجَرَهَا تَوَثَّبَتْ بَيْنَ أبْوَابِهَا جَزَعاً مِنْ زَجْرَتِهِ- الخطبة.2

  • و الخلاصة، فإنّ ما تفيده الأبحاث السابقة هو أنّ جهنّم تمثّل الحجاب، و أنّ الحجاب هو الغفلة عن ذكر الله تعالى، و أنّ آثار ذلك الحجاب تتجلّى في هيئة خاصّة في كلّ واحد من العوالم و النشآت تعذّب ذلك الشخص الغافل المحجوب، و أنّ أمثال هذا الشخص محرومون من الحياة الحقيقيّة الاخرويّة.

  • أصل جهنّم هو اليأس من رحمة الله

  • يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ.3

  • وَ لا تَيْأَسُوا (و الكلام ليعقوب النبيّ يخاطب به بنيه) مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ.4

  • وَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ وَ لِقائِهِ أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي

    1. طابق بفتح الباء-( كهاجَر)، و بكسرها أيضاً-( كصاحِب).
    2. «نهج البلاغة» الخطبة 181، ص 347 و 348، طبعة مصر، تعليق الشيخ محمّد عبده.
    3. الآية 13، من السورة 60: الممتحنة.
    4. الآية 87، من السورة 12: يوسف.

معرفة المعاد ج۱۰

198
  • وَ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ.1

  • و تفيد هذه الآيات بأنّ أساس الكفر و الشرك يقوم على عدم التوكّل على الله تعالى، و اليأس من رحمته عزّ و جلّ؛ بحيث لا يرى العبد أنّ له ارتباطاً وثيقاً به سبحانه، بل إنّه قد لا يرى ذلك الارتباط أصلًا، و لا يشاهد شموله بألطاف الله و رحمته اللامتناهيينِ، و لا يعيش على أمل لقائه عزّ و جلّ.

  • و كما نعلم- من جهة اخرى- أنّ دار الآخرة هي عين الرحمة الإلهيّة و منبع كلّ جمال و كمال، و أنّها تجسّد الحياة المحضة، و أنّ رحمة الله تعالى قد شملت جميع العوالم، بَيدَ أنّ رحمته الخاصّة قد اختصّت بالمؤمنين و المتّقين دون غيرهم.

  • وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ.2

  • و تبيّن هذه الآية أنّ جميع الموجودات، و جميع ما يمكن أن يُطلق عليه اسم شيء مشمول بالرحمة الإلهيّة العامة و بفيض الله المقدّس؛ حتّى أنّ تلك الرحمة و ذلك الفيض ليعمّان المشركين و المعاندين أيضاً. أمّا رحمة الله الخاصّة، فلا تشمل غير المؤمنين و المتقين.

  • و بناء على ذلك، فإنّ أصحاب النار مشمولون بالرحمة في عين حرمانهم منها. و هذا الحرمان هو الحجاب الذي القي عليهم فحجزهم عن الإقرار بتوحيد الحضرة الأحديّة المقدّسة و عرفانها.

  • وَ بَيْنَهُما حِجابٌ.3

    1. الآية 23، من السورة 29: العنكبوت.
    2. الآية 156، من السورة 7: الأعراف.
    3. الآية 46، من السورة 7: الأعراف.

معرفة المعاد ج۱۰

199
  • فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَ ظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ، يُنادُونَهُمْ أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قالُوا بَلى.1

  • و يستفاد من هذه الآية بوضوح أنّ المنافقين محرومون من الرحمة في نفس الوقت الذي تشملهم فيه؛ لأنّ تلك الرحمة الخاصّة تقع في باطن الحجاب و الباب و السور، و هؤلاء البائسون عاجزون عن تخطّي ظاهر هذا السور و إيصال أنفسهم إلى باطنه، من أجل نيل تلك الرحمة الخاصّة.

  • الكفّار و المشركون يتخبّطون في حجاب الاوهام

  • إنّ أصحاب النار يرزحون معذّبين في ظاهر الحجاب و السور؛ و حجابهم هو الذي يحرمهم من نعيم الباطن. ثمّ إنّ ظاهر ذلك الحجاب هو ذات الشيء الذي يُعذَّبُونَ به. و قد ذكر الله تعالى بأنّ أصحاب النار يعذّبون على أنواع أعمالهم السيّئة القبيحة، و بما أنّ أعمال أصحاب النار مختلفة و متفاوتة، فإنّ عذابهم مختلف و متفاوت أيضاً. و الأصل و الأساس الذي تتشعّب منه أنواع العذاب المختلفة هو أساس الحجاب، و هو الغفلة و نسيان ذكر الله عزّ و جلّ؛ قال تعالى:

  • وَ لَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَ لَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَ لَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ.2

  • و تبيّن الآية التي أوردنا في مطلع حديثنا: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ، أنّ أصحاب النار موقوفون في حجاب أعمالهم و مبتلون به. فقد سبقها قوله تعالى: كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ.

  • ولذلك فإنّ جميع الأعمال التي تُفعل في هذا الحجاب و لا تتعدى

    1. الآيتان 13 و 14، من السورة 57: الحديد.
    2. الآية 179، من السورة 7: الأعراف.

معرفة المعاد ج۱۰

200
  • الظاهر ستكون سراباً بلا حقيقة و لا واقعيّة، و ستكون باطلة لأنّها متعارضة مع أصالة الواقع و متنه الذي هو أساس التوحيد.

  • و هي باطلٌ قد تَمثّل لفاعله في صورة حقّ، بَيد أنّه ليس حقّاً. و مثوى الباطل و مآله جهنّم، حيث يصبح طعمة للنار التي تتلقّفه لتحرقه و تُحيله هباء منثوراً.

  • وَ قَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً.1

  • وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَ وَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ وَ اللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ.2

  • أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ، جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَ بِئْسَ الْقَرارُ.3

  • وَ الَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَ مَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ.4

  • وَ زُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَ ظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَ كُنْتُمْ قَوْماً بُوراً.5

  • و الخلاصة، فإنّ هذه الآيات و كثير من الآيات الاخرى المماثلة، تُفيد في مجموعها بأنّ منزلة أهل الدنيا و الكفّار و المشركين و المعاندين و المعتدين و أصحاب النار لا تتعدى سراب الأوهام، و أنّهم لا يبلغون الحقيقة مطلقاً، و لا يتعدّون الظاهر لبلوغ الباطن- و لو خطوة واحدة- و أنّهم

    1. الآية 23، من السورة 25: الفرقان.
    2. الآية 39، من السورة 24: النور.
    3. الآيتان 28 و 29، من السورة 14: إبراهيم.
    4. الآية 10، من السورة 35: فاطر.
    5. الآية 12، من السورة 48: الفتح.

معرفة المعاد ج۱۰

201
  • يعيشون في البوار محرومين من الحياة الحقيقيّة. كما تفيد بأنّ محلّ السراب و المجاز و الأوهام و الخيالات الباطلة و التصوّرات الوهميّة إنّما يرجع إلى الدنيا التي هي عيش الغرور و الحياة السرابيّة الاعتباريّة:

  • وَ مَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ.1

  • و على هذا الأساس فالحياة الدنيا- التي هي الحياة الحيوانية الوضيعة باعتبار قيامها على أساس الخديعة و الغرور- ترتبط بجهنّم ارتباطاً خاصّاً؛ و هو ما تفيده الآية الكريمة التالية:

  • لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ.2

  • الآيات الواردة في أنّ وقود جهنّم من الناس و الحجارة

  • و يتّضح ممّا بيّنّا معنى و مضمون كثير من الآيات الاخرى الدالّة على أنّ وقود جهنّم من الناس و من المعبودات المصطنعة؛ كالآية 24، من السورة 2: البقرة: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ لَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَ الْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ.

  • و الآية 6، من السورة 66: التحريم: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَ أَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَ الْحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ.

  • و الآية 10، من السورة 3: آل عمران: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَ لا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَ أُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ.

  • و الآية 98، من السورة 21: الأنبياء: إِنَّكُمْ وَ ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ.3

  • معرفة المعاد ؛ ج10 ؛ ص201
    1. الآية 20، من السورة 57: الحديد.
    2. الآيات 4 إلى 6، من السورة 95: التين.
    3. حسينى طهرانى، سيد محمد حسين، معرفة المعاد، 10جلد، دار المحجة البيضاء - بيروت - لبنان، چاپ: 1، 1416 ه.ق.

معرفة المعاد ج۱۰

202
  • و كما صار معلوماً فإنّ الإنسان يُلقى في النار و يهوي في جحيمها بعصيانه للّه تعالى، و غفلته عن ذكره، و نسيانه إيّاه، حيث إنّ هذا العنوان هو المحجوبيّة التي هي عين النار و الجحيم. بَيد أنّ علينا أن نرى: لما ذا تُلقى الحجارة في نار جهنّم يا ترى؟

  • من الجليّ أنّ المراد بالحجارة هو هذه الأصنام و التماثيل التي تُنحت فتُعبد، لأنّ نفس الخشب و الطين و الحجارة و سائر ما يُستخدم لنحت الأصنام ليس لها من ذنب يستوجب دخولها النار. و لكن بقليل من التأمّل في هذه الآيات سيتبيّن أنّ المُلقى في نار جهنّم و المستحقّ للخلود فيها إنّما هو: مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ؛ أي نفس المعبود الذي يُعبد من دون الله تبارك و تعالى. أي أنّ المعبوديّة من دون الله، التي هي وليدة ذهن عابد الأصنام هي الجهة التي تحترق في النار.

  • و من هنا، فإنّ نفس الإنسان و ما تلذّه نفسه (و هو التخيّل الموهوم لمعبود سوى الله تعالى) سيُلقى في جهنّم فيحترق، و هو حصب جهنّم و وقودها.

  • و على الرغم من أنّ الأصنام ليست مذنبة من تلقاء أنفسها، إلّا أنّ صورتها الخياليّة المعبودة في ذهن العابدين هي التي تمثّل الذنب، و هي التي ينبغي أن تحترق، لأنّها مَعْبُودٌ سِوَى الله تعالى.

  • أمّا لو كانت الآلهة المعبودة ذات نفس ناطقة و إرادة و اختيار، و كانت تدعو قومها لعبادتها، كفراعنة مصر، و قياصرة الروم، و خاقانات الصين، و سلاطين إيران و ملوكها الذين كانوا يأمرون الناس بعبادتهم، و الذين كان أحدهم يعدّ نفسه فَعَّالًا لِمَا يَشَاءُ وَ حَاكِماً لِمَا يُرِيدُ؛ فمن الجليّ أنّ اولئكم مِمَّنْ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ، و ممّن ينبغي أن يُلقى في النار فيحترق فيها.

  • الصالحون الذين صاروا معبودين ليسوا حصب جهنّم

  • بَيد أنّ بعض المعبودين من ذوي النفس الناطقة و الإرادة و الاختيار

معرفة المعاد ج۱۰

203
  • لم يدعوا الناس إلى عبادتهم قطّ، بل الناس هم الذين تخيّلوهم معبودين عن عمى و جهالة، و اعتقدوا أنّ فيهم شيء من الربوبيّة على الرغم من أنّ هؤلاء المعبودين كانوا يُنكرون ذلك و يحاربونه، كالملائكة التي عدّها بعض الناس بنات للّه، و كالنبيّ عيسى ابن مريم، و كعزير، اللذين طَهُرتْ أذيالُهما عن دنس دعوة الناس إلى عبادتهما، و اللذين كانا في نفور و ألم و انزعاج من عبادة بعض الناس لهما، لأنّ من مستلزمات مقام قربهما و خلوصهما، أن لا يعدّا نفسيهما معبودينِ.

  • و قد ذهب الناس من تلقاء أنفسهم إلى عبادتهما و عدّهما مستقلّينِ في الامور، فقالت النصارى بالُوهيّة المسيح و عدّوه ولداً للّه سبحانه أو ثالث ثلاثة؛ و قالت اليهود بأنّ عزيراً ابن للّه؛ فعبدوهما و عكفوا على عبادتهما.

  • أ فينبغي و الحال هذه أن يُحرقا في النار كمصداق لِلْمَعْبُودِ مِنْ دُونِ الله تعالى؟ كلّا و حاشا.

  • ذلك أنّ المعبوديّة لم تكن من جهتهما، و لأنّ الناس هم الذين عدّوهما معبودينِ دون أن يكون لهما دخلًا في هذا الأمر القبيح الذي فعله القوم. فبأيّ ذنب و جريرة يُلقيان في النار؟!

  • و لذلك، فقد أعقبت هاتين الآيتينِ من سورة الأنبياء:

  • لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَ كُلٌّ فِيها خالِدُونَ، لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَ هُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ؛ آيةٌ اخرى جاءت لإيضاح هذا المعنى، و هي قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ.1

  • أنّ عزيراً و عيسى و الملائكة و نظائرهم من عباد الله الصالحين الذين أقرّ الله تعالى أمر خلوصهم و إخلاصهم و قُربهم و صواب عملهم

    1. الآية 101، من السورة 21: الأنبياء.

معرفة المعاد ج۱۰

204
  • و قولهم، و عدم تدنّسهم بشائبة من ادّعاء للربوبيّة، أو ادّعاء لل- «أنا»، هم مستثنون من هذه القاعدة، و أنّهم لن يكونوا حصب جهنّم و وقودها.

  • ذكر الشيخ الطبرسيّ في تفسيره: لمّا نزلت هذه الآية (أي آية إِنَّكُمْ وَ ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ) أتى عبد الله بن الزبعري1 رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم و قال: يا محمّد! أ لستَ

    1. أورد المحدّث القمّيّ في« الكنى و الألقاب» ج 1، ص 283: ابن الزِّبَعْرَى بكسر الزاي و فتح الموحّدة و سكون العين؛ اسمه عبد الله و هو أحد شعراء قريش. كان يهجو المسلمين و يحرّض عليهم كفّار قريش في شعره، و هو الذي يقول في غزوة احد:
      يَا غُرَابَ البَيْن أسْمَعْتَ فَقُلْ--إنَّمَا تَنْدِبُ شَيْئاً قَدْ فُعِلْ
      --
      الأبيات؛ و هي التي تمثّل بها يزيد لمّا جيء برأس الحسين عليه السلام و الأسارى من أهل بيته، فوضع الرأس بين يديه و دعا بقضيب خيزران فجعل ينكت به ثنايا الحسين عليه السلام متمثلًا:
      لَيْتَ أشْيَاخِي بِبَدْرٍ شَهِدُوا--جَزَعَ الخَزْرَجِ مِنْ وَقْعِ الأسَلْ
      --
      و كان ابن الزبعري يهجو النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم و يعظّم القول فيه، و قصّته في الفرث و الدم تقدّم في« أبو طالب»؛ فهرب يوم فتح مكّة، ثمّ رجع الى رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم و اعتذر، فقبل صلّى الله عليه و آله و سلّم اعتذاره. فقال ابن الزبعري في أبيات كثيرة يعتذر فيها:
      إنِّي لَمُعْتَذِرٌ إلَيْكَ مِنَ الذي--أسْدَيْتُ إذْ أنَا في الضَّلَالِ أهِيمُ
      --

      فَاغْفِرْ فِدى لَكَ وَالِدَايَ كِلَاهُمَا--زَلَلِي فَإنَّكَ رَاحِمٌ مَرْحُومُ
      --

      وَ لَقدْ شَهِدْتُ بِأنَّ دِينَكَ صَادِقٌ--حَقٌّ وَ أنَّكَ في العِبَادِ جَسِيمُ
      --
      روي أنّه لمّا نزل قوله تعالي« إنّكم و ما تعبدون من دون الله حصب جهنّم»؛ قال ابن الزبعري: أما و الله لو وجدتُ محمّداً صلّى الله عليه و آله و سلّم لَخَصَمْتُهُ، فاسألوا محمّداً صلّى الله عليه و آله و سلّم أ كلّ ما يُعبد مِن دون الله في جهنّم مع مَن عبده؟ فاخبر النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم، فقال: يا ويل امّه! أ ما علم أنّ« ما» لما لا يعقل و« مَن» لمن يعقل؟! فنزل« إنّ الذين سبقت لهم منّا الحسنى اولئِك عنها مبعدون».
      و يقول الزركليّ في« الأعلام» ج 4، ص 218: عبد الله بن الزبعري بن قيس السهميّ القرشيّ، أبو سعد: شاعر قريش في الجاهليّة. كان شديداً على المسلمين الى أن فُتحت مكّة، فهرب الى نجران، فقال فيه حسّان أبياتاً، فلمّا بلغته عاد الى مكّة فأسلم و اعتذر و مدح النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم فأمر له بُحلّة.

معرفة المعاد ج۱۰

205
  • تزعم أن عُزيراً رجل صالح، و أنّ عيسى عليه السلام رجل صالح، و أنّ مريم امرأة صالحة؟ قال: بلى. قال: فإنّ هؤلاء يُعْبَدون من دون الله، فهم في النار. فأنزل الله هذه الآية: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ.

  • [ثمّ قال] أي أنّ الذين سبقت لهم منّا الحسنى: عيسى و عزير و مريم و الملائكة الذين عُبدوا من دون الله و هم كارهون، استثناهم من جملة: لِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ.1

  • علماً أنّ لفظ الاستثناء لم يرد في الرواية، بل هو من كلام الشيخ الطبرسيّ، و ما جاء في الرواية هو أنّهم من مصداق الآية الشريفة: الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى. و عليه، فهم بعيدون عن جهنّم.

  • و يمكن استنتاج موضوع مهمّ في هذا الشأن من خلال التأمّل و التعقّل، و هو أنّ الآية لا تضمّ استثناءً ما. و لبيان هذا المطلب نقول: إنّ الأحكام العقليّة و القوانين و الأحكام الشرعيّة القائمة على الاسس العقليّة، و ليس فيها من معنى للاستثناء. و إذا ما شاهدنا أمراً في هيئة استثناء، فما هو إلّا استثناء صوريّ ليس إلّا، أمّا حقيقة فليس ثمّة من استثناء يذكر.

  • إنّ المَعْبُودَ مِنْ دُونِ اللهِ ينبغي أن يكون حصب جهنّم، و لا يمكن لهذا الأمر أن يطرأ عليه الاستثناء.

  • و بناء على أساس هذه القاعدة العامّة، فكلّ من يحمل في نفسه شائبة

    1. «تفسير مجمع البيان» ج 4، ص 64 و 65، طبعة صيدا.

معرفة المعاد ج۱۰

206
  • من «الأنا»، فإنّ تلك «الأنا» ستكون الحجاب الذي يحجبه، و ستؤدّي به إلى جهنّم.

  • فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَ الشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا.1

  • و يبيّن تخاطب أصحاب الجنّة و أصحاب النار أنّ حقيقة جهنّم هي ظهور البُعد عن رحمة الحقّ تعالى، الذي يستتبع الحسرة و الندامة؛ و أنّها ناشئة من حجاب الاستكبار و الأنانيّة و الجهل بالحقّ سبحانه و تعالى.

  • فقد ورد في الآيات 165 إلى 167، من السورة 2: البقرة: وَ لَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ، إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَ رَأَوُا الْعَذابَ وَ تَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ، وَ قالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَ ما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ.

  • تخاطب أصحاب النار مع بعضهم

  • و جاء في الآيات 46 إلى 50، من السورة 40: المؤمن:

  • (يخاطب الله تعالى ملائكته قائلًا:) وَ يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ، وَ إِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِنَ النَّارِ، قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيها إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ، وَ قالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذابِ، قالُوا أَ وَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فَادْعُوا وَ ما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ.

  • و جاء في الآيات 64 إلى 68، من السورة 33: الأحزاب:

  • إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ وَ أَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً، خالِدِينَ فِيها أَبَداً

    1. الآية 68، من السورة 19: مريم.

معرفة المعاد ج۱۰

207
  • لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَ لا نَصِيراً، يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللَّهَ وَ أَطَعْنَا الرَّسُولَا، وَ قالُوا رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَ كُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا، رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ وَ الْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً.

  • و جاء في الآيات 27 إلى 29، من السورة 41: حم السجدة:

  • فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذاباً شَدِيداً وَ لَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ، ذلِكَ جَزاءُ أَعْداءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ، وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ.

  • و من أجلى الآيات التي تظهر الفرق بين الجنّة و النار، و تميّز بين أصحابهما، و تُلقي الضوء على العلاقة بين أعمالهم و جزائهم، سواء كانت تلك الأعمال حسنةً أم قبيحة، الآيات 34 إلى 41، من السورة 79: النازعات:

  • فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى، (و هي حادثة يوم القيامة) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى، وَ بُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى، فَأَمَّا مَنْ طَغى وَ آثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا، فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى، وَ أَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَ نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى، فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى.

  • عذاب الكفّار الذين يفعلون الخيرات أقلّ شدّة

  • و على أساس هذه القاعدة، فإنّ مَن قلّ التفاته إلى الدنيا، و أعرض عن زينتها، و عظم انشغاله بأعمال الخير، كان أبعد عن النار، حتّى لو كان ذلك الشخص مشركاً، لأنّ نفس عمل الخير يستدعي في حدّ ذاته تخفيف العذاب.

  • روى الراونديّ في كتابه «النوادر» بإسناده عن الإمام موسى بن جعفر، عن آبائه عليهم السلام، قال:

  • قَالَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ: إنَّ أهْوَنَ أهْلِ النَّارِ عَذَاباً

معرفة المعاد ج۱۰

208
  • ابْنُ جَذْعَانَ. فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ! وَ مَا بَالُ ابْنِ جَذْعَانَ أهْوَنُ أهْلِ النَّارِ عَذَاباً؟ قَالَ: إنَّهُ كَانَ يُطْعِمُ الطَّعَامَ.1

  • و روى الكلينيّ عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن سنان، عن عبد الله بن مسكان، عن عبيد الله بن الوليد الوصّافيّ، عن أبي جعفر (الباقر) عليه السلام، قال:

  • إنّ مؤمناً كان في مملكة جبّار، فولع به، فهرب منه إلى دار الشرك، فنزل برجلٍ من أهل الشرك فأظلّه و أرفقه و أضافه، فلمّا حضره الموت أوحى الله عزّ و جلّ إليه: و عزّتي و جلالي لو كان لك في جنّتي مسكن لأسكنتُك فيه، و لكنّها محرّمة على مَن ماتَ بي مشركاً، و لكن يا نار هيديه2 و لا تؤذيه، و يؤتى برزقه طرفي النهار.

  • قلت (و الكلام لراوي الحديث عبد الله الوصّافيّ): من الجنّة؟ قال: من حيث شاء الله.3

  • إنّ سبيل الجنّة هو صراط النفس المستقيم صوب مقام الفعليّة و كمال العرفان الإلهيّ؛ و سبيل جهنّم هو الانحراف عن هذا السبيل بأيّ شكل و نحوٍ كان. و على الناس أن يصلوا في تشخيص هذا السبيل إلى درجة العقل و الإدراك و التفقّه في الدين، أو أن يُتابعوا الوليّ الكامل و الفقيه النبيه، من أجل أن يتخطّوا ذواتهم خارجاً، و ليدخلوا في حرم الله من خلال طيّ هذا السبيل. و ليس أمام الناس من سبيل ثالث، اللهّم إلّا سبيل النار و الانحراف و الهلكة.

  • (لقد اعترف أصحاب النار يوم القيامة ف-) قالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ

    1. «بحار الأنوار» ج 8، ص 316، الطبعة الحروفيّة.
    2. هيديه: أزيليه- حركيه.
    3. «بحار الأنوار» ج 8، ص 314 و 315 الطبعة الحروفيّة، عن« الكافي».

معرفة المعاد ج۱۰

209
  • ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ، فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ (بأنّهُ كان ينبغي عليهم إمّا أن يطووا السبيل إلى الله و يرفعوا الحجب الظلمانيّة و النورانيّة بالاعتماد على أنفسهم بصورة مستقلّة، أو أن يعمدوا إلى الطاعة و المتابعة، فيتمسّكوا بالتقليد المحض) فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ.1

  • لكنّ الحجاب الذي يحجب العبد عن الله تعالى، و الغفلة عن ذكره عزّ و جلّ، لهما صور و أشكال مختلفة، و لهما درجات تتراوح بين الشدّة و الضعف. كما أنّ لكلّ درجة خاصّة من هذا الحجاب و الحرمان عن لقاء الله سبحانه مظاهر و مجالات مختلفة.

  • و يتّضح من الرواية المعراجيّة لرسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم التي كشفت له صلّى الله عليه و آله و سلّم كثيراً من مسائل الجنّة و النار، أمر الارتباط بين نوع الذنب و نوع الجزاء.

  • و نورد في هذا المجال قسماً من هذه الرواية كما جاءت في كتاب «عيون أخبار الرضا».

  • حديث المعراج و كيفيّة عذاب النساء العاصيات

  • يروي الصدوق عن الورّاق، عن الأسديّ، عن سَهْل، عن عبد العظيم الحسنيّ، عن محمّد بن عليّ، عن أبيه الرضا، عن آبائه، عن أمير المؤمنين صلوات الله عليهم أجمعين، قال:

  • دخلتُ أنا و فاطمة على رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم فوجدته يبكي بكاءً شديداً. فقلتُ: بأبي أنتَ و امّي يا رسول الله، ما الذي أبكاك؟ قال: يا عليّ؛ ليلة اسري بي إلى السماء رأيتُ نساءً من امّتي في عذابٍ شديد، فأنكرتُ شأنهنّ فبكيتُ لما رأيتُ من شدّة عذابهن. و رأيتُ امرأةً معلّقةً بشعرها. يغلي دماغ رأسها؛ و رأيتُ امرأةً معلّقة بلسانها و الحميم

    1. الآيتان 10 و 11، من السورة 67: الملك.

معرفة المعاد ج۱۰

210
  • يُصبّ في حلقها؛ و رأيتُ امرأةً معلّقة بثديها؛ و رأيت امرأة تأكل لحم جسدها و النار تُوقد من تحتها؛ و رأيتُ امرأةً قد شُدّ رجلاها إلى يديها و قد سُلّط عليها الحيّات و العقارب؛ و رأيتُ امرأةً صمّاء عمياء خرساء في تابوتٍ من نار يخرج دماغ رأسها من منخرها، و بدنها متقطّع من الجذام و البرص؛ و رأيتُ امرأةً معلّقة برجليها في تنوّر من نار؛ و رأيت امرأةً تقطّع لحم جسدها من مقدّمها و مؤخّرها بمقاريض من نار؛ و رأيتُ امرأةً يُحرق وجهها و يداها و هي تأكل أمعاءها؛ و رأيتُ امرأةً رأسُها رأس خنزير، و بدنها بدن الحمار، و عليها ألف ألف لونٍ من العذاب؛ و رأيتُ امرأةً على صورة الكلب، و النار تدخل في دبرها و تخرج من فيها، و الملائكة يضربون رأسها و بدنها بمقامع من نار.

  • فقالت فاطمة عليها السلام: حبيبي و قُرّة عيني؟ أخبرني ما كان عملهنّ و سيرتهنّ، حتّى وضع الله عليهنّ هذا العذاب؟

  • فقال: يا بنتي! أمّا المعلّقة بلسانها، فإنّها كانت تُؤذي زوجها؛ و أمّا المعلّقة بثديها، فإنّها كانت تمتنع من فراش زوجها؛ و أمّا المعلّقة برجليها، فإنّها كانت تخرج من بيتها بغير إذن زوجها؛ و أمّا التي كانت تأكل لحم جسدها، فإنّها كانت تزيّن بدنها للناس؛ و أمّا التي شُدّت يداها إلى رجليها و سُلِّط عليها الحيّات و العقارب، فإنّها كانت قذرة الوضوء قذرة الثياب، و كانت لا تغتسل من الجنابة و الحيض و لا تتنظّف، و كانت تستهين بالصلاة؛ و أمّا العمياء الصمّاء الخرساء، فإنّها كانت تلد من الزنا فتعلّقه في عنق زوجها؛ و أمّا التي تقرض لحمها بالمقاريض، فإنّها كانت تعرض نفسها على الرجال؛ و أمّا التي كانت تحرق وجهها و بدنها و هي تأكل أمعاءها، فإنّها كانت قوّادة؛ و أمّا التي كان رأسها رأس خنزير و بدنها بدن الحمار، فإنّها كانت نمّامة كذّابة؛ و أمّا التي كانت على صورة الكلب و النار

معرفة المعاد ج۱۰

211
  • تدخل في دبرها و تخرج من فيها، فإنّها كانت قَيْنة نوّاحة حاسدة.

  • ثمّ قال عليه السلام: ويلٌ لأمرأة أغضبت زوجها، و طوبى لامرأة رضي عنها زوجها.1

  • الطوائف الخمس الذين تطحنهم جهنّم

  • .... اصلاحات ياءfehresmaad shenasi maad 01 .hm -6 و يروي الصدوق في «الخصال» عن أبيه، عن الحِميريّ، عن هارون ابن مسلم، عن مسعدة بن زياد، عن أبي عبد الله (الصادق) عليه السلام، عن آبائه، عن عليّ عليهم السلام، قال: إنّ في جَهَنَّمَ رَحى تَطْحَنُ خَمْساً؛ أ فَلَا تَسْألُونِي مَا طِحْنُهَا؟!

  • فَقِيلَ لَهُ: وَ مَا طِحْنُهَا يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ؟!

  • قَالَ: العُلَمَاءُ الفَجَرَةُ، وَ القُرَّاءُ الفَسَقَةُ، وَ الجَبَابِرَةُ الظَّلَمَةُ، وَ الوُزَرَاءُ الخَوَنَةُ، وَ العُرَفَاءُ الكَذَبَةُ.

  • وَ إنَّ في النَّارِ لَمَدِينَةٌ يُقَالُ لَهَا: الحَصِينَةُ؛ أ فَلَا تَسْألُونِي مَا فِيهَا؟!

  • فَقِيلَ لَهُ: وَ مَا فِيهَا يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ؟

  • فَقَالَ: فِيهَا أيْدِي النَّاكِثِينَ.2

  • كما روى الصدوق في «العيون» بسنده المتّصل عن الرضا عليه السلام، قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ: الوَيْلُ لِظَالِمِي أهْلِ بَيْتِي، كَأنِّي بِهِمْ غَداً مَعَ المُنَافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ.3

  • و روى في «العيون» بنفس السند، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم:

  • إنّ قاتلَ الحسين بن عليّ عليهما السلام في تابوت من نار، عليه

    1. «عيون أخبار الرضا» ص 213 و 214، الطبعة الحجريّة؛ و ج 2، ص 10 و 11، الطبعة الحروفيّة.
    2. ( 2 و 3)-« الخصال» للصدوق، ج 1، ص 142، باب الخمسة، الطبعة الحجريّة.
    3. ( 2 و 3)-« الخصال» للصدوق، ج 1، ص 142، باب الخمسة، الطبعة الحجريّة.

معرفة المعاد ج۱۰

212
  • نصف عذاب أهل الدنيا، و قد شدّت رجلاه بسلاسل من نار، منكّس في النار، حتّى يقع في قعر جهنّم، و له ريح يتعوّذ أهل النار إلى ربّهم من شدّة نتنه، و هو فيها ذائق العذاب الأليم مع جميع من شايع على قتله، كلّما نضجت جلودهم بدّل الله عزّ و جلّ عليهم الجلود حتّى يذوقوا العذاب الأليم، لا يفتر عنهم ساعةً و يُسقون من حميم جهنّم، فالويلُ لهم من عذاب الله تعالى في النار.1

  • و جاء في التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ عليه السلام: ألا و إنّ الراضين بقتل الحسين عليه السلام شركاء قتله. ألا و إنّ قتلته و أعوانهم و أشياعهم و المقتدين بهم براء من دين الله، و إنّ الله ليأمر ملائكته المقرّبين أن يتلقّوا دموعهم المصبوبة لقتل الحسين إلى الخزّان في الجنان، فيمزجونها بماء الحَيَوَان فتزيد عذوبتها و يلقونها في الهاوية و يمزجونها بحميمها و صديدها و غسّاقها و غِسلينها فتزيد في شدّة حرارتها و عظيم عذابها ألف ضِعفها، تشدّد على المنقولين إليها من أعداء آل محمّد و عذابهم.2

    1. «عيون أخبار الرضا» ص 241، ب 30، الطبعة الحجريّة؛ و ج 2، ص 47، الطبعة الحروفيّة.
    2. «بحار الأنوار» ج 8، ص 311 و 312، عن« تفسير الإمام العسكريّ عليه السلام».

معرفة المعاد ج۱۰

214
  •  

  •  

  • المَجْلِسُ الخَامِسُ وَ السَّبْعُونَ: خُلُودُ الحَياةِ في الجَنَّةِ وَ جَهَنَّمَ

  •  

  •  

معرفة المعاد ج۱۰

216
  •  

  •  

  • بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

  • الحمد للّه ربّ العالمين و لا حول و لا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم

  • و صلّى الله على محمّد و آله الطاهرين

  • و لعنة الله على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين

  • قال الله الحكيم في كتابه الكريم:

  •  

  •  

  • يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَ سَعِيدٌ، فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَ شَهِيقٌ، خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ، وَ أَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ.1

  • نشاهد في هذه الآيات المباركة أنّ مكث الأشقياء في النار و مكث أصحاب الجنّة فيها سيكونان دائمينِ، و أنّ الآيات قد صرّحت في خصوص كلا الموردين بأنّ هذا الخلود منوط بمشيئة الله تعالى، و أنّه إذا شاء أخرج الطائفة التي يشاء من موضعها.

  • و من الجليّ- عقلًا و شرعاً- أنّ أصحاب الجنّة لا يغادرونها أبداً، لذا فإنّ استثناء إلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ في شأن السعداء لا يدلّ على تحقّق خروجهم و وقوعه في الخارج، بل ينحصر مدلوله في بيان قهّاريّة الحقّ سبحانه و غلبة

    1. الآيات 105 إلى 108، من السورة 11: هود.

معرفة المعاد ج۱۰

217
  • مشيئته. أي أنّ إرادة الله المتعال و مشيئته مقدّمتان على كلّ شيء و حاكمتان عليه و أنّ أي قانون أو قاعدة لا يُحيطان أبداً بمشيئة الحقّ تعالى و لا يُخضعها لحكمهما، و أنّ إرادة الحقّ و اختياره ممّا لا يُغلب و لا يُقهر أبداً.

  • إنّ أصحاب الجنّة ماكثون فيها أبداً، و لكن بإرادة الله و مشيئته و أصحاب النار ماكثون فيها أبداً، إلّا أن يشاء الله سبحانه. أي أنّ إرادة الله و مشيئته في حقّهم أعلى من كلّ قانون و وعد، و أنّهم- في حال خلودهم- خاضعون لإرادة الله عزّ و جلّ، فإن شاء أخرجهم منها دون أن يصدّه مانع أو يردعه رادع.

  • و هذا الاستثناء الذي يُعرف في تعبير أصحاب التفسير و العرفان باستثناء المشيئة يفيد هذا المعنى.

  • و أمثال هذا الاستثناء بقسميه الاصطلاحيّ و الحقيقيّ كثير في القرآن الكريم، كما في الآيتين 6 و 7، من السورة 87: الأعلى، سَنُقْرِئُكَ (و الخطاب للنبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم) فَلا تَنْسى، إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ.

  • و كما في الآية 48، من السورة 5: المائدة: وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَ لكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ.

  • و الآية 35، من السورة 6: الأنعام: وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ.

  • و على أيّة حال، فقد جاءت نظير الآية مورد البحث آيات كثيرة في القرآن الكريم تتحدّث عن خلود أصحاب الجنّة و النار فيهما، كالآيات 6 الى 8، من السورة 98: البيّنة. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَ الْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ، إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ، جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ

معرفة المعاد ج۱۰

218
  • جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ.

  • و الآية 11، من السورة 65: الطلاق: وَ مَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَ يَعْمَلْ صالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً.

  • و الآية 23، من السورة 72: الجنّ: وَ مَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً.

  • و آيات الخلود كثيرة في القرآن الكريم كما نوّهنا، و إنّما ذكرنا بعضها من باب المثال لا الحصر. و مضافاً إلى الآيات القرآنيّة فقد دلّت الروايات الواردة عن المعصومين عليهم السلام على الخلود من خلال التواتر المعنويّ، كما ادُّعي الإجماع على خلود المحسنين في الجنّة و الكافرين في النار. و سنشرع بحول الله و قوّته في إثبات الخلود بالدليل العقليّ، و ذلك يستلزم منّا بيان عدّة مقدّمات.

  • بيان أربع مقدّمات لإثبات الدليل العقليّ على الخلود

  • المقدّمة الاولى: أنّ العالم الذي نعيش فيه هو عالم الحركة و القوّة و القابليّة، الذي يقود النفس الإنسانيّة الناطقة إلى كمال فعليّتها في السعادة أو الشقاء.

  • و هذه النفس الإنسانيّة ليست جامدة واقفة في مسيرتها التكامليّة، بل هي متحرّكة على الدوام، كما في البدن المتحرّك المتغيّر على الدوام. و هي في حركة جوهريّة دائبة تقوم فيها بإيصال درجات قوّتها و قابليّتها إلى مرحلة الفعليّة؛ بخلاف عالم القيامة الذي هو عالم التجرّد و عالم نشأة الفعلية المحضة، و عالم الثبات و الاستقرار. و باعتبار طلوع حقيقة النفس في عالم القيامة، فإنّها سترى نفسها ثابتة غير متحرّكة، لأنّها أضحت روحاً مجرّدة.

معرفة المعاد ج۱۰

219
  • و ستشاهد النفس الناطقة في ذلك العالم كلّ ما اكتسبته في هذا العالم، بَيد أنّها ستجده يوم القيامة ثابتاً و مستقرّاً و حاضراً، مع أنّها قد اكتسبته في هذا العالم بالتدريج. و هذا الأمر من لوازم اختلاف العالمينِ و النشأتينِ. إذ: اليَوْمَ عَمَلٌ وَ لَا حِسَابٌ، وَ غَداً حِسَابٌ وَ لَا عَمَلٌ.

  • وَ مَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَ أَضَلُّ سَبِيلًا.1

  • فالدنيا- إذاً- هي محلّ الكسب و التجارة و الزراعة، أمّا الآخرة فدار جني المنافع و العوائد.

  • المقدّمة الثانية: أنّ الآخرة هي باطن الدنيا و حقيقتها، و أنّ الدنيا هي ظاهر عالم الآخرة. و هذان العالمان متداخلان، إلّا أنّهما ليسا في عرض بعضهما، بل في طول بعضهما؛ بل هما في واقع الأمر حقيقة واحدة قد تجلّت في هيئتينِ و صورتين هما الدنيا و العقبى؛ و هاتان الصورتان متفاوتتان بلحاظ الإدراك و التعقّل.

  • فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ (أيّها الإنسان) فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ.2

  • هذا العالم هو عالم الظاهر المبتلى بالغرور و الزينة و الخداع و رعاية المظاهر، و بالحجاب و الغفلة عن الله تعالى. أمّا ذلك العالم فهو عالم الباطن و الحقيقة، و عالم إزاحة الستار و ظهور نور التوحيد في مظاهر عالم الإمكان.

  • و من هنا، فإنّ ذلك العالم يمثّل تجسّد أعمال هذا العالم في صورتها الحقيقيّة الملكوتيّة بلا زيادة و لا نقصان. فما زرع المرء سيحصده؛ و ما فعل في هذا العالم سيجده هناك في صورته الحقيقيّة. و سيجد الإنسان

    1. الآية 72، من السورة 17: الإسراء.
    2. الآية 22، من السورة 50: ق.

معرفة المعاد ج۱۰

220
  • المختار نفسه و اختياره و جميع أعماله التي فعلها بإرادته في هذه الدنيا في هيئة ثابتة مستقرّة.

  • فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ.1

  • المقدّمة الثالثة: أنّ جميع الأفراد في حركةٍ باتّجاه الله تعالى. لا يستثني من هذا الأمر فقير أو غنيّ؛ و لا عالِم أو جاهل؛ و لا مؤمن أو كافر؛ و لا رجل أو امرأة؛ و لا شيخ أو شابّ؛ و لا عادل أو فاسق، و ما إلى ذلك؛ فسيرشف الجميع شراب الموت من كأس تجلّي جلال الله تعالى و قهّاريّته، فَهَنِيئاً لَهُمْ؛ ليحصلوا من ثمّ على مقام الفناء في ذاته عزّ و جلّ، و هذا الفَنَاءُ في الله تعالى هو فناء لا يبقى معه اسم و لا رسم؛ و لا دنيا و لا آخرة؛ و لا مادّة و لا تجرّد، لأنّ مقام الفناء هو مقام الانعدام المحض. و من الواضح أنّ كلّ شيء يحتوي على شائبة من التعيّن، و يُشَمّ منه رائحة من وجود، فلا سبيل له إلى ذلك المقام:

  • لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ.2

  • كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ.3

  • هُوَ يُحيِي وَ يُمِيتُ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.4

  • يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَ يَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ وَ إِلَيْهِ تُقْلَبُونَ.5

  • و في هذا المقام ينتفي التعيّن و التشخّص، إذ ليس من شيء إلّا الله تعالى.

    1. الآيتان 7 و 8، من السورة 99: الزلزلة.
    2. الآية 16، من السورة 40: غافر.
    3. الآية 93، من السورة 21: الأنبياء.
    4. الآية 56، من السورة 10: يونس.
    5. الآية 21، من السورة 29: العنكبوت.

معرفة المعاد ج۱۰

221
  • المقدّمة الرابعة: ثمّ يعقب عالَم الموت و الفناء المحض في ذات الحضرة الأحديّة سبحانه و تعالى عالم الوجود و الحياة و البقاء بعد الفناء، و هو عالم يُعبّر عنه بعالم البَقَاءِ بِاللهِ سبحانه.

  • و في هذا العالم تنزل النفس الناطقة من عالم اللاهوت إلى عالم الجبروت، و تجد بالله تعالى كلّ ما امتلكته سابقاً من عقائد و مَلَكات و نوايا و صفات أعمال؛ تجده في نفسها و تدركه بالوجدان، و تحسّ به شهوداً و عياناً ملازماً لها و ملاصقاً، بل إنّها تشاهده بأجمعه من شئونها و تجلّياتها.

  • سوف يجد المؤمن إيمانه، و يقترن المحسن بإحسانه؛ و كذلك فسوف يجد الكافر كفره، و يجد المسيء إساءته ممسكة بتلابيبه.

  • و كلٌّ منهم سيخلّد مع أعماله، لأنّ تلك الأعمال أضحت جزءاً منه، و لأن تغيّر الشخصيّة و الهويّة و الماهيّة محال و غير معقول في هذا المقام.

  • لقد كانت أعمال المرء عبارة عن آثاره المتولّدة من نفسه و ظهوره و تجلّيه و معلوله و ما نشأ منه، و لذا ستكون قرينه الذي لا ينفكّ عنه أبداً، و هو ما يدعى بالخلود.

  • خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ.

  • فليس الفناء في ذات الله هنا، و ليس هذا العالم عالَم الفناء، و لأنّ ذات الله سبحانه غير محدودة و لا متعيّنة ببقاء السماوات و الأرض، بل هذا العالم هو عالم البقاء، المشتمل للسماوات و الأرض، و الإيمان و الكفر، و الضحك و البكاء، و الإحسان و العدوان، و الخير و الشرّ.

  • و ستوجد جميع الكثرات في هذا العالم دون زيادة أو نقصان قيد شعرة، لأنّها ستوجد بِاللهِ تَعَالَى؛ أي لا يمكن للنفس الناطقة أبداً أن تشاهد نفسها في حجاب الغفلة و الوهم، أو أن تلحظ ذاتها محجوبة عن الحقّ عزّ و جلّ، بل إنّها ثابتة دائماً بجميع جوانب هويّتها الوجوديّة

معرفة المعاد ج۱۰

222
  • و شخصيّتها و آثارها و أعمالها مع شهود و لقاء حضرة كبريائه تعالى.

  • و لو نُقل شخص ما إثر التوبة أو الشفاعة و أمثالهما إلى درجة أعلى، فإنّ نفس هذه التوبة أو الشفاعة ستكون مشهودة أيضاً في صورتها الملكوتيّة، و ستظهر كستار يغطّي الأفعال القبيحة السابقة أو يمحوها؛ و لذلك فإنّ الخُلُودَ هو حقيقة لا يمكن إنكارها أبداً.

  • و يتبيّن من خلال هذه المقدّمات أنّ الخلود هو أمر قهريّ و تحقّق عينيّ، و أنّ ما ورد في هذا الشأن في الآيات المباركة و الروايات قد كان بياناً لهذه الحقيقة.

  • و نذكر مثالًا لإيضاح هذا المعنى: افرضوا أنّ هناك عدّة أشخاص يمتهن أحدهم الخطّ و يمتهن الثاني الرسم، و الثالث النجارة، بينما يمتهن الرابع الحدادة؛ و هم أحياء و يمتلكون مَلَكات الخطّ و الرسم و النجارة و الحدادة. و هنا، فاختلافهم في مَلَكات هذه الصناعات أمر لا شكّ فيه.

  • و افرضوا الآن أنّ هؤلاء الأشخاص الأربعة قد تعرّضوا إلى حالة إغماء أو تخدير، سواء عن طريق تناول دواء مخدّر أو عن طريق تعرّض القلب لصدمة ما، فسقطوا على الأرض فاقدي الوعي.

  • و حينها ستجدون أنّ ليس في هؤلاء الأشخاص خطّاط و لا رسّام و لا نجّار و لا حدّاد، و أنّ أيّاً منهم لا يمتلك الملكة التي سبق له امتلاكها، و أنّهم سيكونون مغمورين في عالم من الفناء و العدم.

  • و افرضوا ثالثاً أنّ هؤلاء الأشخاص قد أفاقوا من جديد، فستجدون ملكاتهم قد عادت إليهم، فيصبح للنجّار مَلَكة النجارة، و للخطّاط ملكة الخطّ، و سيعود كلّ منهم إلى حالته السابقة، فلا يصبح النجّار حداداً و لا الحداد نجّاراً، و كذا الحال بالنسبة للخطّاط و الرسام. نعم سيرجع كلّ منهم الى موضعه السابق، و يزاول خصوص نوع الفنّ الذي اختصّ فيه من

معرفة المعاد ج۱۰

223
  • قبل. فخطّاط خطّ الثُّلث- على سبيل المثال- لن يصبح خطّاطاً لخطّ النستعليق، كما أنّ الحدّاد لن يتحوّل إلى لحّام، و هكذا. و هذه الحال هي حال الوجود و البقاء الحاصل بعد الفناء عموماً.

  • و يمكنكم- على أساس هذه المثال- أن تدركوا مثال الفَنَاءِ في اللهِ و البَقَاءِ بِاللهِ، فتعلموا أنّ عالم الفناء هو عالم ليس فيه من شيء سوى الذات الأحديّة، و هو عالم لا يمكن لأحدٍ فيه أن يدّعي الوجود و ينفخ في بوق الأنا.

  • أمّا في عالم البقاء، فإنّ جميع الموجودات تعود إلى مواضعها، فتخلّد في ملكاتها و صفاتها و سيرتها.

  • و قد أوردنا هذه المقدّمات بشكل وافٍ في بحث المعاد الجسمانيّ مدعمة ببعض المقدّمات الاخرى (انظر المجلس 39، الجزء السادس) و علمنا من خلالها أن العدم سوف لن يصيب أي موجود، لأنّ الوجود مغاير في ذاته للعدم و الفناء. و أنّ التغيّر في أوصاف الموجود و أطواره لا يستوجب فناء ذلك الموجود في ظرف ذلك الموجود و مع تعيّناته و تشخّصه. و من هنا، فما يوجد في عالم الوجود، و لو بقدر ذرّة واحدة و للحظة واحدة، سوف يستحيل فناؤه و بطلانه في تلك اللحظة.

  • نعم، يمكن أن تفنى تلك الذرّة في لحظة اخرى، إلّا أنّ ذلك الفناء سوف لن يكون فناء لحقيقة تلك الذرّة في الزمان الأوّل. و من ثمّ فإنّ العمل الحسن أو السيّئ الذي يفعله الإنسان سيبقى ثابتاً في عالم الدهر و ظرف التكوين، ممتنعاً عن الفناء و الزوال.

  • و لذلك، فكلّ عمل يقوم به الإنسان سيخلّد فيه، لأنّه عمله و قرينه الذي لا يفنى. و كلّ ما في الأمر أنّ ذلك العمل سيختفي عن أنظاره خلال الحركة و التدرّج، على الرغم من بقائه ثابتاً في ظرف الدهر و بعد فناء

معرفة المعاد ج۱۰

224
  • الإنسان في ذات الله تعالى، ذلك الفناء الذي يمثّل غاية سير الإنسان.

  • وَ أَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى.1

  • و حين يحصل البقاء، و يعود الإنسان من الفناء إلى الوجود، فإنّه سيشاهد تلك الأعمال في صورها الملكوتيّة الحقيقيّة. و ستبقى تلك الأعمال أبداً في تلك الصور الملكوتيّة، لأنّ عالم البقاء هو عالم لا فناء فيه، و يبقى الموجود فيه موجوداً إلى الأبد. و ستتجلّى الأعمال في صورها الملكوتيّة الخاصّة بالجنّة أو النار، و ستكون قرينة الإنسان و رفيقه الدائميّ، و ستكون ممتنعة على التغيّر و التبدّل، ممتنعة من أن يطرأ عليها ضعف أو فتور، أو موت أو فناء، لأنّ الحياة في ذلك العالم دائميّة أبديّة.

  • و قد اتّضح بما قيل أنّ جميع الإشكالات التي أوردها البعض على أمر الخلود باطلة بأجمعها بلا استثناء.

  • و قد مرّ في المجلس السبعين من هذا الجزء كيف أنّ النظام المعتزليّ عدّ الخلود منافياً لبقاء الله تعالى في مباحثته مع هشام بن الحكم، إذ قال النظام: إنّ أهل الجنّة لا يبقون في الجنّة بقاء الأبد، فيكون بقاؤهم كبقاء الله، و محال أن يبقوا كذلك.

  • فردّ عليه هشام قائلًا: إنّ أهل الجنّة يبقون بِمُبْقٍ لهم، و الله يبقى بلا مُبْقٍ؛2 أي أنّ بقاء الله تعالى ذاتيّ، و بقاء الموجودات بالله تعالى. أي أنّ بقاءه تعالى واجب، و بقاء الممكنات ممكن، و هذا هو أكبر فرق، بل الفرق الأساسيّ بين ذات واجب الوجود و سائر الموجودات. و شاهدنا هو

    1. الآية 42، من السورة 53: النجم.
    2. «رجال الكشّيّ» ص 177، طبعة بمبي؛ و ج 2، ص 552، مؤسّسة آل البيت عليهم السلام.

معرفة المعاد ج۱۰

225
  • كيفيّة ردّ هشام على النظام بمثال بديع فأبطل إشكاله و برهن له على أمر الخلود.

  • و من جملة الإشكالات التي وردت على أمر الخلود: أنّ الإنسان يعمّر عادة فيعيش مائة سنة أو أكثر بقليل؛ و لو فُرض أنّ شخصاً قضى جميع عمره في الكفر و الشرك و الظلم و الفسق و الفجور، ثمّ مات، فبأيّ علّة سيُعذّب إلى الأبد؟ و هذا المقدار من الزمان الذي يُدعى عمراً إذا قيس مع طول الدهر، فسيكون كالذّرة مقابل الشمس، أو كالقطرة مقابل البحار و المحيطات. لذا، فسيكون من الظلم إنزال هذا العقاب العظيم على جناية و خيانة استغرقت عمراً واحداً، فضلًا عن الجناية التي لا تستغرق العمر كلّه، أو عن الكفر أو الشرك أو الزندقة أو الظلم التي قد تبدر من المرء في أواخر عمره، ثمّ يموت و يرتحل عن الدنيا و هو على شركه و ظلمه.

  • الإجابة على الإشكالات الواردة على أمر الخلود.

  • و الإجابة على ذلك: أوّلًا: على الرغم من كون مدّة عمر الإنسان قصيرة، إلّا أنّ الله تعالى سيُطلع الإنسان في عالم البقاء على الحقيقة الملكوتيّة لأعماله بذات قدر عمر الإنسان.

  • و ليست الأبديّة هنا بمعنى امتداد الزمان الموجود في عرض هذا العالم، بل هي في طول هذا العالم و في باطن النشأة. و هي عوالم متداخلة و ليست في عرض بعضها، كحبّات المسبحة المنتظمة في سلسلة واحدة. و لذلك، فسيجد الإنسان أمامه نفس الأعمال التي فعلها خلال مدّة عمره محضرة، و كلّ ما في الأمر أنّ تلك الأعمال تبدو في هذه العالم بلباس الفناء و الانقراض من خلال دوران الزمان و حركته، أمّا في ذلك العالم سيواجه الإنسان هذا المقدار على نحو الثبات و الاستقرار أبداً. أي أنّ ذلك العالم هو فوق الزمان و الزمانيّات، و هو عالم الثابتات.

  • و على هذا فإنّ الله سبحانه عدل حكيم لا يظلم مثقال ذرّة، و لا يجزي

معرفة المعاد ج۱۰

226
  • الإنسان على أكثر من أعماله و صفاته و أخلاقه. و هذا هو العدل بعينه، لأنّه عين التحقّق الخارجيّ بدون التصرّفات الخارجيّة.

  • ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ (يا من تذوقون عذاب الحريق) وَ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ.1

  • ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ (أيّها المجادل في الله) وَ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ.2

  • مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَ ما رَبُّكَ (أيّها النبيّ) بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ.3

  • و ثانياً: أنّ عالم الآخرة هو عالم الحقيقة؛ و يُحاسَب العباد على أساس عقائدهم و نواياهم. فمن ترسّخت نيّته على السوء و الشرّ، لأحبّ أن يقضي عمره في الاعتداء و الظلم و الشرك و الغفلة و إن خُلِّد في الدنيا. و سيُجزى مثل هذا الشخص جزاء أبديّاً على أساس هذه السريرة و الطويّة الخبيثة. و سيكون جزاؤه مماثلًا لرغبته الباطنيّة و شاكلته و سريرته.

  • علماً أنّ كثيراً من الإشكالات الواردة على أمر الخلود راجعة إلى أمر الخلود في النار لا غير، لا إلى الخلود في الجنّة. و لذا، لا بدّ من ذكر بحث أمر الخلود في الجنّة منفصلًا عن بحث أمر الخلود في النار. على الرغم من كون إجاباتنا على هذه الإشكالات عامّة و شاملة لكلا الخلودين.

  • و من جملة الإشكالات على أمر الخلود: أنّ جهنّم قد وُجدت لتطهير العصاة و تزكيتهم. لذا، ينبغي أن يخرج أولئك العصاة منها بعد انتهاء

    1. الآية 182، من السورة 3: آل عمران؛ و الآية 51، من السورة 8: الأنفال.
    2. الآية 10، من السورة 22: الحجّ.
    3. الآية 46، من السورة 41: فصّلت.

معرفة المعاد ج۱۰

227
  • مرحلة تطهيرهم، لأنّ الله تبارك و تعالى لا يعذّب عباده انتقاماً، بل يعذّبهم على أساس مجرّد تكميل نفوسهم و رفع الغلّ و الغش من بواطنهم، و هو ممّا يتحقّق بالعقوبات الحاصلة يوم القيامة.

  • و الإجابة على ذلك: أنّ كثيراً من الابتلاءات التي يتعرّض لها المؤمنون في الدنيا إنّما تحصل لتطهيرهم و تزكيتهم. و هو ما تدلّ عليه بعض الآيات القرآنيّة.1 أمّا عذاب القيامة، فبأيّ دليل يمكننا أن نقول بأنّه قد وجد للتطهير و التزكية؟

  • أجل، إنّ بعض المشاقّ و الصعوبات التي تعترض الإنسان في عالم البرزخ، و عند قيامه و مثوله أمام ساحة الله تعالى عند الحشر، و طول مدّة زمن الحساب، إنّما تكون لتخطّي هذه المراحل وصولًا إلى الجنّة. أمّا نفس ورود جهنّم و الخلود فيها، فلا يمكن عدّه- بأيّ دليل كان- علّة للتطهير و التزكية.

  • كما إنّ جهنّم- كما سبق أن ذكرنا- هي طلوع حقيقة أعمال الإنسان و تجلّيها في صورها الملكوتيّة، بحيث يتلازم كلّ امرئ مع أعماله تلازم الأثر مع المؤثّر، لأن سيرة الإنسان هي أثره الذي يخلّفه.

  • و من جملة الإشكالات على أمر الخلود: أنّ الجنّة و النار هما معبران إلى المنزل و المقرّ. فالجنّة معبر المطيع السائر في الصراط المستقيم، و المخلّد فيها في مرحلة تعيّن مَلَكات الخير. أمّا جهنّم فهي معبر العاصي في الصراط المعوج للإفراط أو التفريط، و المخلّد فيها في مرحلة تعيّن

    1. كالآية 214، من السورة 2: البقرة: أمْ حَسِبْتُمْ أن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَ لَمَّا يَأتِكُم مثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ مسَّتْهُمُ الْبَأسَاءُ وَ الضَّرَّآءُ وَ زلْزِلُوا حتّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَ الَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ ألآ إنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ.

معرفة المعاد ج۱۰

228
  • مَلَكات الشرّ. و الخلود في الجنّة و النار محدود ببقاء السماوات و الأرض، إلّا أن يخرج المرء من مقتضيات تلك الآثار، و المقرّ و المقصد منحصر في مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ.1

  • و لو تقرّر أن تكون جهنّم منزلًا، لكان عالم الخلق الذي يمثل الخالق ذي الجلال و العظمة القادر العالِم العادل الحكيم، عالماً في أدنى درجات الضعة و الحقارة، و عالماً ضئيل الفائدة و تسوده الفوضى، لأنّنا ندرك بافتقار أغلب الناس الى العلم و البصيرة، و أنّ بعضهم ممّن يعلمون بعض العلم يفعلون ما لا ينبغي فعله، و يتركون ما لا ينبغي تركه، إلّا القليل منهم، كما في قوله تعالى: وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ.2

  • فتقرّر أن يكون أكثر سكّان العالم مخلّدين في عذاب جهنّم. و قد شاهدنا قبل قليل أنّ كلّ مصنوع هو ممثّل لآثار صانعه. فيحصل أنّ هذا المصنوع الفاسد المخلَّد في جهنّم إلى الأبد بالمعني الذي يقال: ما دام الله حاكماً مريداً؛ بحيث يتعذّر إصلاح العبد و نجاته و خلاصه، سيكون و العياذ بالله ممثلًا لظلم الصانع أو عجزه أو جهله أو عبثه: وَ قَدْ تَعَالَى اللهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوَّاً كَبِيراً.

  • فيكون الخلود في النار- كما قلنا- هو الخلود في مرحلة المَلَكات، و موافقاً لآثار تلك التعيّنات.3

    1. الآية 55، من السورة 54: القمر.
    2. الآية 13، من السورة 34: سبأ.
    3. «نهج البصيرة يا نامههاى حائري»( نهج البصيرة أو رسائل الحائريّ) المقالة الرابعة، ص 26 و 27. و هي أربع مقالات و رسائل ألّفها العالم الفقيد الشيخ عبد الرحيم صاحب« الفصول». و قد جمعت هذه المقالات و الرسائل و طبعت من قبل أبو تراب هدائي. و مؤلّف الكتاب المحترم: المرحوم الشيخ عبد الرحيم الطهرانيّ هو نجل المرحوم الشيخ عبد الحسين نجل المرحوم الشيخ محمّد حسين صاحب« الفصول». و قد دُعي بصاحب« الفصول» باعتباره نجلًا لذلك المرحوم.

معرفة المعاد ج۱۰

229
  • و ترد عدّة إشكالات على هذا المقولة التي اختلط فيها على قائلها بعض الامور:

  • أوّلًا: أنّ أعمال المؤمنين الحسنة هي صراط و معبر يعبرونه للوصول إلى مقام جمال الحضرة الأحديّة و لقائه، و صراط مستقيم يوصلهم لمقام الفناء في ذاته الأزليّة؛ و أنّ أعمال الكافرين القبيحة هي صراط و معبر ينتهي بهم إلى مقام جلال كبريائه، و صراط معوج للإفراط و التفريط ينتهي إلى مقام الفناء في كبريائيّة الحقّ سبحانه و تعالى و قهّاريّته. ثمّ يصل الأمر- بعد حصول الفناء المحض بواسطة الأعمال الصالحة أو الطالحة- إلى الجنّة و النار اللتين تحصل فيهما حياة ما بعد الموت و حياة عالم البقاء. و لذا، فلن تكون الجنّة معبراً للمطيعين أبداً، كما أنّ النار لن تكون معبراً للعاصين أبداً.

  • كما أنّ الجنّة و النار هما تجسّم الأعمال الحسنة و القبيحة، تلك الأعمال التي كانت معبراً في عالم الدنيا. إلّا أنّ ذلك التجسّم الملكوتيّ لمّا حصل في عالم البقاء بعد مرحلة الفناء و الوصول، فإنّه لن يُدعى معبراً حينذاك، لأنّ المعبر يعني المرحلة الواقعة في طريق الوصول، و لا يعني مرحلة ما بعد الوصول. و ينبغي لذلك أن يكون كلًّا من الجنّة و النار منزلًا و مقرّاً أساسيّاً.

  • و ثانياً: أنّ قول القرآن الكريم في مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ متعلّق بمقرّ المتّقين و مقصدهم دون غيرهم. فقد سبق هذه الآية قوله تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَ نَهَرٍ.

معرفة المعاد ج۱۰

230
  • فهذا المقرّ و المقصد لا يشمل جميع الفرق و الطوائف على هذا النحو؛ إذ يستقرّ البعض كالنفس المطمئنة في عباد الله و في جنّته الخاصّة، و يستقرّ بعض آخر كالمقرّبين في جنّات النعيم، و يستقرّ آخرون عند رؤوف رحيم. و تستقرّ طائفة رابعة عند سلام مؤمن. و خلاصة الأمر هي أنّ كلّ طائفة من أصحاب الجنّة ستكون مشمولة باسم معيّن.

  • أمّا أصحاب النار، فيُقحمون تحت أسماء: القهّار و الجبّار و ذو الكبرياء و شديد العقاب و خير الماكرين و المنتقم و شديد البطش و غيرها، كلّ طائفة منهم تحت اسم معيّن.

  • و ثالثاً: أنّ موجودات هذا العالم الضعيفة الحقيرة من المذنبين و الأشرار قد خُلقت بأجمعها عن حكمة بالغة و مصلحة تامّة؛ و إلّا كان أساس خلقهم خطاً! و كما نعلم فإنّ دائرة التكوين و عالم الخلق لا يعتريهما خطأ و لا سهو، و لهذا فما يبدو في نظرنا سيّئاً، إنّما هو سيّئ في نظرنا نحن، لا في أساس التكوين و المصلحة العامّة لعالم الخلقة.

  • پير ما گفت خطا بر قلم صُنع نرفت***آفرين بر نظر پاك خطا پوشش باد 1

  • إنّ جميع هؤلاء العصاة و الجهلة و ضَعَفة العقول مظهراً لجلال الحقّ سبحانه و تعالى و ظهوره و تجلّيه: وَ لِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى،2 لا فرق في هذا المقام بين الشمس الساطعة على العالم و بين ذرّة بلا قَدْر؛ و لا فرق فيه بين المحيطات اللامتناهية و بين قطرة واحدة؛ و لا بين العالم و الجاهل؛

    1. «ديوان حافظ» ص 75، حرف الدال، طبعة پژمان.
      يقول:« قال مرشدنا إنّ قلم الصنع لم يخطئ؛ فمرحى للنظر النزيه الذي ينكر العيوب».
    2. الآية 180، من السورة 7: الأعراف.

معرفة المعاد ج۱۰

231
  • و لا بين السعيد و الشقيّ؛ و لا بين مَن في الجنّة و مَن في النار؛ فهم جميعاً مخلوقاته و تحت إرادته القاهرة. فأنّي يعاب على دائرة الخلقة من هذه الجهة؟

  • لكلّ فرد من الأفراد سلوك في طريقه الخاصّ، و له سير يسيره وصولًا إلى فنائه تحت اسم خاصّ من الأسماء الجماليّة أو الجلاليّة للحقّ سبحانه و تعالى، و الى بقائه- من ثمّ- في كينونة هويّته. حيث إنّ هذا العالم المليء بالعظمة و الجلال بما فيها من أصحاب الجنّة و أصحاب النار، و من الجنّة و النار، قائم في ابّهة عجيبة و ثبات متين. ثمّ إنّ الجنّة و النار، و أصحاب الجنّة و أصحاب النار، يمثلون قَبَسَيْن من ذات الحقّ تعالى؛ قبسي الجمال و الجلال.

  • أنوار جمال تست در ديدة هر مؤمن***آثار جلال تست در سينة هر كافر 1

  • بَيد أنّ قبس الجمال هو الأصل و الأساس، أمّا قبس الجلال، فباطل. ليس ذلك فحسب، بل إنّ الله تعالى له أسماء اخرى غير اسمَي المليك و المقتدر، و قد ملأت العالم من جانب الرحمة و الرحمانيّة و الرحيميّة، و من جانب الجبروتيّة و القهّاريّة؛ و كلّها أسماء حسنى. فلما ذا- إذاً- نعدُّ جهنّم نقص هذا العالم؟

  • و بأيّ علّةٍ نعدُّ أصحاب النار نقصاناً في بناء الوجود الشامخ؟

  • و بأيّ سبب نحصر سير الموجودات تحت اسم الرحمة و الرحيميّة؟

  • أ لا يمثّل هذا الحصر بذاته نسبة للعيب و النقصان؟

    1. «ديوان مغربي» ص 71.
      يقول:« أنوار جمالك في أعين كلّ مؤمن، و آثار جلالك في صدر كلّ كافر».

معرفة المعاد ج۱۰

232
  • و إضافة إلى ذلك، إن كان المصنوع (و هو ممثّل الصانع و انموذجه) فاسداً ناقصاً، فلا فرق حينئذٍ بين خلوده و عدم خلوده.

  • لا يمكن للموجود الفاسد الناقص أن يكون أثراً ليد الصانع الحكيم و لو للحظة واحدة. فكيف يمكن القبول بإمكان وجود مصنوع فاسد في هذا العالم بعنوان فساد و نقص، و بإمكان وجود ذلك المصنوع الفاسد في الآخرة أيضاً أيّاماً معدودات، ثمّ نقول بأنّ خلوده و دوامه غير معقولينِ؟!

  • و رابعاً: أنّ عنوان قولهم «ما دام الله حاكماً» هو قول منتزع من الأبديّة، لأنّ الأبديّة من صفاته سبحانه و تعالى. و بلحاظ ورود عنوان الخلود المؤبّد في القرآن الكريم بلفظ: خالِدِينَ فِيها أَبَداً، فيمكن استفادة أبديّة الخلود بهذا المعنى؛ كلّ ما في الأمر أنّ أبديّة الله قائمة بذاته، و أبديّة خلود أصحاب الجنّة و أصحاب النار قائمة بأبديّته عزّ و جلّ.1

  • الآخرة هي منزل الثبوت؛ و هي لذلك منزل الخلود.

  • أجل، فأفضل دليل عقليّ على خلود أصحاب الجنّة و النار هو ما أورده هشام بن الحكم، و محصّله أنّه لمّا كانت الآخرة دار التجرّد و محلّ الفعليّة التامّة، فهي إذاً دار الخلود و الدوام، لأنّ أي ثابت و مستقرّ فهو خالد دائم، و لأنّ التغيّر ينافي الثبوت و الاستقرار؛ و بما أنّ عدم الخلود يستلزم التغيّر و التبدّل، فهو ممّا يتنافي في الآخرة مع فرض التجرّد و العقليّة التامّة.

  • و إذا لم يكن أصحاب الجنّة مخلّدين فيها، فما الذي سيصيبهم إذاً؟

    1. و من هنا يمكن الردّ على أهل الظاهر الذين ملئوا الدنيا صخباً بقولهم بقِدَم هذا العالم، و عدّهم ذلك منافياً لقدم الله عزّ و جلّ. فيقال لهم: كيف قلتم بأبديّة الزمان و خلود أصحاب الجنّة و أصحاب النار، ثمّ أثرتم الصخبَ حول قِدم الزمان؟! أ وَ ليست الأزليّة و الأبديّة كلاهما صفة لذات الحقّ المتعال؟ فكيف تجيزون الأبديّة لغيره و تعدّون الأزليّة له محالة؟!

معرفة المعاد ج۱۰

233
  • ينبغي إذاً أن يُبتلوا بالضعف و الفتور و النقصان، و ذلك مخالف للتجرّد، لأنّ النشأة الآخرة ليست عالم الطبع و الطبيعة و الكون و الفساد و لأنّها عالم لا يعتريه النقصان. أو ينبغي أن يُبتلوا بالموت فيفنون في ذات الله تعالى و يطوون مراحل الفناء. و هذا بدوره خطأ بالفرض، لأنّهم قد فنوا من قبل و اكتنفتهم الجذبات الجلاليّة، ثمّ إنّهم بلغوا مرحلة البقاء بعد الفناء، فانشغلوا بالجذبات الجماليّة و بالسير في آثار النشآت و التفرّج عليها.

  • و لو لم يكن أصحاب النار مخلّدين فيها، فما ذا سيصيبهم إذاً؟ فلا بد لهم أن يحصلوا على قدرة و قوّة يخرجون بهما من النار، و هذا خلاف التجرّد و خلاف فرض بقائهم في تعيّنات آثارهم. أو ينبغي أن يموتوا و يفنوا، و هذا أيضاً خلاف الفرض، لأنهم سبق أن ماتوا و فنوا في الله و في الجذبات القهّاريّة و الكبريائيّة للحقّ تعالى، ثمّ عادوا فاكتسبوا حياة و تعيّناً و ابتلوا بآثارهم و صفاتهم و أخلاقهم في صورها الملكوتيّة الناريّة الجهنّميّة.

  • أجل، هناك طائفة تخرج من نار جهنّم، و هي طائفة الذين لم يترسّخ الكفر و الشرك في أعماقهم، بل تلوّثت به ظواهرهم فقط. و هذه الظواهر ستحترق بالنار، فتبقى البواطن الطاهرة المتعلّقة بالجنّة. ثمّ تخرج هذه الطائفة إلى الجنّة عن طريق الشفاعة و غيرها.

  • و ينبغي العلم بأنّ ذلك الخروج هو نوع من التجلّي الملكوتيّ و النوعيّ لأعمالهم و صفاتهم و نواياهم.

  • الآيات الواردة في خلود أصحاب النار فيها

  • و على هذا المنوال فمضافاً على الآيات القرآنيّة التي جاءت بألفاظ الخلود و الأبديّة التي تبيّن خلود أصحاب النار من المشركين و الكافرين المكذّبين و المنكرين الجاحدين و الطغاة الباغين و المعتدين و الظالمين المتجبّرين؛ فإنّ هناك آيات اخرى تبيّن أمر هذا الخلود بألفاظ و عناوين اخرى. و نذكر في هذا المجال بعضاً من هذه الآيات:

معرفة المعاد ج۱۰

234
  • وَ مَأْواهُمُ النَّارُ وَ بِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ.1

  • ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ الْمِهادُ.2

  • أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَ لا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً.3

  • أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ.4

  • و نشاهد في هذه الآيات و نظائرها أنّها قد جعلت جهنّمَ مثوى و منزلًا و مهاداً لأصحاب النار و الظالمين، بل عدّتها محلَّ إقامتهم الذي لا يتجاوزونه إلى غيره و لا يجدون عنه محيصاً؛ و هذا بذاته هو معنى الخلود.

  • إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزاً حَكِيماً.5

  • و تقول هذه الآية على نحو التعميم بأنّنا كلّما احترقت جلود أصحاب النار إثر طغيان النار و شدّتها، بدّلناها على الفور بجلود اخرى؛ دون أن تقيّد الآية ذلك بوقت معيّن، و لا أن تحدّه بزمان خاصّ. بل هي تصرّح بهذا المعنى على نحو الإطلاق؛ و هذا هو معنى الخلود.

  • مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ وَ يُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ، يَتَجَرَّعُهُ وَ لا يَكادُ يُسِيغُهُ وَ يَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَ ما هُوَ بِمَيِّتٍ وَ مِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ.6

  • و توضح هذه الآية أنّ الموت يحيط بالجهنّميّ باستمرار، و أنّه يُبتلى

    1. الآية 151، من السورة 3: آل عمران.
    2. الآية 197، من السورة 3: آل عمران.
    3. الآية 121، من السورة 4: النساء.
    4. الآية 60، من السورة 39: الزمر.
    5. الآية 56، من السورة 4: النساء.
    6. الآيتان 16 و 17، من السورة 14: إبراهيم.

معرفة المعاد ج۱۰

235
  • بهذا العذاب دون أن يموت.

  • وَ إن مِنكُمْ إلَّا وَارِدُها كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مقْضِيّاً، ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا و نَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً.1

  • و تذكر هذه الآية على نحو بيان قاعدة كلّيّة عامّة أنّ ورود الجميع إلى جهنّم هو أمر حتميّ، و أنّ المتّقين فقط هم الذين يخرجون منها؛ أمّا الظالمون فسوف يُتركون فيها. و هذه هي أصالة تحقّق جهنّم و حتميّتها؛ أمّا الخروج من جهنّم فيحتاج إلى دليل، و هو استثناء المتّقين؛ ثمّ يبقى الظالمون بأجمعهم فيتحتّم عليهم البقاء فيها؛ و هذا هو الخلود بعينه.

  • كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ.2

  • و تبيّن هذه الآية بوضوح أنّه ينبغي للكافرين أن يبقوا في النار، و أن لا سبيل لهم للخروج منها.

  • وَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَ لا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ، وَ هُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ (ثمّ يخاطبون) أ وَ لَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَ جاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ.3

  • و تظهر هذه الآية أنّ الكفّار الذين يردون جهنّم كلّما ضجّوا فيها و صاحوا و اصطرخوا و استغاثوا ليخرجوا منها، لم يجدوا للفرار عنها سبيلًا، فقد تمّت عليهم الحجّة في الدنيا، و هذه هي عين حقيقة الخلود.

    1. الآيتان 71 و 72، من السورة 19: مريم.
    2. الآية 22، من السورة 22: الحجّ.
    3. الآيتان 36 و 37، من السورة 35: فاطر.

معرفة المعاد ج۱۰

236
  • قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَ أَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ، (قال في جوابهم) ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَ إِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ.1

  • وَ يَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى، الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى، ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَ لا يَحْيى.2

  • (فهو رازح في العذاب دائماً، يتأرجح بين الموت و الحياة).

  • إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ، لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَ هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ، وَ ما ظَلَمْناهُمْ وَ لكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ، وَ نادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ، لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ وَ لكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ.3

  • و يلاحظ كيف أنّ الحكم قد صدر على هؤلاء بالمكث في جهنّم دون أي ذكر لخروجهم منها، فقد صدر الحكم عليهم على نحو الإطلاق و العموم ليقيموا في جهنّم.

  • يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا، هذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ، أَ فَسِحْرٌ هذا (كقولكم للنبيّ من قبل إنّك ساحر) أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ، اصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.4

  • وتثير هذه الآية المباركة العجب في بيانها لهذا المعنى، لأنّها عقّبت على عبارة: فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ، بعبارة: إِنَّما تُجْزَوْنَ ما

    1. الآيتان 11 و 12، من السورة 40: المؤمن.
    2. الآيات 11 إلى 13، من السورة 87: الأعلى.
    3. الآيات 74، إلى 78، من السورة 43: الزخرف.
    4. الآيات 13 إلى 16، من السورة 52: الطور.

معرفة المعاد ج۱۰

237
  • كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ؛ أي أنّ هذا الجزاء و العذاب الذي تلقونه هو جزاء على عملكم، بل هو عملكم بذاته؛ و عملكم معكم لا ينفكّ عنكم. و كما أنّه لا يمكن فصل الإنسان عن نفسه، فكذلك لا يمكن فصله عن عمله الذي هو أثره و وليده و معلوله.

  • و من هنا، فالآية تفيد أمر البقاء بالله و السيطرة على ملكوت العمل، و تبيّن بعد ذلك أمر الخلود.

  • وَ الَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَ يَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَ النَّارُ مَثْوىً لَهُمْ.1

  • و قد عدّت هذه الآية الاستقرار في الموضع الجهنّميّ متفرّعاً على التمتّع و الأكل المقترن بالغفلة كالحيوانات. و كما أنّ البهيمة لا تدرك أي شيء عن التوحيد و الربوبيّة و المعرفة، فتكون البهيميّة من لوازم نفسها التي لا يمكن فصلها عنها؛ فإنّ الكفّار المشغولين بالمتع التي يسوقهم إليها الهوى و الهوس، و بالأكل بنهم و شراهة كالأنعام، ستلازم هذه الصفة أنفسهم فيخلّدون فيها. و لذلك فهم مخلّدون في نار جهنّم التي هي طلوع و تجلّي هذا العمل البهيميّ، و ثاوون في النار التي هي دار إقامتهم الأبديّة.

  • و يتّضح ممّا مرّ، أنّ الآيات القرآنيّة تدلّ على الخلود، بل و تصرّح به، و أنّ ما توهّمه البعض من أنّ الخلود الوارد في الآيات ليس بمعنى الأبديّة و البقاء الدائميّ، ما هو إلّا توهّم خاطئ يفتقر إلى الدليل.

  • في تفسير آية: لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً

  • أمّا الآيات الواردة في سورة النبأ، فليس فيها ما يدلّ على نفي الخلود، إذ تقول:

  • إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً، لِلطَّاغِينَ مَآباً، لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً،

    1. الآية 12، من السورة 47: محمّد صلّى الله عليه و آله و سلّم.

معرفة المعاد ج۱۰

238
  • لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَ لا شَراباً، إِلَّا حَمِيماً وَ غَسَّاقاً.1

  • فاللبث أحقاباً يعني البقاء دهوراً و أزمنة طويلة، و لا دلالة فيها على تحديد لزمان ذلك اللبث و البقاء.

  • قال العلّامة الطباطبائيّ مدّ ظلّه الساميّ: قوله تعالى: لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً، الأحقاب: الأزمنة الكثيرة و الدهور الطويلة من غير تحديد.

  • و هو جمع اختلفوا في واحده، فقيل: واحده حُقْب بالضمّ فالسكون، أو بضمّتينِ. و قد وقع في قوله تعالى: أوْ أمْضِي حُقُباً (الآية 60، من السورة 18: الكهف). حَقْب بالفتح فالسكون، و واحد الحقب حِقْبَة بالكسر فالسكون. قال الراغب: و الحقّ أنّ الحقبة مدّة من الزمان مبهمة- انتهى.

  • و حدّ بعضهم الحقب بثمانين سنة أو ببضع و ثمانين سنة، و زاد آخرون أنّ السنة منها ثلاثمائة و ستّون يوماً، كلّ يوم يعدل ألف سنة، و عن بعضهم أنّ الحقب أربعون سنة؛ و عن آخرين أنّه سبعون ألف سنة، إلى غير ذلك، و لا دليل من الكتاب يدلّ على شيء من هذه التحديدات و لم يثبت من اللغة شيء منها. و ظاهر الآية أنّ المراد بالطاغين: المعاندون من الكفّار؛ و يؤيّده قوله ذيلًا: إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً، وَ كَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً.

  • و قد فسّروا أحْقَاباً في الآية بالحقب بعد الحقب؛ فالمعنى حال كون الطاغين لابثين في جهنّم حقباً بعد حقب بلا تحديد و لا نهاية، فلا تنافي الآية ما نصّ عليه القرآن من خلود الكفّار في النار.

  • و قيل: إنّ قوله: لَا يَذُوقُونَ فِيهَا ... إلى آخره، صفة أحْقَاباً؛ و المعنى لابثين فيها أحقاباً هي على هذه الصفة، و هي أنّهم لا يذوقون فيها برداً

    1. الآيات 21 إلى 25، من السورة 78: النبأ.

معرفة المعاد ج۱۰

239
  • و لا شراباً إلّا حميماً و غسّاقاً، ثمّ يكونون على غير هذه الصفة إلى غير النهاية؛ و هو حسن لو ساعد السياق.1

  • و قد نقل الشيخ الطبرسيّ للفظ أحقاب كثيراً من المعاني عن عدد كبير من علماء العامّة، تنطبق بأجمعها في النتيجة على أمر الخلود؛ و قال في أحدها: و خامسها (أي خامس الأقوال) أنّه يعني به أهل التوحيد، عن خالد بن معدان. و أضاف الطبرسيّ بأنّ العيّاشيّ روى بإسناده عن حمران، قال: سألتُ أبا جعفر عليه السلام عن هذه الآية فقال: هذه في الذين يخرجون من النار. و روى عن الأحْوَل مثله.2

  • و بناء على هذا التفسير أيضاً، فإنّ آيات الخلود ثابتة و باقية في مواضعها لأنّ الخلود للكفّار لا للموحّدين. إلّا أنّ القول الحقّ هو قول العلّامة الطباطبائيّ، لأنّ ما يُستنتج من ذيل الآيات هو أنّ هذه الآيات قد وردت في حقّ المكذّبين و الكافرين المعاندين.

  • و على هذا، فاستشهاد صاحب المقالة الرابعة الذي ذكر ذيل كلامه آيتَي الاستثناء: إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ، و: لابثين فيها أَحْقاباً؛،3 سيبقى استشهاداً ناقصاً، فقد اتّضح تفسير أَحْقاباً؛ و مرّ تفسير إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ في مطلع البحث، و تبيّن أنّ المراد به ليس خروج الكافرين المتحقّق في الخارج، بل المراد به بقاء الإرادة و المشيئة الإلهيّة.

  • الروايات الواردة في خلود الكفّار المنكرين و المستكبرين

  • خلود المشركين و الكفّار في النار

  • يروي الصدوق في كتاب «التوحيد» عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه،

    1. تفسير« الميزان» ج 2، ص 266 و 267.
    2. تفسير« مجمع البيان» ج 5، ص 424، طبعة صيدا.
    3. «نهج البصيرة» ص 27 و 28.

معرفة المعاد ج۱۰

240
  • عن ابن أبي عُمير، قال:

  • سمعتُ موسى بن جعفر عليهما السلام، يقول:

  • لَا يُخَلِّدُ اللهُ في النَّارِ إلَّا أهْلَ الكُفْرِ وَ الجُحُودِ وَ أهْلَ الضَّلَالِ وَ الشِّرْكِ؛ و من اجتنب الكبائر من المؤمنين لم يُسأل عن الصغائر؛ قال الله تبارك و تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَ نُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً.1

  • قال (ابن أبي عمير): فقلتُ له: يا بن رسول الله؛ فالشفاعة لمن تجب من المذنبين؟

  • قال: حدَّثني أبي، عن آبائه، عن عليّ عليهم السلام، قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم يقول: إنَّمَا شَفَاعَتِي لأهْلِ الكَبَائِرِ مِنْ امَّتِي، فَأمَّا المُحْسِنُونَ مِنْهُمْ فَمَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ.

  • قال (ابن أبي عمير): فقلت له: يا بن رسول الله؛ فكيف تكون الشفاعة لأهل الكبائر و الله تعالى ذِكرُه يقول: وَ لا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى وَ هُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ،2 و من يرتكب الكبائر لا يكون مُرْتضى؟

  • فقال: يا أبا أحمد! ما من مؤمن يرتكب ذنباً إلّا ساءه ذلك و ندم عليه، و قد قال النبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم: كَفَى بِالنَّدَمِ تَوْبَةً؛ و قال عليه السلام: مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَ سَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَهُوَ مُؤْمِنٌ؛ فمن لم يندم على ذنب يرتكبه فليس بمؤمن و لم تجب له الشفاعة و كان ظالماً، و الله تعالى ذِكرُه يقول: ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَ لا شَفِيعٍ يُطاعُ.3

    1. الآية 31، من السورة 4: النساء.
    2. الآية 28، من السورة 21: الأنبياء.
    3. الآية 18، من السورة 40: غافر.

معرفة المعاد ج۱۰

241
  • فقلت له: يا بن رسول الله؛ و كيف لا يكون مؤمناً من لم يندم على ذنب يرتكبه؟

  • فقال: يا أبا أحمد! ما مِن أحدٍ يرتكب كبيرة من المعاصي و هو يعلم أنّه سيعاقَب عليها، إلّا ندم على ما ارتكب، و متى ندم كان تائباً مستحقّاً للشفاعة. و متى لم يندم عليها كان مصرّاً، و المصرُّ لا يُغفر له، لأنّه غير مؤمنٍ بعقوبة ما ارتكب، و لو كان مؤمناً بالعقوبة لندم؛ و قد قال رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم:

  • لَا كَبِيرَةَ مَعَ الاسْتِغْفَارِ، وَ لَا صَغِيرَةَ مَعَ الإصْرَارِ. و أمّا قول الله عزّ و جلّ: وَ لا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى، فإنّهم لا يشفعون إلّا لمن ارتضى الله دينه؛ و الدين الإقرار بالجزاء على الحسنات و السيّئات، فمن ارتضى اللهُ دينَه ندم على ما ارتكبه من الذنوب لمعرفته بعاقبته في القيامة.1

  • و جاء في كتاب «العيون» أنّ ممّا كتبه الإمام الرضا عليه السلام للمأمون، قوله: إنَّ اللهَ لا يُدْخِلُ النَّارَ مُؤْمِناً وَ قَدْ وَعَدَهُ الجَنَّةَ؛ وَ لَا يُخْرِجُ مِنَ النَّارِ كَافِراً وَ قَدْ أوْعَدَهُ النَّارَ وَ الخُلُودَ فِيهَا. وَ مُذْنِبُو أهْلِ التَّوْحِيدِ يَدْخُلُونَ النَّارَ وَ يَخْرُجُونَ مِنْهَا، وَ الشَفَاعَةُ جَائِزَةٌ لَهُمْ.2

  • و يروي الصدوق في كتاب «صفات الشيعة» عن أبيه، عن سعد، عن ابن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن محمّد بن حمران، عن أبي عبد الله (الصادق) عليه السلام، قال: مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ مُخْلِصاً دَخَلَ الجَنَّةَ؛ وَ إخْلَاصُهُ أنْ يَحْجُزَهُ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ عَمَّا حَرَّمَ اللهُ.34

  • معرفة المعاد ؛ ج10 ؛ ص241
    1. «التوحيد» للصدوق، ص 407 و 408، طبعة المطبعة الحيدريّة، 1387 هجريّة.
    2. «بحار الأنوار» ج 8، ص 362، الطبعة الحروفيّة، عن« عيون أخبار الرضا».
    3. «بحار الأنوار» ج 8، ص 359، عن« صفات الشيعة».
    4. حسينى طهرانى، سيد محمد حسين، معرفة المعاد، 10جلد، دار المحجة البيضاء - بيروت - لبنان، چاپ: 1، 1416 ه.ق.

معرفة المعاد ج۱۰

242
  • خطبة رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم على جبل الصفا

  • و يروي في نفس الكتاب عن ابن المتوكّل، عن محمّد الحميريّ، عن ابن عيسى، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن أبي عبيده الحذّاء، قال: سَمِعْتُ أبَا عَبْدِ اللهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ: لَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ مَكَّةَ، قَامَ عَلَى الصَّفَا، فَقَالَ: يَا بَنِي هَاشِمٍ! يَا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ! إنِّي رَسُولُ اللهِ إلَيْكُمْ، وَ إنِّي شَفِيقٌ عَلَيْكُمْ! لَا تَقُولُوا إنَّ مُحَمَّداً مِنَّا! فَوَ اللهِ مَا أوْلِيَائِي مِنْكُمْ وَ لَا مِنْ غَيْرِكُمْ إلَّا المُتَّقُونَ.

  • ألَا فَلَا أعْرِفُكُمْ تَأتُونِي يَوْمَ القِيَامَةِ تَحْمِلُونَ الدُّنْيَا عَلَى رِقَابِكُمْ، وَ يَأتِي النَّاسُ يَحْمِلُونَ الآخِرَةَ! ألَا وَ إنِّي قَدْ أعْذَرْتُ فِيمَا بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ فِيمَا بَيْنَ اللهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ بَيْنَكُمْ؛ وَ إنَّ لِي عَمَلِي وَ لَكُمْ عَمَلَكُمْ.1

  • الموحّدون قاطبة يدخلون الجنّة

  • يروي المرحوم الصدوق في «الأمالي» عن حمزة العلويّ، عن عليّ ابن إبراهيم، عن النهاونديّ، عن عبد الله بن حمّاد، عن الحسين بن يحيى بن الحسين، عن عمرو بن طلحة، عن أسباط بن جعفر، عن عكرمة، عن عبد الله بن عبّاس، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم:

  • و الذي بعثني بالحقّ بشيراً لا يعذّب الله بالنار موحّداً أبداً؛ و إنّ أهل التوحيد ليشفعون فيُشفَّعون. ثمّ قال عليه السلام: إنّه إذا كان يوم القيامة أمر الله تبارك و تعالى بقوم ساءت أعمالهم في دار الدنيا إلى النار، فيقولون: يا ربّنا! كيف تُدخلنا النار و قد كنّا نوحّدك في دار الدنيا؟ و كيف تُحرق بالنار ألسنتنا و قد نطقتْ بتوحيدك في دار الدنيا؟ و كيف تحرق قلوبنا و قد عقدت على أن لا إله إلّا أنت؟ أم كيف تحرق وجوهنا و قد عفّرناها لك في

    1. «بحار الأنوار» ج 8، ص 359، عن« صفات الشيعة».

معرفة المعاد ج۱۰

243
  • التراب؟ أم كيف تحرق أيدينا و قد رفعناها بالدعاء إليك؟

  • فيقول الله جلّ جلاله: عبادي! ساءت أعمالُكم في دار الدنيا، فجزاؤكم نار جهنّم.

  • فيقولون: يا ربّنا عفوك أعظم أم خطيئتنا؟

  • فيقول: بل عفوي.

  • فيقولون: إقرارنا بتوحيدك أعظم أم ذنوبنا؟

  • فيقول عزّ و جلّ: بل إقرارُكم بتوحيدي أعظم.

  • فيقولون: يا ربّنا؟ فليسعنا عفوك و رحمتك التي وسعت كلّ شيء.

  • فيقول الله جلّ جلاله: ملائكتي! و عزّتي و جلالي ما خلقتُ خلقاً أحبّ إلَيّ من المقرّين بتوحيدي، و أن لا إله غيري؛ و حقّ عَلَيّ أن لا أصلي بالنار أهل توحيدي. أدخلوا عبادي الجنّة.1

  • و يروي الصدوق في «الخصال» عن أبيه، عن أحمد بن إدريس، عن الأشعريّ، عن سهل، عن محمّد بن الحسين بن زيد، عن محمّد بن سنان، عن المنذر بن يزيد، عن أبي هارون المكفوف، قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: يا أبا هارون! إنّ الله تبارك و تعالى آلى على نفسه أن لا يجاوره خائن.

  • قال: قلتُ: و ما الخائن؟

  • قال: مَن ادّخر عن مؤمن درهماً أو حبس عنه شيئاً من أمر الدنيا.

  • قلتُ: أعُوذُ بِاللهِ مِنْ غَضَبِ اللهِ!

  • فقال: إنّ الله تبارك و تعالى آلى على نفسه أن لا يُسكن جنّته أصنافاً ثلاثة: رادٌّ على الله عزّ و جلّ، أو رادٌّ على إمام هدى، أو من حبس حقَ

    1. «الأمالي» للصدوق، ص 178، المجلس 49، الطبعة الحجريّة.

معرفة المعاد ج۱۰

244
  • امرئ مؤمن.

  • قال: قلتُ: يعطيه من فضل ما يملك؟

  • قال: يعطيه من نفسه و روحه، فإن بخل عليه مسلم بنفسه فليس منه، إنّما هو شرك الشيطان.1

  • ثلاث طوائف لا يدخلون الجنّة

  • كما يروي في «الخصال» عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن أبي عبد الله البرقيّ، عن أبيه، عن محمّد بن سنان، عن بعض رجال حديثه، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال:

  • ثَلَاثَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ: السَّفَّاكُ لِلدَّمِ، وَ شَارِبُ الخَمْرِ، وَ مَشَّاءٌ بِنَمِيمَةٍ.2

  • و يروي الكلينيّ في «الكافي» بإسناده عن ابن أبي يعفور، قال: سمعت أبا عبد الله (الصادق) عليه السلام يقول:

  • ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللهُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ وَ لَا يُزَكِّيهِمْ وَ لَهُمْ عَذَابٌ ألِيمٌ: مَن ادَّعَى إمَامَةً مِنَ اللهِ لَيْسَتْ لَهُ؛ وَ مَنْ جَحَدَ إمَاماً مِنَ اللهِ؛ وَ مَنْ زَعَمَ أنَّ لَهُمَا في الإسْلَامِ نَصِيباً.3

  • كما يروي في «الكافي» عن أحمد بن إدريس، عن محمّد بن عبد الجبّار، عن صفوان عن الفضيل، عن الحارث بن المغيرة، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: قال رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم: مَنْ مَاتَ لَا يَعْرِفُ إمَامَهُ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً؟

    1. «الخصال» ج 1، ص 73، باب الثلاثة، الطبعة الحجريّة؛ و« بحار الأنوار» ج 8 ص 357، الطبعة الحروفيّة.
    2. «الخصال» ج 1، ص 85، باب الثلاثة.
    3. «بحار الأنوار» ج 8، ص 363، الطبعة الحروفيّة؛ و لكن في« اصول الكافي» ج 1، ص 373، هكذا: ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ.

معرفة المعاد ج۱۰

245
  • قال: نعم.

  • قلت: جَاهِلِيَّةٌ جَهْلَاءُ، أوْ جَاهِلِيَّةٌ لَا يَعْرِفُ إمَامَهُ؟

  • قال: جَاهِلِيَّةُ كُفْرٍ وَ نِفَاقٍ وَ ضَلَالٍ.1

  • و روى العيّاشيّ في تفسيره، عن منصور بن حازم، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: وَ ما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ؟2

  • قال: أعْدَاءُ عَلِيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ هُمُ المُخَلَّدُونَ في النَّارِ أبَدَ الآبِدِينَ وَ دَهْرَ الدَّاهِرِينَ.3

  • أعداء أهل بيت رسول الله هم المخلّدون في النار.

  • و في «تفسير فرات بن إبراهيم» عن جعفر بن محمّد، مرفوعاً عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: كُلُّ نَاصِبٍ وَ إنْ تَعَبَّدَ مَنْسُوبٌ الى هَذِهِ الآيَةِ: «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ»- الآيات.4

  • و روى الكلينيّ في «الكافي» عن عليّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمرو بن أبي المقدام، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: قَالَ أبي: كُلُّ نَاصِبٍ وَ إنْ تَعَبَّدَ وَ اجْتَهَدَ مَنْسُوبٌ الى هَذِهِ الآيَةِ: «عامِلَةٌ ناصِبَةٌ، تَصْلى ناراً حامِيَةً»؛ كُلُّ نَاصِبٍ مُجْتَهِدٍ فَعَمَلُهُ هَبَاءٌ- الحديث.5

  • و روى الصدوق في «عيون أخبار الرضا» بإسناده عن المفضّل بن عمر، عن أبي عبد الله عليه السلام، عن آبائه عليهم السلام، أنّ رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم قال: لمّا اسري بي الى السماء أوحى إلَيّ ربّي جلّ

    1. «اصول الكافي» ج 1، ص 377.
    2. الآية 167، من السورة 2: البقرة.
    3. «تفسير العيّاشيّ» ج 1، ص 73.
    4. «تفسير فرات» ص 208.
    5. «بحار الأنوار» ج 8، ص 356، عن« الكافي».

معرفة المعاد ج۱۰

246
  • جلاله؛ و ساق الحديث في محمّد و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين عليهم السلام إلى أن قال:

  • يَا مُحَمَّدُ! لَوْ أنَّ عَبْداً عَبَدَنِي حتّى يَنْقَطِعَ وَ يَصِيرَ كَالشِّنِّ البَالِي، ثُمَّ أتَانِي جَاحِداً لِوَلَايَتِهِمْ مَا أسْكَنْتُهُ جَنَّتِي وَ لَا أظْلَلْتُهُ تَحْتَ عَرْشِي- الخبر.1

  • و روى الكلينيّ في «الكافي» عن عليّ بن محمّد، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن عثمان بن عيسى، عن مَيْسَر، قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام، فقال: كيف أصحابك؟

  • فقلت: جعلت فداك، لنحن عندهم أشرُّ من اليهود و النصارى و المجوس و الذين أشركوا.

  • قال: و كان متّكئاً فاستوى جالساً؛ ثمّ قال: كيف قُلتَ؟

  • قلت: و الله لنحن عندهم أشرّ من اليهود و النصارى و المجوس و الذين أشركوا.

  • فقال: أما و اللهِ لا يدخل النار منكم اثنان؛ لا و اللهِ و لا واحد. و اللهِ إنّكم الذين قال الله عزّ و جلّ: وَ قالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ، أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ، إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ؛2 ثمّ قال: طلبوكم و اللهِ في النار فما وجدوا منكم أحداً.3

  • و روي في «الكافي» عن محمّد بن يحيى، عن حمدان بن سليمان، عن عبد الله بن محمّد اليمانيّ، عن منيع بن الحجّاج، عن يونس، عن صباح المُزنيّ، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر (الباقر) أو أبي عبد الله

    1. «بحار الأنوار» ج 8، ص 357، عن« العيون» ص 37.
    2. الآيات 62 إلى 64، من السورة 38: ص.
    3. «روضة الكافي» ص 78.

معرفة المعاد ج۱۰

247
  • (الصادق) عليهما السلام في قول الله عزّ و جلّ: بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَ أَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ؛ قال: إذا جحد إمامة أمير المؤمنين فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ.1

  • و في «تفسير فرات بن إبراهيم» عن الحسين بن سعيد، عن عبد الله ابن وضّاح اللؤلؤيّ، عن إسماعيل بن أبان، عن عمرو بن الشمر، عن جابر، عن أبي جعفر الباقر عليه السلام، قال:

  • قَالَ عَلِيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ: إذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: أيْنَ عَلِيّ بْنُ أبي طَالِبٍ؟ قَالَ: فَأقُومُ أنَا، فَيُقَالُ لِي: أنْتَ عَلِيّ؟! فَأقُولُ: أنَا ابْنُ عَمِّ النَّبِيّ وَ وَصِيُّهُ وَ وَارِثُهُ! فَيُقَالُ لِي: صَدَقْتَ، ادْخُلِ الجَنَّةَ فَقَدْ غَفَرَ اللهُ لَكَ وَ لِشِيعَتِكَ، فَقَدْ أمَّنَكَ اللهُ وَ أمَّنَهُمْ مَعَكَ مِنَ الفَزَعِ الأكْبَرِ. ادْخُلُوا الجَنَّةَ آمِنِينَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَ لَا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ.2

  • و لقد بحثنا في أمر الخلود بالقدر الكافي الذي اقتضاه المقام؛ و نختم الآن هذا البحث بهذا التذييل الذي أورده جدّنا الأعلى لُامّنا: المرحوم العلّامة المجلسيّ رضوان الله تعالى عليه، و باعتبار تطابق نظرنا الذي ذكرناه في هذا المجلس في أمر الخلود مع نظر جدّنا العلّامة، فإنّ هذا التذييل سيكون في حقيقة الأمر بياناً لخلاصة نظريّتنا في أمر الخلود.

  • قال المجلسيّ: اعلم أنّ الذي يقتضيه الجمع بين الآيات و الأخبار، أنّ الكافر المنكر لضروريّ من ضروريّات دين الإسلام مخلّد في النار، لا يُخفّف عنه العذاب؛ إلّا المستضعَف الناقص في عقله، أو الذي لم تتمّ عليه الحجّة و لم يقصّر في الفحص و النظر، فإنّه يُحتمل أن يكون من

    1. «بحار الأنوار» ج 8، ص 358، عن« الكافي».
    2. «تفسير فرات» ص 153.

معرفة المعاد ج۱۰

248
  • المُرْجَوْنَ لأمْرِ اللهِ كما سيأتي تحقيقه في كتاب الإيمان و الكفر.

  • و أمّا غير الشيعة الإماميّة من المخالفين و سائر فرق الشيعة ممّن لم يُنكر شيئاً من ضروريّات دين الإسلام، فهم فرقتان:

  • إحداهما: المتعصّبون المعاندون منهم، ممّن قد تمّت عليهم الحجّة، فهم في النار خالدون.

  • و الاخرى: المستضعفون منهم، و هم الضعفاء العقول مثل النساء العاجزات و البله و أمثالهم، و من لم يتمّ عليه الحجّة ممّن يموت في زمان الفترة، أو كان في موضع لم يأت إليه خبر الحجّة، فهم المُرْجَوْنَ لأمْرِ اللهِ؛ إمّا يعذّبهم و إمّا يتوب عليهم، فيُرجى لهم النجاة من النار.

  • شيعة أمير المؤمنين عليه السلام لا يدخلون النار.

  • و أمّا أصحاب الكبائر من الإماميّة، فلا خلاف بين الإماميّة في أنّهم لا يُخلَّدون في النار، و أمّا أنّهم هل يدخلون النار أم لا؟ فالأخبار مختلفة فيهم اختلافاً كثيراً، و مقتضى الجمع بينها أنّه يُحتمل دخولهم النار، و أنّهم غير داخلين في الأخبار التي دلّت على أنّ الشيعة و المؤمن لا يدخل النار، لأنّه قد ورد في أخبار اخر: الشِّيعَةَ مَنْ شَايَعَ عَلِيَّاً في أعْمَالِهِ، و أنّ الإيمان مركّب من القول و العمل، لكنّ الأخبار الكثيرة دلّت على أنّ الشفاعة تلحقهم قبل دخول النار، و في هذا التبهيم حِكَمٌ لا يخفى بعضها على اولي الأبصار.1

  • و كلام المجلسيّ رحمة الله عليه السالف هو بيان و تفصيل لكلام الصدوق في «العقائد» حيث يقول:

  • اعتقادنا في النار أنّها دار الهوان و دار الانتقام من أهل الكفر و العصيان، و لا يُخلَّد فيها إلّا أهل الكفر و الشرك.

    1. «بحار الأنوار» ج 8، ص 363 و 364، الطبعة الحروفيّة.

معرفة المعاد ج۱۰

249
  • فأمّا المذنبون من أهل التوحيد، فيخرجون منها بالرحمة التي تدركهم و الشفاعة التي تنالهم.

  • قصيدة المؤيّد في المعاد و الولاية

  • أجل، فمن المناسب؛ و نحن نختتم الكتاب؛ أن نورد مقطعاً من قصيدة شاعر أهل البيت عليهم السلام في القرن الخامس الهجريّ: المؤيّد في الدين، داعي الدعاة، هبة الله ابن موسى بن داود الشيرازيّ؛ و نُنهي هذه الدورة من العلوم و المعارف الإسلاميّة بتصريحه القائل بأنّ السبيل الأوحد لسعادة الدار الآخرة هي ولاية أهل البيت و اتّباع نصّ غدير خُمّ.1

  • قَالَ وَ الرَّحْلُ لِلسُّرَى مَحْمُولُ***حَقَّ مِنْكَ النَّوَى وَ جُدَّ الرَّحِيلُ

  • وَ عَدَا الهَزْلُ في القَطِيعَةِ جِدَّاً***مَا كَذَا كَانَ مِنْكَ لِي المَأمُولُ

    1. على الرغم من أنّ شاعرنا رجل العلم و الأدب كان إيرانيّاً من أهل شيراز، لكنّه كان من علماء العربيّة الأجلّاء، و من أساتذة الأدب العربيّ الأعلام، بل يمكن عدّه من النوابغ حقّاً. ولد في شيراز في حدود سنة 390 ه-، و نشأ فيها و ترعرع، ثمّ سافر الى بلادٍ كثيرة، حتّى استقرّ به المطاف الى الإقامة في مصر؛ و توفّي سنة 470 ه-.
      و كان شاعرنا من شيعة أهل البيت عليهم السلام المخلصين الوالهين، و قد تحمّل الكثير من المصائب و المصاعب في طريق نشر نهج التشيّع، إلّا أنّه لم يتخلّ عن همّته العالية. و لم تصرفه عن عزمه الحوادث القاصمة و المصائب الراتبة، فقد استصغر في مسيرته كلّ عقبة كئود. و قد كتب يصف أحواله في سيرته التي دوّنها( ص 99) في مقابل الخليفة العبّاسيّ المستنصر بالله: و أنا شيخ هذه الدعوة و يدها و لسانها و مَن لا يماثلني أحد فيها.
      و كان المؤيّد في الدين من دعاة الفاطميّين، و لم يدّخر في هذا السبيل وسعاً، و لم يخش من شيء، و كان مبرّزاً في المناظرة و الاحتجاج، و كان له اطّلاع واسع على معالم الدين و على التأريخ، و قد خلّف أبحاثاً راقية عن الكتاب و السنّة تشهد بتضلّعه فيها و وقوفه على حقائقها. و كان له- كما يؤرّخ لنفسه- مباحثات مع علماء السنّة في شيراز في حضور السلطان أبي كاليجار تُظهر إحاطته بالعلوم الدينيّة و التأريخ و الكتاب و السنّة. و قد ألّف هذه السيرة في أحواله بين سنة 429 و 450 هجريّة. و له- مضافاً الى كتبه العديدة- رسائل في المناظرة مع أبي العلاء المعرّيّ في موضوع تناول اللحم.

معرفة المعاد ج۱۰

250
  • قُلْتُ، وَ القَلْبُ حَسْرَةً يَتَقَلَّى***وَ على الخَدِّ دَمْعُ عَيْنِي يَسِيلُ

  • بِأبِي أنْتَ مَا اقْتَضَى البَيْنُ إلَّا***قَدَرٌ ثُمَّ عَهْدُكَ المُسْتَحِيلُ

  • كَمْ وَ كَمْ قُلْتُ خَلِّنِي يَا خَلِيلِي***مِنْ جَفَاءٍ مِنْهُ الجِبَالُ تَزُولُ؟!

  • إنَّمَا أمْرُهُ لَدَيْكَ خَفِيفٌ***وَ هُوَ ثِقْلٌ على فُؤَادِي ثَقِيلُ

  • إنَّكَ السَّالِمُ الصَّحِيحُ وَ إنِّي***مِنْ غَرَامٍ بِكَ الوَقِيذُ العَلِيلُ

  • قَالَ: قَدْ مَرَّ ذَا فَهَلْ مِنْ مُقَام***عِنْدَنَا؟ قُلْتُ: مَا إلَيْهِ سَبِيلُ

  • قَالَ: إنِّي لَدَى مُرَادِكَ بَاقٍ***قُلْتُ: مَا إنْ تَفِي بِمَا قَدْ تَقُولُ

  • قَالَ: أضْرَمْتَ في الحَشَا نَارَ شَوْقٍ***حَرُّ أنْفَاسِهَا عَلَيْهَا دَلِيلُ

  • قُلْتُ: حَسْبِي الذي لَقِيتُ هَوَاناً***فَلِقَاءُ الهَوَانِ عِنْدِي يَهُولُ

  • فَقَبِيحٌ بِيَ التَّصَابِي وَ هَذَا***عَسْكَرُ الشَّيْبِ فَوْقَ رَأسِي نُزُولُ

  • إنَّ أمْرَ المَعَادِ أكْبَرُ هَمِّي***فَاهْتِمَامِي بِمَا عَدَاهُ فُضُولُ

  • كَثُرَ الخَائِضُونَ بَحْرَ ظَلَامٍ***فِيهِ وَ المُؤْنِسُو الضِّيَاءَ قَلِيلُ

  • قَالَ قَوْمٌ: قُصْرَى الجَمِيعِ التَّلَاشِي***فِئَةٌ مُنْتَهَاهُمُ التَّعْطِيلُ

  • وَ ادَّعَى آخَرُونَ نَسْخاً وَ فَسْخاً***وَ لَهُمْ غَيْرُ ذَاكَ حَشْوٌ طَوِيلُ

  • وَ أبَوا بَعْدَ هَذِهِ الدَّارِ دَاراً***نَحْوَهَا كُلُّ مَنْ يَؤُولُ يَؤُولُ

  • لَمْ يَرَوْا بَعْدَهَا مَقَامَ ثَوَابٍ وَ***عِقَابٍ لَهُمْ إلَيْهِ وُصُولُ

  • فَالْمُثَابُونَ عِنْدَهُمْ مُتْرَفُوهُمْ***وَ لِذِي الفَاقَةِ العَذَابُ الوَبِيلُ

  • قَالَ قَوْمٌ وَ هُمْ ذَوُو العَدَدِ الجَمّ***: لَنَا الزَّنْجَبِيلُ وَ السَّلْسَبِيلُ

  • وَ لَنَا بَعْدَ هَذِهِ الدَّارِ دَارٌ***طَابَ فِيهَا المَشْرُوبُ وَ المَأكُولُ

  • وَ لِكُلٍّ مِنَ المَقَالاتِ سُوقٌ***وَ إمَامٌ وَ رَايَةٌ وَ رَعِيلُ

  • مَا لَهُمْ في قَبِيلِ عَقْلٍ كَلَامٌ***لَا وَ لَا في حِمَى الرَّشَادِ قَبُولُ

  • امَّةٌ ضَيَّعَ الأمَانَةَ فِيهَا***شَيْخُهَا الخَامِلُ الظَّلُومُ الجَهُولُ

  • بِئْسَ ذَاكَ الإنْسَانُ في زُمَرِ الإنْسِ***وَ شَيْطَانُهُ الخَدُوعُ الخَذُولُ

معرفة المعاد ج۱۰

251
  • فَهُمُ التَّائِهُونَ في الأرْضِ هَلْكَى***عَقْدُ دِينِ الهُدَى بِهِمْ مَحْلُولُ

  • نَكَسَوا وَيْلَهُمْ بِبَابِلَ جَهْراً***جُمَلٌ ذَا وَرَاءَهَا تَفْصِيلُ

  • مُنِعُوا صَفْوَ شَرْبَةٍ مِنْ زُلَالٍ***لَيْسَ إلَّا بِذَاكَ يُشْفَى الغَلِيل

  • مَلَّكُوا الدِّينَ كُلَّ انْثَى وَ خُنْثَى***وَ ضَعِيفٍ بِغَيْرِ بَأسٍ يَصُولُ

  • إلى أن يقول:

  • لَوْ أرَادُوا حَقِيقَةَ الدِّينِ كَانُوا***تَبَعاً لِلَّذِي أقَامَ الرَّسُولُ

  • وَ أتَتْ فِيهِ آيَةُ النَّصِّ بَلِّغْ***يَوْمَ خُمٍّ لَمَّا أتَى جِبْرِيلُ

  • ذَاكُمُ المُرْتَضَى عَلِيّ بِحَقٍ***فَبِعُلْيَاهُ يَنْطِقُ التَّنْزِيلُ

  • ذَاكَ بُرْهَانُ رَبِّهِ في البَرَايَا***ذَاكَ في الأرْضِ سَيْفُهُ المَسْلُولُ

  • فَأطِيعُوا جُحْداً اولِي الأمْرِ مِنْهُمْ***فَلَهُمْ في الخَلائِقِ التَّفْضِيلُ

  • أهْلُ بَيْتٍ عَلَيْهِمْ نَزَلَ الذِّكْ***رُ وَ فِيهِ التَّحْرِيمُ وَ التَّحْلِيلُ

  • هُمْ أمَانٌ مِنَ العَمَى وَ صِرَاطٌ***مُسْتَقِيمٌ لَنَا وَ ظِلٌّ ظَلِيلُ 1

  • لِلَّهِ الحَمْدُ وَ لَهُ الشُّكْرُ فقد انتهت مجالس «معرفة المعاد» ظهر يوم الرابع من شهر جمادى الآخرة لسنة ألف و أربعمائة و ثلاث هجريّة قمريّة في مدينة مشهد الرضويّة المقدّسة، على شاهدها آلاف التحيّة و الإكرام.

  • و كما سبق و ذكرنا في المقدّمة، فقد جرت المذاكرة في أصل هذه الأبحاث مع إخوة الدين و طلبة العلوم الدينيّة في مدينة طهران خلال شهر رمضان لسنتي 1396 و 1399 هجريّة قمريّة، إلّا أنّه لم يحالفني التوفيق لتدوينها آنذاك على هذه الصورة، و لم تثمر المساعي التي بذلتها إلى ما قبل ثلاث سنوات إلّا إلى تدوين جزء واحد و نصف الجزء. وَ لِلَّهِ الحَمْدُ وَ لَهُ المِنَّة، فخلال هذه السنوات الثلاث التي هاجرتُ فيها الى العتبة المقدّسة المباركة

    1. «الغدير» ج 4، ص 304 و 305.

معرفة المعاد ج۱۰

252
  • لثامن الحجج عليّ بن موسى الرضا عليه السلام للثم أعتاب هذه الروضة الرضويّة المقدّسة، و ألقيتُ فيها رحال الذنوب عند فناء بضعة الرسول المحروس بالملائكة، و اخترتُ الإقامة و التوطّن في هذه البلدة المقدّسة، فقد أنهيت تدوين الأجزاء العشرة من دورة «معرفة المعاد» من سلسلة العلوم و المعارف الإسلاميّة، ناهيك عن رسائل و كتب اخرى غيرها. و كنت أحسب قبلًا أنّ مجموع هذه المجالس سيكون بعضاً و ستّين مجلساً، بَيد أنّها بلغت خمسة و سبعين مجلساً، و هو أمر لا يعود إلّا إلى بركات القبر الأطهر للإمام عليه السلام، فضلًا عن الفيوضات النابعة من النفس القدسيّة العرشيّة الناطقة لذلك الإمام، و التي تحيط بعالم ما سوى الله تعالى، و تدير و تتعاهد كلّ ذرّة بإشعاع نور الحضرة الأحديّة سبحانه و تعالى.

  • من اگر خارم و گر گل چمنآرائى هست***كه از آن دست كه مىپروردم

  • مىرويم1 الحَمْدُ لِلَّهِ الذي هَدَانَا لِهَذَا وَ مَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أنْ هَدَانَا اللهُ؛ وَ صلّى الله على مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وَ لَعْنَةُ اللهِ على أعْدَائِهِمْ أجْمَعِينَ مِنَ الآنَ الى يَوْمِ الدِّينِ. الراجي: السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ

    1. يقول:« إن كنتُ شوكاً أو وردة، فإنّ هناك من يتعاهد المرج و يزيّنه، و إنّما أنمو و أترعرع تبعاً لليد التي تتعاهدني!».