المؤلّفالهیئة العلمیة لموقع مدرسة الوحي
القسم العقائد
المجموعةبحوث من تفسير الميزان، البحوث الكلاميّة
العدد التسلسلي2
التوضيح
هل المحدّث نبيّ؟ ومن هي السيّدة التي نصّ القرآن على أنّها محدّثة؟ وما حقيقة المحدَّث؟ وكيف يميِّزُ بين الإلقاء الرحمانيّ والنزغة الشيطانيّة؟ ومن هم الذين نالوا هذا المقام الغيبيّ الرفيع؟ تفتح لك هذه المقالة المقتطعة من كلام العلاّمة الطباطبائيّ رضوان الله عليه أسرار التحديث الإلهيّ والفروق الدقيقة بين الرسول والنبيّ والمحدَّث.
هو العليم
مفهوم النبوّة في تفسير الميزان (٢)
الفرق بين المحدّث والنبيّ
بحوث من تفسير الميزان، البحوث الكلاميّة، أبحاث النبوّة، البحث الثاني
إعداد: الهيئة العلميّة في مدرسة الوحي
المصدر: تفسير الميزان ج٣
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد للّه ربّ العالمين
وصلّى الله على سيّدنا ونبيّنا محمّد وعلى آله الطيّبين الطاهرين
ولعنة الله على أعدائهم أجميعن إلى قيام يوم الدين
آية تحديث مريم عليها السلام
﴿و إِذْ قالتِ الْملائِكةُ يا مرْيمُ إِنّ اللّه اِصْطفاكِ و طهّركِ و اِصْطفاكِ على نِساءِ الْعالمِين﴾ ۱
قوله تعالى: ﴿إِذْ قالتِ الْملائِكةُ يا مرْيمُ إِنّ اللّه اِصْطفاكِ و طهّركِ﴾، الجملة معطوفة على قوله: ﴿إِذْ قالتِ اِمْرأتُ عِمْران﴾، فتكون شرحًا مثله لاصطفاء آل عمران المشتمل عليه قوله تعالى: ﴿إِنّ اللّه اِصْطفى﴾، (الآية).
و في الآية دليل على كون مريم محدّثة تكلّمها الملائكة وهي تسمع كلامهم كما يدلّ عليه أيضًا قوله في سورة مريم: ﴿فأرْسلْنا إِليْها رُوحنا فتمثّل لها بشراً سوِيًّا﴾ إلى آخر الآيات، و سيأتي الكلام في المحدّث.٢
معنى المحدّث في الروايات
الفرق بين المحدّث والنبيّ
في البصائر، عن زرارة قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام)عن الرسول و عن النبي و عن المحدث قال: الرسول الذي يعاين الملك يأتيه بالرسالة من ربّه يقول: يأمرك كذا و كذا، و الرسول يكون نبيًّا مع الرسالة.
و النبيّ لا يعاين الملك ينزل عليه الشيء النبأ على قلبه فيكون كالمغمى عليه فيرى في منامه.
قلت: فما علمه أن الذي رأى في منامه حقّ؟
قال: يبيّنه الله حتّى يعلم أنّ ذلك حقّ و لا يعاين الملك. و المحدّث الذي يسمع الصوت و لا يرى شاهدًا.
أقول: و رواه في الكافي، عن أبي عبد الله عليه السلام.
قوله: شاهدًا أي صائتًا حاضرًا. و يمكن أن يكون حالاً من فاعل لا يرى.
و فيه أيضًا عن بريد عن الباقر و الصادق عليه السلام في حديث قال بريد: فما الرسول و النبيّ والمحدّث؟
قال: الرسول الذي يظهر الملك فيكلّمه، و النبيّ يرى في المنام، و ربما اجتمعت النبوّة والرسالة لواحد، و المحدّث الذي يسمع الصوت و لا يرى الصورة.
قال: قلت أصلحك الله كيف يعلم أنّ الذي رأى في المنام هو الحق و أنه من الملك؟
قال: يوفّق لذلك حتّى يعرفه. لقد ختم الله بكتابكم الكتب و بنبيّكم الأنبياء. (الحديث).
و فيه، عن محمّد بن مسلم قال: ذكرت المحدّث عند أبي عبد الله عليه السلام قال: فقال: إنّه يسمع الصوت و لا يرى الصورة.
فقلت أصلحك الله كيف يعلم أنه كلام الملك؟
قال: إنّه يعطى السكينة و الوقار حتّى يعلم أنّه ملك.
من هم محدّثو الأمّة؟
و فيه أيضًا عن أبي بصير عنه عليه السلام قال: كان علي محدّثًا و كان سلمان محدّثًا.
قال: قلت: فما آية المحدث؟
قال: يأتيه الملك فينكت في قلبه كيت و كيت.
و فيه، عن حمران بن أعين قال: أخبرني أبو جعفر عليه السلام أنّ عليًّا كان محدّثا فقال أصحابنا: ما صنعت شيئًا ألا سألته من يحدثه؟ فقضي أني لقيت أبا جعفر فقلت: أ لست أخبرتني: أن عليا كان محدثا؟ قال: بلى.
قلت: من كان يحدثه؟
قال: ملك.
قلت: فأقول: إنه نبي أو رسول؟
قال: لا بل قل مثَله مثلُ صاحب سليمان و صاحب موسى، و مثله مثل ذي القرنين، أما سمعت أنّ عليًّا سئل عن ذي القرنين أنبيًّا كان؟ قال: لا و لكن كان عبدًا أحبّ الله فأحبّه، و ناصح الله فنصحه. فهذا مثلُه.
أقول: و الروايات في معنى المحدّث عن أئمة أهل البيت كثيرة جدًّا رواها في البصائر و الكافي و الكنز و الاختصاص و غيرها، و توجد في روايات أهل السنّة أيضًا.
و أما الفرق الوارد في الأخبار المذكورة بين النبيّ و الرسول و المحدّث فقد مرّ الكلام في الفرق بين الرسول و النبيّ، و أنّ الوحي بمعنى تكليم الله سبحانه لعبده، فهو يوجب العلم اليقينيّ بنفس ذاته من غير حاجة إلى حجّة، فمثله في الإلقاءات الإلهيّة مثل العلوم البديهيّة التي لا تحتاج في حصولها للإنسان إلى سبب تصديقيّ كالقياس و نحوه.
معنى المنام في الرواية
و أما المنام فالروايات كما ترى تفسّره بمعنى غير المعنى المعهود منه أعني الرؤيا يراها الإنسان في النوم العاديّ العارض له في يومه و ليلته، بل هو حال يشبه الإغماء تسكن فيه حواسّ الإنسان النبيّ، فيشاهد عند ذلك نظير ما نشاهده في اليقظة، ثمّ يسدّده الله سبحانه بإفاضته على نفسه اليقين بأنّه من جانب الله سبحانه لا من تصرّف الشيطان.
حاصل معنى التحديث
و أما التحديث فهو سماع صوت الملك غير أنّه بسمع القلب دون سمع الحسّ، و ليس من قبيل الخطور الذهنيّ الذي لا يسمّى سمع صوت إلا بنحو من المجاز البعيد، و لذلك ترى أنّ الروايات تجمع فيه بين سماع الصوت و النكت في القلب، و تسمّيه مع ذلك تحديثًا و تكليمًا، فالمحدّث يسمع صوت الملك في تحديثه و يعيه بسمعه نظير ما نسمعه و يسمعه من الكلام المعتاد و الأصوات المسموعة في عالم المادة، غير أنّه لا يشاركه في ما يسمعه من كلام الملك غيره، و لذا كان أمرًا قلبيًّا.
الفارق بين تحديث الملك ونزغة شيطان
و أمّا علمه بأنّ ما حُدّث به من كلام الملك لا من نزغة الشيطان، فذلك بتأييد من الله سبحانه و تسديد، كما يشير إليه ما في رواية محمّد بن مسلم المتقدّمة أنّه: يعطى السكينة و الوقار حتّى يعلم أنّه ملك. و ذلك أنّ النزغة الشيطانيّة إما باطل في صورته الباطلة عند الإنسان المؤمن فظاهر أنّه ليس من حديث الملائكة المكرّمين الذين لا يعصون الله، و إما باطل في صورة حقّ و سيستتبع باطلاً، فالنور الإلهيّ الذي يلازم العبد المؤمن يبيّن حاله، قال تعالى: ﴿أوَ منْ كان ميْتاً فأحْييْناهُ و جعلْنا لهُ نُوراً يمْشِي بِهِ فِي النّاسِ﴾۱، والنزغة و الوسوسة مع ذلك كلّه لا تخلو عن اضطراب في النفس و تزلزل في القلب، كما أنّ ذكر الله وحديثه لا ينفكّ عن الوقار و طمأنينة الباطن، قال تعالى: ﴿ذلِكُمُ الشّيْطانُ يُخوِّفُ أوْلِياءهُ﴾٢، و قال: ﴿ألا بِذِكْرِ اللّهِ تطْمئِنُّ الْقُلُوبُ﴾٣، و قال: ﴿إِنّ الّذِين اِتّقوْا إِذا مسّهُمْ طائِفٌ مِن الشّيْطانِ تذكّرُوا فإِذا هُمْ مُبْصِرُون﴾٤، فالسكينة و الطمأنينة عند ما يلقى إلى الإنسان من حديث أو خاطر دليل كونه إلقاء رحمانيا كما أن الاضطراب و القلق دليل على كونه إلقاء شيطانا و يلحق بذلك العجلة و الجزع و الخفة و نحوها.
و أما ما في الروايات من أن المحدث يسمع الصوت و لا يعاين الملك فمحمول على الجهة دون التمانع بين المعنيين بمعنى أن الملاك في كون الإنسان محدّثًا أن يسمع الصوت من غير لزوم الرؤية، فإن اتّفق أن شاهد الملك حين ما يسمع الصوت فليس ذلك لأنّه محدّث، و ذلك لأنّ الآيات صريحة في رؤية بعض المحدّثين للملائكة حين التحدّيث كقوله تعالى في مريم: ﴿فأرْسلْنا إِليْها رُوحنا فتمثّل لها بشراً سوِيًّا قالتْ إِنِّي أعُوذُ بِالرّحْمنِ مِنْك إِنْ كُنْت تقِيًّا قال إِنّما أنا رسُولُ ربِّكِ لِأهب لكِ غُلاماً زكِيًّا﴾٥ (الآيات)، و قوله تعالى في زوجة إبراهيم في قصة البشارة: ﴿و لقدْ جاءتْ رُسُلُنا إِبْراهِيم بِالْبُشْرى قالُوا سلاماً قال سلامٌ﴾ إلى أن قال: ﴿و اِمْرأتُهُ قائِمةٌ فضحِكتْ فبشّرْناها بِإِسْحاق و مِنْ وراءِ إِسْحاق يعْقُوب قالتْ يا ويْلتى أ ألِدُ و أنا عجُوزٌ و هذا بعْلِي شيْخاً إِنّ هذا لشيْءٌ عجِيبٌ قالُوا أ تعْجبِين مِنْ أمْرِ اللّهِ رحْمتُ اللّهِ و بركاتُهُ عليْكُمْ أهْل الْبيْتِ إِنّهُ حمِيدٌ مجِيدٌ﴾٦.
و هاهنا وجه آخر: و هو أن يكون المراد بالمعاينة المنفية معاينة حقيقة الملك في نفسه دون مثاله الذي يتمثل به فإن الآيات لا تثبت أزيد من معاينة المثال كما هو ظاهر.
و هاهنا وجه آخر ثالث احتمله بعضهم و هو أن المنفي من المعاينة الوحي التشريعي بأن يظهر للمحدث فيلقي إليه حكمًا شرعيًّا و ذلك صون من الله لمقام المشرّعين من أنبيائه و رسله و لا يخلو عن بعد.۱