1

المناهج الثلاثة في تربية النفس

منهج القرآن في التربية الأخلاقيّة

10
مشاهدة المتن

المؤلّفالهیئة العلمیة لموقع مدرسة الوحي

القسم الاخلاق والحکمة والعرفان

العدد التسلسلي1


التوضيح

ما السرّ الذي يجعل “الأخلاق القرآنية” فريدةً من نوعها، وليست مجرّد تكرار لتعاليم الفلاسفة أو الأديان السابقة كما يزعم بعض المستشرقين؟ ما المنهجان الأساسيّان لتهذيب النفس في المدارس البشرية وشرائع الأنبياء السابقين؟ كيف يحرّر منهج التوحيد الخالص والمحبّة الإلهية روح الإنسان، ويغسل قلبه من الخوف والطمع والرياء؟
يجيب العلاّمة الطباطبائي عن هذه الأسئلة الدقيقة مبيّنًا المنهج الأخلاقيّ الخاصّ الذي ابتكره القرآن الكريم والذي يقتلع الرذائل من جذورها بل لا يدع لها موضعًا تنبت فيه.

/۱۰
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

المناهج الثلاثة في تربية النفس - منهج القرآن في التربية الأخلاقيّة

1
  •  

  • هو العليم

  •  

  • المناهج الثلاثة في تربية النفس

  • منهج القرآن في التربية الأخلاقيّة

  •  

  • بحوث من تفسير الميزان، البحوث الأخلاقيّة، البحث الأوّل

  •  

  • إعداد: الهيئة العلميّة في مدرسة الوحي

  •  

  • المصدر: تفسير الميزان ج۱

  •  

  •  

المناهج الثلاثة في تربية النفس - منهج القرآن في التربية الأخلاقيّة

2
  •  

  •  

  • بسم الله الرّحمن الرّحيم 

  • و به نستعين‌

  • و الصّلوة و السّلام على سيّدنا و نبيّنا محمّد

  • و على آله الطيّبين الطّاهرين‌

  • و لعنة الله على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدّين‌

  •  

  •  

  • تفسير العلاّمة الطباطبائي لآية إنّا لله وإنّا إليه راجعون

  • قوله تعالى: ﴿وَ بَشِّرِ اَلصَّابِرِينَ اَلَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾۱، أعاد ذكر الصابرين٢ ليبشّرهم أوّلاً، و يبيّن كيفيّة الصبر بتعليم ما هو الصبر الجميل ثانيًا، و يظهر به حقّ الأمر الذي يقضي بوجوب الصبر ـ و هو ملكه تعالى للإنسان ـ ثالثًا، و يبيّن جزاءه العام ـ و هو الصلاة و الرحمة والاهتداء ـ رابعًا

  • فأمر تعالى نبيّه أوّلاً بتبشيرهم، و لم يذكر متعلّق البشارة لتفخيم أمره فإنّها من الله سبحانه فلا تكون إلا خيرًا و جميلاً، و قد ضمِنها ربّ العزة، ثمّ بيّن أنّ الصابرين هم الذين يقولون: كذا و كذا عند إصابة المصيبة، و هي الواقعة التي تصيب الإنسان، و لا يستعمل لفظ المصيبة إلا في النازلة المكروهة، و من المعلوم أن ليس المراد بالقول مجرّد التلفّظ بالجملة من غير حضور معناها بالبال، و لا مجرّد الإخطار من غير تحقّق بحقيقة معناها، و هي أنّ الإنسان مملوك للّه بحقيقة الملك، و أنّ مرجعه إلى الله سبحانه و به يتحقّق أحسن الصبر الذي يقطع منابت الجزع و الأسف، و يغسل رين الغفلة.

  • بيانه أنّ وجود الإنسان و جميع ما يتبع وجوده، من قواه و أفعاله قائم الذات بالله الذي هو فاطره و موجده فهو قائم به مفتقر و مستند إليه في جميع أحواله من حدوث و بقاء غير مستقل دونه، فلربّه التصرّف فيه كيف شاء، و ليس للإنسان من الأمر شي‌ء إذ لا استقلال له بوجه أصلاً، فله الملك في وجوده و قواه وأفعاله حقيقة.

  • ثمّ إنّه تعالى ملّكه بالإذن نسبة ذاته، و من هناك يقال: للإنسان وجود، و كذا نسبة قواه و أفعاله، و من هناك يقال: للإنسان قوى كالسمع و البصر، و يقال: للإنسان أفعال كالمشي و النطق، و الأكل و الشرب، و لولا الإذن الإلهيّ لم يملك الإنسان و لا غيره من المخلوقات نسبة من هذه النسب الظاهرة، لعدم استقلال في وجودها من دون الله أصلاً.

    1. سورة البقرة، مقطع من الآية ۱٥٥ والآية ۱٥٦. 
    2. كان قد ذكر في الآية ۱٥٣: ﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اسْتَعينُوا بِالصَّبْرِ وَ الصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرينَ﴾

المناهج الثلاثة في تربية النفس - منهج القرآن في التربية الأخلاقيّة

3
  • و قد أخبر سبحانه: أنّ الأشياء ستعود إلى حالها قبل الإذن و لا يبقى ملك إلا للّه وحده، قال تعالى: ﴿لِمَنِ اَلْمُلْكُ اَلْيَوْمَ. لِلَّهِ اَلْوَاحِدِ اَلْقَهَّارِ﴾۱، و فيه رجوع الإنسان بجميع ما له و معه إلى الله سبحانه.

  • فهناك ملك حقيقيّ هو للّه سبحانه لا شريك له فيه، لا الإنسان و لا غيره، و ملك ظاهريّ صوريّ كملك الإنسان نفسه و ولده و ماله و غير ذلك و هو للّه سبحانه حقيقة، و للإنسان بتمليكه تعالى في الظاهر مجازًا، فإذا تذكّر الإنسان حقيقة ملكه تعالى، و نسبه إلى نفسه فوجد نفسه ملكًا طلقًا لربّه، و تذكّر أيضًا أنّ الملك الظاهريّ فيما بين الإنسان ـ و من جملته ملك نفسه لنفسه و ماله و ولده ـ سيبطل فيعود راجعًا إلى ربّه وجد أنه بالآخرة لا يملك شيئًا أصلاً لا حقيقة و لا مجازًا، و إذا كان كذلك لم يكن معنى للتأثّر عن المصائب الموجبة للتأثّر عند إصابتها، فإنّ التأثّر إنّما يكون من جهة فقد الإنسان شيئًا ممّا يملكه، حتّى يفرح بوجدانه، و يحزن بفقدانه، و أمّا إذا أذعن و اعتقد أنّه لا يملك شيئًا لم يتأثّر و لم يحزن، و كيف يتأثّر من يؤمن بأنّ الله له الملك وحده يتصرّف في ملكه كيف يشاء؟!

  • كيف تصلح الأخلاق بصورة عامّة؟

  • اعلم أنّ إصلاح أخلاق النفس و ملكاتها في جانبي العلم و العمل، و اكتساب الأخلاق الفاضلة، وإزالة الأخلاق الرذيلة، إنّما هو بتكرار الأعمال الصالحة المناسبة لها و مزاولتها، و المداومة عليها، حتّى تثبت في النفس من الموارد الجزئيّة علوم جزئيّة، و تتراكم و تنتقش في النفس انتقاشًا متعذّر الزوال أو متعسّرها.

  • مثلاً إذا أراد الإنسان‌ إزالة صفة الجبن و اقتناء ملكة الشجاعة كان عليه أن يكرّر الورود في الشدائد والمهاول التي تزلزل القلوب و تقلقل الأحشاء، و كلّما ورد في مورد منها و شاهد أنّه كان يمكنه الورود فيه و أدرك لذّة الإقدام و شناعة الفرار و التحذّر، انتقشت نفسه بذلك انتقاشًا بعد انتقاش حتّى تثبت فيها ملكة الشجاعة. و حصول هذه الملكة العلميّة و إن لم يكن في نفسه بالاختيار، لكنّه بالمقدّمات الموصلة إليه كما عرفت اختياريّ كسبيّ.

    1. سورة المؤمن (غافر)، الآية ١٦.

المناهج الثلاثة في تربية النفس - منهج القرآن في التربية الأخلاقيّة

4
  • ما هما المنهجان المشهوران لتهذيب الأخلاق؟

  • إذا عرفت ما ذكرناه علمت أنّ الطريق إلى تهذيب الأخلاق و اكتساب الفاضلة منها أحد مسلكين:

  • ۱ـ التهذيب بواسطة الغايات الدنيويّة

  • المسلك الأول: تهذيبها بالغايات الصالحة الدنيويّة، و العلوم و الآراء المحمودة عند الناس كما يقال: إنّ العفّة و قناعة الإنسان بما عنده و الكفّ عمّا عند الناس توجب العزّة و العظمة في أعين الناس و الجاه عند العامة، و إنّ الشره يوجب الخصاصة و الفقر، و إنّ الطمع يوجب ذلّة النفس المنيعة، و إنّ العلم يوجب إقبال العامّة، و العزّة و الوجاهة و الأنس عند الخاصّة، و إنّ العلم بصرٌ يتّقي به الإنسان كلّ مكروه، و يدرك كلّ محبوب، و إنّ الجهل عمى، و إنّ العلم يحفظك و أنت تحفظ المال، و إنّ الشجاعة ثبات يمنع النفس عن التلوّن و الحمدَ من الناس على أيّ تقدير سواء غلب الإنسان أو غلب عليه، بخلاف الجبن و التهوّر، و إنّ العدالة راحة النفس عن الهمم المؤذية، و هي الحياة بعد الموت ببقاء الاسم و حسن الذكر۱ و جميل الثناء و المحبّة في القلوب.

  • و هذا هو المسلك المعهود الذي رتب عليه علم الأخلاق، و المأثور من بحث الأقدمين من يونان وغيرهم فيه.

  • و لم يستعمل القرآن هذا المسلك الذي بناؤه على انتخاب الممدوح عند عامّة الناس عن المذموم عندهم، و الأخذ بما يستحسنه الاجتماع و ترك ما يستقبحه، نعم ربما جرى عليه كلامه تعالى فيما يرجع بالحقيقة إلى ثواب أخرويّ أو عقاب أخرويّ كقوله تعالى: ﴿وَ حَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾٢ دعا سبحانه إلى العزم والثبات، و علّله بقوله: لئلاّ يكون، و كقوله تعالى: ﴿وَ لا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَ تَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَ اصْبِرُوا﴾٣، دعا سبحانه إلى الصبر و علّله بأنّ تركه و إيجاد النزاع يوجب الفشل و ذهاب الريح و جرأة العدوّ، وقوله تعالى: ﴿وَ لَمَنْ‌ صَبَرَ وَ غَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾٤، دعا إلى الصبر و العفو، و علّله بالعزم والإعظام.

    1. راجع حول هذا الموضوع أيضًا: تفسير الميزان، ج۱ ص ـ ٤٢٢ ـ ٤٢٤. تحت عنوان التقليد والخرافة. والبحث المنتخب تحت عنوان: ثلاث خرافات في الحضارة المعاصرة. 
    2. سورة البقرة، الآية ۱٥۰.
    3. سورة الأنفال، الآية ٤٦.
    4. سورة الشورى، الآية ٤٣.

المناهج الثلاثة في تربية النفس - منهج القرآن في التربية الأخلاقيّة

5
  • ٢ـ التهذيب بالغايات الأخرويّة

  • المسلك الثاني: الغايات الأخرويّة، و قد كثر ذكرها في كلامه تعالى كقوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى‌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾۱، و قوله تعالى: ﴿إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾٢، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾٣، و قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ﴾٤، و أمثالها كثيرة على اختلاف فنونها.

  • التهذيب بواسطة الاعتقاد بالقضاء والقدر

  • و يلحق بهذا القسم نوع آخر من الآيات كقوله تعالى: ﴿ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ فإنّ الآية دعت إلى ترك الأسى و الفرح بأنّ الذي أصابكم ما كان ليخطئكم و ما أخطأكم ما كان ليصيبكم لاستناد الحوادث إلى قضاء مقضيّ و قدر مقدّر، فالأسى و الفرح لغو لا ينبغي صدوره من مؤمن يؤمن بالله الذي بيده أزمّة الأمور، كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَ مَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾.

  • فهذا القسم من الآيات أيضًا نظير القسم السابق الذي يتسبّب فيه إلى إصلاح الأخلاق بالغايات الشريفة الأخرويّة، و هي كمالات حقيقيّة غير ظنيّة يتسبّب فيها إلى إصلاح الأخلاق بالمبادئ السابقة الحقيقيّة من القدر و القضاء و التخلّق بأخلاق الله و التذكّر بأسماء الله الحسنى و صفاته العليا و نحو ذلك.

  • شبهة: إن كان الاعتقاد بالقضاء والقدر مؤثّرًا فسيؤدّي إلى الإهمال في كلّ شيء بما في ذلك التهذيب

  • فإن قلت: التسبب بمثل القضاء و القدر يوجب بطلان أحكام هذه النشأة الاختيارية، و في ذلك بطلان الأخلاق الفاضلة، و اختلال نظام هذه النشأة الطبيعية، فإنّه لو جاز الاستناد في إصلاح صفة الصبر والثبات و ترك الفرح و الأسى ـ كما استفيد من الآية السابقة ـ إلى كون الحوادث مكتوبة في لوح محفوظ، ومقضيّة بقضاء محتوم، أمكن الاستناد إلى ذلك في ترك طلب الرزق، و كسب كلّ كمال مطلوب، والاتّقاء عن كلّ رذيلة خلقيّة و غير ذلك، فيجوز حينئذ أن نقعد عن طلب الرزق، و الدفاع عن الحقّ، و نحو ذلك بأنّ الذي سيقع منه مقضيّ مكتوب، و كذا يجوز أن نترك السعي‌ في كسب كلّ كمال، و ترك كلّ نقص بالاستناد التي حتم القضاء و حقيقة الكتاب، و في ذلك بطلان كلّ كمال.

    1. سورة التوبة، الآية ۱۱۱.
    2. سورة الزمر، الآية ۱۰.
    3. سورة إبراهيم، الآية ٢٢.
    4. سورة البقرة، الآية ٢٥۷

المناهج الثلاثة في تربية النفس - منهج القرآن في التربية الأخلاقيّة

6
  • الجواب: اختيار الإنسان هو واحد من الأسباب وليس السبب الوحيد وعلى الإنسان أن يقوم بما عليه

  • قلت: قد ذكرنا في البحث عن القضاء۱، ما يتّضح به الجواب عن هذا الإشكال، فقد ذكرنا ثَمَّ أنّ الأفعال الإنسانيّة من أجزاء علل الحوادث، و من المعلوم أنّ المعاليل و المسبّبات يتوقّف وجودها على وجود أسبابها و أجزاء أسبابها، فقول القائل: "إنّ الشبع إما مقضيّ الوجود، و إما مقضيّ العدم، وعلى كلّ حال فلا تأثير للأكل"، غلط فاحش؛ فإنّ الشبع فرضُ تحقّقه في الخارج لا يستقيم إلا بعد فرض تحقّق الأكل الاختياريّ الذي هو أحد أجزاء علله، فمن الخطإ أن يفرض الإنسان معلولاً من المعاليل، ثمّ يحكمَ بإلغاء علله أو شي‌ء من أجزاء علله.

  • فغير جائز أن يبطل الإنسان حكم الاختيار الذي عليه مدار حياته الدنيويّة، و إليه تنتسب سعادته وشقاؤه، و هو أحد أجزاء علل الحوادث التي تلحق وجوده من أفعاله أو الأحوال و الملكات الحاصلة من أفعاله، غير أنّه كما لا يجوز له إخراج إرادته و اختياره من زمرة العلل، و إبطال حكمه في التأثير، كذلك لا يجوز له أن يحكم بكون اختياره سببًا وحيدًا و علّة تامة إليها تستند الحوادث، من غير أن يشاركه شي‌ء آخر من أجزاء العالم و العلل الموجودة فيه التي في رأسها الإرادة الإلهيّة، فإنّه يتفرع عليه كثير من الصفات المذمومة: كالعجب و الكبر و البخل و الفرح و الأسى و الغمّ و نحو ذلك.

  • يقول الجاهل: أنا الذي فعلت كذا و تركت كذا فيعجب بنفسه أو يستكبر على غيره أو يبخل بماله ‌و هو جاهل بأنّ بقيّة الأسباب الخارجة عن اختياره الناقص ـ و هي ألوف و ألوف ـ لو لم تُمهِّد له الأمرَ لم يسدِ اختياره شيئًا، و لا أغنى عن شي‌ء. 

  • يقول الجاهل: لو أنّي فعلت كذا لما تضرّرت بكذا، أو لما فات عنّي كذا، و هو جاهل بأنّ هذا الفوت أو الموت يستند عدمه ‌أعني الربح أو العافية، أو الحياة إلى ألوف و ألوف من العلل يكفي في انعدامها أعني في تحقّق الفوات أو الموت ‌انعدام واحد منها، و إن كان اختياره موجودًا، على أنّ نفس اختيار الإنسان مستند إلى علل كثيرة خارجة عن اختيار الإنسان، فالاختيار لا يكون بالاختيار.

    1. راجع: الميزان ج۱ ص ٩٣ ـ ۱۱۰، والبحث المنتخب تحت عنوان: الجبر والاختيار والأمر بين الأمرين

المناهج الثلاثة في تربية النفس - منهج القرآن في التربية الأخلاقيّة

7
  • طريقة القرآن في الاستفادة من القضاء والقدر في التربية: التمييز بين نوعين من الأعمال

  • فإذا عرفت ما ذكرنا و هو حقيقة قرآنيّة يعطيها التعليم الإلهيّ كما مرّ، ثمّ تدبرت في الآيات الشريفة التي في المورد، وجدت أنّ القرآن يستند إلى القضاء المحتوم و الكتاب المحفوظ في إصلاح بعض الأخلاق دون بعض:

  • ۱ـ ما كان إسناده إلى القضاء يبطل اختيار الإنسان (الأفعال القبيحة)

  • فما كان من الأفعال أو الأحوال و الملكات يوجب استناده إلى القضاء و القدر إبطال حكم الاختيار، فإنّ القرآن لا يستند إليه، بل يدفعه كلّ الدفع كقوله تعالى:﴿وَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَ اللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾۱.

  • ٢ـ ما كان عدم إسناده إلى القضاء يثبت استقلال الإنسان (کالأفعال الحسنة)

  • و ما كان منها يوجب سلبُ استنادِه إلى القضاء إثباتَ استقلال اختيار الإنسان في التأثير، و كونه سببًا تامًّا غير محتاج في التأثير، و مستغنيًا عن غيره، فإنّه يثبت استنادَه إلى القضاء و يهدي الإنسانَ إلى مستقيم الصراط الذي لا يخطئ بسالكه، حتّى ينتفي عنه رذائل الصفات التي تتبعه كإسناد الحوادث إلى القضاء كي لا يفرح الإنسان بما وجده جهلاً، و لا يحزن بما فقده جهلاً، كما في قوله تعالى: ﴿وَ آتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ﴾٢، فإنّه يدعو إلى الجود بإسناد المال إلى إيتاء الله تعالى. 

  • و كما في قوله تعالى: ﴿وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾٣، فإنّه يندب إلى الإنفاق بالاستناد إلى أنّه من رزق الله تعالى، و كما في قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى‌ آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾٤، نهى رسولَه صلّى الله عليه وآله عن الحزن و الغمّ استنادًا إلى أنّ كفرهم ليس غلبة منهم على الله سبحانه، بل ما على الأرض من شي‌ء أمور مجعولة عليها للابتلاء و الامتحان. إلى غير ذلك... .

  • و هذا المسلك أعني الطريقة الثانية في إصلاح الأخلاق طريقة الأنبياء، و منه شي‌ء كثير في القرآن، وفيما ينقل إلينا من الكتب السماويّة.

    1. سورة الأعراف، الآية ٢۸.
    2. سورة النور، الآية ٣٣.
    3. سورة البقرة، الآية ٣.
    4. سورة الكهف، الآية ۷.

المناهج الثلاثة في تربية النفس - منهج القرآن في التربية الأخلاقيّة

8
  • المنهج الخاصّ بالقرآن وطريقة المحبّة

  • و هاهنا مسلك ثالث مخصوص بالقرآن الكريم، لا يوجد في شي‌ء مما نقل إلينا من الكتب السماوية وتعاليم الأنبياء الماضين سلام الله عليهم أجمعين، و لا في المعارف المأثورة من الحكماء الإلهيّين، و هو تربية الإنسان وصفًا و علمًا باستعمال علوم و معارف لا يبقى معها موضوع الرذائل، و بعبارة أخرى إزالة الأوصاف الرذيلة بالدفع لا بالرفع۱.

  • و ذلك كما أنّ كلّ فعل يراد به غير الله سبحانه فالغاية المطلوبة منه إمّا عزّة في المطلوب يُطمع فيها، أو قوّة يخاف منها و يُحذر عنها، لكنّ الله سبحانه يقول: ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً﴾٢، و يقول: ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً﴾٣، و التحقّق بهذا العلم الحقّ لا يبقي موضوعًا لرياء و لا سمعة و لا خوف من غير الله، و لا رجاء لغيره، و لا ركون إلى غيره، فهاتان القضيّتان إذا صارتا معلومتين للإنسان تغسلان كلّ ذميمة وصفًا أو فعلاً عن الإنسان، و تحلّيان نفسه بحلية ما يقابلها من الصفات الكريمة الإلهيّة من التقوّي بالله، و التعزّز بالله و غيرهما من مناعة و كبرياء و استغناء و هيبة إلهية ربانيّة.

  • و أيضا قد تكرّر في كلامه تعالى: أنّ الملك للّه، و أنّ له ملك السماوات و الأرض و أن له ما في السماوات و الأرض و قد مرّ بيانه مرارًا٤، و حقيقة هذا الملك كما هو ظاهر لا تبقي لشي‌ء من الموجودات استقلالاً دونه و استغناء عنه بوجه من الوجوه؛ فلا شي‌ء إلا و هو سبحانه المالك لذاته ولكلّ ما لذاته، و إيمان الإنسان بهذا الملك و تحقّقه به يوجب سقوط جميع الأشياء ذاتًا و وصفًا و فعلاً عنده عن درجة الاستقلال، فهذا الإنسان لا يمكنه أن يريد غير وجهه تعالى، و لا أن يخضع لشي‌ء، أو يخاف أو يرجو شيئًا، أو يلتذّ أو يبتهج بشي‌ء، أو يركن إلى شي‌ء، أو يتوكّل على شي‌ء، أو يسلم لشي‌ء، أو يفوض إلى شي‌ء، غير وجهه تعالى، و بالجملة لا يريد و لا يطلب شيئًا إلاّ وجهه الحقّ الباقي بعد فناء كلّ شي‌ء، و لا يعرض إعراضًا و لا يهرب إلا عن الباطل الذي هو غيره الذي لا يرى لوجوده وقعًا و لا يعبأ به قبال الحقّ الذي هو وجود باريه جل شأنه.

    1. هذا هو الصواب وكانت في الأصل بالرفع لا بالدفع، ويبدو أنّه من خطأ النسّاخ. والفرق بين الدفع والرفع، أنّ الدفع هو منع تحقّق الشيء قبل حصوله، وأمّا الرفع فهو إزالته بعد حصوله. وحيث إنّ طريقة القرآن تمحو الملكيّة الاستقلاليّة للإنسان لذاته وصفاته وأفعاله فهي تدفع الرذائل قبل حصولها، لا أنّها تعالجها بعده. نعم ما كان حاصلاً منها فإنّها ترفعه من أصله وجذوره، وما سيأتي منها لا يمكن أن يتحقّق أبدًا. (م)
    2. سورة يونس، الآية ٦٥.
    3. سورة البقرة، الآية ۱٦٥.
    4. انظر على سبيل المثال تفسير الميزان ج٢ ص ۷٩.

المناهج الثلاثة في تربية النفس - منهج القرآن في التربية الأخلاقيّة

9
  • و كذلك قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى‌﴾۱، و قوله: ﴿ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْ‌ءٍ﴾٢، و قوله: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْ‌ءٍ خَلَقَهُ﴾٣، و قوله: ﴿وَ عَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾٤ وقوله: ﴿كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾٥، و قوله: ﴿وَ قَضى‌ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾٦، و قوله: ﴿أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى‌ كُلِّ شَيْ‌ءٍ شَهِيدٌ﴾۷، و قوله: ﴿أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْ‌ءٍ مُحِيطٌ﴾۸، و قوله: ﴿وَ أَنَّ إِلى‌ رَبِّكَ الْمُنْتَهى‌﴾٩.

  • و من هذا الباب الآيات التي نحن فيها و هي قوله تعالى: ﴿وَ بَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ إلى آخرها فإنّ هذه الآيات و أمثالها مشتملة على معارف خاصّة إلهيّة ذات نتائج خاصّة حقيقيّة لا تشابه تربيتها نوع التربية التي يقصدها حكيم أخلاقي في فنّه، و لا نوع التربية التي سنّها الأنبياء في شرائعهم، فإنّ المسلك الأوّل كما عرفت مبنيّ على العقائد العامّة الاجتماعيّة في الحسن و القبح، و المسلك الثاني مبنيّ على العقائد العامّة الدينية في التكاليف العبوديّة ومُجازاتِها، و هذا المسلك الثالث مبنيّ على التوحيد الخالص الكامل الذي يختصّ به الإسلام على مشرّعه و آله أفضل الصلاة. هذا.

  • ردّ دعوى بعض المستشرقين في كون تعاليم الإسلام مكرّرة في الأديان السابقة

  • فإن تعجب فعجب قول بعض المستشرقين من علماء الغرب في تاريخه الذي يبحث فيه عن تمدّن الإسلام، و حاصله: أنّ الذي يجب للباحث أن يعتني به هو البحث عن شؤون المدنيّة التي بسطتها الدعوة الدينيّة الإسلاميّة بين الناس من متّبعيها، و المزايا و الخصائص التي خلّفها و ورّثها فيهم من تقدّم الحضارة و تعالي المدنيّة، و أما المعارف الدينيّة التي يشتمل عليها الإسلام فهي موادّ أخلاقية يشترك فيها جميع النبوّات، و يدعو إليها جميع الأنبياء. هذا.

  • و أنت بالإحاطة بما قدّمناه من البيان تعرف سقوط نظره، و خبط رأيه فإنّ النتيجة فرع لمقدّمتها، والآثار الخارجيّة المترتّبة على التربية إنّما هي مواليد و نتائج لنوع العلوم و المعارف التي تلقّاها المتعلّم المتربّي، و ليسا سواء قول يدعو إلى حقّ نازل و كمال متوسّط، و قول يدعو إلى محض الحقّ وأقصى الكمال، و هذا حال هذا المسلك الثالث، فأوّل المسالك يدعو إلى الحقّ الاجتماعيّ، و ثانيها يدعو إلى الحقّ الواقعيّ و الكمال الحقيقيّ الذي فيه سعادة الإنسان في حياته الآخرة، و ثالثها يدعو إلى الحقّ الذي هو الله، و يبني تربيته على أنّ الله سبحانه واحد لا شريك له، و ينتج العبوديّة المحضة، وكم بين المسالك من فرق.

    1. سورة طه، الآية ۸.
    2. سورة الأنعام، الآية ۱۰٢.
    3. سورة السجدة، الآية ۷.
    4. سورة طه، الآية ۱۱۱.
    5. سورة البقرة، الآية ۱۱٦.
    6. سورة الإسراء، الآية ٢٣.
    7. سورة فصلت، الآية ٥٣.
    8. سورة فصّلت، الآية ٥٤.
    9. سورة النجم، الآية ٤٢.

المناهج الثلاثة في تربية النفس - منهج القرآن في التربية الأخلاقيّة

10
  • و قد أهدى هذا المسلك إلى الاجتماع الإنسانيّ جمًّا غفيرًا من العباد الصالحين و العلماء الربانيّين والأولياء المقرّبين رجالاً و نساءً، و كفى بذلك شرفًا للدين.

  • على أنّ هذا المسلك ربّما يفترق عن المسلكين الآخرين بحسب النتائج، فإنّ بناءه على الحبّ العبوديّ، و إيثار جانب الربّ على جانب العبد، و من المعلوم أن الحبّ و الوله و التيم ربّما يدلّ الإنسان المحبّ على أمور لا يستصوبها العقل الاجتماعيّ الذي هو ملاك‌ الأخلاق الاجتماعيّة، أو الفهم العامّ العاديّ الذي هو أساس التكاليف العامّة الدينيّة، فللعقل أحكام، و للحبّ أحكام، و سيجي‌ء توضيح هذا المعنى في بعض الأبحاث الآتية۱ إن شاء الله تعالى.٢

  • و في الخصائص، للسيد الرضي، عن أمير المؤمنين (علیه السلام) قال: - و قد سمع رجلا يقول: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ - يا هذا إن قولنا: إنا لله إقرار منا بالملك، و إنا إليه راجعون إقرار منا بالهلاك.

  • أقول: و قد اتضح معناه بما تقدم. و رواه في الكافي مفصّلاً.

  • و في الكافي: عن إسحاق بن عمار و عبد الله بن سنان، عن الصادق (علیه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله و سلم): قال الله عز و جل: إنّي جعلت الدنيا بين عبادي قرضًا فمن أقرضني فيها