المؤلّفالهیئة العلمیة لموقع مدرسة الوحي
القسم القرآن والحديث والدعاء
العدد التسلسلي2
التوضيح
ما السرّ وراء خلود تفسير “الميزان” وتجاوز شهرته الآفاق وتفوّقه في العالم العربي؟ لماذا لم يهد العلاّمة الطباطبائي تفسيره إلى روح أبيه؟ ما الفرق بين تفسير الميزان وتفسير المنار في تعاطيه مع موضوع العلوم الطبيعيّة؟ كيف فسّر صاحب المنار مفهوم الجنّ وكيف فسّره صاحب الميزان؟ كيف أعاد الميزان ربط الإنسان بخالقه وبعالم الغيب بعيداً عن ضيق الماديات؟
هذه التساؤلات العميقة يجيب عنها هذا العرض الشامل لمنزلة ومزايا هذا السفر القرآني الخالد بقلم العلاّمة الطهراني رضوان الله عليه.
هو العليم
الميزان ومضة من الغيب وهداية إليه
بين تفسير الميزان وتفسير المنار
تفسير الميزان في نظر العلامة الطهراني ـ البحث الثاني
إعداد: الهيئة العلميّة في مدرسة الوحي
المصدر: معرفة المعاد ـ الردّ على نظريّة قبض وبسط الشريعة
أعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيطانِ الرَّجيمِ
بِسم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
و صلّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنا محمَّدٍ و اله الطَّيِّبِين الطَّاهِرِين
و لَعْنَةُ اللهِ عَلَى أعْدَائهِمْ أجْمَعِين مِنَ الآنَ إلى قِيامِ يَوْمِ الدِّين
و لَا حَولَ و لَا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ العَلِيّ العَظِيم
فرادة الميزان وتواضع العلاّمة في تأليفه (قصّة عدم إهداء ثوابه لأبيه)
كان العلّامة الطباطبائي يقول: و كان من الأمور المحيّرة العجيبة أن وصلت إلينا رسالة من أخينا في تبريز كتب فيها أنّ هذا التلميذ قام بإحضار روح أبينا و سأله أسئلة فأجاب عنها، ثمّ قال ضمن حديثه: إنّني عاتب عليكم في أنّكم لم تشركوني في ثواب التفسير الذي كتبتموه.
و كان يقول: لم يكن ذلك التلميذ يعرفني أو يعلم شيئاً عن تفسيري، كما أنّ أخي لم يتكلّم عنّي أمامه بشيء، و لم يكن لأحد غير الله و غيري علم بأنّي لم أُشرك أبي في ثواب التفسير، حتّى أنّ أخي لم يكن ليعلم بذلك، فقد كان ذلك من الأمور المرتبطة بقلبي و نيّتي.
و لم تكن مسألة عدم إشراكي لأبي في ثواب التفسير عائدة إلى شحّي أو بخلي بذلك، بل لتردّدي في مدى قيمة الأعمال التي أفعلها حتّى أسهم أبي فيها، فلم أكن لأرى في نفسي القابلية و اللياقة في الخدمة. وللعلم فإنّ تفسير الميزان تفسير لم يسبق له نظير من صدر الإسلام حتّى الآن من جهة ترابط الآيات و البيانات القرآنيّة، و قد قلتُ يوماً في محضره: إنّ القلم قد استرسل في بعض مواضع هذا التفسير فربط الآيات ببعضها بحيث لا يمكن الّا أن نقول إنّ التأييدات الإلهيّة و الإلهامات السبحانيّة قد أجرت ذلك آنذاك على فكركم و لسانكم و قلمكم، و لا محمل للأمر على شيء آخر، و إذا ما جرى تدريس هذا التفسير في الحوزات العلميّة و ربيّت به الأفكار، فستتّضح قيمة هذا التفسير بعد مائتي سنة.۱
لاحظوا مدى تواضع و جلالة هذا الرجل الذي كتب تفسيراً بهذه الكيفيّة فصار يعدّ في زمن حياته جزءاً من أصول معارف الشيعة لا يستغني عنه العلماء و الكبار في جميع الدنيا، حين يقول: فما الذي عملنا يا ترى؟ و أيّ عمل مهمٍ أنجزناه حتّى الآن؟
و كان يقول: وصلت رسالة أخي بيدي، فانفعلت كثيراً و غمرني الخجل، فقلتُ: يا إلهي! إن كان تفسيري مقبولًا لديك و مستحقّاً للثواب فإنّي أهدي ثوابه الى روح أبي و أمّي.
و لم أكن قد أرسلتُ الى تبريز بعدُ جواب رسالة أخي لأعلمه بهذا الأمر، حين وصلت بعد أيّام رسالة من أخي يقول فيها: لقد تحدثنا مع أبي فكان سعيداً و قال: أطال الله عمره و أيّده، فلقد أرسل السيّد محمد حسين هديّتنا.۱
شروط المفسّر بين تفسير الميزان وتفسير المنار
لا ندّعي وجوب حيازة المفسّر لروحٍ ملكوتيّة، و لا نبغي ألّا يفسّر القرآن أحد. لكنّنا نقول: ينبغي للمفسّر أن يلمّ بمعاني و مصطلحات القرآن، فيفسّر القرآن كما يريد القرآن، و بلسان القرآن، حتى لو لم
يكن المفسّر مسلماً، بل مسيحيّاً أو يهوديّاً، فالمهمّ في الأمر أن لا يتخطّى في تفسير القرآن المنطق القرآنيّ و الرؤية القرآنيّة، فيقول ما قاله القرآن بغضّ النظر عن اعتقاده الشخصيّ.
و من أكبر الهفوات التي ارتكبها الشيخ محمّد عبده في تفسير «المنار»، قلّة اهتمامه و عنايته في تفسيره بالحقّائق و الأمور المعنويّة و أُسس العالم العلويّ و خلقة موجودات ما وراء هذا العالم، في حين عني واهتمّ في المقابل بأُسس و علائق العلوم المادّيّة و التقدّم الطبيعيّ.
فهذا المنطق لا يمنح الروح البشريّة الارتواء، و لا يخمد عطشها الملتهب، لأنّ البشر مرتبط و متعلّق بعالم الغيب، فبدنه في عالم الشهادة لكنّ روحه و سرّه و وجدانه في عالم الملكوت، فلا يمكن إرضاؤه وإشغاله بهذه العلوم الفانية البشريّة.
دعوة الميزان إلى الله والمعنويّة والوحدة الحقّة الحقيقيّة
لكنّ تفسير «الميزان» على معلّمه آلاف التحيّة و الثناء و الرحمة الإلهيّة الموصولة، قد فتح هذا الباب في التفسير، فاعتبرأ نّ الولاية هي حقيقة معاني القرآن، و قدّم العرفان على أنّه الطريق الوحيد للوصول إلى سرّ الملكوت. و قد استفاد في هذا التفسير من سنّة النبيّ الأكرم في إشباعه الأرواح الغرثى، و إروائه المتعطّشين للمعارف في دعوته إلى الله و وحدته الحقّة الحقيقيّة، و إلى عالم الروح و الملكوت، و إلى الوصول إلى مقام الولاية، و التزوّد من كلا عالمي الملك و الملكوت.
تفوّق شهرة العلامة الطباطبائى فى البلدان العربية على شهرته فى إيران
لذا فقد لوحظ: أنّ تفسير العلّامة الطباطبائي قدّس الله سرّه الزكيّ قد حاز هذه الأيّام في مصر و لبنان و بعض البلاد الأخرى هذه الشهرة الفائقة؛ و مع أنّ مؤلّف «المنار» سنيّ المذهب و من أهل تلك البلاد و الديار أي مصر لكنّ المعلّمين و خِرِّيجي المعاهد و الجامعات المصريّين و اللبنانيّين قد شغفوا بتفسير «الميزان» إلى الحدّ الذي لم نكن لنتصوّره.
لقد ذهبتُ خلال حلولي في مدينة مشهد المقدّسة لزيارة أحد علماء النجف الأشرف المقيمين حاليّاً في قم بعد تشرّفه بالقدوم للزيارة؛ و ذلك بعد مدّة قصيرة من كتابتي لرسالة «مهر تابان» (=الشمس الساطعة) تخليداً لأستاذنا العلّامة، حيث طُبعت تلك الرسالة بسرعة؛ و كان مجلس ذلك العالم يضمّ جمعاً من أولاده و أصهاره، فتطرّق الحديث إلى رحلة العلّامة، و كان الحاضرون يدلون بأقوالهم، فسألني أحد أصهار هذا العالم، و كان من مواليد النجف و من أصل عربيّ من أحفاد المرحوم الصدر: ألم تكتبوا هذه الرسالة بالعربيّة؟ فلقد كان حريّاً أن تُكتب بتلك اللغة.
فأجبته: لقد كان العلّامة من المتكلّمين بالفارسيّة، و إيران بلده و موطنه. و قد ألِّف هذا الكتاب للتعريف بأحواله، و من الواضح أنّ شهرة العلّامة في إيران أكثر من غيرها.
قال: إنّكم على خطأ، فللعلّامة في البلاد العربيّة شهرة تفوق عشرات المرّات شهرته في إيران؛ فأساتذة الجامعات و أهل الفنّ و الاطّلاع، و حتى طلبة الجامعات يعتمدون على الدوام على تفسير «الميزان»، فالكلّ يعتبر «الميزان» مصدراً أصيلاً للتحقيق، في حين تراجعت جانباً تفاسير «المنار» و «في ظلال القرآن» و أمثالها.
و كان يقول: لقد كنتُ بنفسي مقيماً هناك، و لمستُ هذا الأمر عن كثب.
فقلتُ: ليس في الأمر من مشكلة، إذ يمكن لبعض أهل الخبرة ممّن لهم إلمام كامل بالعربيّة أن يترجم هذا الكتاب إليها ليتّضح لهم أيضاً الأسلوب الأخلاقيّ و السلوك الأدبيّ لهذا الفقيد السعيد و علوّ همّته وإخلاصه. رَحمةُ اللهِ عَلَيْهِ مَا بَقِيَتِ السَّمَاوَاتُ وَ الأرَضُونَ.۱
نموذج من التفسيرين: هل الجنّ هو الميكروب؟
قال العلّامة الطباطبائي قدّس الله نفسه الزكيّة: و لقد سئل الجنّ أنفسهم عن هذا الأمر: «ألم يأتكم رسل منكم»؟ أي من جنسكم، فقالوا في الإجابة: إنّ أنبياءنا من الإنس، و إنّا آمنّا بخاتمة الرسالات و أقررنا بالنبيّ خاتماً للرسل.
أفليس من المضحك و المثير للسخرية مع وجود هذه المطالب و هذه الآيات الجليّة أن يقول امرئ: إنّ الجنّ في القرآن بمعنى الميكروب. أو إنّ بعض أنواعهم ميكروبات؟ ذلك لأنّ الميكروب موجود حيّ و صغير و خفي. أفهل يحشر الله سبحانه هذه الميكروبات فيحاسبها و يعذّبها؟ أو أنّها تُلقى في جهنم مع البشر رديفاً لهم؟ أو كانت هذه الميكروبات هي التي تشرّفت بالحضور عند رسول الله في مكّة فآمنت به، و حكى الله سبحانه أقوالهم في قرآنه؟ فمحلّ نزول الجنّ في مكّة معين معروف، و قد سمّي بمسجد الجنّ، يقع قرب المسجد الحرام في شارع المسجد الحرام، حيث يستحبّ للحجّاج الذهاب إليه و الصلاة فيه ركعتين.
قال لي يوماً أحد المطّلعين في أحد مجالس طهران: أيّها السيّد! إنّ هؤلاء الأمريكان هم الجانّ أنفسهم، و إنّ من معجزات القرآن الكريم إخباره عن اكتشاف قارّة أمريكا؛ لأنّ الجنّ معناه الموجود الخفيّ الحيّ، و الأمريكان كانوا حتماً أحياء عند نزول القرآن و مخفيّين عن نظر جميع أفراد البشر.
فأجبته: إنّ الجنّ مقابل الإنس و عدله و مساويه، و هذه الحقيقة مشهورة في الخطابات القرآنيّة التي تعدّ الجنّ مع الإنس و ليس ضمنهم، و إنّ جميع أفراد البشر و جدوا من أصل واحد هو آدم و زوجه، تبعاً للآية الكريمة الصريحة: ﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَ خَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَ نِساءً. ﴾۱
فحيثما وجد البشر فهو إنسان من ولد آدم لا من الجنّ؛ لذا فإنّ جميع الرجال و النساء على ظهر البسيطة هم من آدم و حوّاء، و لا دخل للجنّ في هذا النسل، فالإنسان الإفريقيّ و الأمريكيّ و العنصر الأحمر هم كلّهم من طائفة الإنسان، و الإنسان غير الجنّ.
و أمثال هؤلاء الأفراد الذين يقحمون أنفسهم في التفسير بدون أن يمتلكوا معرفة بالمنطق القرآنيّ، فيحاولون تفسير القرآن وفق علومهم و مدركاتهم، ستظهر منهم نظائر هذه المطالب، فيدعون الميكروب شيطاناً و قصص القرآن تمثيلاً؛ و في الحقيقة فإنّهم سيعرضون أساطير و حكايات وهميّة من نسج خيالهم، و حاشا من كلامه العالي، الذي قال عنه: ﴿إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ، وَ إِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾؛۱ أن يسقط إلى هذا الحدّ في المطالب السطحيّة و التخيّلات الوهميّة.
و لو فهم هؤلاء المفسّرون آية واحدة فقط من القرآن: ﴿وَ ما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾، لمّا حاولوا إلى آخر حياتهم أن يتعرّضوا للتفسير و يقتحموا ميدانه. و حين يدرك الإنسان ضحالة علمه، فإنه لن يتعرّض للمطالب القرآنيّة السامية و الراقية التي تقصر الأفكار عن بلوغها، و يسلك طريق البحث والتنقيب إلى آخر عمره ليتّضح الأمر لديه بدرجة كافية؛ لا أن يكرّر على الدوام هذه الصيغة المحفوظة التي استظهرها الجميع: إنّ العلم لايؤيّد هذا الأمر! إنّ التجربة لم تثبت ذلك! إنّ علم وظائف الأحياء وعلوم الحياة لم تفعل كذا و كذا ... إلى آخره. فما علاقة علم وظائف الأعضاء و علوم الحياة بكشف الجنّ و الشيطان، أو برؤية الملائكة؟
إ نّ إدراك هذه الأمور له طريق آخر ما لم يسلكه الإنسان فلا حقّ له في التدخّل و إظهار النظر، و هذا الأمر من الواضحات، إذ إنّ فروع العلوم كثيرة و متشعّبة، و كلّ منها يختصّ بموضوع معيّن، فاستخدام علم وظائف الأعضاء في الورود في علم كشف الحقّائق و المخفيّات بما فيها الموجودات الملكوتيّة الرحمانيّة و الموجودات الجنيّة الشيطانيّة و السعي بتلك الأدوات و الوسائل للعثور على حلول لمسائل هذه العلوم، هو كالوصول إلى تركستان لمن كان يحثّ الخطى قاصداً مكّة!٢