المؤلّفالهیئة العلمیة لموقع مدرسة الوحي
القسم العقائد
التوضيح
هل فكرة وجود الإله هي مجرّد فرضيّة ابتكرها الإنسان البدائيّ لتفسير الظواهر الكونيّة التي يجهل أسبابها؟ ماذا لو تطوّر العلم وكشف عن جميع العلل؟ كيف يُثبت الفلاسفة الإلهيّون وجود الخالق مع إقرارهم التام بقانون العليّة الطبيعي؟ وكيف يجمع القرآن الكريم بين نسبة الأفعال إلى أسبابها الطبيعيّة والاختياريّة، وبين نسبتها إلى الله تعالى؟ وما هو الخطأ الذي وقعت فيه الكنيسة في القرون الوسطى وبعض المتكلّمين ممّا مهّد لظهور هذه الشبهة الماديّة؟
هو العليم
هل منشأ الاعتقاد بالله هو الجهل بعلل بعض الظواهر؟
قانون العليّة وتطور العلم
سلسلة بحوث من تفسير الميزان، البحوث الاعتقاديّة، شبهات حول أصل الدين
إعداد: الهيئة العلميّة في مدرسة الوحي
المصدر: تفسير الميزان ج۱
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد للّه ربّ العالمين
وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين
ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين
ما أغفل هؤلاء الذين يعدّون الصناعيّات من الأشياء التي يعملها الإنسان مصنوعة مخلوقة للإنسان مقطوعة النسبة عن إله العالم عزّ اسمه مستندين إلى أنها مخلوقة لإرادة الإنسان و اختياره.
هل منشأ الاعتقاد بالله هو الجهل بعلل بعض الظواهر؟
بيان الشبهة
فطائفة منهم و هم أصحاب المادّة من المنكرين لوجود الصانع زعموا أنّ حجة المليّين۱ في إثبات الصانع: أنّهم وجدوا في الطبيعة حوادث و موجودات جهلوا عللها الماديّة، و لزمهم من جهةِ القول بعموم قانون العليّة والمعلولية في الأشياء و الحوادث أن يحكموا بوجود عللها، و هي مجهولة لهم بعد، فأنتج ذلك القول بأنّ لهذه الحوادث المجهولة العلّة علّة مجهولة الكنه هي وراء عالم الطبيعة؛ و هو الله سبحانه؛ فالقول بأنّ الصانع موجود فرضيّة أوجب افتراضها ما وجده الإنسان الأوّلي من الحوادث الماديّة المجهولة العلل، كالحوادث الجويّة و كثير من الحوادث الأرضيّة المجهولة العلل، و ما وجده من الحوادث و الخواصّ الروحيّة التي لم يكشف العلوم عن عللها الماديّة حتّى اليوم.
قالوا: و قد وفّقت العلوم في تقدمها الحديث لحلّ المشكل في الحوادث الماديّة، و كشفت عن عللها فأبطلت من هذه الفرضيّة أحد ركنيها، و هو احتياج الحوادث الماديّة المجهولة العلل إلى علل ورائها، وبقي الركن الآخر و هو احتياج الحوادث الروحيّة إلى عللها، و انتهاؤها إلى علّة مجرّدة، و تقدُّمُ البحث في الكيمياء الآليّ٢ جديدًا يعدنا وعدًا حسنًا أن سيطّلع الإنسان على علل الروح، و يقدر على صنعة الجراثيم الحيويّة، و تركيب أيّ موجود روحيّ و إيجاد أيّ خاصّة روحيّة، و عند ذلك ينهدم أساس الفرضيّة المذكورة و يخلق الإنسان في الطبيعة أيّ موجود شاء من الروحيّات كما يخلق اليوم أيّ شيء شاء من الطبيعيّات، و قد كان قبل اليوم لا يرضى أن ينسب الخلق إلا إلى علّة مفروضة فيما وراء الطبيعة، حمله على افتراضها الجهل بعلل الحوادث. هذا ما ذكروه.
الجواب الأول: المعتقدون بالله يعتقدون بأنّه علّة لجميع العالم حتّى ما علموا علله الطبيعيّة
و هؤلاء المساكين لو أفاقوا قليلاً من سكرة الغفلة و الغرور، لرأوا أنّ الإلهيّين من أوّل ما أذعنوا بوجود إله للعالم ـ و لن يوجد له أول ـ أثبتوا هذه العلّة الموجدة لجميع العالم، و بين أجزائه حوادث معلومة العلل و فيها حوادث مجهولة العلل، و المجموع من حيث المجموع مفتقر عندهم إلى علّة خارجة، فما يثبته أولئك غير ما ينفيه هؤلاء.
فالمثبتون ـ و لم يقدر البحث و التاريخ على تعيين مبدإ لظهورهم في تاريخ حياة النوع الإنساني ـ أثبتوا لجميع العالم صانعًا واحدًا أو كثيرًا ـ و إن كان القرآن يثبت تقدّم دين التوحيد على الوثنيّة۱، و قد بيّن ذلك الدكتور ماكس موللر الألماني المستشرق صاحب التقدّم في حلّ الرموز السنسكريتيّة ـ و هم حتّى الإنسان الأوليّ منهم يشاهدون العلل في بعض الحوادث الماديّة، فإثباتهم إلهًا صانعًا لجميع العالم استنادًا إلى قانون العليّة العام ليس لأجل أن يستريحوا في مورد الحوادث المجهولة العلل حتّى ينتج ذلك القول باحتياج بعض العالم إلى الإله و استغناء البعض الآخر عنه، بل لإذعانهم بأنّ هذا العالم المؤلّف من سلسلة علل و معلولات طبيعيّة بمجموعها و وحدانيّتها، لا يستغني عن الحاجة إلى علّة فوق العلل تتّكي عليها جميع التأثيرات و التأثّرات الجارية بين أجزائه، فإثبات هذه العلّة العالية لا يبطل قانون العليّة العامّ الجاري بين أجزاء العالم أنفسها، و لا وجود العلل الماديّة في موارد المعلولات الماديّة يغني عن استناد الجميع إلى علّة عالية خارجة من سلسلتها، و ليس معنى الخروج وقوف العلّة في رأس السلسلة، بل إحاطتها بها من كلّ جهة مفروضة.٢
و من عجيب المناقضة في كلام هؤلاء أنّهم قائلون في الحوادث و من جملتها الأفعال الإنسانيّة بالجبر المطلق، فما من فعل و لا حادث غيره إلا و هو معلول جبريّ لعلل عندهم، و هم مع ذلك يزعمون أنّ الإنسان لو خلق إنسانًا آخر كان غير منته إلى علّة العالم لو فرض له علّة.
و هذا المعنى الذي قلنا ـ على لطفه و دقّته و إن لم يقدر على تقريره الفهم العاميّ الساذج لكنّه موجود على الإجمال في أذهانهم حيث قالوا باستناد جميع العالم بأجمعه إلى الإله الصانع و فيه العلل والمعلولات. فهذا أولاً.
الجواب الثاني: قانون العليّة عامّ للعلل الطبيعيّة المعلومة وغيرها
ثمّ إنّ البراهين العقليّة التي أقامها الإلهيون من الحكماء الباحثين أقاموها بعد إثبات عموم العلية و بنوا فيها على وجوب انتهاء العلل الممكنة إلى علة واجبة الوجود، و استمرّوا على هذا المسلك من البحث منذ ألوف من السنين من أقدم عهود الفلسفة إلى يومنا هذا، و لم يرتابوا في استناد المعلولات التي معها عللها الطبيعيّة الممكنة إلى علّة واجبة، فليس استنادهم إلى العلة الواجبة لأجل الجهل بالعلة الطبيعيّة، وفي المعلولات المجهولة العلل كما يتوهّمه هؤلاء، و هذا ثانيًا.
الجواب الثالث: القرآن يقرّ جريان قانون العليّة في جميع أجزاء العالم
ثمّ إنّ القرآن المثبت لتوحيد الإله إنّما يثبته مع تقرير جريان قانون العليّة العامّ بين أجزاء العالم، و تسليم استناد كلّ حادث إلى علّة خاصّة به، و تصديق ما يحكم به العقل السليم في ذلك، فإنّه يسند الأفعال الطبيعيّة إلى موضوعاتها و فواعلها الطبيعيّة، و ينسب إلى الإنسان أفعاله الاختياريّة في آيات كثيرة لا حاجة إلى نقلها، ثمّ ينسب الجميع إلى الله سبحانه من غير استثناء، قال تعالى: ﴿اَللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾۱ ، وقال تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اَللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ ، و قال تعالى: ﴿أَلاَ لَهُ اَلْخَلْقُ وَ اَلْأَمْرُ﴾٢، و قال تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي اَلسَّمَاوَاتِ وَ مَا فِي اَلْأَرْضِ﴾٣، فكل ما صدق عليه اسم شيء فهو مخلوق لله منسوب إليه على ما يليق بساحة قدسه و كماله، و قد جمع في آيات أخر بين الإثباتين جميعا فنسب الفعل إلى فاعله و إلى الله سبحانه معا كقوله تعالى: ﴿وَ اَللَّهُ خَلَقَكُمْ وَ مَا تَعْمَلُونَ﴾٤، فنسب أعمال الناس إليهم و نسب خلق أنفسهم و أعمالهم إليه تعالى، و قال تعالى: ﴿وَ مَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لَكِنَّ اَللَّهَ رَمى﴾٥، فنسب الرمي إلى رسول الله و نفاه عنه و نسبه إلى الله تعالى إلى غير ذلك.
و من هذا الباب آيات أخر تجمع بين الإثباتين بطريق عام كقوله تعالى: ﴿وَ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾۱، و قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ إلى أن قال ﴿وَ كُلُّ صَغِيرٍ وَ كَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾٢، و قال تعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ اَللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾٣، و قال تعالى: ﴿وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَ مَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾٤، فإنّ تقدير كلّ شيء هو جعله محدودًا بحدود العلل الماديّة و الشرائط الزمانيّة و المكانيّة.
و بالجملة فكون إثبات وجود الإله الواحد في القرآن على أساس إثبات العليّة و المعلوليّة بين جميع أجزاء العالم، ثمّ استناد الجميع إلى الإله الفاطر الصانع للكلّ مما لا يعتريه شكّ و لا ريب، لا كما يزعمه هؤلاء من إسناد البعض إلى الله و إسناد الآخر إلى علله الماديّة المعلومة، و هذا ثالثًا.
الدافع إلى هذه الشبهة
نعم حملهم على هذا الزعم ما تلقّوه من جمع من أرباب النحل الباحثين عن هذه المسألة و أمثالها في فلسفة عاميّة كانت تنشرها الكنيسة في القرون الوسطى. أو يعتمد عليها الضعفاء من متكلّمي الأديان الأخرى و كانت مؤلّفه من مسائل محرّفة ما هي بالمسائل، و احتجاجات و استدلالات واهية فاقدة لاستقامة النظر، فهؤلاء لمّا أرادوا بيان دعواهم الحقّ الذي تقضي بصحّته إجمالاً عقولهم، و نقله من الإجمال إلى التفصيل دفعهم ضعف التعقّل و الفكر إلى غير الطريق فعمّموا الدعوى، و توسّعوا في الدليل، فحكموا باستناد كلّ معلول مجهول العلّة إلى الله سبحانه من غير واسطة، و نفوا حاجة الأفعال الاختياريّة إلى علّة موجبة، أو احتياج الإنسان في صدور فعله الاختياريّ إلى الإله تعالى، و استقلاله في فعله، و قد مرّ البحث عن قولهم في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَ ما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ اَلْفَاسِقِينَ﴾٥، و نورد هاهنا بعض ما فيه من الكلام٦.
مشكلة بعض المسلمين
و طائفة منهم ـ و هم بعض المحدّثين و المتكلّمين من ظاهريي المسلمين و جمع من غيرهم ـ لم يقدروا أن يتعقّلوا معنى صحيحًا لإسناد أفعال الإنسان الاختياريّة إلى الله سبحانه على ما يليق بالمقام الربوبيّ فنفوا استناد مصنوعات الإنسان إليه سبحانه، و بالخصوص فيما وضعه للمعصية خاصّة كالخمر و آلات اللهو و القمار و غير ذلك، و قد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا اَلْخَمْرُ وَ اَلْمَيْسِرُ وَ اَلْأَنْصَابُ وَ اَلْأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ اَلشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾۷. و معلوم أنّ ما عدّه الله سبحانه عملاً للشيطان لا يجوز أن ينسب إليه.
و قد مرّ فيما تقدّم۱ ما يظهر به بطلان هذا التوهّم نقلاً و عقلاً، فالأفعال الاختياريّة كما أنّ لها انتسابًا إلى الله سبحانه على ما يليق به تعالى كذلك نتائجها و هي الأمور الصناعيّة التي يصنعها الإنسان لداعي رفع الحوائج الحيويّة.
على أنّ الأنصاب الواقعة في الآية السابقة هي الأصنام و التماثيل المنصوبة المعبودة التي ذكر الله سبحانه أنّها مخلوقة له في قوله: ﴿وَ اَللَّهُ خَلَقَكُمْ وَ مَا تَعْمَلُونَ﴾، (الآية) و من هاهنا يظهر أنّ فيها جهات مختلفة من النسب ينسب من بعضها إلى الله سبحانه و هي طبيعة وجودها مع قطع النظر عن وصف المعصية المتعلّق بها، فإنّ الصنم ليس بحسب الحقيقة إلا حجرًا أو فلزًّا عليه شكل خاص و ليس فيه ما يوجب نفي انتسابه إلى موجد كلّ شيء، و أما أنّه صنم معبود دون الله سبحانه فهذه هي الجهة التي يجب نفيها عنه تعالى و نسبتها إلى عمل غيره من شيطان أو إنسان، و كذا حكم غيره من حيث انتسابه إليه تعالى و إلى غيره.
فقد تبين من جميع ما مر أن الأمور الصناعيّة منتسبة إلى الخلقة كاستناد الأمور الطبيعيّة من غير فرق، نعم يدور الأمر في الانتساب إلى الخلقة مدار حظّ الشيء من الوجود فافهم ذلك.٢