المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني
القسممباني الإسلام
المجموعةمحطات من السيرة النبويّة
هو العليم
جامعيّة وسعة الروح النبيّ الأكرم مقارنة بسائر الأنبياء
طرح مباني الإسلام – محطات من السيرة النبوية - المحاضرة التاسعة
(ترجمة مؤقتة بمساعدة الذكاء الصناعي: تُرجم هذا الدرس بمساعدة الذكاء الاصطناعي باستخدام أفضل الأدوات المتاحة، وحرِصنا على تحقيق أعلى جودة ممكنة. ومع ذلك، فهي ترجمة مؤقّتة سنعمل على مراجعتها لاحقًا لضمان دقتها الكاملة. إذا وَجدْتَ أيّ ملاحظة، نرجو إبلاغنا بها للمساهمة في تحسين المحتوى.)
إلقاء:
آية الله الحاج السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ
قدّس الله سرّه
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين
ثمّ الصلاة والسلام على سيّدنا ونبيّنا وحبيب قلوبنا وطبيب نفوسنا
أبي القاسم المصطفى محمّد وعلى آله الطيّبين الطاهرين المعصومين المكرّمين
واللعنة على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين
إدراك الفقر والربط المحض بسبب ظهور التوحيد
قال الله في كتابه: ﴿لَقَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ عَزِيزٌ عَلَيۡهِ مَا عَنِتُّمۡ حَرِيصٌ عَلَيۡكُم بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ﴾۱.
من لوازم التوحيد وظهور نور التوحيد في القلوب والنفوس، هو أن يرى الإنسان جميع الموجودات وما سوى الله ربطًا محضًا وفقرًا مطلقًا أمام الباري عزّ وجلّ؛ ولازمة هذه المسألة أن يُدرك أنّ جميع الخلائق لا استقلال لها في الوجود والشؤون والحيثيّات.
﴿فَسُبۡحَٰنَ ٱلَّذِي بِيَدِهِۦ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيۡءٖ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ﴾٢؛ «يعني: منزّه هو الإله الذي حقيقة الأشياء بيده، وملَكوت العالَم رهن قدرته وسيطرته، وإليه مرجع جميع التقيّدات والتعيّنات والحدود والقيود!».
بناءً على هذا، فإنّ الأشخاص الذين تجلّت لهم هذه المسألة وأدركوا هذا المعنى، يرون جميع الأمور وشؤونات ما سوى الله مرتبطة بالباري عزّ وجلّ، ولا يمكنهم أن يكون لهم أيّ دخل أو تصرّف من قِبل أنفسهم في أمور الناس وفي أمورهم الخاصّة، بل تتجلّى في وجودهم جنبة الطاعة والعبوديّة المحضة فقط.
معنى العبوديّة والانقياد المطلق في وجود الملائكة
يكشف الله تعالى الستار عن هذا المعنى في حقّ الملائكة الذين يمتلكون العقل الصرف والعبوديّة المحضة والنور المطلق، فيقول: ﴿وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَلَدٗا سُبۡحَٰنَهُۥ بَلۡ عِبَادٞ مُّكۡرَمُونَ﴾٣، ﴿لَا يَسۡبِقُونَهُۥ بِٱلۡقَوۡلِ وَهُم بِأَمۡرِهِۦ يَعۡمَلُونَ﴾٤.
ليس للملائكة من قِبل أنفسهم إبداء أيّ رأي، وجنبة الانحراف والتمرّد والأنانيّة مسدودة في وجودهم بالكلّيّة، ونفسهم وروحهم المجرّدة عبارة عن عقل محض وطاعة مطلقة من دون أيّ شائبة من الهواجس والأهواء الدنيويّة؛ وبناءً على ذلك، فما لا يمتلكونه لا يمكن أن يترشّح منهم، وما لم يخمّره الله تعالى في وجودهم، لا يمكن أن يصدر عنهم. هذا المعنى هو ذات الطاعة الصرفة والانقياد المطلق الذي أودعه الله تعالى في وجود الملائكة كأمانة.
عدم إمكان تخطّي وانحراف الأنبياء والأولياء الواصلين إلى مقام العبوديّة والانقياد المطلق
وأمّا الأنبياء والأولياء الذين وصلوا إلى هذه المرحلة من الانقياد، ويرون أنفسهم وجميع المخلوقات مِلكًا صرفًا للباري عزّ وجلّ، فتتجلّى في وجودهم جنبة الطاعة المطلقة والانقياد الصرف، ولا إمكانيّة للتخطّي والانحراف في نفوسهم من دون أمر الباري ورضاه، ومسارهم ومنهاجهم دائمًا هو رضا الباري وإطاعة أوامره ونواهيه.
يقول تعالى في القرآن المجيد بشأن النبيّ الأكرم: ﴿وَلَوۡ تَقَوَّلَ عَلَيۡنَا بَعۡضَ ٱلۡأَقَاوِيلِ * لَأَخَذۡنَا مِنۡهُ بِٱلۡيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعۡنَا مِنۡهُ ٱلۡوَتِينَ * فَمَا مِنكُم مِّنۡ أَحَدٍ عَنۡهُ حَٰجِزِينَ﴾.۱
توضح هذه الآية جيّدًا أنّه تتجلّى في وجود الأنبياء والنبيّ الأكرم جنبة الطاعة المحضة فقط، ولا معنى لإبداء الرأي وإظهاره في قبال الباري عزّ وجلّ منهم؛ ولو صدر منهم ذلك، لآخذهم الله تعالى وعاتبهم!
تطابق منهاج النبيّ في هداية البشر مع منهاج الباري عزّ وجلّ
ولدينا في آية أخرى: ﴿فَذَكِّرۡ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٞ * لَّسۡتَ عَلَيۡهِم بِمُصَيۡطِرٍ﴾٢؛ هؤلاء عباد ومخلوقات لديهم ربط بينهم وبين بارئهم؛ ووظيفتك فقط هي التخويف والإنذار والوعد بالثواب والمثوبات الإلهيّة! إنّما عليك البلاغ والإنذار، والوعد بمثوبة الله وحسن جزائه؛ وما كان للرسول أن يُبدي رأيًا من عند نفسه، أو يستجلب اهتمامهم، أو يوجّههم إلى غير المنهاج الذي شرعه الله له! وظيفة النبيّ هي تحريك الناس وهدايتهم وفق الأسلوب والمنهاج الذي حُدّد له. إذا ظنّ في ذهنه صحّة أمر في قبال أمر الباري ومنهاجه، فلا ينبغي له أن يُظهره؛ بل لا يظنّ صحّته أصلًا! وإذا شخّص طريقًا في قبال طريق الباري، فهذا خطأ! وإذا أراد النبيّ أن يحدّد رأيًا في قبال رأي الباري عزّ وجلّ ومنهاجه لهداية الناس، فهذا هو عين البطلان وعين الخطأ! فطريق النبيّ هو طريق الباري، ومسار النبيّ هو مسار الباري.
وبعبارة أخرى أوضح وأصرح أقول: لنفترض أنّه لو كان الله تعالى مجسّمًا ومتمثّلًا في صورة إنسان وحدّد طريقًا لهداية الناس، لكانت كيفيّة هداية وإرشاد وأمر ونهي النبيّ الأكرم هي نفس الكيفيّة عينها؛ لا أنّه يريد إبداء رأي من عنده، ولا أنّ الباري قد حدّد له طريقًا فشخّص هو كيفيّة أخرى بناءً على المصالح والمفاسد! كلّ هذه خرافات وأباطيل وبعيدة عن الحقيقة والواقع!
اختلاف الأنبياء بسبب التفاوت في سعة الصدر
بناءً على هذا، فإنّ الأنبياء، وخصوصًا نبيّنا الذي يمتلك المقام الأكمل والأتمّ من سائر الأنبياء والمرسلين، هم على السواء في هذه المرحلة من الكمال، أي انكشاف نور التوحيد وظهور مالكيّة الباري وعبوديّة جميع الخلائق للباري عزّ وجلّ؛ والحديث هو في أنّ التفاوت بينهم مشهود ومُشاهَد بسبب سائر الكمالات وسعة الصدر.
علّة اشتراك الأنبياء والناس في الصفات وفي طريق الوصول إلى الباري
يبعث الله تعالى، بفضل صفة رأفته ورحمانيّته، الأنبياء والمرسلين من جنس الناس ويمتلكون الخصوصيّات الروحيّة والنفسيّة مثل هؤلاء الناس، ويتعاملون ويختلطون معهم، وهم مطّلعون بشكل عامّ على زوايا نفوسهم، وذلك من أجل هدايتهم. إنّ هداية الأنبياء وإرشادهم لهؤلاء الناس تستلزم التحلّي برأفة الله ورحمانيّته؛ وبفضل هذه الرأفة والرحمة التي أودعها الله في نفوسهم، يوفَّقون لهداية الخلق مع صونِ الوجهة التوحيديّة لمُلكيّة العباد ومِلكيّتهم إزاء ربّهم وخالقهم.
يعني من جهة، وجود بصيرة التوحيد وعبوديّة الخلائق للباري عزّ وجلّ وانكشاف المالكيّة المطلقة للباري في وجودهم، ومن جهة أخرى تجلّيهم بصفة الرحمانيّة والرأفة الإلهيّة تجاه الخلائق، يوجبان جهوزية أرضيّتهم وقابليّتهم لهداية الناس.
ولذا، لا يمكن لهؤلاء الناس أن يعترضوا على الأنبياء والأولياء من وجهة النظر هذه؛ لأنّهم أنفسهم يشتركون مع الأنبياء في هذه الصفة، والطريق النفسيّ والهداية إلى الباري عزّ وجلّ للناس والأنبياء هو طريق واحد؛ بخلاف طريق بقيّة الخلائق من الملائكة والجنّ الذين يمتلكون طرقًا متفاوتة. الأنبياء هم من جنس هؤلاء الناس أنفسهم، ومع وجود هذه الغرائز والصفات عينها، يمتلكون طريقًا واحدًا ومسارًا واحدًا للوصول إلى الملأ الأعلى، ولذا خاطب الكفّار الأنبياء: ﴿قَالُوٓاْ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَا فَأۡتُونَا بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٖ﴾ ۱؛ وهذا يحكي عن أنّهم سيكونون مشترِكين مع الناس من وجهة نظر الغرائز والصفات، ولكن مع الحفاظ على الجنبة التوحيديّة، أي زوال الكدورات من هذه الصفات؛ على عكس سائر الناس وبخلافهم.
أمر الله بوجوب المداراة مع الناس
لدينا رواية عن الإمام الصادق عليه السلام أنّ النبيّ الأكرم يقول: «إنَّ اللَهَ يُقرِئُكَ السَّلامَ ويَقولُ: يا مُحمَّدُ، دارِ خَلقي!» ٢ يعني أنّ هؤلاء الناس الذين يمتلكون هذه الأوصاف والصفات وقد أمضوا عمرًا في الضلالة والجهالة والتعصّب، فإنّ إرجاعهم وعودتهم من المسار الباطل، وتثبيتهم على الصراط المستقيم، فيه مشقّة وهو أمر صعب، ويحتاج إلى الصبر والحِلم والأناة والاستقامة! يجب التعامل معهم بالمداراة...، ويجب مسايرتهم، ولا ينبغي تحميلهم أكثر من قابليّتهم وسعتهم.
ومن المطالب والأسئلة التي سألها النبيّ الأكرم للباري عزّ وجلّ في ليلة المعراج هي: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلۡنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦ وَٱعۡفُ عَنَّا وَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَآ أَنتَ مَوۡلَىٰنَا فَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾.۱
وفي رواية أخرى عن الإمام الصادق عليه السلام أنّ النبيّ الأكرم قال: «إنَّما أُمِرتُ لِمُداراةِ النَّاسِ كَما أُمِرتُ لِأداءِ الفَرائِضِ»٢.
اختلاف سعة وقابليّة الأنبياء في مقدار المداراة مع الناس
بناءً على ذلك، نرى في هذه النقطة أنّ هناك اختلافًا بين الأنبياء الذين يمتلكون سعة قابليّات متنوّعة ومختلفة. فقد كان كلّ واحد من الأنبياء والمرسلين، بمقدار سعة قابليّته وبمقدار تحمّله من حيث امتلاك صفة الرأفة، يرافق الناس ويداريهم إلى حدّ ما؛ وما زاد عن ذلك المقدار الذي كان يخرج عن حدود تحمّلهم، كان يضيق به صدرهم، وكانوا يطلبون من الله النقمة واللعنة لأمّتهم.
استكمال ونموّ سعة النبي يونس في إرشاد أمّته بفضل ظهور نور التوحيد
ورد لدينا بشأن النبي يونس: ﴿وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَٰضِبٗا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقۡدِرَ عَلَيۡهِ فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ أَن لَّآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبۡحَٰنَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾٣. كان النبي يونس من كبار الأنبياء الذين بُعثوا إلى أمّتهم. أمضى فترة بين الناس وقام بالإنذار والبشارة والوعد والوعيد، ولكن عندما لم يتخلّ الناس عن عاداتهم وسلوكهم ولم يتديّنوا بدينه، ضاق صدره وخرج من بين قومه ومضى في حالة من السخط والغضب: ﴿وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَٰضِبٗا﴾؛ «حين خرج من بين قومه كان في حالة من السخط والغضب!». ولم يعد بإمكانه تحمّلهم، ووصل تحمّله لأعباء الرسالة إلى نهايته، ولم يستطع أن يُبدي الصبر في قبال هذه الإساءات والأذى الذي كان الناس يمارسونه؛ ولذا خرج من بين قومه في حالة من السخط والغضب: ﴿فَظَنَّ أَن لَّن نَّقۡدِرَ عَلَيۡهِ﴾.
الآية آية عجيبة! حسنًا يا حضرة يونس، أنت نبيّنا، وأنت جئت من قِبلنا، وأنت بُعثت بين قومك بذلك النور التوحيديّ وتلك البصيرة؛ فقليلًا من المداراة، وقليلًا من الإنذار الإضافيّ، وقليلًا من المعاملة الأفضل مع الناس، وقليلًا من التحمّل الأكبر!
يقول تعالى في ذيل الآية: ﴿فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ أَن لَّآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبۡحَٰنَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾؛ حين استقرّ حضرة يونس في بطن الحوت، خاطب الباري قائلًا: ﴿لَّآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنتَ﴾، وجرى على لسانه الذكر المبارك للتوحيد». عندما يصل إلى هنا يتنبّه حضرة يونس؛ أي إنّ الله تعالى يكشف عنه حجابًا من الحجب، وبسبب تحمّله لبعض المصائب والمشاكل وبسبب التنبيه الذي يعطيه إيّاه الباري، تنكشف له هذه الحالة العرفانيّة والتوحيديّة، وهي: ﴿لَّآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبۡحَٰنَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾؛ «يعني: يا ربّ، لا يوجد أيّ تعيّن ولا أيّ استقلال سوى تعيّن واستقلال ذاتك الفريدة! يا ربّ، لا معبود موجود سوى ذاتك المقدّسة! يا ربّ، لا توجد أيّ ذات مستقلّة لها حيثيّة واستقلال وتشعر من ذاتها بشائبة وجوديّة، سوى ذاتك المقدّسة والمنحصرة بك!».
حسنًا، نفهم من هنا لماذا وبأيّ سبب خرج النبي يونس من بين قومه. حسنًا يا نبي الله يونس، هؤلاء الناس أيضًا هم خلائق الباري، وهؤلاء الناس أيضًا عبادنا، وكلّ هؤلاء الناس عبيد لنا؛ فلماذا ينبغي لك أن تستاء؟! ولماذا يجب أن تخرج من بين هؤلاء الناس في حالة غضب؟! هناك يقول النبي يونس في بطن الحوت: ﴿سُبۡحَٰنَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾.
مقدار سعة النبي موسى في حادثة عجل السامريّ
عندما ذهب النبي موسى على نبيّنا وآله وعليه السلام إلى جبل الطور وناجى الباري وجاء بالألواح، ثمّ جاء نحو قومه ورأى أنّهم قد ارتدّوا جميعًا وعادوا عبّادًا للعجل، غضب! غضب إلى درجة أنّه أقبل على أخيه يعنّفه ويؤذيه، حتّى قال له أخوه: ﴿يَبۡنَؤُمَّ لَا تَأۡخُذۡ بِلِحۡيَتِي﴾۱، ﴿إِنَّ ٱلۡقَوۡمَ ٱسۡتَضۡعَفُونِي وَكَادُواْ يَقۡتُلُونَنِي﴾٢.
حسنًا، لحضرة موسى الحقّ في ذلك؛ فبعد أن أتى وتحمّل كلّ هذه المشقّة من أجل هؤلاء الناس وأنقذهم من يد فرعون، وذلك بعد تلك المصائب التي كان بنو إسرائيل يتحمّلونها في عهد فرعون والتي كان الأقباط يمارسونها عليهم من ذبح أبنائهم واسترقاق نسائهم؛ إلّا أنّ حضرة موسى قد أتى لهداية الناس وأنقذهم منه وأوصلهم إلى التوحيد، وكشف لهم نور التوحيد وأخرجهم من تلك الجاهليّة والهمجيّة؛ والآن بعد أن غاب عنهم لعدّة أيّام، ظهر السامريّ وجعلهم يعبدون العجل! ولذا يرى النبي موسى جميع الجهود والمتاعب التي تحمّلها من أجلهم في هذه المدّة قد ذهبت أدراج الرياح؛ فكان تحمّل حضرة موسى هنا إلى هذا الحدّ، ولذلك يغضب! ولكن لا ينبغي له أن يغضب!٣
اختصاص صفة الرأفة والرحمة المطلقة للباري بالنبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم
نحن نرى فيما يخصّ جميع الأنبياء أنّ سعة قابليّتهم تجاه مراتب التوحيد وتجلّي الرأفة والرحمانيّة وسائر صفات الباري متغايرة. ولذا نرى أنّ كلًّا منهم يُبدي في المواقف المختلفة نوعًا من إظهار الضعف؛ سوى نبيّنا، النبيّ الخاتم صلّى الله عليه وآله، حيث يقول الله تعالى في حقّه: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ﴾٤.
يعني أنّ ظهور وبروز الرحمة المطلقة للباري ـ على نحو الإطلاق، لا على نحو التقييد ـ هو في الذات المقدّسة للنبيّ الأكرم! فالحديث يدور حول هذا! ولذا نرى أنّ نفس النبيّ الأكرم في غاية الإطلاق والبساطة، ورحمة الباري في نفسه المقدّسة هي على نحو لا نجد معه أبدًا، ولا بأيّ وجه من الوجوه، شائبة من الميل إلى الغرائز الموجودة فينا، والميل إلى الأوصاف المتمثّلة في هذه الدنيا، في وجوده الشريف.
لدينا في الرواية أنّ أمير المؤمنين عليه السلام ينقل عن النبيّ الأكرم أنّه: قال صلّى الله عليه وآله: «ثمَّ وَصَفَنِيَ اَللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِالرَّأْفَةِ وَ اَلرَّحْمَةِ وَ ذَكَرَ فِي كِتَابِهِ: ﴿لَقَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ عَزِيزٌ عَلَيۡهِ مَا عَنِتُّمۡ حَرِيصٌ عَلَيۡكُم بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ﴾»۱و٢
ليس في أيّ وصف من الأوصاف التي يبيّنها الله تعالى للأنبياء السلف صفة الرأفة والرحمة؛ وهذا يخصّ النبيّ الأكرم فقط. يعني أنّ تلك الرأفة والرحمة التي ينسبها الله لنفسه، ينسبها للنبيّ الأكرم أيضًا! إنّ الأوصاف المتعلّقة بالنبيّ الأكرم عجيبة حقًّا! فنحن نرى أنّ خصوصيّات تبليغ الرسالة للنبيّ تختلف أصلًا عن بقيّة الأنبياء، وكان النبيّ يتكبّد جهدًا ومشقة وتكلّفًا عجيبًا في سبيل هداية الناس، وهو أمر لا نرى مثله في سائر الأنبياء والمرسلين! ﴿بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ﴾.
يقول رسول الله: «ما أُوذِيَ نَبِيٌّ مِثلَ ما أُوذِيتُ!»
أمّا عندما ننظر إلى التاريخ، فنرى ماذا فعلت هذه الأمّة مع هذا النبيّ، حتّى يقول هو نفسه: «ما أُوذِيَ نَبِيٌّ مِثلَ ما أُوذِيتُ»٣.
في يوم من الأيّام كان النبيّ الأكرم جالسًا في حجر إسماعيل، فاجتمع مشركو قريش وأحضروا رحم شاة، وقالوا: من يضع هذا على رأس النبيّ؟ فأخذ أبو لهب رحم الشاة من بينهم، وجاء وطرحه على رأس النبيّ فلوّث رأسه ووجهه الشريف! اجتمع بنو هاشم وأتى حضرة أبو طالب، وعندما رأوا هذا الوضع، نادوا حضرة حمزة ـ وكان حمزة معروفًا جدًّا بينهم بالشجاعة والاقتدارـ فأخذ حمزة سيفه بيده وأحضر رحم الشاة ذلك، ورأى أنّ كبار قريش ـ وهم الأشخاص أنفسهم الذين صدر منهم هذا الفعل ـ جلوس ومجتمعون. فجاء حمزة، وفي يده الأخرى السيف، ومسح برحم الشاة ذلك على رؤوسهم ووجوههم جميعًا، وقال: «من أبى ذلك، ضربت عنقه بالسيف!»٤. هكذا كانوا يفعلون بالنبيّ!
في يوم آخر كان النبيّ جالسًا في المسجد الحرام، فأقبل أبو جهل ـ واسمه عمرو بن هشام ـ وتجاسر على النبيّ وشتمه وسبّه. تجمّع الناس واجتمعوا، وفي هذه الأثناء دخل حضرة حمزة —الذي كان قد خرج من مكّة للصيد— حاملاً قوسه وأدوات صيده، ورأى الناس مجتمعين في المسجد الحرام، فسأل: «ما الخبر؟!»، فقالوا: «جاء أبو جهل وسبّ النبيّ!»، فاستاء وغضب.
التفت النبيّ الأكرم إلى أبي طالب وقال: «انظر إلى حسبي ونسبي، كيف يسبّونني!».
جاء حضرة حمزة فضرب أبا جهل بتلك القوس على رأسه، ثمّ رفعه وضربه بالأرض؛ فتدخّل الناس وفرّقوا بينهما. بعد ذلك التفتوا إلى حمزة وقالوا له: «هل دخلت في دين ابن أخيك؟! وهل تخلّيت عن دين آبائك؟! هل تخلّيت عن عبادة الأصنام؟!». فأجابهم حضرة حمزة ـ وهو غاضب ومستاء من هؤلاء الناس ـ قائلًا: «نعم!». ولكنّه عندما عاد إلى منزله ندم ـ لابدّ وأنّه كان لحضرة حمزة عادات وكان في موقعيّة أخرى ـ وشعر بالانزعاج، فجاء إلى النبيّ وقال له: «حسنًا يا ابن أخي! هل حقًّا هذا الكلام الذي تقوله صحيح؟ صحيح أنّنا غضبنا البارحة وانزعجنا ودافعنا عنك؛ ولكن خلاصة القول، هل كلامك هذا حقّ؟ أخبرنا!». بعد ذلك، قرأ النبيّ له سورة من القرآن؛ وعندما استمع إلى القرآن من لسان النبيّ الأكرم، أسلم في مكانه!۱
ليس الآن مجال التحدّث والحديث عن الإساءات التي ألحقوها بالنبيّ الأكرم. هذه هي الإساءات الظاهريّة؛ أمّا تلك الإساءات التي قام بها المنافقون لإحباط أعماله وسلوكه وأفعاله، فلها قصّة أخرى!
جامعيّة النبيّ في مظهريّة نور التوحيد والرأفة والرحمانيّة
حينئذٍ انظروا إلى هذا النبيّ، بهذه الخصوصيّات، والذي جعله الله مظهرًا لرأفته ورحمته، كيف يكون حاله عندما يرى أنّ هذه الأمّة لا تهتدي؟ حسنًا، فتارة نجد الملائكة الذين لم تُودع في وجودهم غرائز بشريّة ولا خصوصيّات إنسانيّة: ﴿لَا يَسۡبِقُونَهُۥ بِٱلۡقَوۡلِ وَهُم بِأَمۡرِهِۦ يَعۡمَلُونَ﴾٢، فهؤلاء لهم طريق ومنهاج واحد، ويسيرون وفقًا لمنهاجهم هذا! ولكنّ الحديث هنا حول النبيّ الذي يمتلك الجامعيّة بين طرفي القضيّة؛ ففي ذاته المباركة ينكشف نور التوحيد على نحو مطلق، وفيه أيضًا وجود الرأفة والرحمانّية؛ فكيف يكون حاله؟!
النبيّ الأكرم: «لم أُبعث لكي أنزل العذاب؛ بل بُعثت لأكون رحمة لهؤلاء الناس!»
يُنقل أنّه: عندما بُعث النبيّ بالرسالة، جاء ووقف على جبل الصفا، ونادى بأعلى صوته ثلاث مرّات: «أيّها الناس! أنا رسول الله لهدايتكم!». فتجمّع الناس واجتمعوا وطاردوه ورموه بالحجارة!
فجاء صلّى الله عليه وآله مرّة أخرى إلى جبل المروة وقال ثلاث مرّات: «أيّها الناس! أنا رسول الله!». وفي هذه الأثناء جاء أبو لهب ورماه بحجر على جبينه حتّى سال الدم منه، وقام بقيّة الأفراد بمطاردته بالحجارة، ففرّ من أيدي هؤلاء الناس إلى جبال مكّة، واختبأ في مكان بأعلى الجبال، بعيدًا عن متناول الناس وبمعزل عنهم، بحيث انقطعت أخباره تمامًا.
أتى أمير المؤمنين عليه السلام الذي كان يبلغ من العمر حين الإنذار حوالي ثلاث عشرة أو أربع عشرة سنة إلى منزل خديجة، وقال لها: «لقد رمى الناس النبيّ بالحجارة ففرّ، ولا خبر لديّ عنه؛ يقولون: «لقد فارق النبيّ الحياة، لقد مات!» أعطيني قليلًا من الماء وبعض الخبز والتمر، لنأخذها وننطلق للبحث عنه!».
انطلق أمير المؤمنين برفقة خديجة، كلّ واحد منهما من جهة، فتوجهت حضرة خديجة نحو الصحراء، بينما توجّه أمير المؤمنين نحو الجبال يبحث عن المكان الذي ذهب إليه النبيّ هربًا من الناس، وكان ينادي: «يا محمّداه! يا رسول الله! نفسي لك الفداء، في أيّ وادٍ أنت ملقىً؟».
واصل أمير المؤمنين بحثه عن النبيّ. وكان النبيّ حينها جالسًا بوجهٍ ملطّخ بالدماء، بعيدًا عن الناس في جبال مكّة، لكيلا يرموه بالحجارة ولا يطاردوه!
في هذا الوقت جاء جبرئيل، فخاطبه النبيّ قائلًا: «ألا تنظر ماذا تفعل بي هذه الأمّة؟! ألا ترى كيف تتصرّف معي هذه الأمّة؟!».
فبسط جبرئيل بساطًا من بُسُط الجنّة حتّى غطّى جميع جبال مكّة، وقال له: «أعطني يدك!». فأعطى النبيّ يده لجبرئيل وجلسا وسط ذلك البساط. ثمّ خاطب جبرئيل النبيّ قائلًا: «إذا أردت أن ترى قدرة الله، فقل لهذه الشجرة أن تأتي!». فقال النبيّ للشجرة: «أقبلي!»، فجاءت الشجرة ووقفت أمامه. فقال جبرئيل: «مُرها أن ترجع إلى مكانها!». فأمرها النبيّ: «ارجعي إلى مكانك!»، فعادت الشجرة إلى مكانها. فقال جبرئيل له: «هل رأيت قدرة الباري؟!». يعني أنّ الله قادر على كلّ شيء؛ إلا أن هذا المقام هو مقام الصبر والتحمّل!
أقبل الملَك الموكّل بسماء العالَم إلى النبيّ وقال: «يا رسول الله! أمرني الله بطاعتك؛ فمُرني أن أُسقط النجوم عليهم وأُحرقهم بالنار!». فقال صلّى الله عليه وآله: «لا!».
وجاء الملَك الموكّل بالأرض وخاطبه قائلًا: «أمرني الباري أن أكون طوع أمرك؛ فمُرني أن تفتح الأرض فمها وتبتلع هذا القوم في جوفها!». ومجدّدًا لم يقل صلّى الله عليه وآله شيئًا!
ثمّ جاء ملَك الجبال وقال: «أمرني الله تعالى بطاعتك؛ فبمَ تأمر؟ مُرني أن أُدكّ الجبال على رؤوس هؤلاء الناس!». فلم ينطق صلّى الله عليه وآله بحرف!
وأقبل الملَك الموكّل بالبحار وقال: «وكّلني الله بالبحار؛ فمُرني أن أُغرقهم بمياه البحار وأجعلهم غَرقى!». فلم يقل صلّى الله عليه وآله شيئًا!
بعد ذلك قال صلّى الله عليه وآله: «هل أنتم مأمورون بطاعتي؟». قالوا: «نعم!». فقال صلّى الله عليه وآله: «إنِّي لَم أُبعَث عَذابًا، إنَّما بُعِثتُ رَحمَةً لِلعالَمينَ».
انظروا إلى هذه السعة والقابليّة! إنّ من بيده جميع مقاليد السماوات والأرض، ومن يمتلك القدرة والإحاطة والسيطرة على جميع الممكنات، يمتلك سعة يجعله يقول: «دَعُوني وقَومِي، فَإنَّهُم لا يَعلَمُونَ».
في هذه الأثناء، وبينما كانت حضرة خديجة تبحث عن النبيّ في الصحاري وتُنادي: «مَن أَحَسَّ لِيَ النَّبِيَّ المُصطَفَى؟ مَن أَحَسَّ لِيَ الرَّبِيعَ المُرتَضَى؟ مَن أَحَسَّ لِيَ المَطرُودَ فِي اللَهِ؟ مَن أَحَسَّ لِيَ أَبَا القَاسِمِ؟»؛ من يأتيني بخبر عن النبيّ؟ من يأتيني بخبر عمّن طُرد في سبيل الله؟
خاطب جبرئيل النبيّ الأكرم قائلًا: «نادِ خديجة! ألا تراها تناديك؟!». فناداها صلّى الله عليه وآله، فجاءت ورأت الدم يسيل من جبينه الشريف، وهو يأخذ الدماء ويمسح بها نفسه! فقالت: «يا رسول الله! لماذا لا تدع الدم يسقط على الأرض؟». فقال صلّى الله عليه وآله: «أخشى أن ينزل عذاب الله!».
بعد ذلك، توجّهت حضرة خديجة برفقة النبيّ الأكرم وأمير المؤمنين نحو المنزل، وأجلسته في ظل صخرة تقيه حجارة المشركين إذا رموه؛ ووقفت هي أمامه، فكانت الحجارة التي يرميها المشركون تصيب حضرة خديجة، ولم تكن تسمح بأن تصل إلى النبيّ.۱
توصيات النبيّ المتعدّدة بالتمسّك بالقرآن وأهل البيت عليهم السلام
حان يوم وفاة النبيّ الأكرم! بسبب الرأفة والرحمة التي كان يكنّها هذا النبيّ لأمّته، كان في أواخر عمره، وفي مواضع عديدة، يوصيهم باستمرار بالتمسّك بالقرآن وأهل البيت.
ورد لدينا في التاريخ أنّه: في أحد أيّام مرض ووعكة النبيّ الأكرم التي ارتحل فيها من هذه الدنيا، جاء إلى المسجد وقال: «أيّها الناس! إنّي سأرحل عنكم قريبًا! فعليكم باتّباع القرآن وعترتي وأهل بيتي! وإذا نزلت بكم فتن وبلايا مظلمة كقطع الليل المظلم، فلا تتخلّوا عن القرآن وأهل بيتي! فَإنَّهُما لَن يَفتَرِقا حَتَّى يَرِدا عَلَيَّ الحَوضَ»٢.
في أحد الأيّام ذهب النبيّ برفقة أمير المؤمنين عليه السلام لزيارة أهل القبور في مقبرة البقيع، وقال لأمير المؤمنين عليه السلام: «لقد جئت إلى المقبرة لكي أستغفر لهؤلاء الماضين من أمّتي للمرّة الأخيرة! كان جبرئيل ينزل بالقرآن عليّ مرّة واحدة في كلّ عام، ولكنّه أنزل القرآن عليّ مرّتين في هذا العام، وهذه علامة على اقتراب موتي، وأنّني سأرتحل عن هذه الدنيا عمّا قريب!».
ثمّ خاطب أهل القبور قائلًا: السلام عليكم يا أهلَ القبور! هنيئًا لكم الحالة التي أنتم فيها غافلون عن هذه الدنيا! هنيئًا لكم أنّكم في مأمن من المصائب والمشاكل التي ستنزل على أمّتي من بعدي كقطع الليل المظلم!۱
قصّة طلب النبيّ الأكرم براءة الذمّة من الناس
يُنقل: في الأيّام الأخيرة من حياة النبيّ الأكرم، عقد صلّى الله عليه وآله العمامة على رأسه المبارك، ودخل المسجد برفقة أمير المؤمنين عليه السلام، وأخذ ينصح الناس ويتحدّث إليهم ويقول: «يا أيّها الناس! لا يمكن لأحد أن يتقرّب إلى الله بدون عمل! أيّها الناس! سأرحل عنكم قريبًا؛ فمن كان له عليّ دَينٌ، فليُطالب بدَينه! ومن ضيّعتُ له حقًّا، فليأتِ وليُطالب بحقّه!».
فنهض سوادة بن قيس، وكان رجلًا طاعنًا في السنّ، وقال: «يا رسول الله! عندما كنت راجعًا من سفرك إلى الطائف وكنت تمتطي ناقتك الغضباء، أصابت عصاك المباركة بطني؛ وأنا أريد الآن أن أقتصّ منك!».
فقال النبيّ الأكرم: «معاذ الله أن أكون قد فعلت ذلك عمدًا وعن قصد! يا بلال، اذهب إلى المنزل وأحضر عصاي!».
جاء بلال وأخذ يُنادي في أزقّة المدينة: «ها هو ذا نبيّ الله قد جهّز نفسه للقصاص؛ فمن كان له حقّ على النبيّ، فليأتِ!». ودخل منزل حضرة الزهراء سلام الله عليها؛ وعندما أخبرها بهذا الخبر، ارتفع صوت بكائها، فأخذ العصا وجاء بها إلى المسجد.
خاطب ذلك الشيخ النبيّ قائلًا: «يا رسول الله! عندما ضربتني بتلك العصا، كان بطني مكشوفًا؛ فيجب أن تكشف عن بطنك!». ثمّ تقدّم ووضع شفتيه على جسد النبيّ!
فقال صلّى الله عليه وآله: «يا سوادة! لماذا لا تقتصّ؟». فأجاب: «يا رسول الله، لقد عفوتُ!».٢
حوار النبيّ الأكرم وحضرة الزهراء سلام الله عليهما في الساعات الأخيرة من حياته
يرقد النبيّ في فراش المرض؛ في الساعات الأخيرة من عمره وفاطمة الزهراء سلام الله عليها تبكي إلى جواره؛ ويرى صلّى الله عليه وآله أنّ السيدة الزهراء تبكي بحرقة وتترنّم باستمرار بهذه الأبيات لأبي طالب:
| وأَبيَضُ يُستَسقَى الغَمـامُ بِوَجهِهِ | *** | ثِمَالُ اليَتـامَى عِصمَةٌ لِلأَرَامِلِ |
فقال صلّى الله عليه وآله: «يا ابنتي! اقرئي هذه الآية: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوۡ قُتِلَ ٱنقَلَبۡتُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡ﴾۱.
وهنا طلب صلّى الله عليه وآله فاطمة الزهراء لتدنو منه، وورد في التواريخ أنّه همس في أذنها بكلام سرًّا؛ فرأوا أنّ حضرة الزهراء قد تهلّلت وابتسمت! وعندما سألوا حضرة الزهراء عن ذلك، قالت: «إِنَّهُ خَبَّرَنِي أَنَّنِي أَوَّلُ أَهْلِ بَيْتِهِ لُحُوقاً بِهِ وَ أَنَّهُ لَنْ تَطُولَ اَلْمُدَّةُ بِي بَعْدَهُ»٢.
وحقًّا أدت هذه الأمّة حق الرعاية في حق ذرّيّة النبيّ وأهل بيته!! فما إن فرغ أمير المؤمنين عليه السلام من دفن النبيّ، حتّى جاءوا وأضرموا النار في باب منزل ابنته، وأسقطوا جنينها، ووضعوا الحبل في عنق أمير المؤمنين عليه السلام واقتادوه إلى المسجد!٣
الرثاء لشهادة نبيّ الرحمة والرأفة صلّى الله عليه وآله
| ماتم جهانسوز خاتمالنبیّین است | *** | یا که آخرین روز صادر نخستین است |
| روز نوحۀ قرآن در مصیبت طاهاست | *** | روز نالۀ فرقان از فراق یاسین است |
| کعبه را سزد امروز، رو نهد به ویرانی | *** | زانکه چشم زمزم را سیل اشک خونین است |
| رایت شریعت را نوبت نگونساری است | *** | روز غربت اسلام، روز وحشت دین است |
| شاهد حقیقت را هر دو چشم حقبین خفت | *** | آهِ بانوی کبریٰ همچو شمع بالین است |
| خاتم سلیمان را اهرمن به جادو برد | *** | مسند سلیمانی، مرکز شیاطین است!٤ |
[يقول:
إنّه مأتم خاتم النبيّين الذي يحرق العالَم، أم أنّه اليوم الأخير للصادر الأوّل.
إنّه يوم نواح القرآن في مصيبة طه، يوم أنّة الفرقان لفراق يس.
يحقّ للكعبة اليوم أن تتّجه نحو الخراب، لأنّ عين زمزم قد غمرها سيل من الدموع الدامية.
حان وقت تنكيس راية الشريعة، إنّه يوم غربة الإسلام، ويوم وحشة الدين.
لقد نامت عينا شاهد الحقيقة اللتان تريان الحقّ، وآهات السيّدة الكبرى كشمعة تُضيء عند وسادته.
لقد سلب الشيطان خاتم سليمان بالسحر، وأصبح مسند سليمان مركزًا للشياطين!]
وسيعلم الّذين ظلموا آل محمّد أيّ منقلب ينقلبون،
﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ﴾.
باسمك اللّهمّ وندعوك ونُقسم عليك ونرجوك،
بحقّ محمّد وأهل بيته الأطهار،
يا الله يا الله يا الله....
***