المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني
القسممباني الإسلام
المجموعةمحطات من السيرة النبويّة
هو العليم
طرح مباني الإسلام – محطات من السيرة النبوية - المحاضرة الثامنة
(ترجمة مؤقتة بمساعدة الذكاء الصناعي: تُرجمت هذه المحاضرة بمساعدة الذكاء الاصطناعي باستخدام أفضل الأدوات المتاحة، وحرِصنا على تحقيق أعلى جودة ممكنة. ومع ذلك، فهي ترجمة مؤقّتة سنعمل على مراجعتها لاحقًا لضمان دقتها الكاملة. إذا وَجدْتَ أيّ ملاحظة، نرجو إبلاغنا بها للمساهمة في تحسين المحتوى.)
إلقاء:
آية الله الحاج السيد محمد محسن الحسيني الطهراني
قدس الله سرّه
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
ثمّ الصلاة والسلام على سيّدنا ونبيّنا
وحبيب قلوبنا وطبيب نفوسنا أبي القاسم المصطفى محمّدٍ
وعلى آله الطيّبين الطاهرين
واللعنة على أعدائهم أجمعين
اعتراض المشركين على الجانب البشريّ لرسول الله (صلّى الله عليه وآله)
قال الله تعالى في كتابه:
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾۱
جاء المشركون إلى النبيّ (صلّى الله عليه وآله) معترضين: «إِذَا كُنْتَ رَسُولًا مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ، فَلِمَاذَا لَا يَأْتِيكَ مَلَكٌ لِمُسَاعَدَتِكَ؟!٢ وَلِمَاذَا تَأْكُلُ الطَّعَامَ؟! وَلِمَاذَا تَحْتَاجُ إِلَى الْمَاءِ؟!٣ وَلِمَاذَا تَقُومُ بِأَعْمَالٍ وَأَفْعَالٍ يَقُومُ بِهَا سَائِرُ النَّاسِ؟! وَلِمَاذَا تَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ وَالطُّرُقَاتِ وَتُخَالِطُ النَّاسَ وَتَأْتِيهِمْ وَيَأْتُونَكَ؟!٤ إِذَا كُنْتَ نَبِيَّ اللَهِ، فَلِمَاذَا أَنْتَ مَادِّيٌّ؟! وَمَا عَلَاقَةُ الْمَادِّيَّةِ بِالِارْتِبَاطِ بِعَالَمِ الْمَعْنَى؟!».
ارتباط مراتب عالَم الوجود من حيث الفيض الإلهيّ
إنّ كلّ ما يجري في هذا العالَم، وجميع قضايا وحقائق عالَم الإمكان، لها صورةٌ في الأعلى، وهي متحقّقةٌ في وجودها الواقعيّ والحقيقيّ، أي الوجود العلّيّ المتناسب مع وجودها المجرّد في عالَم الملكوت الأعلى؛ وهذا الوجود المجرّد والفيض الإلهيّ يرتدي في كلّ مرحلةٍ لباس الكثافة والمادّيّة، حتّى يصل إلى عالَم الدنيا هذا ـ والذي يُسمّى بأظلم العوالِم ـ متّخذًا شكل المادّة الصرفة. إذن، هذا العالَم الذي هو عالَم الدنيا ليس منفصلًا عن تلك العوالِم، وحسابه ليس بمعزلٍ عن حساب بقيّة العوالِم.
وبما أنّنا نعيش في هذه المرحلة، فإنّنا نظنّ مرحلتنا هذه منفصلةً عن سائر العوالِم! كالنملة التي تسير على خطٍّ مستقيم، فلو افترضنا أنّ هذا الخطّ يحمل ألوانًا متعدّدة، فإنّها ستظنّ في كلّ مرحلةٍ من مسيرها أنّ العالَم بأسره -على سبيل المثال- أحمر؛ وكلّما تقدّمت ظنّت أنّ العالَم كلّه أخضر؛ وإذا تقدّمت أكثر ظنّت أنّ العالَم كلّه أزرق! ذلك لأنّ حدود تفكيرها تدور في هذا النطاق الضيّق فقط ولا تلتفت إلى سائر الأمور! ونحن كذلك، بما أنّنا في هذا العالَم، فإنّنا نظنّه منفصلًا عن العوالِم الربوبيّة؛ والحال أنّ عالَم المادّة هذا هو أحد تلك العوالِم، ولا فرق بينه وبين العوالِم الأخرى.
وإذا أردنا أن نضرب مثلًا لهذه القضيّة، فربّما أمكننا توضيحها بمثال الماء والبخار. فحقيقة الماء عبارةٌ عن الجزيئات التي تتكوّن منها. فإذا تكاثفت هذه الجزيئات واجتمعت، تكوّن الماء؛ وإذا تمدّدت وتوسّعت، تكوّن البخار. فلا فرق بين البخار الرقيق الواقع بين السماء والأرض، وبين الثلج والجليد، وبين الماء. فالبخار عندما ينزل من مقامه اللطيف، يتغيّر شكله ويصبح ماءً؛ وهذا الماء نفسه إذا صعد من مقام كثافته وثقله ومادّيّته، يصبح رقيقًا ولطيفًا ويتحوّل إلى بخار. وبناءً على ذلك، لا يوجد حسابٌ منفصلٌ للماء عن البخار؛ فهذا الماء هو ذلك البخار عينه، وذاك البخار هو هذا الماء نفسه؛ فذلك البخار تكاثف وتحوّل إلى ماء، وهذا الماء يترقّق ويتحوّل إلى بخار.
عندما يتنزّل ذلك النور المجرّد من قِبل الربّ ويصل إلى هذا العالَم، يصبح مادّةً؛ وإذا صعدت هذه المادّة عينها، تصبح وجودًا مجرّدًا. فليس الأمر أنّه إذا ارتدى الشيء لباس المادّة، لم يعد يقبل أيّ تغييرٍ أو تحوّل؛ بل إنّ هذه المادّة تتحوّل مرّةً أخرى إلى مجرّد، وذلك المجرّد يتحوّل إلى مادّة، ثمّ تعود هذه المادّة لتصبح مجرّدًا والمجرّد مادّة؛ فهناك حركةٌ صعوديّةٌ ونزوليّةٌ في هذه العوالِم الربوبيّة. وبناءً على ذلك، لا يوجد أيّ فرقٍ بين عالَم المادّة وعالَم المثال وسائر عوالِم الملكوت والجبروت واللاهوت؛ فهو فيضٌ واحدٌ من الربّ يتنزّل فيتّخذ هذا الشكل، ثمّ يصعد فيتّخذ شكلًا آخر؛ وكما يُقال: «إنّ له صورةً في الأسفل، هي ذاتها التي في الأعلى».۱
فلا يوجد في العالَم وجودان متمايزان وممتازان عن بعضهما البعض، بل هو وجودٌ واحدٌ سيّالٌ يمتدّ وينزل فيصبح هكذا، ثمّ يعود ويصبح كذلك ويتّخذ تلك الكيفيّة. ولذا، فإنّ الالتفات إلى عالَم المادّة من حيث إشغال الإنسان ومنعه وصدّه عن ذكر الربّ، لا يختلف عن التفات الإنسان إلى عالَم المثال، فكلاهما دنيا؛ غاية ما في الأمر أنّنا أطلقنا عليه اسم الدنيا لأنّنا فيها ولا نخرج منها، ولكن كلّ ما يوجب انحراف الإنسان وانصرافه عن الربّ فهو دنيا بالنسبة له، وإن لم يُطلق عليه اسم الدنيا.
كيفيّة نفوذ الشيطان في عوالِم الوجود
﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾.۱
لا يقتصر الشيطان على هذه الدنيا، بل هو موجودٌ في كلّ العوالِم! وله من الهيبة والجلال والقوّة ما يجعله يرافق الإنسان إذا ما ارتحل من هذه الدنيا ودخل عالَم المثال، فيقول له: أنا هنا أيضًا! وإذا انتقل من عالَم المثال إلى سائر العوالِم، يأتيه هناك أيضًا! فليس الأمر أنّك إذا خطوت خطوةً ودخلت عالَم المثال، انقطعت يد الشيطان عنك؛ أبدًا! فقد أقسم بعزّة الله وجلاله! ويكفي أن يقول الشيطان: «سألاحقكم!»؛ فكيف إذا أقسم على ذلك، بل وأقسم بعزّة الله!
﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾.٢
موضعٌ واحدٌ فقط لا تصل إليه يدي! سأرافق هذا البشر في جميع العوالِم المجرّدة والمادّيّة، وأتوقّف في نقطةٍ واحدةٍ فقط وهي حيث يُقال: «لَوْ دَنَوْتُ أَنْمُلَةً لَاحْتَرَقْتُ!»٣ هناك تتوقّف حركتي!
ولذا، فإنّ الدنيا لا تختصّ بهذا العالَم، بل الأمر كذلك في عالَم البرزخ أيضًا. فكما أنّ الإنسان إذا انشغل في هذه الدنيا بالنعم الظاهريّة التي جعلها الله له، يُحرم من التحرّك نحو العوالِم العُليا، فكذلك إذا ارتحل من هذا العالَم وبلغ عالَم المثال والبرزخ، وانشغل بالصور البرزخيّة وغفل عن ذكر الرحمن، فتلك هي دنياه هناك ولا فرق في ذلك أبدًا! فما الفرق إذن بين هذه الدنيا وبين بقيّة العوالِم؟! ولماذا نفصل حساب هذه الدنيا عن حساب سائر العوالِم؟! فالوقوع في فخّ هذه الدنيا هو دنيا؛ والوقوع في فخّ العوالِم العُليا هو دنيا أيضًا، ولا فرق بينهما البتّة! غاية ما في الأمر أنّ من يتجاوز بعض ملذّات هذه الدنيا هو من يستطيع التحرّك وبلوغ عالَم المثال؛ وكذلك من يبلغ عالَم المثال والبرزخ والملكوت، إذا ركن إلى سائر نعم الربّ في ذلك العالَم، سُلبت منه القدرة على التحرّك نحو العالَم الأعلى؛ فالركون إليها يعني التوقّف والسكون! فلا فرق بينهما، وكلّ ذلك يُعدّ دنيا!
﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾.٤
«فمن يغضّ طرفه عن ذكر الله، ويُغمض عينيه، ولا يُخطر ذكر الربّ وذكره على قلبه، نُسلّط عليه شيطانًا يكون له قرينًا ولا يُفارقه».
وسواءٌ كان في هذا العالَم، فهناك ذِكرٌ للرحمن؛ أو في العوالِم العُليا، فهناك ذِكرٌ للرحمن. فإذا غضضت طرفك عن ذكر الله في هذا العالَم، أتاك الشيطان؛ وإذا لم تتحرّك في تلك العوالِم العُليا وتوقّفت هناك، عاد الشيطان إليك مرّةً أخرى. أي أنّ توقّفك هذا هو ذاته اقتران الشيطان بك ليصدّك عن الحركة!
علّة اعتراض المشركين على الجانب البشريّ لرسول الله (صلّى الله عليه وآله)
ولذا جاء المشركون واعترضوا على النبيّ صلّى الله عليه وآله قائلين: «إِذَا كُنْتَ نَبِيَّ اللَهِ، فَلِمَاذَا أَنْتَ مَادِّيٌّ؟!». وما علاقة المادّيّة بالارتباط بعالَم المعنى؟! وهل المادّيّة تمنع النبيّ صلّى الله عليه وآله من الارتباط بالعوالِم الملكوتيّة؟! وهل تُعدّ المادّيّة رادعًا ومانعًا؟! فكما أنّ الإنسان في هذه الدنيا قد يغضّ الطرف عن بعض الملذّات لكي يصل إلى ملذّاتٍ أخرى -كمثل عمر الذي كان يخدع الناس من أجل رئاسته ويقوم بأفعالٍ تُعجبهم، وعقول الناس في أعينهم وحواسهم؛ فكان يأكل خبز الشعير، والخلّ، ويجلس على التراب، وكان المارّة في طرقات المدينة يرونه جالسًا هكذا في الطريق وعلى التراب يتحدّث!۱ كانت هذه الأفعال لخداع الناس، أمّا لو أرادوا سلبه مقدار ذرّةٍ من رئاسته، لجاد بروحه ولم يفرّط فيها! فكان يغضّ الطرف عن بعض الملذّات للوصول إلى ملذّات الدنيا ـ فكذلك قد يغضّ شخصٌ الطرف عن ملذّات هذه الدنيا للوصول إلى ملذّات عالَم المثال وعوالِم البرزخ، حيث تكون الصور الملكوتيّة هناك أقوى وأعظم بكثير؛ وعندما يذهب الإنسان إلى هناك، يُدرك ما يجري، ويعلم مدى جاذبيّة تلك الصور الملكوتيّة والنورانيّة، وكيف أنّها تجذبه نحوها بشدّة! وتجاوز هذه الأمور يتطلّب رجالًا حقًّا!
ذهب بهلول يومًا إلى هارون الرشيد، فقال له هارون: «انْصَحْنِي! فَقَدْ سَمِعْتُ أَنَّكَ أَصْبَحْتَ زَاهِدًا وَعَابِدًا وَتَارِكًا لِلدُّنْيَا كَثِيرًا!».
فقال بهلول: «بَلْ أَنْتَ مَنْ يَجِبُ أَنْ يَنْصَحَنِي!».
ـ هارون: «وَلِمَاذَا؟!».
ـ بهلول: «لِأَنَّ زُهْدَكَ أَعْظَمُ مِنْ زُهْدِي!».
ـ هارون: «وَكَيْفَ ذَلِكَ؟!».
ـ بهلول: «لِأَنَّنِي زَهِدْتُ فِي الدُّنْيَا، بَيْنَمَا زَهِدْتَ أَنْتَ فِي الْآخِرَةِ؛ فَمِنَ الْوَاضِحِ إِذَنْ أَنَّ زُهْدَكَ أَعْظَمُ! أَنْتَ تَرَكْتَ الْآخِرَةَ وَأَنَا تَرَكْتُ الدُّنْيَا؛ فَقُلْ لِي الْآنَ: أَيُّنَا أَزْهَدُ، أَنَا أَمْ أَنْتَ؟!».۱
فالعلاقة والنسبة بين عالَم الدنيا وعالَم الملكوت، كالعلاقة بين الدنيا والآخرة. فإذا وصل شخصٌ إلى هناك وتجاوز ذلك العالَم، فهنا يكمن الإنجاز العظيم! وإلّا فإنّ الكثيرين في هذه الدنيا يتجاوزون عن بعض الأمور من أجل مسائل أخرى.
تشبيه لقاء الربّ بلقاء العنقاء في جبل قاف
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾.٢
لبلوغ الإنسان مقام الذات ولقاء الربّ، يُضرب مَثَلٌ بالعنقاء والهدهد، فيقولون: كان الهدهد عالِم الطيور ومرشدهم وهاديهم؛ فجاءه يومًا جمعٌ من الطيور وقالوا له: «أَرْشِدْنَا! فَقَدْ بَلَغَ مَسَامِعَنَا، وَرَأَيْنَا فِي مَنَامِنَا، وَأُلْهِمْنَا أَنَّهُ فِي الْبُقْعَةِ الْفُلَانِيَّةِ مِنَ الْأَرْضِ الَّتِي لَا يَصِلُ إِلَيْهَا أَحَدٌ، وَتُسَمَّى جَبَلَ قَافٍ، يُوجَدُ كَائِنٌ يُدْعَى الْعَنْقَاءَ! لَقَدْ أَرَوْنَا تِلْكَ الْعَنْقَاءَ، وَرَسَمُوا فِي أَذْهَانِنَا نُبْذَةً وَصُورَةً إِجْمَالِيَّةً عَنْهَا! وَالْخُلَاصَةُ، لَقَدْ صَوَّرُوا لَنَا جَنَّةً مَوْعُودَةً؛ وَالْآنَ نُرِيدُ أَنْ نَسْعَى وَرَاءَ هَذَا الْأَمْرِ لِنَعْرِفَ مَا هِيَ الْعَنْقَاءُ؟».
أراد الهدهد أوّلًا أن يمتحنهم قليلًا ليرى ما إذا كانوا رجال هذا الدرب حقًّا أم لا، فقال: «الْمَكَانُ بَعِيدٌ جِدًّا، وَالْمَسَافَةُ طَوِيلَةٌ، وَلَا يَسْتَطِيعُ أَيُّ أَحَدٍ بُلُوغَهُ!» فقالوا: «كَلَّا؛ يَجِبُ أَنْ نَذْهَبَ إِلَى هُنَاكَ!».
فقال: «إِنَّنِي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ الدَّرْبَ وَالْمَسَافَةَ طَوِيلَةٌ! وَهُنَاكَ يَجِبُ أَنْ تَتَحَمَّلُوا الْحَرَّ وَالْبَرْدَ!» وأخذ يسرد لهم مصائب هذا الطريق وابتلاءاته؛ وكلّما زاد في وصفها، ازدادوا تعطّشًا! كانوا يعلمون يقينًا بوجود جبل قافٍ وعنقاء؛ لكنّهم كانوا يقولون: «مَا هَذَا الطَّائِرُ الَّذِي لَمْ نَرَ مَثِيلًا لَهُ بَيْنَنَا؟! فَالْحَمَامَةُ لَهَا شَكْلٌ وَهَيْئَةٌ، وَالْغُرَابُ لَهُ شَكْلٌ، وَالطَّاوُوسُ لَهُ شَكْلٌ، وَالْبُلْبُلُ وَالْعُصْفُورُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا شَكْلُهُ؛ أَمَّا هَذِهِ الْعَنْقَاءُ الَّتِي يُقَالُ إِنَّ رِيشَهَا غَطَّى الْعَالَمَ بِأَسْرِهِ، وَهَيْمَنَتَهَا وَجَلَالَهَا قَدْ سَيْطَرَا عَلَى كُلِّ مَكَانٍ، فَلْنَذْهَبْ وَنَرَهَا!».
فقالوا: «حَسَنًا، فَلْنَنْطَلِقْ!» فانطلقوا وتقدّموا؛ فمنهم الضعيف ومنهم القويّ. سار أحدهم قليلًا فتعب وجلس! فقال له الهدهد: «لِمَاذَا تَجْلِسُ؟! أَلَمْ تَقُلْ إِنَّنَا نُرِيدُ الذَّهَابَ وَالْوُصُولَ إِلَى الْعَنْقَاءِ؟!» فقال: «لَقَدْ تَعِبْتُ! هَذَا الْمَكَانُ يَرُوقُ لِي! سَأَجْلِسُ عَلَى شَجَرَةٍ وَآكُلُ وَأَشْرَبُ، وَأَسْتَفِيدُ مِنْ خُضْرَةِ النَّبَاتِ!». فبقي هذا الأوّل.
ثم واصلوا مسيرهم وتقدموا أكثر؛ فبدأ جمع منهم باختلاق الأعذار والحجج! (وكل هذا ينطبق علينا نحن!) قطعوا صحراء ولفحتهم الشمس قليلًا فشعروا بالحر، فقالوا: «عجبًا لغبائنا حين نهضنا وأتينا! ليتنا بقينا في مكاننا نأكل طعامنا وشرابنا حتى يوافينا الأجل! أين هي العنقاء الآن؟! وأين هي تلك الأوصاف والأشكال التي وصفوها للعنقاء؟!». فتخلف هذا الجمع أيضًا.
ساروا قليلًا وتقدّموا أكثر، فرأوا نهر ماءٍ وجبلًا ومرجًا أخضر؛ فأمّا من كانوا عبيدًا لبطونهم ولم يكن همّهم سوى الحصول على مكانٍ أخضر ونهر، فقد جلسوا وبدؤوا بالأكل من ذلك المرج والشرب من ذلك الماء! فقال الهدهد: «مَاذَا تَفْعَلُونَ؟!» فقالوا: «لا يا سيّدي! هذا المكان يروق لنا؛ نحن لسنا بحاجة لشيءٍ ونريد البقاء هنا!».
وهكذا واصلوا تقدّمهم، وقطعوا الصحاري والعوالِم واحدةً تلو الأخرى، صاعدين من الأسفل إلى الأعلى فالأعلى، حتّى إذا ما بلغوا منتصف الطريق، لم يبقَ منهم سوى قلّةٍ قليلة! وهؤلاء بدورهم جاؤوا بأعذارٍ وحججٍ واحدًا تلو الآخر.
لقد سار كلٌّ منهم وتحرّك وقطع مسافةً وفقًا لقدرته وقوّته. واستنزفوا كلّ قواهم، وأنهكهم التعب والأنين، ولم يتبقّ لديهم أيّ طاقةٍ أو قدرة، ولم يبقَ لهم أيّ وجود؛ وما إن وصلوا إلى جبل قاف ونظروا، لم يَرَوا شيئًا! فقالوا: «أَيْنَ هِيَ الْعَنْقَاءُ الَّتِي كُنَّا نَبْحَثُ عَنْهَا؟!». ولمّا أحصوا عددهم، وجدوا أنّهم ثلاثون طائرًا! فتبيّن أنّ تلك العنقاء التي سمعوا باسمها ولم يعرفوا خصائصها وفضائلها، ما هي إلّا وجودهم الفعليّ هذا. أي أنّهم حتّى الآن كانوا قد سمعوا اسمًا عن وجودهم، وفي عالَم الإبهام، بلغ مسامعهم خصائص وشمائل تلك الأنوار الأنفسيّة والأنوار القاهرة والجلاليّة والجماليّة الخاصّة بهم! لقد جاؤوا ليصلوا إلى ذاتهم، وليتحقّق فيهم «مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ»،۱ وليكونوا مصداقًا لـ «يَا ابْنَ آدَمَ! اِعْرِفْ نَفْسَكَ، تَعْرِفْ رَبَّكَ»٢؛ فتحرّكوا ومضوا، وهناك أدركوا أنّ هذه العنقاء التي كانوا يبحثون عنها حتّى الآن، هي وجودهم عينه؛ ولكنّه الوجود الذي بلغ مرحلة الفعليّة، وليس الوجود الذي كان في البداية في مقام الإجمال والإبهام؛ فذلك الوجود الإجماليّ قد بلغ الفعليّة الآن وأصبحوا هم العنقاء ، تلك العنقاء التي كانوا قد سمعوا باسمها ونعتها!٣
عدم الفرق بين النبيّ (صلّى الله عليه وآله) والآخرين من الناحية البشريّة
ولذا قال النبيّ صلّى الله عليه وآله منذ بداية الوحي: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾. لكم آذانٌ ولي كذلك، فيكم دماءٌ وفيّ كذلك، لكم عروقٌ وأعصابٌ وعظامٌ ولي كذلك، ولكم قوىً وغرائز مادّيّةٌ وحيوانيّة وأنا أمتلكها جميعًا؛ فلا فرق بيني وبينكم من الناحية البشريّة، وهناك فرقٌ واحدٌ فقط وهو أنّه يوحى إليّ ولا يوحى إليكم؛ ولكنّ هذا الفرق لا يجلب امتيازًا بحدّ ذاته، بل الامتياز يكمن في أنّني سعيتُ وبلغتُ هذا المقام، أمّا أنتم فلم تبلغوه. فإذا كنتم تريدون أن تصلوا إلى هنا أيضًا، ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾، فلتنهضوا إذن وتأتوا! أنا لا أريد أن أفتخر عليكم، فـ ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾. وفي هذه المرحلة، يكمن الفرق بيني وبينكم في أنّه ﴿يُوحَى إِلَيَّ﴾، ﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾؛ فالنبيّ صلّى الله عليه وآله يُخبر عن التوحيد! ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾۱؛ والآن، إذا كنتم تريدون أن يوحى ويُلهَم إليكم أيضًا وأن ترتبطوا بذلك العالَم مثلي، فبسم الله! ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾. ولذا، يشرع النبيّ صلّى الله عليه وآله بدعوته ويُعلن رسالته.
تمايُز رسول الله عن سائر الناس بفضل الارتباط بالله عبر الوحي
فيما يتعلّق بنزول الوحي على النبيّ الأكرم، ورغم ما تذكره التواريخ من أنّ الوحي نزل عليه إبّان البعثة؛ إلّا أنّ جبرائيل كان يأتيه مرارًا قبل ذلك. ففي إحدى الروايات، خرج النبيّ الأكرم يومًا إلى ضواحي مكّة بصحبة أمير المؤمنين ـ وكان عمره عشر سنوات ـ وجعفر الطيّار -الذي كان من المؤمنين والمسلمين وشقيقًا لأمير المؤمنين وكان يبلغ العشرين من العمر. فلمّا أخذ منهم التعب مأخذه، ناموا في سفح جبلٍ؛ وكان النبيّ صلّى الله عليه وآله في الوسط، وأمير المؤمنين عن يمينه، وجعفر الطيّار عن يساره. في تلك الأثناء، نزل عليهما جبرائيل وميكائيل، فوقف جبرائيل عند رأسه، وميكائيل عند قدميه؛ فالتفت ميكائيل إلى جبرائيل سائلًا: «عَلَى أَيِّ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ نَزَلْتَ؟» فأجابه جبرائيل: «نَزَلْتُ عَلَى الَّذِي يَنَامُ فِي الْوَسَطِ».٢
وكثيرًا ما كان النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله يستيقظ من نومه فتعتريه حالةٌ خاصّةٌ يرى فيها جبرائيل، وعندما كان يعود إلى منزله، كان يقصّ الأمر على السيدة خديجة عليها السلام.۱
وفي تلك اللحظة التي جاء فيها جبرائيل ونزل بالوحي على النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾٢، اعترت النبيّ صلّى الله عليه وآله حالةٌ عجيبةٌ وغشية؛ فلمّا أفاق من حالته، ذهب إلى منزل السيدة خديجة عليها السلام وأخبرها قائلًا: «لَقَدْ نَزَلَ عَلَيَّ جِبْرَائِيلُ!».
اطّلاع اليهود والنصارى على كيفيّة الوحي وجبرائيل
في الوقت الذي كان فيه جميع مشركي مكّة يعبدون الأصنام، لم يعبد أربعة أشخاصٍ الأصنام ـ فضلًا عن عبد المطّلب وأبي طالب ـ: وهم ورقة بن نوفل، وعبيد الله بن جحش، وعثمان بن الحويرث، وزيد بن عمرو.٣
كان زيد بن عمرو ابن عمّ عمر بن الخطّاب، وقد ألحق به عمّه -الخطّاب- أذىً ومعاناةً كبيرتين؛ إذ سجنه في غار حراء، وسلّط عليه من يؤذيه! خرج زيد بن عمرو من مكّة متّجهًا نحو الشام، وهناك بشّره راهبٌ قائلًا: «عَمَّا قَرِيبٍ سَيُبْعَثُ فِي مَدِينَتِكَ، مَكَّةَ، نَبِيٌّ!». فتحرّك قاصدًا مكّة، فأمسكوا به في قبيلة بني لخمٍ وقتلوه؛ وقال فيه النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله):
«إِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أُمَّةً وَاحِدَةً»٤؛ «لقد قُتل زيد بن عمرو في سبيلنا وسيبعث يوم القيامة في أمة واحدة».٥
وكان ورقة بن نوفل أيضًا أحد أولئك الأربعة الذين اعتنقوا المسيحيّة وأصبح من كبار علماء النصارى، وكان ابن عمّ السيدة خديجة عليها السلام.٦
جاءت السيدة خديجة عليها السلام إلى ابن عمّها وقالت: «من هو جبرائِيل؟ ومن الذي يطلق عليه اسم جبرائيل؟».
لم يكن ورقة بن نوفل قد سمع مثل هذا الاسم من أحدٍ حتّى ذلك الحين، ورغم أنّه كان يعلم مقام جبرائيل عليه السلام وما أُنيط به من مقاماتٍ وإرسال وحيٍ وإنزال كتبٍ وما إلى ذلك؛ إلّا أنّه لم يكن لاسم جبرائيل ذكرٌ في مكّة! فارتعد جسده فجأةً وقال: «من أين تقولين من هو جبرائيل؟! من أين لك هذا الاسم؟! ومن أين تعرفينه؟! كيف تعرفين اسم جبرائيل في بلد يعبد كل أهله الأصنام؟! إن جبرائيل هو من إذا نزل إلى الأرض جلب معه كل الخيرات؛ إنه من ينزل بالوحي على الأنبياء! فمن أين أتيت بهذا الاسم؟!».
قالت السيدة خديجة لورقة بن نوفل: «كيف يكون حال من يرى مثل هذا الشخص؟».
قال ورقة بن نوفل: «إنه حتمًا من الأنبياء!».
قالت السيدة خديجة: «هل مكتوب في كتب التوراة والإنجيل أنّه ينزل جبرائيل على شخص فقد والديه في طفولته وتكفّله عمه، وتتولى امرأة من قريش شؤونه؟».
قال ورقة بن نوفل: «نعم، لدينا في الإنجيل والتوراة: سيبعث نبي يفقد والديه في طفولته ويتكفله عمه، وتتولى امرأة عظيمة من قريش جميع شؤونه». وبدأ ورقة بن نوفل يسرد للسيدة خديجة أحوال النبي الأكرم صلى الله عليه وآله المذكورة في كتاب الإنجيل!
قالت السيدة خديجة عليها السلام: «إن زوجي يدّعي هذا الأمر ويقول: إنَّ جبرائيل ينزل عليَّ!».
فقال ورقة بن نوفل: «إن كان الأمر كذلك، فهو بحاجة إلى اختبار وامتحان!».
خرجت السيدة خديجة عليها السلام من عند ورقة وقصدت عداسًا. وكان عداس أحد الرهبان الطاعنين في السن، وقد ابيض حاجباه وتدليا على عينيه. فقالت له السيدة خديجة: «لديَّ سؤال لك! من هو جبرائيل؟».
وما إن سمع عداس اسم جبرائيل، حتى ارتعدت فرائصه وخرَّ ساجدًا قائلًا: «ما هذا الاسم الذي نطقت به؟! فليس هناك مثل هذا الاسم في مكّة! وجميع الناس يعبدون الأصنام! فكيف أتيت بمثل هذا الاسم؟!».
فقالت عليها السلام: «إذا نزل جبرائيل على شخص، فما هي خصائص هذا الشخص؟».
فشرع عداس في سرد خصائص النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وفقا لما أخبر به الله في الإنجيل من صفاته وشمائله قائلًا: «يفقد والديه في طفولته، ويمشي على الماء كما كان عيسى ابن مريم يمشي، ويكلم الموتى كما كان عيسى ابن مريم يكلمهم، وجميع العوالم مسخرة وتحت قدرته». وسرد للسيدة خديجة ذات الخصائص التي بيّنها ذلك الراهب النصراني للنبي الأكرم صلى الله عليه وآله في رحلته إلى الشام بحذافيرها؛ ثم قال: «إن كان زوجك قد بلغ هذا المقام، فهو حتما نبي آخر الزمان، وسيسخر شرق العالم وغربه!».
كيفيّة تقييم اليهود والنصارى لصحّة ادّعاء نزول الوحي على رسول الله صلّى الله عليه وآله
والنكتة هنا هي أنّ ورقة بن نوفل وذلك الراهب (عدّاس) قالا لها: «اعلمي أنَّ الشيطان قد يتمثّل لشخصٍ ما في بعض الأحيان بصورٍ مختلفةٍ، فَيتوهَّمُ أنَّه قد بلغ مقاماتٍ، وتِصيبه حالةٌ من الجنونِ. فخذي هذه الورقة، وحينما تعرِضينها عليه، فإنْ كانت قد أصابتهُ حالة جنون، فستزولُ عنه شيئًا فشيئًا؛ وإنْ رأيته بقي على حاله، فاعلمي أنه نبيّ آخر الزَّمان!».
أخذت السيدة خديجة عليها السلام ورقةً من عدّاسٍ وجاءت بها إلى المنزل، ووضعتها بالقرب من النبيّ صلّى الله عليه وآله؛ فنظر النبيّ صلّى الله عليه وآله إلى تلك الورقة، فأدركت خديجة أنّ الأمر مختلفٌ تمامًا، وأنّ القضيّة شيءٌ آخر! وفي هذه الأثناء، جاء عدّاسٌ ليدخل منزل السيدة خديجة، لكنّه وجد نفسه عاجزًا عن الدخول لوجود مانعٍ يحول دونه، فوقف خارج الباب؛ وكان ذلك في الوقت الذي نزل فيه جبرائيل بالوحي على النبيّ صلّى الله عليه وآله:
﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾۱؛ لقد جلبوا لك ورقةً وظنّوا أنّك مجنون! * أين أنت من الجنون بفضل نعمة ربّك؟! إنّه الوحي يُنزّل إليك وهم لا يعلمون!
وما إن عرج جبرائيل وأفاق النبيّ، حتّى دخل عدّاسٌ منزله ورآه جالسًا. فبدأ يتحدّث معه ويسأله عن خصائصه وصفاته. ولمّا سمع إجاباته، تقدّم وقال: «بَقِيَ أَمْرٌ وَاحِدٌ؛ اكْشِفْ عَنْ ظَهْرِكَ لِأَرَاهُ!». فرفع النبيّ قميصه وثوبه، فرأى عدّاسٌ خاتم النبوّة. وهنا خرّ ساجدًا وأعلن إسلامه! ثمّ التفت إلى النبيّ سائلًا: «هل نزلت عليك آياتُ القتال والجهاد؟».
فقال صلّى الله عليه وآله: «لا، لم تنزل عليَّ آيات الجهاد بعد».
فقال للنبيّ صلّى الله عليه وآله: «ِمن الآن وحتَّى آخر رمق في حياتي، متى ما نزلت آية الجهاد، فادعني!». ثمّ خرج من بين يديه وتوجّه نحو منزله.٢
صادفت السيدة خديجة يومًا ابن عمّها ورقة ـ الذي لم يكن قد آمن بالنبيّ الأكرم بعد ـ فسألته: «لماذا عندما ينزل جبرائيل على زوجي تصيبه غشية فيسقط ويغيب عن الوعي؟!». (فقد كان النبيّ يغيب عن الوعي عند مجيء جبرائيل؛ أي أنّ إحاطة القوى الملكوتيّة وسيطرتها كانت شديدةً وقويّةً لدرجة أنّ هذا الجسد المادّيّ لم يكن يطيق تحمّل تلك القوى الملكوتيّة!).٣
فقال ورقة: «يمكنك إجراء اختبار وهو كالتالي: حينما ترين زوجك في مثل هذه الحالة، انزعي حجابك وخمارك فورا؛ فإن رأيت النبي قد أفاق، فاعلمي أن جبرائيل قد نزل عليه!». (لأنّ المَلَك لا يدخل منزلًا تتواجد فيه امرأةٌ حاسرة الرأس وقد أسدلت شعرها؛ ولذا يُكره للمرأة أن تتحرّك وتمشي في منزلها حاسرة الرأس دون خمارٍ أو حجاب!).٤
جاءت السيدة خديجة إلى النبيّ فرأته قد غاب عن الوعي، وكان جبرائيل قد نزل يقرأ عليه آيات الوحي؛ فنزعت خمارها فجأةً، فرأت أنّ النبيّ قد أفاق وجلس. فأدركت حينها أنّ جبرائيل هو من جاء.۱
بدء رسالة النبيّ الأكرم
يبدأ النبيّ رسالته. فيستمرّ الوحي بالنزول عليه لثلاث سنواتٍ متتالية، لكنّه لا يُظهره لأحد؛ بل يكتفي بالذهاب إلى المسجد الحرام لأداء الصلاة برفقة بعض الأفراد المقرّبين، كالسيدة خديجة وأمير المؤمنين عليه السلام.
كان النبيّ يمهّد الطريق. فخلال هذه السنوات الثلاث التي كان ينزل عليه فيها الوحي، لم يجلس في منزله مكتفيًا بتلقّي الوحي من جبرائيل؛ كلّا، بل كان يخرج إلى المسجد الحرام ليُصلّي ويمُهّد الأرضيّة ليُلاحظ الناس والمشركون أنّ خطبًا ما يجري، ولتعتاد أعينهم على وجود أمرٍ جديد. فكانوا يرون أنّ هناك صلاةً من هذا النوع أيضًا! ولذا كانوا يأتونه ويسخرون منه قائلين: «ماذا يفعل محمد؟! وما هذه الحركات التي يقوم بها؟!». وكان النبيّ يتعمّد القيام بهذه الأفعال لتهيئة الأرضيّة تدريجيًّا، حتّى يُدرك الناس أنّ هناك أمرًا عظيمًا، وحتّى إذا صدع بدعوته جهارًا، لا تكون القضيّة غريبةً أو مفاجئةً لهم تمامًا!
المنهج التبليغيّ لرسول الله في مواجهة أذى المشركين العلنيّ واضطهادهم
ولذا، شرع بعد ثلاث سنواتٍ بالتبليغ جهارًا؛ عملًا بقوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾٢، وقوله: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾٣فبدأ بأقاربه أوّلًا، ثمّ توجّه تدريجيًّا إلى سائر الناس. ومن جهةٍ أخرى، بلغ أذى الناس والمشركين مبلغًا جعلهم يرمون النبيّ بالحجارة ويؤذونه؛ لأنّهم أبوا أن يكفّوا عنه!
وكان قائد هؤلاء ورأسهم أبو جهل وأبو لهب. وكانوا يفعلون ذلك لأنّهم لو تركوا النبيّ يصدع بهذه الأفكار ويميل الناس إليه، لبارت تجارتهم ولم يعد أحدٌ يعبأ بأبي جهل؛ مع أنّه من كبرائهم! ولذا بدؤوا بالتحريض لمنع النبيّ من قول كلمته. فكانوا يأتونه ويسخرون منه ويستهزئون به، ويُقلّلون من شأنه بين الناس؛ ليحملوا الناس على الاستخفاف به وعدم الاكتراث لأقواله عندما يرونهم يهزؤون به! فلطالما سمع الناس منكم كلّ هذا الكلام، فماذا لو سمعوا كلمتين من النبيّ؟! كلّا، فإنّ كلام النبيّ سيأتي ويقضي على كلّ تلك الأقاويل؛ ولذا كانوا يقولون: «لنقف في وجهه منذ الآن لكيلا يكلّم أحدًا بتاتًا!». فلو سُمح للنبيّ بقول كلمته، لما اشترى أحدٌ كلام أبي جهلٍ والوليد وأمثالهم، ولطُويت صفحتهم جميعًا؛ ولذا وقفوا يعارضون النبيّ بكلّ ما أوتوا من قوّة!
فكان النبيّ صلّى الله عليه وآله متى ما قرأ القرآن، وقفوا وبأيديهم القطن أمام المسجد الحرام، يعطون كلّ وافدٍ مقدارًا منه ويقولون له: «ضعْ هذا القطن في أذنيك كيلا تسمع كلام هذا السَّاحر!».
وحينما كان النبيّ يأتي ليقرأ القرآن على الناس، كانوا يجمعون الرعاع ليصرخوا في وجهه؛ فكانوا يعلّون أصواتهم بالصياح والضجيج حتّى يضطرّ للانصراف والعودة إلى منزله! وما إن كان يشرع بقراءة آيات القرآن للناس في المسجد الحرام، حتّى يحرّضوا الصبية ليرموه بالحجارة!
﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ﴾۱؛ «يأتون ويقطعون الطريق ويقفون سدًّا منيعًا!».
كلّ هذا لكي يبقى الناس في الجهل ولا يرتقوا، ولكيلا يبلغ كلام الحقّ مسامعهم! فلا ضير في بقاء الناس على جهلهم؛ المهمّ أن نظلّ نحن الرؤساء! يجب ألّا يصل كلام الحقّ إلى أسماعهم، ومتى ما أراد شخصٌ النطق بكلمة حقّ، أسكتوه على الفور! كان أبو جهلٍ يقوم بهذا، ولم يسمحوا للنبيّ بتاتًا بتلاوة آيات القرآن على الناس!٢ لأنّ آية القرآن نورٌ، والناس مفطورون على فطرتهم؛ فعندما يقرأ النبيّ الآية، تتناغم مع الفطرة فيميلون إليها؛ الشباب أوّلًا ثمّ الشيوخ! فهم يميلون بسرعة، وهذا ما كان يُخيفهم! كانوا يرون النبيّ يقرأ آيات القرآن، وهذه الآيات تُخاطب الأرواح وتستقرّ في الوجدان؛ وهم لم يكونوا يريدون لهذا أن يتحقّق!
الإلقاءات الشيطانيّة في مسار التوحيد
فما إن يروا النبيّ يقرأ آيةً وجمعًا من الناس يُصغون إليه، حتّى تتزلزل كياناتهم! ويأتيهم الشيطان بكلّ قواه: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾٣،﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾٤؛ فيُلقي في روعه فورًا: «اذهب وارمه بحجر!» أو «اذهب وألق التراب والأوساخ على رأسه!» أو «اذهب وارفع صوتك بالصياح!» كلّ هذا من فعل الشيطان! إنّها الإلهامات التي يُلقيها الشيطان في نفوس الأفراد! فيرى فجأةً فكرةً تخطر بباله: لأذهب الآن وأضرب النبيّ بحجر! فمن الذي ألقى هذه الفكرة في ذهنه؟ الشيطان هو من ألقاها: لأذهب وأُفرغ الأوساخ على رأس النبيّ! فيأتي ويبادر بفعلها فورًا. وما إن يهمّ النبيّ بقراءة القرآن، حتّى يُوسوس الشيطان في صدره فيبدأ بالصياح!
وهنا يبرز بحثٌ مفصّلٌ حول ماهيّة جنود الشيطان وجنود العقل؟ وما هي المسائل التي تنطوي عليها جنود العقل وجنود الشيطان؟ إنّه لبحثٌ طويلٌ حول المصدر الذي تَرِد منه الخواطر إلى أذهان المؤمنين، والمصدر الذي تَرِد منه إلى أذهان الفاسقين والطالحين!
فذلك الشخص تخطر بباله فجأةً فكرة المجيء والصياح وتحريض الناس؛ لكنّه لا يدرك أنّه: ﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾۱، فالشيطان هو من يوجّهه ويُحرّكه: تقدّم وارمِ النبيّ بالحجارة وحرّض الصبية ليسخروا منه!
إنّه لأمرٌ عجيبٌ حقًّا! فإذا أراد الإنسان أن يتأمّل في أحوالهم، فسيرى حقًّا كيف تحمّلهم النبيّ! وأيّ صعابٍ ومحنٍ كابدها حقًّا!
دعم أبي طالب للنبيّ في مواجهة أذى المشركين
بعد أن بلّغ النبيّ الأكرم رسالة التوحيد للناس، جاء يومًا إلى المسجد الحرام وشرع في الصلاة. فجاء أبو جهل ونادى أحدهم قائلًا: «اذْهَبْ بِسُرْعَةٍ وَأَبْطِلْ صَلَاةَ مُحَمَّدٍ!». وكان جميع كبراء قريش جالسين هناك أيضًا. فذهب ذلك الشخص وأحضر كرش شاةٍ مذبوحة، فمزّقها وأفرغ محتوياتها على رأس النبيّ وملابسه وهو في صلاته! فبأيّ هيئةٍ أصبح النبيّ؟!
أتمّ النبيّ صلاته، وبنفس تلك الهيئة والحالة، توجّه إلى أبي طالب وقال له: «ما مبلغ قدري وقيمتي عندكم؟!».
استشاط أبو طالب عليه السلام غضبًا ونادى أخاه حمزة قائلًا: «قم، تعال لنذهب!». وكان حمزة خبيرًا بمثل هذه المواقف ولا يقوى عليه أحد؛ فحمل هو وحمزة سيفيهما، وتوجّها إلى المسجد الحرام بنفس هيئة النبيّ وحالته. فالتفت أبو طالب إلى حمزة وقال: «قُمْ، وَأَمْسِكْ بِهِمْ!». فهمّوا بالفرار، فقال أبو طالب: «مَنْ يَتَحَرَّكْ مِنْ مَكَانِهِ، أَضْرِبْ عُنُقَهُ بِهَذَا السَّيْفِ!». فجلس الجميع في أماكنهم. ثمّ التفت إلى حمزة وقال: «اذْهَبْ وَأَحْضِرْ تِلْكَ الْكَرِشَ نَفْسَهَا!». فأحضرها ولطّخ بها رؤوسهم ووجوههم جميعًا، فكان يأخذ من ملابس النبيّ ويمسح على رؤوسهم! فصارت هيئتهم حينها في غاية الروعة! ثمّ سأل: «من الذي فعل هذا؟!». فأشاروا إليه، فلوّث رأسه ووجهه بالكامل! ثمّ التفت أبو طالب إلى النبيّ الأكرم وقال: «قدرك وقيمتك عندي كذلك؛ هل فهمت الآن!».٢
هكذا كانوا يُعاملون النبيّ الأكرم؛ لكنّ النبيّ لم يكن ليتراجع! كان يعود مجدّدًا إلى موقعه الأوّل؛ وهكذا لم يكن ليكفّ أو يتراجع! أمّا نحن، فلو تعرّضنا لأبسط موقف، لاعتزلنا في بيوتنا وقلنا: «يا سيدي، دعك منهم! لا نريد ذلك!». لقد ألحقوا بالنبيّ كلّ هذا الأذى، لكنّه كان يعود لموقعه الأوّل ولم يكن يسعه التخلّي عن رسالته!
اطّلاع اليهود على الحوادث والمصائب التي ستُلحقها أمّة رسول الله بأهل بيت العصمة
لقد قال عدّاسٌ للنبيّ الأكرم: «أرى ما سيصيبك في المستقبل من الابتلاءات، وما ستجلبه أمتك على أهل بيتك من المحن!». لقد كانت كلّ هذه الأمور متوقّعةً سلفًا، وتحقّقت واحدةً تلو الأخرى. ففي زمن بعثة النبيّ ورسالته، تصدّى الآباء؛ وما إن ارتحل (صلّى الله عليه وآله) عن الدنيا، حتّى اقتفى الأبناء أثر آبائهم، فجاؤوا وأسقطوا جنين ابنته!۱
يقول ابن حجر في الصواعق المحرقة:
لمّا كانوا في طريقهم بالرؤوس إلى الشام، نزلوا بدير راهبٍ؛ فوضعوا رأس سيّد الشهداء عليه السلام في صندوقٍ وانهمكوا بشرب الخمر. وإذا بيدٍ تخرج فجأةً من الجدار وتكتب هذا البيت بالدم الأحمر:
| أَتَرْجُو أُمَّةٌ قَتَلَتْ حُسَيْنًا | *** | شَفَاعَةَ جَدِّهِ يَوْمَ الْحِسَابِ |
«هَلْ تَتَوَقَّعُ أُمَّةٌ قَتَلَتِ الْحُسَيْنَ أَنْ تَشْمَلَهَا شَفَاعَةُ جَدِّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟!».
ويُروى: أنّه وُجد حجرٌ في بيت المقدس واحتفظوا به، وقد كُتب عليه قبل بعثة النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله) بثلاثمائة عام:
| أَتَرْجُو أُمَّةٌ قَتَلَتْ حُسَيْنًا | *** | شَفَاعَةَ جَدِّهِ يَوْمَ الْحِسَابِ٢ |
ويُقال:
جلبوا رأس الإمام إلى دير الراهب؛ فسألوه: «من الذي كتب هذا الشعر على جدار ديرك، ومتى كتبه؟!». فقال الراهب: «لقد كتب هذا الشعر على جدار ديري قبل بعثة نبيكم بثلاثمائة عام!». فقبل بعثة النبي (صلى الله عليه وآله) بثلاثمائة عام، كان مكتوباً على جدار دير الراهب:
| أَتَرْجُو أُمَّةٌ قَتَلَتْ حُسَيْنًا | *** | شَفَاعَةَ جَدِّهِ يَوْمَ الْحِسَابِ٣ |
ويُروى:
أنّ الراهب أمعن النظر فرأى نورًا يتلألأ ويشعّ من ذلك الرأس نحو السماء! فالتفت إليهم سائلًا: «هل تعطونني هذا الرأس لهذه الليلة فقط ليكون في ضيافتي؟ وأعطيكم في مقابل ذلك عشرة آلاف دينار!». فوافقوا وسلّموا الرأس للراهب.٤
وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا آلَ مُحَمَّدٍ أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.
باسمك اللهمّ وندعوك ونُقسم عليك ونرجوك،
بحقّ محمّدٍ (صلّى الله عليه وآله) وأهل بيته الأطهار (عليهم السلام)،
يا الله يا الله يا الله...