المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني
المجموعةسنه 1418
التوضيح
هل ما نملكه في هذه الدنيا حقيقيّ أم مجازيّ؟ وكيف يخدعنا السراب الدنيويّ من مالٍ وجاهٍ وعلم؟ وما هي القصص العجيبة التي يرويها الأستاذ عن كبار العلماء وكيف فقدوا ذاكرتهم في لحظة؟ وهل يُعقل أن يكون الشيطان فقيهًا وعارفًا بأساليب السلوك؟! تُجيبك هذه المحاضرة التي ألقاها سماحة آية الله الحاجّ السيِّد محمَّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدَّس الله سرَّه في شرحه لدعاء أبي حمزة الثماليّ عن هذه الأسئلة، كاشفةً عن جوهر العلم الحقيقيّ الذي يربط الإنسان بالله، ومحذّرةً من مكائد النفس والشيطان التي تتربّص حتّى بالأنبياء.
هوالعلیم
علاقة العلم الحقيقيّ بذات الحقّ تعالى
الشيطان أستاذ الجميع: خطر العلم بلا تزكية
شرح دعاء أبي حمزة الثمالي - سنة ۱٤۱۸ هـ - الجلسة الرابعة
محاضرة القاها
آية الله الحاج السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ
قدّس الله سره
أعوذ باللَه من الشّيطان الرّجيم
بسم اللَه الرّحمٰن الرّحيم
الحمد لله ربّ العالمين
وصلّى اللَه علىٰ سَيِّدنا ونبيِّنا محمّدٍ
وعلى وآله الطّاهرين
ولعنة اللَه علىٰ أعدائِهم أجمعين
المال بين الحقيقة والمجاز
«بِكَ عَرَفتُك وأنتَ دَلَلتَني عَلَيكَ ودَعَوتَني إلَيكَ، ولولا أنتَ لم أدرِ ما أنت».۱
أشرت سابقًا إلى أنّ كمال حقيقة الإنسان هو بالعلم؛٢ لأنّه باستثناء العلم، فإنّ كلّ ما يحصل عليه الإنسان يكون تحصيله "مجازيًّا" وليس تحصيلاً حقيقيًّا؛ فلو حَصّل مالاً، فإنّ هذا التحصيل وكسب المال مجاز؛ لأنّه يكسبه اليوم ويفقده غدًا، ولا يوجد أيّ ضامن لبقاء هذا المال. اليوم يُقرّون قانونًا، فيحصل هذا الشخص فجأةً على عدّة ملايين؛ وغدًا، يُغيّرون القانون، فيخسر عدّة ملايين. اليوم يكسب المال، وفي الليل، يسطو اللصّ على المال. هذا مجاز وليس حقيقة.
يقول الشاعر:
| به مالت مناز، به یک شب بند است | *** | به حسنت مناز، به یک تب بند است |
يقول:
لا تَزْهُ بِمِالِكَ، فليلةٌ واحدة قد تُفنيه *** ولا تَزْهُ بجمالك، فحُمّى عارضة قد تُنهيه
وهناك شعر يُشبه المزاح يقول:
| آن پریروی که بر جنّ و پری تُف میکرد | *** | دیدمش حال پریشان که ذغال پف میکرد |
يقول:
ذلك الوجه الساحر الذي كان يبصق على الجنّ والحور [لفرط جماله]، رأيتُه بحالٍ مضطربة وهو ينفخ في الفحم!
الأشخاص الذين هم في سنّ السبعين والثمانين والتسعين، حينما يأتون إليكم، وتكون صورتُهم الشخصيّة تعود لسنّ العشرين أو الخامسة والعشرين، انظروا مرّة إلى هذه الصورة، ومرّة إلى الهيئة التي هم عليها الآن في سنّ المائة أو التسعين، سترون أنّ هناك تفاوتًا يسيرًا!!! هذا لأنّه "مجاز". غاية الأمر أنّه: تارةً، يُؤخذ من الإنسان دفعةً واحدة، وتارةً يُؤخذ تدريجيًّا؛ ولا قدّر الله أن يُؤخذ تدريجيًّا؛ لأنّ الإنسان لن ينتبه حينئذ كيف يضيع ما في كيسه. وطبعًا، ليس قصدي هذه الأشياء الظاهريّة، بل قصدي المسائل الباطنيّة.
نحن نجمع المال، ونفرح بأنّنا نملك القدر الفلاني من النقود؛ فيأتي اللصّ ليلاً، ويسرق كلّ الأموال، ويذهب ولا يترك منها أيّ أثر.. هذا مجاز. ونتمنّى أن نتزوّج بالمرأة الفلانيّة لكي تتمّ لنا [نِعَم] الدنيا؛ ولكن، ما إن يحدث ذلك حتّى تبدأ المصائب والشقاء، وتكون تلك بدايةَ الورطةِ.
قصّة الكاتب العدل: عروس الأحلام التي رحلت في ثلاثة أيّام
كان أحدهم يقول: كان هناك كاتب عدل في إحدى المحافظات، حيث إنّ الذين يعملون في هذا المجال يكونون محلاًّ للمراجعة لأجل الزواج ونحوه، ويأتيهم الناس من كلّ حدب وصوب. وكان قد بلغ من العمر حوالي ٣٥ عامًا ولم يتزوّج بعدُ. كان يقول: «يجب أن تكون زوجتي كذا وكذا...». وفي النهاية وبعد اللتيا والتي، وجد فتاةً كان هو بنفسه قد قال عنها لشخص آخر: «لا أظنّ أنّه يوجد على وجه الأرض أجمل وأبهى من هذه الفتاة ـ على الأقلّ بنظره هو ـ»!
تزوّج بتلك الفتاة نفسها. وفي صباح اليوم الثالث، أصاب ألمٌ قلبَ هذه المصونة المكرّمة المجلّلة؛ وما إن أوصلوها للمستشفى، حتّى ماتت؛ أي أنّ الأمر لم يستغرق سوى ساعتين، ولم يعرفوا حتّى ما هو السبب!
كلّ هذه الأمور مجاز، ونحن نتوهّم أنّها حقيقة؛ لأنّنا نتعامل معها معاملة الحقيقة. المعاملة التي نقوم بها مع هذا المتاع الدنيويّ هي معاملة حقيقيّة، وليست معاملة مجازيّة؛ فنتصرّف وكأنّ هذا التعامل حقيقيّ لا مجازيّ؛ ولكنّ الإنسان العاقل ينظر إلى "ذلك الطرف". فحينما ينظر للمال، للزوجة، للولد، للمقام وللاعتباريّات، وحينما ينظر لمحبوبيّته بين الناس، فإنّ هذه المحبوبيّة وهذه الصلوات والتحيّات، وإطلاق لقب "سماحة آية الله" و"فلان الدولة"۱ وأمثال ذلك، لا تخدع الإنسان العاقل ولا تغرّه.
لا ينبغي لتقبيل الأيادي هذا وللصلوات والتحيّات أن تخدع الإنسان العاقل؛ لأنّه بنفس الطريقة التي وُجدت بها هذه المحبّة، فإنّها تزول بنفس الطريقة وبتغيير بسيط، حيث يُطلقون على هذه الأمور اسم "المجاز".
الله هو الأنيس الوحيد في العوالم كلّها
أمّا ذلك الذي يكون مع الإنسان دائمًا ولا ينفصل عنه أبدًا، فهو الله تعالى؛ فذلك الذي يكون مع الإنسان في هذا العالم، ومع الإنسان في ذلك العالم، هو الله. حتّى الملائكة تفرّ آنذاك من الإنسان، حيث يذهب كلّ شخص لشأنه؛ فالأب والأمّ يفرّان من الإنسان؛ لأنّهما أيضًا يكونان مشغولين بشأنهما.
في ليالي القدر، نقرأ في مناجاة أمير المؤمنين في مسجد الكوفة: «اللهمّ إنّي أسألُكَ الأمانَ يَومَ لا يَنفَعُ مالٌ ولا بَنون إلاّ مَن أتى اللَهَ بِقلبٍ سَليمٍ»؛٢ أي: أطلب منك الأمان والحفظ في اليوم الذي لا يُنقذ الإنسانَ فيه مالٌ ولا أولاد، إلاّ القلب السليم!
القلب الذي وصل لمقام السِلم والتسليم هو الذي يُنقذ وهو الذي ينفع. الأب يذهب لشأنه، والأمّ تذهب لشأنها، والأخت تذهب لشأنها؛ فكلّ واحد لديه شأنه، وكلّ واحد يحمل زاده وحِمله، ولا يستطيع حمل وزر الإنسان. فيبقى ا الإنسان وأعماله، ويبقى الإنسان وفعله، ويبقى الإنسان وفكره.
مبنى السلوك: ستر العيوب وحفظ حرمة الإخوان
كم هو جيّد لو طبّقنا حقيقةَ يومِ القيامة هذه في الدنيا؛ أي: ألاّ يكون أساس المحبّة، وأساس المعرفة، وأساس الشهامة، وأساس المروءة، وأساس الغيرة ونحوها قائمًا على النَسَب. لو أنّ أحد أفراد عائلتنا: ابننا، أخانا، زوجتنا، أبانا، أمّنا، فعل فعلاً مخالفًا، هل نأتي في الصباح، ونُطبّل ونُزمّر به، وننشره في كلّ مكان؟!
لو كان لدينا أخ لم يكن سالكًا بتاتًا، وكان أخانا فقط، وجاء من رَحِم أمّنا فقط ـ حتّى لو كان حليق اللحية ولا يُصلّي ـ وفعل فعلاً مخالفًا، هل نأتي حقًّا ونُخبر به الجميع؟! هل نأتي، ونُخبر به رفيقَنا السلوكيّ؟! نحن لا نفعل هذا؛ لأنّنا نشعر برابطة وعلاقة بيننا وبينه تمنعنا من أن نأتي ونُفشي هذا السرّ، مع أنّه ليس سالكًا ولا يُصلّي، بل قد يرتكب الكثير من المعاصي.
ولكن، ما الذي جرى حتّى إذا جاء رفيقنا السلوكيّ وفعل فعلاً، أعلنّا ذلك في كلّ حيّ وزقاق؟! هل نحن سالكون حقًّا؟! هل يُطلق علينا اسم السالك؟! على سبيل المثال، لو فعل رفيقنا السلوكيّ الفلانيّ فعلاً، أو قال قولاً، أو قام بعمل غير متعارف، فبأيّ دافع نأتي ونفضحه ونتصيّد عيوبه؟! ولا قدّر الله أن نسعى خلف "تلفيق الملفّات" له۱!
وردت رواية عن النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله جاء فيها [ما معناه]: من تتبّع عثرات أخيه المؤمن ليجمعها ويستخدمها يومًا ما، ويُعيّره بها قائلاً: أنت فعلت كذا وكذا... صرف الله عنه نظره يوم القيامة.٢
أي أنّ هذا هو العذاب الأكبر له! ما هذا الداء الذي أُصبنا به؟! أليس لدينا نحن بؤس ومسكنة حقًّا؟! أليست لدينا مشاكل حقًّا؟! نحن الآن لا نتحدّث عمّا إذا كان الأمر تهمةً لا سمح الله، فتلك مسائل أخرى، بل الكلام في أن نأتي ونفضح عيبًا [موجودًا]. هذا سببه أنّنا سمعنا من هذه المسائل "لفظًا" فقط. الحقيقة والواقع عمل بها الآخرون، ونحن أخذنا ادّعاءها! نقول باللفظ، ولكنّنا لا نعمل. نرتقي المنبر ونعظ الناس ونمزّق حناجرنا: «أيّها الناس، لا تغتابوا، لا تبهتوا، هذا حرام...»، ولكنّنا نقوم بأكبر غيبة، ونفتري بأكبر بهتان. نقول: «أيّها الناس، لا تُثيروا الشكّ والاختلاف بين الناس! فقد جاء عن الأئمّة في الروايات [ما معناه]: "حافظوا على الوحدة! أعلى هديّة يُمكن أن يُقدّمها المؤمن لأخيه المؤمن هي الحفاظ على الوحدة!"».٣ ولكنّنا، لا نكتفي بأنّنا لا نوجد الوحدة، بل نُبدّل الوحدة الموجودة إلى اختلاف. هل أعطانا العظماء هذه التعليمات، ونحن نعمل طبقًا لمنهجهم؟! لقد وردت كلّ هذه الروايات في الشرع بأنّ الإنسان يجب أن يحفظ سرّ أخيه المؤمن، ولا ينبغي أن يُريق ماء وجه أخيه المؤمن، ولا ينبغي أن يُسقِط أخاه المؤمن أمام الناس، وحتّى إذا فعل فعلاً [حرامًا] فعليه أن يفعل كذا؛٤ فهل هذا هو معناها حقًّا؟! وهل معنى هذا الكلام هو ما نعمل به نحن؟! وذلك بأن نقول: «الشخص الفلاني فعل ذلك العمل قبل عشر سنوات، والشخص الفلاني فعل ذلك قبل سبع سنوات، والشخص الفلاني فعل هذا العام الماضي، والشخص الفلاني فعل هذا العمل هذا العام»، حسنًا، أنت ماذا فعلت؟! لو جئتُ أنا وقلت هذا الكلام، وجاء شخص وأوقفني قائلاً: «سماحة السيّد محسن، ماذا فعلت أنت؟! هل أنت منزّه عن هذه المسائل والعيوب التي تذكرها عن الآخرين؟!» هل أنا منزّه عنها واقعًا؟! حينما لا أرى نفسي منزّهًا، فعلى الأقلّ يجب أن أغلق فمي.
لدينا روايات تقول: «من أفشى سرّ أحدٍ، أفشى اللهُ سرَّه».۱ لقد رأيتُ النتيجة العمليّة لهذه الرواية بعينيّ خلال هذين العامين.. رأيتُها بهاتين العينين الظاهرتين، لا الباطنيّتين، حيث رأيتُ أفرادًا أفشوا سرّ أخيهم المؤمن وأفصحوا عن أمر لم يكن يعلمه أحد، فانفضح سرُّهم أيضًا أمام الآخرين.
قصّة المسيح والكلب الميّت: درسٌ عمليّ في السلوك
يا عزيزي، إنّ الروايات والتعاليم الشرعيّة هي عبارة عن روايات [وتعاليم] سلوكيّة. نحن نتخيّل أنّ السلوك له معنىً غريب وعجيب وهو عبارة عن أمور خاصّة واستثنائيّة ومسائل معقّدة و ... ، وأنّه حينما يُصبح الشخص سالكًا، ينفصل حسابه وكتابه عن الناس، ويُصبح أعلى من البقيّة ببون شاسع، وأنّه: صرنا سالكين، فلا ينبغي أن ننظر للشريك، والغريب، والبقّال، وقصّاب المحلّة، والخبّاز ونحوهم!
لا يا عزيزي، لا شيء من هذا الكلام! السالك عبارة عن القلب الطاهر والقلب الخالي من الغلّ والغشّ، والسلوك عبارة عن حفظ أسرار الناس، والسلوك عبارة عن صيانة ماء وجه الناس وعِرضهم، والسلوك عبارة عن الوحدة وعدم الاختلاف، والسلوك عبارة عن الانسجام، والسلوك عبارة عن الدفء والمودّة، والسلوك عبارة عن العمل بما أوصانا به العظماء. يُطلقون على هذا اسم "السلوك"، ولكن ماذا نفعل نحن الآن؟!
جاء في الروايات: كان السيّد المسيح على نبيّنا وآله وعليه السلام يمرّ من مكان، فرأى كلبًا ميّتًا قد تعفّن، فقال أحدهم: «لمَ هو هكذا...؟!»، وقال آخر: «لمَ هو كذلك...؟!». فالتفت إليهم السيّد المسيح وقال: «انظروا ما أجمل بياض أسنانه!».٢ هذا ما يُسمّى بالسلوك! والسيّد المسيح يُعلّم تلامذته السلوك.
أنا أعترف هنا أنّنا طوال هذه المدّة، اتّخذنا النقطة المقابلة للسلوك تمامًا؛ أي أنّ السلوك يذهب لهذا الطرف، ونحن نذهب من ذاك الطرف تمامًا؛ فالسلوك يتّجه نحو الصدق، ونحن نتّجه نحو الكذب والدجل تمامًا، والسلوك يتّجه نحو الوحدة، ونحن نتّجه نحو الاختلاف تمامًا، والسلوك يذهب لحفظ العِرض والأمانة، ونحن نذهب للخلاف ولإفشاء السرّ تمامًا.
كلّ هذه المسائل التي أذكرها هي بناءً على مبنى السلوك، ولا فرصة لديّ لنبحثها واحدًا تلو الآخر. وكما نُقل عن المرحوم الشيخ الأنصاريّ الهمدانيّ حينما سُئل: «ما هو السلوك؟» قال: «العمل بالأحكام الخمسة: الوجوب، الحرمة، الكراهة، الاستحباب [والإباحة]». هذا ما يُسمّى بالسلوك. والجلوس، وترديد "يا هو"، وقراءة دعاء الجوشن والذكر اليونسيّ، وقول "لا إله إلاّ الله"، وامتلاك السرّ والقلب والظاهر واللسان و ...، كلّها مقدّمة للوصول إلى هذه المباني.
لو قلتُ الذكر اليونسيّ لمائة عام، وكنتُ في العمل أسعى للاختلاف، فإنّ ذكري هذا لا يُساوي فلسًا. ولو قمتُ لصلاة الليل ألف عام، ولم تُؤثّر هذه الصلاة في إيجاد الصفاء والانسجام والتوافق بيني وبين الآخرين، فإنّ وجود صلاة الليل تلك كعدمها سواء. هذا المعنى هو معنى السلوك.
حقيقة الضعف البشريّ
السلوك عبارة عن تحقيق المباني الفطريّة الأصيلة في وجود الإنسان؛ أي أن يُحقّق الإنسان هذه المباني في وجوده، وأن يرى نقطة ضعف الرفيق نقطة ضعفٍ لنفسه حقيقةً، لا أن ينتظر ليمسك عليه نقطة ضعف، ويحفظها في الملفّ، ويصبر سنة أخرى لكي يُبرزها!
أسألكم وأسأل نفسي: أ فهل يوجد إنسان بلا نقطة ضعف؟! دلّوني على شخص واحد ليست لديه أيّة نقطة ضعف! أنا أدّعي هذا الآن: ائتوني بشخص غير وجود بقيّة الله (عجّل الله تعالى فرجه)، ونضعه هنا أمامنا، ونرى هل لديه نقطة ضعف أم لا؟! لديه! كلّنا في هذه القضيّة سواسية؛ غاية الأمر، واحد لديه أكثر، وواحد لديه أقلّ.
وكما ذكرتُ في السنوات الماضية أثناء ترجمة وبيان هذه الفقرات الكريمة من دعاء الإمام السجّاد عليه السلام حيث يقول: «مِن أينَ لِيَ الخَيرُ يا ربِّ ولا يوجَدُ إلاّ مِن عندِك»، إذا وصل الإنسان واقعًا لحقيقة هذه المسألة وهي أنّ: أصل كلّ خير هو من الله تعالى، وأصل كلّ شرّ هو منّا؛ ففي هذه الحالة، هل سيُفتح باب اعتراض شخص على شخص آخر؟!
فحينما كنّا نسمع المسائل من المرحوم العلاّمة، هل كنّا نسمعها بجدّية؟! أفكان هو يمزح معنا؟! يسأل الإنسانُ نفسَه أحيانًا: «لعلّه كان يمزح معنا»؛ لأنّه حينما يأتي شخص عظيم كهذا ويتحدّث بجدّ، فيجب على الإنسان أن يأخذ كلامه بجدّ أيضًا! إنّ هذه الابتلاءات سببها أنّنا لم نأخذ الأمر بجدّ، وركنّا للدعة، وأقمنا العلاقات على أساس الحسَب والنسَب.
إنّ ما يوجب صعود الإنسان، ويحصل بواسطته على الكمال هي المعرفة؛ فلو كانت للإنسان معرفة واقعيّة، لكانت موجبة لكماله. ورد في الرواية: «مَن تواضَعَ غنيًّا لِغناهُ فَقَد كَفَرَ»؛۱ لأنّه لم يتواضع لهذا الشخص فحسب، بل تواضع في الأساس لماله؛ والتواضع للمال في مقابل التواضع لله كفرٌ.
حينما ينسى الفقيهُ طريقَ منزله!
كلّ هذه الأمور مجاز. وعليه، لو أراد إنسان أن يصل في هذه الدنيا للحقيقة والواقع ـ الذي لا يزول عنه أبدًا ـ فيجب أن يسعى خلف المعرفة!
حتّى هذه العلوم مجاز أيضًا. "الوحيد البهبهانيّ" مع عظمته وتلك المرتبة العلميّة التي كانت لديه، حصل له نسيان في آخر عمره، فارتقى المنبر وأعلن: أيّها الناس، أنا أعيش أواخر عمري، وقد حصل لي نسيان ولا أستطيع استخراج الفتاوى من مبانيها، فراجعوا تلميذي السيّد مهدي بحر العلوم!
لو كانت لهذه العلوم حقيقة، فلماذا فقدتها؟! إذن هي مجاز أيضًا.
وكذلك حصل النسيان للميرزا حبيب الله الرشتيّ، ذلك الذي كان بحرًا من العلم والفقه والأصول، والذي انتقلت إليه [رئاسة] الحوزة العلميّة بعد الميرزا الشيرازيّ الكبير (الميرزا حسن)؛ لأنّ هذا الأخير جاء لسامرّاء وبقي هو في النجف. كان أحد التلاميذ الثلاثة المبرّزين للشيخ الأنصاريّ، وتصدّى للتدريس بعده. كان رجلاً عجيبًا في الفقه والأصول وله تضّلع كبير فيهما. يكتبون في أحوال المرحوم الحاجّ الميرزا حبيب الله الرشتيّ أنّه: أُصيب بالنسيان في أواخر عمره، لدرجة أنّه كان ينسى منزله. كان حينما يأتي للحرم، يُمسك بيده فحمةً، ويضع علامة بواسطتها على رأس الزقاق ليعرف أنّ هذا زقاقه؛ وعندما يعود من الحرم، كان يشكّ هل هو من وضع علامة الضرب ( X ) هذه أم وضعها شخص آخر.
هذه من آيات الله وعلاماته، الميرزا حبيب الله الذي كان يقول يومًا: مات الشيخ وكان معه ثلاثة أشياء: كان لديه علم فأودعه عندي (كان لديه هذا الغرور العلميّ حينها)، وكانت لديه رئاسة فأودعها عند الميرزا حسن الشيرازيّ، وكانت لديه تقوى فأخذها معه.۱
شخص كهذا يدّعي: «أنا حملت علم الشيخ الأنصاريّ»، ينسى الخطّ الذي رسمه بالفحم بنفسه هل هو له أم لا! لذلك، فإنّ هذا مجاز. إن كان قد استفاد من علمه استفادة حقيقيّة، فذلك المقدار الذي يقع في طريق الحقّ هو الحقّ ويبقى له، وإلاّ فذلك لا يبقى أيضًا.
العلم الحقيقيّ: ما دلّك على ذات الحقّ تعالى
هناك آية عجيبة جدًا تقول: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾.٢ هذه الآية من أدقّ الآيات التوحيديّة في القرآن وألطفها وأعجبها، حيث يوجد فيها جمعٌ بين عالم الوحدة والكثرة، وإثباتٌ لحقّانيّة الارتباط بين الوحدة والكثرة وأنّ ذلك هو الحقّ والباقي باطل؛ وهذا ما يُسمّى بالحقيقة.
فالحقيقة عبارة عن ذلك المقدار من المعرفة الذي يحمله هذا الشخص معه ولا يقبل الزوال أبدًا. وعليه، لو أراد الإنسان في هذه الدنيا ـ وهي محطّة عبور ـ أن يتمسّك ويتشبّث بحقيقةٍ ما، فتلك الحقيقة عبارة عن "ذات الله"؛ فهو تعالى الوحيد الذي يبقى للإنسان، وهو الجليس الذي يكون مع الإنسان في الدنيا، ومع الإنسان في الآخرة، ومع الإنسان في القبر، ومع الإنسان في الحشر، ومع الإنسان في الجنّة، ومع الإنسان في النار. ذات الله هي التي تكون مع كلّ أحد وفي كلّ مكان. هذه هي الحقيقة.
﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾؛۱أي: كلّ هذا لتعلموا أنّ الحقّ مختصّ بذات الله. حتّى هذه العلوم ليست حقًّا؛ فهي موجودة يومًا ومفقودة يومًا، إلاّ أن تكون علومًا توصل الإنسان إلى الله.
يقول الإمام عليه السلام: «أنتَ دَلَلتَني عَلَيكَ ودَعَوتَني إلَيكَ»؛ فهذه العلوم هي العلوم التي تدلّنا عليك. ولا يخفى أنّ الإمام عليه السلام يقول هنا: «أنتَ»! ولو وفّقنا الله تعالى، سنصل لهذه المسألة لاحقًا؛ وهي أنّ العلم هل يدلّ الإنسان أم لا يدلّه، وهل دلالة العلم هي دلالة الله أم دلالة غير الله؟
ولكنّ الكلام هنا في أنّ الإمام يحصر كلّ هذه المسائل في "كاف الخطاب" ويقول: «بِكَ عَرَفتُك»، ولا يقول أبدًا: «عرفتُ نعماءك، عرفتُ جحيمك وجنّتك، عرفتُ ملائكتك، عرفتُ صُحفك، عرفتُ قضاءك وتقديرك، عرفتُ إرادتك ومشيئتك». ويقول: «أنتَ دَلَلتَني عَلَيكَ»؛ أي: أنت دللتني على ذاتك، «ودَعَوتَني إلَيكَ»؛ أي: أنت دعوتني لنفسك، «ولولا أنتَ لم أدرِ ما أنتَ».
هذه الـ "أنت" ـ التي لو عرفتُها لفزتُ، ولو لم أعرفها لما فزتُ ـ هي ذات الحقّ المتعال. والوصول لله تعالى هو الوصول للحقّ والحقيقة.
قصّة الطبيب المغرور والعائلة التي باعت جنازة أبيها
حسنٌ جدًا، تفضّلوا وقولوا: ما الذي يصل إليه الإنسان في هذه الدنيا ويكون حقًّا؟ هل الحقّ هو الوصول لامرأة؟! هذه التي تموت بعد أسبوع، أو في النهاية، تمضي سنتان أو ثلاث ويرتفع سنّها قليلاً، فيهوى السيّدُ زوجةً ثانية! حسنًا، تفضّل، هل هذا حقّ أيضًا؟! كيف لم تهوها في البداية؟! الكلام الآن ليس في عدم شرعيّتها. لقد ذكرنا مجموعة من المسائل بخصوص هذه القضيّة في الجلسة السابقة، ولكنّ الكلام في أنّه: لِمَ لم تذهب خلف الثانية حينما كانت الأولى شابّة؟! إذن، معلومٌ أنّ هذه الأمور مجاز؛ ولو كانت حقًّا، لوجب أن تكون دائمة.
وهل الحقّ هو الوصول للمال؟! احصل أنت على مال، ثمّ اضمن لنفسك بقاء هذا المال دائمًا! هب أنّك حفظت هذا المال حتّى لحظة الموت، هل الموت بيدك أنت؟! لا يا عزيزي، تكون تمشي، فتسقط لَبِنةٌ على رأسك، وتموت.
أعرف شخصًا كان طبيبًا حاذقًا جدًّا وكان كذا وكذا...، كان يتحدّث يومًا في مؤتمر حول الميكروب والفيروس وأسباب وعلل تقدّم الطبّ ونحوه، فقال: ما معنى كلام هؤلاء الذين يقولون: الموت والحياة و ... بيد الله؟! هذه أمور ترتبط بالعلم، وترتبط بالطبّ، وترتبط بتقدّم الطبابة. نحن نُحيي الناس، ونحن نحفظ الناس، ونحن نفعل كذا و ... .
الظاهر أنّه بعد شهر ونصف من هذه القضيّة، كان هذا السيّد يمشي في سوق طهران، فسقطت لَبِنة من الأعلى على دماغه ومات في مكانه. فليأتِ هذا الطبّ الآن ويُحييه! هو الذي كان يقول: «ما هذا الكلام؟!»
لقد فهم الإمام الهادي عليه السلام الحقّ حيث يقول: أيّها الحمقى، لو فهمتم جزءًا من المليون ممّا فهمته لكفاكم! طبعًا، الإمام يقول ذلك بلسان الحال وبأدب جمّ، وأنا الذي أقولها هكذا.
| باتوا على قُلَلِ الأجبالِ تَحرُسُهم | *** | غُلبُ الرجالِ فلَم تَنفَعْهم القُلَلُ۱ |
هذه حقيقة وصل إليها الإمام الهادي عليه السلام.
على فرض أنّكم حفظتم هذا المال لغاية الموت، هل يُدخلون معكم فلسًا واحدًا منه في القبر عند الموت؟! لا يا عزيزي! إذا احتَرَمَنا الورثةُ والباقون جدًّا، فإنّهم سيُشيّعوننا بأنفسهم، ويضعوننا في القبر، ثمّ يفضّلون الفرار على القرار.
أعرف عائلة مرفّهة في طهران تُوفّي والدها، فلم تذهب هذه العائلة لرؤيته في المستشفى حتّى عند موته. اتّصلوا بالسيّارات التي تنقل الموتى، وأعطوا السائق مبلغًا إضافيًّا من المال، وقالوا له: «استلمه أنت من المستشفى، وخذه للطبيب العدليّ، وأنجز معاملاته، وخذه وادفنه». لقد جاء هذا الرجل ليُعطيهم ورقة القبر، فلم يستلموا منه حتّى ورقة قبر أبيهم! هذه حالة من حالات الورثة؛ هذا، مع أنّهم يشترون الكفن خوفًا من الفضيحة فقط، وإلاّ، لدفنوه عاريًا هكذا في التراب، أو لألقوه في البحر وربطوا به حجرًا لينزل للقاع. الأوضاع هكذا!
هذا حال المال، تعالوا الآن وتحدّثوا عن الأشياء التي حصلنا عليها في هذه الدنيا واحدةً، واحدةً، لأجيبكم عنها واحدة، واحدةً. فأيدينا جميعًا فارغة ولا نملك شيئًا.
قصّة اللحظات الأخيرة: هكذا رحل العارف بالله
لم يكن أحدٌ منّا يظنّ بتاتًا أنّ المرحوم العلاّمة سيتركنا فجأة ويذهب؛ ولكنّه بذهابه أفهمنا هذا المعنى: يا عزيزي، المسألة جادّة! إن كنتم تأخذونها من باب المزاح حتّى الآن، فاعلموا أنّها جدّ ولا مزاح فيها، اليوم حدثت لي، وغدًا ستحدث لكم. الموت جدّ!
كنتُ جالسًا عنده في تلك الساعات الأخيرة، وكان بعض الأصدقاء الأطبّاء الموجودين هناك قلقين. فجأةً، تغيّر وضعُه، وبدأ الدم ـ الذي لم يكن يجري في الجانب الأيمن من بدنه بتاتًا ـ بالجريان مرّة أخرى. فرح هؤلاء وقالوا: الحمد لله! الآن حتّى لو أردنا إجراء عمليّة، فسنُؤخّرها سبعة أو ثمانية أيّام أو عشرة أيّام أخرى!
تقدّم أحد الأطبّاء المعروفين في مشهد ممّن لنا معه سابقة معرفة أيضًا، وقال ضاحكًا ومسرورًا جدًا: «حدثت معجزة!». أدار المرحوم العلاّمة رأسه وقال: «يا سيّد، ماذا حدث؟». قال الطبيب: «عاد الدم للجانب الأيمن». قال المرحوم العلاّمة: «حسنٌ جدًا، الحمد لله!». ولكنّني نظرتُ إليه، فرأيتُ أنّ حاله لم يتغيّر وكأنّ هؤلاء مخطئون!
مضت فترة، فقال لي: «أريد أن أجلس، فقُل لهؤلاء جميعًا أن يخرجوا». قلت لتلك الثلّة التي كانت هناك: «اخرجوا، يريد السيّد الوالد أن يجلس». قال أحد الأصدقاء الأطبّاء: «لا، يا سيّدي، لا تستمع لكلامه، يجب أن ينام». قلت: «اخرج أنت حاليًا، ولا شأن لك». قال: «لا، أنا أقول...!». قلت: «يا عزيزي، أقول لك اخرج! ما شأنك أنت؟!». قال: «حسنًا، سمعًا وطاعةً». خرج ذلك الطبيب، وجلس المرحوم العلاّمة، ثمّ قال: «الآن أريد أن أرجع وأنام مرّة أخرى».
ما إن همّ بالنوم، حتّى رأيتُه ألقى بثقله على يدي؛ أي: حينما أراد النوم، رحل. وعندما وضعتُ رأسه على الوسادة، لم يعد الاختيار بيده، فأطبق عينيه، ثمّ بدأ تنفّسه بالعدّ التنازليّ، وارتحل براحة تامة في غضون ثانيتين أو ثلاث.
هذا يعني أنّ هذه الحياة وهذا العمر وهذه المسائل و ... كلّها مجاز. يجب أن ينظر الإنسان لذلك الطرف (للآخرة). إلى متى نريد النظر لهذا الطرف؟! يجب أن يتوجّه نظرُ الإنسان وفكرُه وحالُه لذلك الطرف. بأيّ بيان يريدون التوضيح لنا بعدُ؟!
وعليه، فإنّ الحقيقة هي الوصول إلى الله بالعلم، وأن تنكشف للإنسان حقيقةُ التوحيد، وتتّضح له هذه الحقيقة ويتّصل بها، ويُعانق تلك الحقيقة ويضمّها، بحيث لا تنفصل عنه بعد ذلك. فإذا صار هكذا، فقد فاز حينئذٍ.
بناءً على ذلك، فإنّ هذه العلوم التي يدرسها الإنسان، والعلوم المرتبطة بالدنيا، والعلوم المرتبطة بتدبير الأمور المعيشيّة، وحتّى العلوم المرتبطة بالدين [هي مجاز أيضًا]. ولكن، إذا وفّقنا الله ـ إن شاء تعالى ـ سنتطرّق في المجلس القادم لكيفيّة الاستفادة من العلم. فالكلام في نحو الاستفادة وكيف يُصبح هذا العلم شيطانًا بالنسبة للإنسان.
قصّة الشيخ الأنصاريّ: "لا أدري" نصف العلم
هل تظنّون أنّ هذا الشيطان لا يعرف الفقه والأصول؟! قسمًا بنفسك الشريفة وبنفسي، إنّه يملك علمًا لو وضع بسببه عمامةً على رأسه، لكان جديرًا بأن تكون عمامتُه بحجم قبّة المسجد "الأعظم"!
جاءت جماعة من "دزفول" عند الشيخ الأنصاريّ ليطرحوا عليه عدّة أسئلة؛ لأنّه كان من أهل هذه المدينة، وسمعوا أنّه في النجف. سألوه سؤالاً، فقال الشيخ بنفس اللهجة الدزفوليّة: «لا أعلم». نظر إليه السائل وقال: «لقد أذهبَ ماء وجه الدزفوليّين!». فكان الجميع جالسون، فسأله سؤالاً آخر، فرفع الشيخ رأسه ثانية وقال: «لا أعلم». سألوه مرّة أخرى، فقال: «لا أعلم»
نفد صبر أحدهم وقال: «إذن، هذه العمامة التي وضعتها على رأسك، لماذا وضعتها؟!». قال الشيخ: هذه العمامة بمقدار ما أعلم. ولو أردتُ أن أضع عمامة بمقدار ما لا أعلم، لوصلَتْ إلى العرش!
الشيطان: "السالك الأوّل" الذي يقطع طريق العلماء والعرفاء
وأنا أقول هنا: لو أراد الشيطان أن يضع عمامة على رأسه، لعلّها تصل إلى العرش! وبعد ذلك، لو أراد هذا "العظيم" أن يجلس في مقام الفتوى، لتغلّب على الجميع! ولديّ دليل على هذه المسألة. الدليل هو الآية القرآنيّة التي تقول: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾۱.
وهناك آية عجيبة أخرى تقول: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ﴾؛٢ أي: لو ذهب هؤلاء لليسار، لجئتهم من اليسار، ولو ذهبوا لليمين، لجئتهم من اليمين، وآتيهم من الأمام، وآتيهم من الخلف.
سأغلق عليهم جميع الطرق؛ فأغلق الطرق الماديّة، وأغلق الطرق الأخرويّة. ولو أرادوا التقدّم من الطرق العلميّة، لأغلقتها. ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾، يعني: ذلك البقّال الذي يفكّر في الغشّ، أنا من يُوسوس في رأسه ليفعل ذلك. وذلك القصّاب الذي يخلط اللحم الفاسد باللحم الجيّد الآن ويعطيه بيد الزبون، أنا من ذهب إليه وتقدّم هناك وألقى تلك الفكرة في رأسه.
وذلك العالم الذي يصنع فتوى لتدبير أموره الدنيويّة، ويُفتي ليقف في وجه الله، أنا من يضعه الآن في مسير الإغواء هذا؛ أي أنّ علمه وكيفيّة سوء استفادته من علمه، كلّها إلقاءاتي. إذن، الشيطان يتلاعب بيد ذلك المرجع الذي ينوي الآن إصدار هذه الفتوى. ثمّ يقول: ﴿أَجْمَعِينَ﴾، أي أنّي أغوي جميع الأفراد هنا، أي أنّ لي اليد العليا.
هذا "العظيم" لا يدخل من هذه الطرق فحسب، بل يدخل من طريق السلوك أيضًا.. إنّه رائد السلاّك في عصره! يأتي ويُعلّم الإنسان السلوك. أجل، يبقى أنّ السلوك الذي يُعلّمه هو ليس سلوكًا، بل هو "دُلوك"! ويُعلّم الإنسان كيفيّة الارتباط بالمريد، ويُعلّمه كيفيّة الارتباط بالناس، ويُعلّم الإنسان كيفيّة اجتذاب الأفراد، بأن نجذب هكذا، ونذهب هكذا، ونجيء هكذا، ونفعل هذا؛ فيخال هذا المسكين أنّه "الرحمن" ولا يدري أنّ هذا الطريق الذي يُريد طيّه، قد طوى "إبليس" كلّ طرقه، وأصبح من محارم الأسرار.
أنا لا أمزح في هذه المسائل التي أذكرها. هذا الشيطان يبقى متربّصًا، إلى أن يصل إلى حريم الله؛ لكن، من هناك فصاعدًا، لا يحقّ له الذهاب؛ ولكنّه متربّصٌ من عالم المادّة إلى جميع العوالم العليا، وموجود في كلّ مكان، بحيث لو ذهبتَ في عالم "المثال" فهو معك، ولو ذهبتَ في عالم "الملكوت" فهو معك، ولو ذهبتَ في عالم "الجبروت" فهو معك؛ غاية الأمر أنّه يصبح هناك رقيقًا ولطيفًا جدًّا.
هنا يقول: اشرب الخمر، اسرق، اغتب، افترِ و ...؛ وإذا ذهبتَ في المثال يقول: استحضر صورًا غير واقعيّة، دبّر تدبيرًا سيّئًا للمسألة الفلانيّة، خطّط و ...؛ وأعلى من ذلك، إذا ذهبتَ في مقام "السرّ"، يُحضر بعض الحالات والأنانيّة والأمور النفسانيّة و ...؛ وهكذا، يصعد، حتّى يصل إلى مكان لا يُصدّق الإنسان أنّ أحدًا يكون بهذا النحو! ويقول: «هذا الذي هو هكذا، هذا الذي يملك هذه المقامات، كيف صدرت منه هذه القضيّة؟!». وعليه، فإنّ الشيطان له اليد العليا ويقول: «أنا موجود؛ وقسمًا بنفسك الشريفة، لن أنفصل عنك، وقد أجريتُ معك "عقد الأخوّة"!».
إذا كان المؤمنون يقرؤون صيغة عقد الأخوّة مع بعضهم يوم عيد الغدير، فإنّ "سماحة الشيطان" هذا يُجدّد صيغته معنا في كلّ لحظة من الليل والنهار، ويمدّ يده باستمرار، ويقول: «سيّدي، هات يدك!»، ويشدّ على أيدينا بقوّة.
قصّة النبيّ والشيطان: فخّ في وعاء "حساء الرمّان"
ذات يوم، جاء الشيطان لأحد الأنبياء، وجلسا يتجاذبان أطراف الحديث: قال ذلك النبيّ: «يا شيطان، لديّ رجاء منك وهو أن تُقدّم لي نصيحة! لديّ سؤال: هل أفرحتُ قلبك يومًا ما؟ أنت تفعل كلّ شيء، فتعال وارحم شيبتي هذه لوجه الله، وقُل الصدق!».
تصرّف الشيطان برجولة هنا، وتحدّث بصدق، وقال: «في بعض الأحيان، حينما تذهب لبيت والدتك وتطبخ هي مثلاً "حساء رمّان" لذيذًا جدًا، في نفس ذلك الوقت الذي تأكل فيه حساء الرمّان ذلك ويُعجبك كثيرًا، ويحصل فيك قليلٌ من الميل للدنيا، أفرح أنا وأقول: لقد صفّيتُ الحساب مع الأنبياء هنا أيضًا».
هزّ ذلك النبيّ رأسه وقال: «بما أنّ الأمر هكذا، أقسم ألاّ آكل من هذا الحساء بعد الآن!».
فقال الشيطان: «وأنا أقسم ألاّ أنصح أحدًا بعد الآن!».۱
إذن، هو أستاذ الجميع؛ أي أنّ ذلك النبيّ يعتبر ـ في ذلك المقام ـ مجرّد تُوجّهه لحساء الرمّان بأنّه: «كم هو جيّد!»، ونفس هذا الميل الذي لديه، ذنبًا بالنسبة إليه: «حَسَناتُ الأبرار سَيّئاتُ المُقرَّبين».٢ هذا "العظيم" يذهب حتّى للأنبياء؛ إذن، نحن "راسبون"، ويجب أن نغادر!
إذا كنتم تتخيّلون أنّكم تخدعون الشيطان؛ ففي نفس خداعكم، وفي الوقت الذي تُخطّطون فيه لتخدعوه، هو يخدعكم؛ اللهمّ إلاّ بالاتّكاء والتوكّل على الله تعالى، والتسليم له، وتفويض الأمر إليه؛ وإلاّ، فاعلموا أنّ نفس الخطّة التي ترسمونها للشيطان، هو من ألقاها في رؤوسكم.
لن أُدقّق هنا أكثر؛ ولكن، اعلموا أنّ كثيرًا من إظهار المصالح، وكثيرًا ممّا نعتبره خيرًا للآخرين، كلّه من إلقاءات الشيطان!
نطلب من الله المتعال أن يأخذ بأيدينا في كلّ حال، وأن يُسامحنا على بؤسنا وعجزنا هذا، وأن يكون كافلاً لأمورنا في كلّ حال، وأن يختم أمورنا بالخير، ويجعلها موضع رضاه!
اللهمّ صلّ على محمّدٍ وآل محمّد