1

برهان الصدّيقين ومحوريّة العرفان الإلهيّ

لماذا يُعدّ الجسدُ مركبةً أساسيّةً في السير والسلوك؟ وكيف تستخدمها للوصول إلى الله؟

2
مشاهدة المتن

المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني

القسمدعاء أبي حمزة الثمالي

المجموعةسنه 1418

جلسات المجموعة(11 جلسة)

التوضيح

ما هو الركن الأساسي لـ «معرفة الله»؟ وهل يتنافى الإرشاد الإلهيّ المباشر الوارد في دعاء أبي حمزة الثماليّ مع بعثة الأنبياء واللجوء إلى الأستاذ؟ وما هو المميّز الحقيقيّ للإنسان عن سائر الموجودات؟ وكيف يمكنك أن تحوّل صحّتك الجسديّة من عبءٍ عليك إلى مُعينٍ لك في طريق السلوك الإلهيّ؟ تُجيبك هذه المحاضرة القيّمة عن هذه الأسئلة من خلال شرحٍ دقيقٍ ومُفصّلٍ لفقرة «بِكَ عَرَفتُك وأنتَ دَلَلتَني عَلَيك» من الدعاء، مُؤكّداً على محوريّة الله في كافّة مراحل المعرفة، وضرورة الحفاظ على سلامة الجسد كمركب ووسيلةٍ للوصول إلى المقصد.

/۱۳
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

برهان الصدّيقين ومحوريّة العرفان الإلهيّ - لماذا يُعدّ الجسدُ مركبةً أساسيّةً في السير والسلوك؟ وكيف تستخدمها للوصول إلى الله؟

1
  •  

  • هوالعلیم

  •  

  • برهان الصدّيقين ومحوريّة العرفان الإلهيّ

  • لماذا يُعدّ الجسدُ مركبةً أساسيّةً في السير والسلوك؟ وكيف تستخدمها للوصول إلى الله؟

  •  

  • شرح دعاء أبي حمزة الثمالي ـ سنة ۱٤۱۸ هـ ـ الجلسة الأولى

  •  

  • محاضرة القاها

  • آية الله الحاج السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ

  • قدّس الله سره

  •  

  •  

برهان الصدّيقين ومحوريّة العرفان الإلهيّ - لماذا يُعدّ الجسدُ مركبةً أساسيّةً في السير والسلوك؟ وكيف تستخدمها للوصول إلى الله؟

2
  •  

  •  

  • أعوذُ باللَه مِن الشّیطان الرّجیم

  • بسمِ اللَه الرّحمٰن الرّحیم

  • و صلّى اللَهُ علیٰ سیّدِنا و نبیّنا محمّدٍ

  • و على آلِه الطیّبین الطّاهرین

  • و اللَّعنةُ علیٰ أعدائِهم أجمَعین

  •  

  •  

  • لماذا معرفة الذات الإلهيّة هو المحور؟

  • يتحدّث الإمام عليه السلام في هذه الفقرة الشريفة حول محورٍ واحدٍ، حيثُ يقول: «بِك عَرَفتُك»، أي: «أنا عَرَفْتُك بِواسطَتِكَ أنت؛ عِرْفاني بكَ كان بِواسطة ذاتِك أنتَ، ثمّ يقول: «وأنتَ دَلَلتَني عَلَيك و دَعَوتَني إلَيك»، أي: «أنتَ الذي دَلَلتَني و أرشَدْتَني إلى ذاتِك، و دَعوتَني إلى ذاتِك!» ويُضيف: «ولولا أنتَ لم أَدرِ ما أنتَ» أي: «ولو لم تَكُنْ أنت، لما كان لي عِرفانٌ بك، وما كنتُ أعرِفُ مَن أنتَ و ما أنتَ! » إنّ الإمام السجّاد عليه السلام يبيّن في هذه العبارة أمورًا مختلفةً تدورُ حول محورٍ واحدٍ، وهذا المحور هو العرفان بالخالق، ولذلك يقول: «بِك عَرَفتُك و أنتَ دَلَلتَني عَلَيك و دَعَوتَني إلَيك»!

  • لماذا يدعونا الله تعالى إلى ذاته؟ ولماذا يتوجّب علينا أن نتحصّل على المعرفة به؟ وما هي النتيجة التي تعودُ على الإنسان من المعرفة به؟ وماذا سيحدث للإنسان إذا لم يعرفِ الله؟ 

  • إنّ الإمام عليه السلام يقول: «وأنتَ دَلَلتَني عَلَيك؛ أنتَ الذي دَلَلتَني على ذاتِك» ولم يقل: «دَلَلتَني على جَنّتِك»، أو دَلَلتَني على نَعيمِك. فـ «كاف» الخطاب تُشيرُ إلى الخطاب مع الذات في المقام الأوّل، أي: أنتَ دَلَلتَني على ذاتِك! فما هي فائدة هذا الأمر؟ ولأيّ شيءٍ هو؟ إذن، فمحوريّة هذه العبارة الشريفة تدورُ حول معرفة الخالق، وتدورُ حول هذا العرفان مسائلُ عديدةٌ.

  • كيف يتعارضُ قولُ «بِك عَرَفتُك» مع الحاجة إلى الأنبياء والأستاذ؟

  • دلالة الذات الإلهيّة هي الطريق الوحيد للوصول إلى العرفان

  • إحدى المسائل هي أنّ الإمام عليه السلام يقول: «إنّ عِرفاني بكَ كان بِواسطة ذاتِك أنتَ »أي إنّني لم أستعِنْ ولم أستجِدْ غيرَك لكي أعرِفَك وأشخِّصَك، بل الأمرُ «بِك » فقط! 

  • ولماذا ينبغي أن يكون الأمر كذلك؟ في حين أنّنا في تحصيل المعرفة بالسلع (الأشياء) قد نستعينُ بالغير، ونحصل على المعرفة بمُساعدة شخصٍ آخر؟ فمثلًا، عندما تُريدُ أن تتعرّف على زيدٍ مَن هو هذا الشخص، إذا لم تستطعْ أن تعرفه بنفسك، فإنّك تذهب إلى صديقه وتقول له: يا هذا، أخْبِرْني ما هي صفاتُ زيد؟أريدُ أن أُجري معه مُعاملةً، فهل أُجرِيها أم لا؟ هل هو شخصٌ جيّدٌ؟ أليس لديه غشٌّ وخدعَةٌ في المُعاملة؟هل يُؤدّي الصكوكَ في أوانِها، أم يتهرّبُ من مسؤوليّته؟ هل يفي بوعدِه؟ هل هو أمينٌ؟ألا يخدعنا؟ وخُلاصة القولِ: عندما نريدُ أن نُعامِلَه، نسألُ عن كلّ تفاصيل القضيّة. إنّ هذا الأمر عجيبٌ جدّاً! فها نحنُ قد استَعَنّا بالغير، بينما يقول الإمام: بِك عَرَفتُك؛ أي: أنتَ وحدَك الوسيلةُ والواسطةُ لمعرفتي بك!.

برهان الصدّيقين ومحوريّة العرفان الإلهيّ - لماذا يُعدّ الجسدُ مركبةً أساسيّةً في السير والسلوك؟ وكيف تستخدمها للوصول إلى الله؟

3
  • كيف نوفّق بين الهداية الإلهيّة وبعثة الأنبياء وضرورة الأستاذ؟

  • إذن، لماذا يحتاج الإنسانُ في طريق السير والسلوك إلى أستاذٍ؟ فالإمام يدفَعُ هذا الأمر عندما يقول: بِك عَرَفتُك؛ ليس لي حاجةٌ بأحدٍ؛ فالمعرفةُ التي لديّ هي بِواسطة ذاتِك أنتَ! إذن، ما هو عملُ الأستاذ وما هو دورُه هنا؟ 

  • ثمّ إنّ الإمام يقول: و أنتَ دَلَلتَني عَلَيك؛ وأنتَ الذي دَلَلتَني على ذاتِك! أي لم يأتِ أحدٌ ليهديني ويرشدني إلى هذا الطريق، وليهمسَ في أذني: أيها الناسُ، هناك إلهٌ أيضًا! إذن، هل يتعارضُ هذا الأمرُ مع بعثة الأنبياء الذين جاؤوا ليدعوا الناس إلى الله؟ فالنبيّ بشرٌ ذو علمٍ وشعورٍ وإدراكٍ وكشفٍ للحجبِ، ومُطّلعٌ على الغيبِ، ومُستفيدٌ ومُستفيضٌ من الإلهام والوحي الإلهيّ، وهو الذي يأتي ويدعو الناس إلى التوحيد والرسالة والعرفان؛ في حين يقول الإمام السجّاد: أنتَ دَلَلتَني عَلَيك؛ أنتَ الذي دَلَلتَني! فما هو دورُ الأنبياء إذًا؟

  • و لدينا في آيات القرآن الكريم: ﴿وَمَا نُرسِلُ ٱلمُرسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾، أي: ما أرسَلْنا المُرسَلين إلّا مُبشّرين ومُنذرين ،ليُبشّروا بالنعم الإلهيّة في صورة الطاعة، ويُنذروا العبادَ ويُخوّفوهم بالعذاب الإلهيّ في حال المُخالفة. أو يقولُ في آيةٍ أخرى: ﴿طه ٭ مَآ أَنزَلنَا عَلَيكَ ٱلقُرءَانَ لِتَشقَىٰٓ ٭ إِلَّا تَذكِرَة لِّمَن يَخشَىٰ﴾۱ أي: ما أرسَلْناكَ بالقرآن إلّا لتُذَكّرَ الناسَ (و تُبشّرهم!). أو يقولُ في آياتٍ أخرى أنّ إرسالَ الرسولِ هو لإظهار الحقّ: ﴿هُوَ ٱلَّذِيٓ أَرسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلهُدَىٰ وَدِينِ ٱلحَقِّ لِيُظهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَو كَرِهَ ٱلمُشرِكُونَ﴾٢ فما هي نِسبةُ هذه الآيات القرآنيّة الدالّة على أنّ الأنبياء جاؤوا لهداية الناس إليه، مع قولِ الإمام «أنتَ دَلَلتَني عَلَيك»؟ 

  • هل دلالة الأنبياء هي الدلالة الإلهيّة عينُها ولكن بالواسطة؟

  • إذا قُلْنا إنّ هؤلاء الأنبياء الإلهيّين جاؤوا من قِبَل الله تعالى، وليسوا من قِبَل الشيطان، فلا منافاةَ بين هذا الأمر وبين أنتَ دَلَلتَني عَلَيك. أي: يا إلهي، أنتَ تدُلّني على ذاتِك بواسطة أنبيائك الذين هم أيضًا من قِبَلِك، فكلّهم جاؤوا من مَكانٍ واحدٍ، ويستمدّون كلّهم من مَصدرٍ واحدٍ ومَنشأٍ واحدٍ.

  • فهل هذا هو المراد من كلام الإمام السجّاد؟ نعم، إنّ هذا المعنى صحيحٌ؛ فالأمرُ الذي يبعثُه المولى مباشرةً و يقومُ به بنفسِه، هو نَفسُه الأمرُ الذي يقومُ به بالواسطة، وكلاهما من مَصدرٍ واحدٍ. ومِثالُ ذلك: أنّني تارةً أُعطي هذا الكوبَ من الماء إلى شخصٍ مُباشرةً، وتارةً أُعطي هذا الكوبَ من الماء إلى شخصٍ آخرَ وأقولُ له: «يا هذا، خُذْ هذا إلى فلان». ففي كلتا الحالتين لا فرقَ، فقد أرسَلْتُ هذا الكوبَ من الماء إلى فلانٍ، سواء أكان بلا واسطة أم مع الواسطة!

    1. سورة طه، الآيتان ٢-٣
    2. سورة التوبة، الآية ٣٣

برهان الصدّيقين ومحوريّة العرفان الإلهيّ - لماذا يُعدّ الجسدُ مركبةً أساسيّةً في السير والسلوك؟ وكيف تستخدمها للوصول إلى الله؟

4
  • مرتبة أعلى من الدلالة: الذات الإلهيّة تدلّ على ذاتها مباشرةً

  • لكنّ الإمام السجّاد يقولُ هنا: و أنتَ دَلَلتَني عَلَيك و دَعَوتَني إلَيك؛ أي: أنتَ الذي دَلَلتَني على ذاتِك (أي ذاتُك أنتَ بالذات) و دَعوتَني إلى ذاتِك. لعلّ مرادَ الإمام هنا مرتبةٌ أعلَى من هذه المرتبة التي نحنُ فيها، أيْ أنّ ذاتَ الخالقِ هي التي تدُلُّ على ذاتِها في هذا المَقام.

  • ثلاثة أسئلة مهمّة حول فقرة «بِك عَرَفتُك»

  • المسائل التي تدورُ حول هذه الفقرة الشريفة هي كالتالي:

  • السؤال الأوّل: ما هو المراد من العرفان الذي ذكره الإمام السجّاد؟

  • ما هو المُرادُ من العرفان الذي يقولُ به الإمام السجّاد هنا؟ لقد ذكر الإمام عليه السلام المعرفةَ في بداية كلامِه، بعد تلك العبارات التي تتحدّثُ عن نُزول الرحمةِ والفيضِ على العِبادِ، وعن انحصار الخير والبركة والمَيمَنة في وجود الحقّ تعالى، حيثُ يقول: «بِك عَرَفتُك» أي: أنا بِواسطَتِك عرَفْتُك! فلِماذا هذا العرفان؟ ولماذا يجبُ أن يتحلّى الإنسانُ بالعرفان والمعرفة؟ 

  • السؤال الثاني: لماذا يجب أن يتعلّق العرفان بالذات الإلهيّة دون النعم والآثار؟

  • الأمرُ الثاني هو أنّ الإمام يقولُ: «بِك عَرَفتُك!» أي إنّ مُتعلَّقَ العرفان هو الذاتُ الإلهيّة. فلماذا أُعطِيَ العرفانُ بالخالق كلَّ هذه القيمة والأهمّيّة؟ ولماذا يجبُ أن يتعلّقَ العرفانُ بذاتِه ؟ ولماذا لا يتعلّقُ بنعمِه؟ ولماذا لا يتعلّقُ بالجنّة والنار؟ ولماذا لا يتعلّقُ بالمظاهر الإلهيّة في عالَمِ الكون؟ فالعرفانُ بالبشر، أو العرفانُ بالحيوان، أو العرفانُ بالجماد، أو العرفانُ بعالم المثال، أو العرفانُ بالعوالِمِ الرُبوبيّة، ليسَ شيئاً ممّا أرادهُ الإمام. بل إنّهُ يقولُ هنا العرفان بالذات، حيثُ يقولُ: بِك عَرَفتُك؛ أي: بِواسطَتِك عَرَفْتُك (وليسَ جَنّتَك أو نارَك وجَهنّمَك).

  • السؤال الثالث: ما سرُّ انحصار المعرفة بالذات الإلهيّة نفسها دون واسطة الغير؟

  • الأمرُ الثالثُ الذي يقولُه الإمامُ هنا وهو سؤالٌ في غايةِ الأهمّيّة هو: لماذا ينبغي أن تكونَ أنتَ الواسطةَ لهذا العرفان، ولا يُمكنُ للغير والشخص الثالث أن يكونَ واسطةً؟ إنّنا نستعينُ دائمًا بالغير عندما نتحصّل على العرفان؛ وعامّةُ حياتِنا على مدارِ الليل والنهار هي استعانةٌ بالغير! فمثلًا، عندما نريدُ أن نعرفَ خصائصَ بدن الإنسان، لا بُدّ من الاستعانة بالكتاب والأستاذ، والاستعانة بالشخص الخبير بهذه الأمور. وعندما نريدُ أن نعرفَ الأرض وطبقاتِها، علينا أن نستعينَ بالعلوم المتعلّقة بطبقات الأرض، وأن نستعينَ ونستجِدَ أستاذًا ذا خبرةٍ كافيةٍ في هذا المجال. إذن، كلّ هذه الأمور هي استعانةٌ بالغير، وعلى الإنسان أن يستعينَ بالغير للوصول إلى هذا الهدفِ وإلى هذه الغاية؛ ولكنْ بالنسبة إلى الخالق، يقولُ الإمامُ: بِك عَرَفتُك!، أنا لا بُدّ أن أستعينَ بكَ أنتَ فقط للوصول إليكَ وإلى مَعرفَتِك، ولا يُمكنُ لغيرِكَ أن يُعينَني في هذا الطريق.

برهان الصدّيقين ومحوريّة العرفان الإلهيّ - لماذا يُعدّ الجسدُ مركبةً أساسيّةً في السير والسلوك؟ وكيف تستخدمها للوصول إلى الله؟

5
  • فلِماذا هذا الأمر؟ وما هو سِرُّ هذه القضيّة؟ ولماذا لا يُمكنُ لغيرِه أن يُعينَ؟ في لسان أهلِ الأدب، إنّ تقدّمَ الجارّ والمجرور في «بِك عَرَفتُك» يُفيدُ الانحصارَ؛ ولو أنّه أُعينَ بالغير بمقدارِ رأسِ الإبرة، لَزالَ هذا الانحصارُ الذي أفادتْهُ «بِك عَرَفتُك»وتارةً نقولُ: «عَرَفتُك بِك»، وتارةً نقولُ: «بِك عَرَفتُك»، فتقديمُ الجارّ والمجرور يُفيدُ الانحصار والتخصيصَ، أيْ أنّ معرفتي بكَ هي بِواسطَتِك فقط، ولا يُمكنُ لأحدٍ غيرِكَ أن يُعينَني هنا. فإذا حُلّتْ لنا هذه النُقطةُ: لماذا لا يستطيعُ حتّى الأستاذ أن يُعينَ، ولا يستطيعُ حتّى النبيُّ أن يُعينَ، ولا يستطيعُ حتّى الصديقُ أن يُعينَ؟ نكونُ قد حقّقْنا إنجازًا عظيماً! إنّ هذا اللِمَّ وسِرَّ هذه المسألة هو من إعجازِ الإمام السجّاد. ونحنُ نُحاولُ أن نُبيّنَه حسبَ فَهمِنا، وإلّا فأينَ نحنُ من فَهْمِ الإمام السجّاد!

  • إنّهُ أمرٌ مُضحِكٌ حقًّا، ويُعدُّ من المهازلِ المعروفةِ في هذا العصر أنْ نحاولَ ترجمةَ كلامِ الإمام السجّاد! والآنَ، فليتكرّمْ ذلك العظيمُ بكرمِه علينا، وليغفِر لنا أنّ هذه الأجيالَ تأتي وتُعاني وتُصارِعُ مع ألفاظِه وعباراتِه. يقولون: «الأدبُ علامةُ العِلمِ ودليلُه، ومَن لا عِلمَ لهُ لا أدبَ له» وبما أنّنا الآنَ بلا علمٍ وناقصون، نُقدِمُ على التحدُّثِ حول كلامِ الإمام السجّاد.

  • ماهيّة الامتياز الإنسانيّ: ما الذي يميّزنا عن الفيل؟

  • المسألةُ الأساسيّةُ هنا هي: لماذا وُضِعَ العرفانُ نُصبَ العين؟ وما هي هذه المِيزة والخصوصيّة التي تجعلُ من العرفان كمالًا للإنسان ؟ وما هو الجانبُ الذي يَجعلُ العرفانَ واسطةً لامتياز الإنسانِ عن بقيّةِ الموجودات؟ إنّ امتيازَ الإنسان عن بقيّةِ الموجودات هو بِعِلمِه، والعلمُ يعني المعرفةَ، يعني العرفانَ والتشخيصَ. لا أقصدُ بالعرفانِ معناهُ الاصطلاحيّ الذي هو عبارةٌ عن خصوصيّةِ معرفةِ الحقّ تعالى، ومعرفةِ الأسماء والصفات الإلهيّة على مِقدار الاستعداد الإمكانيّ لكلّ وعاءٍ؛ بل أقصدُ بالعرفانِ هنا العِلمَ الكُلّيّ، والعِلمَ بجميعِ الأشياءِ، والعِلمَ مِن حيثُ هو هو، وليس العلمَ في مَسارٍ خاصٍّ ومُتعلَّقٍ خاصٍّ.

  • لا شكّ في أنّ قيمةَ الإنسانِ وقَدْرَهُ وامتيازَهُ على سائرِ الموجوداتِ هو بِعِلمِه وإدراكِه وشعورِه، فإذا أردْنا أن نُلاحظَ خصائصَ الإنسان بالنسبة إلى بقيّةِ الموجودات، فإنّ مِيزتَه تكمُنُ في الإدراكِ فقط.

برهان الصدّيقين ومحوريّة العرفان الإلهيّ - لماذا يُعدّ الجسدُ مركبةً أساسيّةً في السير والسلوك؟ وكيف تستخدمها للوصول إلى الله؟

6
  • إنّ بين الإنسان وبقيّةِ الموجوداتِ نقاطَ اشتراكٍ، وهي: المادّيّة، والجسميّة، والنباتيّة، والحيوانيّة، والنُموّ، والتوالُد، والتناسُل، والازدياد، ودفْعُ المرض، وجَلْبُ الصّحةِ، وجَلْبُ المنافع. إذن، لا يُمكنُ أن تكونَ هذه الأمورُ هي القيمةَ والمِيزَة. فمثلًا، بين الإنسانِ والفيلِ نقاطٌ مُشتركةٌ، إحداها في الجسمِ؛ فالفيلُ مُكوّنٌ من لَحْمٍ، وعظْمٍ، وبَشَرَةٍ، ودَمٍ، وأسنانٍ، وكذلك الإنسانُ، لهُ لَحْمٌ وعَظْمٌ ودَمٌ. إنّ هذه هي الأشياءُ المُشتركةُ بين الإنسانِ والفيلِ. وقد ذَكرْنا أكبرَها وهو الفيل؛ ويُقالُ إنّ بعضَ هذه الفِيَلَةِ تبلُغُ أوزانُها عدّةَ أطنانٍ!

  • فهل مِيزةُ الإنسان، وما يُوجِبُ شَرَفَهُ على ما تبقّى من الموجودات، هي الاشتراكاتُ في الجسميّة؟ لا، إنّ الاشتراكَ في الجسميّة لا يُسبّبُ هذا الشرفَ؛ لأنّه لو كانَ شَرَفُ الإنسانِ بِزيادةِ وزنِه، لأعطَيْنا هذا الإنسانَ أطعمةً ليَنتفخَ، ويُصبحَ وزنُه بِقَدْرِ الفيل. فافترضْ أنّ وزنَ إنسانٍ سبعين كيلو صارَ مائةَ كيلو، وصارَ ثلاثيَّ الأرقام، ثمّ أخذَ يتناولُ الطعامَ شيئًا فشيئًا فازدادَ وزنُه؛ فلدينا أشخاصٌ أوزانُهم مائتا كيلو وثلاثمائة كيلو. رأيتُ في أحدِ الأماكنِ صورةَ شخصٍ ومكتوبٌ عليها: «يَزِنُ هذا الشخصُ ٤٥٠كيلو!» فالآنَ، لو أكلَ هذا الإنسانُ ذو الـ ٤٥٠كيلو، وازدادَ انتفاخُه ليُصبحَ ٤٥٠٠كيلو، ويُصبحَ وزنُه رباعيَّ الأرقام فما فوق، فأيُّ قيمةٍ يُضيفُها له هذا الأمر؟ 

  • قِصّة الوزير الذي ألزمه صدّام بإنقاص وزنه

  • لن يُضيفَ شيئًا فحَسْب، بل سيذمّهُ الآخرون، ويقولون: هل هذا أيضًا يُعدُّ إنسانًا؟!، فهو يسعى ليُقلّلَ وزنَه بالحميةِ؛ ويأخذُ حِميةً من الطبيبِ لمدّةِ ستّةِ أشهرٍ أو أربعةِ أشهرٍ ليُقلّلَ وزنَه فورًا. يُقالُ إنّ صدّام حسين أمَرَ وزراءَه فقال: «على الجميعِ أن يُقلّلوا أوزانَهم إلى ٦٠كيلو! لا نريدُ وزيرًا سمينًا، فالوزيرُ الذي يَزِنُ ١٠٠كيلو و ٢٠٠كيلو لا يستطيعُ أن يمشيَ! ومع أنّ الوزيرَ الذي يَزِنُ ستّين كيلو نحيفٌ جدًّا، إلّا أنّه هدّدَ بعَزلِهم من الوزارةِ! ولذلك، شرعَ أولئك الوزراءُ المساكينُ في الحميةِ.

  • متى يكون الوزن الزائد قيمة ومتى يكون ضدّ القيمة؟

  • إذن، يتّضحُ أنّ الوزنَ الزائدَ ليس قيمةً ولا قَدْرًا. نعم، للوزنِ الزائدِ قيمةٌ في مَكانِه؛ فمثلًا، عندما تُريدُ أن تشتريَ خروفًا، كلّما كانَ الخروفُ أكبرَ كانتْ قيمتُه أكثرَ؛ لأنّ المُرادَ من الأغنامِ والأنعامِ هو الاستفادةُ من اللّحم، ففي هذا المجال تكونُ قيمةُ هذا الخروفِ في سَمنتِه. ولكلّ إنسانٍ قيمةٌ لشيءٍ ما فمثلًا، كانَ شخصٌ يقولُ: لا نَعلَمُ ما هو العِشقُ الذي تَستيقظونَ من النومِ من أجلِه؟! لماذا يستيقظُ الشخصُ الذي لا يتعاطى الترياك أصلًا؟! أيْ أنّ كلَّ فِكرِه وذِكرِه وخصوصيّاتِ ذهنِه وقيمتِه هي أنْ يتعاطى ذلك الترياك، وهذه هي الغنيمةُ. وقيمتُه هي ما يَخرجُ من بَطنِه!

برهان الصدّيقين ومحوريّة العرفان الإلهيّ - لماذا يُعدّ الجسدُ مركبةً أساسيّةً في السير والسلوك؟ وكيف تستخدمها للوصول إلى الله؟

7
  • إذن، في سِياقِ الامتيازِ والقيمةِ، لا فائدةَ ولا نفعَ لازدياد الوزن، وإنّما نفعُ هذا الوزن الزائدِ هو لحالاتٍ خاصّةٍ، كأنْ يكونَ للغَنَمِ والبَقَرِ من أجلِ الاستفادةِ من لَحمِها. ولكنْ نرى أنّ هذا الوزنَ الزائدَ هو ضِدُّ القيمةِ ومُخالِفٌ للقيمةِ والقدْرِ بالنسبة لبعضِ الحيوانات. افترضْ أنّ حُسنَ الكلبِ الصائدِ يكمُنُ في ألّا يكونَ وزنُه زائدًا، بل يكونُ نحيفًا ليتمكّنَ من الركضِ والسّرعةِ، ولكنْ لو ظلّوا يُطعمونَهُ ويُسمنونَهُ، فلن يستطيعَ الركضَ خلفَ الغزالِ والقبضَ عليه. هذا كانَ يتعلّقُ بالوزنِ، فلا يُمكنُ أن يكونَ الوزنُ هو خصوصيّةَ التميّز بين الإنسان والحيوان. لأنّه، ليسَ الوزنُ بلا فائدةٍ وغيرَ نافع فحَسْب، بل هو مُضرٌّ، فالشخصُ السمينُ تُصيبُه أنواعُ الأمراضِ: ضيقُ العروقِ وانسدادُها، وضغطُ الدمّ، ومرضُ القلب، ومرضُ الكِلَى. كلُّ هذه الأمراضِ بسببِ السُّمنة. إذن، على الإنسانِ أن يلتزِمَ بالقواعدِ التي جاءَ بها الإسلامُ في هذا الأمرِ بِجِدّيّةٍ ودِقّةٍ.

  • كيف يوصي الإسلام بالصحّة الجسديّة؟ وماذا قال المرحوم الوالد العلامة؟

  • هناك روايةٌ تقول: «خَيرُ ما تداوَيتُم به المَشْيُ» هناك من يَقرأُها «المَشِيِّ» بكسرِ الشين، ويَقصِدُ به المُسهِل. ولكنَّها هنا «المَشْيُ» بِسكونِ الشين، أي الحركةُ والمشيُ والقَدَم. بِواسطةِ المشيِ تُدفَعُ السُّمومُ من الجسمِ، وتعملُ الأعضاءُ والجوارحُ، وبواسطة المشيِ على الإنسانِ أن يُرمّمَ ويُصحّحَ بَدنَه دائمًا. إنّ الجلوسَ في مكانٍ واحدٍ يُسبّبُ المرضَ للإنسان.

  • يقولون اليومَ: إذا جلَسْتُم في مكانٍ واحدٍ لمدّةِ ثلاثةِ أرباعِ الساعةِ، عليكم أن تقوموا وتتحرّكوا لمدّةِ رُبعِ ساعةٍ؛ إذ إنّ الجلوسَ في مكانٍ واحدٍ يُسبّبُ ترَسُّباتٍ في الدم. أو افترضْ أنّكَ تُبقي الماءَ ثابتًا في مَجرًى مائيٍّ، فهذا الماءُ بعدَ مدّةٍ يترسّبُ؛ وحتّى لو كانَ الماءُ مُتحرّكًا ولكنْ ببطءٍ، فإنّنا نرى أنّه في المكانِ الذي يُريدُ فيه الماءُ الدوَرانَ يترسّبُ شيئًا فشيئًا ويتجمّعُ. أو مِثالًا، لو نظَرْتَ إلى أنابيبِ التدفئةِ بعدَ مدّةٍ، ستَرى أنّ هذه الترسُّباتِ قد ضَيَّقتْ مَسارَ الحركة. كلُّ هذا بسببِ السكونِ. ولذلك يقولون: على الإنسان أن يقومَ بعدَ سكونِه، ويتحرّكَ لمدّةِ رُبعِ ساعةٍ. فهذه الحركةُ تجعلُ البدنَ يعملُ، وكأنّهُ يَتزيّتُ.

  • وإذا بقيَ الإنسانُ في مكانٍ واحدٍ، فَقَدْ تُؤدّي هذه الإفرازاتُ الموجودةُ في فُرَجِ الأعضاءِ والجوارحِ (خاصّةً في القَدَمين والمفاصل وأمثال ذلك) إلى ترَسُّباتٍ، وتُسبّبُ هذه الترسُّباتُ للإنسانِ متاعبَ؛ ولذلك يقولون: على الإنسانِ أن يتحرّكَ ويُمارسَ الرياضةَ! الرياضةُ أحدُ الأفعالِ والأعمالِ الواردةِ في الشّرعِ: علّموا أولادَكُم السِّباحةَ و الرّمایَةَ! فالسباحةُ من أفضلِ الرياضاتِ، لأنّ جميعَ البدنِ يكونُ في حالةِ حركةٍ، وركوبُ الخيلِ أيضًا من أفضلِ الرياضاتِ، وعلى الإنسانِ أن يركبَ الخيلَ. إنّ هذه الأمورَ كانوا يفعلونَها قديمًا، ولكنّها تُركتِ الآن.

برهان الصدّيقين ومحوريّة العرفان الإلهيّ - لماذا يُعدّ الجسدُ مركبةً أساسيّةً في السير والسلوك؟ وكيف تستخدمها للوصول إلى الله؟

8
  • سيرة العلماء الكبار في الحفاظ على صحّة الجسم بالرياضة والحركة

  • في الماضي السحيقِ، كانَ المرحوم الوالد العلامة الطهراني يُمارسُ الرياضةَ. فكانَ يستيقظُ صباحًا، ويُمارسُ الرياضةَ والتمارينَ لمدّةِ نِصفِ ساعةٍ. وبعد أنْ كَبُرَ في السّنِّ، أتذكّرُ أنّه عندما كنّا في شارعِ هدايت، كانَ يَمشي في الصباحِ لمدّةِ نِصفِ ساعةٍ تقريباً، وتارةً ثلاثةَ أرباعِ الساعةِ، وتارةً ساعةً كاملةً، وكانَ يتحرّكُ ويتجوّلُ في الشوارعِ المُجاورةِ. وبعد أن تشَرّفَ إلى مشهد، كانَ يَمشي حولَ الفِناءِ نِصفَ ساعةٍ صباحًا ونِصفَ ساعةٍ مساءً. وقبلَ وفاتِه بِعامينِ، كانَ مُصابًا بمرضِ القلبِ، وكنّا نذهبُ معه إلى جاغَرقَ في صَباحِ الصيفِ. بعد أن يُصلّيَ صلاةَ الصبحِ، كانَ يقولُ: هيا لنذهب. وتارةً عندما كنّا نَتثاقلُ ونتأخّرُ، كانَ يتحرّكُ ويأتي باتّجاهِ مَنزلِنا. كنّا نَلتقيه في الطريقِ، ويَركبُ، وكنّا نذهبُ إلى جاغَرق. كانَ يَمشي هناكَ لمدّةِ نِصفِ ساعةٍ، وكانَ يَعرقُ كَثيرًا في هذه النّصفِ ساعةِ، حتّى نصلَ إلى جُزءٍ كانَ الصعودُ فيه صعبًا جدًّا وشاقًّا، ولم يكنْ يستطيعُ أن يَمرَّ من الأماكنِ الصعبةِ والشاقّةِ. ولذلك، كانَ يَجلِسُ هناكَ لمدّةِ رُبعِ ساعةٍ أو عشرينَ دقيقةً، وكنّا نبدأُ في التحدُّثِ والبحثِ معه، ثمّ يرجِعُ مرّةً أخرى. كانَ يَمشي في ذلك اليومِ ساعةً كاملةً. استمرّتْ هذه المَشيَةُ طوالَ الصيفِ، ولعلّنا كنّا نذهبُ بانتظامٍ لمدّةِ شَهرَين.

  • كانَ يقولُ بنفسِه: كلَّ يومٍ آتي فيه، حالي في ذلك اليومِ يَختلفُ عن الأيّامِ الأخرى. والمُلفتُ للنظرِ أنّه لم يكنْ يتناولُ الفطورَ قَطُّ، لا الزُّبدةَ ولا القِشدةَ ولا غيرَهما. ولكنْ في تلك الأيّامِ، كنّا نأتي بخُبزٍ ساخنٍ ولذيذٍ جدّاً، مع القِشدةِ المَحلّيّةِ – بالطّبع لم تكنْ من تلك المُزَوَّرة – وكانَ يتناولُ فطورَه في السيارةِ في طريقِ العودةِ من هناكَ إلى المدينةِ، ولم يكنْ يتأذّى بل كانَ في غايةِ النّشاطِ والحالةِ الجيّدةِ. وكنتُ أنا أقودُ، ولم أكنْ أستطيعُ أن آكلَ شيئًا، فكانَ هو يُعِدُّ اللُقَمَ لي من الخلفِ ويُقدّمُها لي، ويقولُ لي: تعالَ، كُلْ أنتَ أيضًا. حتّى عندما نصلُ إلى المدينةِ، نكونُ قد تناولْنا فطورَنا كلانا. كنّا نعودُ من جاغَرقَ إلى طُرْقَبَةَ، ومن طُرْقَبَةَ نعودُ من شارعِ وَكيلْ آباد الطويلِ. كانَ هذا هو دَأبُهُ دائمًا. إنّ هذا الأمرَ حقيقةٌ؛ لأنّنا نخضعُ لقوانينَ ومُقرَّراتٍ، وإذا أردْنا أن نتجاوزَ تلك المُقرَّراتِ، فإنّ نِظامَ النَّفسِ الإنسانِ ونِظامَ البدنِ يَضطربُ.

برهان الصدّيقين ومحوريّة العرفان الإلهيّ - لماذا يُعدّ الجسدُ مركبةً أساسيّةً في السير والسلوك؟ وكيف تستخدمها للوصول إلى الله؟

9
  • نحنُ بحاجةٍ إلى الهواءِ، وإذا لم نستنشقِ الهواءَ نختنقُ، وهذا أمرٌ لا رَجعةَ فيه، وإذا أمسَكْتَ فمَك وأنفَك لمدّةِ دقيقتَينِ تختنقُ؛ لأنّ نِظامَ البدنِ يحتاجُ إلى الأوكسجين والهواءِ. وكذلك يحتاجُ هذا النِّظامُ إلى الغذاءِ، وإذا لم يأكلِ الإنسانُ الغذاءَ يَهلكُ بعدَ عدّةِ أيّامٍ. وكذلك يحتاجُ هذا النِّظامُ إلى الحركةِ أيضًا؛ لأنّ الإنسانَ يتناولُ أطعمةً مُتنوّعةً، والكَبِدُ يُحوّلُ هذا الغذاءَ إلى أنواعٍ من الكالسيوم والبوتاسيوم، والفيتامينات، والموادّ المَعدنيّة، والموادّ العُضويّة، والسُكريّات، والقَند، وأمثالِ ذلك. فمهمّةُ الكَبِدِ هي التّحليلُ، فهو يُحلّلُ هذه الموادَّ واحدةً تلوَ الأخرى، ويُرسلُها في الدمِّ، ويجبُ أن تمتصَّها الخلايا. ولكنْ تارةً تأتي هذه الموادُّ بِكَمّيّةٍ زائدةٍ، وهذه الزيادةُ تترسّبُ، وعلى الإنسانِ أن يُزيلَ هذه الزيادةَ بِطريقةٍ ما؛ وإذا لم يُزِلْها، فإنّ هذا النِّظامَ يُسبّبُ للإنسانِ المتاعبَ. ولذلك، على الإنسانِ أن يُمارسَ الرياضةَ، ويجبُ أن تكونَ الرياضةُ جزءًا من برنامجِ حياتِه.

  • الأستاذ الدكتور ناصر اتّفاق ونصيحة جريئة للطلّاب

  • لكنْ للأسفِ، الآنَ تُرِكتْ هذه المسائلُ جانبًا، وإذا أرادَ أحدٌ أن يُمارسَ الرياضةَ، يقولون: عجبٌ؛ لقد مارسَ الرياضةَ، لقد ذهبَ إلى الجبلِ! صارتْ آخرَ الزمانِ، حتّى الطّلبةُ يذهبون إلى الجبلِ! لقد وصلَ الجهلُ والسّفاهةُ إلى حَدٍّ عجيبٍ حقًّا، حتّى إنّ الطالبَ إذا أرادَ أن يذهبَ إلى الجبلِ يقولون: عجيبٌ! إذن، مَن الذي يجبُ أن يذهبَ إلى الجبلِ؟ هل الجبلُ هو مَكانُ الماعزِ الجبليّ ومَكانُ الغنمِ فقط؟ ألا ينبغي للطالبِ المسكينِ أن يذهبَ إلى الجبلِ؟ ويقولون: هل يجبُ على الطالبِ أن يذهبَ إلى المسبحِ ويَسبحَ؟! أمرٌ عجيبٌ، فمَن الذي يذهبُ إلى المسبحِ في هذا البلدِ الآنَ؟ 

  • كانَ الدكتورُ اتّفاق طبيبًا للأمراضِ الباطنيّةِ، وكانَ من الأطبّاءِ المشهورينَ جدًّا، وله شُهرةٌ عالميّةٌ؛ كانَ طبيبًا حاذقًا جدًّا، ولم يكنْ يَستقبِلُ أكثرَ من سبعةِ أو ثمانيةِ مَرضى. ولكنْ يا لَلعَذابِ عندما كانَ يَلتقي بمَريضٍ يستطيعُ التحدُّثَ معه! فجأةً كنْتَ تجِدُهُ قد تحدّثَ مع هذا المريضِ لمدّةِ أربعِ ساعاتٍ! وكانَ على أولئك المرضى المساكينِ الذين ينتظرونَ في الخارجِ أن يَظلّوا جالسينَ هكذا. وبالحُسنِ أو بسوءِ الاتّفاقِ، عندما كانَ المرحوم الوالد العلامة الطهراني يقعُ بين يَديه، كانَتْ مُعاينةُ الدكتورِ تستغرقُ ثلاثَ ساعاتٍ أو ثلاثَ ساعاتٍ ونصفًا.

برهان الصدّيقين ومحوريّة العرفان الإلهيّ - لماذا يُعدّ الجسدُ مركبةً أساسيّةً في السير والسلوك؟ وكيف تستخدمها للوصول إلى الله؟

10
  • في مرّةٍ ذهبْنا أنا والمرحوم الوالد العلامة الطهراني إلى الدكتور ناصر اتّفاق، فتحدّثَ معنا لمدّةِ ثلاثِ ساعاتٍ ونصفٍ؛ ثمّ تعِبَ، وذهبَ إلى الأعلى، والتَفَتَ إلى السادةِ الجالسينَ، وقالَ: أيّها السادةُ اعذروني، لقد تعِبْتُ، تعالوا غدًا! كانَ شخصًا عجيبًا جدًّا. كانَ يُطيلُ لِحيَتَه، وكانَ يَضعُ رَبْطةَ عُنُقٍ أيضًا. كانَ المرحوم الوالد العلامة الطهراني يقولُ: أنا أعتبرُهُ مُجتهدًا في فَنّهِ. وكانَ هو يقولُ: درستُ ثمانيةَ عشرَ سنةً بعدَ التخصصِ الفائقِ أيضًا! 

  • في يومٍ من الأيّامِ، ذهبْنا في خدمةِ المرحوم الوالد العلامة الطهراني إلى الدكتور اتّفاق. طرحتُ مُشكلةَ معدتي هناكَ، وبدأتُ أتحدّثُ وقلتُ: يا سيّدي، أنا في هذه الحالة. بمجرّدِ أن قلتُ هذا، بدأَ هو بنفسِه، وذكرَ بقيّةَ ملفّي، وقالَ: أنتَ تُصابُ بهذه الحالةِ، وتُصبحُ هكذا، وتُصبحُ هكذا. فرأيتُ أنّه أدرى بحالنا ووضعِنا منّا نحنُ. ثمّ قالَ أمامَ المرحوم الوالد العلامة الطهراني:

  • مُشكلتُكم أيّها الطَّلَبَةُ أنّكم لا تُمارسونَ الرياضةَ بتأثيرٍ من عامّةِ الناسِ، لا تَسبحونَ، لا تركبونَ الخيلَ، لا تذهبونَ إلى الجبلِ، ولا تذهبونَ إلى تلك المُتَعِ التي يذهبُ إليها الناسُ! أيّها السادةُ، يجبُ أن تذهبوا إلى الرَّقصِ! عندما قالَ هذا، ضَحِكْنا! وكانَ يتحدّثُ بِجِدّيّةٍ، وليسَ بِقصدِ المُزاحِ؛ كانَ شخصًا مُفكّرًا جدًّا. بالطبعِ، الرّقصُ وما شابهُ حرامٌ، ولكنْ كانَ يُريدُ أن يقولَ: لماذا يجبُ أن يُحرَمَ الطالبُ من هذه المَواهِبِ الدُّنيويّةِ التي تُؤدّي إلى صحّةِ الإنسانِ ؟! وكانَ يَعتبرُ هذا الأمرَ خَطأً، وأنّ مُتابعةَ هذا الخَطأِ تُسبّبُ هذه الأمراضَ. كانَ يقولُ: هذه الأمراضُ، قُرحةُ المَعِدَةِ، ومَتاعبُ البروستاتِ، ومَتاعبُ المفاصلِ، ومَتاعبُ ضغطِ الدمِّ، كُلُّها بسببِ هذا الأمرِ.

  • لماذا لا يُصابُ الأشخاصُ الذين يذهبون إلى الجبلِ ويُمارسونَ الرياضةَ بهذه المتاعبِ؟ لأنّه يجبُ أن يكونَ هذا البدنُ تحتَ نِظامٍ معيّنٍ! فكما أنّكم تموتونَ إذا لم تتناولوا الطعامَ، فإنّكم تمرضونَ إذا لم تُمارسوا الرياضةَ. هذه حساباتُ اثنانِ واثنانِ يُساويانِ أربعةً.وكانَ لديهِ اعتراضٌ كبيرٌ على عملِ الطَّلَبَةِ، فكانَ يقولُ: لماذا لا يجبُ على الطالبِ أن يذهبَ للسباحةِ؟ إنّ السباحةَ مرّةً كلَّ يومَينِ ضروريّةٌ للبدنِ؛ السباحةُ في الماءِ الحارّ، والسباحةُ في الماءِ الباردِ. عندما يَسبحُ الإنسانُ لمدّةِ ساعةٍ، فإنّهُ يدفَعُ جميعَ السُّمومِ، ويُحرّكُ بَدنَه. في الحقيقةِ، إنّ أحدَ أدويةِ مَتاعبِ المَعِدَةِ وقُرحتِها هو تسلُّقُ الجبالِ والذهابُ إليها؛ فالبدنُ يدخلُ في حالةِ حركةٍ ودَوَرانٍ، وتُرمّمُ المَعِدَةُ تلك القُرحةَ شيئًا فشيئًا بِواسطةِ هذه الحركةِ والمُصارعةِ التي تحدُثُ، والضغوطِ التي تَرِدُ عليها، وجَذبِ الدّمِّ الذي يجري فيها، وهي في الوقتِ نفسِه تُؤثّرُ على الأعصابِ، وتُصيبُ أعصابَ الإنسانِ بالاسترخاءِ، ويَخرجُ من ذلك الاضطرابِ والقلقِ، وكذلك تبدأُ الجوارحُ وغيرها بالنشاطِ. ولذلك، هذه إحدى الأوامرِ التي يجبُ على كلِّ شخصٍ أن يقومَ بها؛ وهذه الرياضةُ مُفيدةٌ لهذا الجانب.

برهان الصدّيقين ومحوريّة العرفان الإلهيّ - لماذا يُعدّ الجسدُ مركبةً أساسيّةً في السير والسلوك؟ وكيف تستخدمها للوصول إلى الله؟

11
  • قاعدة السلوك: هل أنت الراكب أم المركوب؟

  • إذن، هذا الاشتراكُ الذي لدينا في هذا البدنِ مع الحيواناتِ، لن يُسبّبَ لنا قيمةً. ومِن هنا نصلُ إلى هذه النُقطةِ، وهي: لماذا لا يُسبّبُ ازديادُ الوزنِ قيمةً؛ لأنّ مَطلوبَ الإنسانِ من هذا البدنِ ليسَ البدنَ نفسَه، بل هو مَركبةُ البدنِ؛ وكلّما كانتِ المَركبةُ مُريحةً أكثرَ، كانتْ أنفعَ للإنسان. أيْ يجبُ أن تكونَ للإنسانِ مَركبةٌ تستطيعُ أن تُلبّيَ احتياجاتِه على الوجهِ الأكمَلِ. لماذا تكونُ قيمةُ الكلبِ الصائدِ أكبرَ؟ لأنّه يستطيعُ أن يَركضَ ويَصيدَ بصورةٍ أفضلَ. لماذا تكونُ قيمةُ البقرةِ السّمينةِ أكبرَ؟ لأنّها تحتوي على لَحمٍ أكثرَ، ويُمكنُ الاستفادةُ من لَحمِها بصورةٍ أفضلَ. لذلك، ما هو مُهمٌّ للإنسانِ هو أن يُمكنَ الاستفادةُ من هذا البدنِ كمَركبةٍ بصورةٍ أفضلَ. وهنا نصلُ إلى الكلمةِ الحكيمةِ للمرحوم الأستاذ الحدّاد، حيثُ قالَ :يا سيّد مُحسن، يجبُ أن تستخدمَ هذه المَركبةَ في السّلوكِ وفي طريقِ الله. لا تجعلْ نفسَك مَركبةً لبَدنِك، ويكونُ هو الرّاكبُ عليكَ. اسعَ دائمًا لأن تكونَ أنتَ الرّاكبَ، ويكونَ هو المَركبةَ، أيْ عندما تتناولُ الطعامَ، كُلِ الطعامَ الذي ينفعُكَ، وقُمْ بالعملِ الذي ينفعُكَ.

  • نتائج انقلاب العلاقة: البدن يُملي عليك أوامره

  • ولكنْ إذا أخرجْنا هذه المَركبةَ من مَركبتِها، وذهبْنا كلَّ يومٍ إلى هذا الطبيبِ وذاكَ، وتناولْنا هذا الدواءَ وذاكَ، فإنّ كلَّ فِكرِ الإنسانِ وذِهنِه سينشغلُ بهذا البدنِ؛ وعندئذٍ، يُصبحُ هذا البدنُ هو الرّاكبَ، ويَقودُنا خَلفَهُ. اليومَ يَشكو جزءٌ من البدنِ، ويقولُ: خُذْني إلى الطبيبِ الفلانيِّ! حسَنٌ جدًّا، لقد ذهبْنا إلى الطبيبِ، وأعطانا الدواءَ. غدًا تشكو الكِليَةُ، وتقولُ: خُذْني إلى طبيبِ المسالِكِ البوليّةِ! بَعدَ غدٍ يرتفعُ صوتُ القلبِ، ويقولُ: خُذْني إلى طبيبِ القلبِ! ولا قدّرَ اللهُ أن تذهبَ إلى طبيبِ القلبِ؛ يُحضرونَ جهازَ ضغطِ الدمِّ، ويُقيسونَ الضغطَ صعودًا وهبوطًا، ويُحلّلونَ، ويُجرونَ فحصَ الإيكو، ويصلُ الأمرُ إلى مكانٍ آخرَ، حيثُ يُدخِلونَ إبرةً وبالونًا، ويَفتحونَ الوَريدَ، و... 

  • ثمّ يقولون: يا هذا لم ينجحِ الأمرُ! يجبُ أن تُجريَ عمليّةً لقلبِك أيضًا؛ هذه الشرايينُ التاجيّةُ و... مُغلقةٌ، ويجبُ أن نأخذَ وَريدًا من قَدَمِك، ونَوصلَهُ هنا. قد يقولونَ هذا الكلامَ بلا داعٍ؛ يُريدونَ المالَ، ويُريدونَ أن يَأخذوا مليونًا. بالطبعِ، بعضُ هذا الكلامِ صحيحٌ أيضًا.

برهان الصدّيقين ومحوريّة العرفان الإلهيّ - لماذا يُعدّ الجسدُ مركبةً أساسيّةً في السير والسلوك؟ وكيف تستخدمها للوصول إلى الله؟

12
  • قصّة الطبيب الذي طلب أموالًا طائلة لعمليّة المريض الميؤوس منه!

  • سمِعْتُ أنّ أحدَ أقاربِ الأصدقاءِ كانَ كبيرًا في السّنِّ، وكانَ على وَشَكِ الموتِ، ولو تركوهُ هكذا، لربّما ماتَ بعدَ ساعتَينِ؛ قالَ الطبيبُ: يجبُ أن يُجرى له عمليّةٌ، وإذا أُجريَتْ له عمليّةٌ، فإنّني أتوقّعُ أن ينجوَ بنسبةِ ٣٠بالمائةِ على الأقلِّ. طلبَ أوّلًا: أودِعوا المالَ في الحسابِ، حتّى لا يندموا في أيِّ وقتٍ. فأودَعوا مليونًا تقريباً في الحسابِ، ثمّ أجرى العمليّةَ؛ فماتَ في العمليّةِ، وقبلَ أوانِه بكثيرٍ! ووصَلَ ذلك الطبيبُ المسكينُ إلى غايتِه؛ ووصَلَ جزءٌ من المالِ الذي كانَ ينبغي أن يَصلَ إلى الوَرَثةِ، إلى ذلك الطبيب! بالطبعِ، الكثيرُ من أطبّائنا أيضًا لَديهم شَرَفٌ ووَجْدَانٌ، ويَقومونَ بعملِهم بناءً على الوَجْدانِ والفِطرةِ والعَقلِ والتديُّنِ، فهؤلاءِ حِسابُهم مُنفَصِلٌ.

  • إنّ هذا البدنَ قد أصبحَ راكبًا هنا، ويَأمُرُ ويَنهى الإنسانَ. فتأمُرُ المَعِدَةُ: يجبُ أن تأخذَني إلى الطبيبِ، وإذا لم تفعلْ سأُهلِكُك، انظُرِ الآنَ! فتشكو المَعِدَةُ، ويتلوّى الإنسانُ صعودًا وهبوطًا. لقد أمَرَتْ، وعلى الإنسانِ أن يذهبَ إذًا. والآنَ، افترضْ أنّنا أطعْنا أمرَها، فغدًا يرتفعُ صوتُ القلبِ، ويأمُرُ بأنْ نأخذَهُ من هذا المستشفى إلى ذاكَ، ومِن هنا إلى هناكَ. وعلى الإنسانِ أن يَقضيَ كلَّ مالِه ووقتِه وفراغِه في غُرفِ الانتظارِ، وفي خدمةِ الطبيبِ، وفي المستشفياتِ، و...، وهؤلاءِ أيضًا يُفرغونَ جيبَ الإنسانِ جيّدًا. وعندما يَفرُغُ جيبُ المريضِ، يقولونَ: تفضّلْ، إن شاء اللهُ تشفى! فيَعودُ إلى بيتِه، ثمّ يَفارِقُ الحياةَ، أو أنّه بعدَ غدٍ يرتفعُ صوتُ كِليَتِه بأنّه يجبُ أن نُجريَ فحصَ الأشعّةِ المُلوّنةِ؛ فيرى: يا لَلْوَيْلِ، لقد جاءَتْ بِحَصًى! يجبُ أن يُزيلوها باللّيزرِ، وإذا لم تُزَلْ يجبُ أن يُجروا عمليّةً. والآنَ، تَنزلُ هذه الحَصَاةُ، وتعلَقُ في المَجرَى الحالبيِّ، فيَصرُخُ! ويا لَغرابةِ هذا الألمِ، حيثُ يقولونَ: عندما تُريدُ هذه الحَصَاةُ أن تعبُرَ المَجرَى الحالبيَّ، فإنّ ألَمَها أسوأُ من ألَمِ الوِلادَةِ!

  • إذن، هذا البدنُ قد أصبحَ راكبًا، ونحنُ مَركبتُه، وهو يَأمُرُنا أن نذهبَ إلى هنا وهناك! ولذلك، كانَ الأستاذ الحدّاد يقولُ: يا سيّد مُحسن، اسعَ دائمًا أن تكونَ أنتَ الرّاكبَ، ويكونَ بَدَنُك المَركبةَ، وإلّا فإنّهُ سَيُسقِطُك! إذن، على الإنسانِ أن يَعملَ بأوامرِ الإسلامِ؛ يتناولُ الطعامَ بِقَدْرٍ، يتناولُ الطعامَ بصورةٍ صحيحةٍ، لا ينبغي أن يتناولَ أيَّ طعامٍ كانَ، يجبُ أن يُمارسَ الرياضةَ، يجبُ أن تكونَ لديهِ حركةٌ. إنّ هذه الأمورَ مُفيدةٌ للإنسان.

برهان الصدّيقين ومحوريّة العرفان الإلهيّ - لماذا يُعدّ الجسدُ مركبةً أساسيّةً في السير والسلوك؟ وكيف تستخدمها للوصول إلى الله؟

13
  • نكتفي بهذا المِقدارِ هذه الليلةَ، ونرى ما سيحدُثُ في الليالي القادمةِ

  •  

  • اللَهمّ صلّ علیٰ محمّد و آل‌محمّد