المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني
القسممباني الإسلام
المجموعةمحاضرات متفرقة
التاريخ 1434/01/29
التوضيح
هل يكفي الاعتقاد القلبيّ للنجاة وبلوغ المقامات العُليا؟ ما هو السرّ وراء التفاوت المعرفيّ بين كبار الأصحاب كأبي ذرّ وسلمان؟ كيف يمكن لعالمٍ أن يستخرج ثلاثين تفسيرًا مختلفًا لآية قرآنيّة واحدة؟ وهل الغاية من إحياء عاشوراء تقتصر على إظهار الحزن واللطم أم تتعدّى ذلك إلى التماهي مع الأهداف الحسينيّة العظيمة وتطبيقها؟ تجيبك هذه المحاضرة التي ألقاها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه عن هذه الأسئلة، مُبيّنةً الآليّات العمليّة للسلوك إلى الله تعالى وفق مدرسة العرفان واليقين.
هو العليم
التصديق بالحقائق الغيبيّة وشروط الارتقاء المعنويّ
أسرار التفاوت المعرفيّ بين الأصحاب وحقيقة الأهداف الحسينيّة
مباني الإسلام، محاضرات المحافظات، محاضرة قزوين، ۱٤٣۰ هـ.
محاضرة ألقاها
آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ
قدس الله سره
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلّى الله على سيّدنا ونبيّنا أبي القاسم محمّد
وعلى آل بيته الطيّبين الطاهرين
واللعنة على أعدائهم أجمعين.
التصديق بالحقائق الغيبيّة: هل الاعتقاد القلبيّ كافٍ للنجاة؟
﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾.۱ معنى هذه الآية القرآنيّة هو أنّ الله تعالى يرفع الذين آمنوا به وصدّقوه؛ أي صدّقوا بوجود عالم الغيب، وصدّقوا بوجود العوالم الربوبيّة، والتزموا بهذا التصديق. لأنّ الإنسان قد يصدّق بشيء ما ولكنّه لا يلتزم به. فالالتزام يحتاج إلى توفيق آخر غير التصديق. نحن جميعًا نُؤمن بالموت الآن، ولدينا يقين به؛ وفي كلّ مجلس عزاء نُشارك فيه، نعلم أنّهم غدًا سيُشاركون من أجلنا في مثل هذا المجلس. كلّنا نعلم هذا؛ ولكن، إلى أيّ مدًى نحن ملتزمون بهذا التصديق؟! كم بالمائة نحن ملتزمون بهذا الاعتقاد وبهذا اليقين؟
ولهذا، يقول أمير المؤمنين عليه السلام [ما معناه]: «ما رأيت يقينًا أشبه بشكّ من الموت».٢ فمع أنّ الجميع على يقين بهذه المسألة، إلاّ أنّ التعامل الذي يبدونه تجاهها هو تعامل من يتعامل مع أمر مشكوك فيه. فالإنسان لا يُعير الأمرَ المشكوك اهتمامًا كبيرًا، بل يرفضه بصفته مجرّد احتمال، ولا يعتني به، ولا يُرتّب عليه أثرًا.
تقول الآية القرآنيّة: إنّ الذين آمنوا بنا وصدّقونا، نُوصلهم إلى مراتب مختلفة من العلم والمعرفة. آمنوا و ﴿أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾. نحن نجعل لهم درجات مختلفة، والله تعالى هو الذي يفعل ذلك؛ ولهذا، ينسب هذه المسألة إلى نفسه: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ﴾؛ أي يرفع الإنسانَ إلى درجاتٍ من العلم والفهم والبصيرة والوعي تجاه حقائق عالم الوجود وأسراره ورموزه.
اختلاف المراتب بين الأصحاب: ما هو سرّ التفاوت المعرفيّ؟
حسنًا، من الواضح أنّه يلزم أمران للترفيع: الأوّل، الأداة اللازمة؛ والثاني، استعداد الإنسان وتهيّؤه لهذه المسألة. يجب أن يتحقّق هذان الأمران هنا حتّى يتمكّن الفرد من الارتقاء إلى المراتب والدرجات.
ولهذا، كنّا نرى هذه المسألة بوضوح في زمن الأئمّة عليهم السلام، ونُشاهد كيف كانت هناك مراتب مختلفة بين أصحابهم عليهم السلام. وكذلك كانت هناك مراتب مختلفة بين أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وآله: فهذا يُصبح مثل أبي ذرّ، وذاك مثل المقداد، وآخر مثل أُويس، وغيره مثل سلمان، وذاك مثل عمّار. لم يكونوا جميعًا في مرتبة واحدة. المراتب المختلفة أمر طبيعيّ وُجد بين الأفراد في كلّ زمان، ونحن نُشاهد هذا الاختلاف؛ وأحيانًا، يكون هذا الاختلاف عميقًا وجذريًّا جدًّا، وليس اختلافًا سطحيًّا وعاديًّا!
يجب أن تنظروا إلى كثرة ما لدينا من ثناء على أبي ذرّ من قِبل رسول الله والأئمّة وأمير المؤمنين عليهم السلام، وإلى المسائل التي واجهها، وما فعله معاوية في عهد أمير المؤمنين، وكيف دعمه أميرُ المؤمنين بعد ذلك. وعندما نفى عثمان أبا ذرّ إلى الربذة، وأمر ألاّ يُودّعه أحد حتّى يخرج وحيدًا؛ فذهب إلى هناك، وانتقل إلى رحمة الله في الربذة نفسها. وتقع الربذة الآن على بُعد بضعة فراسخ من المدينة المنوّرة، ويزورها بعض الناس.
وعندما جاء مروان، ورأى أنّ أمير المؤمنين يُودّع أبا ذرّ برفقة الحسنين عليهما السلام، وقف وقال: أنتم تُخالفون أمر الخليفة.
فقال له أمير المؤمنين عليه السلام [ما معناه]: اذهب في شأنك، فهذا لا يعنيك.
فأراد مروان أن يعترض طريق دابّة الإمام، فضرب عليه السلام دابّة مروان بالسوط ضربة كادت تُسقطه عنها، وأكملوا طريقهم إلى خارج المدينة؛ فودّعوه وشيّعوه ثمّ عادوا.۱
لدينا مسائل كثيرة جدًّا حول أبي ذرّ. فهو أحد الأربعة الذين ثبتوا على ولاية أمير المؤمنين بعد رسول الله. فالجميع ذهبوا! ذهبوا جميعًا إلى السقيفة وما شابه ذلك. ولم يبق سوى هؤلاء النفر، وكان أبو ذرّ أحدهم.
لا يوجد من هو أصدق لهجة من أبي ذرّ،٢ ولا أصفى سريرة منه...
لدينا كلّ هذه التعابير والكلمات حول أبي ذرّ من الأئمّة عليهم السلام ومن النبيّ صلّى الله عليه وآله نفسه. ولكن، عندما تتأمّلون، تجدون أنّه رغم عقد الأخوّة بين سلمان وأبي ذرّ ليكونا أخوين في الإيمان، حيث كان رسول الله يُواخي بين كلّ إنسان ونظيره؛ فمثلاً آخى بين أبي بكر وعمر! ولا يوجد من هو أنسب من هذين لبعضهما! بل يجب أن يكونا أخوين؛ وإلاّ، فمن عساه أن يُواخي عمر من بين أصحاب النبيّ؟! إنّ أنسب فرد وأليقه به هو أبو بكر! وكذلك الأمر بالنسبة لأبي بكر، فأنسب فرد له هو عمر! هكذا كان النبيّ يعقد الأخوّة بين الأفراد، وكذلك فعل بين نفسه وبين أمير المؤمنين، حيث توجد في ذلك قصّةٌ نقلها المرحوم العلاّمة في كتاب (معرفة الإمام). وخلاصة الأمر أنّه آخى بين سلمان وأبي ذرّ؛ أي أنّه كان بينهما تناسب كبير.
معضلة تكفير سلمان: كيف نفهم مقولة أبي ذرّ؟
ومن جهة أُخْرى، تجدونهم يقولون: «لو علم أبو ذرّ ما في قلب سلمان لقتله»،۱ أو «لكفّره»؛٢ أي لقال: إنّ هذا الرجل كافر! وما هذا الهذيان الذي يتفوّه به؟ وما هذا الكلام؟
أبو ذرّ يرمي سلمان الصحابيّ الجليل بالكفر! ويقول: إنّه كفر، وفقد صوابه، ولا يعي ما يقول بتاتًا!
فهو لا يستطيع أن يُدرك، ولا يمكنه أن يفهم، ولا يستطيع أن يحسّ أو يصل إلى تلك الحقيقة! ففي ثقافة أبي ذرّ، وفي موسوعته ومعجم لغاته، لا وجود للأسرار التي في قلب سلمان! لا توجد حقيقة كهذه في قاموس أبي ذرّ. لكلّ إنسان قاموسه الخاصّ، ومعجمه الخاصّ، وموسوعته الخاصّة. وتلك الموسوعة تتشكّل بناءً على مستوى الفهم الذي اكتسبه من طرق متعدّدة؛ إمّا من خلال التواصل مع الأصدقاء، أو من خلال المطالعات في الكتب والمقالات والكتابات المختلفة. وجزء منها يرتبط بكيفيّة اتّصاله وارتباطه؛ فقد يكتسب الإنسان مسائل كثيرة عبر الاتّصال بالباطن، لكنّه يعجز عن التعبير عنها.
فهذه المجموعة من المسائل المختلفة، من الاتّصال الباطنيّ، والارتباط بالصديق والرفيق والأستاذ (سواء الأستاذ العلميّ أو المطالعات الشخصيّة)، تخلق موسوعةً في كيان كلّ فرد؛ فيرى العالم من خلال عدسة هذه الموسوعة. وموسوعة كلّ إنسان تختلف عن الآخر. فهذا يرى بنحو، وذاك يرى بنحو آخر. ينظر هذا إلى إنسان فيقول: يجب ملاحقة هذا الفرد والتضييق عليه وتدميره؛ بينما ينظر ذاك إلى الفرد نفسه فيقول: دعه! فالأمر لا يستحقّ كلّ هذا! مع أنّ معلوماتهما عن هذه المسألة واحدة؛ أي أنّ ما ظهر من هذا الفرد واحد، والمسائل التي رأياها والآثار المترتّبة واحدة؛ ولكن، توجد رؤيتان تجاه هذا الأمر:
الرؤية الأُولى: لاحِقه، وتتبّعه، ولَقِّنه درسًا قاسيًا، واطرحه أرضًا وأسقطه!
والرؤية الثانية تقول: عزيزي، الأمر لا يستحقّ، فلماذا تُتعب نفسك بلا طائل؟! ولماذا تقوم بعمل عبثيّ؟! ولماذا...؟! فوّض أمره إلى الله، واقبل بما يقضيه الله ويُقدّره.
هاتان الرؤيتان تنبعان من فكرتين موجودتين في ثقافة الناس.
حسنًا، انظروا الآن ماذا كان يوجد في موسوعة أبي ذرّ، بحيث لو أُخبر بما في موسوعة سلمان، لقال: «حتمًا إنّه كفر؟! فالإنسان المسلم والمؤمن لا يتفوّه بمثل هذا الكلام!».
هذا الكلام ليس مزاحًا! فنحن نجهل الكثير من المسائل.
في زمن المرحوم العلاّمة ـ وبالطبع كان الخلل في الفرد نفسه حتّى وصل إلى ما وصل إليه ـ كان هناك رجل من أهل العلم والفضل، ذهب إلى النجف، وبقي فيها لسنوات، وعاشر الكثير من الأفراد، وجاء وكان من تلامذة المرحوم العلاّمة لمدّة، وتحسّن حاله إلى حدّ ما، وكانت لديه مسائل، إلى أن... ففي النهاية، يتعرّض الجميع لهذه الامتحانات والمسائل، وقد واجه هو أيضًا بعض المسائل؛ وخلاصة القول، إنّه لم ينجح فيها. وفي تلك الأثناء، أعطاه المرحوم العلاّمة أمرًا. أمره بذكرٍ ليُواظب عليه لأربعين يومًا، وطلب منه أن يستحضر هذا المعنى المُعيَّن للذكر.
يتبيّن من هذا أنّ الذكر قد يحمل معاني مختلفة. قد يتبادر معنى ابتدائيّ إلى ذهن إنسان... فهذه الكلمة القصيرة المركّبة من أحرف معدودة «لا إله إلاّ الله»، لو سألتكم عنها، لأجابني كلّ واحد منكم بجواب مختلف. هل هذا واضح؟! «لا إله إلاّ الله»، نحن نُردّدها من الصباح إلى المساء، حيث نُردّد قول «لا إله إلاّ الله»، و«سبحان الله»؛ وهذا المعنى المتداول لـ«لا إله إلاّ الله» يألفه الجميع، فكيف إذا أردنا التعمّق والدقّة! حينها، نرى العجب!
بطون الآيات القرآنيّة: كيف استخرج عالم نجفيّ ثلاثين تفسيرًا لآية واحدة؟
لقد بيّنت لكم هذا الأمر سابقًا. لا أدري إن كنت قد ذكرته هنا أم في مكان آخر، وهو قصّة ذلك الرجل الذي فسّر آية قرآنيّة بثلاثين وجهًا!
كان من عظماء النجف، وهو المرحوم الآخوند الملاّ فتح علي السلطان آبادي، والذي كان رجلاً عظيمًا جدًّا قبل حوالي مائة أو ثمانين عامًا.
كان إنسانًا عظيمًا ومن أرباب المعاني [الروحانيّة]، لكنّه لم يكن عارفًا؛ فمسألة العرفان مسألة أُخْرى وأفق آخر. كان عظماء النجف أمثال «المرحوم النائينيّ» و«المرحوم الآقا ضياء العراقيّ» و«المرحوم الكُمبانيّ» يحضرون درس التفسير الذي يُلقيه. ولم تكن مجالسُه عامّةً. ففي ليالي شهر رمضان المبارك، كان باب منزله مُغلقًا، ولا يأتي سوى خواصّ الأفراد، حيث يطرقون الباب فيُفتح لهم؛ لم يكن الباب مشرعًا لمن هبّ ودبّ. كان يحضر درسه حوالي عشرة أو عشرين من نُخبة عظماء النجف. وكان يعقد مجلسًا قرآنيًّا في ليالي شهر رمضان بعد صلاة المغرب بساعتين، فيقرأ القرآن لنصف ساعة ثمّ يفسّره... وكان يفعل ذلك في كلّ ليلة من ليالي شهر رمضان. وكما ذكرت سابقًا، كان مجلسه خاصًّا.
وقد رأيت هذه القصّة ينقلها «المرحوم السيّد الحكيم» في حاشيته على (الكفاية) لمناسبة ما.
نعم، يُقال: إنّ هؤلاء كان يذهبون، ويرون أنّه يفسّر آية قرآنيّة، ويتحدّث عنها لساعة كاملة. وكانوا هم أنفسهم من أهل العلم والمعرفة، وليسوا أشخاصًا عاديّين. يتحدّث عن الآية لساعة فيتعجّبون، ويرون أنّ هذا المعنى لم يخطر على بالهم قطّ.. لم يخطر على بالهم بتاتًا! وكانوا يبتهجون به بشدّة، ثمّ يخرجون ويقولون لبعضهم: عجبًا! نحن نقرأ هذه الآية القرآنيّة دائمًا، ولكنّ هذا المعنى الذي ذكره لنا الليلة لم يمرّ بذهننا أبدًا! وهو لم يأت به من عند نفسه، فهي آية، وهم من أهل الفنّ والاختصاص.
وفي الليلة التالية يذهبون، فيجدونه قد بدأ بتفسير الآية نفسها. تحدّث لساعة كاملة، ولم يكن لكلامه أيّ ارتباط بما قاله في الليلة الماضية! كان أمرًا آخر تمامًا! فسّر الآية نفسها، ولكن بمعان وألفاظ وعبارات أُخْرى.. الآية نفسها! أي أنّ المعاني تنطبق على الآية، ولكن لا صلة لها بتاتًا بمسائل الليلة السابقة. فازداد تعجّبهم من هذا الأمر...
باختصار، طرح هذا الرجل آية واحدة طيلة ثلاثين ليلة من ليالي شهر رمضان، وقدّم لها ثلاثين تفسيرًا لا يرتبط أيٌّ منها بالآخر! كيف يُعقل هذا؟! لا بدّ أنّ الأمر يرتبط بأشياء أُخْرى! يتبيّن أنّ هناك مسائل لا نعلم بها.
وكان كلّ مجلس من تلك المجالس الثلاثين يجعلهم يشعرون، وكأنّ الآية قد نزلت خصّيصًا لتلك المعاني دون غيرها.
وفي اليوم التالي، يقولون: عجبًا! لقد انتقل إلى عالم آخر وواديًا مختلفًا، واستنبط مسائل جديدة من الآية نفسها!
وبعد ثلاثين درسًا، قال لهم: للقرآن سبعون بطنًا، والناطق بالقرآن هو من يعرف هذه البطون السبعين. وأنا لم أستطع الوصول إلاّ لثلاثين منها، وبقيت أربعون في ذمّتي؛ لأنّني أعجز عن بلوغها.
سبعون بطنًا! مَن الذي كان يقول إنّه باطن القرآن؟ أمير المؤمنين! أمير المؤمنين عليه السلام هو من كان يقول: «أنا القرآن الناطق». أي أنا أملك سبعين معنًى لهذا القرآن، وسبعين باطنًا وعمقًا له. وهذه مجرّد آية واحدة، وأنا أملك القرآن كلّه ببطونه السبعين؛ وهذا بحدّ ذاته سرّ؛ أي: لماذا سبعون، وليس واحدًا وسبعين أو تسعة وستّين، وهذا حديث آخر.
هذه مسألة؛ فعندما كان أمير المؤمنين يقول: أنا القرآن الناطق، فما هي هذه المراتب؟ إنّها مراتب المعرفة التي يصل إليها الفرد.
أمّا بالنسبة لأبي ذرّ، فقد ورد أنّه لو علم بما في قلب سلمان، لكفّره. فما هذه الحالة التي جعلت أبا ذرّ ـ مع ما له من العظمة ـ يعجز عن فهم هذا الأمر وإدراكه؟
التفسير الدقيق لمقولة أبي ذرّ: رؤية السيّد الحدّاد
تذكّرت هنا أمرًا مناسبًا لعلّي أذكره، وسيكون من المؤسف ألاّ أقوله.
كما هو شائع بين الجميع الآن، سأذكر لكم هذا المثال على استنباط معنيين مختلفين من لفظ واحد.
كيف يُفسّر الجميع هذا اللفظ: «لكفّره أو لقتله»؟ أي: إمّا أن يرميه بالكفر، أو يسلّ سيفه، ويضرب عنقه. نحن جميعًا نقول هذا. أليس كذلك؟ وهو صحيح؛ لأنّه متى ما رآه كافرًا، وجب عليه قتله. لكفّره؛ أي كان سيرميه بالكفر، ولقتله؛ أي سيغضب بشدّة، ويقول: إنّ هذا الكافر لا ينبغي أن يعيش لحظة واحدة.
وقد يفترض أن يقول: نحن نكفّره ونمضي في شأننا؛ فسلمان هذا كافر، ولن نقتله لعلّ الله يشفيه! نُفوّض أمره إلى الله، وندعو له بالشفاء، فهو كافر... فقد صوابه، لعلّ الله يُعيده إلى رشده، أو يتناول دواءً للأعصاب أو ما شابه، ليستعيد مزاجه وحالته الطبيعيّة.
«لقتله»، أي أنّه سيغضب منه لدرجة تتجاوز مسألة الكفر ليقول: لا ينبغي له أن يبقى حيًّا للحظة، فسلمان هذا سيُكفّر الجميع بما يقوله، وبمكانته وشخصيّته، وسيُثير فتنةً: لقتله. هل هذا واضح؟!
ولكن، انظروا كيف فسّر «السيّد الحدّاد» هذا المعنى. كان السيّد الحدّاد يقول... وقد رأيت من الناحية الفنيّة والأدبيّة أنّ كلامه صحيح؛ لأنّ «قتله» و«كفّره» من قسم واحد، وليسا قسيمين لبعضهما.
انظروا كيف فسّرها السيّد الحدّاد. كان يقول: تعود كلمة (قتله) إلى أبي ذرّ نفسه، وليس إلى قتل سلمان! أي كان سيقتل نفسه. لو اطّلع هذا الفرد على أسرار سلمان، لما خرج الأمر عن حالتَين: إمّا أن يقول بشكل قاطع: إنّ سلمان يهذي وينطق بالكُفر.. ينطق بالكُفر فعلاً؛ ولا شأن لذلك بالقتل. فيقول: عزيزي، لقد تقاسمنا الخبز والملح عمرًا طويلاً، فهل أقتلك الآن؟ حسنًا، يكفي أن أقول: إنّك كافر، وأمضي في شأني حتّى يشفيك الله. ثمّ أعود لاختبارك؛ فإن استمررتَ على كلامك، مضيتُ مجدّدًا. وإن عدتَ إلى رشدك واستقام كلامُك، سلّمتُ عليك، وعدنا لنجلس معًا ونأنس ببعضنا.
هذا قسم. وفي هذه الحالة، وبما أنّه لا يستطيع تقبّل كلامه، ويستشعر فيه ضعفًا في الإيمان، فإنّ هذا الشعور يدفعه للقول: «لكفّره»؛ أي «إنّه كافر»، ثمّ يمضي. لقد حدث هذا معنا. فقد نلتقي بصديق مُستاء بسبب حادثة وقعت له ليلاً أو نهارًا، وتشاجر فيها، وتبادل الضرب بما طالته يداه، فيخرج إلينا وهو في قمّة الغضب:
ـ السلام عليكم!
ـ الويل لك ولسلامك!
ـ عجبًا! عزيزي، ماذا حدث؟! تشاجرتَ مع زوجتك، فلماذا تفرّغ غضبك فيّ؟!
فيقول: اذهب في شأنك!
ـ عزيزي، أنت لست بحالة جيّدة! سأتركك الآن!
فماذا نقول؟ نقول إنّ حاله ليس على ما يرام!
ولهذا نقول: حسنًا، نلتقي في المساء إن شاء الله.
نتركه، وننسب إليه هذا الضعف، ونقول: دعه حتّى يزول عنه... أُريد أن أبيّن معنًى دقيقًا جدًّا هنا، وهو المعنى الذي التفت إليه «المرحوم السيّد الحدّاد» في هذه الكلمة. وأظنّ أنّني سمعت المرحوم العلاّمة ينقل هذا المعنى عن السيّد الحدّاد في بعض أحاديثه، إن لم تخنّي الذاكرة.
ونقول: إنّ هذا ضعف، فدعه حتّى يستعيد هدوءه، ويشرب عصيرًا أو يأكل مثلّجات، ويبتعد عن المشاكل...
فيعود إلينا قائلاً: المعذرة، لقد كنت في حالة سيّئة ومضطربة في الصباح، وتلفّظتُ بكلام غير لائق، فاعذرني.
فتقول له: عزيزي، لقد رأيتُ ذلك، وأحسستُ أنّك قد فقدت صوابك! فقلتُ: لأدعك وألقاك بعد ساعات أو في المساء. حسنًا، لم تكن هناك مشكلة؟
ـ كلاّ عزيزي! لم يكن هناك شيء. هيّا بنا!
هذا جانب من المسألة، وهو معنى «لَكَفّره»؛ أي أنّه يرى فيه ضعفًا، فيقول: إنّه الآن كافر.
القسم الثاني هو أن يجلس أبو ذرّ، ويفكّر مع نفسه. لا يتسرّع بالقول: إنّ سلمان فقد صوابه، بل يقول: إنّ سلمان ليس إنسانًا يهذي. انظروا لمدى دقّة المسألة! يقول: لقد رافقت سلمان عمرًا طويلاً، وسمعت أحاديث النبيّ صلّى الله عليه وآله عنه. لقد طوى سلمان عشر درجات من الإيمان، وهو بحر لا قعر له ولا نبلغ منتهاه، «بحر لا ينزف».۱ سلمان يملك علم الأوّلين والآخرين، ولو كان الإيمان في الثريّا لناله سلمان٢... لقد سمعنا من النبيّ أُمورًا استثنائيّة عن سلمان لم نسمع جزءًا يسيرًا منها عن غيره.
فماذا سنقول لو كنّا مكانه؟ هل سنُسارع بتكفيره؟! لا! بل سنستحضر الكرامات والمعجزات التي رأيناها من سلمان! كان يضع يده تحت القدر فيغلي! فرآه أحدهم وجاء مسرعًا: يا رسول الله! رأيت سلمان يضع يده تحت القدر...
فقال له النبيّ [ما معناه]: عزيزي، اذهب في شأنك، فهو لم يفعل شيئًا يذكر!...
هل هذا واضح؟! أقول لكم: إنّه لم يكن هناك أمر يعجز سلمان عن فعله! أيّ أمر تتصوّرونه في أذهانكم الآن؛ كأن يُحوّل هذا إلى ذهب، أو يُحرّك الشمس أو القمر، أو أيّ أمر تتخيّلونه؛ وأنا أضمن لكم ذلك، واسألوني عنه يوم القيامة.
هل تَوَضّح الأمرُ؟ حسنًا. عندما يتفوّه إنسان كهذا بكلام، فبماذا ستُفكّرون؟ هل ستُسارعون بتكفيره؟ لا! بل ستجلسون وتتأمّلون قائلين: إلهي! ما هذا؟ وما ذاك؟ وما هذا الكلام؟ ومَن هذه الشخصيّة؟ شخصيُّته ليست عاديّة، فما حقيقة هذه المسألة؟ من جهة، تعجزون عن استيعاب الأمر؛ ومن جهة أُخْرى، لا يسعكم إنكار شخصيّته؛ فتُصابون بالحيرة والذهول، وتضطرب عقولكم...
في الحالة الأُولى، كنتم تقولون: إنّ سلمان فقد صوابه وسنعود إليه في المساء؛ أمّا هنا، فالفرد يُصاب بالذهول الذي قد يدفعه لإيذاء نفسه، أو الإقدام على الانتحار؛ لأنّه سمع من سلمان ما لا يُمكنه إنكاره أو ردّه، ويعلم أنّ سلمان لا ينطق بالهراء والباطل، فيؤثّر ذلك على عقله وأعصابه وجوارحه، ويُصيبه بالجنون، ويدفعه لقتل نفسه.
إذًا، تعود (قَتَلَه) إليه نفسه. فإمّا أن يُكفّره بناءً على الفرض الأوّل، أو يلحق الأذى بنفسه، ويقتلها بناءً على الفرض الثاني؛ وكان «المرحوم السيّد الحدّاد» يتبنّى هذا المعنى.
حسنًا، انظروا الآن أيّ المعنيين أفضل؟ المعنى الأوّل الذي يُفيد إمّا تكفيره أو قتله، هو معنى عاديّ وبسيط ويقوله الجميع. أمّا هذا المعنى، فكم هو أدقُّ وأعمق!
حسنًا، يأتي إنسان، فيستخرج ثلاثين معنًى من لفظ واحد. وقد ذكرنا لكم اثنين منها الآن، وهناك أشياء أُخْرى.
مقامات الأولياء الصغار: هل يفوق مقام السيّدة رقيّة وعليّ الأصغر بعض الأنبياء؟
فماذا تكون النتيجة؟ المسألة هي: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾. إنّ الله يمنح الذين آمنوا وأُوتوا العلم درجات من المعرفة. ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ... دَرَجَاتٍ﴾؛ يرفع درجاتهم، وبناءً عليها، يصل كلّ فرد إلى درجة خاصّة. فللأنبياء درجتهم الخاصّة، وللأولياء درجتهم، ولأصحاب الأئمّة درجتهم. فلم يكن الأنبياء جميعًا في درجة واحدة. ويبدو أنّني قد أوضحت اختلاف مراتب الأنبياء في الجزء الثاني من كتاب (أسرار الملكوت)، أو في كتاب (أفق الوحي). وكيف أنّ الأنبياء أنفسهم كانت لهم درجات ومراتب بحسب مراتب معرفتهم ومدى إدراكهم. فنحن الآن نسمع كلمة «نبيّ الله!»، ونظنّ أنّ الأمر يقتصر على هذه الكلمة.
ذهبت ذات مرّة لزيارة أحد الأعلام المشهورين في طهران، وذلك في الزمن الماضي.. زمن الشاه. وكان عمري حينها حوالي ثلاثة وعشرين أو أربعة وعشرين عامًا. ذهبت لمناسبة ما برفقة بعض الإخوة لأنقل له رسالة من المرحوم العلاّمة. وكان إمام جماعة في أحد مساجد طهران المشهورة، وقد تُوفّي الآن.
وبينما نحن جالسون، بدأ فجأة بالتحدّث عن رجل من أهل المعرفة (وقد تُوفّي هو الآخر)، قائلاً: إنّه صرّح في أحد مجالسه أنّ مقام السيّدة رقيّة أرفع من مقام الأنبياء ـ أي رقيّة ابنة سيّد الشهداء عليه السلام ـ فما هذا الكلام الذي يتفوّه به؟!
الأنبياء! مقام الوحي!
وقام بمدّ كلمة (الوحي)! حتّى وصل إلى القول: هذا مقام الوحييييييي! هذا مقام...
نعم! إنّها تتمتّع بالعظمة! فهي ابنة سيّد الشهداء، وعلينا احترامها، ولكنّ مسألة الوحي أمر آخر...
لقد ناقشته في الأمر قليلاً، ولم يرق له كلامي. عدت إلى المنزل ونقلت القصّة إلى المرحوم العلاّمة، وأخبرته بما قاله ذلك الرجل، واعتراضه، وقوله إنّ الأنبياء يمتلكون مقام الوحي، وأنّنا نحترم السيّدة رقيّة ولكن...
نحترمها! وكأنّه يتحدّث عن ابنة عمّته! نعم، نحن نحترمها؛ ففي النهاية، هي ابنة الإمام الحسين، ولها كلّ الاحترام...
تذكّرت الآن أنّنا كنّا جالسين في حرم السيّدة رقيّة، وكنت جالسًا في الزاوية. صلّيت، ثمّ وقع نظري فجأة على سجّادة؛ وينبغي أن تكون موجودة الآن، وأظنّ أنّ الرفقاء قد رأوها إن زاروا الحرم. كانت سجّادة أصفهانيّة منسوجة يدويًّا ومؤطّرة، وقد نُسجت في أسفلها عبارة تقول: إهداء من (اسم فتاة) إلى صديقة طفولتها ذات الثلاث سنوات.. السيّدة رقيّة! راجية منها الدعاء لتُشفى من مرض السرطان إن شاء الله!
هذه الطفلة ذات الثلاث سنوات تهديها إلى صديقة طفولتها السيّدة رقيّة!
قلت في نفسي: عجبًا حقًّا! ماذا عسانا أن نقول؟! وبأيّ تعبير نَصِف هذا؟!
إنّها الطفلة التي كان أولياء الله يُقبّلون عتبة بابها لزيارتها، فانظروا كيف يتصوّر الناس الأمر! إهداء من الطفلة الفلانيّة المريضة بالسرطان إلى صديقة طفولتها السيّدة رقيّة، راجية الشفاء ببركة دعائها!
هذا هو حالنا! وهذه هي معرفتنا! ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾، هذه هي درجاتنا! فنحن لا نُفرّق بين السيّدة رقيّة، وبين أيّ طفلة أُخْرى في الثالثة من عمرها.
قال المرحوم العلاّمة: «وما المانع في أن تكون السيّدة رقيّة...». مَن الذي يقول هذا؟ إنّه المرحوم العلاّمة! إنّه فقيه! فقيه يشعر بالمسؤوليّة تجاه ما يقوله، وعالم يشعر بالمسؤوليّة تجاه كلماته. ما المانع في أن تنال السيّدة رقيّة التي استُشهدت في الثالثة من عمرها... فهي شهيدة، وتلك شهادة، بتلك الكيفيّة القاسية حين أُحضر رأس أبيها فلم تحتمل الموقف؛ فما المانع أن تبلغ في البرزخ وعالم المثال ـ تحت تربية والدها ـ مقامًا يفوق مقام الأنبياء!
انظروا! ما المانع من ذلك؟! هل تظنّون أنّ عليًّا الأصغر الذي قُتل بسهم مثلّث ـ وهو ابن ستّة أشهر ـ بين يدي أبيه قد طُوي سجلّه عند ذلك الحدّ؟ إنّ هذا لظلم! إنّه ظلم من الله! سيقول عليّ الأصغر: «ما الذي ينقصني عن أخي الأكبر عليّ الأكبر حتّى يُمدّ له في العمر ليبلغ نيّفًا وثلاثين عامًا»؛ وذلك لأنّ عليًّا الأكبر كان في الثلاثينيّات من عمره، ولم يكن ابن ثمانية عشر عامًا. كان أكبر من الإمام السجّاد الذي كان الابن الثاني للإمام الحسين. وكان عليّ الأكبر الابن الأوّل؛ ولهذا، قال معاوية في حواره مع ذلك الرجل: إنّ أحقّ الناس بالخلافة هو عليّ الأكبر بن الحسين بن عليّ لأنّه يجمع الصفات كلّها... هل هذا واضح؟ فهل يأتي عليّ الأكبر إلى كربلاء في الثلاثينيّات من عمره، ويشهد تلك الأحداث، ويُستشهد، وينال مقامًا يغبطه عليه الأوّلون والآخرون، ويُحرم عليّ الأصغر من ذلك، ويقول: ألم أُستشهد أنا أيضًا؟! بل إنّ شهادتي كانت أشدّ إيلامًا! فما الفَرق بيني وبينه؟! الفَرق الوحيد هو أنّه في الثلاثينيّات، وأنا ابن ستّة أشهر.. هذا هو الفَرق. فلو قُدّر لي البقاء في هذه الدنيا وبلوغ الرابعة والثلاثين، أفلم أكُن لأبلغ مرتبة أخي الأكبر؟!
أجل! لعلّه كان سيبلغ المرتبة نفسها، ومن يدري؟!
إذًا، فقد ظلمني الله تعالى حين جعلني هدفًا لسهم حرملة في الشهر السادس من عمري، بينما مدّ في عمر أخي ليبلغ الرابعة والثلاثين، ويرتقي في مدارج النموّ والكمال، ثمّ يُستشهد في كربلاء. أليس هذا ظلمًا؟! إنّه قمّة الظلم.
وعليه، فقد كان عليّ الأصغر ابن ستّة أشهر في عمره، ولكن ما هي عظمته؟ لقد كانت عظمته كعظمة ابن ستّين عامًا!
كان مقامه مقام ابن ستّين عامًا، وكانت نفسُه نفسَ من بلغ الستّين؛ أي: نفسَ إنسانٍ وصل إلى قمّة التكامل الروحيّ والنفسيّ وهو يُغادر هذه الدنيا. وبما أنّه بلغ هذه المرتبة في ذلك الوضع والحال، فإنّه يبلغ ـ في عالم المثال وفي ظلّ تربية الإمام عليه السلام ـ المرتبة التي بلغها عليّ الأكبر في عقده الثالث.
ولهذا، عندما تذهبون لزيارة عليّ الأصغر، يجب ألاّ تنظروا إليه كطفل رضيع، بل انظروا إليه كعارف كامل، ووليّ إلهيّ، وابن للإمام الحسين، شأنه شأن عليّ الأكبر. هذه هي الرؤية التي يجب أن تنظروا بها إليه، لا كونه طفلاً ذا ستّة أشهر، لنلطم رؤوسنا حزنًا عليه!
لقد كان طفلاً بجسد ابن ستّة أشهر، ولكن ماذا عن روحه؟ لقد كان يحمل في روحه عظمة الدنيا والآخرة. بم يرتبط هذا الأمر؟ إنّه يرتبط بمستوى الفهم والإدراك الذي يُمكن للإنسان أن يصل إليه تجاه هذه المسألة.
وينطبق هذا الأمر على السيّدة رقيّة أيضًا، كما كان للعظماء رؤيتهم وموقفهم تجاه أولئك الأفراد.
ما هما العاملان الحاسمان للوصول إلى الله؟
إذًا، هذه هي المسألة. فالله تعالى يمنح الأفراد الدرجات ومقامات القرب والتجرّد بحسب سعة واستعداد كلّ واحد.
وكما بيّنت سابقًا، يلزم لتحقيق ذلك شرطان. الأوّل: الأداة اللازمة.
فما هي الأداة اللازمة؟ إنّها الطريق والقواعد والمباني والقوانين التي يُسهِم تطبيقُها واستحضارُ معانيها في مساعدة الإنسان على بلوغ هدفه. حسنًا! هذه القوانين والمعاني متوفّرة في كلام العظماء، وفي روايات الأئمّة، وفي المسائل التي تتجلّى للأفراد من خلال اتّصالهم وانكشافاتهم وارتباطهم ومشاهداتهم وكشفهم وشهودهم. فهذا الحريم والطريق للصعود إلى تلك المسائل موجود؛ وهو الطريق الذي سلكه كلّ العظماء والأولياء، فوصلوا وحقّقوا مرادهم دون أيّ نقص أو قصور.
لقد أكّد لي المرحوم العلاّمة مرارًا: «من عمل بكلامنا فُتح له الباب». وفتحُ الباب يعني بلوغ تلك المباني والمُدركات.
حسنًا، وليّ الله لا يكذب ولا يمُازح أحدًا. هل هذا واضح؟ نحن نحصر المسائل كلّها في أُمور محدّدة كالذكر والورد. وقد بيّنت للرفقاء مؤخّرًا أنّ مسألة الذكر والورد والأربعينيّات تُمثّل عشرة بالمائة فقط من الأمر؛ بينما تعود التسعون بالمائة الباقية إلى كيفيّة سلوك الإنسان، والمراقبة التي يجب أن يلتزم بها، وطريقة تفكيره ـ هل التفتّم؟ ـ وإلى المسائل التي يجب أن يُراعيها، والكلام الذي ينبغي أو لا ينبغي أن يتفوّه به، وإلى المنهج الذي يجب أن يتّبعه في حياته؛ سواءً في علاقة المرأة بزوجها، أو علاقة الرجل بزوجته وأبنائه. نحن نُهمل كلّ هذا، ونكتفي بصلاة الليل والذكر والأربعينيّات؛ وكأنّ الأمر ينتهي هنا، ولا نُعير اهتمامًا للباقي؛ في حين أنّ المسألة تكمن في ذلك الباقي الذي تتوقّف عليه المسائل كلّها، وتُشكّل نسبتُه تسعين بالمائة، بل أكثر! فقد بالغتُ في نسبة العشرة بالمائة؛ إذ إنّ خمسة وتسعين بالمائة من الأمر ترتبط بكيفيّة استخدام هذه الأداة. هذا هو الشرط الأوّل.
والشرط الثاني هو مدى الاستعداد لاستخدام هذه الأداة. فنحن نمتلك كلّ شيء: القرآن، والأدعية، وكلمات الأئمّة، وتوجيهات العظماء وكتاباتهم وأحاديثهم؛ فاستماع خمس دقائق من كلام المرحوم العلاّمة غيّر حالنا رأسًا على عقب. وقد وضعنا كلّ هذا بين يدي الرفقاء.
خمس دقائق فقط! هل تلتفتون؟!
جوهر واقعة عاشوراء: هل الغاية من العزاء هي اللطم أم فهم الأهداف الحسينيّة؟
أنا أعمل الآن على كتابة مقال بعنوان (سيماء عاشوراء). وقد أنجزتُ خمس أو ستّ صفحات منه. بدأت فيه بتناول قضيّة عاشوراء وما ذُكر في كتاب (الروح المجرّد) عن هذه القضيّة، والذي أثار الكثير من الجدل، واستغلّه المعاندون. وأنا عازم على تقديم توضيح موسّع حول هذا الأمر وتفاصيله.
وكنت أكتب البارحة في مقدّمة ذلك المقال أنّني لم أسمع من قبل تصريحًا مباشرًا من والدي حول تاريخ عاشوراء. نعم، كنّا نسمع بعض الأُمور والمسائل؛ ولكن، ما طرحه في (الروح المجرّد) حول عاشوراء كان استثنائيًّا؛ فعندما قرأته، تغيّرت نظرتي الشخصيّة لواقعة عاشوراء. فقد كانت تُراودني بعض الأفكار والغموض والإجمال بناءً على...
ثمّ كتبت: لو لم نكن نمتلك هؤلاء العظماء ـ وهذا نصّ عباراتي التي ستُنشر وترونها ـ ولو لم نستق المسائل منهم، فماذا كنّا سنفعل؟ مَن كان ليتجرّأ على نقل ما جاء في (الروح المجرّد)؟ أروني إنسانًا واحدًا! من بين كلّ هؤلاء الأفراد والمُدّعين...
كلّ ما سمعناه حتّى الآن هو: «الطموا على رؤوسكم وصدوركم لتدخلوا الجنّة!»؛ هذا ما سمعناه! وكلّما كان اللطم أقوى، كانت الولاية أعظم! يُمسك أحدهم بمكبّر الصوت، ويضرب به رأسه حتّى يسيل الدم ليثبت عمق ولايته! ويُقال: إنّ هذا قد ذاب، وتلاشى في الولاية!!
هل هذا واضح؟!
ويأتي آخر، فيضرب رأسه بالسيف ضربة تكاد تبلغ نخاعه!
ويُقال عن هذا: إنّه فانٍ في الولاية! هذا جيّد، هؤلاء هم!
ويُقال: «الطموا صدوركم حتّى يُغشى عليكم وتسقطوا، لكي تلحقوا بسيّد الشهداء!». ألم نكُن نسمع هذا الكلام؟ ولا يزالون يُردّدونه: الطموا، واصرخوا، وافعلوا كذا... اخلعوا قمصانكم، واقفزوا... ناهيك عن الأساليب الحديثة التي تصلح للتمثيل السينمائيّ أكثر من صُلُوحها لعزاء الإمام الحسين.
هل هذا واضح؟ هذا ما كانوا يقولونه لنا، ولم يأت أحد ليقول: «بدلاً من التركيز على السهام والرماح التي اخترقت الجسد، تأمّلوا في فكر هذا الإمام وعقله وأهدافه». لم يقُل لنا أحد هذا الكلام.
كانوا يقولون لنا: انظروا إلى الحجارة التي أُلقيت على أبي عبد الله، وإلى السهم الذي أصاب عين قمر بني هاشم، وإلى السهم المثلّث الذي مزّق نحر عليّ الأصغر. ولكن لماذا لم يقولوا لنا: ابحثوا عن السبب الذي دفع الإمام الحسين لاصطحاب عليّ الأصغر؟ فالإمام الحسين كان يعلم أنّ طفله سيُستشهد، فلماذا يعرض طفله الرضيع أمام القوم ليقنصه حرملة؟! لماذا لم يقولوا لنا أن ننظر إلى ذلك؟! ولم يُوجّهونا للنظر إلى ذلك الهدف، بل أبقونا في هذا المستوى المتدنّي: الطموا على رؤوسكم فقد قُتل الإمام الحسين، الطموا على رؤوسكم على ما جرى لأبي الفضل، الطموا على صدوركم...
حسنًا، لطمنا على صدورنا، فماذا بعد؟! لطمنا، وضربنا رؤوسنا، فماذا تحقّق؟! وماذا جنينا؟! وما هو الفهم الإضافيّ الذي اكتسبناه من كلّ هذا اللطم وقراءة العزاء؟! أيّ فهم حصّلتموه؟! وأيّة رؤية اكتسبتموها؟! وما مدى قربنا من الإمام الحسين؟! وإلى أيّ حدّ اطّلعنا على الأهداف التي قادت الإمام الحسين إلى كربلاء؟! وهل تمكّنّا من تطبيق تلك الأهداف في حياتنا؟! ماذا؟! ذلك الشيخ الذي يُزمجر في مجلس عزاء الإمام الحسين، عندما تُعرض عليه المآسي والمظالم التي تحيط بنا، يقول: «أين هي؟! لا وجود لها! كلّ شيء يعمّه السلام والخير، والأُمور على ما يرام...».
هذا هو حرملة الذي رمى عليًّا الأصغر بالسهم! إنّه هو بعينه!
لماذا؟ لأنّه وقف بوجه الحقّ! الإمام الحسين كان يهدف لمواجهة الظلم، وهذا الشيخ يقف الآن بوجه هذا الهدف.
لا بأس باللطم! الطم كما تشاء! فهو رياضة جيّدة بالمناسبة، خاصّة للعظام، وللذين يُعانون من مشاكل في الكتف! فساعة من اللطم كفيلة بعلاجها... إنّه مفيد... فكم سعرة حراريّة يحرق في الساعة؟! أَجِبنا يا دكتور! خمس مائة سعرة! ثلاث مائة سعرة!
ولكن، إذا وقفت بوجه الحقّ، وخالفت الهدف الذي جاء من أجله الإمام الحسين ومُزّق جسده أشلاءً في سبيله، أفلا تكون أنت حرملة؟ أنت تجني على الإمام الحسين بلطمك هذا، وأنت تخون الإمام الحسين وتدوس على هدفه، حتّى وإن ضربت رأسك بالسيف. أنت تُجرم بحقّ الإمام الحسين، وتهدر دمه، وتُضيّع جهوده، وتمارس اليوم كلّ ما مارسه يزيد وابن زياد من جرائم وأسر ومآس؛ ولكن، تحت غطاء اللطم والتبليغ والصراخ.
هل أنت صادق؟! إذًا، لا تُغمض عينيك عندما ترى الحقّ!
هل أنت صادق؟! إذًا، لا تلتزم الصمت عندما تشهد ظلمًا، ولا تقعد متخاذلاً عندما ترى باطلاً! هذا إن كنت صادقًا! فلماذا جاء الإمام الحسين؟ هل جاء ليُقتل وتنتهي القصّة؟
هذا لا يُكلّف شيئًا! أحضر إنسانًا آليًّا (روبوتًا) وشغّله، ليقوم باللطم لثلاث ساعات متواصلة! واعطه سيفين ليضرب رأسه بهما. ماذا؟ وضع كيسًا من الدم... هل رأيتم كيف يُمثّل هؤلاء الممثّلون... فكيف يُغطّى وجهه بالدم فجأة؟ يضعون شيئًا يُفجّرونه ليُغطّي وجهه بالدم... أنا لا أجيد هذه الأُمور... هل بينكم من يُتقنها؟ أنا لم أقم بمثل هذه الأفعال في حياتي... يشهد الله أنّني لم أمثّل على أحد... بعض الناس يُتقنون التمثيل بالفطرة!
أحضروا إنسانًا آليًّا، واعطوه سيفين ليضرب نفسه. لأجل من أتى الإمام إلى كربلاء؟ ولأجل من أبدع عليه السلام واقعة عاشوراء؟ أتى لأجلي ولأجلك اليوم. جاء لنرى أفعالَه خطوة بخطوة، ولنتأمّل في مروءته ورجولته وكرامته.
ذلك هو العبّاس الذي، ورغم تفتّت كبده من العطش، عندما ينزل إلى نهر الفرات ليغترف غُرفة من الماء: «فَذَكَرَ عَطَشَ الحُسَينِ»؛ فيُريق الماء، ويقول: كلاّ! ليس من شيمتي ـ أنا الذي أدّعي الولاء وأزعم اتّباع أخي ـ، وإنّه لغدر وخيانة للمروءة أن يكون هو بتلك الحال، وأشرب أنا الماء، حتّى وإن كان الغرض التقوّي لنصرته.
ولكن، إن أردت إرساء الوحدة بينك وبين مولاك، فلا يجب أن تشرب الماء؛ فما معنى المساعدة والمؤازرة؟!
إنّه في أفق أسمى من مجرّد المساعدة. إنّه يبتغي الاتّحاد والوحدة بينه وبين الإمام الحسين، لا مجرّد المساعدة. فالمساعدة شأن الآخرين، وهو لا يبتغي مساعدة...
إنّه يسعى للاتّحاد والاندماج التامّ بالإمام الحسين، وشُربُ الماء يتنافى مع هذا الاتّحاد. حتّى وإن كان سيكسبه القوّة ويروي ظمأه ويُمكّنه من فعل المزيد، فهذا لا يتناسب مع ذلك المقام. هل هذا واضح؟
إذًا، يجب ألاّ يقتصر نظرُنا على السهام والرماح التي أصابت جسد الإمام الحسين. فكم من جسد تلقّى السهام والرماح! أكان جسد الإمام الحسين هو الوحيد؟! ألم يشهد العالم ظلمًا من قبل؟! ألم يُصب أحدٌ بسهم أو حجر؟!
هل نتحلّى نحن بما كان الإمام الحسين يصبو إليه؟ أم أنّنا اكتفينا بتغييب أنفسنا خلف تلك الحجارة التي انهالت عليه، واكتفينا بالوقوف هناك؟ الإمام الحسين الذي وُوري جسدُه تحت الحجارة.. أين هو الآن؟ هل فكّرتم يومًا أين هو؟ جسدُه تحت الحجارة والسهام والسيوف! لقد ارتكبوا كلّ جريمة ممكنة، ولم يُقصّروا في شيء. إنّ واقعة كربلاء تُثير الذهول حقًّا. فالأجساد الميّتة تُترك وشأنها. حتّى في ساحات المعارك، إذا سقط مُقاتلٌ صريعًا، فإنّه لا يُركل، بل تُحمل جثّتُه وتُنقل.
أمّا هؤلاء، فيُبدّلون حدوات خيولهم، ليطؤوا الجسد... .
عجبًا! ماذا تُريدون من جسد ميّت؟! ما هذا؟ إلى أيّ حدّ... ما هذه العقليّة! وإلى أين يصل الإنسان، ليأتي بالخيول لكي تدوس على جسد ملقًى وميّت، وتسحقه.
عجبًا! ما هذه الوحشيّة والحيوانيّة! هؤلاء كانوا يُصلّون! لقد صلّوا المغرب والعشاء في الليلة السابقة، مثلنا تمامًا! مثلنا: نُصلّي، ونلطم صدورنا، ونُقيم العزاء للإمام الحسين، ونحن نقف في وجهه. نقف في الاتّجاه المعاكس للإمام الحسين مائة وثمانين درجة، ثمّ نهتف: كربلاء، كربلاء، كربلاء...
هل هذا واضح؟
إنّ معيار الارتقاء في الدرجات هو مقدار اهتمامنا. فما هو مقدار اهتمامنا بالمسألة؟ ولهذا، كان المرحوم العلاّمة يقول: «لقد بيّنا المسائل للرفقاء. لقد بيّنا لهم أضعاف ما يحتاجونه لبلوغ تلك المقامات العُليا. لقد أدّينا الذي علينا، ومن يبذل جهدًا أكبر ينل نصيبًا أوفر».
مدرسة العرفان واليقين: لماذا لا يرضى العظماء لتلامذتهم بأقلّ من مقام سلمان؟
ذلك الجانب من المسألة مُكتمل. فالله تعالى قد وفّر الوسائل والأدوات اللازمة لهذا الترفيع. أمّا هذا الجانب... فبما أنّ هذه الوسائل مُتاحة، فما العمل؟ يجب الاستفادة منها. وما هو مقدار الاستفادة المرجوّة منها؟ وما هو مقدار الاهتمام اللازم؟ وما هو حجمه؟ هذا يعتمد على الهدف، ويعتمد على مدى وضوح هذا الهدف في ذهن الإنسان، ومدى إيمانه بالمسألة، وقدرته على التجرّد من الأهواء النفسيّة والرغبات.
أقول لذلك الفرد: «أنت تعتلي المنبر، وتُبلّغ للإمام الحسين». فيجيبني: «نعم نحن مبلّغون، فمن أنتم؟ أنتم لا تفعلون شيئًا!».
لقد قلت للرفقاء البارحة في ذلك المجلس...
قلت له: أخبرني، عمّن يتحدّث المرحوم العلاّمة في كتابه في القضيّة الفلانيّة؟
فرأيت لونه يشحب فجأة! ولماذا يشحب لونه! إنّه كلام «العلاّمة»! فلماذا امتقع لونك؟
ـ أنا لا أقبل كلامك أساسًا، أنت...
ـ ماذا قلت عزيزي! هل شتمتُك؟! أسألك عن مراد العلاّمة في كتابه الفلانيّ؟ فهل شتمتُك؟! أم ضربتك على رأسك؟! فما الخطب؟
ـ أنا لا أتدخّل في هذه الأُمور و ...
ـ أنت لا تتدخّل؟ [كيف ذلك] وأنت تعتبر نفسك مُبلّغًا لهذه المدرسة؟! وأنت تعقد المناظرات دفاعًا عنها؟!
ماذا؟! هل أزيد؟!
أنت من يقوم بكلّ هذا، فماذا يعني كلام المرحوم العلاّمة في الموضع الفلانيّ؟ لماذا تتهرّب منه؟ ولماذا لا تريد...
فيقول: لا أعلم من هو المقصود. حسنًا، بما أنّ لديك من تسأله، فلماذا لا تذهب وتسأله؟
هل ترون؟ مَن هؤلاء؟ إنّهم أمثال شريح القاضي الذين أفتوا بقتل الإمام الحسين! هم أنفسهم ولا فرق. لماذا؟ لأنّه بمجرّد أن يسطع الحقّ، يبدأ بالانزلاق كالسمكة.. كما تنزلق السمكة من بين يديك حين تحاول الإمساك بها في الحوض.
(ويقولون) لا، نحن لا شأن لنا بهذه الأُمور ولا نعلم. وربّما كان المقصود إنسانًا آخر، ولا نعلم هل هو هذا أم ذاك و ...
لأنّه إن حاول التقصّي، فسيقع في الفخّ. وإن وقع في الفخّ هنا، فستُوضع أفعالُه كافّة تحت المجهر. ولهذا، فهو يفتح باب الإنكار منذ البداية، ويسدّ طريق النفوذ من البداية.
أراد أحدهم أن يُحدّث إنسانًا عن رجل ما؛ وكان مطّلعًا جدًّا، بل كان على دراية بعائلة ذلك الرجل، وتربطهم علاقات عائليّة.
فقال له: دعني أروي لك قصّة عن فلان.
فلمّا قصّ عليه الحكاية الأُولى، بدأت يدا الرجل ترتجفان. فقال له: «دعني أقصّ عليك الثانية»، فقال: «لا لا لا، توقّف، تكفي هذه. أخشى إن رويت لي الثانية أن أفقد ديني، وينهار كلّ ما بنيتُه!».
فلينهار إن كان كذلك! هل كان دينُك حتّى الآن دينًا خياليًّا؟ هل هذا كان إيمانُك حتّى الآن؟ وهل كان هذا تفكيرُك؟ أيّ تفكير هذا الذي يتزلزل بسماع حكاية واحدة، وكأنّ قنبلة قد زُرعت تحت منزل، فسوّته بالأرض؟! أيّ إيمان هذا؟! اذهب، واطمر هذا الإيمان في الوحل! اطمر هذا الاعتقاد في الوحل! أيّ اعتقاد هذا الذي... الإيمان هو الإيمان الذي يثبت أمام كلّ...
جاءني أحدهم وقال: «لديّ حكايات عن والدك أنت نفسك لا تعلم بها؛ ولو علمت بها، لارتددت». فقلت له: «الويل لك إن لم تخبرني بها. الويل لك إن لم تخبرني. هيّا أخبرني».
فقصّ عليّ حكاية، فدحضتُها فورًا، وقلت له: هذه القصّة تتعلّق بكذا.
فلم يجرؤ على قصّ الثانية. حسنًا، عندما أُريد أن أُرسّخ أساسًا لنفسي، وأبني قاعدة، فلماذا أبنيها على بيت عنكبوت؟ ولماذا أبنيها على حافّة مستنقع أو بحر؟ ولماذا لا أبنيها على صخر أو خرسانة؟ أيّ إيمان هذا الذي ينهار فيه كلُّ شيء بسماع حكاية، وأفقد إيماني بوالدي لمجرّد سماع قصّة؟!
أيّ والد هذا الذي رافقتُه لأربعين عامًا، ولم أطّلع على مسائل كهذه عنه؟! وحتّى لو اطّلعت عليها، فسأجلس، وأُفكّر فيها وفقًا للمباني التي أمتلكها، والقاموس الذي أودعته في كياني، والموسوعة التي أحملها، وأحقّق في المسائل. ممّ أخاف؟! ممّ أخاف؟! أنا سأُدفن في قبري، وهو سيُدفن في قبره... ويوم القيامة سأُسأل عن صحيفتي. ماذا فهمت؟ وما شأنك به وهو يقول كذا وكذا؟ هل هذا واضح؟
هذه هي مدرسة العرفان: مدرسة الحرّية والانعتاق، ومدرسة اليقين. يجب أن يمتلك الفرد اليقين، وأن يكون راسخًا في مبانيه. ولهذا، ترون في جميع الجلسات التي أجتمعُ فيها مع الرفقاءَ والأصدقاء ـ وقد صرّحت بذلك حول هذه الجلسة أيضًا ـ أقول: ليسأل من يشاء ما يشاء! أيّ سؤال! من الأرض أو السماء، وسأجيب بما يبلغه عقلي وفهمي. وما أعجز عنه، فعذري فيه مقبول.
ليس لديّ ما أُخفيه عن أحد؛ لا مسألة ولا شيئًا ولا قصّة ولا نكتة... لأنّني أبحث بنفسي عن معالجة النقائص الموجودة في كياني؛ فأنا أمتلك ضعفًا ونقصًا.
وبالطبع، ليس الأمر بأن أتقبّل كلّ ما يقال لي؛ فهذا أمر آخر أيضًا، بل أزنه بمعاييري الخاصّة؛ ولكنّ هذا لا يعني... وإلاّ لوجب عليّ قبول كلام الجميع!
وقد تكون هذه الأقوال متناقضة مائة وثمانين درجة، فكلام مَن أُصدّق؟
تأتي وتقول: سيّد فلان، لديك الخُلق الفلانيّ، وهو خُلق باطل، فأصلحه. فأقول: سمعًا وطاعة. ويأتي آخر ويقول: لا عزيزي، هذا يهذي، فأخلاقك...
حسنًا، إمّا أن أستمع إليك أو إليه؛ فلا يُمكنني الاستماع لكليكما. وعليه، يجب أن أحتكم لمعاييري الخاصّة، وألاّ أحرم نفسي من نصيحة الآخرين. هذا هو القانون والقاعدة. هل هذا واضح؟ إذًا، في طريق الله تعالى، وكما كان المرحوم العلاّمة يقول: «بقدر ما تدفع من المال، تنل من الطعام».
هذه هي المسألة. ويجب على الآخرين أن يُقيّموا أنفسهم في هذه المسألة وهذا المسار.. أن يُقيّموا حالهم كلّ يوم، ويُقيّموا وضعهم، وألاّ يتقبّلوا كلّ ما يطرق مسامعهم، بل يزنوا تلك المسائل بمسائلهم ومعاييرهم الخاصّة، حتّى يتمكّن الجميع من بلوغ ما يصبو إليه العظماء والأولياء.
في إحدى المرّات، وفي خضمّ حديثي مع المرحوم العلاّمة، ذكرت له مسألة، فقال لي: «أنا لا أقنع لرفقائي بأقلّ من سلمان!».
أقلّ من سلمان! وقد بيّنت لكم مَن هو سلمان! فانظروا ما هو هذا المقام! يقول: لا أرضى لتلامذتي بأقلّ من سلمان!
فما هي القصّة إذًا؟! يتبيّن أنّه موجود! ويتبيّن أنّ الطريق متاح، والأداة مُتوفّرة، والوسائل موجودة.
حسنًا! فبسم الله! لم يبلغ سلمان ما بلغه وهو جالس على مائدة الأرزّ بالزعفران والحلوى الفاخرة، على ضفاف النهر وتحت مراوح الحور العين! بل طوى سلمان مسائل كثيرة. فلو سردت لكم نبذةً من تاريخ سلمان، لطار صوابُكم عجبًا: هل فعل سلمان كلّ هذا؟! لقد أفنى سلمان عمرَه في مسائل لا نتصوّر نحن عُشرها، بل ولا جزءًا من عشرين منها، حتّى وصل إلى النبيّ وإلى منبع المعرفة ومعدنها.
نرجو، إن شاء الله، أن يشملنا سبحانه بلطفه جميعًا، وأن يُقدّر لنا الباري ما كان محطَّ أنظار العظماء والأولياء، على قدر سعتنا، وألاّ ينظر إلى تهاوننا ونقائصنا وضعفنا وإهمالنا، بل ينظر إلينا بعين التجاوز ومن منطلق رحمته التي تحدّثنا عنها البارحة.. جانب رحمته التي وسعت كلّ شيء، أو التي سبقت رحمته كلّ شيء! فلينظر إلينا بعين تلك الرحمة، وأن يروينا ويُنعشنا من ذلك الشراب وتلك المُدامة التي جعلها من نصيب أوليائه الخُلّص.. إن شاء الله تعالى!
اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد