المراقبة الصادقة والتسليم مفتاح البصيرة وانكشاف الحقائق

حقيقة معيّة أمير المؤمنين عليه السلام للحقّ وسقوط وهم المصلحة الكاذبة أمام الصدق المطلق

24
مشاهدة المتن

المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني

القسممباني الإسلام

المجموعةمحاضرات متفرقة

التاريخ 1403/11/04

جلسات المجموعة(10 جلسة)

التوضيح

كيف يورث التسليمُ التامّ لله تعالى بصيرةً وفطنةً تفوق التفكير الفلسفيّ المجرّد؟ وهل يُمكن للإنسان أن يجمع بين الانهماك في الكثرات الدنيويّة وبين الوصول إلى الكليّة والتجرّد في العبادات كالصلاة؟ وما هو المعنى الحقيقي والدقيق لمقولة: الحقّ مع عليّ وعليّ مع الحقّ في كافّة المواقف مهما كانت؟ ولماذا يرفض أولياء الله اللجوء إلى الكذب تحت مسمّى المصلحة؟ تُجيبك هذه المحاضرة القيّمة لسماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ (قدّس سرّه) عن هذه الأسئلة العميقة، موضّحةً دور المراقبة في حياة السالك، مع ذكر شواهد تاريخيّة وواقعيّة، ومواقف دقيقة من حياة العظماء.

/۱٤
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

المراقبة الصادقة والتسليم مفتاح البصيرة وانكشاف الحقائق - حقيقة معيّة أمير المؤمنين عليه السلام للحقّ وسقوط وهم المصلحة الكاذبة أمام الصدق المطلق

1
  •  

  • هو العليم

  •  

  • المراقبة الصادقة والتسليم مفتاح البصيرة وانكشاف الحقائق

  • حقيقة معيّة أمير المؤمنين عليه السلام للحقّ وسقوط وهم المصلحة الكاذبة أمام الصدق المطلق

  •  

  • مباني الإسلام، محاضرات متفرّقة، المراقبة الصادقة والتسليم مفتاح البصيرة وانكشاف الحقائق

  •  

  • محاضرة ألقاها

  • آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ

  • قدس الله سره

  •  

  •  

المراقبة الصادقة والتسليم مفتاح البصيرة وانكشاف الحقائق - حقيقة معيّة أمير المؤمنين عليه السلام للحقّ وسقوط وهم المصلحة الكاذبة أمام الصدق المطلق

2
  •  

  •  

  • أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

  • بسم الله الرحمن الرحيم

  •  

  •  

  • الاهتمام بالجزئيّات يمنع من الالتحاق بعالم الكلّية

  • بيّنت سابقًا للرفقاء في الدروس الماضية بعض المسائل في توضيح وبيان كلام المرحوم السيّد [الميرداماد]، وتطبيق هذه المسألة مع المُثُل الأفلاطونيّة. وأشرتُ سابقًا إلى أنّ أبحاث السيّد هي أبحاث عالية وراقية جدًّا، وتحكي عن نوع من انكشاف حقيقة الأمر والواقع لهذه المسألة. ويبدو أنّ هذه المسائل لم تحصل له بمجرّد التفكير والتعمّق الفلسفيّ. على أيّ حال، هؤلاء كانوا من عظماء أهل المراقبة؛ كانوا أهل ذكر؛ كانوا أهل وِرد، ولم يكتفوا بمجرّد المطالعات والانهماك في الكتب. [المراقبة] مسألة حقيقيّة؛ قضيّة حقيقيّة؛ لا اعتباريّة وتوهميّة وتخيليّة. وحسنًا، بطبيعة الحال، كلّما كانت مراقبة الإنسان في هذا المجال أكثر، وسلّم زمام أموره بيد العقل والفطرة والارتباط بالمبدأ، يُصبح هذا الارتباط أوثق؛ وعندما يصبح أوثق، تقوى النفحات الواصلة للإنسان من ذلك الجانب بطبيعة الحال، فتوجِبُ تحوّلَ النفس وتبدّلها؛ وبالتالي، تحوّل الفكر والقوّة العاقلة وتبدّلهما؛ أي إنّ حركة العقل من الجانب الاستعداديّ إلى الجانب الفعليّ، تكون أقوى وأشدّ. فكلّما قلّ توجّهُ الإنسان للمسائل التي طرحها العظماء، ووجّه ذهنه وفكره نحو التعلّقات والكثرات [تُسلب منه تلك الحالة الخاصّة]؛ خصوصًا [إذا قلّ توجّهه] بسبب المسائل الدنيويّة والكثرات والمسائل التي تتطلّب الانهماك في الجزئيّات أكثر من الارتباط بالكليّات في المجالات المختلفة. فكيف إذا أراد، لا سمح الله! لا سمح الله! لا سمح الله! أن يدخل في المسائل المُحرّمة، ويتحرّك في وادي المخالفات الشرعيّة وخلاف رضا الله؛ فهنا، يُغلق الباب بالكامل تمامًا، وتُسلب من الإنسان تلك الحالة الخاصّة لتهيئة الأرضيّة للعقل.۱

  • قصّة العاميّ الذي اكتسب الفطنة بواسطة تسليم النفس

  • في السابق، كنت ذات مرّة في محضر المرحوم العلاّمة [الطهرانيّ]، فجرى الحديث عن رجل، وأراد مدحه، فقال: «لقد أعطاه الله تعالى فطنةً يُدرك بها المسائل!». إنّه ما يزال على قيد الحياة، وهو من تلامذة المرحوم العلاّمة. [هو] فرد عاديّ؛ فرد عاديّ كان انشغاله بهذه الأمور العاديّة؛ ولكن، عندما كنّا نتحدّث معًا، وأتطّلع في كلامه إلى رؤيته وفكره، كنت أشعر أنّ أحاديثه يُمكن أن تخرج قليلاً عن المعايير المتعارفة. ففي الأحاديث التي كنّا نتبادلها ـ وكانت أحاديث تخصصيّة أحيانًا، ومسائل تخصصيّة ـ كان يُثير تعجّبي كيف وصل هذا [الفرد] إلى النتيجة نفسها التي وصلتُ إليها من خلال المسائل والمطالعات والفحص والارتباط وباختصار: التجارب التي يُمكن للإنسان اكتسابها! كان مثيرًا للاهتمام حقًّا بالنسبة لي كيف أنّ فردًا عاديًّا عاميًّا ـ أي عاميًّا جدًّا ـ يطرح رأيه قبل أن نبدأ الحديث في [هذه] المسألة، وكان يتحدّث باطمئنان كبير. باطمئنان كبير، ولكنّه كان مصيبًا في الوقت نفسه. إلى أن جرى الحديث يومًا، فقال المرحوم العلاّمة رضوان الله عليه:

المراقبة الصادقة والتسليم مفتاح البصيرة وانكشاف الحقائق - حقيقة معيّة أمير المؤمنين عليه السلام للحقّ وسقوط وهم المصلحة الكاذبة أمام الصدق المطلق

3
  • أترى فلانًا؟! إنّه رجل عاميّ؛ رجل عاميّ وتاجر (كان له عمل من هذه الأعمال العاديّة)، ولكنّ الله تعالى أعطاه فطنةً يُدرك بها الأمور.

  • هذه العبارة تستحقّ التأمّل كثيرًا: «أعطاه الله تعالى فطنةً يُدرك بها الأمور».

  • فقلت: «نعم يا سيّدي العزيز! بالمناسبة، أنا أيضًا عندما أتحدّث معه، ألمس فيما يطرحه من آراءٍ ومسائلَ مستوىً يتجاوز ما يُتوقّع منه من طرحٍ لمثل هذه الرؤى اللافتة». هذا [الفرد] رجل عاديّ وعاميّ، وهو منهمك بهذه الأشياء العاديّة.

  • فقال: «نعم الأمر كذلك! هذه [القدرة لديه]؛ لأنّه سلّم نفسه!».

  • هذه العبارة عجيبة جدًّا: «لأنّه سلّم نفسه!». فعندما يُسلّم الإنسان نفسه، ينفتح القلب. فحالة الرضا والتسليم تلك توجب انفتاح هذا القلب وهبوب تلك النفحات. والنفحات تأتي من عالَم الحقّ؛ إذ لا توجد نفحات من عالَم الاعتبار والتخيّل والأوهام. [النفحات] تأتي من هناك [أي عالَم الحقّ]، وتستقرّ في هذا القلب.۱ عندما كان أفراد من الأفاضل والمعارف يطرحون رؤيةً تجاه المسائل الاجتماعيّة، كنت أرى فجأةً أنّ هذا [الرجل] يقول أمرًا آخر! حسنًا، لا يُمكن [للإنسان] أن يطرح رأيًا تجاه القضايا الاجتماعيّة، وتجاه المسائل السياسيّة، وتجاه المسائل المتعارفة بين الناس، بهذه السهولة واليسر بدوًا، ومن دون تأمّل قائلاً: «العمل الفلانيّ باطل!»، «القرار الفلانيّ المتّخذ باطل!»، «القضيّة الفلانيّة التي نُفّذت صحيحة!».

  • فقوله «صحيح» و«باطل» و«خطأ» كان بحدّ ذاته مسألةً [لافتة] بالنسبة لنا. فمن يُسلّم نفسه، يصله [الشيء] الذي يجب أن يصل إلى فكره ورأيه. طبعًا، ليس الأمر بحيث يتخيّل الإنسان أنّ هذا [الرجل] قد أصبح نبيًّا، وأنّ [كلّ كلامه] وحي! كلاّ، يجب أن يكون ذلك وفق الموازين؛ لأنّ الإنسان قد يُصاب بالتوّهم في بعض الحالات. فنحن لسنا معصومين! ولكن، إذا تحرّك الفرد بهذا النحو، فإنّ الله تعالى سيأخذ بيده. فما كنّا نشاهده من مفترقات طرق وتشكيكات وإبهامات وتشتّت في الآراء واختلاف في الأذواق والرؤى بين الأفراد، كنّا نرى أنّه كان يختار طريقًا واحدًا بوضوح؛ وبعد ذلك، كنّا نرى أنّ الواقع كان كذلك تمامًا.

  • كان المرحوم العلاّمة يقول: «بسبب هذا التسليم، أعطاه الله تعالى فطنةً؛ أعطاه فطنةً في تلقّي المسائل بحيث يُدرك الأمور». وفي المقابل، كنّا نشعر أنّ أفرادًا من تلامذته كانوا من أهل العلم، يقفون في النقطة المقابلة تمامًا؛ فكلّ رأي يطرحونه لم يكن [سوى] هراء! وهم أيضًا كانوا من تلامذته، وكانوا من أهل العلم وحتّى قريبين من مرحلة الاجتهاد، بحيث أصبح ذلك معيارًا لنا في الأساس؛ فإذا أردنا يومًا أن نرى كيف يجب [العمل] في مسألة ما، كنّا نذهب ونسأل هؤلاء عن رأيهم، ثمّ نرى أنّه يجب أن يكون خلافه! أي إنّ هذا الأمر أصبح معيارًا واضحًا جدًّا بالنسبة لنا في الأساس!

المراقبة الصادقة والتسليم مفتاح البصيرة وانكشاف الحقائق - حقيقة معيّة أمير المؤمنين عليه السلام للحقّ وسقوط وهم المصلحة الكاذبة أمام الصدق المطلق

4
  • قيل: «مِمَّنْ تَعَلَّمْتَ الْأَدَبَ؟»، قال: «مِنْ قَلِيلِي الْأَدَبِ!». وبعد ذلك، شاهدنا هذه الأمور عيانًا بعد وفاة المرحوم العلاّمة، حيث شاهدنا كيف أنّ ما كنّا نحدسه في ذلك الزمان، قد ظهر عينيًّا وخارجيًّا بواسطة تهيئة الأرضيّة والمناخ المناسب. هل تلتفتون؟! بم ترتبط هذه الأمور؟ حسنًا، هذه وقائع! كلّ هؤلاء العظماء يقولون: «المراقبة!»، «المراقبة!»، «كن حذرًا!»؛ حسنًا، هم لا يقولون ذلك هراءً! لم يختلقوا هذه الأمور من أنفسهم! كلّ هذه المسائل متطابقة مع الأحاديث والروايات ومسائل العظماء وتجاربهم؛ أشياء جرّبوها بأنفسهم عمليًّا؛ والآن، يضعونها في متناول الإنسان.

  • التناقض العجيب بين الانهماك في الكثرات والوصول إلى الكليّة

  • لا يُمكنكم أن تدخلوا في أجواء الأخبار والأحداث السياسيّة وما شابه، ثمّ تنهضوا لتصلّوا صلاة المغرب والعشاء بحضور قلب. اذهبوا وجرّبوا! انهضوا واذهبوا وجرّبوا! مستحيل! هذه هي الساحة، فتفضّلوا! مستحيل! حتّى لو أردتم أن...

  • لماذا؟ لأنّ الجوّ هو جوّ الجزئيّات! في حين أنّ حركتنا في الصلاة هي نحو الكليّة؛ حركتنا في الصلاة نحو التجرّد؛ حركتنا في الصلاة نحو رفع القيود ورفع الحدود؛ نريد أن نزيح الحدّ؛ نريد أن نزيل القيد؛ نريد أن نصل من مرتبة الماهويّة لوجودنا إلى مرتبة الهوهويّة الإطلاقيّة له. هذه الماهويّة قيد؛ هذه الماهويّة حدّ. كيف يُمكننا في مثل هذه الظروف أن ننشغل بمسائل تجعلنا أكثر ثباتًا ورسوخًا واستقامةً في ضمن هذه الماهويّة والحدود والقيود. كيف يُعقل هذا؟! هذا لا ينسجم بتاتًا!

  • ولهذا، قالوا إنّه يجب أن ننتبه في المراقبة، وألاّ نتابع هذه المسائل كثيرًا، وألاّ نلتفت إلى هذه الأمور كثيرًا. حسنًا، الالتفات إلى هذه الأمور هو هذا عينه. هل يُمكنكم أن تشاهدوا خبرًا قبل أن تُصلّوا، ولا تخطر ببالكم ذكرى ذلك الخبر [عندما] تقولون: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾؟!۱ هل تستطيعون؟! إن كنتم تستطيعون، فافعلوا، بسم الله! افعلوا!

  • إنّ قول العظماء: «يجب على الإنسان قبل أن يصل إلى الكليّة [أن يتجاوز الكثرات]»،٢ هي عبارة رصينة ودقيقة وعميقة جدًّا. الوصول إلى الكليّة يعني الخروج من الحدّ الماهويّ، والخروج من الجزئيّة، والخروج من التوهمات والتخيّلات. وبعد أن يصل إلى تلك الكليّة... ويجب ألاّ يكون ذلك الوصول وصولاً علميًّا ووصول فحصٍ ودرسٍ وتعلّمٍ، بل يجب أن يصل قلبُه، ويجب أن يصل ضميرُه، وينبغي أن تتّحد نفسه، وأن يتذوّق تلك الكليّة، وأن يلمسها ويمسّها!

المراقبة الصادقة والتسليم مفتاح البصيرة وانكشاف الحقائق - حقيقة معيّة أمير المؤمنين عليه السلام للحقّ وسقوط وهم المصلحة الكاذبة أمام الصدق المطلق

5
  • فتلك العبارة الواردة عن رسول صلّى الله عليه وآله في حقّ أمير المؤمنين عليه السلام حيث [يقول]: «لا تَسُبُّوا عَلِيًّا فَإِنَّهُ مَمْسُوسٌ فِي ذَاتِ اللهِ» أو «لا تَقُولُوا فِي عَلِيٍّ فَإِنَّهُ مَمْسُوسٌ فِي ذَاتِ اللهِ»۱ ـ وقد رأيت كليهما ـ «مَمْسُوسٌ فِي ذَاتِ اللَّهِ» تعني بالذات هذا الوصول إلى الكليّة! لقد مُسّ، ولم يعد يقبل عبارة «الله واحد» [بالمعنى الذي نقوله نحن].

  • از آن چرخه که گرداند زن پیر***نشان چرخ گردنده همی گیر
  • [يقول: اعْتَبِرْ بمِغْزَلِ العَجوزِ في حَرَكَتِه؛ تَجِدْ فيهِ آيَةً لِلفَلَكِ الدوَّارِ في سَبْحِه] 

  • لقد تجاوز هذه الأحاديث. [للأسف] لقد علّمونا هكذا، أنّه يكفينا أن نعرف أنّ «الله واحد»! فماذا نُريد أكثر من هذا؟! لدينا مولى واحد، وهذا يكفي! لقد انتهى الأمر! فلماذا نُتعب أنفسنا عبثًا؟!

  • اشمئزاز أولياء الله من التعلّقات الدنيويّة وزخارفها

  • «لا تَقُولُوا فِي عَلِيٍّ فَإِنَّهُ مَمْسُوسٌ فِي ذَاتِ اللَّهِ»؛ أي إنّه ممسوس في ذات الله. ومَن كان ممسوسًا في ذات الله، فإنّ الالتفات إلى الجزئيّات لا يجلب له كثرةً بعد ذلك؛ لا يجلب له قيدًا؛ لا يجلب له حدًّا. افترضوا إنسانًا جالسًا على المائدة، وقد تناول بالكامل من الأطعمة الموجودة عليها (مختلف أنواع الطعام) وشبع؛ فإذا رأى برتقالة الآن، فلن يسيل لُعابُه! وإذا رأى تفّاحة، فلن يسيل لُعابُه؛ لأنّه شبعان.. شبعان تمامًا! فقد أخذ وتناول كلّ هذه الأشياء؛ فأكل برتقالاً، وأكل بطّيخًا، وأكل تفّاحًا، وأكل طعامًا، وشبع؛ فلم تعُد معدتُه تتقبّل.. لم تعُد معدتُه تقبل في الأساس؛ بل ربّما لا يستطيع أبدًا! لا يُمكنه النظر إلى أيّ شيء بتاتًا! لا يُمكنه إلقاء نظرة على شيء آخر أبدًا! فنفسه وقلبه وميله ومزاجه يطرد المسائل الأخرى.

  • هؤلاء العظماء الذين وصلوا إلى الكليّة (هؤلاء الأنبياء، هؤلاء المعصومون، هؤلاء الذين صاروا «ممسوسين في ذات الله» بتعبير رسول الله صلّى الله عليه وآله)، يُصابون بالغثيان في الأساس من الارتباط بالجزئيّات! انظروا أين تكمن المسألة! يُصابون بالغثيان في الأساس إذا أرادوا الالتفات إلى الجزئيّة. فمثلاً، إذا أرادوا النظر إلى رئاسة، أو الالتفات إلى طاولة وكرسيّ، تنتابهم حالة التقيّؤ! هل رأيتم كيف يحدث الانقلاب في الإنسان فيتقيّأ؟ هم هكذا! وحينئذٍ، إذا أرادوا أن يتقبّلوا مسؤوليّة بهذا الوضع، انظروا ماذا سيحلّ بهم! هل يتقبّلون مسؤوليّة بهذا الوضع؟! يقول الخواجة... لا تقولوا «يقول»! قولوا «مى فرمايد»!٢ قلت مرّةً للمرحوم العلاّمة: «سيّدي العزيز! حافظ يقول...»، فقال: «ماذا قلت يا سيّد؟ الخواجة مى فرمايد! حافظ مى فرمايد!» [والآن أيضًا] يقول حافظ:

    1. راجع: معرفة الإمام، ج ٤، ص ٢٦ و ج ٦، ص ٦٩، حيث نُقل هذا الحديث عن: حلية الأولياء، ج ۱، ص ٦۸، و. ونقله شاه وليّ الله الدهلويّ في إزالة الخفاء، ج ٢، ص ٢٦٥، عن الحاكم. ونقله الهيثميّ أيضًا في مجمع الزوائد، ج ٩، ص ۱٣۰؛ وسيرة ابن هشام، ج ٤، ص ۱۰٢٢.
    2. ترجمتها بالعربيّة: «يقول»، لكنّها تدلّ في الفارسيّة على نوع من الاحترام للقائل؛ وكأنّه يُريد أن يقول: «تفضّل بالقول». المترجم

المراقبة الصادقة والتسليم مفتاح البصيرة وانكشاف الحقائق - حقيقة معيّة أمير المؤمنين عليه السلام للحقّ وسقوط وهم المصلحة الكاذبة أمام الصدق المطلق

6
  • من که ملول گشتمی از نفس فرشتگان***قال و مقال عالمی می‌کشم از برای تو۱
  • [يقول: أنا الذي كنت أسأم من أنفاس الملائكة، صرت أتحمّل لأجلك كلام الناس جميعًا]

  • هذا هو الأمر؛ أي إنّني في الأساس أصاب بحالة من التقيّؤ! فإذا أردتُ النظر إلى هذه المسائل العاديّة، أُصاب بالغثيان! فالويل لي إذا أردت الالتفات إلى هذه المسائل الجزئيّة والعاديّة. كنّا حينها ننظر إلى المرحوم العلاّمة في تلك الأزمان، ونقول: «ما شاء الله! لديه تلامذة! يأتون ويشاركون في الدروس! اليوم درس، وغدًا درس آخر، وقد كثر الأفراد!». لكنّنا لم نكن ندري حقيقة الأمر يا عزيزي! كان يتمنّى الموت في كلّ لحظة! لم أكن أقول هذا لأحد. أقوله لكم الآن. كان يتمنّى الرحيل في كلّ لحظة، وله تعبير كان قد قاله لي. كنّا [نظنّ]: ما شاء الله! انظر! راقب! كثُر الأفراد! هنا، في الداخل، في الخارج! لكن، فيم كان يُفكّر هو، وفيم نُفكّر نحن الحمقى وإلى ماذا نلتفت!

  • والأمر نفسه بالنسبة للنبيّ صلّى الله عليه وآله؛ والأمر نفسه بالنسبة لأمير المؤمنين عليه السلام. يجيئون، ويضعون الحبل في عنق أمير المؤمنين عليه السلام ليأخذوه من أجل البيعة! مَن الذي يقوم بهذه الأعمال؟ مَن؟ يا ليتهم أصابهم ولو مقدار رأس إبرة من تلك الحالة التي كان فيها عليّ عليه السلام! مقدار رأس إبرة! إنّ ما يُلامس عليًّا من تلك النفحات، هيهات أن يصل ولو القليل منها إلى غيره! فهو في وادٍ آخر تمامًا. لماذا كانوا يبذلون كلّ ذلك من أجل هذه المسألة؟! لماذا أطاحوا بكلّ قلبهم ودينهم وإيمانهم ودنياهم وآخرتهم في مهبّ الريح؟! لأنّه لم يصب هؤلاء المساكين شيء! لم تصبهم من تلك النفحات، ممّا يقوله حافظ: «أنا الذي كنت أسأم...».

  • لم يُصبهم شيء من تلك النفحات. لم يقضوا دنياهم في المراقبة في زمان النبيّ صلّى الله عليه وآله، بل [قضوها] في الانهماك بهذه المسائل العاديّة والدنيويّة المؤقّتة وما شابه. أيّها المسكين البائس! أنت لا تملك من العمر سوى سنتين أو ثلاث، فما هذه الأعمال التي تقوم بها؟! أي: هل يستحقّ الأمر ذلك؟! ماذا؟! هل يصحّ للإنسان من أجل سنتين، من أجل ثلاث سنوات، من أجل خمس سنوات، من أجل عشر سنوات، من أجل خمس عشرة سنة من الحياة، أو مهما كان [العدد]، فالأمر سيّان في النهاية، [أن يغضّ الطرف عن الحقّ]؟! هل تتذكّرون الآن قبل عشرين سنة؟! كأنّه كان بالأمس! تصوّروا الآن فقط: أين كنتم قبل عشرين سنة؟! كأنّنا كنّا نتحدّث معًا بالأمس فقط! أين كنّا قبل عشر سنوات؟! افرضوا الآن أسبوعًا واحدًا، أو سنة واحدة؛ فلا فرق ولا اختلاف في هذه المسألة. فبدلاً من أن نأتي ونُسلّم أنفسَنا، ونُسلّم للحقّ، ونكفّ عن إثبات الذات، فإنّنا نظلّ نبحث دائمًا عن إثبات أنّنا على حقّ! وأنّ عملنا صحيح! وأنّ فعلنا صائب! بدلاً من هذا، لنأخذ الحقّ ونسلّمه لـ[صاحب] الحقّ. لماذا نتعجّل كثيرًا؟! لماذا؟!

    1. لمزيد من البيان لهذا البيت الشعريّ للخواجة حافظ، راجع: الروح المجرّد، ص ٢٢٥؛ أسرار الملكوت، ج ۱، ص ۱٩۸.

المراقبة الصادقة والتسليم مفتاح البصيرة وانكشاف الحقائق - حقيقة معيّة أمير المؤمنين عليه السلام للحقّ وسقوط وهم المصلحة الكاذبة أمام الصدق المطلق

7
  • حقيقة معيّة أمير المؤمنين للحقّ في كافّة المواقف

  • كنت ذات مرّة في محضر المرحوم العلاّمة الطباطبائيّ رضوان الله عليه، حيث كنت أذهب إلى منزله أيّام الخميس والجمعة. كانت تأتي جماعة، وكنت أذهب أنا أيضًا كمتطفّل. كان هناك درس في أحد أيّام الخميس، وجرى الحديث بين مسألتين للعظماء، وتحدّث هو [أيضًا]، [ثمّ] قال أحدهم: «يا سيّدي، إذن الحقّ معه!». فقال: «نعم! الحقّ معه والحقّ مع عليّ!». عجيب جدًّا! كان هذا الكلام عجيبًا جدًّا بالنسبة لنا! «الحقّ معه والحقّ مع عليّ!». يُمكننا هنا أن نأخذ مسألتين ولحاظين بعين الاعتبار، ولعلّ مراده كان أحدهما: الأوّل أنّ أمير المؤمنين عليه السلام هو مظهر الحقّ؛ «الْحَقُّ مَعَ عَلِيٍّ وَعَلِيٌّ مَعَ الْحَقِّ»؛۱ أي: أينما وُجد الحقّ، ترون فيه أثر قدم عليّ. وأينما وطئ عليّ، ترون الحقّ هناك. هذا معيار واحد، وانتهى الأمر. ففي كلّ مكان، وفي كلّ نقطة، وفي كلّ زمان، وفي كلّ قضيّة، وفي كلّ قصّة، وفي كلّ واقعة، أينما وطئ عليّ، ترون الحقّ هناك!٢ وحتّى لو لم تستطيعوا الوصول إلى أحقيّة الحقّ، فإنّ الحقّ موجود هناك، ويجب أن تصلوا إليه. فليس الأمر بحيث يلتفت الإنسان إلى حقيقة الحقّ تلك في كلّ مكان، وتتّضح له تلك العلّة والواقعيّة. فلو كان الأمر كذلك، لأصبح الإنسان مثل هؤلاء [المعصومين عليهم السلام]؛ فلا نخطئ بعد ذلك؛ ولا نحتاج إلى كلّ تلك الاستثناءات وتغيير القوانين والتحوّلات وما شابه! لماذا كلّ هذا؟! هذا لأنّ ذلك الاتّصال غير قائم؛ فعندما يخطئ الإنسان في القضاء، فمن الواضح أنّه لا يمتلك اتّصالاً. ولكن، ما هي حقيقة أمير المؤمنين عليه السلام؟ «مَمْسُوسٌ فِي ذَاتِ اللَّهِ!». وعندما صار «ممسوسًا في ذات الله»، فماذا يحصل؟ ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدعُونَ مِن دُونِهِۦ هُوَ ٱلبَٰطِلُ﴾.٣

  • فلمّا صار «ممسوسًا في ذات الله»، فأينما كان حاضرًا، فالحقّ موجود هناك؛ وأينما وُجد حقّ في العالَم، فعليّ موجود هناك! سواء في القضايا الموجودة بين الشيعة، أو في القضايا الموجودة بين أهل السنّة، أو في القضايا الموجودة بين اليهود، وبين النصارى، وبين الزرادشتيّين، وبين الملحدين. كلّ إنسان، في أيّة قضيّة، وفية أيّ واقعة يحكم بالحقّ ـ حتّى لو كان لادينيًّا وملحدًا وبلا مذهب ـ فعليّ موجود هناك، ونرى موطئ قدم عليّ، ويقول عليّ: «أنا هناك!». وقد أخبرتكم بهذه المسألة وهذا السرّ، فاذهبوا، وفكّروا فيه.

    1. راجع: معرفة الإمام، ج ۱، ص ٢٣٩، حيث وردت هناك مصادر متعدّدة لهذا الحديث من كتب أهل السنّة.
    2. راجع: معرفة الإمام، ج ۱٥، ص ٢٥۱.
    3. سورة الحج، الآية ٦٢.

المراقبة الصادقة والتسليم مفتاح البصيرة وانكشاف الحقائق - حقيقة معيّة أمير المؤمنين عليه السلام للحقّ وسقوط وهم المصلحة الكاذبة أمام الصدق المطلق

8
  • لا يختلف الأمر، سواء كانت ترتدي العباءة أو سافرة، وسواء كان ملتحيًا أو حليق اللحية؛ ففي أيّ مكان نطق فيه الإنسان بكلمة الحقّ، فعليّ موجود هناك! حتّى لو كانت سافرة، فلتكن! حتّى لو كان مُلحدًا، فليكُن! لماذا؟ لأنّ «الْحَقَّ مَعَ عَلِيٍّ»؛ لا أنّ هذا الحقّ منفصل عن عليّ، وأنّ عليًّا متطابق هناك مع ذلك الحقّ في الأقضية والأحداث والمسائل [ويعمل وفقًا للحقّ]! كلاّ! لقد قالها النبيّ صلّى الله عليه وآله على نحو الإطلاق؛ فالألف واللام في [الحقّ] هي في الأساس ألف ولام الجنس؛ [أي] إنّ أمير المؤمنين عليه السلام مع الحقّ!

  • لو أتينا إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وقلنا: يا سيّدي! في هذه القضيّة وهذا الخلاف القائم بين مجوسيّين أو نصرانيّين أو مُلحدين أو شيوعيّين ـ الشيوعيّ الذي لا يعترف بالله ولا بأيّ شيء آخر ـ يقول هذا: «لقد قلت لي هذا الكلام»، وهو صادق، ويأتي ذاك [الآخر] بناءً على الكذب ويقول: «أنا لم أقل لك هذا الكلام»، وينكر ويكذب؛ لا أنّه يشتبه، بل يكتم...

  • في القضيّة نفسها، افترضوا شيوعيّين يعيشان في الجانب الآخر من العالَم في المجموعة الشمسيّة، فيقول هذا الشيوعيّ لخصمه: «لقد قلت لي هذا الكلام»، وهو صادق. ويقول الخصم: «أنا لم أقل لك هذا الكلام»، وينكر ويكذب؛ فهنا، يكون عليّ موجودًا؛ وهناك (أي في مقابل عليّ)، مَن يكون موجودًا؟ لن أذكر اسمه الآن.. يكون الشيطان موجودًا! لماذا؟ لأنّ عليًّا هو مظهر الصدق، وأينما كان الصدق، يقول: «أنا حاضر».

  • لو كان أمير المؤمنين عليه السلام قاضيًا هناك، وكان الخلاف بين هذين الشيوعيّين ـ اللذين لا يعترفان بعليّ بتاتًا، فضلاً عن إله عليّ ـ فلمن سيعطي الحقّ؟ حتمًا، سيقول عليّ عليه السلام: «أنت صدقت وأنت كاذب! أنت كاذب والويل لك! أنت على باطل!». [وإذا قال ذلك الرجل معترضًا]: «يا عليّ! هذا الذي صدق، لا يعترف بإلهك!»، سيقول [عليّ عليه السلام]: «وإن لم يعترف، فكلامه حقّ».۱ هذا هو أمير المؤمنين عليه السلام!

  • انظروا حينها أيّ آفاق ستنفتح في أذهاننا وأفكارنا: سنخرج من هذه القيود؛ سنخرج من هذه القيود المكبّلة كالسلاسل التي قيّدت أيدينا وأرجلنا معًا. أينما كان الصدق، فعليّ موجود هناك. افترضوا أنّ رجلاً يتحدّث بالصدق هنا، فعليّ واقف بجانبه. وأينما كان الكذب ـ كائنًا مَن كان ـ فماذا يوجد هناك؟ الشيطان واقف إلى جانبه؛ الشيطان [موجود هناك] بلا شكّ! لماذا؟ لأنّ عليًّا لا يكذب. فالمكان الذي فيه كذب، ليس فيه عليّ. والمكان الذي فيه غشّ، ليس فيه عليّ. والمكان الذي فيه مكر وخداع وحيلة، ليس فيه عليّ؛ حتّى لو قلنا: «نحن [في جهة] عليّ! نحن شيعة! انظروا إلى هيئتنا أيضًا! أيّها الناس! انظروا! ما شاء الله! هذه هيئتنا أيضًا!». كلاّ! الشيطان إلى جانبي؛ الشيطان واقف [إلى جانبي]؛ لماذا؟ لأنّ «عَلِيٌّ مَعَ الْحَقِّ»؛ وليس «عَلِيٌّ مَعَ الْكَذِبِ!»، ولا «عَلِيٌّ مَعَ الْخِدَاعِ!»، ضعوا ألفًا ولامًا فتصبح عربيّة! «الْخِدَاعِ!»، ولا «عَلِيٌّ مَعَ الـ...!» ضعوا ألفًا ولامًا في كلّ مكان لنجعلها عربيّة! كلاّ! «عَلِيٌّ مَعَ الْحَقِّ!».

    1. راجع: الروح المجرّد، ص ٣٤٦، تحقيق للحقير حول سير وسلوك الأفراد من الأديان والمذاهب.

المراقبة الصادقة والتسليم مفتاح البصيرة وانكشاف الحقائق - حقيقة معيّة أمير المؤمنين عليه السلام للحقّ وسقوط وهم المصلحة الكاذبة أمام الصدق المطلق

9
  • وهم المصلحة الكاذبة في مقابل وجوب الالتزام بالصدق

  • هكذا كان أولياء الله تعالى. كان الحقّ دائمًا نصب أعين أولياء الله، ولم يكترثوا للون والبشرة والشعر والمظهر واللباس. هذا هو الفارق بين وليّ الله وغير وليّ الله! فغير وليّ الله ينظر إلى ما تقتضيه المصلحة! ماذا؟! وهل لديكم مصلحة أسمى من الصدق يا عزيزي؟!

  • أحيانًا، تطرأ لي بعض المسائل؛ مثل هذه القضايا التي أقول فيها: «حسنًا، إذا قلتُ الصدق أو طرحتُ المسألة بهذا [الشكل الذي هي عليه]، فقد يُخدش اعتقادُ فلانٍ!». ثمّ أقول في نفسي: ما شأنك إن كان سيُخدش؟! إلى الجحيم! فليُخدش! لماذا تكذب أنت؟! لماذا يجب أن تكذب؟! وهل الأمر بيدي؟! الأمر لله، لعليّ، لإمام الزمان، فما شأني أنا؟! لماذا تكذب أنت؟! لماذا تخفي؟! [لماذا] تستر الأمر؟! كي لا يتزعزع اعتقاده؟! لا أريده أن يبقى لمائة عام! ذلك الاعتقاد الذي سيحصل لأحدهم بالكذب، لا أريده أن يكون لمائة عام! أيّة مصلحة تلك التي يجب أن تبقى بالإخفاء؟ هذا هو الواقع يا سيّدي! لِيَزُل اعتقادُه، فليزُل! لا أريده أن يكون في الأساس! لا أنّه سيزول، بل لا أريد أن يكون مثل هذا الاعتقاد بتاتًا، حتّى أضطرّ للكذب لكيلا يزول اعتقاده! [وأقول:] «كلاّ! ليس من الصلاح الآن!».

  • إلى متى تريد أن يبقى هذا الاعتقاد؟! أوّلاً، هل إنّ الاعتقاد بهذا الشكل سيدوم دائمًا؟! نحن بسطاء جدًّا! ألن تحدث أيّة قضيّة؟! ألن تأتي أيّة واقعة لتقلبه؟! هل سيبقى هكذا حتّى النهاية؟! والحال أنّه لا يوجد شيء كهذا، ولم يكن، ونرى أنّه ليس كذلك. ثانيًا: ألن يأتي هذا الرجل غدًا ليقول لك: «لقد خُنتني»؟! لماذا أبقيتني في الجهل بإخفائك هذا؟! فماذا سيكون جوابك؟! ستقول: «أنا لم أقُل ذلك من أجلك!». [سيقول:] «وما شأنك أنت؟! هل أنت وليّي؟! هل أنت القيّم عليّ؟! هل أنت إلهي؟! هل أنت الملكان الرقيب والعتيد عليّ؟! مَن تكون أنت حتّى تأتي [وتكذب عليّ] من أجل اعتقادك؟! ولماذا خُنتني في الأساس؟! لماذا لم تقُل لي الحقّ؟! لماذا أخفيت؟! [يقول:] «أنا أمسكت [رعايةً لمصلحتك]! كتمت [من أجل صلاحك]!» [قلت:] «ليس من الصلاح! ليس من المصلحة!». أظنّ أنّ أكثر الكلمات استعمالاً بيننا هي هذه «الصلاح» و«المصلحة»!

المراقبة الصادقة والتسليم مفتاح البصيرة وانكشاف الحقائق - حقيقة معيّة أمير المؤمنين عليه السلام للحقّ وسقوط وهم المصلحة الكاذبة أمام الصدق المطلق

10
  • حسنًا، ما هذه القضيّة؟ هذا لأنّ «الْحَقّ مَعَ عَلِيٍّ وَعَلِيٌّ مَعَ الْحَقِّ!». فأينما كان الحقّ، يجب أن تضعوا عليًّا إلى جانبه هناك! لننظر إلى حديث الزوج والزوجة في المنزل، ماذا؟! [انظروا] هل عليٌّ الآن إلى جانب زوجتك أم إلى جانبك! احذروا! لا تقولوا: «لأنّها امرأة، فلا بأس، دعني أظلمها! دعني أصرخ في وجهها! دعني أتنمّر عليها!». كلاّ! بمجرّد أن تتنمّر عليها، يذهب عليّ، ويجلس إلى جانب زوجتك! يقول: «أنا في ذلك الجانب! أنا معها! لست معك!». لو كانت لدينا عين باطنيّة، لرأينا عليًّا إلى جانبها! وبالعكس، إذا أرادت هي أن تتنمّر علينا، ورأينا أنفسنا مظلومين، وشعرنا [بالمظلوميّة]، يأتي عليّ ويجلس إلى جانبنا! [افترضوا] أنّنا نصبر، ونتحمّل من أجل بعض المصالح؛ سيأتي هو، ويجلس إلى جانبنا. ماذا يقول؟ يقول: «أنا مع المظلوم! لست مع الظالم!».

  • وهكذا الحال مع الرفيق والشريك؛ فبمجرّد أن تريدوا تحريف المسألة [فإنّ عليًّا ليس إلى جانبكم]! يأتي البعض إليّ، يريدون أن يقولوا لي أمرًا، فيبدؤون أوّلاً بالتفكير في أنّه: كيف نتكلّم؟ ومن أين نبدأ الكلام، حتّى نخلط الأمر على السيّد؟! نقول هكذا، ونقول هكذا! في هذه الحالة، فإنّ الشيطان واقف إلى جانبك! وحينئذٍ، فإنّ عليًّا يذهب، ويقف إلى جانب ذلك الذي وقع عليه الظلم في الجانب الآخر، والذي يُذمّ [كَذِبًا] من قِبل ذاك! ففي كلّ مكان، وفي أيّة قضيّة، وسواء تعلّق الأمر بالعالِم أو غير العالِم، بالمرأة أو الرجل، بالمحجّبة أو السافرة، بالملتزم أو غير الملتزم، بالصغير أو الكبير، [لا فرق؛ القضيّة هي نفسها]!

  • حادثة مسجد القائم ومغادرة الحقّ لمجالس الظلم

  • في إحدى السنوات، وقع حادث في طهران.. في زمان الشاه نفسه (الزمان السابق)، حيث كنت صغيرًا حينها. في هذا المسجد الذي كان المرحوم العلاّمة يُصلّي فيه (مسجد القائم)، كانت هناك مواكب عزاء في أيّام التاسع والعاشر من المحرّم، حيث كان الناس يخرجون، ثمّ يعودون إلى هنا، ويُقدَّم لهم الطعام. وعندما كانوا يُقدّمون الطعام، كانت النساء يذهبن مع أطفالهنّ إلى الطابق العلويّ للمسجد؛ وكانوا يقدّمون الطعام للطابق السفليّ وللطابق العلويّ أيضًا. في إحدى السنوات ـ وكأنّه كان يوم التاسع أو العاشر ـ أتوا، وقدّموا طعام الطابق السفليّ (لهؤلاء الذين خرجوا للعزاء وعادوا). وبعد ذلك، أخذوا القدور وباقي الطعام ـ الذي كان بكميّة كبيرة أيضًا ـ إلى موكب آخر. كانوا قد أخبروا موكبًا ما بأنّنا سنُحضر لكم الطعام، حيث قالوا لهم مثلاً: أنتم ضيوفنا وما شابه. [ولم يصل الطعام إلى هذا الطابق العلويّ]. كانوا يقولون: إنّ أولئك الأطفال المساكين كانوا ينظرون من ذلك الطابق العلويّ هكذا إلى هذه الأطعمة حينما أخذوها، وذهبوا بها إلى الموكب؛ وبعد ذلك، قالوا أيضًا: «لقد نفد الطعام!»، وعاد هؤلاء [الأطفال والنساء دون طعام]!

المراقبة الصادقة والتسليم مفتاح البصيرة وانكشاف الحقائق - حقيقة معيّة أمير المؤمنين عليه السلام للحقّ وسقوط وهم المصلحة الكاذبة أمام الصدق المطلق

11
  • عندما سمع المرحوم العلاّمة بهذا، يعلم الله أيّة حالة أصابته! لقد أُصيب بالحمّى لأيّام، ومرض، ولم يأتِ إلى المسجد! وبعد ذلك، طرد أولئك الأفراد الذين كانوا مُتَوَلّين لهذه المسائل لأشهر أصلاً. وعندما كان أحدهم يُخبره بهذه المسألة، خفت أن يُصاب بجلطة آنذاك! أي إنّ لونه أصبح شاحبًا جدًّا، حتّى قلت إنّه سيتعرّض لمكروه الآن! حسنًا، كان لونه أحمر، وكان يُعاني من ضغط الدم؛ فأصبح شاحبًا تمامًا! وكان يقول هكذا: «لا إله إلاّ الله!»، «لا إله إلاّ الله!».

  • أي إنّ مثل هذه الجناية لم تكن مقبولةً عنده أبدًا! مثل هذه الجناية! في مكان باسم سيّد الشهداء عليه السلام، تتحقّق مثل هذه الجناية في حقّ الأطفال الأبرياء، والنساء الجائعات البائسات والفقيرات اللواتي كنّ هناك، [لم يكن هذا مقبولاً لديه]! لأنّ أولئك الذين كانوا يأتون إلى هناك من عباد الله لم يكونوا يملكون شيئًا. ينظر هؤلاء من الأعلى هكذا، ويأكل هؤلاء الأفراد في الأسفل هكذا! وبعد ذلك، يقولون: «لقد نفد الطعام! أتيتم عبثًا! انهضوا واذهبوا!».

  • حسنًا، مجلس مَن هذا؟ إنّه يُصبح مجلس يزيد! لم يعُد هذا المجلس مجلس الإمام الحسين عليه السلام! هذا المجلس في مسجد القائم! اسم وليّ الله على هذا المسجد! اسم الإمام الحيّ على هذا المسجد! يوم التاسع من المحرّم متعلّق بالإمام الحسين وحضرة أبي الفضل عليهما السلام! الموكب موكب لطم! ذهبوا للطم، وعادوا! هذا في محلّه، ولكنّ المجلس الآن أصبح مجلس يزيد! مجلس الشمر! مجلس عمر بن سعد! فكّروا بما شئتم! عمر بن سعد هو مَن يتولّى الضيافة في هذا المجلس، وليس حضرة أبي الفضل، ولا حضرة عليّ الأكبر [عليهما السلام]! الشمر هو مَن يُباشر الضيافة في هذا المجلس! يزيد هو مَن يقوم على الضيافة في هذا المجلس! «عَلِيٌّ مَعَ الْحَقِّ وَالْحَقُّ مَعَ عَلِيٍّ»؛ فعليّ ليس في هذا المجلس، ولا يضع قدمه فيه!

  • دلالتان عظيمتان لمقولة العلاّمة الطباطبائيّ حول مرافقة الحقّ

  • يجب عليكم أن تُسرّوا هذه القضيّة في جميع الموارد، ولا تنظروا إلى الظاهر بعد الآن! لا تنظروا إلى كيفيّة الظاهر بعد الآن! في أيّة قضيّة، بمجرّد أن يأتوا ويقولوا: «يا سيّد، فلان وفلان [لديهما] مسألة [كهذه]»، وجّهوا أذهانكم إلى «الْحَقُّ مَعَ عَلِيٍّ»! وانظروا إلى تلك الواقعة من هذه الرؤية. حينها، سيحصل الإنسان على أشياء. هذه مسألة. فقول المرحوم العلاّمة الطباطبائيّ: «الحقّ معه والحقّ مع عليّ» هو بسبب هذا. قولكم الآن: «الحقّ معه»؛ لأنّ عليًّا معه! يجب أن ننسب الحقّ إلى مَن هو له «بالأصالة وبالذات»، لا بالعرض! ولماذا لا ننسبه؟! فلو كنّا مكان العلاّمة، لربّما قلنا: «الحقّ مع عليّ والحقّ معه!»؛ أي: لقدّمنا عليًّا أوّلاً؛ لأنّ الحقّ يرتبط بعليّ بالأصالة. وبالعرض أيضًا، عندما نكون في ذلك المجرى، سيُصيبنا ـ بطبيعة الحال ـ نحن أيضًا شيء. الحقّ مع عليّ والحقّ معه. هذه مسألة.

المراقبة الصادقة والتسليم مفتاح البصيرة وانكشاف الحقائق - حقيقة معيّة أمير المؤمنين عليه السلام للحقّ وسقوط وهم المصلحة الكاذبة أمام الصدق المطلق

12
  • ثانيًا: أنّه ربّما كان مراد المرحوم العلاّمة [الطباطبائيّ] في الأساس هو كالآتي: أنّ هذا الرجل الذي يقول هذا الآن، من أين أتى به؟ لقد أتى به من عليّ! ففي الوهلة الأولى، أتى عليّ، وساق ذهن ذلك الرجل ونفسه نحو هذا الاتّجاه، وانتهت نتيجة الأفكار والقضايا الموجودة في ذهن ذلك الرجل إلى هنا. فمَن الذي فعل هذا؟ عليّ هو مَن فعل هذا! لو لم يكُن عليّ، لما استطاع أن يفعل هذا! لو قطع عليّ يد عنايته عنه، ورفع نظره عنه، لما وصل هو [ذلك العالِم] إلى مثل هذه المسألة الفلسفيّة الدقيقة، ولما توصّل إلى مثل هذه النتيجة الصحيحة! إذن، يجب أن نقول اولا: «بالأصالة، الحقّ مع عليّ»؛ وبعد ذلك، نقول: حسنًا جدًّا، الآن، بما أنّ هذا الرجل قد نال عناية أمير المؤمنين عليّ عليه السلام ولطفه، وتجلّت له مسألة الحقّ هذه، فإنّنا ننسبها إليه! فلا عيب ولا إشكال كبير في هذا هنا.

  • حسنًا، نكل تتمّة هذا الكلام للغد إن شاء الله تعالى.

  • يجب الاستفادة من كلمات هؤلاء العظماء والانتفاع بها، وينبغي ألاّ يقرأها الإنسان هكذا، ويمضي قُدُمًا؛ بل يجب أن يجعلها استراتيجيّة ويُطبّقها على نفسه.

  • لزوم التعبّد الدقيق بأحكام الشريعة ومناسك الحجّ

  • التلميذ: من أجل الوقوف في المشعر، يُركبون الحجّاج في الحافلات، ويأخذونهم مباشرةً إلى منى. يأخذونهم ليلاً أيضًا، فلا يتسنّى لهم جمع الحصى؛ لأنّهم لا يُنزلونهم. غالبًا ما يكون الأمر هكذا، فماذا يجب أن يفعل هؤلاء؟

  • ـ يأخذونهم مباشرةً إلى منى؟

  • التلميذ: ليس مباشرةً!

  • ـ حسنًا، فلينزلوا من الحافلة هناك في المشعر.

  • التلميذ: لا يأخذونهم إلى المشعر، بل يتحرّكون بالحافلة من المشعر، ولا ينزلون.

  • ـ نعم! أي مجرّد المرور بالمشعر فقط.

  • التلميذ: نعم

  • ـ حسنًا، نعم، في صورة ما يُصطلح عليه بـ...

  • التلميذ: يأخذون الجميع بصورة اضطراريّة... إذا كان هناك ازدحام.

  • ـ كلاّ! هذا باطل! يجب أن يجمعوا [الحصى] من منى نفسها. يجب أن يكون الحصى من الحرم، من منى نفسها، من هناك يُجمع الحصى.. فهو موجود، والحصى كثير.

  • التلميذ: على الأرض...

  • ـ نعم. الحصى الذي يرمون به يجب أن يكون من الحرم. وإن لم يتسنّى لهم ذلك من المشعر، فلا يُمكن. الفضيلة تكمن في المشعر.

المراقبة الصادقة والتسليم مفتاح البصيرة وانكشاف الحقائق - حقيقة معيّة أمير المؤمنين عليه السلام للحقّ وسقوط وهم المصلحة الكاذبة أمام الصدق المطلق

13
  • التلميذ: لم يعُد جائزًا؟

  • ـ كلاّ! عندما أتوا به، لم يعُد فيه إشكال. إخراج الحصى نفسه من الحرم فيه إشكال، أمّا الآن وقد عاد ودخل الحرم، فلا. لقد ارتكب ذنبًا، ولكن...

  • التلميذ: من كان لأجل... عندما يكون هناك وقت، فماذا يفعل؟

  • ـ لا، حسنًا، يتغيّر الأمر. نعم إذا كان له آثاره، حسنًا، فهو استصحاب الموضوع نفسه.

  • التلميذ: أي في الوقت نفسه أيضًا؟

  • ـ نعم. إلاّ أن تختلف الخصوصيّات؛ وحينئذٍ، يترتّب عليه حكم الاستحاضة.

  • انظروا إلى هذه القضيّة نفسها الآن. حسنًا، ما لدينا في الشرع هو تهيئة الحصى من المشعر. في منى يوجد حصى أيضًا. لماذا يقول النبيّ صلّى الله عليه وآله: «يجب أن تأخذوا الحصى من المشعر»؟ نحن لا نلتفت إلى هذه المسائل بتاتًا. نريد فقط أن يكون لدينا هذا الحصى ونرمي به. الآن، كون أنّنا نُخرج هذا الحصى، ونأتي به إلى عرفات، فهذا حرام. أنتم [تُخرجون] الحصى؛ ورغم أنّ ذلك بنيّة الرمي؛ ولكن في النهاية، إخراج ما يتعلّق بالحرم (إخراج الحرميّات) حرام. ولا يُمكنكم إخراج حصى الحرم إلى خارج الحرم. فكلّ لحظة بقاء واستمرار وجود [لهذا الحصى] في خارج الحرم حرام. الآن، لا شأن لنا بهذا. عندما يكون لدينا في الشرع أن: «اجمعوا الحصى من المشعر»، فلماذا لا يجب علينا أن نلتزم بهذا الحكم؟! في النهاية، ما هذا المرض الذي أصابنا؟ أي: هل نحن نفهم أكثر من الشارع؟! فنجدهم يقولون: «خذوا الحصى، وكسّروه، واجعلوه قطعًا صغيرة.. خذوه من جبال مكّة وما شابه، وأحضروه معكم»! أي: هل نحن نفهم أكثر من الشارع؟! يقول: «يجب أن يُخرج من المشعر!». وانتهى الأمر. حسنًا، يُمكن للإنسان أن يأتي ويجمع [الحصى]؛ فالجميع يفعلون هذه الأمور. حسنًا، لا بدّ من وجود فائدة وخصوصيّة في هذا الأمر، ويترتّب عليه أثرٌ لا يترتّب على حصى الحرم في غير المشعر. لكنّهم [يقولون:] هو متعلّق بالحرم، فليكُن! فيأخذون ما يتعلّق بالحرم، ويتركون ما يتعلّق بالمشعر.

  • حسناً، نتيجة هذه الرؤية هي أنّك تستمرّ في الاقتطاع، وتقتطع، وتقتطع، تقتطع من الجذور والفروع! وذلك الحجّ الذي يكون من نصيب ذلك المسكين البائس يقتصر على مجرّد الذهاب والإياب فقط، ولا يعود هناك أيّ أثر أو شيء آخر يُذكر في هذه الحالة. ما قاله الشارع، يجب قبوله كما هو. انتهى الأمر ومضى! أحيانًا يقولون: «يا سيّدي، لا يُمكن بتاتًا جمع الحصى في المشعر بسبب الاضطرار وما شابه؟». يتغيّر حكم هذه المسألة، يتبدّل، وتتحوّل مسألتها إلى شيء آخر. اذهبوا، واجمعوه من منى، فالحصى متناثر بكثرة في منى، وهناك حصى ورمل وجبال وما شابه في كلّ مكان هنا وهناك. فلنذهب، ونجمع الحصى من الجمرات نفسها بجانبها. في هذه الحالة، لا إشكال في أخذ هذه الحصى.

المراقبة الصادقة والتسليم مفتاح البصيرة وانكشاف الحقائق - حقيقة معيّة أمير المؤمنين عليه السلام للحقّ وسقوط وهم المصلحة الكاذبة أمام الصدق المطلق

14
  • التلميذ: من على الأرض...؟

  • ـ نعم.

  •  

  • اللهمّ صلِّ على محمّدٍ وآل محمّدٍ