4

وحدة الشريعة والطريقة في الإسلام

ترابط الأحكام الإلهيّة مع الخصائص النفسيّة للمخلوقات

1
مشاهدة المتن

المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني

القسممباني الإسلام

المجموعةالولاية التكوينية و التشريعية

التاريخ 1413/01/04

جلسات المجموعة(9 جلسة)

التوضيح

هل كلّ موجود في هذا العالم، حتّى النحل، له شريعة وطريق خاصّ؟ وما العلاقة بين الشريعة والطريقة في الإسلام؟ وهل يمكن للأحكام أن تختلف من شخص لآخر؟ تُجيبك هذه المحاضرة التي عقدها آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ في ضمن سلسلة محاضرات الولاية التكوينيّة عن هذه الأسئلة التي تبحث في جوهر النظام التكوينيّ الإلهيّ.

/۲۰
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

وحدة الشريعة والطريقة في الإسلام - ترابط الأحكام الإلهيّة مع الخصائص النفسيّة للمخلوقات

1
  •  

  • هو العليم

  •  

  • وحدة الشريعة والطريقة في الإسلام

  • ترابط الأحكام الإلهيّة مع الخصائص النفسيّة للمخلوقات

  •  

  • الولاية التكوينيّة - الجلسة الرابعة

  •  

  • محاضرة ألقاها

  • آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ

  • قدّس الله سرّه

  •  

  •  

وحدة الشريعة والطريقة في الإسلام - ترابط الأحكام الإلهيّة مع الخصائص النفسيّة للمخلوقات

2
  •  

  •  

  • أعوذُ بِالله مِن الشّيطانِ الرّجيم

  • بسمِ الله الرّحمنِ الرّحيم

  • الحَمدُ لله رَبِّ العالَمين بارئِ الخَلائقِ أجمَعين 

  • ثُمَّ الصَّلاةُ والسَّلام علیٰ سَيّدنا ونَبيّنا 

  • وحَبيبِ قُلوبِنا وطَبيبِ نُفوسِنا 

  • أبي القاسمِ المُصطَفیٰ محمد

  • و علیٰ آلهِ الطَّيبينَ الطّاهِرين المَعصومين المُکَرَّمين

  • وَاللعْنَةُ علیٰ أعدائِهِم أجمَعين إلی یَومِ الدّين

  •  

  •  

  • ارتباط الموجودات ببعضها مع امتلاكها وجودًا مستقلاًّ

  • [يقول الله في القرآن الكريم:] 

  • ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾۱

  • إنّها أيّام عزاء سيّد الشهداء عليه السلام. لرفع الشدائد عن شيعة أمير المؤمنين والبلاد الإسلاميّة وللتعجيل في ظهور حضرة بقيّة الله عليه السلام، صلّوا على محمّد وآل محمّد.

  • أشرنا إلى أنّ جميع الموجودات قد خُلقت متفاوتةً عن بعضها بناءً على نمطٍ خاصّ تقتضيه إرادةُ الله تعالى ومشيئته، وأنّ لكلٍّ منها مكانًا في عالم الوجود مستقلاًّ عن الآخر ومرتبطًا به في الوقت نفسه؛ أي أنّ لكلٍّ منها وجودًا خاصًّا به، له صلة بمكانته الخاصّة، غير أنّ هذا الوجود متّصلٌ ومرتبطٌ ببقيّة الموجودات، بحيث لا يمكننا أن نفصل موجودًا من موجودات هذا العالم أو ننتزعه أو ننفيه أو نزيله أو نتجاهله؛ فلا نستطيع فعل ذلك. 

  • ومن بين جميع الموجودات، الجمادات هي وحدها التي وإن كانت تمتلك شعورًا وإدراكًا، إلاّ أنّها لا تملك إرادة ومشيئة من نفسها في أفعالها وتأثيراتها وتأثّراتها؛ وكلّ ما تتعلّق به إرادة الله فإنّها تعمل وفقه.

  • امتلاك الحيوانات للاختيار والحساب يوم القيامة

  • يُمكن القول إلى حدٍّ ما إنّ الحيوانات تملك إرادة من نفسها، وتعمل وفق الشاكلة التي وضعها الله تعالى في وجودها. طبعًا، قد تتجاوز الحدود في بعض الموارد أيضًا، فتُساءل وتُحاسب وتُعاقب. مثلاً، هناك رواية عن الإمام الصادق عليه السلام يقول فيها: «مَا مِنْ طَيْرٍ يُصَادُ إِلاّ بِتَرْكِهِ التَّسْبِيحَ»٢؛ أي: إنّ كلّ طائرٍ يُصاد في وقتٍ ينسى فيه ذكر الله. ولدينا روايات عديدة أيضًا تُفيد بأنّ للوحوش والطيور أيضًا حسابًا وكتابًا في قيامتها الخاصّة٣. [يقول القرآن الكريم:] ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾٤؛ إنّها تُحشر، ويجب أن تُحاسب.

    1. سورة المائدة، الآية ٤۸.
    2. الكافي، ج ٣، ص ٥۰٥.
    3. بحار الأنوار، ج ۷، ص ٢۷٦.
    4. سورة التكوير، الآية ٥.

وحدة الشريعة والطريقة في الإسلام - ترابط الأحكام الإلهيّة مع الخصائص النفسيّة للمخلوقات

3
  • آيات القرآن حول خلقة النحل وكيفيّة عمله

  • يقول تعالى في آية قرآنيّة بخصوص خلقة النحل وكيفيّة عمله: ﴿وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ﴾۱

  • لقد أوحى الله تعالى إلى النحل.. نفس الوحي الذي يرسله إلى الأنبياء. ﴿وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ أوحى إليها أن اصنعي لنفسك عشًّا في الجبال وعلى الأشجار والأسطح. والآن، بعد أن بنيتِ العشّ وهيّأتِ مكانك، ﴿ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ اذهبي وكُلي من الثمار، واستخدمي الأزهار ورحيقها، ﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً﴾ وسيري في نفس الطريق والمسار الذي حدّده لك ربّك! إذا أردتِ أن تختاري زهرةً، فاختاري الزهرة طيّبة الرائحة والمفيدة، وإذا أردتِ أن تأتي بطعامٍ لهذه الخليّة، فأتِ بطعامٍ يُرضي الله، وسيري في الطريق الذي وضعه الله فيك! فلا ينبغي أن تستخدمي الأزهار كريهة الرائحة، ولا تستخدمي الأزهار التي لا خاصيّة لها، بل قد تكون مضرّة! فإن استخدمتِها، فإنّنا نضع حارسًا على باب الخليّة ليقسمكِ نصفين!

  • حكاية من عجائب النحل

  • للنحل حكاياتٌ وعجائب؛ والذين يتعاملون مع هذه الأمور ينقلون مسائل ويبيّنون أمورًا. في إحدى المرّات، ذهبنا إلى أصفهان، فأَخَذَنا [شخصٌ] إلى خليّة نحله، وعلّمنا ما هي وظيفة هذه النحلة وما هي وظيفة تلك. خلاصة القول، لقد لسعت النحل بعض أصدقائنا! ولكن بما أنّنا من أولاد النبيّ، فلم تتعرّض لنا!! [طبعًا] كان الأمر كذلك هناك، [ولكن] لعلّ حيوانات أخرى تأتي لخدمتنا، وقد أتت! رأيت هناك أنّ بضع نحلاتٍ تتحرّك وتدور باستمرار عند مدخل ذلك العشّ؛ فقلت: «ما هذه؟». قالوا: «هذه حارسات هذه الخليّة؛ فكلّ نحلة تأتي وتريد أن تمرّ من هذه الفتحة وتدخل الخليّة، يشمّونها، فإن كانت قد استخدمت زهرة غير طيّبة، قسموها نصفين!». هذا [معنى] ﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ﴾! ثمّ أرانا خليّةً كانت بعض النحلات تتغذّى فيها، وتُفرّغ تلك المواد والرحيق في أوعيتها الخاصّة. رأيت أنّ بعض هذه النحلات تدور هكذا وتذهب هنا وهناك ولا تفعل شيئًا! فقط تذهب وتأتي وتطير باستمرار. قال: «هذه تُعلّمن النحلات الأخرى مسار الأزهار التي يجب أن يذهبن إليها ويشممنها. إنّها تعمل عمل الرادار، وتذهب أوّلاً للاستطلاع». عندما تريد مجموعةٌ [من الناس أثناء الحرب] أن تهجم، تذهب مجموعةٌ قبلها وتستطلع جيّدًا أيّ ميدان وطريق فيه خطر: من أين من الأفضل أن يتحرّك الجيش، ومن أين يمكن للجيش أن يذهب؛ و[بعد ذلك] يضعون الخارطة تحت تصرّف الأفراد الذين يريدون التحرّك نحو القتال والحرب، [ويقولون]: «اذهبوا من هنا. توقّفوا هناك. تحرّكوا هناك ليلاً وهنا نهارًا، هنا يوجد هذا المانع»، وأمثال ذلك. لدى نحل العسل مثل هذه الأشياء. يُطلق على هذه المجموعة «نحل الاستطلاع». يذهبن ويستطلعن الأزهار، فيعرفن أنّه على بعد فرسخٍ أو بضعة كيلومترات، في ذلك الوادي أو البستان أو المنزل، توجد زهرةٌ فلانيّة بهذه الخاصيّة، وهي صالحةٌ للاستخدام. عندما يستطلعن، يأتين إلى هنا. حسنًا، كيف ينقلن ذلك إلى هذه النحلات؟! لقد ذهبن هنّ، ولكنّ هذه النحلات لم تذهبن! [لذا] يبدأن بالتحرّك بحركاتٍ هندسيّة بين هذه النحلات. فإن تحرّكت من هذا الطريق، فهذه إشارة إلى الشمس؛ [أي] «اذهبي باتّجاه الشمس!». ثمّ إن ذهبت من ذلك الطريق [فيعني] «يجب أن تنعطفي بزاوية تسعين درجة!». وإن تحرّكت من تلك الجهة [فيعني] «يجب أن تعودي إلى الخلف وتتقدّمي إلى الأمام، حتّى تصلي إلى تلك النقطة!».

    1. سورة النحل، الآيتان ٦۸-٦٩.

وحدة الشريعة والطريقة في الإسلام - ترابط الأحكام الإلهيّة مع الخصائص النفسيّة للمخلوقات

4
  • هذه هي نحلة الاستطلاع. عندما انتهت حركة هذه [النحلات الاستطلاعيّة]، نهضت جميعها فجأةً وتحرّكت نحو الوجهة التي يجب أن تذهب إليها.. هذا هو معنى ﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ﴾.

  • عدم وجود فرق في كيفيّة نزول الوحي على الأنبياء وعلى النحل

  • إذن، ﴿وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ يعني؛ يا عزيزي! لقد أوحى الله [للنحل]. أجل، «وحي»! فكما كان يوحي للأنبياء، أوحى لهذه أيضًا، فما الإشكال في ذلك؟ الوحي هو الوحي.

  • الآن، يأتي البعض ويفسّرون هذا ويفسّرون ذاك؛ يأخذون الوحي بمعنى آخر ومعنى مجازيّ: «المقصود هو أنّ الله خلقهنّ هكذا»، لا يا عزيزي، لقد وضع فيهنّ شعورًا وفهمًا وأوحى إليهنّ. «يا عزيزتي، اذهبي وقومي بهذا العمل»، تمامًا كما كان يوحي للأنبياء. «اذهب وبلّغ هذا الحكم»، فعل مع هذه [النحلة] الشيءَ نفسَه. فلماذا يكونان أمرين مختلفين؟ وما الإشكال في أن يكون [أمر واحد] في كليهما؟

  • إنّ للوحي معنى عامًّا: تارةً يكون ذلك المعنى بلسان «صلِّ وصُم وحُجّ وزكِّ»، وتارةً يكون بمعنى: «قُم بهذا العمل»، فيقول لنفس هذه النحلة: «لا تقم بذلك العمل!». فكلاهما حكمٌ، [ولكنّ] حكمهما يختلف؛ فهو يأمر الأنبياء بهذا النحو ويأمر النحل بذلك النحو.۱ ﴿وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ كلّ هذا قائمٌ على أساس تلك الغرائز والشاكلة التي وضعها الله في وجودها، وهذه النحلة تفهمها؛ فتفهم أنّها يجب أن تستخدم الزهرة الفلانيّة، وإن لم تستخدمها، فسيُقبض عليها عند مدخل الخليّة! وهذا يدلّ على أنّ حضرة النحلة هذه لها شعورٌ وإدراك، ويجب أن تتحرّك وفق الشريعة والطريقة التي قرّرها الله لها. ولهذا، فإنّها تفهم، ولديها شعور بما تفعله؛ فلا ينبغي أن يُؤدّي صغرُ حجمها إلى أن نعتبر هذه المسألة منتفيةً فيها.

  • حكاية إيصال النحلة الرزق لعصفور أعمى

  • تذكّرت الآن قضيّةً [روايتُها] لا تخلو من لطفٍ. لقد سمعت هذا الموضوع من نجل المرحوم [آية الله الشيخ محمد جواد] الأنصاريّ رضوان الله عليه، حيث قال: 

  • قال والدي لي: في أيّام الطفولة (سنّ الثامنة أو التاسعة)، كانت لدينا مزرعة خارج همدان نزرع فيها القمح والشعير، حيث كان والدي مزارعًا. وعند الحصاد، كنّا نجمع القمح على شكل أكوام، حتّى يأتي موظّف الدولة ويفرض لنا، ويأخذ مقدارًا معيّنًا من الضريبة. خلاصة القول، عندما كانت الدولة تسمح لنا بالتصرّف فيه، كنّا نحمل القمح إلى همدان، ونعرضه للبيع والشراء وأمثال ذلك. ولكي يكون هذا القمح بعيدًا عن معرض الآفات، كنّا نتردّد إلى هناك باستمرار؛ فكنت أذهب بنفسي إلى هناك، وأتفقّد ذلك القمح حتّى يأتي والدي. ذات يومٍ، كنت أحرس هذه [الأكوام] ومشغولاً بعملي، فرأيت فجأةً إحدى هذه النحلات الكبيرة والضخمة جاءت ودارت حول كومة القمح عدّة مرّات [حتّى] أخذت حبّة وذهبت. تعجّبت كثيرًا [وقلت في نفسي]: «لا يوجد تناسب بين النحلة الكبيرة والقمح! فغذاء النحلة ليس هو القمح!». وبعد مدّة، رأيتها جاءت مرّة أخرى، وبدأت بالدوران، وأخذت حبّة قمح أخرى وذهبت! زاد تحفّزي [لأعرف] ما القضيّة. لم تمضِ لحظات، حتّى رأيت هذه النحلة جاءت مرّة أخرى، وأخذت واحدة أخرى! هذه المرّة قلت: «يجب أن أتبعها وأرى ما شأنها!». ركبت الفرس، وتحرّكت بسرعة نحو النحلة، فرأيتها تحرّكت من داخل أحد أزقّة البساتين كان هناك، ودخلت بستانًا. نزلتُ فورًا عن الفرس، وذهبت بسرعة حتّى لا أفقدها. رأيتها صعدت إلى أعلى أحد الأسقف، فبقيت هناك قليلاً ثمّ عادت. [قلت في نفسي]: «ستعود حتمًا. سأصعد إلى هناك وأرى ما الخبر». تحرّكتُ وأمسكتُ بعارضة الغرفة٢ وصعدتُ. وفي هذه اللحظة، عادت تلك النحلة مع حبّة قمح أخرى. عندما نظرتُ جيّدًا، رأيت أنّه عشّ عصفور. أخرج عصفورٌ رأسه من العشّ، ووضعت هذه النحلةُ حبّةَ القمح في فمه وذهبت! رأيتُ أنّ العصفور أعمى ولا عينين له! لقد أمر الله هذه [النحلة] بأن تُؤمّنَ رزق هذا العصفور من القمح!

    1. لمزيد من الاطّلاع، راجع: معرفة الإمام، ج ۱، ص ٢۱۸؛ معرفة المعاد، ج ۷، ص ۱٩۸؛ أفق وحي (فارسي)، ص ٢٤٦.
    2. من تلك الغرف التي يُشيّدونها داخل البساتين.

وحدة الشريعة والطريقة في الإسلام - ترابط الأحكام الإلهيّة مع الخصائص النفسيّة للمخلوقات

5
  • حينئذ، أفلا يكون نظام العالم مترابطًا؟! ألا تفهم تلك النحلة ما تفعله؟! عصفورٌ أعمى ملقى على سقفٍ مهجور في بستان، ونحلةٌ ضخمة يمكنها أن تلسع هذا العصفور وتقتله، [ولكنّ] الله يجعل عدوّ العصفور مأمورًا بحفظ حياته! فيجب على جميع الأشياء أن تتحرّك على أساس الخصوصيّة والشاكلة التي وضعها الله تعالى فيها، حتّى يصل كلٌّ منها إلى ذلك القصد والكمال المترتّب على وجوده.

  • معنى الشريعة واختلافها في كلّ أمّة

  • يقول الله تعالى لنبيّه الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم في آية قرآنيّة: 

  • ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾۱؛ أي: أيّها النبيّ، لقد شرّعنا لك، وجعلنا لك طريقًا [خاصًّا]؛ وهو نفس المسار الذي جعلناه طريقًا للأنبياء السابقين، ونفس المسار والشريعة التي جعلناها لنوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام. 

  • فيُستفاد من هذه الآية أنّ الأنبياء أولي العزم وأصحاب الرسالات هم هؤلاء الخمسة: حضرة نوح، حضرة إبراهيم، حضرة موسى، حضرة عيسى، وحضرة النبيّ الأكرم عليهم السلام٢. فهؤلاء كانوا أصحاب شريعة؛ أي أصحاب حكم وأحكام. فالشريعة عبارة عن: الطريق إلى الباطن والكمال. وعندما ندقّق في [أحوال] الأمم السابقة، نرى أنّ الله تعالى قد جعل لهم أحكامًا ثابتة لا تتغيّر ومشتركة؛ مثل الصوم٣ والصلاة٤ اللذين هما مشتركان بين أمّة النبيّ والأمم السابقة، ولكنّ الحجّ ليس كذلك؛ إذ لم يكن لديهم حجّ٥. على كلّ حال، لدينا أحكامٌ مشتركة بين أمّة النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم والأمم السابقة؛ ولكن، لدينا أيضًا أحكامٌ لم تكن [مشتركة]. فمثلاً، الصوم الذي شُرّع لأمّة النبيّ كان يختلف عن صومهم، حيث كان لديهم صوم الصمت. فعندما كانوا يصومون، لم يكونوا يتكلّمون مع أحد،٦ ومثل هذا الصوم محرّمٌ في أمّة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم۷. وكان لديهم صوم الوصال؛ أي: كان عليهم ألاّ يأكلوا شيئًا من هذا الإفطار إلى ذلك الإفطار؛ لكن، ليس لدينا مثل هذا الصوم؛ لأنّ الصوم الذي شُرّع في أمّة النبيّ، نيّته من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. بعد ذلك، إن لم تشاؤوا أن تأكلوا شيئًا، فلا يُحسب جزءًا من الصوم. فقد لا تأكلون شيئًا لمدّة أسبوع، ولكن لا يُحسب جزءًا من الصوم۸

    1. سورة الشورى، الآية ۱٣.
    2. الكافي، ج ۱، ص ۱۷٥؛ علل الشّرائع، ج ۱، ص ۱٢٢؛ تفسیر القمّي، ج ٢، ص ٣۰۰؛ الميزان، ج ٢، ص ۱٤۱ و۱٤٥ و۱٤٦ وج ۱٦، ص ٢۷۸.
    3. ﴿يٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبلِكُم﴾.
    4. ﴿وَإِذ أَخَذنَا مِيثَٰقَ بَنِيٓ إِسرَٰٓءِيلَ لَا تَعبُدُونَ إِلاّ ٱللَّهَ وَبالوَٰلِدَينِ إِحسَانًا وَذِي ٱلقُربَىٰ وَٱليَتَٰمَىٰ وَٱلمَسَٰكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسنًا وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ ثُمَّ تَوَلَّيتُم إِلاّ قَلِيلاً مِّنكُم وَأَنتُم مُّعرِضُونَ﴾ (سورة البقرة، الآية ۸٣)؛ ﴿رَّبَّنَآ إِنِّيٓ أَسكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيرِ ذِي زَرعٍ عِندَ بَيتِكَ ٱلمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجعَل أَفئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهوِيٓ إِلَيهِم وَٱرزُقهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُم يَشكُرُونَ﴾ ﴿رَبِّ ٱجعَلنِي مُقِيمَ ٱلصَّلَوٰةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّل دُعَآءِ﴾ (سورة إيراهيم، الآيتان ٣۷ و٤۰)؛ ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَينَ مَا كُنتُ وَأَوصَٰنِي بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ مَا دُمتُ حَيًّا﴾ (سورة مریم، الآية ٣۱)؛ من لا یحضره الفقیه، ج ۱، ص ٢۱۰؛ تحف العقول، ص ٤٩٢.
    5. رأيتُ في كتاب "وفاء الوفاء" للسمهوديّ أنّ الحجّ كان واجبًا أيضًا على أمّة نبيّ الله موسى عليه وعلى نبيّنا وآله السلام؛ بالطبع، لديّ شكّ في صحة توثيقه؛ ولكن، على أيّ حال، لا بأس من الإشارة إليه للتذكرة: عندما أدّى موسى عليه السلام فريضة الحجّ في إحدى رحلاته، كان معه عدد من الأشخاص. وعندما وصلوا إلى المدينة، وجدوها مكانًا طيّب المناخ يصلح للاستيطان والسكن، فبقوا فيها، حيث إنّ يهود خيبر الموجودين بجوار المدينة هم من نسل أولئك اليهود الذين أدّوا فريضة الحجّ مع نبيّ الله موسى.* ولا يخفى أنّ هذه مجرد رواية تاريخيّة.
      * وفاء الوفاء، ج ۱، ص ۱٣۰ وج ٣، ص ۱٦٤.
    6.  ﴿فَكُلِي وَٱشرَبِي وَقَرِّي عَينًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِيٓ إِنِّي نَذَرتُ لِلرَّحمَٰنِ صَومًا فَلَن أُكَلِّمَ ٱليَومَ إِنسِيًّا﴾ (سورة مریم، الآيتان ۱۰ و٢٦)؛ إنجيل لوقا، الفقرة ٢٢.
    7. الكافي، ج ٤، ص ۸٥ وج ۸، ص ۱٩٦.
    8. الكافي، ج ٤، ص ٩٥ و٩٦.

وحدة الشريعة والطريقة في الإسلام - ترابط الأحكام الإلهيّة مع الخصائص النفسيّة للمخلوقات

6
  • وهنا، أُريد أن أستفيد من مسألة اختلاف الأحكام بين أمّة النبيّ والأمم السابقة، تلك الفائدة المرجوّة من أجل بيان الموضوع التالي.

  • سبب اختلاف التشريع بين الأمم المختلفة

  • لماذا كانت الأحكام في الأمم السابقة تختلف عن أمّة النبيّ؟ لماذا كان الصوم في زمن النبيّ الأكرم مختلفًا عن تلك الأزمنة؟ لماذا شُرّع الحجّ في هذا الزمان [ولم يكن] في الماضي؟ ما الإشكال في أن يكون الله قد بنى بيتًا لأمّة حضرة نوح أو حضرة موسى أو حضرة عيسى عليهم السلام وقال لهم: «اذهبوا وطوفوا حوله»؟ أو ما الإشكال في أن تكون الأحكام التي كانت في زمن النبيّ الأكرم قد شُرّعت في الزمن الماضي أيضًا؟ ما الفرق بين أمّة نبيّ آخر الزمان والأمم السابقة والأنبياء المتقدّمين؟ 

  • هل إنّ الله تعالى في جعله للأحكام وتشريعها، يُشرّع أمرًا بصفته من الأمور العادية فقط؟! مثل أن يأتي إليكَ بضعةُ أشخاص ويقولون: «نريد أن نقوم بهذا العمل». فتقول أنت: «يا سيّدي، أنت قم بهذا العمل، وأنت قم بذلك العمل، وأنت اذهب وقم بذلك العمل [الآخر]؛ وإن بدّلتم أماكنكم، فلا إشكال!». كأن نفرض أنّ أحدهم يتعيّن عليه أن يقف عند الباب ويمنع دخول الأفراد غير المؤهّلين. حسنًا، في هذه الحالة، لا فرق إن وقف هناك حسنٌ أم حسين؛ فيقف هو عشرين دقيقة، ثمّ يأتي شخصٌ آخر ويقف عشرين دقيقة أخرى.. أهكذا هي القضيّة؟ هل القضيّة هكذا؟! هل الأحكام الإلهيّة قائمةٌ على أمورٍ اعتباطيّة لا نظام فيها ولا حساب ولا كتاب؟ 

  • لنفرض أنّ نبيًّا يُخاطب الله تعالى: «يا إلهي، أيّ حكمٍ تجعل لأمّتي؟».والله لديه جهاز كمبيوتر، فيضغط [على زرّه ويقول:] «لنرى الآن ما ينقصنا وما يزيد عندنا؟ وماذا نجعل لهم؟». [فيخاطب تعالى نبيَّه:] «كيف هو وضع أمّتك الآن؟ هل نفقاتهم كثيرة [أم] قليلة؟». فيضغط على [زرّ] الجهاز، فتخرج بطاقة: «تعال أنت أيضًا واذهب وقم بهذا العمل!»، بحيث لو تبادلت [في هذه الحالة] هذه الأمم الأماكنَ، وكنّا نحن في ذلك الزمان، [و] كانوا هم في هذا الزمان، لما اختلف حكمُهم كثيرًا! فهل القضيّة هكذا؟! 

وحدة الشريعة والطريقة في الإسلام - ترابط الأحكام الإلهيّة مع الخصائص النفسيّة للمخلوقات

7
  • [بناءً على ذلك] فإنّ ما كنّا بصدده في هذه الأيّام القليلة يُوصلنا إلى هنا؛ وهو أنّه: وفقًا للتطابق القائم بين الطريق والشاكلة، يجب أن يُجعل في الأمم السابقة حكمٌ خاصٌّ، لا ينبغي أن يُجعل في أمّة النبيّ؛ إذ كان أفراد هذه الأمم السابقة على شكلٍ وخصوصيّة تقتضيان أن يُجعل لهم ذلك الحكم، بحيث لو وُجدوا في هذا الزمان نفسه وفي زمن رسالة النبيّ الأكرم، لتغيّر الموقف بنحوٍ ما بواسطة النفس المقدّسة للنبيّ الأكرم، وتَعَيّنَ عليهم العملُ بالأحكام الخاصّة به صلّى الله عليه وآله وسلّم.

  • بناءً على ذلك، فإنّ الخصوصيّات الموجودة في الأمم السابقة تقتضي أن يكون لكلّ أمّة حكمها الخاصّ بها؛ ولو أرادت أن تتجاوز ذلك الحكم وتقول: «يا إلهي، لقد جعلت لي صلاة من ركعتين، ولكنّني الآن في حالٍ جيّدة وأريد أن أصلّي أربع ركعات»، فليس فقط لن تنفعها هذه الصلاة ذات الأربع ركعات، بل هي حرامٌ وباطلةٌ وتضرّها. والمقصود بالضرر ليس جهنّم، [بل] الضرر النفسانيّ؛ فالركعتان الإضافيتان تُبعدانها عن الله بمقدار خطوتين! وهذا البُعد يتجلّى في تلك الدنيا على شكل عقاب وعذاب. 

  • إذن، لا يُمكننا أن نقيس أحكام الأمم السابقة على أنفسنا؛ لأنّنا نمتلك خصائص وأحكام خاصّة بنا، وهم يمتلكون خصائص وأحكام خاصّة به؛ [تمامًا] كما نرى في زمنٍ واحدٍ أنّ هناك اختلافًا في الأحكام الإلهيّة بين أفراد هذا الزمان نفسه، حيث كان نبيّ الله موسى عليه السلام يحكم بحكمٍ، وحضرة الخضر عليه السلام [أيضًا] يحكم بحكمٍ آخر ويقول: «تلك الأحكام متعلّقة بك (يا موسى) وبأمّتك. وقد أعطاني الله أمرًا منفصلاً عن أمرك، ويجب عليّ أن أتّجه نحوه، حيث وجب عليّ العملُ بنوعٍ من التكاليف، ووجب عليك وعلى أمّتك العمل بنوعٍ [آخر] من التكاليف. فلا أنا أستطيع أن أعترض عليك، ولا أنت تستطيع أن تعترض عليّ! وإن اعترضت عليّ، افترق طريقانا. فأنت الذي تقول: "لماذا تذبح هذا الطفل البريء؟!"، وأنا الذي أذبحه.. كلانا نفعل الصواب».۱

  • عندما تتساوى حلاوة اللطف ومرارة القهر

  • عاشقم بر لطف وبر قهرش به‌جِد***بوالعجب من عاشق این هر دو ضد 
    1.  ﴿فَوَجَدَا عَبدًا مِّن عِبَادِنَآ ءَاتَينَٰهُ رَحمَةً مِّن عِندِنَا وَعَلَّمنَٰهُ مِن لَّدُنَّا عِلمًا﴾، ﴿وَأَمَّا ٱلجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَٰمَينِ يَتِيمَينِ فِي ٱلمَدِينَةِ وَكَانَ تَحتَهُۥ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَٰلِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَستَخرِجَا كَنزَهُمَا رَحمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلتُهُۥ عَن أَمرِي ذَٰلِكَ تَأوِيلُ مَا لَم تَسطِع عَّلَيهِ صَبرًا﴾ سورة الكهف، الآيتان ٦٥ و۸٢.

وحدة الشريعة والطريقة في الإسلام - ترابط الأحكام الإلهيّة مع الخصائص النفسيّة للمخلوقات

8
  • يقول:

  • أنا عاشقٌ للطفه وقهره بجدٍّ، يا للعجب *** كيف أكون عاشقًا لهذين الضدّين؟!

  • فكلّ الكلام هو في عبارة "بجدّ" هذه؛ أي "حقًّا"، إنّه يقول: «أنا عاشق!»، ولا يقول: «هذا صحيح، فأنا أرى في كليهما المصلحة، وأحبّهما معًا». [بل] يقول: «أنا عاشقٌ لكليهما!». أي إنّ لطفك وقهرك كلاهما نابعٌ من مشيئة واحدة، وقد نشأ كلاهما عن إرادة واحدة؛ فلطفك عين المصلحة وقهرك عين المصلحة. وعندما يكون كلاهما عين المصلحة، فما العيب في أن يختلف شكلهما؟! أيّ فرقٍ هناك؟! 

  • [وعلى سبيل المثال] تُصاب بمرض؛ ولعلاج هذا المرض، يقولون لك: «يجب أن تتناول القرص الفلانيّ!». فتارةً يكون القرص الذي يعطونك إيّاه مرًّا، وتارةً يكون حلوًا. أيّ فرقٍ هناك؟! كلاهما يزيل مرضك. ويجب أن تدقّقوا جيّدًا في هذه الأمثلة! إنّها أمثلة، ولكن في باطنها مسائل عديدة! فعندما يكون شخصٌ مريضًا بمرضٍ خطيرٍ جدًا، ويُواجه مسألة حيويّة، وهو بين الموت والحياة ويرى أنّه يموت، ويرى علاجه في هذا الدواء، فهل يفكّر في طعم الدواء (مرارته وحلاوته)؟! أم يقول للطبيب فقط: «أعطني الدواء لآكله»؟ في المسائل الروحيّة أيضًا القضيّة هكذا. فمن يعاني من ألمٍ باطن، لا ينبغي أن يُفكّر في مرارة الطريق وحلاوته؛ لأنّها مسألة موت وحياة. إنّها مسألة حياة! 

  • حسنًا، ما علاقتي أنا بذلك؟! فأنا أذكر لكم هذه الأقوال فقط! يقولون: «حسنًا، هذه الأقوال التي تذكرها، ماذا عنك أنت؟! [هل تعمل بها؟!]». أقول: «أنا قد سوّيت حسابي منذ البداية!». يقول [سعدي]:

  • مرد آن است که گیرد اندر گوش***ور نوشته است نقش بر دیوار ۱
  • يقول: 

  • الرجل هو من يستمع بإنصات *** وإن كان ما يسمعه مجرّد نقش على جدار

  • حسنًا، افترضوني جدارًا [أو] شريطًا يدور! ولكنّ الموضوع هو هذا، وهو صحيح. فالإنسان لا يفكّر في مرارة الدواء وحلاوته، والإنسان لا ينظر إلى طعم الدواء، لماذا؟ لأنّها مسألة مهمّة، والمسألة هي مسألة حياة؛ وهكذا في المسائل الروحيّة أيضًا القضيّة هكذا!

  • انسجام شريعة كلّ أمّة مع بصيرتها وشاكلتها

  • بناءً على ذلك، فكما أنّه من الممكن أن يكون في الأمم السابقة أفرادٌ وضع لهم الله تعالى في زمنٍ واحدٍ أحكامًا مختلفة ، وهذه الأحكام تتوافق مع شاكلتهم ووجدانهم، وتتوافق مع البصيرة والشعور اللذين حصلوا عليهما عن طريق الوحي والارتباط بذلك المقام، فإنّ هذه المسألة سارية وجارية كذلك في جميع الأديان والشرائع. 

    1. الجُلستان لسعدي (ايزدبرست)، ص ۱۰۱.

وحدة الشريعة والطريقة في الإسلام - ترابط الأحكام الإلهيّة مع الخصائص النفسيّة للمخلوقات

9
  • فالشرع يعني الطريق الذي يوصل الإنسان إلى كماله وإلى الواقع، حيث يُسمّى هذا الطريق بـ : «الشرع». إنّ الشريعة تعني المورد؛ فأحيانًا، لا يستطيع الإنسان أن ينهل من النهر الذي يجري ويقع في مستوى منخفض، ولو أراد أن ينهل منه، لوقع فيه. [ولهذا] يحفرون قناة ليرفعوا ماء النهر شيئًا فشيئًا، ويجعلوه في متناول الأفراد، بحيث تتمكّن الدوابّ من الاستفادة منه، ويتمكّن الأفراد العاديّون من الأخذ منه. وهذا الذي يُسمّى بـ: «الشريعة». وللوصول إلى ماء النهر، نحن بحاجة إلى هذه الشريعة؛ فإن ألقينا أنفسنا فيه، هلكنا. وهكذا، فنحن لا نملك القدرة والتحمّل للوصول إلى الواقع؛ ولهذا، فقد وضع الله تعالى طريقًا ضيّقًا يتناسب معك ومع شاكلتك؛ فإن سلكت هذا الطريق، وصلت إلى تلك الحقيقة والنهر.. ذلك [الطريق] يُسمّى الشريعة، حيث تكن هذه الشريعة أحيانًا عريضة وأحيانًا ضيّقة، ويكون ماؤها أحيانًا كثيرًا وأحيانًا قليلاً؛ فيجب على كلّ شخصٍ أن يسير في ذلك الطريق بمقدار السعة والوسع والتحمّل الذي وضعه الله تعالى فيه، حتّى يتمكّن من الوصول إلى الواقع، وإلاّ هلك. 

  • إنّ شجرة الدلب التي تحتاج إلى الماء كلّ يوم، ولا تُرفع حاجتُها بكوبٍ أو كوبين ـ ولنفرض أنّها تحتاج إلى إيصال حوالي مائتي أو ثلاثمئة لتر من الماء يوميًّا إلى جذورها، حتّى تتمكّن من إيصال الماء إلى جميع أوراقها وشرايين وجودها ـ لا يُمكننا أن نقارنها بشتلةٍ لو أعطيناها أكثر من كوبٍ من الماء، لماتت وتعفّنت جذورها.

  • هذه [الشتلة] تطلب هذا المقدار من الماء والهواء والتراب بمقتضى وجودها وسعتها وتحمّلها، وتلك الشجرة الباسقة تطلب أيضًا ذلك المقدار بمقتضى حالها؛ فيجب تفكيك هذه الحسابات وفصلها عن بعضها.

  • عدم انحصار أحكام الشرع في الرسائل العمليّة

  • بناءً على هذا، نصل إلى النقطة التالية، وهي أنّ مسألة الشرع ليست فقط ما هو مكتوبٌ في الرسائل العمليّة؛ أبدًا! هذه [الرسائل] لها حكم الصيدليّة التي وُضعت فيها أدوية متعدّدة لأمراض مختلفة؛ فمن يَصِفُ الدواءَ يجب أن يكون صاحب نظر. (دقّقوا جيّدًا! أريد أن أضرب هنا على الوتر الحسّاس!) لا يستطيع الإنسان أن يصف لنفسه دواءً من تلقاء نفسه؛ فلربّما كان المرض مرضًا مختلفًا. 

وحدة الشريعة والطريقة في الإسلام - ترابط الأحكام الإلهيّة مع الخصائص النفسيّة للمخلوقات

10
  • ذات يوم، جاء إلى هنا أحد الأطبّاء، وهو الدكتور لاري، وهو رجلٌ مرحٌ وله معرفةٌ بنا. فكان يريد أن يطرح مسألة واقعيّة؛ وفي أثناء حديثه، مزح قليلاً، وقال: 

  • بالأمس، جاءت إلى العيادة إحدى تلك العجائز اللواتي يُبدين آراءهنّ من عند أنفسهنّ (بدلاً من أن يكنّ طبيبات، فهنّ "تبيبات"!)، وقالت:«يا سيّدي، معدتي تؤلمني!». فحصتُها قليلاً فرأيتُ أنّه ليست معدتها التي تُؤلمها، بل قلبها يؤلمها، لكنّها تتخيّل أنّها معدتها. كتبتُ لها دواءً للقلب. وللمصادفة، ذهبت بنفسي عصرًا أو ليلاً إلى صيدليّة الإمام الرضا في ميدان الإمام لآخذ دواءً، فرأيت نفس تلك المرأة واقفة هناك، فقال لي المسؤول عن تحضير الوصفات في الصيدليّة: «يا دكتور، تفضّل، لي معك عمل! لقد أعطيتَ هذه المرأة دواءً للقلب، وهي تقول: "أنا بطني يؤلمني؛ لا أريد أن تحضّر هذه الوصفة!". وخلاصة القول، بدأت تصرخ وتصيح علينا؛ فتعال وحلّ هذه المشكلة!». ذهبتُ إلى تلك المرأة وقلت لها: «يا سيّدتي، لقد شخّصت أنّ قلبك يؤلمك. الآن، إن كنتِ تشخّصين بنفسك أنّ بطنك يؤلمك، فتفضّلي: من هنا إلى هناك كلّها أدوية للمعدة، قولي لهم لأصِفَ لكِ بعضها!». 

  • حسنًا، ستأكلينها وتموتين! فلا يستطيع المرء أن يُشخّص بنفسه، بل يحتاج الأمر إلى متخصّصٍ وحاذقٍ ليتمكّن من التشخيص. 

  • فالأمور التي كتبها المشايخ هنا وهناك لها حكمُ الصيدليّة! والشرع يعني الطريق الذي يقتلعنا من هذا العالم وهذه النفس وهذا الهوى، ويوصلنا إلى ذلك الواقع والحقيقة. فالذي يُعيّن لنا أنّ هذا المسار هو مسار الحقّ ولا ينبغي الانحراف عنه هو الذي يكون له ارتباطٌ بنفس ذلك النهر والبحر، وله ارتباطٌ بتلك الحقيقة؛ وهو الذي يستطيع أن يصف لنا بالمقدار اللازم والضروريّ وبالمقدار الذي نحتاجه للوصول إلى الكمال، بحيث إن أراد أن يصف أكثر من ذلك المقدار، هلك الإنسان.

  • عدم وجود فرق بين الطريقة والشريعة في دين الإسلام

  • لهذا، لم يعُد هناك فرقٌ بين السلوك والأوامر العامّة مثل الصلاة والصوم والحجّ، وليس لدينا موضوعان باسم الطريقة (السلوك) والشريعة؛ إذ ليس هناك إلاّ طريقٌ واحد وهو الشريعة، والسلام! فإن لم يقم أحدٌ بما هو مفيدٌ لكماله وبقاء حياته، فهذا لا يجعل القضيّة اثنتين؛ وإن تهرّب من التكاليف، فهذا لا يجعل المسألة اثنتين، ولا يصنع شريعة وطريقة. 

وحدة الشريعة والطريقة في الإسلام - ترابط الأحكام الإلهيّة مع الخصائص النفسيّة للمخلوقات

11
  • جاء النبيّ الأكرم، وبيّن كلّ الشريعة وكلّ الطريقة في جملة واحدة، فقال: «قُولُوا لَا إِلَهَ إِلاّ اللهُ تُفْلِحُوا»۱؛ أي قولوا: "لا إله إلاّ الله" وكونوا واجدين لـ"لا إله إلاّ الله" في جميع التعيّنات! واشعروا في وجودكم بانعدام وفناء وزوال جميع الحيثيّات وجميع التقيّدات. فبمقدار ما تشعرون بذلك، تصلون إلى الواقع! وهذه المسألة ليست اثنتين. 

  • فإن أردتم أن تبنوا منزلاً، فأنتم بحاجة إلى موادّ ومخطّط وأدوات ومعدّات، ويجب أن تأخذوا في الاعتبار مُعامل الأمان للبناء. فلتحصيل الأمان بالنسبة لهذا البناء، يجب أخذ الموادّ اللازمة في الاعتبار. يقولون: «هذا البناء في هذه الظروف، يحتاج إلى الخرسانة». فتقولون أنتم: «لسنا بحاجة إلى الخرسانة! بهذا الطين والجير وأمثال ذلك نحلّ هذه المسألة»، أو تقولون: «نحن سنُشيّد هذا البناء بالطين وحده!». فيُبنى البناء، ولكنّه لا يمتلك مُعامل الأمان ذاك؛ فيأتي زلزالٌ فينهار، أو يأتي مطرٌ، فيسقط السقف وينهار! فليس لدينا هنا نوعان، وليس لدينا قسمان وثلاثة أقسام. إنّ تشييد البناء يعني إيصاله إلى الحدّ الأعلى والأمان، يعني مراعاة جوانب الأمان فيه، يعني عدم ترك أيّ نقص في هذا البناء؛ فهذا ما يُسمّى تشييد البناء! وبقيّة المسألة في أيدينا. فإن أتممنا المسألة وفقًا لمخطّط المهندس وموافقته ورغبته، وصلنا إلى المقصود. وإن لم نُتممها، فليس لدينا مسألتان؛ [بل] إنّ هذه القضيّة تكون في نقصان مستمرّ. 

  • يقول النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله: «قُولُوا لَا إِلَهَ إِلاّ اللهُ تُفْلِحُوا». إن كان مقصود [النبيّ] هو أن تقولوا "لا إله إلاّ الله" فقط ولا تهتمّوا بشيء آخر، فسيظهر أمثال عمر وأبي بكر! وإن كان [مقصود] النبيّ الأكرم [هو أن] تقولوا "لا إله إلاّ الله" وتهتمّوا قليلاً بالمعنى، فسيظهر أمثال صحابة النبيّ. أو إن قال النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله: «المقصود من "لا إله إلاّ الله" هو أن تشعروا بمعنى "لا إله إلاّ الله" في وجودكم، وألاّ يتجسّم ولا يتجسّد في وجودكم أيّ شيءٍ سوى ذلك المعنى»، فسيظهر سلمان الفارسيّ.

  • لزوم ضمّ الرسائل العمليّة إلى الأوامر السلوكيّة لأولياء الله

  • ["لا إله إلاّ الله" لها] معنى واحد؛ فبمقدار ما تُقرّب نفسَك إلى هذا المعنى، تكون هذه هي شريعتك؛ إذن ليس لدينا شريعتان أو ثلاث شرائع؛ لأنّ الشريعة شريعةٌ واحدة، والأمر أمرٌ واحد. فما يُكتب في الرسائل العمليّة، يجب أن يُجمع في كتابٍ واحدٍ بالانضمام إلى الأوامر السلوكيّة. وما يذكره فقهاؤنا ومجتهدونا ـ أعلى الله مقامهم ـ من مواضيع كلّيّة، مع ما يبيّنه العلماء الربّانيّون ـ سلام الله عليهم أجمعين ـ، يجب أن يُجمع ويُدوّن في مجموعة واحدة. 

    1. مناقب آل ‌أبي ‌طالب عليهم السّلام، ج ۱، ص ٥٦؛ تاریخ الإسلام، الذهبي، ج ۱، ص ۱٥۱.

وحدة الشريعة والطريقة في الإسلام - ترابط الأحكام الإلهيّة مع الخصائص النفسيّة للمخلوقات

12
  • فإن تهرّب شخصٌ من هذه التكاليف [السلوكيّة]، سيميل إلى تلك [الأوامر الظاهريّة] فقط؛ وإن أخذ شخصٌ تلك الأوامر وهذه المسائل معًا، سيهتدي إلى الشريعة الحقيقيّة. وللوصول إلى الشريعة الحقيقيّة، يجب أن يكون المرء تحت نظر من وصل إلى متن الواقع وإلى الحقيقة؛ وإلاّ، فعن طريق نشر الصيغة بشكلٍ عامّ، وتعميم الرسالة [العمليّة] بشكلٍ عامّ، وبيان الأحكام بنحو كلّي، لن يُغلق ذلك الجانب الواقعيّ والحقيقيّ. 

  • بناءً على ذلك، فإنّ ما كلّف به الله كلّ فردٍ بمقتضى بصيرته وشعوره وشاكلته ليس إلاّ أمرًا واحدًا، وهو الشريعة التي توصله إلى الواقع، والسلام! وفي هذا الأمر، توجد الصلاة، والصوم، والحجّ، والزكاة، وصلاة الليل، وبرّ الوالدين، والصدقات، والإنفاق، والأذكار والأوراد. 

  • انظروا إلى أمير المؤمنين عليه السلام حيث يقول في عهده لمالك الأشتر: «احكم بين الناس، واتّخذ لنفسك خلوة!».۱ لقد وضع عليه السلام في رسالة وأمرٍ واحد موضوعين جنبًا إلى جنب، ولم يقل له: «اذهب واعمل بتلك الأوامر؛ فمتى شئت فاعمل بها، ومتى شئت فلا تعمل بها!». كلاّ! [بل على العكس] أنت يا مالك الأشتر، يجب أن تضع هذا في مقابل ذاك؛ فإن لم [تضعه]، فأنت مسؤول غدًا (يوم القيامة)، حيث سيوقفك الله تعالى [ويقول]: «لقد كان لديك عليٌّ، فلماذا لم تستفد منه؟!». «لقد كان لديك عليٌّ، فلماذا أهملت؟! لقد كان لديك عليّ، فلماذا لم تُنفّذ ذلك الأمر؟!». وهل الأمر هو الصلاة والصوم فقط؟! بل كلّ هذه أوامر، وكلّ شخصٍ مسؤولٌ بمقدار ما يُقصّر ويتكاسل.

  • سبب وجود الاختلاف في الأوامر الشرعيّة والسلوكيّة لمختلف الأفراد

  • حينئذ، من الذي يجب أن يعطي هذه [الأوامر] وهي أوامر كلّيّة؟ فهل يُمكنني أن أذهب إلى الصيدليّة وآخذ أيّ دواء؟! لا أستطيع. هو يجب أن يقول: «اذهب وخذ ذلك الدواء. لا تقم بذلك [العمل]؛ ذاك [الدواء] مضرٌّ لك، وهذا [الدواء] واجبٌ عليك!». كذلك العمل بالأوامر الشرعيّة يجب أن يكون على أساس أمر ونظر الوليّ المرشد ووليّ الله، وإلاّ فلا فائدة منه، بحيث يتعيّن على كلّ شخصٍ أن يتحرّك على أساس البصيرة والارتباط اللذين وضعهما الله تعالى في وليّه. العوامّ معذورون لأنّهم لا بصيرة لهم؛ أمّا أنا وأنت الذين [لدينا تلك البصيرة]، فلن نكون معذورين بعد الآن! إذن ليس لدينا إلاّ طريقٌ واحد. 

    1. نهج البلاغة (صبحي الصالح)، ص ٤٤۰:
      «وَأَمْضِ لِكُلِّ يَوْمٍ عَمَلَهُ فَإِنَّ لِكُلِّ يَوْمٍ مَا فِيهِ، وَاجْعَلْ لِنَفْسِكَ فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ [تَعَالَى‌] أَفْضَلَ تِلْكَ الْمَوَاقِيتِ وَأَجْزَل».

وحدة الشريعة والطريقة في الإسلام - ترابط الأحكام الإلهيّة مع الخصائص النفسيّة للمخلوقات

13
  • أحيانًا يقول ذلك الوليّ المرشد لفلان: «اذهب وحجّ!». وأحيانًا يقول لذلك: «مع أنّك مستطيع، لا ينبغي أن تحجّ!». القضيّة هكذا! يقول لهذا الرجل: «يجب أن تقوم وتصلّي صلاة الليل! إنّها واجبة عليك!». ويقول لذلك: «لا ينبغي أن تُصلّي صلاة الليل!». أليست صلاة الليل مستحبّة؟!۱ فلماذا يقول له: «لا ينبغي أن تصلّي؟». لأنّه ينظر، فيرى أنّ القيام وصلاة الليل سيكون ـ بمقتضى شاكلته وخصائصه النفسانيّة ـ مضرًّا به. يقول لهذا الشخص: «يجب أن تقوم بهذا الإنفاق!»، ويقول لذلك الشخص: «لا ينبغي أن تقوم بذلك الإنفاق!». يقول لهذا السيّد: «يجب أن تقوم بهذا العمل الآن!»، ويقول لذلك: «يجب أن تقوم بهذا المقدار منه!». 

  • لدينا الكثير [من هذه الموارد] في روايات الأئمّة عليهم السلام؛ [مثلاً] يأتي أفرادٌ عند الإمام الصادق فيذكر لهم عليه السلام مسألةً؛ وعندما يأتي آخر، يذكر له المسألة بشكلٍ أخفّ.٢ إنّ الإمام الصادق عليه يعلم السلام أنّ وظيفة هؤلاء الأفراد هي أن يقوموا بهذه الأعمال، ولكن، لو أراد أن يبيّن هذا الحكم نفسه للراوي الآخر، لما استطاع أن يتحمّله، وربّما [لا يبقى] خاضعًا للدين أيضًا. 

  • ومن هنا، وقع الاشتباه والإشكال بين الفقهاء، وظهر التعارض والتناقض في الأحكام، ولم يتمكّنوا من حلّ هذه المسائل؛ لأنّهم لا اطّلاع لهم ولا علم لديهم، ولا يدخل هذا الأمر في تخصّصهم؛ فيجب أن [يبقوا في حيرة]! 

  • ذات مرّة، كنت أسافر من مكانٍ إلى آخر، فأجلسني السائق بجانبه، حيث كنّا في حافلة. عندما تحدّثَ معي قليلاً، رأى أنّني لسنا من أولئك "الغيلان" الذين كان يتصوّرهم في ذهنه! كنت أتحدّث معه وأضحك وأتودّد إليه. أعجبه أمري، وبدأ يُفضفض إليّ! ومن الواضح ما هو وضع وما هو حال الأفراد الذين يعيشون في هذه الظروف. قال: «يا سيّد، لقد أذنبتُ كثيرًا!». قلت: «هنيئًا مريئًا!». قال: «يا سيّد، أنا لم أُصلِّ منذ ثلاثين عامًا!». قلتُ: «لا تهتمّ!». قلتها هكذا! ليس أنّني الآن أقول لكم [بهذه الطريقة]! انظروا من هنا، لتروا ما بقيّة الموضوع! قال: «يا سيّد، لقد فعلتُ أمورًا، حتّى أنّني تعرّضتُ لامرأة متزوّجة!». [قاطعتُه وقلت:] «دع عنك هذه الأقوال! ما هذا الذي تقوله؟! أنت لم تفعل شيئًا بتاتًا! فما الذي فعلته؟!». قال: «أنا لم أفعل شيئًا؟!». قلت: «لا، ماذا فعلت؟! لم تفعل شيئًا!». قال: «ولكنّني لم أصلِّ منذ ثلاثين عامًا!». قلت: «حسنًا، لا تُصلِّ! ليس شيئًا؛ إن لم تصلِّ فلا يهمّ؛ ليست مشكلة! قل لي ماذا تريد أن تفعل الآن!». قال: «ولكنّ هؤلاء المُعمّمين يقولون: "يجب أن تقضي صلاة ثلاثين عامًا!". وقد قلتُ لذلك المعمّم: "اذهب لحال سبيلك! هل تُريدني أن أقضي صلاة ثلاثين عامًا؟! [أصلاً] لا أريد!"». 

    1. من لا یحضره الفقیه، ج ۱، ص ٤۷۱ ـ ٤۸۰.
    2. وسائل الشّیعة، ج ۱۱، ص ٦۱ و٦٢.

وحدة الشريعة والطريقة في الإسلام - ترابط الأحكام الإلهيّة مع الخصائص النفسيّة للمخلوقات

14
  • قلتُ له: «دع عنك كلام هؤلاء المعمّمين! ما شأنك بهم؟!». خلاصة القول، كلّما ذكر لي شيئًا، وكلّما أراد أن يستدرجني في الكلام، رأى أنّني مُصرٌّ على هذا الموقف! خلاصة القول، لقد فعلتُ به فعلاً، حتّى إنّه عندما وصلنا من قمّ إلى طهران، ووصلنا إلى [حرم] السيّد عبد العظيم [الحسنيّ]، كان يبكي بمرارة! وكان يقول: «يا إلهي، أخطأت! يا إلهي، بعد الآن...!». ثمّ قال: «سأقضي صلواتي، وسأسعى لاستحلال الناس، و...!». 

  • يجب التحدّث مع كلّ شخصٍ وفقًا لـ [شاكلته ومقامه]. لو كان من المقرّر أن أقول له منذ البداية: «أيّها اللعين، اذهب! ابتعد عنّي حتّى لا تصيبني نارك! قف هنا لأنزل، لئلاّ ينزل عذابٌ إلهيٌّ وأموت معك في الحال!». لقال [هو أيضًا في الجواب]: «يا سيّد، انزل من هنا! أنت أيضًا مثل البقيّة...!». 

  • الآن، أنا شخصٌ لا خبرة لي بالواقع، ولا أعرف ما هو الباطن والواقع، وأشعر فقط بهذا القدر، وهو أنّه يجب التعامل مع هذا الشخص بهذه الطريقة؛ حينئذ، انظروا إلى ذلك الذي يُشرف على الواقع ويفهم حقيقة الأمر وينظر إلى الواقع ويرى ما هي خصائص نفس [ذلك الشخص] الآن، ألا يستطيع أن يُحدّد له تكليفًا؟!

  • ضرورة ترجيح حكم الوليّ الإلهيّ على حكم المجتهد الظاهريّ

  • لهذا، إذا حدث اختلافٌ في موضعٍ ما بين المجتهد الظاهريّ والوليّ المرشد، فإنّ رأي الوليّ المرشد يحكم على رأي المجتهد الظاهريّ، بحيث ينبغي ترك [رأي] المجتهد الظاهريّ جانبًا؛ لأنّ [الوليّ المرشد] يرى الواقع، ويجب على الإنسان أن يعمل على أساس الواقع. [طبعًا] في حال ما كان الوليّ وليًّا كاملاً! الآن، اذهبوا وابحثوا عنه! فإن وجدتموه، فهنيئًا لكم!

  • ترجيح مولانا جلال الدين الرومي لنظر شمس التبريزي على مكانته الظاهريّة

  • هنا، يرفع مولانا [جلال الدين الروميّ] الراية البيضاء أمام شمس التبريزي! كان مولانا أعلم علماء قونية وأعلم علماء الإسلام، وكان مولانا يتولّى كلّ الحوزة الدراسيّة في قونية وما حولها من المدن. عندما كان يتحرّك، كان يسير في ركابه أكثر من مائتي تلميذ وطالب علم، كلٌّ منهم كان بطلاً في حدّ ذاته. ولكن، عندما يلتقي بشمس التبريزي، وهو رجلٌ أمّي، يرفع الراية البيضاء إلى درجة أنّه يترك كلّ الحسابات جانبًا، ويتخلّى عن كلّ الدرس والبحث! يغسل كلّ تلك المظاهر ويضعها جانبًا، ويفنى فناءً محضًا في شمس.

وحدة الشريعة والطريقة في الإسلام - ترابط الأحكام الإلهيّة مع الخصائص النفسيّة للمخلوقات

15
  • من چه گویم یک رگم هشیار نیست***شرح آن یاری که او را یار نیست 
  • يقول: 

  • ماذا أقول وليس فيّ عرقٌ واعٍ *** في شرح ذلك الحبيب الذي لا نظير له

  • لقد فعل ذلك فصار هكذا! 

  • حسنًا، لنقرأ بضعة أبيات من الشعر؛ فبالأمس اعترضوا علينا، وقالوا: «يا سيّدي، لماذا لم تقرأ شعرًا؟!». الآن، لنقرأ لكم بضعة أبيات من هذه الأشعار في وصف شمس:

  • ﴿كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ نقش اولیاست***[کو دلیل نور خورشید خداست] 
  • اَندرین وادی مرو بی این دلیل***﴿لا أُحِبُّ الآفِلين﴾ گو چون خلیل 
  • رو ز سایه آفتابی را بیاب***دامن شه شمس تبریزی بتاب 
  • لا تُکَلِّفـني فَإنّي في الفَنا***کَلَّت أفهامي فَلا أُحصي ثَنا 
  • کُلُّ شَيءٍ قالَهُ غيرُ المُفيق***إن تَکَلَّف أو تَصَلَّف لا يَليق 
  • من چه گویم یک رگم هشیار نیست***شرح آن یاری که او را یار نیست 
  • شرح این هجران واین خون جگر***این زمان بگذار تا وقت دگر 
  • [يقول:

  •  ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ هي صورة الأولياء *** [وهي دليل نور شمس الله

  • لا تسر في هذا الوادي دون هذا الدليل *** وقل ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ كالخليل

  • اذهب من الظلّ لتجد شمسًا، وتمسّك بذيل الملك شمس التبريزيّ۱

  • لا تكلّفني فإنّي في الفناء *** كلّت أفهامـي فلا أُحصي ثناءً

  • كلّ شيءٍ قاله غير المفيق *** إن تكلّـفَ أو تصلّـفَ لا يليق

  • ماذا أقول وليس فيّ عرقٌ واعٍ *** في شرح ذلك الحبيب الذي لا نظير له

  • شرح هذا الهجران وهذا الأسى *** دعه الآن إلى وقتٍ آخر٢

  • صبر مولانا على الابتلاءات وتجاوزه مرتبة شمس التبريزي

  • لقد كان حقًّا يُعاني من الهجران! ويا له من هجران وفراق عاناه! ويا له من أسى تجرّعه! تجرّع الأسى على أيدي هؤلاء المُعمّمين أنفسهم! هؤلاء المُعمّمون الجهلة الحمقى الذين لا يفقهون شيئًا سوى أنفسهم ومكانتهم ومحرابهم ومنبرهم! كان مولانا هو أكبر عالم في قونية والروم؛ [فقالوا في أنفسهم]: «لو بقي على حاله هذا، لانهار جهازنا كلّه!». اتّهموه وقالوا: «لقد تواطأ مع شمس؛ فذهب وصار درويشًا وكافرًا وزنديقًا! لقد جُنّ، وفقد عقله!». جمعوا عددًا من الأراذل والأوباش والعوامّ وحرّضوهم ضدّ مولانا. 

    1. المثنويّ المعنويّ (آذر يزدي)، الكتاب الأوّل، ص ٢٣.
    2. المثنويّ المعنويّ (آذر يزدي)، الكتاب الأوّل، ص ۱۰.

وحدة الشريعة والطريقة في الإسلام - ترابط الأحكام الإلهيّة مع الخصائص النفسيّة للمخلوقات

16
  • مرّ عامان على هذه القضيّة؛ فذهب وأغلق باب حجرته ولم يعبأ بأحد! [قال في نفسه]: «[أيّها] الحمقى الجهلة، لو كان من المقرّر لكي أصل إلى الواقع والحقيقة أن أتبع شمسًا [فلن أتنازل ذرّة]! الآن قولوا ما شئتم! أيّ كلام تريدون أن تقولوه، فقولوه!». لقد تخلّى عن كلّ تعيّناته! وقصّته عجيبة جدًا! كانت حياته حياة عجيبة جدًّا! لقد تجرّع الأسى حقًّا، ولكنّه تجاوز كلّ ذلك. [وفجأةً] في اللحظة الحاسمة، تركه شمس وذهب! يا لِمَا عاناه بعد ذلك! لقد انقلب رأسًا على عقب؛ صعد وهبط؛ يا لها من ثورة قامت فيه! حتّى وصل إلى حيث بلغ مرحلة الاطمئنان؛ وصل إلى حيث تجاوز أستاذه أيضًا! 

  • لقد كتب الأفلاكي في [مناقب العارفين] عن حياة مولانا۱، حيث رأيتُ هذه القصّة هناك، وهي غير مستبعدة، وهذه ليست مبالغات. فعندما يشعر [مولانا] بذلك المعنى التوحيديّ وتجلّي عظمة الله في وجوده، فلن يكون هذا الكلام الذي قاله كلامًا باطلاً.

  • ذات مرّة، كان [مولانا] جالسًا مع تلاميذه على ضفّة نهر [و] كان يلقي عليهم مواضيع عرفانيّة. في هذه الأثناء، ذكر شمس التبريزي، فتنهّد أحد تلاميذه! قال له [مولانا]: «لماذا تنهّدت؟!». قال: «تنهّدت، لأنّني لم أدرك خدمة مثل هذا العظيم!».

  • أطرق [مولاننا] رأسه وصبر مدّة، [ثمّ] رفع رأسه [و] قال: «أقسم بروح أجدادي الطاهرة، إن لم تكن قد وصلتَ إلى خدمة ذلك العظيم، فقد وصلتَ إلى خدمة شخصٍ يتعلّق بكلّ شعرة من شعره مائةُ ألف شمس تبريزيّ!». 

  • لقد كان صادقًا؛ فأيّة سعة وجوديّة حصل عليها مولانا، وأنّى لشمس التبريزي [أن يصل إليها]! لقد رفع [مولانا] الراية البيضاء أمام ذلك الرجل الحقّ وفنى فيه، فرفعه الله [أيضًا] إلى حيث يخرج هذا الكلام من فمه. لن نتحدّث أكثر من هذا عن مسألة الشريعة، وقد أشرتُ إلى جزء منها فقط، والعاقل تكفيه الإشارة. إن شاء الله سنتناول بعد ذلك مواضيع أخرى.

  • استخدام بني أميّة للشخصيّات الوجيهة لمواجهة الإمام الحسين عليه السلام

  • على كلّ حال، يا ويلنا من هؤلاء الناس العوامّ وهؤلاء المُتظاهرين بالتقديس وهؤلاء قطّاع الطرق! هؤلاء الذين [يقطعون] طريق الإنسان! هل تتخيّلون من كانوا أولئك الذين أتوا إلى كربلاء؟! كان عمر بن سعد شخصًا هو أفضل إمام جماعة في الكوفة! قرأت في أحواله أنّ جميع الناس كانوا يأتمّون به!

    1. مناقب العارفین، ج ٢، ص ٦۱٤ ـ ۷۰٣.

وحدة الشريعة والطريقة في الإسلام - ترابط الأحكام الإلهيّة مع الخصائص النفسيّة للمخلوقات

17
  • إنّ الجهاز الذي يريد أن يأتي لمحاربة سيّد الشهداء، لا يأتي بالأراذل والأوباش، بل يجب أن يضع في مقابله شخصًا يغترّ به الناس! يختار [ذلك الجهاز] عمر بن سعد، أو يختار شريحًا القاضي الذي كان قاضي القضاة منذ زمن عمر، وحتّى أمير المؤمنين لم يتمكّن من عزل شريح، وبقي هكذا قاضي القضاة في الكوفة حتّى بعد زمن ابن زياد.۱ كان رجلاً ذا لحية بيضاء، يرتدي العمامة، ويمسك بالمسبحة، وعالمًا يقضي بين الناس.٢ فهؤلاء هم الذين يشترونهم الحكّام؛ وبشراء هؤلاء المشايخ عديمي الشرف والدين، يقطعون الطريق، ويغلقون طريق الله، ويذهبون لمحاربة الإمام الحسين! يأتي إلى شريح القاضي ويقول: «يجب أن تُصدر حكمَ قتل الحسين بن عليّ!». [يقول:] «عجبًا! أَ أُصدر أنا حكم قتل [الحسين]؟!». 

  • ويُرسل لأجل شريح القاضي أربعة آلاف دينار! وعندما تقع [عيناه] على النقود وصفرة الذهب، [يقول]: «ما شاء الله»! إنّ كلّ واحد من هذه [الدنانير] هو سهمٌ من سهام إبليس. يأتي سهمٌ ويصيب القلب، والثاني، والثالث وهكذا [تتوالى] هذه السهام. إنّه المال، وليس مزاحًا! ليست روحًا حتّى يمكن بذلها بسهولة!٣ إنّه المال وليس الروح!٤

  • على كلّ حال، ينظر شريح القاضي إلى الأربعة آلاف دينار؛ فيلين قليلاً! كانت هذه القضيّة صعبة عليه في البداية: «أ أفتي بقتل الحسين بن عليّ (ابن النبيّ)؟!». لم يقبل بتاتًا؛ ولكن، عندما يرى النقود، يبدأ بالتأمّل! يا ويلتاه! يجب على الإنسان أن يخاف من هذه التأمّلات؛ ففي بعض الموارد، لا ينبغي للإنسان أن يتأمّل! فبمجرّد أن يتأمّل، ينتهي أمره! ولكن بعض التأمّلات الأخرى تُصلح أمرَ الإنسان. [على كلّ حال] أفتى بقتل سيّد الشهداء.٥

  • جاء ابن مرجانة [عبيد الله بن زياد] أيضًا واختار ذلك المُعمّم (عمر بن سعد) وأمثاله، وأعطاه قيادة الجيش. ثمّ نادى في الكوفة: «لقد تجهّز عمر بن سعد للوقوف بوجه الحسين بن عليّ».٦ ولم يقُل: «لقتله»! عندما ينتشر هذا الخبر في الكوفة، يقول الناس: «[عجبًا!] هل قام عمر بن سعد بهذا الأمر؟!». هؤلاء [أيضًا] يتنازلون [عن موقفهم] مثل شريح القاضي ويتأمّلون: «عجبًا! لعلّ القضيّة بشكلٍ آخر! لنذهب الآن، ونرى ما سيحدث! لنأخذ معنا سيوفنا ونتجهّز أيضًا!». كانت القضيّة هكذا. وإلاّ فهؤلاء هم أنفسهم الذين أرسلوا أربعة آلاف كتاب لسيّد الشهداء! كانوا يعتبرونه ابن أمير المؤمنين والنبيّ. كيف يمكن إذن أن يشحذوا سيوفهم ويأتوا؟! هذه مظاهر يتلقّفها الشيطان ويستخدمها لإغواء الناس.

    1. تاریخ مدینة دمشق، ج ٢٣، ص ٢۷.
    2. لمزيد من الاطّلاع على شخصيّة شريح بن الحارث (القاضي) وأحواله، راجع: تاريخ مدينة دمشق، ح ٢٣، ص ۷ ـ ٥٩.
    3. أمثال وحكم (فارسيّ)، ج ۱، ص ٥٣٢:
      «"إنه مال وليس روحًا حتى يمكن التخلّي عنه بسهولة!": يُقال هذا القول ساخرًا لمن يَبخل ويُمْسك عن أداء دين أو دفع مال».
    4. الآن، الروح سهلة، لكنّ المال ليس سهلاً. على أيّ حال، أنا سمعت هذا من أهل أصفهان! مع خالص الاعتذار، كان أحد الأصفهانيّين يقول لي: «إنّها ليست روحًا حتى يمكن التخلّي عنها بسهولة!».
      على أيّ حال، كان شخص آخر من أهل أصفهان يقول أيضًا: «من يتمكّن من تخطّي المال، يكون سعيدًا ومبتسمًا!». فهؤلاء يقولون عن جملة «من يتجاوز الجسر (پل)» هكذا: «[من] يتجاوز المال (پول)، يكون سعيدًا ومبتسمًا»؛* أي أنّ أمره قد انتهى! لأنّ أرواحهم مرتبطة بهذا المال ارتباطًا وثيقًا؛ فإذا تجاوزوا المال، سيصلون إلى الفناء، ولن يكون هناك حاجة لعمل آخر يريد الإنسان أن يفعله.
      يا عزيزي، كلّنا لدينا هذه المشكلة! إنّها ليست خاصّة بهذه الطائفة فحسب؛ فهذه لديها نوع، والأخرى لديها نوع آخر. حسنًا، في هذه الطائفة [أي الأصفهانيّين] أيضًا هناك أشخاص خيّرون جدًا. وهذه الصفة موجودة في كلّ طائفة وبأيّ شكل من الأشكال». 
      * المزحة الأصفهانيّة في النصّ تعتمد على التشابه الصوتيّ بين كلمتين في الفارسيّة:
      پل: تعني الجسر.
      پول: تعني المال.
      القول الشائع هو: «هرکه از پل بگذرد، خندان بوَد!» (من يتجاوز الجسر [أي الصراط]، يكون سعيدًا ومبتسمًا!»، لكنّ الأصفهاني المذكور في النص يقلبها إلى: «[هرکه] از پول بگذرد، خندان بوَد!» (من يتجاوز المال، يكون سعيدًا ومبتسمًا!).
    5. جواهر الکلام فی سوانح الأيّام، ج ۱، ص ۸٩. 
    6. أنساب الأشراف، ج ٣، ص ۱۷۸؛ مقتل الحسين علیه السّلام، الخوارزميّ، ج ۱، ص ٣٤٤.

وحدة الشريعة والطريقة في الإسلام - ترابط الأحكام الإلهيّة مع الخصائص النفسيّة للمخلوقات

18
  • عدم اغترار الحرّ وزهير بظواهر الدين وهدايتهما بنور الولاية

  • في مقابل هؤلاء، هناك جماعة أيضًا ليسوا من أهل التظاهر بالتقديس. [بل] على حدّ تعبيرنا من هؤلاء "البسطاء" والأفراد الذين لا غشّ فيهم [والذين] بدلاً من أن يتبعوا ظواهر الدين، يتحرّكون بباطنهم الصافي؛ وعندما يأتي نور الولاية، يتلقّونه. هؤلاء أيضًا تحرّكوا وأتوا. مِن هؤلاء الحرّ بن يزيد الرياحيّ وزهير بن القين؛ لم يكونا من الأفراد المتظاهرين بالتقديس. كان زهير من الأعيان، وكان من أهل الترفيه والتنعّم وهذه الأمور. عندما ذهب إلى سيّد الشهداء وعاد، انقلب فجأةً من حالٍ إلى حال!۱ ألم يكن بإمكان الإمام أن يفعل هذا في شخصٍ آخر؟! لكن، [لأنّ] لديه الاستعداد، فقد جذبه عليه السلام.

  • التزام الأدب هو الذي نجّى حضرة الحرّ بن يزيد الرياحيّ

  • لقد أغاث الامام الحسينُ الحرَّ أيضًا في تلك اللحظة التي قال فيها: «ثَكَلَتْكَ أُمُّكَ»، ولم يُجبه الحرّ! يتحرّك بألف رجل ويأتي ليقطع الطريق على ابن النبيّ. إلى أيّ جهة يريد [الإمام] أن يذهب، لا يدعه! يأتي بالخيل ليقطع طريقهم، ويُغلق هذا الجانب وذاك. يغضب عليه السلام ويقول: «ألا تدعني أذهب؟ ثَكَلَتْكَ أُمُّكَ». «لتثكلك أمّك! أريد أن أذهب في طريقي!». هنا يفعل [الحرّ] فعلاً يُمسك بيده يوم عاشوراء. يقول: «لو ذكر أيُّ شخصٍ غيرك اسم أمّي، لأجبته! ولكن ماذا أفعل؟! فلا يمكن ذكر اسم أمّك! أمّك هي فاطمة الزهراء عليها السلام».٢

  • از خدا جوییم توفیق ادب***بی‌ادب محروم مانْد از لطف رب٣
  • يقول:

  • نطلب من الله توفيق الأدب *** فعديم الأدب محرومٌ من لطف الربّ

  • في يوم عاشوراء، تقع الأحداث بتلك الكيفيّة. لم يكن [الحرّ] يتخيّل أنّ القضيّة ستصبح هكذا! كان ابن زياد قد كلّف الحرّ بمهمّة: «لا تدع حسينًا يتحرّك، حتّى نأخذه ونسلّمه إلى يزيد!». [ولكنّه] رأى الآن أنّ القضيّة قد اختلفت؛ إنّها قضيّة اصطفاف ومسألة حرب؛ إنّهم يُحاربون حقًّا! هنا بدأ بالتأمّل! هنا أغاثه الإمام الحسين. يلتفت إلى جليسه ويقول: «هل سقيت الفرس؟!». يشعر هو أنّ للحرّ خطّة [وأنّ كلامه] لا يعني سقي الفرس! يأتي ويقول لابنه: «ما القضيّة؟ ما الذي ينويه عمر بن سعد؟!». يقول: «اذهب واسأله!». يأتي إلى عمر بن سعد ويقول: «أَمُقَاتِلٌ أَنْتَ؛ هل تريد أن تحارب حسينًا؟!». يقول عمر بن سعد: «إِي وَاللهِ، أُقَاتِلُ قِتَالاً شَدِيدًا أَيْسَرُهُ أَنْ تُقْطَعَ الرُّؤُوسُ وَتَطِيحَ الْأَيْدِي». يرى أنّ المسألة جديّة. يأتي إلى ابنه ويقول: «إِنِّي أُخَيِّرُ نَفْسِي بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَاللهِ لَا أَخْتَارُ عَلَى الْجَنَّةِ شَيْئًا وَلَوْ قُتِلْتُ وَأُحْرِقْتُ»؛ أي: أنا أرى نفسي بين الجنّة والنار! إنّها مسألة الجنّة والنار؛ لن أختار على الجنّة شيئًا، «وإن قُتلت أو أُحرقت!». 

    1. الإرشاد، ج ٢، ص ۷٢
    2. الإرشاد، ج ٢، ص ۸۰.
    3. المثنويّ المعنويّ (آذر يزدي)، الكتاب الأوّل، ص ۸.

وحدة الشريعة والطريقة في الإسلام - ترابط الأحكام الإلهيّة مع الخصائص النفسيّة للمخلوقات

19
  • حينئذ، كيف يأتي إلى سيّد الشهداء؟! هذه هي المسألة! يعلم [الحرّ] أنّ كلّ تلك المصائب التي حلّت بسيّد الشهداء والأطفال والنساء.. نساء وأطفال النبيّ، كانت بسببه. لو لم يكن الحرّ، لتوجّه الإمام نحو اليمن ولم تحدث هذه المسائل. كيف يأتي؟! بأيّ وجهٍ يأتي؟! يرفع يديه نحو الله: «اللَّهُمَّ إِلَيْكَ أُنِيبُ فَتُبْ عَلَيَّ؛ يا إلهي، إليك أتوب فتب عليَّ، فَقَدْ أَرْعَبْتُ [قُلُوبَ] أَوْلِيَائِكَ وَأَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّكَ»؛ لقد كنت أنا الذي أرعبت قلوب أوليائك وأهل بيت نبيّك، لقد كنت أنا الذي سبّبت هذه المسائل؛ يا إلهي، اغفر لي! إنّني أتوب وأعود! 

  • فيضع يده على رأسه، ويتحرّك، ويأتي نحو سيّد الشهداء عليه السلام. لدينا [في الرواية] أنّه بينما يأتي ماشيًا، عندما يصل أمام سيّد الشهداء، لا ينظر إليه بتاتًا! يسقط هكذا على الأرض! لا يستطيع أن ينظر من الخجل! فيقول له الإمام: «ارْفَعْ رَأْسَكَ؛ ارفع رأسك! من أنت؟!». يقول: «أنا ذلك الذي سبّب كلّ هذه المسائل!». هنا الكلام كثير! وأنا أيضًا لن أوسّع الموضوع أكثر من هذا. كما تُبيّن التواريخ، لم يكن لقاء الحرّ بسيّد الشهداء إلاّ بضع لحظات. في هذه اللحظات القليلة، ماذا رأى من خيام الحرم؟! بحيث [عندما] يأتي أمام الجيش، ينادي: 

  • يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ، لِأُمِّكُمُ الْهَبَلُ وَالْعَبَرُ؛ «يا أهل الكوفة، ثكلتكم أمّهاتكم!». «دَعَوْتُمْ هَذَا الْعَبْدَ الصَّالِحَ، فَإِذَا جَاءَكُمْ أَسْلَمْتُمُوهُ؛ فَصَارَ كَالْأَسِيرِ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ، وَحَلَأْتُمُوهُ وَنِسَاءَهُ وَصِبْيَتَهُ بَيْنَ مَاءِ الْفُرَاتِ؛ «لقد فصلتم بينه وبين ماء الفرات! لقد منعتم نساءه وأطفاله من شرب ماء الفرات!». تَشْرَبُ مِنْهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَىٰ وَالْمَجُوسُ وَكِلَابُهُمْ؛ «ماءٌ يشرب منه اليهود والنصارى والمجوس وحيواناتهم!». وَهَا هُمْ قَدْ صَرَعَهُمُ الْعَطَشُ؛ «أيّها الذين لا تعرفون الله! والله لقد أغمي على نساء هذا الرجل وأطفاله من العطش!». (تلك الجملة التي رآها [الحرّ] في بضع لحظات هي هذه!). 

  • يذهب ويقاتل، يقاتل، ويسقط على الأرض. يأتي سيّد الشهداء عليه السلام عند رأسه، ويفعل معه ما لا يفعله مع غيره: يرى الدم يسيل من مفرق الحُرّ، فيخرج من جيبه المبارك منديلاً ويعصب به رأسه! يقول: «وَاللهِ مَا أَخْطَأَتْ أُمُّكَ إِذْ سَمَّتْكَ حُرًّا؛ أَنْتَ حُرٌّ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ!».۱ 

    1. مقتطف من: الإرشاد، ج ٢، ص ٩٩ ـ ۱۰۱؛ مقتل الحسين عليه السّلام، الخوارزميّ، ج ٢، ص ۱٢؛ إكسير العبادات، ج ٢، ص ٣۱٦، نقلاً عن: مقتل أبي مخنّف؛ ينابع المودّة، ج ٣، ص ۷٦.

وحدة الشريعة والطريقة في الإسلام - ترابط الأحكام الإلهيّة مع الخصائص النفسيّة للمخلوقات

20
  • ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾۱ آلَ محمدٍ ﴿أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾٢

  • بِاسمِکَ اللَهمّ ونَدعوکَ ونُقسِمُ عليك ونَرجوکَ بِحقِّ محمدٍ وأهلِ بیتِه الأطهارِ، یا الله! يا ربّنا، اغفر لنا وارحمنا! ولا تخرجنا من الدنيا حتّى تعفو عنّا! امحُ بقلم عفوك جميع جرائم أعمالنا! لا تحرمنا من شفاعة الأئمّة عليهم السلام! لا تحرمنا من زيارتهم في الدنيا! انصر الإسلام والمسلمين! واخذل الكفّار والمخالفين وأذلّهم! اشفِ مرضى المسلمين! اغفر لأمواتهم وارحمهم! عجّل في فرج إمام الزمان عليه السلام! اجعلنا من منتظريه الواقعيّين والحقيقيّين! بِالنّبيّ وآلِه، وعَجِّلِ اللَهمّ فی فَرجِ مولانا صاحبِ الزمان!

  •  

  • اللَهمّ صَلِّ عَلی محمد وآل ‌مُحمد

    1. سورة الشعراء، الآية ٢٢۷. 
    2. سورة الشعراء، الآية ٢٢۷.