3

الجواب عن بعض الإشكالات حول الفلسفة والعرفان

2402
مشاهدة المتن

المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني

القسمجبل عامل

المجموعةالدفاع عن الفلسفة والعرفان

جلسات المجموعة(4 جلسة)

التوضيح

في المحاضرة الثالثة والأخيرة حول ردّ الشبهات ودفع التهم عن الفلسفة والعرفان، تحدّث آية الله سماحة السيّد محمّد محسن الطهرانيّ (قدّس الله سرّه) عن أهميّة الفلسفة والعرفان، وقال أنّ أساس منهج الإمام الصادق هو البحث والمعرفة، ومناظرة الملل والنِّحَل، بخلاف المناهج المنغلقة الأخرى. وأجاب سماحته عن الشبهة الواردة حول مقولة صدر المتأهلين «وإنّي لأستغفر الله كثيرًا ممّا ضيعت شطرًا مِن عمري في تتبّع الآراء المتفلسفة والمجادلين مِن أهل الكلام ...» مُبيّنًا أنّ المقصود هو أنّ الحكمة لا تؤتي أُكُلها بدون عملٍ واتّباعٍ حقيقيٍّ للمعصوم، وأنّ هناك بعض المسائل الفلسفيّة القديمة ليست ذات أهميّة علميّة وعمليّة، وهذا ما أجتنبه في كتابه الحِكَميّ الموسوم بالأسفار. وبيّن سماحته أنّ العرفان لا يخالف الشرع، وهو يناقش كلّ التوجّهات الأخرى مِن خلال التفكّر بمسائل الوجود ودراسة النظريّات العقليّة لا النقليّة فقط. ووضّح معنى العرفان بقسمَيه النظريّ والعمليّ. ثمّ أجاب على الشبهة في الدعوى الباطلة القائلة بأنّ أهل الفلسفة والصوفيّة ملعونون على لسان الأئمّة، مبيّنًا أنّ أقوال أهل البيت في هذا المجال كانت في حقّ مَن تصدّى للعِلم والدعوة، والحال أنّهم جهّالٌ ومُضلّون في الواقع، كما أنّه يوجد بين فقهاء الشيعة مَن اتّخذ إجازة الفقاهة والاجتهاد وسيلةً للإضلال والإفساد، فهل يجوز – والحال هذه – الانتقاص مِنَ التشيّع وعلمائه ومِنَ الفقه، وذلك لمجرّد وجود هؤلاء المنحرفين! ثمّ هل يجوز لمَن لم يتعلّم الفقه والأصول أن يُنكره ويرفضه لمجرّد جهله به؟!
/۱٦
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد الصوت

الجواب عن بعض الإشكالات حول الفلسفة والعرفان

1
  •  

  • هوالعليم

  •  

  • الجواب عن بعض الإشكالات حول الفلسفة والعرفان

  •  

  • الدفاع عن الفلسفة والعرفان – الجلسة الثالثة

  •  

  • محاضرة القاها

  • آية الله الحاج السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ

  • قدّس الله سره

  •  

  •  

الجواب عن بعض الإشكالات حول الفلسفة والعرفان

2
  •  

  •  

  • بسم الله الرحمن الرحيم

  • والصلاة والسلام عل سيّدنا ونبيّنا محمّد وعلى آله الطيّبين الطاهرين

  • واللعنة على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين

  •  

  •  

  • مَن رام خلاف البحث والتحقيق فهو مخالف لأصل التشيّع

  • في اليوم الماضي ذكرنا عدّة أدلّة للمخالفين للفلسفة والعرفان النظريّ والعمليّ [ورددناها]. وقبل الورود في أصل المطلب، مِنَ المناسب أن نذكر مطلبًا، وهو أنّ حياة الشيعة هي حياة البحث والنظر. ويتمايز الشيعة عن أهل السنّة بالبحث والنظر والاجتهاد. ومِن زمن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى زماننا هذا، يفتخر الشيعة بأنّ مدرستهم هي المدرسة الصادقة والصحيحة، أمّا مدرسة أهل السنّة فهي مدرسة الضرب والجرح والشتم.

  • إنّ أمير المؤمنين مولانا علِيّ بن أبي طالب (عليه السلام) هو أوّل مَن فتح باب البحث، وباب معرفة الله تعالى بالبحث والنظر. أمّا الشيخان، لَمّا لم يكن لديهم دليل ولا حجّة، تسلّطوا على الناس بالضرب والشتم والإشاعات والأكاذيب. هذا هو الأمر الّذي يُميّز بين السنّة والشيعة. ومدرسة الإمام جعفر بن محمّد الصادق، أي المدرسة الجعفريّة، هي مدرسة البحث والنظر والمباحثة مع أهل الخلاف، مِنَ الصوفيّة والمعاندين مِن جميع المذاهب، كالأشاعرة والمعتزلة وأهل السنّة والنواصب وأهل البدع والمخالفين والمنحرفين والقائلين بعدم التوحيد. وكان الإمام جعفر بن محمّد الصادق يدفع ويشجّع تلامذته على البحث والمناظرة، وكان مِن أحبّ تلامذته [إليه] هشام بن الحكم وهشام بن سالم ومؤمن الطاق، لأنّهم كانوا يواجهون المخالفين بالمنطق والحكمة البالغة. هذا هو الأمر الّذين يميّز بين الشيعة وبين أهل الخلاف، وهذه هي حياة التشيّع، فهي حياة العِلم والبحث؛ وإذا ما اضمحلّ البحث وانتفى، يموت العِلم، فالعِلم ينشأ ويرقى بالبحث والمباحثة.

  • على هذا، وكما قال مولانا أمير المؤمنين عليه السلام «أنظر إلى ما قال ولا تنظر إلى مَن قال»۱، هذا هو الركن الأساسيّ في حياة التشيّع. كما أنّ الأئمّة المعصومين (عليهم السلام)، هم فقط المعصومون مِن كلّ خطأ، أمّا بقيّة الأفراد فهم خطّاؤون بأجمعهم. وهذا أمر أساسيّ يجب أن لا ينكره أحد؛ يعني أنّ العلماء، مع ما هم عليه مِن تقوى ورجحان [في العقل]، ونحن نكرمهم ونحترمهم ونترحّم عليهم ونسألهم الشفاعة يوم القيامة، فمع كلّ هذا، هم خطّاؤون. فلا بدّ أن ننظر في أصل الشريعة وفي أصل النهج، ونأخذ فقط بما هو المأثور عن الأئمّة (عليهم السلام).

    1. السرائر، ابن إدريس الحليّ، طبعة العتبة العلويّة المقدّسة، ج۱، ص ۱۰٥. (م)

الجواب عن بعض الإشكالات حول الفلسفة والعرفان

3
  • على هذا، فكما أنّ مخالفينا مِنَ الفقهاء الّذين لم يدرسوا الفلسفة، يجوّزون لأنفسهم تخطئتنا في هذا المنهج، كذلك يجوز لنا تخطئتهم في عدم دراستهم لهذا النهج.

  • واختلاف فتاوى الفقهاء أمرٌ متعارفٌ ورائج ودارج في كلّ زمان وعلى مرّ الأزمنة، [وترى] الأساتذة في الحوزات العلميّة الآن يخطّؤون العلماء [ويقولون:] كانت فتوى هذا الفاضل وهذا المرجع خاطئةً. فهذا أمر دارج، ولا يُلام عليه أحد، وهو أمر موجود مُنذ زمن الصادق إلى زماننا. إذن، فالبحث والتفكّر حول الفتاوى والقواعد والمباني، لهو أمر دارج ورائج بين الطلبة وأهل العِلم، ومَن رام خلاف ذلك فهو مخالف لأصل التشيّع، يعني أنّه مخالف لأصل المذهب؛ فأصل المذهب [قائم] على البحث، ومَن يفرّ مِنَ البحث والمباحثة وكأنّه يفرّ مِنَ الحجر الأساسيّ لحياة التشيّع. هذا ما خطر ببالي كمقدمة أقدّمها لكم في هذا الموضوع والبحث.

  • مِن أدلّة المخالفين للحكمة والردود عليهم

  • مِنَ الأدلّة الّتي يطرحها مخالفو الفلسفة ودراسة الفلسفة والعرفان، هو أنّه يوجد في بعض كلمات العرفاء وعلماء الفلسفة [عبارات] التراجع والتوبة مِن هذا المنهج، أي مِن دراسة الحكمة ودراسة العرفان، ومثال ذلك - كما يقولون – صدر المتألّهين، وهو فخر العلماء والحكماء الإسلاميين منذ أربعمئة سنة إلى اليوم، وله كتاب ضخمٌ وعجيب واقعًا وثمين في الحكمة، فهو قد استغفرَ الله مِن ممارسة الحكمة والفلسفة، حيث قال في أوّل كتابه الأسفار «وإني لأستغفر الله كثيرًا ممّا ضيّعت شطرًا مِن عمري في تتبّع آراء المتفلسفة والمجادلين مِن أهل الكلام وتدقيقاتهم وتعلّم جربزتهم في القول وتفنّنهم في البحث، حتّى تبيّن لي آخر الأمر بنور الإيمان وتأييد الله المنّان أنّ قياسهم عقيم وصراطهم غير مستقيم، فألقينا زمام أمرنا إليه وإلى رسوله النذير المنذر، فكلّ ما بلَغنا منه آمنّا به وصدقناه ولم نحتل أن نخيل له وجهًا عقليًّا ومسلكًا بحثيًّا، بل اقتدينا بهداه وانتهينا بنهيه امتثالًا لقوله تعالى {ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} حتّى فتح الله على قلبنا ما فتح فأفلح ببركة متابعته وأنجح»۱، هذا كلام لصدر المتألّهين في مقدمة الأسفار، وهذا عمدة أدلّتهم على أنّ الفلسفة ليست نافعةً ولا منتجةً، إذ هذا الحكيم المتألِّه قد استغفر الله مِن تعلّم الفلسفة ومِن دراسة الفلسفة والحكمة.

    1. الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة (المعروف اختصارًا بالأسفار)، لصدر الدين محمّد الشيرازيّ (المعروف بصدر المتألّهين)، ج٢، ص ۱۱. (م)

الجواب عن بعض الإشكالات حول الفلسفة والعرفان

4
  • أمّا الجواب على ذلك، فنقولأوّلًا، إنّ هذا الحكيم المتألِّه، لَمّا عَلِم أنّ الفلسفة ليست نافعة، فلماذا ألَّف هذا الكاتب الضخم مِن تسعة [أجزاء] والمسمّى بالأسفار، لماذا ألّفه؟! ثمّ أنّ هذه المقدّمة؛ إمّا أنّها كانت قبل التأليف، وإمّا أنّها كانت بعد التأليف؛ فإن كانت قبل التأليف، فلماذا ألّف هذا الكتب؟! وإن كانت بعد التأليف، فلماذا أبقى هذا الأثر ولم يفنيه؟! فلو كان ما في الأسفار، وما في أجزائه التسعة بحسب طبعته الحديثة، مطالبَ باطلةٍ ومسائلَ غيرَ نافعةٍ، فلماذا لم يُمحِ هذا المؤلِّفُ الحكيم هذا الأثرَ؟! ولو كانت مقالاته [في كتاب الأسفار] ضلالًا وإضلالًا، فلماذا لم ينفيه، لماذا؟!

  • هذا الجواب النقدي، أمّا الجواب الحلّي؛ فمِنَ الواضح والبيّن – كما قلنا – أنّ الفلسفة هي قضايا عمليّة، فهي تُثبت العلّة وتُبيِّن كيفيّة نظام العالَم، وتُثبت الربط بين الحادث والقديم، وتُثبت أسماء الله تعالى وصفاته وكيفيّة حدوث العالَم، والمبدأ والمنتهى. ولكن، هل هذا العِلم وهل هذه القضايا ذات نفعٍ في الحياة العمليّة؟! يعني هل مجرّد اطّلاع الإنسان على هذه الخفايا يصيّره إنسانًا ناجحًا ومؤمنًا ومتديّنًا وبالغًا مراتبَ الكمال؟! كلّا وأبدًا؛ فهل يضمحلّ مرض الإنسان وتعرض عليه السلامة بمجرّد [علمه] بالطبّ وبالعلوم الطبيّة؟! لا، بل لا بدّ أن يتعلّم الإنسان العلوم الطبيّة وأن يمارس هذا العِلم وأن يعمل على طبق علومه. فمجرّد الاطّلاع على بعض المسائل لا ينفع، ما لم يعمل هذا الشخص على طبق ما اطّلع عليه. على هذا، فإنّ هذه القضايا المنطقيّة والفلسفيّة والحِكميّة، مع أنّها قضايا حقيقيّة واقعًا، إلّا أنّه لا بدّ للمرء أن يعمل على طبقها حتّى يكون هذا العِلم نافعًا ومفيدًا له.

  • مِنَ القضايا الحكميّة والفلسفيّة هو أن يرى الإنسان نفسه مرتبطًا بالله تعالى ومخلوقًا لله تعالى، وأنّه غير مستقل في الوجود، بل فقيرًا ومحتاجًا ويحتاج إلى دالٍّ ودليلٍ. ومَن هو الدالّ؟ الدالّ هو الّذي بعثه الله لهداية الناس، وهو إمّا النبيّ أو الإمام (عليه السلام) أو مَن وصل إلى مرتبة الولاية واطّلع على الأسرار الغيبيّة ويرى ما لا نستطيع أن نراه.

الجواب عن بعض الإشكالات حول الفلسفة والعرفان

5
  • على هذا، فمجرّد تعلُّم الفلسفة [غير كافٍ]، وهذا هو مقصود [صدر المتألّهين في مقدمته تلك].

  • فهل تعلُّم الفلسفة باطل [أصلًا]، أو أنّه ليس بنافع ما لم نعمل به؟ فالمسألة مطّردة هنا؛ فإمّا أن يكون الأمر باطلًا، كبطلان أن تكون نتيجة ضرب الاثنين بالاثنين خمسة، إذ ضرب الاثنين بالاثنين أربعة. وإمّا أنّه مِن قبيل عدم المنفعة [ما لم يُعمل به]؛ مثلًا، إنّ مجرّد اطّلاع الإنسان على [علمَي] الحساب والهندسة لا يصيّر هذين العِلمين نافعين، إلّا أن نعمل على مطالبهما ونتعامل بهما ونطبّقهما في أمورنا المعيشيّة والحياة الدنيويّة والمعاملات التجاريّة. فصرف عِلم الحساب وصرف عِلم الرياضيات، والاطّلاع على المسائل الرياضيّة والجبر والهندسة وغير ذلك، لا يفيدنا ولا نستفيد منه، إلّا إذا أعملنا تلك المسائل في السوق، وطبّقناها في أمورنا المعيشيّة والتجاريّة، وفي المصالح المحيطة بنا.

  • فمراد صدر المتألّهين ببيانه في تلك المقدمة: أوّلًا، أنّ مجرّد الاطّلاع على المسائل الحكميّة والفلسفيّة، لا يصيّر الإنسان مؤمنًا حتّى يتّبع الرسول النبيّ الأميّ والأئمّة عليهم السلام، وهذا واضح. يعني أنّ مجرّد الاطّلاع على أنّه لا بدّ أن يكون هناك مبدأ، ولا بدّ أن يكون لهذا العالَم علّة، ولا بدّ أن يكون بين هذا العالَم وبين الله تعالى ربط، ومجرّد الاطّلاع على أنّنا مخلوقون، وأنّه لا بدّ مِن حياة أخرويّة، وعلى كيفيّة [وحقيقة] المادّة والمتاع، فإنّ مجرّد الاطّلاع هذا ليس نافعًا ولا مفيدًا، إلّا إذا عملنا على طبق ما اطّلعنا عليه. وحتّى يفيدنا اطّلاعنا هذا، لا بدَّ للهداية مِن دليل دالٍّ، وهو الله تعالى، والدليل إلى الله تعالى هو النبيّ الأكرم والأئمّة المعصومون عليهم السلام، وهذا واضح لا ينكره أحد، ونحن نقول بذلك؛ فنقول إنّ الفلسفة لا تفيدنا إلّا إذا عملنا بمقتضاها، والمقتضى هو اتّباع الأئمّة المعصومين عليهم السلام، وبذلك نكون على صلاح وفلاح. وكلُّ الفلاسفة مجتمعون على ذلك وملتزمون به؛ فمَن مِنَ الفلاسفة قال إنّنا لا نحتاج إلى النبيّ!! ومَن مِنَ الحكماء قال إنّنا لا نحتاج إلى دلالة الأئمّة!! مَن قال!!

  • هكذا هو الأمر بالنسبة إلى هذا الرجل [أي صدر المتألّهين]. ونحن نجد أنّ الرجل، مع ذِكره لذلك المطلب في مقدمة الأسفار، قد ذَكر – في نفس تلك المقدمة – مطالبَ عجيبةً، وبيانًا عجيبًا في تعريف الفلسفة والحكمة، فهو قد رفع هذا العِلم وهذا النهج إلى مرتبة لا ينازعه فيها أيّ عِلم آخر، يعني أنّ هذا الحكيم المتألّه مع أنّه قد قال ذلك في مقدّمته، إلّا أنّه يعرّف الفلسفة والحكمة بتعريف لا يرقى إلى قوّته تعاريف سائر العلوم؛ فهو يقول إنّ هذا العِلم هو عِلم المعرفة وعِلم المبدأ والمَعاد، وهو المعرفة بالمبدأ والمَعاد، وهو أعظم المعارف وأعلاها؛ هذا ما يقوله هو في مقدّمة كتابه الأسفار. كتاب الأسفار ليس معي وإلّا لأحببتُ أن أقرأ عين ألفاظه وأضعها بين أيديكم. فهو يقول أنّ المطالب الّتي ألّفها في هذه المجلّدات الضخمة هي أعلى مراتب العِلم وأرفع المسائل المعرفيّة والنفسانيّة، في المبدأ والمَعاد، وأنّ كلّ عالِمٍ وطالب لا بدّ أن يتعلّمها ويدرسها حقّ الدراسة والتعليم والتعلّم.

الجواب عن بعض الإشكالات حول الفلسفة والعرفان

6
  • وهو يتكلّم في جميع هذه المجلدات عن مسائل الوجود والمسائل المتعلّقة بالوجود، فهي مِنَ الأهميّة [بمكان] بحيث أنّه لا يوجد شيء مِنَ العلوم [يمكن] أن يصل إلى هذه المرتبة مِنَ الأهميّة حتّى الفقه، وكذلك هي المطالب واقعًا.

  • هذا فيما يخصّ كلام صدر المتألّهين. ونحن نعتقد أن مجرّد ممارسة العلوم الحكميّة والفلسفيّة لا تفيدنا، إلّا إذا اتّبعنا الشرع والأئمّة المعصوم عليهم السلام، وتمسّكنا بولايتهم، وأخذنا بعرى عنايتهم، وبذلك نفلح وننجح.

  • ثمّ نسأل أولئك [المخالفين للحكمة]: هل يكون الاطّلاع على الفقه والأصول والتفسير نافعًا بدون العمل بهم؟! أبدًا [لا]. يعني هل مجرّد الاطّلاع على الفقه وعلى الأحكام الشرعيّة والأحكام المدوّنة في الرسائل العمليّة، يفيد المرء؟! أبدًا [لا]، إلّا أن يعمل بها. فلماذا لا تقولون بعدم المنفعة بالنسبة إلى الفقه [والحال أنّكم] تقولون بعدم المنفعة بالنسبة إلى الفلسفة؟! بل كلّ العلوم كذلك، فإنّ مجرّد الاطّلاع على آيات القرآن .. إنّ أهل السنّة يقرؤون القرآن أحسن منّا، بل حفّاظ القرآن مِن أهل السنّة أكثر منّا طبعًا، [إلّا أن] صرف الاطّلاع لا يصيّر الشخص ناجحًا وفالحًا، حتّى يعمل على طبقه، فكيف لأهل السنّة أن يفلحوا وهم فقط يقرؤون القرآن، تاركين الأئمّة الّذين هم القرآن الناطق ولسان القرآن وتفسير القرآن والموجّهون [لمعاني ومقاصد] القرآن؟! هذا هو الجواب الثالث على المخالفين للحكمة والعرفان.

  • والجواب الرابع في هذه المسألة، هو أنّ الفلسفة مَثلها مثل سائر العلوم؛ فكما أنّه يوجد في سائر العلوم مسائل مهمّة واقعًا، ومسائل غير مهمّة، الّتي هي مجرّد مباحث وأخذ وردّ وشرح أقوال بلا فائدة، كما هو الحال في الفقه والأصول، [كذلك الأمر في الفلسفة].

  • [مثلًا] يوجد في الفقه والأصول مسائل ليست لازمة في زماننا هذا، كالمسائل المتعلّقة بالإيماء والعبيد، فلا فائدة في البحث فيها الآن، ومع ذلك نجدها في الكتب الفقهيّة. ونجد مسائل أصوليّة عجيبة لا نستخدمها أبدًا طوال عمرنا، والحال أنّهم يبحثون في هذه المسائل في دراسات طويلة على مرّ الأزمنة، وهذا أمر عجيب.

  • أعرف شخصًا مِنَ الفضلاء، شرع في دراسته وتعليمه في الحوزة المقدّسة ببيان هذه المسألة والبحث فيها، وهي أنّه إذا كان الإنسان غير بالغ، وقبْل الطواف وهو بين الركن وباب الكعبة، يعني بين الحجر الأسود وبين باب الكعبة، صار بالغًا، فماذا يفعل؟ وبحث حول هذه المسألة مدّة شهرٍ كاملٍ! تكلّم شهرًا كاملًا حول هذه المسألة! ... نحن نسأل، ماذا تفيدكم هذه المقالة؟! واقعًا، أليس هذا محلًّا للضحك! هذا ليس إلّا أضحوكة! واقعًا، هل تعرفون أحدًا بين جميع مَن يحجّ مِن مختلف البلدان، مَن قد بلغ بين الحجر الأسود وبين الباب؟! أنا أقرّ بأنّ أغلب، لا ليس الأغلب، ولكنّ الكثير مِن مسائلنا الأصوليّة والفقهيّة هي مِن هذا القبيل، يعني أنّه لا فائدة في البحث عنها، فهي مجرّد مباحثات وقيل وقال وردٍّ وإيراد، يعني أنّه لا فائدة أبدًا في هذه المسائل.

الجواب عن بعض الإشكالات حول الفلسفة والعرفان

7
  • [مثلًا]، كان الشيخ الأنصاريّ قد ألّف كتابًا ضخمًا في الأصول العمليّة، ومع أنّه كان رجلًا عالِمًا وجليلًا وتقيًّا ومتديّنًا ومؤمنًا، وكان واقعًا مِن مفاخر الشيعة، إلّا أنّ حدود نصف هذا المجلّد متروك الآن في الحوزة العلميّة، كالمطالب الّتي [تدور] حول الاستصحاب، وانسداد باب العلم في زماننا هذا، [أي في زمن غيبة] سيدنا الإمام المهديّ (عليه السلام وعجل الله تعالى فرجه)، فهم يقولون أنّه يُحتمل انسداد باب العلم في هذا الزمان، وعليه ماذا نفعل؟ فنحن نترك جميع هذا المطالب، لأنّها ليست ذات فائدة أبدًا، لا فائدة فيها؛ فبعضهم يدرسون مِن [كتاب] الرسائل نصفه أو مثلًا أكثر مِن نصفه، وكذلك الأمر في بعض مسائله.

  • كذلك هو الحال في الفلسفة أيضًا، يعني أنّه توجد مباحث في الفلسفة – ولا نقصد هنا فلسفة صدر المتألّهين، لا، بل [المقصود هو الفلسفة] قَبل صدر المتألّهين – الفائدة فيها هي مجرّد المُباحثة والتحقيق والتأمّل والتحقيق النظريّ دون أيّ فائدة عمليّة. ونحن نقرّ بذلك، كما هو الحال في سائر العلوم، والعلماء بأجمعهم يقرّون بذلك. حتّى أنّه يوجد، في الأصول والفقه وبعض العلوم، مسائلَ لا فائدة فيها أبدًا. فصدر المتألّهين الشيرازيّ يقول إنّه كان كثير التتبّع والتدقيق مع الأفراد الّذين داعيهم إلى المطالب الفلسفيّة هو مجرّد المباحثة والمجادلة وأمثال ذلك، وبعد ذلك نبّهه الله تعالى ووجد الحقيقة، والحقيقة هي انكشاف مسألة حقيقة الوجود، كما يبيّن بنفسه ذلك في طول كتابه وعرضه (...)۱.

  • فلا بدَّ مِنَ الرجوع إلى الأئمّة عليهم السلام، حتّى مع تعليم وتعلّم الفلسفة، وقد وجدَ [صدر المتألّهين] في نفسه أنّ الفلسفة والحكمة والكلام في هذه المسائل لا تنفع ولا تفيد، إلّا إذا كان الإنسان متابعًا للأئمّة عليهم السلام. ونحن نقرّ بذلك. 

  • على هذا، فليس دليلهم هذا بدليل على ترك الفلسفة والحكمة.

  • دليل آخر للمخالفين للحكمة والردود عليهم

  • إحدى الأدّلة المطروحة [على بطلان الحكمة] هي أنّهم يجدون في كلام العرفاء والفلاسفة ما هو مخالف للشرع. ونحن نسأل ما هو هذا الكلام؟! ما هو الكلام المخالف للشرع؟! ففي أيّ دليلٍ شرعيٍّ تمّ نفي مسألة (وحدة الوجود)، حتّى تكون مسألة (وحدة الوجود) مخالفة له؟! وفي أيّ دليلٍ مِن أدلّة الشارع تمّ نفي مسألة (ربط الحادث بالقديم)، حتّى تكون هذه المسألة مخالفة له؟! أيٌّ مِن هذه المسائل [تنافي أدلّة الشرع]؟! 

    1. يوجد انقطاع في التسجيل الصوتيّ. (م)

الجواب عن بعض الإشكالات حول الفلسفة والعرفان

8
  • وإن قيل أنّ الفلاسفة أنفسهم غير متّفقين على هذه المسائل، وهذا يدلّ على بطلان الحكمة. فنقول: كما أنّ الفقهاء يختلفون في آرائهم في العديد مِنَ المسائل، كذلك هو الأمر بين آراء الفلاسفة في العديد مِنَ المسائل، فهذا لا يُبطل الفلسفة والحكمة. فكلّ شخص له اختيار وإرادة ومشيئة في التفسير وكيفيّة الفكر والنَّظم للقضايا والاستنتاج فيها، فجميعنا مختارون وذوو فكر وسليقة، والله تعالى هو مَن سمح لنا وللجميع [بإعمال] هذه الخصال النفسانيّة والتفكير.

  • قلنا أنّ الفلسفة هي [عبارة عن] تفكّر الإنسان والعقل في مسائل عالَم الوجود، وهذا مبنيّ على تلك النظريّة. وقلنا – وهذا ملخّص الكلام – أنّه لا بدّ أن نجيب المخالفين [لِدِيننا] فيما يطرحونه مِن أسئلة [وأمور] مخالفة لأُسُس الإسلام والتشريع والمعتقدات والعقائد الإسلاميّة، ولا بدَّ [أن تكون إجاباتنا] بالقضايا العقليّة، لأنّ المخالفين لا يعتقدون أصلًا بالله تعالى، حتّى يعتقدوا بالرسالة، ولا يعتقدون بالرسالة حتّى يعتقدوا بالقرآن، ولا يعتقدون بالقرآن حتّى يعتقدوا بالأئمّة ورواياتهم. هذا يعني [أنّ إجابتهم] لا يمكن أن تتمّ أبدًا [بالآيات والروايات].

  • وإن قال مخالفو الحكمة بأنّهم يجيبونهم بالقضايا العقليّة والحكميّة دون أن يعتقدوا بها، فلو سألهم أحدُ المخالفين لِدِيننا: كيف تجيبنا بما لا تعتقد به؟! فماذا سيُجيبونه؟! فإنّ المخالفين للفلسفة يقولون: مَن أراد أن يدرس الفلسفة فليدرسها للجواب على المخالفين [لِدِيننا]، مع عدم الاعتقاد بالمسائل الفلسفيّة. ونحن نسألهم، كيف تجيبونهم بالمسائل الحكميّة والفلسفيّة مع أنكم لا تعتقدون بها؟! بماذا يجيبون [عن هذا]؟! إذا كنتَ لا تعتقد بهذه الأجوبة فكيف تجيب بها؟! وإذا كنتَ لا تعتقد بهذه المطالب وبهذا المنطق ولا تعتقد بهذه القضايا [الفلسفيّة والحكميّة]، فبماذا ستجيب [المخالفين للدين]؟! أليس هذا مجرّد ادّعاءٍ ولغوٍ ولهْوٍ وأباطيل. هذا بالنسبة إلى الفلسفة.

  • الدفاع عن العرفان؛ أدلّةٌ بيّناتٌ على صحّة نهج العرفان وشرعيّته

  • أمّا بالنسبة إلى العرفان، فالعرفان هو معرفة الله تعالى ومعرفة المبدأ والمعاد بالمشاهدات والمكاشفات القلبيّة. نحن الآن نرى الأراضي والأشجار والسماء والقمر، فنحن نرى كلّ هذه الأمور بأعيننا، ولكنّنا لم نرَ الله تعالى، ولم نرَ ملائكة الله تعالى ولا الجحيم ولا الجنّة، ونحن لم نرَ الأئمّة عليهم السلام والأنبياء والعوالم الأخرى، وإنّما نرى عالَم المِثال بصورة جزئيّة في المنام، كرؤيتنا لشخص ما في المنام، فهذا يدلّ على اطّلاعنا على عالَم المثال جزئيًّا لا كاملًا.

الجواب عن بعض الإشكالات حول الفلسفة والعرفان

9
  • هذا يعني أنّ اطّلاعنا على عالَم الوجود ينحصر بما يحيط بنا مِن هذه الدنيا، ولا [يشمل] تمام الدنيا، وإنّما يقتصر على ما هو بمقدار ذرّة بالقياس إلى الصحراء؛ ففي رواية عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّ نسبة عالَم الدنيا مع ما فيها مِن أجرام سماويّة وشمس – الآن وبعد مضيّ هذا الأزمنة استكشفوا جرمًا ونجمًا يفصلنا عنه حدود اثنا عشر مليون سنة ضوئيّة، وهذا ليس آخر الدنيا بل يمكن أن يكون أوّل الدنيا، فنور هذا الجرم يحتاج إلى اثني عشر [مليون] سنة ضوئيّة ليصل إلينا، وهذا أوّل الدنيا أي عالَم المادّة – إلى عالَم المِثال كنسبة الحصى الواحدة للصحراء، ونسبة عالَم المثال لعالَم الملكوت كنسبة القطرة للبحر – يعني أنّنا لا نستطيع أن نتخيّل أصلًا ما هو الوجود، ولا يمكننا أن نتخيّل أبدًا الحوادث الّتي تقع حولنا، يعني لا يمكننا حتّى أن نفكّر في ذلك – ونسبة الملكوت إلى عالَم الجبروت كنسبة القطرة للبحر، وكذلك نسبة الجبروت للآهوت ... وهو بالنسبة إلى الذات [الإلهيّة] كذلك. فما هو [مقدار] اطّلاعنا على ذلك؟! {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا}۱؛ العرفان هو مشاهدة كلّ هذه العوالم مشاهدة قلبيّة، هذا هو العرفان. والعرفان على قسمين: العرفان النظريّ والعرفان العمليّ؛

  • العرفان العملي هو المشاهدة، أي مشاهدة عالَم المِثال وعالَم الملكوت وجميع العوالم، والحجب الغيبيّة، ومشاهدة عالَم الأنوار والأسماء الكليّة للعظمة الإلهيّة.

  • والعرفان النظريّ هو الحكاية عن هذه المشاهدات، فهو ما يؤلَّف [ويُكتب مِن تلك المشاهدات] بين دفّتين، مثل [كتاب] الفصوص لمحي الدين بن عربي ... وغيره، جميعها مِنَ العرفان النظريّ. فهم يحكون المطالب الّتي تُكشف للعرفاء الشامخين في العوالِم الغيبيّة، فيدوّنوها في الكتب. هذا هو العرفان النظريّ. أمّا تعريف العرفان النظريّ، فهو معرفة الله تعال ومعرفة أسمائه وصفاته وكيفيّة خلق آدم وخلق العالَم، وكيفيّة خلق كلّ عالَم الموجودات، وكلّ ذلك وفق الكشف الباطنيّ والقلبيّ.

  • فليس الأمر بقراءة ودراسة الكتب فقط، لا، بل العارف يجد في نفسه معرفة الله تعالى؛ قال أمير المؤمنين عليه السلام «كيف أعبد ربًّا لم أره»٢، يعني أنّ أمير المؤمنين عليه السلام وجد معرفة الله تعالى في نفسه، والحال أنّنا لا نجد ذلك، وإنّما نعرف الله تعالى بواسطة القضايا البسيطة العقليّة، فنحن نعرف الله تعالى بواسطة بعض المسائل البسيطة ومِن بعض المطالب المدوّنة في الكتب، أمّا أمير المؤمنين يرى الله تعالى بعينٍ باطنيّةٍ وبصيرةٍ باطنيّةٍ. كان أمير المؤمنين عليه السلام يرى الملائكة، وقد قال أنّه كان يسمع الوحي وصوت الوحي٣، وكان يرى الملائكة وكيفيّة القدر في ليلة القدر، وكيفيّة نزول الملائكة. وكذلك الأئمّة، فهم يرون، والأولياء الّذين وصلوا إلى هذه المرحلة، يرون الملائكة. وقد سمعتُ مِن أحد رفقائي (رحمه الله)، والّذي كان واقعًا وحقًّا مِنَ المؤمنين، حين سألته: كيف تصلّي الفجر؟ يقول: إنّي أرى ملائكة الليل يذهبون، وملائكة النهار يجيئون، فأعلم أنّ وقت صلاة الفجر قد حان. لاحظوا! فهذا يعني أنّه يرى الملائكة، فوقت صلاة الفجر هو بذهاب ملائكة الليل ومجيء ملائكة النهار صباحًا، مع أنه ليس بعارف – والعرفان أعلى مِن ذلك – ولكنّه رجلٌ صالحٌ وطيّبٌ وذو نفسٍ طيّبة وجيّدة.

    1. سورة الإسراء (۱۷)، جزء مِنَ الآية ۸٥.
    2. التوحيد، الشيخ الصدوق، طبعة جامعة المدرّسين، ص ۱۰٩ و ٣۰٥ و ٣۰۸، مع اختلاف يسير. (م)
    3. الطرائف، السيّد ابن طاووس، ص٤۱٥، فممّا ورد في مناشدته لأهل الشورى قوله عليه السلام: «ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول الله صلّى الله عليه وآله وخديجة وأنا ثالثهما، أرى نور الوحي والرسالة وأشمّ ريح النبوّة، ولقد سمعت رنّة الشيطان حتّى نزل الوحي عليه، فقلت: يا رسول الله، ما هذه الرنّة؟ فقال: هذا الشيطان قد أيس مِن عبادته، إنّك تسمع ما أسمع وترى ما أرى، إلّا أنّك لست بنبيّ، ولكنّك وزير وإنّك لعلى خير». (م)

الجواب عن بعض الإشكالات حول الفلسفة والعرفان

10
  • [أمّا مرتبة] العرفان فهي أعلى مِن ذلك، [حيث يصبح العارف هو مَن] يفيض ذلك، فمَن وصل إلى هذه المرتبة تكون الملائكة في خدمته لا أنّه يراهم فقط؛ قال ابن سينا في كتابه أنّ العارف هو الّذي تطيعه مادّة الكائنات، وليس المقصود هو المادّة الّتي نتصرّف بها في عالَم الدنيا هذه، لا، بل مادّة عالَم الوجود، يعني أنّ كلّ عالَم الوجود يكون بخدمته، مِثل الإمام الرضا عليه السلام، فهو قد تصرّف في الصورة فصيّرها أسدًا، أي أسدًا واقعيًّا۱، وكعيسى على نبيّنا وآله وعليه السلام، فقد تصرّف بالموتى فيصيّرهم أحياءً٢، وكتصرّف موسى بالعصى الخشبيّة فصيّرها حيّة٣، وكتصرّف نبيّنا صلّى الله عليه وآله وسلّم بالقمر فانشقّ٤، وتصرّفه بالشجرة فشهدت بالله وبرسالته ونبوّته٥؛ هذا التصرف هو تصرّفٌ إلهيٌّ.. تطيعه مادّة الكائنات.. [فمَن كان كذلك] فهو عارف، فالعارف هو الّذي وصل إلى مرتبة معرفيّة تصبح [معها] طاعة كلّ عالَم الوجود له مِن آثاره وخصوصيّاته، يعني أنّ كلّ عالَم الوجود يكون بخدمته؛ فكلّ عالَم الوجود هو بخدمة النبيّ، وكلّ عالَم الوجود هو بخدمة الإمام عليه السلام، العارف؛ يعني أنّ ذلك هو مِن آثار الوصول، لأنّه خلع نفسه وخرج مِن نفسه وفنى في ذات الله تعالى، ومِن خصوصيّة هذه المرحلة أنّ الله تعالى يؤتيه آثاره، «عبدي أطعني حتّى أجعلك مِثْلي (أو مَثَلي) أقول للشيء كن فيكون وتقول للشيء كن فيكون»، هذا حديث قدسيّ موجود في المجلّد [مئة واثنين] مِن بحار الأنوار٦. هذا مِن آثار العرفان.

  • ولكن – مع الأسف –بعض مَن كان في زمن الأئمّة عليهم السلام تتدخّلوا في هذا الأمر وتظاهروا بالعرفان، أمثال سفيان الثوريّ وحسن البصريّ وغيرهما۷، كانوا مخالفين للأئمّة المعصومين عليهم السلام، وكانوا يجذبون الناس مِن وراء الإمام عليه السلام، ويقفون في وجه الأئمّة عليهم السلام، ويراؤون، ويخالفون الأئمّة، ثمّ يسمّون أنفسهم عرفاء وصوفيّة، مع أنّهم ملعونون على لسان الأئمّة، لأنّ أقوالهم مخالفة لأقوال الأئمّة، وفعالهم مخالفة لأفعال الأئمّة، ومخالِفة للشرع. فهم كالأئمّة الأربعة، الّذين منهم أبو حنيفة، الّذي كان يقف بوجه الإمام عليه السلام.

    1. عيون أخبار الرضا، الشيخ الصدوق، ط. مؤسسة الأعلمي، ج٢، ص۱۷٩، في حديث مفصّل عن الإمام العسكريّ عليه السلام، يَذكر فيه أنّ حاجبًا للمأمون أُمر بالحطّ مِن قدر الإمام الرضا عليه السلام في مجلس عامٍّ معدٍّ مسبقًا، فقال: يا بن موسى لقد عدوتَ طورك و تجاوزتَ قدرك أن بعث الله بمطرٍ مقدّر وقته لا يتقدّم و لا يتأخّر جعلتَه آيةً تستطيلُ بها ... 
      (تابع الهامش في الصفحة التالية...)
      (...تتمة الهامش من صفحة السابقة)
      فإن كنتَ صادقًا فيما توهم فأحيي هذين وسلّطهما علَيّ فإنّ ذلك يكون حينئذٍ آية معجزة ... وكان الحاجب أشار الى أسدين مُصوّرين على مسند المأمون الّذي كان مستندًا عليه، وكانا متقابلين على المسند. فغضب علِيّ بن موسى عليه السلام وصاح بالصورتين: دونكما الفاجر، فافترساهُ ولا تُبقيا له عينًا ولا أثرًا. فوثبت الصورتان، وقد عادتا أسدين، فتناولا الحاجب ورضّاه وهشّماه وأكلاه ولحسا أدمه، والقوم ينظرون متحيّرين ممّا يبصرون. فلمّا فرغا منه، أقبلا على الرضا عليه السلام وقالا: يا وليّ الله في أرضه، ماذا تأمرنا نفعل بهذا؟ أنفعل به ما فعلنا بهذا؟ يُشيران إلى المأمون، فغشي على المأمون ممّا سمع منهما، فقال الرضا عليه السلام: "قفا! فوقفا، ثمّ قال الرضا عليه السلام: عودا الى مقرّكما كما كنتما، فصارا إلى المسند وصارا صورتين كما كانتا" (م)
    2. قال تعالى عن لسان عيسى: {وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللهِ} سورة آل عمران، جزء مِنَ الآية ٤٩. (م)
    3. قال تعالى: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى ، قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى ، قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى ، فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى} سورة طه، الآيات ۱۷ – ٢۰. (م)
    4. راجع حول ذلك كتاب (تفسير الميزان) للعلّامة السيّد الطباطبائيّ، ج۱٩، ص٥٥ في تفسير آية {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ}، وص٥۸ في بحثه الروائيّ حول الآية نفسها. (م)
    5. بحار الأنوار، الشيخ المجلسيّ، طبعة دار إحياء التراث العربيّ، ج۱۷، ص٣۷٦، الحديث ٣٩: الخرائج: روي أنّه (صلّى الله عليه وآله) كان في سفر، فأقبل إليه أعرابيّ فقال (صلّى الله عليه وآله): هل أدلّك إلى خير؟ فقال: ما هو؟ قال: تشهد أن لا إله إلّا الله، وأنّ محمّدًا رسول الله. فقال الإعرابيّ: هل مِن شاهد؟ قال: هذه الشجرة. فدعاها النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، فأقبلت تخدّ الأرض، فقامت بين يديه، فاستشهدها، فشهدت كما قال، وأمرها فرجعت إلى منبتها. ورجع الإعرابيّ إلى قومه وقد أسلم، فقال: إن يتّبعوني آتيتك بهم، وإلّا رجعتُ إليك وكنتُ معك. (م)
    6. راجع هذا الحديث مع مصادره المخرّجة في كتاب (افق وحى – فارسي) للعلّامة السيّد محمّد حسين الحسينيّ الطهرانيّ، ص۱٥۰. وفي كتاب (اسرار ملكوت – فارسي) لسماحة السيّد محمّد محسن الطهرانيّ، ج٢، ص٦٥. (م)
    7.  قال العلّامة السيّد محمّد حسين الطهرانيّ (قدس) في كتاب (معرفة الإمام)، ج٥، ص ۱۷٩: كم هو بعيدٌ عن الشهامة والمروءة أن نستغلّ التشابه اللفظيّ للتصوّف والصوفيّة، فنوصد طريق الشهود والوجدان والعرفان ولقاء الله تمامًا. وكم هو بعيد عن الشهامة والمروءة أن نوازن بين المدرسة الّتي تضمّ أمثال ‌السيّد ابن طاووس، والشهيدين، والنراقيّين، والسيّد مهدي بحر العلوم، وابن فَهْد الحلّيّ، والمجلسيّ الأوّل، والسيّد عليّ الشوشتريّ، والشيخ الأنصاريّ، والآخوند الملّا حسين قلي الهمدانيّ، وتلاميذها الّذين تزخر بهم، وبين مدرسة تضمّ أمثال الحسن البصريّ، ومحمّد بن المُنكدر، وسفيان الثوريّ وأمثالهم مِنَ الذين يظنّون التصوّف طريقًا مستقلًّا، وذلك للانفصال عن الأئمّة. وعن طريق كلمة الصوفيّة التي ورد ذمّها في بعض الروايات، نجعل الجميع تحت مهماز هذه الكلمة جهلًا أو عمدًا وتجاهلًا مِن خلال تطبيق هذا العنوان، ونضربهم بسوط الإبعاد والتكفير والتفسيق والكلمات النابية الجارحة والتهم الهوجاء الجوفاء. أقول: إنّ المبحث الّذي وردت فيه هذه الفقرة المنقولة مطابقٌ لموضوع هذه المحاضرة، لِمَن أحبّ الاطّلاع. (م)

الجواب عن بعض الإشكالات حول الفلسفة والعرفان

11
  • كان هؤلاء يلبسون الصوف ويتظاهرون بالزهد، وبهذا الشكل كانوا يجذبون الناس، ويلقّنوهم الأقوال الباطلة، وبهذا كانوا يخالفون الأئمّة عليهم السلام. ونجد في الروايات أنّ الأئمّة عليهم السلام كانوا يطردوهم، وفي بعض الروايات كما عن الإمام الحسن العسكريّ عليه السلام – بحسب الظاهر –أنّ أولئك يميلون إلى الفلسفة والتصوّف۱؛ [ولكن] لا بدَّ أن نعلم أنّ الفلسفة والتصوّف في ذلك الزمان، كانتا وسيلة لانحراف الأفراد ولتحريف المذهب، إذ كانوا يقولون أنّ الإنسان إذا وصل إلى مرتبة التعقّل التامّ فلا يحتاج إلى الشريعة [بعدُ]! ويقولون أنّ الإنسان إذا وصل إلى مرتبة التعقّل والتفكّر ورأى الله تعالى بفكره وعقله فلا يحتاج [بعد ذلك] إلى الإمام ولا الشريعة ولا الدين! ويقولن أنّهم مِن أهل الباطن ولا يحتاجون إلى الظاهر! وأنّ الإنسان إذا وصل إلى الباطن فلا يحتاج إلى الظاهر وإلى العمل بالشريعة والأحكام الظاهريّة! فجعلوا الفلسفة والدقّة النظريّة والعقليّة في الله تعالى وسيلةً لانحراف الناس. وكان البعض يقبل بأقوالهم وأفعالهم، فجمعوا حولهم الأفراد، ولذا طردهم الأئمّة عليهم السلام.٢

  • فلا بدّ أن نعلم أنّه يمكن أن يستفيد البعض مِن هذا الاسم وهذه المسائل استفادة سوء، بالتظاهر بالزهد والوقوف أمام الشريعة والإسلام والأئمّة عليهم السلام، هذا ممكن الوقوع وهو موجود، بل لا بدّ أن يوجد مثل هؤلاء الأفراد في المجتمعات والنِّحل والمِلل.

  • نحن نقرّ أنّ بعض الأفراد يتلبّسون بلباس الصلاح، ويسمّون أنفسهم عرفاء، مع أنّهم كاذبون ومكذَّبون، ولا نصيب لهم مِنَ العرفان ولو بمقدار مثقال [ذرّة]. بل هم المدّعون الكاذبون، يقومون بجذب الأفراد والخوض مع النساء والاختلاط بهنّ، ويقولون برفع الحجاب أمام النساء، ومع ذلك يتظاهرون بالزهد، وأفعالهم وأقوالهم مخالفة للشريعة، فهم لا يصلّون ولا يصومون، وإن صلّى أحدهم كان رياءً، وهم بصدد حرف الأفراد، وليس لهم مِنَ الشرع ومِنَ العلوم الشرعيّة نصيبٌ ولو بمقدار مثقال ذرّة؛ هم أصحاب دكاكينٍ لجذب الأفراد، وربما يقومون بأعمال كالشعوذة وغيرها، ويتعاملون مع الجنّ والشياطين، وربما يُخبرون عن بعض الأمور الغيبيّة، قد يكون بعضها صادقًا ولكن أغلبها كذب.

  • لا بدَّ أن نعلم أنّ جميع هؤلاء الأفراد ليسوا بعرفاء، فالعرفان هو معرفة الله تعالى، والعارف هو الّذي يتقيّد أكثر مِن غيره بالأحكام الشرعيّة. وقد صرّح بحر العلوم في رسالة السير والسلوك بأنّ مَن يدّعي العرفان والهداية في الطريق، لا بدّ أن يتقيّد بكلّ الأحكام الشرعيّة وبكلّ ذرّة منها. والحال أنّنا نرى أولئك الأفراد لا يتقيّدون بشيء، ويفعلون ما يفعله المرتاضون، ويتظاهرون بأنّهم وصلوا إلى مرتبة الغيب والكمالات، وأنّهم يقدرون على بعض الأمور [الخاصّة]، مع أنّ هذه الأمور يستطيع أن يقوم بها حتّى الكفرة والفجرة والفسقة، وهي لا تدلّ على المعرفة والوصول إلى أيّ مرتبة.

    1. إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات، الحرّ العامليّ، طبعة الأعلمي، ج٤، ص٢۰٤، الرواية ٢٤۸. (م)
    2. الروايات في ذلك كثيرة، راجع مثلًا؛ كتاب (بحار الأنوار) للشيخ المجلسي، طبعة دار إحياء التراث العربيّ، ج٢٥، ص٢٦٢. وكتاب (اختيار معرفة الرجال) للشيخ الطوسي، طبعة مؤسسة آل البيت، ج٢، ص٤٩۱. (م)

الجواب عن بعض الإشكالات حول الفلسفة والعرفان

12
  • ومع ذلك يقول بعض العلماء المخالفين لطريقة العرفان: انظروا إلى هؤلاء الأفراد فهم يتلبّسون بالزهد، وأفعالهم غير مطابقة للشرع، فكلّ مَن ينتهج منهج العرفان لا بدّ أنّه مِن أولئك الأفراد! [أقول:] لماذا، لماذا؟! فنحن نجد هذه الأمور في جميع الملل والنِّحل، أليس مِنَ الفقهاء فسّاقٌ؟! أليس في الفقهاء فجّار؟! ألا نجد ذلك بين الفقهاء المجتهدين؟! أنا أعلم ببعض الفقهاء الفاسقين، وقد رأينا ذلك، وسأذكر واحدًا منهم فقط؛ كان العلّامة الوحيديّ سيناتورًا في المجلس الأعلى في زمن الشاه، [ويقال له] السيناتور وحيدي والعلّامة الوحيدي، واتفاقًا كان مِن أقاربنا البعيدين، وهو صاحب إجازة اجتهاد مِن ثمانية عشرة مجتهد مِنَ النجف الأشرف، كالشيخ آقا ضياء الدين العراقيّ والشيخ محمّد حسين النائيني والشيخ محمّد حسين الأصفهانيّ والسيّد أبو الحسن الأصفهانيّ، يعني أنّه أخذ ثمانية عشرة إجازة اجتهاد مِن علماء الطراز الأوّل في النجف الأشرف، ولمّا هاجر إلى إيران حكم هذا الشخص برفع حجاب النساء ووجوب سفور النساء وذلك في زمن الشاه رضا، وهو أوّل شاه [بهلويّ] في إيران، وقد عرض امرأته وزوجته سافرة الوجه أمام الناس، وأقام حفلةً ومجلسً سرور وأنشد أشعارًا في رفع الحجاب، يقول في البيت الأوّل منه بالفارسيّة:

  • بحكم أحمد مختار حجاب لازم نسيت***در اين عقيده يقين دارم اشتباه نيست
  • يعني أنّ الحجاب ليس واجبًا في حكم أحمد المبعوث وأنّه يعتقد بهذا ومتيقّنٌ منه؛ فهذا المجتهد كان قد أخذ ثمانية عشرة إجازة اجتهاد مِن علماء النجف الأشرف، ولكن – بحمد الله – أعدموه بعد الثورة الإسلاميّة وقتلوه وذهب إلى جنّهم والجحيم، وحُشر – بحمد الله – مع أوليائه. هذا أحد أولئك الأفراد، ويوجد منهم الكثير، فإذا أردنا أن نذكر أسماءهم لبلغ بنا المقام [إلى لائحة] مِن مئات العلماء الفسقة الفجرة، وأجمعهم مِنَ الفقهاء.

  • على هذا، هل يجوز لنا أن نقول أنّ كلّ مَن كان فقيها كان فاسقًا؟! أيجوز ذلك؟! لا يجوز. وكذلك الأمر في العرفان، فبعضهم تلبّس بلباس الزهد، وكانوا محرِّفين ومنحرفين. [وكذلك الحال في باقي العلوم]، أليس الطبّ واقعًا، عِلمًا نافعًا للحياة والعيش الدنيويّ، ومع ذلك نرى بين الأطباء، مَن هو صالحٌ واقعًا ومتديّن ومؤمن، ومَن هو فاسق، فهل يجوز [والحال هذه] أن نقول أنّ كلّ مَن كان طبيبًا وحكيمًا فهو فاسق؟! هذا لا يجوز. وهذا الحال ينطبق في كلِّ عِلم وفي كلّ مِلّة ونِحلة.

الجواب عن بعض الإشكالات حول الفلسفة والعرفان

13
  • نحن نرى أنّ [قول المخالفين للعرفان] ظلمٌ وخيانة جدًّا؛ فإنّ بين هؤلاء الأفراد مَن هو عارف كالسيّد مهدي بحر العلوم، الّذي قال السيّد محسن العامليّ في حقّه: هو مِن ذوي الأسرار الإلهيّة الخاصّة [...] وممّا لا ريب فيه أنّه كان ذا نزعة مِن نزعات العرفاء والصوفيّة۱. والمراد بالصوفيّة هو نفس العرفاء، ولكنّ الأسماء تختلف. فهذه عبارة السيّد محسن العامليّ في حقّ هذا الرجل العظيم والفخم، وهو أنّه كان مِن ذوي الأسرار الإلهيّة، والعلماء بأجمعهم يقرّون له بأنّه كان يصل إلى خدمة صاحب الزمان عليه السلام متى شاء. فهذا الرجل كان مِنَ العرفاء. ومِن هؤلاء العرفاء الشيخ ملّا حسين قلي الهمدانيّ والسيّد علِيّ القريشيّ، وكان أستاذ العرفان والأخلاق أستاذ الشيخ مرتضى الأنصاريّ المرجع الوحيد في النجف الأشرف، هؤلاء كانوا مِنَ العرفاء، والسيّد محمّد حسين الطباطبائيّ صاحب تفسير الميزان كان تلميذَ السيّد علِيّ القاضي، كلاهما مِنَ العرفاء. 

  • نعم، يوجد بعض الأفراد المنحرفين، ولكن هذا موجود في جميع المِلل والنِّحل، فلماذا لا يقولون بذلك؟! مع أنّنا نرى هذا الانحراف في الفقهاء أكثر منه في العرفاء، فلو أردتُ أن أذكر أسماءهم لطالت [اللائحة] بالمئات مِنهم، جميعهم رفعوا العمامات ودخلوا الحكومات ولبسوا الزنّار والكراوات [أي ربطة العنق] في زمن الشاه، وجميعهم حكموا بالأباطيل ورفضوا الدين وكشفوا الحجاب عن نسائهم وظاهروا بهنّ سافرات أمام الرجال، وكان جميعهم مِنَ الفقهاء.

  • على هذا، فمِنَ المؤسف جدًّا، واقعا مِنَ المؤسف جدًّا، أن لا نفكّر في هذا الأمر، وأن نحكم عن عدم اطّلاع، ببطلان عِلمٍ وببطلان نحلة وملّة [وببطلان] هذا النهج والطريق! أنا أسأل هؤلاء [المعارضين للعرفان]: هل تجوّزون لنا أن لا ندرس عِلم الفقه والأصول وأن نحكم ببطلان الفقه ونرفضه [لمجرّد أنّ هناك فقهاء ضالّون ومضلّون]؟! (...)٢.

  • الفلسفة لم تُدرَّس في الحوزة العلميّة في النجف أبدًا، ومَن ينكر ذلك مكابرٌ، ومَن درس الفلسفة كان متخفّيًا، مثل الشيخ محمّد حسين الأصفهانيّ.

  • سأذكر لكم هذه القصّة، وهي أنّ السيّد العلّامة الطباطبائيّ حكى للسيّد الوالد ولتلامذته، أنّ الشيخ محمّد حسين الأصفهانيّ مع الشيخ محمّد رضا المظفّر وشخص آخر – نسيتُ اسمه – ذهبوا ثلاثتهم إلى بيت السيّد أبي الحسن الأصفهانيّ، وقالوا للخادم أنّهم يريدون أن يتكلّموا مع السيّد أبي الحسن الأصفهانيّ. فذهب الخادم إلى الغرفة وأخبر السيّد أبي الحسن الأصفهانيّ بأنّ هؤلاء الثلاثة جاؤوا ليتكلّموا معه، فجاء السيّد أبي الحسن الأصفهانيّ إلى الغرفة الأخرى وسلّم على هؤلاء وقال لهم: ما مقالتكم؟

    1. أعيان الشيعة، السيّد محسن الأمين، ج۱۰، ص۱٥۸. (م)
    2. يوجد انقطاع في التسجيل الصوتيّ. (م)

الجواب عن بعض الإشكالات حول الفلسفة والعرفان

14
  • كان الشيخ محمّد حسين الأصفهانيّ رجلًا عظيمًا وحكيمًا وفيلسوفًا، وكان رجلًا عجيبًا ومتديّنًا وعارفًا، فتكلّم قائلًا: جئنا إلى هنا لنتكلّم معك في أن تجيز لنا أن ندرّس الفلسفة – لاحظوا [ماذا قال] – أن تجيز لنا أن ندرّس الفلسفة في الحوزة العلميّة في النجف، لأنّه يوجد الآن مؤلّفون كُثر مِنَ الملاحدة، قد ألّفوا كُتبًا ضخمةً تُخالف مذهب التشيّع ومذهب التوحيد والإسلام، ولا بدَّ لنا أن نجهّز طلّاب العلوم الدينيّة بهذا السلاح، أي سلاح التفكّر والمنطق والحكمة، حتّى نقدر أن نجيبهم.

  • لم يكن السيّد أبي الحسن الأصفهانيّ قد درس الحكمة، وأنا قلتُ في أوّل المقالة إنّنا نُكرم جميع العلماء ونحترمهم، ولكن المعصوم في مذهب التشيّع هم فقط المعصومون الأربعة عشر، أي النبيّ وفاطمة الزهراء واثنا عشر إمامًا، وبعض العلماء [ولكن المسألة] تختلف هنا. وعلى ما نعرفه في مدرسة التشيّع والمدرسة الجعفريّة، أي [مدرسة] الإمام جعفر الصادق، أنّه يحقّ لنا أن نقول كلّ ما هو جائز لنا، هذا ما نعرفه مِن مرام الأئمّة ومنهجهم عليهم السلام.

  • وبعد أن تكلّم الشيخ محمّد حسين الكمبانيّ [الأصفهانيّ]، أجابه السيّد أبي الحسن الأصفهانيّ [قائلًا]: أنا أعتقد بأنّ المجتهد مالكٌ لسهم الإمام عليهم السلام – [أقول:] طبقًا لرأيي فإنّ المجتهد ليس مالكًا لسهم الإمام عليه السلام ولكن بعض العلماء يقولون أنّ المجتهد يملك سهم الإمام عليه السلام وسهم السادة ملكًا شخصيًّا – فأنا مالك للسهمين [ومنهما] سهم الإمام، ولا أجوّز أن يُصرف ملكي – اسمعوا هذا – لا أجوّز أن يُصرف ملكي على مَن يدرس الفلسفة أبدًا. هذا كان جواب هذا الرجل المعروف، فودّعه هؤلاء الثلاثة وخرجوا مِن بيته. [أقول:] لماذا، لماذا؟! إنّ هذه القضيّة مشهورة [في] الحوزة العلميّة في النجف، قال السيّد الوالد في كتابه (الروح المجرد) أنّه كان مخالفًا للعرفان.۱ لماذا؟! لأنّهم جاهلون، وإن كانوا عالمين في الفقه – ونحن نقرّ لهم بذلك – أمّا الفلسفة فهم جاهلون بها، وأمّا العرفان فهم جاهلون به؛ [وإن كان الأمر كذلك]، فلماذا يُبطلون الحكمة والفلسفة، ولماذا يُبطلون العرفان؟!

    1. للمزيد يمكنكم مراجعة: كتاب (الروح المجرّدللعلّامة السيّد محمّد حسين الحسينيّ الطهرانيّ (قدّس الله سرّه)، ص۱۱۰. وكتاب (الدرّ النضيد) لسماحة السيّد محمّد محسن الطهرانيّ (قدّس الله أنفاسه)، ص٣٣۷. (م)

الجواب عن بعض الإشكالات حول الفلسفة والعرفان

15
  • مظلوميّة العرفاء وغربتهم

  • كانت مجالس السيّد القاضي (رضوان الله تعالى عليه) تُقام بالخفاء، وكلُّ مَن كان يذهب إلى منزل السيّد القاضي كان يضع القباء على عمامته حتّى لا يراه الناس. كانت الفلسفة متروكة في الحوزة العلميّة، وقد قلتُ لهم، وأستاذي في العلوم الإسلاميّة قال لي: عندما كنّا نذهب إلى منزل السيّد محمّد حسين الطباطبائيّ، كنّا نخفي كتاب الأسفار خلف قبائنا. وليؤجِر اللهُ السيّد محمّد حسين الطباطبائيّ، فهو مَن كسر هذا السدّ ورفع هذا الحاجز، والآن تُتدارس – بحمد الله – كُتب الفلسفة والعرفان في الحوزة العلميّة في قم المقدّسة.

  • يقول المخالفون للعرفان أنّ العرفاء لا يميلون إلى الأئمّة عليهم السلام! [أقول:] هل [حقًّا] لا يميل العرفاء [إلى الأئمّة]!! فمَن يميل إذن؟! هل الأولياء لا يميلون [إلى الأئمّة]!!

  • ويقولون أنّ العرفاء لا يذكرون أسماء الأئمّة ولا يتوسّلون بالأئمّة في محافلهم! أنا أصرّح أمامكم الآن أنّ السيّد هاشم الحدّاد (رضوان الله تعالى عليه) كلّما أراد أن يقوم مِن مجلسه كان يقول (السلام عليك يا صاحب الزمان)، يعني أنّ ذكر صاحب الزمان كان وِرد لسانه. فلماذا يقولون ذلك؟! وللأسف – على التعصّب والجاهليّة – فإنّ هذه الأفكار لا تزال حتّى الآن.

  • أقول وأختم بهذه القصّة هذا المطلب: كان مِن أقربائنا رجلٌ متلبّس بلباس الروحانيّين۱، ولكن واقعًا لم يكن له حظٌ مِنَ العِلم، وباعتقادي أنّه إذا قرأ سطرًا [واحدًا] مِن كتاب (العروة الوثقى) أي الرسالة العمليّة، لوجدنا في قراءته [لهذا السطر] ستّة أغلاط، وكان يأخذ سهم الإمام عليه السلام، فهو كان قد حصل على [إجازة] مِنَ المراجع في النجف الأشرف ومِنَ الحوزة العلميّة بصرف سهم الإمام عليه السلام والخمس، فكان يصرفها بشكل عجيب وهائل، [مع] أنّه لم يكن لديه عِلم، يعني إذا قرأ – بلحاظ القراءة فقط – سطرًا واحدًا مِنَ العروة الوثقى كان يُخطئ خمسة أغلاط، [ومع ذلك] أعطوه إجازة صَرف سهم الإمام عليه السلام، وقد أصيب هذا الشخص بشيء في عينه، وقد كان في طهران ومات رحمه الله، وقال أبنه أنّ علماء النجف الأشرف أرسلوا إليه مئتي تلغرافًا. أمّا السيّد محمّد حسين الطباطبائيّ الّذي كان يعاني مِن وجع في قلبه وذهب مع الشيخ مرتضى المطهريّ إلى إنكلترا ورجع، وكان حليف منزله ولم يعد قادرًا على الكلام والتدريس، فلم يَرسل إليه علماء النجف الأشرف حتّى تلغرافًا واحدًا.

    1. يُطلق لفظ (الروحانيّ) في اللغة الفارسيّة على طلبة العلوم الدينيّة. (م)

الجواب عن بعض الإشكالات حول الفلسفة والعرفان

16
  • سأذكر قصّة عن السيّد الوالد؛ كانت أوقات السيّد الوالد كلّها مصروفة على التأليف في علوم أهل البيت عليهم السلام، حتّى أنّنا إذا ذهبنا مِن قم إلى مشهد بعد شهرين أو ثلاثة [مِنَ الانقطاع عنه] وقصدناه لزيارته في مشهد، فإذا سلّمنا عليه، كان لا يرفع رأسه عن الكتابة [ويكتفي] بإجابتنا: السلام عليكم ورحمة الله، اذهبوا إلى البيت فأنا مشغول الآن. كان التأليف مستوعبًا لأوقاته إلى درجة أُثير في عينه شيء يُقال له (دكولما)، حيث سقطت شبكيّة العين، وأجرى صديقنا الدكتور سجاديّ له عمليّة في طهران طالت خمس ساعات. فعندما سافرت بالطائرة مع السيّد الوالد مِن مشهد إلى طهران لإجراء هذه العمليّة، تحدّثنا في الطائرة وقلتُ له: يقولون أنّ سبب هذا المرض هو كثرة المطالعة والتأليف – اسمعوا هذا جيّدًا فهذا يليق بالسمع واقعًا – فإذا برئتم مِن هذا المرض وشافاكم الله، خفّفوا مِنَ المطالعة والتأليف. فأجابني بهذا الكلام: لن أتوقّف عن التأليف – ولو كان بمقدار صفحة واحدة – حتّى لو أخذ الله تعالى منّي عينَي، فأنا أرضى أن يَرفع بصرَ كلتا عيني على أن لا أُبقي مِن معارف الأئمّة عليهم السلام دون أن أكتبها، ولو كان بمقدار صفحة واحدة؛ يعني أنّ تأليف صفحة واحدة مِن معارف الأئمّة كان عنده أهمّ مِن عينيه، وجميع العلماء يعترفون بذلك الآن. ولمّا ارتحل السيّد الوالد لم يرسل إلينا هؤلاء العلماء بأجمعهم – سواء مِنَ الحوزة العلميّة أو مِن جوزة النجف أو مِن علماء طهران ومختلف البلدان – ولو تلغرافين، وإنّما أرسل إلينا تلغرافين رجلان مِنَ العلماء فقط، وهم مِن أقاربنا. أترون كيف هو الحال؟! فهذا الّذي صرف تمام عمره [في بيان الحقّ مِن مذهب أهل البيت]، وباعتقادي أنّه لم يصرف ساعةً واحدةً مِن عمره في اللهو واللغو.۱

  •  

  • والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

  •  

  • اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد

  •  

    1. تنويه: نلفت عناية القارئ الكريم أنّ هذه المحاضرات أُلقيت بشكل شفاهيّ وباللغة العربيّة، واقتصرت على تفهيم المستمع بأبسط الكلام، فلم يُلتفت كثيرًا إلى ضوابط اللغة، كما اشتملت على كلام عاميّ. ولذا عمدت اللجنة العلميّة بأمر مِن سماحة السيّد (قدّس الله سرّه) إلى إعادة تقويم الكلام وضبطه مِنَ الناحية اللغويّة، ومع ذلك آثرنا المحافظة على عبارة المحاضِر وترتيبها وبساطتها قدر الإمكان. كما تجدر الإشارة إلى أنّ العناوين الواردة هي مِنَ اللجنة.
      أمّا الرموز المستخدمة في المحاضرة فهي كالتالي: رمز الثلاث نقاط للكلام المحذوف، والرمز (...) للكلام غير الواضح وعند انقطاع الصوت، والرمز (م) لكلام المحقّق، والكلام المدرج في هذا [] فهو مِن وضع اللجنة لإتمام الجملة الناقصة بحسب ما يقتضيه السياق.
      ختامًا نلفت النظر إلى أنّ التسجيل الصوتيّ للمحاضرة متوفّر في الموقع لمَن يرغب الاستماع والمراجعة.
      (اللجنة العلميّة)