المؤلّفالهیئة العلمیة لموقع مدرسة الوحي
القسم العقائد
المجموعةبحوث من تفسير الميزان، البحوث الكلاميّة
العدد التسلسلي4
التوضيح
هل النبوّة مجرد مسألة كلاميّة تبحث في جعل الأحكام والسنن الاعتباريّة، أم أنّها حقيقة فلسفيّة ترتبط بجوهر استكمال النفس الإنسانيّة ومصيرها الخارجيّ؟ وكيف تتحول العقائد والأعمال إلى صور تكوينيّة تحدّد درجات القرب والبعد، والسعادة والشقاء؟ وهل يستطيع العقل العمليّ الخروج بالنفس من القوة إلى الفعل دون تأييد إلهي، أم أنه يبدأ مقيّدًا بالإحساسات الشهويّة والغضبيّة؟
إليك بحث برهاني شامل حول نيل النفس كمالها العلويّ عبر الشريعة والوحي كما ورد في تفسير الميزان.
هو العليم
ضرورة النبوّة في تفسير الميزان (٢)
بحث فلسفيّ
بحوث من تفسير الميزان، البحوث الكلاميّة، أبحاث النبوّة، البحث الرابع
إعداد: الهيئة العلميّة في مدرسة الوحي
المصدر: تفسير الميزان ج٢
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد للّه ربّ العالمين
وصلّى الله على سيّدنا ونبيّنا محمّد وعلى آله الطيّبين الطاهرين
ولعنة الله على أعدائهم أجميعن إلى قيام يوم الدين
بحث فلسفي حول ضرورة النبوّة
هل مسألة ضرورة النبوّة مسألة كلاميّة أم فلسفيّة؟
مسألة النبوّة العامّة بالنظر إلى كون النبوّة نحو تبليغ لأحكامٍ۱ و قوانين مجعولة مشرّعة ـ و هي أمور اعتباريّة غير حقيقيّة ـ و إن كانت مسألة كلامية غير فلسفيّة، فإنّ البحث الفلسفيّ إنّما ينال الأشياء من حيث وجوداتها الخارجيّة و حقائقها العينيّة و لا يتناول الأمور المجعولة الاعتباريّة، لكنّها بالنظر إلى جهة أخرى مسألة فلسفيّة و بحث حقيقيّ، و ذلك أنّ الموادّ الدينيّة من المعارف الأصليّة والأحكام الخلقيّة و العمليّة لها ارتباط بالنفس الإنسانيّة من جهة أنّها تثبت فيها علومًا راسخة أو أحوالاً تؤدّي إلى ملكات راسخة، و هذه العلوم و الملكات تكوّن صورًا للنفس الإنسانيّة تعيّن طريقها إلى السعادة والشقاوة، و القرب و البعد من الله سبحانه، فإنّ الإنسان بواسطة الأعمال الصالحة و الاعتقادات الحقّة الصادقة يكتسب لنفسه كمالات لا تتعلّق إلا بما هي له عند الله سبحانه من القرب و الزلفى، والرضوان و الجنان، و بواسطة الأعمال الطالحة و العقائد السخيفة الباطلة يكتسب لنفسه صورًا لا تتعلّق إلا بالدنيا الداثرة و زخارفها الفانية، و يؤدّيها ذلك أن ترد بعد مفارقة الدنيا و انقطاع الاختيار إلى دار البوار و مهاد النار و هذا سير حقيقي.
و على هذا فالمسألة حقيقيّة و الحجّة التي ذكرناها في البيان السابق و استفدناها من الكتاب٢ العزيز حجّة برهانيّة.
بيان أنّ مسألة ضرورة النبوّة فلسفيّة برهانيّة
توضيح ذلك: أنّ هذه الصور للنفس الإنسانيّة الواقعة في طريق الاستكمال ـ و الإنسان نوع حقيقي بمعنى أنّه موجود حقيقيّ مبدأ لآثار وجوديّة عينيّة ـ و العلل الفيّاضة للموجودات أعطتها قابليّة النيل إلى كمالها الأخير في وجودها بشهادة التجربة و البرهان، و الواجب تعالى تامّ الإفاضة فيجب أن يكون هناك إفاضة لكلّ نفس مستعدّة بما يلائم استعدادها من الكمال، و يتبدّل به قوّتها إلى الفعليّة، من الكمال الذي يسمّى سعادة إن كانت ذات صفات حسنة و ملكات فاضلة معتدلة أو الذي يسمّى شقاوة إن كانت ذات رذائل و هيئات رديّة.
و إذ كانت هذه الملكات و الصور حاصلة لها من طريق الأفعال الاختياريّة المنبعثة عن اعتقاد الصلاح و الفساد، و الخوف و الرجاء، و الرغبة إلى المنافع، و الرهبة من المضارّ، وجب أن تكون هذه الإفاضة أيضًا متعلّقه بالدعوة الدينيّة بالتبشير و الإنذار و التخويف و التطميع لتكون شفاء للمؤمنين فيكملوا به في سعادتهم، و خسارًا للظالمين فيكملوا به في شقاوتهم، و الدعوة تحتاج إلى داع يقدم بها وهو النبيّ المبعوث من عنده تعالى.
ألا يغني العقل عن النبوّة؟
فإن قلت: كفى في الدعوة ما يدعو إليه العقل من اتباع الإنسان للحقّ في الاعتقاد و العمل، وسلوكه طريق الفضيلة و التقوى، فأيّ حاجة إلى بعث الأنبياء؟
قلت: العقل الذي يدعو إلى ذلك و يأمر به هو العقل العمليّ الحاكم بالحسن و القبح، دون العقل النظريّ المدرك لحقائق الأشياء كما مرّ بيانه سابقًا۱، و العقل العمليّ يأخذ مقدّمات حكمه من الإحساسات الباطنة، و الإحساساتُ التي هي بالفعل في الإنسان في بادي حاله هي إحساسات القوى الشهويّة و الغضبيّة، و أمّا القوّة الناطقة القدسيّة فهي بالقوة، و قد مرّ أنّ هذا الإحساس الفطريّ يدعو إلى الاختلاف، فهذه التي بالفعل لا تدع الإنسان يخرج من القوة إلى الفعل كما هو مشهود من حال الإنسان، فكلّ قوم أو فرد فقد التربية الصالحة عاد عمّا قليل إلى التوحّش و البربريّة مع وجود العقل فيهم و حكم الفطرة عليهم، فلا غناء عن تأييد إلهيّ بنبوّة تؤيّد العقل.٢