المؤلّفالهیئة العلمیة لموقع مدرسة الوحي
القسم الفقه والأصول
التوضيح
كيف نشأت المذاهب الإسلاميّة والمذهب الجعفريّ؟ وكيف يؤثّر ذلك على تقييم الروايات وفهمهما سواء كانت سنيّة أم شيعيّة؟ وما هي حقيقة النظريّة المنقولة عن آية الله البروجردي في ضرورة مراجعة روايات أهل السنّة ضمن عمليّة الاستنباط؟ وما هي آثارها على علمي الحديث والفقه؟
هو العليم
ملاحظة روايات الشيعة لروايات السنة عند السيّد البروجردي (ره)
ضرورة الرجوع إلى روايات السنّة في الاستنباط
بحث منتخب من مؤلّفات ودروس:
سماحة العلّامة آية الله السيّدمحمّدالحسين الحسينيّ الطهراني
آية الله السيّدمحمّدمحسن الحسينيّ الطهراني
قدّس سرّهما
إعداد: الهيئة العلميّة في مدرسة الوحي
المصادر: كتب ودروس المرحوم العلامة الطهراني
ونجله آية الله السيّد محمّد محسن الطهراني رضوان الله عليهما
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين
وصلّى الله على سيّدنا ونبيّنا محمّد وعلى آله الطاهرين
واللعنة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين
[كثر الكلام بين العلماء في عصرنا هذا عن نظريّة خاصّة لآية الله السيّد البروجردي رحمة الله عليه۱، ولها آثار كبيرة على كيفيّة الاستنباط والأحكام الفقهيّة المستنبطة على ضوئها، وقد تعرّض لها بالتوضيح والبيان ودفع الإشكالات وبيان الآثار سماحة الأستاذ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهراني رضوان الله عليه في مواضع عدّة من دروسه وكتبه، كما تعرّض لبعض ما يفيد في بيانها سماحة العلاّمة الطهراني رضوان الله عليه في كتابه معرفة الإمام، وقد جمعت هذه الكلمات ورتّبت لتشكّل المقالة التي بين يديك، من دون أدنى تصرّف في كلامهما واقتصر على ترجمة ما لم يترجم والتحقيق فيما كان قد ترجم.]
۱. الظروف التاريخيّة لنشأة المذهب الجعفريّ وكيفيّة ظهور فقه الإماميّة
معنى المذهب وسبب انتساب الإماميّة إلى الإمام جعفر الصادق عليه السلام
إنّ كلمة "مذهب" اسم مكان و معناها محلّ الذهاب. تقول العرب: المَذْهَبُ إلى المَاءِ وَ إلى الكِلَاءِ والمَذْهَبُ إلى شَرِيعَةِ الشَّطِّ.
و لمّا كان طريق الوصول إلى الدين الإسلاميّ ذا مسالك مختلفة، و كان كلُّ عالم من علماء العامّة قد تلمّس طريقاً معيّناً نحو الدين كالمذهب الحنفيّ، و المذهب المالكيّ، و المذهب الحنبليّ والمذهب الشافعيّ، فإنّ الطريق الذي اختاره الإمام الصادق عليه السلام نحو ذلك الدين القويم عُرف بالمذهب الجعفريّ.
وضع الناس الديني في عصر رسول الله صلّى الله عليه وآله
ولم يكن الدين ذا مذاهب مختلفة في عصر الرسول الأكرم صلّى الله عليه و آله. فالجميع كانوا ينهجون نهج رسول الله صلّى الله عليه و آله و يتّبعونه و يكتفون بظاهر الأحكام. و كانت شريحة خاصّة من المسلمين تعرف بالشيعة و تتحرّك في طريق مولى الموحّدين أمير المؤمنين عليه السلام عملًا بأمر رسول الله صلّى الله عليه و آله. و كان هولاء واعين لروح الولاية، واقفين على سرّ النبوّة، مطّلعين على حقائق الأحكام الإسلاميّة و أسرارها و رموزها و معانيها مضافاً إلى اطّلاعهم على ظاهرها.
و كانوا عاملين بالسنّة النبويّة الشريفة، حيث أوجب رسول الله صلّى الله عليه و آله اتّباع أمير المؤمنين عليه السلام، و أخبرهم أنّه وصيّه و خليفته.
وضع الناس الديني بعد وفاة رسول الله صلّى الله عليه وآله
و بعد وفاته صلّى الله عليه و آله، و دوران الخلافة حول محور آخر، و عزل أمير المؤمنين عليه السلام، و تربّع القوم على أريكة الحكم، و هم لم يعرفوا إلّا ظاهر الأحكام، و لم يدركوا من الإمامة و الخلافة إلّا الرئاسة و التقدّم الظاهريّ و الإمارة، اتّخذ الدين طابع القوانين و الاصول الظاهريّة المتّسمة بسماتهم، و سار معظم الناس على ذلك النهج حسب قاعدة النَّاسُ عَلَى دِينِ مُلُوكِهِمْ. أمّا الأصول والأسس الظاهريّة و الباطنيّة فكانت لأمير المؤمنين عليه السلام. و أتباعه الذين عُرفوا بشيعته كسلمان الفارسيّ، و أبي ذرّ الغفاريّ، و عمّار بن ياسر، و المقداد بن الأسود، و حذيفة بن اليمان و غيرهم. و قد كانوا شيعته حقّاً، و كانوا يسيرون سيرته في الأحكام و التفسير و القرآن و المشورة في مهامّ الأمور. ومع أنّ أمير المؤمنين عليه السلام تنازل عن حقّه حفاظاً على كيان الإسلام، إلّا أنّه كان يُنير الطريق للطرف المخالف، و يغيثهم في علاج مشاكلهم العلميّة و الفقهيّة. و كان يحضر في صلاتهم رغبة منه في عدم شقّ عصا المسلمين. و خلاصة الأمر أنّه كان يماشيهم في امورهم برمّتها.
و كان الحجّ، و الجهاد، و الصلاة، والزكاة، و سائر الامور تُمارس حسب ما يريده الخليفة المتحكّم، و هو الذي يصدر الأوامر و له الفتيا و الرأي الأخير. و هو و أمثاله لم يعلموا بجميع المسائل و خصوصيّاتها. و كم أخطأوا! و كم غيّروا و بدّلوا في موضوعات مختلفة حسب مشتهياتهم.
و لم يعدّوا خلاف العمل بظاهر القرآن منكراً، و كانوا يعملون خلاف السنّة النبويّة، و يجتهدون في مقابل النصّ صريحاً على رؤوس الأشهاد. و يثبّتون هذه الضروب من الخلاف و يُبقونها بوصفها رأي الخليفة و الإمام.
و لهذا لوحظ أنّ رأي الخليفة و قد حلّ محلّ القرآن و تعاليم النبيّ و وصيّته و سنّته و منهاجه. وكان جميع الناس يهملون العمل بالقرآن و السنّة في مواطن التَّرك هذه، و يعملون وفقاً للأوامر الصادرة المقضيّة من مقام الخلافة (الخلافة الجائرة القاهرة الغاصبة المزيّفة).
إن حروب الخلفاء و الغنائم و الأموال الطائلة التي كانوا يأتون بها، و شوكة الحكم، و أبّهة الإمارة، و قعقعة السيوف و الأسلحة، و نظائر الرماح و الأسنّة، و همهمة الغُزاة، و حمحمة الخيول، و إثارة الغبار باهتزاز أعلام الامراء، و رايات القادة، كلّ ذلك قد أعمى الأبصار، و أصمّ الأسماع، و أدهش العقول و سلبها القدرة على التعقّل و الإدراك، و صادر منها التفكير و التدبير.
و مَن يأتي فيقايس الأمر الباطل الصادر من السلطان مالك الرقاب بالقرآن أو بالسنّة النبويّة؟ أو - في الأقلّ - يقدّم احتمالًا ضعيفاً في بطلانه، و يرى و يسمع و يفكّر و يشهد الخلاف بعين بصيرته؟ و يَدَع الخلاف، و يتحرّك حسب الحقّ و قول الحقّ و أمر الحقّ و سنّته و منهاجه و منهجه؟
و مَن يذهب إلى عليّ عليه السلام؟ و من يبحث عن ذلك الرجل المهيض الجناح، المعتزل في منزله، الحامل معوله و مسحاته، زارع النخل و ساقيه؟ و من يسمع كلامه الذي هو حقّ و عين الحقّ، بل يدور الحقّ حيثما كانت حقّانيّة عليّ؟ و مَن يسترضيه و يستميله؟ و من يقدّم رأيه الحصيف السديد على هذه الكبكبة و الدبدبة؟ و يسمعه يقول: كلّ كلام عدا كلام الله و رسوله باطل، و كلّ أمر صادر من أيّ جهة باطل مرفوض إذا لم يتطابق مع آية من آيات القرآن؟
و لم يكن في المدينة غير الاثني عشر الذين جاءوا إلى المسجد بعد وفاة النبيّ صلّى الله عليه و آله، و تكلّموا و أدانوا أبا بكر،۱ و قليل من أتباعهم.
محاولات أمير المؤمنين عليه السلام في تصحيح البدع
لقد جرى هذا الأمر بهذا النحو. و ظهر خلال خمس و عشرين سنة من الحكم الأسود المظلم للخلفاء الثلاثة، أي: خلال ربع قرن. و ألِفَ الناس تلك الأحكام و المناهج و مردوا عليها إلى درجة أنّ مولى الموالي الإمام بالحقّ عند ما تقلّد الأمر و أراد أن ينسف تلك البدع الباطلة التي اخترعها عمر عجز عن ذلك، إذ إن عمر كان قد أضفى على أعماله صبغة دينيّة، و كان الناس يقدّسونه كالسامريّ، و يعدّون معارضته معارضة للإسلام و النبيّ. و لم يعلم المساكين أنّ هذا المحتال المتلبّس بجلد الذئب قد جاء لاقتناص الحمل، و قد اتّخذ الدين وسيلة للتربّع على أريكة الخلافة و العرش. و أنّ نداءه الذي عليه مسحة الحقّ هو نداء الشيطان و لا تحمل صحيفة دعوته إلّا عنوان الباطل. و لقد خطب أمير المؤمنين عليه السلام في أوّل خلافته بالكوفة، و قال كما جاء في خطبة الوسيلة: «لقد عملت الولاةُ قبلي بأمور عظيمة [بدع عمر] خالفوا فيها رسول الله صلّى الله عليه و آله متعمّدين لذلك؛ و لو حملتُ الناس على تركها و حوّلتُها إلى مواضعها التى كانت عليها على عهد رسول الله صلى الله عليه و آله، لتفرّق عنّي جُندي حتّى أبقى وحدي».
و سارت الأمور على هذا المنوال حتى عصر عثمان، ثمّ معاوية و يزيد و مروان و المروانيّين بالشام، حتى وصل الدور إلى العبّاسيّين.
و الجميع كانوا على هذه الوتيرة. و عمل الناس قاطبة بسنّة الخلفاء الأوَل، حتّى نلحظ أنّ جماعة كانت ترى عثمان فاسداً لكنّها ترى أنّ الخليفتَين قبله كانا على الحقّ و أوامرهما واجبه التنفيذ إلى يوم القيامة. و كانت تعتقد بذلك و تعمل به.
و كان بين جند أمير المؤمنين عليه السلام مَن يقال لهم جميعاً شيعة عليّ، سواء في الجمل، أم في صفّين، أم في النهروان. و يراد من ذلك أنّهم كانوا مخالفين لعثمان ـ أي شيعة عليّ في مقابل شيعة عثمان ـ و كان معظمهم يعتقد بخلافة أبي بكر و عمر. و يسير على سنّتهما. و لم يستطع أمير المؤمنين عليه السلام أن يعيد الجميع إلى نصاب الحقّ.
وضع الناس الديني في عهد الحسنين وزين العابدين عليهم السلام
و على هذه الشاكلة كان شيعة الإمام الحسن و الإمام الحسين بالكوفة، إذ كانوا يقولون بحقّانيّة عليّ و بطلان عثمان، و يرون عليّاً عليه السلام هو الخليفة الثالث بالحقّ.
و هكذا الأمر في عصر الإمام السجّاد عليه السلام، حتى أنّ الفقهاء السبعة في المدينة كانوا يفتون على فقه السنّة في حين كان اثنان منهم شيعيَّين، و هما سعيد بن المسيِّب، و القاسم بن محمّد بن أبي بكر.
و مع أنّ الحقائق كانت تظهر شيئاً فشيئاً في عصر الإمام محمّد الباقر عليه السلام بسبب اتّساع نطاق الرواية و التفسير و الحديث و العرفان في مدرسته العلميّة، بَيدَ أنّ الأمور لم تنكشف فجأة، فيستبين أنّ حقيقة الإسلام و الدين و النبوّة و الخلافة و الإمامة هي شيء آخر لا خلاق للناس منه.۱
إظهار الإمامين الصادقين (ع) لمباني وفروع فقه أهل البيت
إنّ التتبع والفحص في تاريخ الحديث يوضح هذه المسألة، وهي أنّه في عهد حكم الخلفاء الجائر، لم يكن للفقه الشيعي ـ من حيث الاستقلال والكيان الخاص به، كما هو مستقر ورائج وممتاز في وقتنا الراهن بفضل تبويب وتبيين الفقهاء رضوان الله عليهم ـ مكانةٌ بين الشيعة، بل كان مختلطاً وممتزجاً بفقه العامة في كثير من الموارد؛ وقد نشأت هذه المسألة جراء هيمنة الحكم الظالم لبني أمية وبني مروان، وإيجاد أجواء من الرعب والاختناق والحبس والقتل والتهجير، لدرجة أن تشتت الآراء والاختلاف في الحكم كان رائجاً وعادياً حتى بين فقهاء الشيعة ورواة الأحاديث وأكابر الأقوام والأمم؛ إلى أن تهيّأت الفرصة تدريجاً في عهد الصادقين عليهما السلام، حيث استطاع المعصومون عليهم الصلاة والسلام نقل مباني وفروع فقه آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى أصحابهم ورواة الحديث.
بناءً على هذا، يمكن القول: إنه حتى عهد الصادقين عليهما السلام، لم تكن هناك مدرسة تسمى المدرسة العلمية والفقهية لأهل البيت عليهم السلام أصلاً، أو إن وجدت، فقد كانت محدودة للغاية وفي غاية الخفاء والتقية ومنتهى الكتمان والضيق.۱
٢. توضيح كلام آية الله البروجردي في نظر روايات الإماميّة إلى فقه العامّة
كان للمرحوم آية الله البروجردي مبنى يرى فيه أن روايات الإمامية ناظرة إلى روايات العامة. وبيان الأمر هو أنّ الأئمة عليهم السلام في مقام إنشاء الحكم، لم يكونوا بالاستقلال ومنفصلين ومنحازين عن العامة؛ بل كان اهتمامهم منصبّاً على بيان وجه الفارق بين الفتاوى المخالفة لأهل البيت وبين الشيعة. وبعبارة أخرى، لم يكونوا يرون لزوماً لبيان أحكام الشيعة بالاستقلال؛ لأن الدخل والتصرف في الأحكام منذ زمان النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وفي زمان الشيخين والخليفة الثالث، لم يكن في جميع موارد الأحكام، بل حصل الانحراف في بعض الأحكام بالخصوص فقط؛ فمثلاً لم يكن هناك اختلاف في مفطرات الصوم وأعمال الحج وأحكام الزكاة، ولكن حصل اختلاف في بعض الأحكام الخاصّة، كصلاة التراويح، وقول “الصلاة خير من النوم” بدلاً من “حي على خير العمل” في الأذان، وحرمة متعة النساء، وحرمة التمتع في حج التمتع.
كان القرآن والصلاة والصوم في زمان الخلفاء متّحداً مع زمان الأئمة عليهم السلام، ثم في زمان بني العباس تسبّب الأئمة الأربعة للعامة، بتدخّل الاستنباطات الشخصيّة والقياس وتشعّب الفروع وعدم الوصول إلى الإمام عليه السلام وتدخّل الأغراض والأهواء النفسيّة، في هذا الاختلاف الذي نشاهده حالياً.
ولذا كان الأئمة عليهم السلام يرون أنفسهم في غنى عن إبراز الكثير من الأحكام، وكانوا فقط في الموارد التي فيها خلاف بيّن ـ كالقياس والاستحسان والمتعة ـ في مقام بيان وجوه الافتراق بين أحكام أهل البيت وأهل السنّة، مثل كلّ هذه الروايات التي لدينا حول المتعة ومتعة الحج.
نحن نقبل هذا البيان للمرحوم آية الله البروجردي بشيء من الاحتياط. فلهذا، فإن الكثير من الأحكام التي كانت متداولة في زمان الأئمة عليهم السلام قد انتشرت من قِبَل رواة العامة.
وبشكل عام، لم تكن مسألة التشيّع والتسنّن مطروحة في ذلك الزمان، بل كان المطروح مسألة حبّ أهل البيت وبغضهم، والتي آلت الآن إلى صورة التشيّع والتسنن. في ذلك الزمان، لم يكن المكلّف ـ في عمله بحكمٍ ما ـ يلتفت أصلاً إلى ما إذا كان راويه شيعياً أم سنياً؛ فبمجرد أن يروا أنّ الراوي محبٌ لأهل البيت، كانوا يعملون بروايته، حتى وإن كان محبّاً للخلفاء أيضاً.
والكثير من الأفراد هم مجهولو الهوية أصلاً، وليس من المعلوم في النهاية ما إذا كانوا شيعة أم سنة، كالزهري وأمثاله ممن كانوا في زمان الإمام السجاد عليه السلام، وكانوا من كبار الرواة والفقهاء أيضاً، وبالطبع كان يحبّ أهل البيت أيضاً، ولكن في النهاية ليس من المعلوم في أي وادٍ كان؛ ولذا لا يمكننا الآن أن نضع الرواية التي ينقلها الزهري في حساب روايات العامة.
أنا أتصور أن هذا البحث حول التشيع والتسنّن المطروح الآن في الروايات فيه نقص وخلل؛ وذلك لأنه من هو المقصود لدينا بالإماميّ؟ هل المقصود لدينا بالإماميّ ذلك الذي يبغض الخلفاء، وكأبي ذر وسلمان والمقداد، يُعدّ من حواريي وشيعة الأئمة بشكل كامل؟!
ففي ذلك الزمان لم تكن المسألة على هذا النحو؛ بل كانت المسألة في الزمان السابق على النحو التالي: هل كان الفرد يمتلك حبّ أهل البيت أم لا؟ فإن كان يمتلكه، عُدَّ من الشيعة، وإن لم يكن يمتلكه وكان مبغضاً لأهل البيت ـ سواء سمّيناه ناصبياً أو خارجيًّا ـ فإنه في النهاية كان يُعد من المعاندين، وكان يُعبّر عنه بالمعاند وفي بعض الموارد كان يُعبر عنه بالعاميّ أيضاً.۱
وفي ذلك الوقت كانوا يطلقون على الشيعة اسم الروافض! فـ «هذا رافضي» يعني أنه خرج عن مسلك العموم؛ أي إنّ مسلك عموم الناس كان على متابعة السلطة والدولة، ولأنّ الشيعة كانوا يرون أنّ السلطة والدولة مخالفة لمذهب الأئمة عليهم السلام، فإنهم كانوا يعتزلونها. ولكن ليس بمعنى أنهم كانوا منفصلين عنهم في الأحكام أيضاً؛ بل لم تكن أحكام الشيعة تختلف عن أحكام العامّة، وكانوا يختلفون في بعض المسائل فقط.٢
٣. إشكالات على نظريّة السيّد البروجردي وجوابها
التنافي مع سهولة الشريعة؟
إنّ كون الشريعة سهلة سمحاء يرتبط بالمقلّدين، فالمقلّد يجب أن يكون في سعة وسهولة، ولكن من قال إن عمل المجتهد هو بهذه السهولة؟! فهل بإمكان المجتهد أن يصدر أيّ فتوى يشاء؟! أو يجري أيّ براءة يشاء؟! أو يقرّر أي قاعدة حِلّ يريدها؟! الأمر ليس كذلك. نعم، عندما ننقّح قاعدة الحِلّ، فإن هذه الشريعة تكون شريعة سهلة وسمحة بالنسبة للمقلّدين. أما أن نفترض أنّ كتاب وسائل الشيعة [يكفي فلا]؛ لقد قال المرحوم الآخوند الخراساني ذات يوم على المنبر مخاطباً العلماء: “أيّها الناس، اعلموا الآن أن مجرّد المطالعة والفحص في كتاب وسائل الشيعة ليس كافياً لاستنباط الأحكام الشرعيّة، بل يجب عليكم حتماً أن تضعوا كتاب المستدرك نصب أعينكم أيضاً”. وجاء السيّد البروجردي ليزيد على ذلك قائلاً: “إنّ الوسائل والمستدرك والكتب الفقهيّة والحديثيّة الشيعيّة لا تكفي للاستنباط، بل يجب أن تنظروا في فقه أهل السنّة أيضاً”.
وهذا الكلام يستحقّ الاهتمام والتأمّل؛ ففقه أهل السنّة ليس باطلاً بأكمله لكي نقول إن هذا الفقه فقه باطل بنسبة مائة بالمائة [فندعه]، كلا، فهناك الكثير من المسائل التي لم تصل إلى أيدي الشيعة، وكانت رواياتٍ وسنّة للنبي، وكانت تمثل فقه ذلك الزمان، فهذه الأمور يجب على المرء أن يلاحظها.
مراد السيّد البروجردي استفادة القرائن من روايات العامّة لا أنّ لديهم ما لم يصلنا
سؤال: لم يكن السيد البروجردي يقول ذلك من باب أن هناك أحكاماً في ذلك الزمان قد فاتتنا وهي موجودة عندهم، بل كان يقول ذلك من باب تحصيل القرينة.
جواب: نظراً إلى مسائل التقية وغيرها…؟ لا، بل كان يقول ذلك انطلاقاً من أنه لا يوجد دليل على أن جميع مطالب أهل السنة باطلة.
سؤال: كان يعتبر فقه الشيعة حاشية على فقه أهل السنة؟
جواب: نعم.
سؤال: …لقد حلّل التاريخ ذرة ذرة [ليستفيد منه] القرائن الحالية و…
جواب: نعم يا عزيزي! فالتاريخ هو هذا، التاريخ يعني هذا، والفقه يعني هذا، الفقه يعني الفهم العرفي، الفقه يعني تلك القرائن والشواهد التي كانت محط أنظار المكلّفين عند نزول الشرع أو في استمرار ذلك الشرع وبقائه.۱
ج . التنافي مع كون الرشد في خلافهم
هناك روايات ذكرت أنّ مخالفة العامّة هي أحد وجوه الرشد وتشخيص الصواب، وأنّ سبيل الرشد والصلاح يكون في مخالفة فقه أهل السنّة والفتوى الغالبة لدى أهل السنّة؛ لأنّ مبنى فقه العامّة قائم على معارضة الفتاوى الصادرة عن أهل البيت عليهم السلام؛ وذلك كما نُقِلَ صراحةً عن أبي حنيفة.
وهذه المسألة هي حيث نحتمل المخالفة مع فقه العامة، وليس في كلّ موطنٍ وفي كلّ حكمٍ. ولذا نرى أنّ العديد من أعاظم الفقهاء كانوا يُلقون نظرةً على فقه العامّة ومصادر رواياتهم قبل إصدار الفتاوى والأحكام، بل وفي بعض الحالات رجّحوا حكمهم وفتاواهم على الحكم المتعارف والوارد من ناحية فقهاء الشيعة.
وبالتالي لا يُمكن التمسّك بمجرّد المخالفة للعامة في كافّة الأمور وكافة الأحكام؛ بل ذلك يسري في المواطن التالية:
أوّلًا: حينما يكون هناك تنافٍ بين فتوى العامّة وفتوى الشيعة.
وثانيًا: حينما تكون هذه المنافاة ناشئةً عن أصول التشيّع المسلّمة وتتعارض مع روح الفقه الشيعي۱.
٤. نتائج وتطبيقات النظريّة في الاستنباط الفقهي
أ. قبول بعض روايات العامّة
بناءً على هذا، فإن الثمرة المترتبة على هذه المسألة هي أنه إذا كانت لدينا روايات منقولة عن العامّة، وقد أُحرزت وثاقة رواتها، فيجب علينا قبولها ولو كانت من العامّة. وعليه، إذا رأينا أن الناس في زمن الأئمة عليهم السلام كانوا يعملون بفتوى مشهورة، ولكن لم ترد عن الأئمة رواية في هذا الشأن، فإن هذه الفتوى وهذا الحكم كانا قطعاً محط نظر الإمام عليه السلام وموضع تأييده
ب. تحصيل التواتر في روايات الإماميّة
إذا ثبت لدينا وجود رواية صحيحة مسندة عن الإمام الصادق أو أحد الأئمّة (عليهم السلام)... ونرى من الطرف الآخر للقضيّة أنّ روايات مستفيضه أو متواترة قد وردت عن العامّة بنفس المضمون والمعنى؛ فإنّ تصحيح الرواية المسندة عن الإمام الصادق (عليه السلام) يوجب أن نصحّح تلك الروايات الأخرى، وحين نصحّحها يمكننا بضميمتها ادّعاء الاستفاضة أو التواتر٢.
ج. ترجيح التفريق بين الصلوات
ومن الأمثلة التي يمكن الاستشهاد بها، مسألة التفريق بين الصلوات اليوميّة، والتي كان العمل عليها، بناءً على سنّة رسول الله والأئمّة الطاهرين (عليهم السلام)، ولا يزال يعمل أهل العامّة بها الآن. لكن، وبسبب عدم إيلاء الفقهاء الاهتمام المطلوب بهذه المسألة الخطيرة، صار الجمع بين الصلوات شيئًا فشيئًا سُنّةً وشِعارًا للشيعة٣.
د. الحكم بطهارة المشرك
أورد الزمخشري في تفسيره اتفاق المذاهب الأربعة على عدم نجاسة المشرك.۱ حسناً، هذه المذاهب الأربعة التي تتفق الآن على طهارة المشرك وتتفق على عدم نجاسته، لم يفعلوا ذلك من باب العناد. فمثلاً من يقول توضأ من الأسفل إلى الأعلى، فإنه يستفيد ذلك من الآية القرآنية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ…﴾ ٢، أي أنه يقول إن الآية القرآنية تقول من الأسفل إلى الأعلى (إلى المرافق)، ولا تقول من الأعلى إلى الأسفل، ويقول نحن نستفيد هذا من الآية القرآنية. والآن، قد يبدو لنا الأمر سيئاً جدّاً: لماذا من الأسفل إلى الأعلى! مثلاً “ لابد أن يتوضأ من تحت إلى فوق”! حسناً، هو استفاد هذا من الآية القرآنية، بينما نحن نقول: لا، في فقه أهل البيت والسنة النبويّة يكون الوضوء من الأعلى إلى الأسفل. فيقول: فقه أهل البيت هو لكم، نحن لدينا آية قرآنية ونستفيد منها هكذا.٣ فلا يمكننا حمل جميع المسائل على العناد. ولذا، كان رأي السيّد البروجردي رحمة الله عليه أن الإفتاء بدون الرجوع إلى فقه أهل السنة يُعد ناقصاً. يجب النظر في فقه أهل السنة، لعل هناك روايات وأشياء بينهم تكون صحيحة.
الآن حديثنا هو عن الكفار الذين كانوا في زمان النبي، وفي زمان الأئمة، وكان المسلمون يخالطونهم ويتعاملون معهم. في مسألة كهذه، لو كانت نجاسة الكفار والمشركين بديهية، فكيف يعقل أن يفتي أهل السنة بجميع مذاهبهم الأربعة بطهارة المشرك؟ كيف يمكن أن يحدث أمر كهذا؟ لماذا لا نجد مثل هذا الأمر في موضوع الخمر؟ ولماذا لا نجده في موضوع الخنزير؟ ولماذا لا نجده في أكل الميتة وأمثال ذلك؟ حسناً، هذه مسألة مهمة؛ فلو كانت هذه المسألة مفروغاً عنها بين عموم المسلمين، لما تجرّأ أبو حنيفة على أن يأتي ويفتي بطهارة هؤلاء، ولما تجرأ الشافعي أن يفتي بطهارة المشرك. لا يمكنه ذلك. لأنّ هذا سيكون مخالفة لأصل أساسي، ومخالفة لأصل مُسلَّم، ومخالفة لأمر بديهي[...]
سؤال: كان هذا الأمر بديهياً عند أهل السنة، ولكن هل كان كذلك بديهياً عند الشيعة أيضاً؟
جواب: وقتها، انظروا الآن بين الشيعة، عندما يأتي شخص ويسأل الإمام، نرى أن الإمام يجيب بهذه الشدّة ويقول: لا، لا تأكلوا من طعامهم، ولا تتناولوا من أشيائهم. هذه الشدة التي يأتي بها الإمام… لأنهم يأتون ويسألون الإمام، ومجيئهم للسؤال سببه أنهم يرون الأئمة أنفسهم لا يعاشرون هؤلاء (في الأكل)، ولا يأكلون من طعامهم، فيتولد لديهم الشك: كيف يتصرّف هؤلاء هكذا؟ ولذا يأتون ليسألوا: ماذا نفعل نحن مثلاً؟ هناك أمر كهذا، فما هو رأيكم تجاهه؟ حسناً، أي أنّ سلوك الأئمة هو سبب السؤال، فهناك رواية جاء فيها “إنا لا نأكل”، بينما في بعض الروايات “لا تأكل”. فالرواية الموجودة في (دعائم الإسلام) جاءت بصيغة “لا تأكل”، أما الروايات في غير الدعائم، كما في (التهذيب) وغيره، جاءت “إنا لا نأكل من طعامهم ولا من شرابهم”، وهي لا تحمل معنى النهي “لا تأكل”. إذن فهذه المسألة كانت موضع شبهة وتساؤل للأفراد. فلو كانت نجاستهم مُسلَّمة، لما جاء هذا السائل ليسأل الإمام، ولكانت مسألة عادية وواضحة، لأنّ هذه المسألة ليست من الفروع الخاصة التي تحتاج إلى سؤال، فلماذا لا يأتي عن غيرها؟ هل رأيتم راوياً يسأل الإمام: هل الخمر نجس أم لا؟ هذا لا يحتاج إلى سؤال. الجميع يعرف ذلك. هل رأيتم راوياً يسأل الإمام: هل الزنا حرام أم لا؟ سيضحكون عليه! ستكون أضحوكة! حرمة الزنا لا شك فيها. نعم، قد يسألون: ما هي شروط الزنا؟ وفي أي ظروف يتحقق الزنا؟۱.
هـ. حرمة الموسيقى مطلقًا
ذات يوم استدعاني السيد الوالد رضوان الله عليه وكان ذلك قبل مدة طويلة، حوالي ثمان سنوات، وقال لي: “تعال وانظر”؛ وكان في يده كتاب لأحد هؤلاء الكتّاب المصريين، وكانت فيه حكاية مفادها أنّه في يوم من الأيام، خرج الخليفة هارون الرشيد مع فضل بن يحيى البرمكي وجمع من الناس للصيد. فانفصل فضل عن هارون والبقيّة، ومضى منفرداً خلف الصيد حتى وصل إلى خيمة. كان عطشاناً، فتوقّف ليأخذ ماءً أو شيئاً يشربه. فنظر صاحب الخيمة فرأى في يد فضل آلة طرب وتريّة، فأخذها منه وكسرها. فقال فضل: لماذا كسرتها؟ فأجاب: هذه آلة محرّمة، فماذا تفعل هذه الآلة المحرّمة في يدك؟ والخلاصة أنهما تشاجرا، وذهبا إلى هارون. فقال [هارون]: لماذا أخذت هذه الآلة وكسرتها وهي ملك له؟
فقال الرجل: لقد نهيت عن المنكر، رأيت أن هذه الآلة آلة موسيقيّة ومحرّمة، فكسرتها.
فلو كان الفهم العرفي في ذلك الزمان يفيد بأنّ هذه الآلات يمكن استخدامها على وجهين: استخدام محلّل واستخدام محرّم، لقال له هارون: لعلّه يستخدمها استخداماً محلّلاً، فلماذا كسرتها؟ وبما أنّه لم يقل ذلك، فمن المعلوم إذن أنّ هذا التقسيم من اختلاقات وابتداعات عصرنا الحاضر!۱
[إذن] ممّا ينبغي على المجتهد أن يُراعيَه الاطلاع على فقه العامّة، إذ كثيرًا ما يحصل أن لا يتّضح الحكم الوارد من ناحية الإمام عليه السلام، أو أن لا يصل إلينا، والحال أنّ العامّة عملوا بهذا الحكم الوارد إليهم من طريق الأخبار والسنّة النبويّة٢.