المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني
القسممباني الإسلام
المجموعةمحطات من السيرة النبويّة
هو العليم
كيفيّة الهداية الاختصاصيّة واطّلاع الأولياء الإلهيّين على الحقائق الغيبيّة والوحيانيّة
طرح مباني الإسلام - – محطات من السيرة النبوية - المحاضرة الحادية عشر
(ترجمة مؤقتة بمساعدة الذكاء الصناعي: تُرجمت هذه المحاضرة بمساعدة الذكاء الاصطناعي باستخدام أفضل الأدوات المتاحة، وحرِصنا على تحقيق أعلى جودة ممكنة. ومع ذلك، فهي ترجمة مؤقّتة سنعمل على مراجعتها لاحقًا لضمان دقتها الكاملة. إذا وَجدْتَ أيّ ملاحظة، نرجو إبلاغنا بها للمساهمة في تحسين المحتوى.)
إلقاء:
آية الله الحاج السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ
قدّس سرّه
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين
والصلاة على أشرف رسله وخاتم سفرائه محمّد وآله الغرّ الميامين
ولعنة الله على أعدائهم أجمعين
قال الله الحكيم في كتابه الكريم: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوۡ قُتِلَ ٱنقَلَبۡتُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡ وَمَن يَنقَلِبۡ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَهَ شَيۡٔٗا﴾۱ (سورة آل عمران، الآية ۱٤٤).
طريق الوصول إلى حقيقة التوحيد ولقاء الله
في آية من آيات القرآن، يقول الله للنبيّ: ﴿قُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يُوحَىٰٓ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ فَمَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَلَا يُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدَۢا﴾٢.
إنّ النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله من بين ما يوحى إليه، لا يذكّر إلّا بمسألة التوحيد؛ أي إنّ آخر مرحلة كماليّة للإنسان وأعلى نقطة للوصول إلى الجذوات المعنويّة والصفات الملكوتيّة، هي مرتبة التوحيد. فالوحدة في الألوهيّة وتحقّق هذه المسألة، هما الغاية المطلوبة من تشريع الشرائع، وخاصّة شريعة النبيّ. بناءً على ذلك، فإنّ كلّ من أراد الوصول إلى هذه النقطة وبلوغ التوحيد، الذي هو لقاء الباري عزّ وجلّ، فإنّ الله يفرّع هذا الأمر على: ﴿فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَلَا يُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدَۢا﴾.
قبل عدّة سنوات، شاركت بصحبة المرحوم العلامة الطهرانيّ في مجلس بطهران، وكان يحضره حوالي عشرين من العلماء المعروفين في طهران وخارجها. ودار الحديث حول رسالة «لقاء الله» للمرحوم الحاج الميرزا جواد الملكيّ التبريزيّ، فقال أحدهم: «إنّ عنوان رسالة "لقاء الله» هو عنوان درويشيّ وصوفيّ ومنبوذ! لأنّنا لا نملك مصطلح «لقاء الله» في القرآن، بل لدينا دائمًا «لقاء ربّه": ﴿فَمَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ﴾؛ وهذا شيء ابتكروه من عندهم، فـ «لقاء الله» يخصّ الدراويش والصوفيّة!». وقد وافق جميع الحاضرين على ذلك.
حتّى وإن لم يكن مصطلح «لقاء الله» موجودًا في القرآن، فما المبرّر لأن يطرده الإنسان ويعتبره مردودًا؟! فقال المرحوم العلامة الطهرانيّ: «لا يا سيّدي! بل لدينا في القرآن فعلًا: ﴿مَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ ٱللَهِ فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَهِ لَأٓتٖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ﴾٣.
إنّ من يريد السعي وراء لقاء الباري، أي أن يدرك أنّه: ﴿أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِد﴾؛ فإنّ النبيّ يوضّح له الطريق ويعطيه التعليمات: ﴿فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَلَا يُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدَۢا﴾؛ «فيجب عليه أن يصلح عمله، ويجعل فعله قائمًا على الميزان والمنطق، ويؤدّي عمله بشكل صحيح».
﴿وَلَا يُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدَۢا﴾؛ «وألّا يجعل أحدًا شريكًا للباري؛ لا في العمل، ولا في النيّة والفكر، ولا في سويداء قلبه وسرّه!».
لأنّه إذا أراد أن يتّخذ شريكًا، فإنّ الله خير شريك؛ كما ورد في رواية عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: «يَقُولُ اللَهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَنَا خَيرُ شَرِيكٍ...» [ومعناه:] لا ينبغي أن يجعلي لي شريكًا.
يُصلّي الإنسان ولكنّ فكره في السوق، في البيت، عند الزوجة والأولاد، في العمل والتجارة، في الدفاتر والسجلّات، في المنصب والموقعيّة والشخصيّة والكرسيّ. كان أحدهم يقول: «كلّما فقدتُ شيئًا وجدته في الصلاة! إنّه وقت مناسب». هذه حقائق، وفيها أسرار كثيرة؛ كيف أنّ قوى الأبالسة، في أفضل وقت وأدقّ لحظة، وبعلمهم بما في نيّة الإنسان، يبحثون عن ضالّته ليروا أين هي، ثمّ يلقونها في ذهنه. هذه ليست أوهامًا، بل هي واقع! فهم يعلمون أين فقدنا الشيء الفلانيّ، ولذا يجيّشون قواهم ويجدونه. افترضوا أنّنا وضعنا الشيء الفلانيّ في المخزن، فبمجرّد أن يريد الإنسان التوجّه، يقول الشيطان فورًا: «اذهبوا وأخبروه بمكانه! اذهبوا وذكّروه به!».
خلاصة القول: إنّها أفضل وسيلة؛ إذا فقدتم شيئًا يومًا ما، فصلّوا ركعتين بحضور قلب، وستُحلّ مشكلتكم!
«إنّ الله يقول: أنا خير شريك، من عمل لي ولغيري، فهو لمن عمل له دوني! »۱ أي: إيّاكم أن يشرك عبادي معي أحدًا في صلاتهم، لأنّني شريك جيّد (فعندما تصعد هذه الصلاة، أرى أنّ نصفها، أو ثلثيها، أو ثلاثة أرباعها، أو أربعة أخماسها، أو تسعين بالمائة منها و... هو للآخرين؛ وهذا المسكين جاء ولم يترك لنا سوى عشرة بالمائة) فأقول: أنا شريك جيّد، وأهب حصّتي لشريكي أيضًا؛ اذهبوا واضربوا بهذه الصلاة وجهه وقولوا: أنا لا أريدها!».
كان هناك شخص، عندما يصلّي، ينهض فورًا من مكانه ويذهب إلى غرفة أخرى قائلًا: «أذهب لكيلا تجدني الملائكة التي تأتي لتضرب بصلاتي وجهي!».
هذا هو الطريق والمنهج الذي رسموه لنا؛ أوّلًا: أداء العمل الصالح، وثانيًا: ألّا نشرك مع الله غيره في النيّة.
بناءً على ذلك، ووفقًا لهذه الآية، فإنّ المعيار هو: الوصول إلى مقام التوحيد، وتجاوز الحجب النفسيّة، وطيّ الأسماء والصفات الإلهيّة، والوصول إلى مقام الذات، الذي هو التوحيد الذاتيّ.
فنزول الوحي وعدمه لا داخلة له في كمال أحد؛ ورؤية المناظر في أثناء الطريق أو عدم رؤيتها، لا داخلة لها في كمال أحد؛ ومجيء الملائكة أو عدم مجيئهم، وإلقاء المسائل في نفس الإنسان، لا دخالة لها في كمال أحد وفي مساره؛ فهذه الآية تعتبر المعيار والملاك الوحيد لتوجّه الإنسان هو الوصول إلى مقام التوحيد وتجاوز الحجب؛ سواء أكانت حجبًا ظُلمانيّة أم حجبًا نورانيّة.
غاية الأمر أنّه في هذا البين، يجب أن يكون هناك مرشد يدلّ على الطريق ويفتح للإنسان مسائل المسار والطريق؛ وهذا هو معنى ﴿يُوحَىٰٓ إِلَيَّ﴾. من هذه الناحية لا يوجد فرق؛ ولذا يقول: ﴿قُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ﴾؛ «فمن حيث الظاهر والباطن، ما تمتلكونه أمتلكه أنا أيضًا!». الفرق الوحيد بيننا هو: ﴿يُوحَىٰٓ إِلَيَّ﴾؛ ولكنّ هذا الأمر ليس سبب كمالي، بل الوصول إلى مرتبة التوحيد هو سبب كمالي. وللوصول إلى مرتبة التوحيد، لا يعود هناك تفاوت بين الأفراد؛ فكلّ من يريد الوصول إلى هذه المرتبة: ﴿فَمَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَلَا يُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدَۢا﴾.
كيفيّة اطّلاع الأولياء الإلهيّين على الحقائق الغيبيّة والوحيانيّة
إنّ الوحي الذي ينزل على الأنبياء عبارة عن: تجلّي صورة أو معنًى في نفس النبيّ. فالوليّ ـ سواء أكان نبيًّا أم لم يكن، ولا فرق من هذه الناحية ـ يظهر في نفسه معنًى أو صورة من عالَم الحقائق ـ كما بيّنا سابقًا۱ ـ فيطّلع عليه.
إنّ ما يجري في هذا العالَم ويرتبط بالمادّة من حيث التحقّق، يحتاج إلى مضيّ الزمان ومروره؛ فالمسألة التي من المقرّر أن تقع غدًا، لا تحدث اليوم، وكلّ وجود مادّيّ بظروفه الخاصّة، يغدو مقيّدًا بالظروف والزمان والمكان. فوجود اليوم ليس وجود الغد؛ ووجود الغد ليس وجود بعد الغد. ومن لوازم الوجود المادّيّ مضيّ الزمان ومروره. فالزلزال الذي من المقرّر أن يقع في نقطة ما، يتطلّب ظروفًا خاصّة، وتلك الظروف تحتاج إلى زمان حتّى تتحقّق العلل والأسباب، ثمّ يقع ذلك الزلزال. فجميع الحوادث المادّيّة تحتاج إلى زمان.
ونحن لا نمتلك بأيّ وجه من الوجوه أيّ اطّلاع على حوادث المستقبل، ولم يأتِ أحد حتّى الآن ليدّعي أنّه على علم بحوادث المستقبل! إنّ أدقّ الأجهزة وأهمّها تُخبر بناءً على التخمين والظنّ بأنّه في السلسلة الفلانيّة من الأرض وفي نقطة العمق الفلانيّة، تحدث حركة في الصدوع، وهذه الصدوع توصل حركة باطن الأرض وقشرتها إلى نقطة معيّنة فيحدث الزلزال؛ أمّا أن يُظهر الجهاز نفسه وقوع الزلزال، فكلّا أبدًا! ليس لدينا أيّ جهاز في العالَم يأتي ليقول: ستُرزقون بعد عشر سنوات بطفل يحمل الاسم الفلانيّ! إنّ قصارى جُهد السادة المادّيّين يكمن في أنّه إذا رأينا شيئًا، فحينها نقول: نعم، هذا صحيح!
| از كَرَامَاتِ شَيخِ مَا اين است | *** | شِيرِه رَا خُورد وَ گُفت شِيرِين است!. |
[يقول: من كرامات شيخنا أنّه تناول الدبس وقال: إنّه حلو!]
إنّ البراعة التي نمتلكها، والفخر والتباهي الذي نظهره للآخرين، لا يتعدّى قدرتنا على رؤية قضيّة ما، هذا إن كنّا قد شاهدناها بشكل صحيح وفهمناها بشكل صحيح!
يُقال: إنّ رسّامًا غيّر مهنته إلى الطبّ، فقيل له: لماذا ذهبت وأصبحت طبيبًا؟ فقال: عندما كنت أرسم، كانت عيوب الرسم تظهر، وكان الناس يرونها ويقولون: يا سيّدي لقد أفسدت هنا، وأفسدت هناك؛ ما هذا الوضع؟! وكانت تحدث الشجارات! ولكن منذ أن أصبحت طبيبًا، لم يعد يعلم بعيبي سوى عزرائيل، ولا أحد غيره يعلم بما أفعله بالناس!
هذه المسألة تتعلّق بالمسائل المادّيّة. فالإحساس المادّيّ لا يدرك غير المادّة؛ وهذا واضح. أمّا الحديث فلا ينحصر في المادّة فقط ولا يختصّ بها وحدها، فكلّ ما يجري في هذا العالَم له صورة في الأعلى:
| چَرخ بَا إاين اختَرَان، نَغز وَخُوش وَ زِيبَاستِي | *** | صُورَتِي دَر زِير دَارَد آنچِه دَر بَالَاستِي۱. |
[يقول: إنّ الفلك بهذه النجوم، بديع وحسن وجميل *** وما هو في الأعلى، له صورة في الأسفل].
إنّ جميع قضايا وحقائق عالَم الإمكان متحقّقة في وجودها الواقعيّ والحقيقيّ، الذي هو الوجود العِلّيّ. وبعبارة أخرى: جميع قضايا وحقائق عالَم الإمكان، متحقّقة في ذلك الوجود العِلّيّ، بما يتناسب مع وجودها المجرّد، في عالَم الملكوت الأعلى.٢
وللعوالم العليا مراتب: الملكوت السفليّ، الملكوت الأعلى، البرزخ الخياليّ، البرزخ الذي يعلو الخيال، تحقّق المعاني الجزئيّة، وعالَم المعاني الكلّيّة؛ فكلّ هذه عوالم مترتّبة على بعضها البعض، وهي بعيدة عن المادّة ومجرّدة، وفي تجرّدها توجد مراتب أيضًا. بناءً على ذلك، فإنّ الشخص الذي يتّصل بعالَم المعنى، لا يدرك الصورة المادّيّة للمسألة، بل يحسّ بصورتها المعنويّة والحقيقيّة نفسها في ذلك العالَم الذي لا يحتاج إلى زمان ومكان.
عندما تنامون، تتلبّس نفسكم بالبدن المثاليّ وترتدي ثوب المثال، وتذهب إلى عالَم المثال، فتكشف الحجاب عن الحقائق الموجودة في عالَم المثال وتُخبر عنها؛ وذلك بالطبع بمقتضى سعتها وضيقها.
وعندما ينزل الوحي على الأنبياء، يتّصلون بعالَم الملكوت، فإذا كانت هناك صورة في عالَم الملكوت أو معنًى في الملكوت الأعلى، فإنّهم يتلقّون ذلك المعنى ويودعونه في أذهانهم، ثمّ يبيّنونه للناس لاحقًا؛ أمّا إذا لم تكن هذه الحقائق موجودة في ذلك العالَم، فليس النبيّ وحده، بل حتّى الباري نفسه لم يكن ليتسنّى له الإخبار عن هذه الحقائق.
وبعبارة أخرى وباصطلاح فلسفيّ: لا يمكن الإخبار عن العدم المطلق.۱ فما لم تتحقّق حقيقة هذه القضايا في ذلك العالَم، لا يمكن لأحد أن يُخبر عنها، وما لم تكن هذه المسائل موجودة، لا يمكن لأحد أن يُعطي معلومات عنها. بناءً على ذلك، يجب أن تكون هذه الحقائق متحقّقة في تلك العوالم؛ ونحن طالما أنّنا نملك عين الظاهر فلن نتمكّن من رؤيتها، أمّا إذا انفتحت عين الباطن، فيمكننا إدراكها.
إدراك حقائق الوقائع الخارجيّة بواسطة الوحي وإلهام صورتها الملكوتيّة للأولياء الإلهيّين
تلك الصورة التي تأتي للنبيّ على شكل وحي، قد تكون على عدّة أقسام:
القسم الأوّل: أن يرى نفس تلك الواقعة والواقعة ذاتها؛ على سبيل المثال، قضيّة من المقرّر أن تقع غدًا أو بعد غد، فيقوم صلّى الله عليه وآله بشرح تلك الواقعة وبيان خصوصيّاتها قبل وقوعها.
إذا كنتم قد دقّقتم، فإنّ الأئمّة عليهم السلام في الروايات والنصوص التي نقلوا فيها أمورًا بعبارة «كَأَنِّي بِكَ» أو عبارة «كَأَنِّي»، بمعنى: «كأنّ...» أو «هكذا أرى أنّ...»، هي من القسم الأوّل من الوحي. ففي قضايا تلقّي أمير المؤمنين عليه السلام للضربة، قال النبيّ من على المنبر: «كَأَنِّي بِكَ وَأَنتَ تُصَلِّي...»٢؛ «يا عليّ، كأنّي بك وأنت تصلّي في المحراب، فيُبعث أشقى الأوّلين والآخرين ويأتي ليضربك ضربة تُخضّب منها لحيتك بدم رأسك!».
يقول صلّى الله عليه وآله: «أنا أرى ذلك الآن!». «كَأَنِّي» تعني أنّني أرى الواقعة، وكأنّني واقف الآن وأنت في محراب مسجد الكوفة، وابن ملجم يتحرّك من مكانه، وأرى الآن الخطوات التي يخطوها، جاء واقترب ثمّ رفع السيف وضربك على رأسك!
جميع القضايا التي تحتاج في تحقّقها المادّيّ إلى الزمان، يراها النبيّ لكونها ثابتة في عالَم الملكوت. إنّ ثبوت هذه القضايا ليس ثبوتًا صوريًّا، أي ليس الأمر بنحو أن تُلتقط صورة لقضيّة ما فينظر الإنسان إلى هذه الصورة ويشرح المسائل التي تجري فيها؛ كلّا، بل إنّه يرى نفس تلك الواقعة ذاتها، بحيث لا تكون قابلة للتغيير؛ أي إنّه يشاهد أصل العِلّة وحقيقتها، فالمعلول لم يأتِ بعد ولم تتحقّق الجنبة المادّيّة للمعلول بَعْدُ؛ ولكنّ النبيّ يشاهد جنبة المعنى والتجرّد لهذه القضيّة المادّيّة، التي تعدّ الصورة النازلة لذلك المجرّد، وما لم يكن ذلك المجرّد موجودًا فلن تكون هناك مادّة، وبعد تحقّق المجرّد، يستحيل عدمه وانعدامه بل يظلّ موجودًا باستمرار. كلّ هذه مسائل يجب التأمّل فيها في موضعها.
يقول أمير المؤمنين عليه السلام: «يا أهل الكوفة، كأنّي أرى يومًا يسلّط الله فيه عليكم غلام ثقيف، فلا يرحم صغيركم ولا كبيركم!»۱. أي إنّه عليه السلام يرى في تلك اللحظة مجيء الحجّاج بن يوسف الثقفيّ بولايته على الكوفة، ويرى مجازره، وكلّ تلك الخصوصيّات يراها عليه السلام ويشاهدها كما نشاهد نحن منظرًا ما.
أنا الآن أشاهد الأشجار الموجودة في هذه الباحة، وأرى خصوصيّاتها، حتّى إنّني ـ على سبيل المثال ـ أستطيع أن أعدّ لكم أوراقها؛ فهل يمكنني الآن أن أُنكر وأقول إنّ هذه الشجرة غير موجودة؟! وهكذا هي الحال بالنسبة للنبيّ أو الإمام أو الوليّ؛ فعندما يبيّن مسألة ما، فإنّ نفسه ترى تلك المسألة، حتّى وإن لم تتحقّق من الناحية المادّيّة بعد.
كان المرحوم الحاج هادي الأبهريّ ـ رحمة الله عليه ـ رجلًا يتّسم بصفاء ونقاء وصدق كبيرين، وكانت تخطر له بعض الخطورات بين الحين والآخر. أذكر أنّه في ليلة النصف من شعبان، جاء عدد من الأصدقاء الهمدانيّين، ومن بينهم المرحوم الحاج محمّد حسن البياتيّ، إلى منزلنا لإحياء الليلة، ولم أكن أبلغ من العمر حينها سوى حوالي ستة عشر عامًا ونصف. فبدأوا بالصلاة والدعاء وقراءة دعاء كميل، فصلّينا معهم بضع ركعات ثمّ غلبنا النعاس فذهبنا ونمنا، بينما ظلّ هؤلاء السادة منشغلين بالعبادة حتّى الصباح، وكانوا يعملون نيابة عنّا!
كان المرحوم الحاج هادي في ذلك الوقت مصابًا بسرطان الرئة وطريح الفراش، وكانت حالته صعبة، وقد توفّي في ذلك العام نفسه. جاء في الصباح، وكنّا جالسين عنده أنا وأخي الأكبر السيّد محمّد صادق، وكانت حالته قد تحسّنت قليلًا وكان مزاجه جيدًا بعض الشيء وهو يدخّن الغليون. وفجأة أطلق صيحةً! فقلنا: «يا حاج، ماذا حدث، ما الخبر؟». فقال: «رأيت الآن أنّك أنت وهذا أخوك برفقة والدكم، تطوفون جميعكم حول الكعبة هذا العام!».
إنّ طفلًا في السادسة عشرة من عمره لا يتبادر إلى ذهنه أصلًا التفكير في كربلاء، فضلًا عن مكّة والطواف، وذلك في زمان كان الأمر فيه يبدو مستحيلًا بحسب الظاهر. فقلنا: «يا حاج، هل تتحدّث بجدّيّة؟». فقال: «أنا رأيت ذلك؛ ولا أدري الآن إن كان صحيحًا أم لا». كان يقول: «رأيتكم تطوفون!». فهذه هي الصورة عينها التي تجلّت في ذهنه.
نسينا نحن هذه الحادثة بالكلّيّة ولم نتابعها، حتّى طرأت فجأة قضيّة في أواخر شهر رمضان، وطُرحت مسألة ذهابنا إلى مكّة، فرأينا أنّه لا، يبدو أنّ الحاج لم يكن يهذي كثيرًا بل رأى شيئًا حقًّا، وخلاصة القول ذهبنا أخيرًا بالرغم من الصعوبات التي واجهتنا؛ إذ لم يسمحوا لنا بالذهاب عن طريق إيران، فتشرّفنا بالذهاب عن طريق الكويت في الختام.
هذه هي الصورة نفسها التي لها تحقّق في ذلك العالَم، وقبل أن تتحقّق المسألة المادّيّة، تأتي تلك الصورة المجرّدة لتستقرّ في ذهن ونفس الشخص الذي يمتلك نفسًا صافية ونقيّة.
إدراك حقائق الوقائع الخارجيّة بواسطة الوحي وإلهام معناها الملكوتيّ للأولياء الإلهيّين
القسم الثاني: في بعض الأحيان يأتي المعنى بدلًا من الصورة؛ أي لا تتبادر تلك القضيّة والمنظر نفسه في ذهن الإنسان، بل تخطر معاني تلك القضيّة والواقعة الخارجيّة في ذهنه. وهذا أيضًا صحيح وله واقعيّة.
على سبيل المثال: يشعر الإنسان في داخله أنّ قضيّة ما هي في طور الوقوع؛ فافترضوا أنّ شخصًا يذهب ويقوم بعمل ما، فيدرك الإنسان ما سيحدث له بعد القيام بذلك العمل، أي إنّه يشعر بالمسائل التي تقع تِباعًا، ويدرك أيضًا القضيّة التي ستحدث له في النهاية. لا يرى الإنسان ذلك الشخص عينه في كلّ واحدة من هذه القضايا، ولكنّه يشعر بتحقّقها وأنّ مثل هذه القضيّة ستقع في النهاية، أمّا أن يرى الشخص نفسه بصورته في هذه الواقعة، فليس الأمر كذلك. هذا ما يُطلق عليه: تجلّي المعنى؛ أي إنّ المعنى يتجلّى للإنسان. وفي هذه المسألة، لا يوجد فرق بين النبيّ أو الوليّ.
ينقسم تجلّي المعنى إلى قسمين:
الأوّل: أن يدرك الإنسان موقعيّة كلّ مورد وخصوصيّات المسألة، بحيث يحصل له اليقين بحتميّة المسألة. هذه المرتبة تخصّ من بلغ مقام العصمة عن الخطأ.
الثاني: ألّا يدرك ذلك، فتخطر فكرة في ذهنه ولكنّه يظلّ دائمًا في حالة من التردّد حول ما إذا كانت هذه المسألة التي شاهدها صحيحة أم غير صحيحة.
هذه المرتبة تخصّ الأفراد الذين لم يبلغوا مقام ومرتبة العصمة عن الخطأ، فتبقى هذه القضيّة في أذهانهم في حالة من الترديد حتّى يُحسم الأمر؛ فإذا وقعت في الخارج، يتبيّن أنّ هذا الأمر كان صحيحًا، وإذا لم تقع، يتبيّن أنّها كانت خطورات شيطانيّة.۱
الوصول إلى حقيقة التوحيد والاتّصال بعالَم الغيب بواسطة تهذيب النفس وتجاوز الحجب النفسيّة
للوصول إلى مقام الغيب والاتّصال بالغيب، يجب على الإنسان العمل بهذه التعليمات: ﴿فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَلَا يُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدَۢا﴾۱. فبدون تهذيب النفس وتجاوزها، وبدون العبور من الحجب النفسيّة، يستحيل على الإنسان الوصول إلى هذه المعاني؛ ولذا فمن الممكن جدًّا أن تحدث مثل هذه المسائل للأطفال والصغار قبل أن يتلوّثوا.
يُنقل أنّ: أحد العلماء المعروفين في مازندران كانت لديه حاجة ومطلب، فقال لأحد أصدقائه الذي كان متوجّهًا لزيارة الإمام الرضا عليه السلام: «عندما تتشرّف بزيارة الإمام وتقرأ الدعاء وتدعو للجميع، تذكّرنا أيضًا ولا تنسنا! فلدينا حاجة، فخذ حاجتنا وجوابها وائتِ بهما!». ولابدّ أنّه كان واثقًا من أنّ الإمام لن يتركه دون جواب.
ذهب ذلك الشخص، وبقي في مشهد لأربعين يومًا على ما يبدو، ونسي تمامًا أن يعرض التماس ذلك الشخص على الإمام. وفي اليوم الأخير الذي جاء فيه لزيارة الوداع، طرأت له مكاشفة فجأة، فرأى أنّ الخدّام قد جاؤوا وأخلوا الحرم وأخرجوا جميع الأفراد. وعندما خلى الحرم من جميع الأفراد، خرج الإمام الرضا عليه السلام من داخل الضريح وتوجّه نحو هذا الشخص وقال له: «اذهب وقل لصديقك:
| آيِينِه شُو جَمَالِ پَرِي طَلعَتَان طَلَب | *** | جَارُوب زَن خَانِه وَ پَس مِيهِمَان طَلَب!٢و٣ |
[يقول:
كُن مرآةً ثمّ اطلب جمال ذوات الطلعة الملائكيّة *** واكنس الدار ثمّ اطلب الضيف!]
وقد أراد الإمام عليه السلام الإشارة إلى هذه الفكرة وهي: إنّ الوصول إلى تلك المقامات والمراتب يحتاج إلى تهذيب النفس، وما لم يُصبح الإنسان مرآة مصقولة وصافية، فلن يظهر فيها انعكاس وجه المحبوب بشكل حسن؛ لأنّ انعكاس المحبوب يجب أن يقع في وعاء مستعدّ، فإذا لم يكن الوعاء مستعدًّا وكان يعلوه الصدأ، فمن الطبيعيّ ألّا يُرى. ولذا ورد في الرواية أيضًا: «إِنَّ لِرَبِّكُم فِي أَيَّامِ دَهرِكُم نَفَحَاتٍ؛ أَلَا فَتَعَرَّضُوا لَهَا وَلَا تُعرِضُوا عَنهَا!»٤.
يمتلك الباري عزّ وجلّ دائمًا تجلّيات، غاية الأمر أنّ إدراك هذه التجلّيات يحتاج إلى صقل تلك المرآة لكي تتمكّن من التقاط تلك التجلّيات والمطالب. ويوحي الله للأنبياء بهذا النحو.
بعثة رسول الله في سنّ الأربعين
بلغ النبيّ الأكرم مقام الرسالة في سنّ الأربعين، ورغم أنّه كان على ارتباط واتّصال بمقام الملكوت الأعلى قبل ذلك، إلّا أنّه من حيث تشريع دين الإسلام وتبليغ الدين للناس، فإنّ بدايته تنطلق بنزول القرآن الكريم، ولم يكن هناك مثل هذا الأمر قبل ذلك.
الاختلاف بين عمل الأولياء الكُمَّل الحائزين لمقام جمع الجمع، وبين سائر الأولياء المتّصلين بعالَم الغيب
كان النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله قبل البعثة، يعمل وفقًا لشريعة حضرة إبراهيم وبناءً على ذلك المنهاج نفسه الذي رسمه الباري عزّ وجلّ له لاحقًا؛ أي صلاة الصبح وصلاة الظهر وصلاة العصر والصوم وما شابه ذلك، فكلّ هذه الأمور كانت باقية على حالها، إلّا أنّه صلّى الله عليه وآله لم يكن يبيّنها للناس، ولكنّه كان يعمل بها جميعًا؛ لأنّ نفسه كانت قد تعرّفت واطّلعت على أصل الشريعة وحقيقتها.
كان النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله قبل أن يُؤمر بالتوجّه نحو الكعبة في الصلاة، يصلّي متوجّهًا نحو بيت المقدس۱. وقد رأيت مصادفةً في أحد الكتب: ينقل بعض الأصحاب: «قبل أن ينزل حكم التوجّه نحو الكعبة، كنّا نسير مع نفر من الأصحاب في المدينة، وكان بيننا شخص رأيناه يتوجّه في الصلاة نحو جهة أخرى. فقلنا له: يجب أن تصلّي متوجّهًا نحو بيت المقدس، فنحن مأمورون بذلك! لكنّه كان يقول: لا، يجب أن أصلّي متوجّهًا نحو الكعبة!»٢.
بعد عودته من السفر، أتى إلى محضر رسول الله وقال: «يا رسول الله، كنت أصلّي متوجّهًا نحو الكعبة في الصلوات التي كنّا نصلّيها، وكنت أقول: سأصلّي متوجّهًا نحو الكعبة، ولكن إذا صلّيتم أنتم نحو بيت المقدس، فلا بأس». فقال له النبيّ صلّى الله عليه وآله: «سأُؤمر قريبًا بالتوجّه نحو الكعبة لتكون قبلة، وأنت قد أدركت هذا الأمر قبل أن أُؤمر به، وتقوم بالصلاة متوجّهًا نحو الكعبة!».
ولكنّه صلّى الله عليه وآله لم يقل له إنّ صلاته باطلة أو صحيحة. والآن، هل يُعقل أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله لم يدرك ولم يفهم مسألة التوجّه نحو الكعبة حتّى نزل جبرئيل وحوّل القبلة في مسجد القبلتين؟! لقد كان يعلم منذ بداية الرسالة أنّه يجب أن يصلّي متوجّهًا نحو بيت المقدس حتّى هذا الوقت، ومن بعده يصلّي متوجّهًا نحو الكعبة! هذه مسألة كان يعلمها النبيّ صلّى الله عليه وآله، غاية الأمر أنّ زمانها وموعدها كان حينما جاء جبرئيل في مسجد القبلتين ـ الذي لا يزال موجودًا حتّى الآن، وقد بنوه بشكل جميل جدًّا؛ رزقكم الله زيارته إن شاء الله ـ وحوّل وجه النبيّ وهو في حالة الركوع نحو الكعبة.٣
إنّ اطّلاع ذلك الشخص يعود إلى أنّه تمكّن من إدراك تلك الحقيقة بفضل الخصوصيّات والروحيّات التي كان يمتلكها. ولكن بما أنّه لم يكن يمتلك مقامًا جمعيًّا ليُبقيه عاملًا بتكليفه السابق رغم إدراكه لتلك الفكرة والقضيّة، فقد اتّبع تلك الصورة؛ أمّا لو كان يمتلك المقام الجمعيّ، لما رتّب أثرًا على تلك الصورة والواقعة المُشاهدة، ولقام بأداء تكليفه الظاهريّ نفسه. وهذا هو مكمن الفرق بين النبيّ والوليّ الكامل، وبين الشخص الناقص الذي يرى هذه الأمور.
تنشأ الكثير من المسائل والاصطدامات والكثير من الاختلافات من هنا، حيث إنّ الأولياء يعلمون ولكنّهم يعملون وفقًا لأمر آخر؛ أمّا نحن، فبمجرّد أن نرى قضيّة ما، نريد العمل بها فورًا، في حين أنّ وقتها لم يحن بعد.
الهداية الشخصيّة والاختصاصيّة للنبيّ الأكرم من جانب الباري عزّ وجلّ
بُعث النبيّ في سنّ الأربعين، ولكنّه كان تحت تربية الباري عزّ وجلّ ورعايته طوال المدّة من الطفولة حتّى سنّ الأربعين؛ فكانت أفعال النبيّ وسلوكه تجري واحدة تلو الأخرى بناءً على هداية شخصيّة وهداية خاصّة وضعها الباري عزّ وجلّ لشخص النبيّ، وكان النبيّ يتحرّك على ذلك الأساس. يقول أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة:
«وَلَقَد قَرَنَ اللَهُ بِهِ صَلَّى اللَهُ عَلَيهِ وَآلِهِ مِن لَدُن أَن كَانَ فَطِيمًا، أَعلَى مَلَكٍ مِن مَلَائِكَتِهِ، يَسلُكُ بِهِ طَرِيقَ المَكَارِمِ، وَمَحَاسِنَ أَخلَاقِ العَالَمِ لَيلَهُ وَنَهَارَهُ».
«منذ أن فُطم النبيّ، وكّل الله به أعظم ملَك من ملائكته، ليراقب جميع أفعاله وسلوكه، ويعلّمه طريق مكارم الأخلاق ومحاسن أخلاق العالَم، واحدة تلو الأخرى ولحظة بلحظة، في ليله ونهاره». يُطلق على هذا النحو من الهداية اسم الهداية الشخصيّة، ويمكننا أن نطلق عليها اسمًا آخر أيضًا.۱
ثمّ يقول عليه السلام: «وَلَقَد كُنتُ أَتَّبِعُهُ اتِّبَاعَ الفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّهِ». «فكما كان ذلك الملَك يوضّح المسائل للنبيّ واحدة تلو الأخرى، كنت أنا أيضًا أتّبع النبيّ بدقّة ولحظة بلحظة، تمامًا كما يتحرّك الفصيل (ولد الناقة) خلف أمّه ويضع قدمه في موضع قدمها».
«يَرفَعُ لِي فِي كُلِّ يَومٍ مِن أَخلَاقِهِ عَلَمًا [وَيَأمُرُنِي بِالاقتِدَاءِ بِهِ]»٢. يعني: كان يوضّح لي في كلّ يوم عَلَمًا من العلامات وآية من آيات الباري، فكانت تنفتح لي منها مسائل وحقائق كثيرة! وكان يأمرني بالاقتداء بذلك الخُلق ومتابعته».
وهذه مسائل أخرى! فقد كانت هذه خصوصيّة النبيّ الأكرم منذ الطفولة. ينقل أمير المؤمنين عليه السلام عن النبيّ الأكرم أنّه قال:
لم يصدر منّي طوال حياتي، في فترة الطفولة أو بعدها، أيّ عمل من تلك الأعمال التي كان يقوم بها أقراني وأمثالي، إلّا في مرّتين، وفي كلّ منهما تدخّل الباري ومنعني.۱
وهذه مسألة دقيقة جدًّا. ضعوا هذه الفكرة في الحسبان حتّى نتمكّن، بعد أن نسرد سيرة النبيّ وتاريخه كمقدّمة، من الوصول إلى تلك النتيجة التي تُعدّ غاية في الأهمّيّة!
يقول أمير المؤمنين عليه السلام: قال لي النبيّ الأكرم:
ذات ليلة وأنا في الثامنة من عمري تقريبًا، (وكانت عادة الأطفال أن يأتوا ليلعبوا ويشاركوا في المجالس، ولم يكونوا يبالون أو ينتبهون كثيرًا لأفعالهم وسلوكهم) قلت لذلك الشخص الذي كنّا نرعى الأغنام معًا في هذه الشعاب وجبال مكّة: «اذهب بهذه الأغنام للرعيّ وحافظ عليها! حتّى أذهب أنا إلى مكّة لأنشغل بالحديث والمسامرة مع هؤلاء الأطفال والأفراد الموجودين هناك».
سلّمت الأغنام لذلك الشخص وتحرّكت نحو مكّة، وقرب الغروب، لفت انتباهي صوت في مكّة، فرأيت أنّ صوت الدفّ والناي والغناء والموسيقى يتعالى من أحد المنازل. توجّه صلّى الله عليه وآله نحو ذلك الصوت، وعندما وصل رأى أنّ هناك مجلس زفاف، وأهل ذلك المنزل منشغلون بالطرب. جلس صلّى الله عليه وآله هناك لينتبه إلى ذلك الطرب والموسيقى، فغلبه النوم فجأة. ومع طلوع الشمس واشتداد حرارتها على جسده صلّى الله عليه وآله، استيقظ من نومه فرأى أنّ النهار قد حلّ! فتحرّك صلّى الله عليه وآله وعاد نحو ذلك الجبل. فتعجّب ذلك الشخص الذي كان يحرس أغنامه صلّى الله عليه وآله ـ وكان طفلًا مثله ـ وقال له: «أين كنت حتّى الآن؟». فشرح له صلّى الله عليه وآله مجريات الأحداث.
وتكرّرت هذه القصّة في الليلة التالية أيضًا، وغلب النوم النبيّ صلّى الله عليه وآله مجدّدًا، بحيث إنّه بمجرّد وصوله إلى هناك، سقط نائمًا فجأة ولم يستيقظ إلّا مع طلوع الشمس!
وخلاصة القول: إنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله أدرك أنّ المسألة تبدو مختلفة، وأنّ الله لم يرتضِ له هذه الأمور، وأنه يجب عليه أن ينشغل بتلك الرعاية للأغنام فحسب؛ «گُرُوهِي آن، گُرُوهِي إِين پَسَندَند!» (هناك من يرتضي هذا، وهناك من يرتضي ذاك!).٢
من المحتمل أن أطرح في الدروس القادمة مواضيع حول تحريف الدين بواسطة العلماء، وهي المسألة التي كان النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله نفسه مبتلًى بها في حياته؛ وذلك بالطبع إلى الحدّ الذي يكون بنّاءً ولا يتجاوز الحدود.
يقول في رواية في هذا الصدد:
كان النبيّ الأكرم في فترة الطفولة، في السابعة من عمره، وكان الناس منشغلين بترميم الكعبة (أو بالبناء في محيط بيت الله الحرام). وكان الأطفال يأتون ويضعون الحجارة والطين وموادّ البناء في ثيابهم، (وكانت العادة ألّا يرتدي أطفال العرب سروالًا تحت الثوب العربيّ)، وكان النبيّ يرفع من هذه الحجارة والطين معهم، ويضعه في ثوبه العربيّ ثمّ يذهب ويفرغه. في إحدى المرّات عندما كان حِمل النبيّ ثقيلًا [رفع النبيّ ثوبه وربطه حول عنقه ليخفّف من ثقل الحجارة]، فبمجرّد أن همّ النبيّ برفع الحجارة، ناداه ملَك فجأة: «يا محمّد، أرخِ ثوبك!». أخذ النبيّ ينظر يمنة ويسرة فلم يرَ أحدًا. وعاود الهمّ برفع الحجارة، فسمع صوتًا فجأة مرّة أخرى يقول: «يا محمّد، أرخِ ثوبك!». فنظر صلّى الله عليه وآله مجدّدًا يمنة ويسرة فلم يرَ القائل. وبمجرّد أن همّ برفع الحجارة، جاء ذلك الملَك وضرب بجناحه يد النبيّ، فأسقط جميع تلك الحجارة على الأرض.۱
هذا ما يُطلق عليه الهداية الشخصيّة؛ أي إنّه لا يمكنه أن يأتي بأيّ عمل مخالف منذ طفولته. وهذا كان برنامج النبيّ الأكرم ومنهاجه في فترة الطفولة.
سُنّة حفظ الله وصيانته للأنبياء عليهم السلام منذ الطفولة
ينقل الطبريّ في تاريخه رواية عن الإمام الباقر عليه السلام ويقول: نقل لي أحد أصحاب الإمام الباقر عليه السلام هذه الرواية وقال: سألته عليه السلام عن تفسير هذه الآية التي تقول: ﴿إِلَّا مَنِ ٱرۡتَضَىٰ مِن رَّسُولٖ فَإِنَّهُۥ يَسۡلُكُ مِنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَمِنۡ خَلۡفِهِۦ رَصَدٗا﴾٢؛ «يختصّ علم الغيب بالباري عزّ وجلّ ومن بلغ مقام الرسالة، فيأتي ملَك ليدلّه على ذلك الطريق، ويكون حارسًا وحافظًا لأفعال ذلك النبيّ».
فقال الإمام الباقر عليه السلام: «المقصود من هذه الآية هو النبيّ الأكرم، حيث وكّل الله به ملَكًا منذ طفولته ليحفظه ويصونه من الانحرافات».٣ وهذا الأمر وهذه القضيّة تصدقان على بقيّة الأنبياء أيضًا. فأولئك الأنبياء المقرّر لهم أن يبلغوا مقام الرسالة، يرسم الله تعالى مسارهم منذ البداية بنحو لا يصدر عنهم فيه ذنب أو معصية، لكيلا يتسبّب ذلك في الخطأ والالتباس لاحقًا؛
ولذا نقرأ حول حضرة يوسف: ﴿وَلَقَدۡ هَمَّتۡ بِهِۦ وَهَمَّ بِهَا لَوۡلَآ أَن رَّءَا بُرۡهَٰنَ رَبِّهِۦ كَذَٰلِكَ لِنَصۡرِفَ عَنۡهُ ٱلسُّوٓءَ وَٱلۡفَحۡشَآءَ﴾۱ يعني: لولا ذلك المنظر الذي وضعه الباري أمام حضرة يوسف، لارتكب حضرة يوسف هذا الذنب ولتلوّث ذيله به. ولكنّ حضرة يوسف عليه السلام، برؤيته لذلك المنظر، رأى برهان الباري وتلك الآية والدليل، فتجلّت له أهمّيّة القضيّة والمسألة واتّضحت، ومع اتّضاح المسألة وما أراه الله إيّاه، فمن الطبيعيّ أنّه يستحيل أن يصدر عنه ذلك العمل.
الهداية الاختصاصيّة للسالك بمقدار اتّصال نفسه بنفس الوليّ الإلهيّ
هذا يتعلّق بالنبيّ؛ ولكنّ هذا الأمر نفسه يصدق أيضًا على الأفراد الذين يتّصلون بنفس الوليّ. فبمقدار اتّصال السالك بنفس المرشد والوليّ، يتحدّث ويتّضح موقفه من حيث الخطأ والانحراف. فبواسطة الاتّصال الذي يمتلكه الإنسان بمقام الولاية، يرسم ذلك الوليّ مسار الإنسان بنحو بحيث في تلك المنعطفات وفي تلك الموارد الخاصّة، يظهر في نفسه ما هو مطلوب للشخص فيتّبعه. فمثلًا، إذا أراد الشخص أن يسلك طريقًا غير صحيح، فإنّ الوليّ يضع أمامه موانع تحول دون وصوله إلى ذلك الطريق والقضيّة، من دون أن يعلم الشخص نفسه ويدرك ذلك؛ كأن يريد الشخص القيام بعمل ما، فترونه يمرض فجأة! ولو لم يمرض، لابتُلي بتلك القضيّة.
ولذا، من أجل الاهتداء إلى المطلوب، يجب على الإنسان أن ينفّذ ما يبيّنه العظماء بدقّة، سواء من حيث الإثبات أو من حيث العدم والنفي.
من حيث الإثبات: يقولون مثلًا: «يا فلان، انهض واذهب إلى المكان الفلانيّ! اسلك هذا الطريق وامضِ من هذا الشارع!». فينظر الإنسان ويرى أنّ هذا الشارع مزدحم الآن، فيُدير مقود السيّارة ويقول: لنمضِ من هذا الشارع فهو أفرغ. فيمضي من هذا الشارع ويصل إلى وجهته أيضًا؛ ولكن يُحتمل أنّه لو سلك ذلك الشارع، لظهرت له قضيّة وفكرة، وكان يجب عليه أن يسلك نفس ذلك الطريق لكي تظهر له تلك الفكرة؛ كأن يلتقي بشخص ما، أو يرى منظرًا، أو أنّ تواجده في ذلك الشارع وتلك الموقعيّة كان سيحدث له حالًا، وللوصول إلى ذلك الحال حتمًا، كان يجب عليه ألّا يكتفي بالذهاب إلى ذي المقدّمة وإلى ذلك المقصد، بل كان يجب عليه أيضًا أن يرتّب المقدّمة بناءً على قوله. ولكنّنا نذهب ونصل إلى المقصد ونرى أنّنا قد أنجزنا الأمر، ولكنّنا لا نعلم بما فاتنا وما كان يجب أن يظهر لنا في هذا المسار؛ فهو يعلم ذلك ونحن نجهله. هذا من الناحية الإثباتيّة.
وأمّا من الناحية السلبيّة (النفي): فإذا اخترنا طريقًا آخر، فقد يكون في هذا الطريق الذي اخترناه شيطان يقف في المرصاد، أو قضيّة قد وقعت في مسارنا، أو أمر وُضع أمام أعيننا، وتحقّق حال يتناسب مع وجودنا في تلك الموقعيّة وذلك المكان، ويكون ذلك الحال مضرًّا بنا؛ والآن نحن نغيّر مسارنا ونتحرّك في ذلك الاتّجاه، وعندما نصل إلى تلك النقطة ينشأ فينا أثر نفسيّ لن يزول قريبًا، أو نرى شخصًا يضع أمامنا عائقًا، وما شابه ذلك.
كيفيّة إشراف الوليّ الإلهيّ على باطن جميع القضايا والأمور
يمتلك الوليّ الإلهيّ بشكل عامّ إشرافًا على جميع القضايا الموجودة في باطن الأمر والخفيّة عنّا، وهو ينظر إليها؛ ولا يقتصر إشرافه على ذي المقدّمة فحسب، بل إنّه يرسم لنا المقدّمة نفسها أيضًا، وإذا غفلنا نحن عن تلك المقدّمة، فإنّنا نتعرّض للخسران إثباتًا ونفيًا.
إذن لا ينبغي لنا أن نقول إنّ هذا الأمر يختصّ بالنبيّ أو إنّ هذه القضيّة تختصّ بالأنبياء؛ كلّا، بل هداية الله للجميع، فهي في النبيّ بنحو وفي غيره بنحو آخر. إنّ من يجب عليه أن يحرس طريق هذا الشخص مع مراعاة جميع الجهات والخصوصيّات، هو نفسه من يرسم لهذا الشخص طريقه؛ فإذا سلكت هذا الطريق ستصل، وإذا لم تسلكه، فسيحصل لك الانحراف إثباتًا ونفيًا! ولكنّنا نرى أنّنا وصلنا إلى المقصد وذي المقدّمة، غافلين عمّا فاتنا وما حدث لنا من مسائل؛ فهذا ما لا نراه نحن.
كان هناك شخص يُدعى معصوم عليّ شاه الدكنيّ، وهو من الأولياء الشهداء ومن الرجال العظماء المخلصين. كان أغلب أهل التصوّف والصوفيّة، أولئك الذين كانوا في المسار الصحيح والواقعيّ بالطبع، يُلحقون كلمة «شاه» كأسماء لهم. والمقصود بالشاه هنا ليس هذه الحكومات الظاهريّة الزائلة التي تُمنح للإنسان يومًا وتُسلب منه يومًا آخر؛ بل المقصود هو تسلّط إرادة الوليّ ومشيئته ونفوذها في عوالم الإمكان، فهذا هو المقصود بالشاه الحقيقيّ. أمّا الآخرون فقد جاءوا واتّخذوا هذه الأسماء لأنفسهم!
يُنقل أنّ: السيّد عليّ رضا شاه الدكنيّ، أستاذ معصوم عليّ شاه، أرسل أحد تلامذته، ويُدعى الحاج محمّد رضا التبريزيّ، إلى تبريز من أجل التبليغ؛ فذهب إلى هناك ممثّلًا لأستاذه، وبدأ الناس يجتمعون حوله تدريجيًّا. كان يطرح أفكارًا عذبة جدًّا ويجذب الأفراد أيضًا، وازداد عدد المستمعين تحت منبره تدريجيًّا، ولاقى ترحيبًا وتشجيعًا من الناس، وبدأ يلقى رواجًا وقبولًا شيئًا فشيئًا.
في أحد الأيّام، وبينما كان منشغلًا بالحديث من على المنبر، خطر في ذهنه فجأة: يا سلام! حسنًا والحمد لله، كم ارتقت شريعة النبيّ والعرفان، وهذه الأحاديث التي لم تكن تُقال، نبيّنها نحن الآن بكلّ هذه الفصاحة والبلاغة، وخلاصة القول إنّنا نُطلق لخيولنا العنان لتجول في هذا الميدان، وقد تجمّع الناس والحمد لله وقد لاقى عملنا قبولًا، وبدأ الناس يسلكون هذا المسار ويأتون. (خلاصة القول أنّه كان ينسج الخيالات في رأسه؛ كما نفعل نحن).
في تلك الأثناء التي كان فيها منشغلًا بهذه الخطورات، دخل درويش فجأة وظهر من زاوية المسجد، وشقّ طريقه بين الناس وعبر المسجد بأكمله مباشرة وصعد المنبر. فقال الناس في أنفسهم: يا له من درويش أحمق! اذهب واجلس واستمع! انظر ما أجمل الأفكار التي يطرحها!
في هذه الأثناء، أخرج ذلك الدرويش وهو على المنبر ورقة وعرضها على الحاج محمّد رضا التبريزيّ، فرأى أنّ حبرها لم يجفّ بعد؛ وقد كتب فيها أستاذه السيّد عليّ رضا شاه: «أنت مكلّف بترتيب الأثر على كلّ ما يفعله هذا الدرويش، وألّا تعارضه!». (لم يجفّ حبر الرسالة بعد! وأين أستاذه؟ إنّه في كربلاء!).
صعد ذلك الدرويش المنبر وهمس في أذنه: أأفعل ما أُمرت به أم لا أفعله؟ فأجاب: افعله! (لقد كان رجلًا شهمًا بحقّ!). قال: افعله! ولكنّه قال: اصبر قليلًا! ثمّ توجّه إلى الناس وقال: أيّها الناس، كم هو مقدار حقّي عليكم؟ وكم بلّغت لكم؟ فأقرّ جميع الناس واعترفوا بذلك. فقال: بحقّ حقّي الذي في ذممكم، أيّ عمل فعله معي هذا الدرويش، يجب عليكم ألّا تعترضوا عليه! هل وافقتم؟ فقال جميع الناس: نوافق! فنهض هذا الدرويش وأخذ عمامته من على رأسه ولفّها حول عنقه، ثمّ سحبه من أعلى المنبر إلى خارج المسجد وهو يجرّه على الأرض، وتركه في الشارع وقال: يبدو أنّ حالك قد عاد إلى صوابه؛ اذهب الآن إلى مدينة أخرى وانشغل بالتبليغ! وأنا سأذهب أيضًا، في أمان الله!
فقال هو أيضًا: جزاك الله خيرًا!۱ نحن الآن لا نتدخّل في كيفيّة تصرّف هذا الشخص، وما إذا كان من الممكن أن يتصرّف بغير ذلك أم لا؛ فهذا بحدّ ذاته بحث آخر. فإذا كان الشخص متّصلًا بنفس الوليّ، فإنّ النفس وبشكل تلقائيّ، وفي كلّ موضع مشكوك وموقف يُحتمل فيه الانحراف؛ إمّا أن تتجلّى له الصورة الواقعيّة لتلك القضيّة، أو أن يقوم ذلك الوليّ من خلال ما يلقيه في نفسه ـ إلقاء معنى، وليس إلقاء صورة ـ بتوجيهه نحو ذلك المسار الصحيح نفسه.
بناءً على ذلك، فإنّ طريق الهداية وطريق الوصول إلى الكمال، مفتوح للجميع كما كان متاحًا للنبيّ الأكرم: ﴿قُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يُوحَىٰٓ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ﴾۱؛ فكلّ من يريد الوصول إلى هناك مثلي، فهذا هو طريقه: ﴿فَمَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَلَا يُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدَۢا﴾٢؛ وبغير ذلك، لن تصلوا إلى المقصد؛ هذه هي الفكرة!
أبيات في مدح حضرة الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله
| لِي حَبِيبٌ عَرَبِيٌّ مَدَنِيٌّ قُرَشِيٌّ | *** | كِه بُوَد دَرد وَ غَمَش مَايهء شَادِي وَ خُوشِي |
| فَهمِ رَازَش نَكُنَم، أُو عَرَبِي، مَن عَجَمِي | *** | لَافِ مِهرَش چِه زَنَم، أُو قُرَشِي، مَن حَبَشِي |
| گَرچِه صَد مَرحَلِه دُورست زِ پِيشِ نَظَرَم | *** | وَجهُهُ فِي نَظَرِي كُلَّ غَدَاةٍ وَعَشِي |
| صِفَتِ بَادِهء عِشقَش زِ مَن مَست مَپُرس | *** | ذُوقِ إِين مَي نَشِنَاسِي بِه خُدَا تَأ نَچِشِي |
| مَصلَحَت نِيست مَرَا سِيرِي أَز آن آبِ حَيَات | *** | ضَاعَفَ اللَهُ بِهِ كُلَّ زَمَانٍ عَطَشِي |
[يقول:
لي حبيب عربيّ مدنيّ قرشيّ *** ألمُه وحزنه هما منبع فرحي وسروري.
لا أفهم سرّه، فهو عربيّ وأنا أعجميّ *** كيف أدّعي حبّه، فهو قرشيّ وأنا حبشيّ.
ورغم أنّه يبعد عن ناظريّ مائة مرحلة *** فوجهه في نظري كلّ غداة وعشيّ.
لا تسألني وأنا المخمور عن صفة خمرة عشقه *** فوالله لن تعرف طعم هذه الخمرة حتّى تذوقها.
ليس من مصلحتي أن أرتوي من ماء الحياة ذلك *** ضاعف الله به كلّ زمان عطشي.]
وهذا النبيّ بهذه الخصوصيّات، بلّغ الناس مدّة ثلاثة وعشرين عامًا؛ ولندع جانبًا ما كابده من الناس! إن شاء الله، إذا وفّقني الله في أحد الأيّام، سأسرد مجريات سفر النبيّ إلى الطائف، لكي يتّضح من كان نبيّنا وماذا كان؟! لقد قام بهذا السفر الطويل وتكبّد هذه المصائب لكي يُسلم شخص واحد، شخص واحد فقط! وأمّا ما الذي كان يراه في هذا الشخص الواحد، فذاك أمر ندعه جانبًا أيضًا!٣
فكيف أدّى هؤلاء الناس أجر أتعاب النبيّ التي استمرّت ثلاثة وعشرين عامًا؟!
رثاء النبيّ الأكرم وحضرة فاطمة الزهراء على البدن المطهّر للإمام الحسين عليهم السلام في أوساط جيش الأعداء
يقول الإمام الصادق عليه السلام: يوم عاشوراء عندما سقط سيّد الشهداء عليه السلام على الأرض، أحاط به الجيش من كلّ جانب؛ فهذا يرميه بحجر، وذاك يطعنه برمح، والآخر يضربه بسيف؛ وفي هذا الحين نادى عمر بن سعد: اذهبوا وأجهزوا على الحسين!
فجاء الشمر ليفصل رأس أبي عبد الله عن جسده، وفي تلك الأثناء، رأى الناس جبرئيل واقفًا على هيئة فارس، وهو يصرخ وينوح ويصيح باستمرار! فقالوا له: ماذا دهاك؟! ماذا تفعل؟! فيقول: «إنّني أرى رسول الله ينظر إلى هذا الجسد الذي يقطعون رأسه، وينظر إلى السماء؛ فأخشى أن يدعو عليهم فيهلك الله جميع الخلائق!».۱
ويقول الطرماح بن عديّ بن حاتم الذي كان قد سقط بين القتلى وكان جريحًا: كنت ملقًى بين القتلى ولم يكونوا يعلمون أنّني على قيد الحياة. في ليلة الحادي عشر، عندما مضى شطر من الليل، رأيت نورًا قد ظهر في السماء وهودجًا نزل إلى الأرض، وفُتح باب ذلك الهودج، فرأيت النبيّ الأكرم، وحضرة موسى، وحضرة عيسى، وحضرة آدم، وحضرة إبراهيم قد خرجوا من ذلك الهودج وجلسوا حول جسد أبي عبد الله؛ وكان النبيّ يقرأ المراثي هناك وينادي: «يَا وَلَدِي، قَتَلُوكَ وَمِن شُربِ المَاءِ مَنَعُوكَ!».٢
[ويُنقل في رواية عن الجمّال الذي قطع اليدين المباركتين للإمام عليه السلام وسلب ثوبه:] رأيت هودجًا ينزل، وفُتح باب ذلك الهودج، فرأيت فاطمة الزهراء وثلاثة أشخاص آخرين قد خرجوا، وبدأت حضرة الزهراء بقراءة المراثي!
ووفقًا للرواية الواردة عن المعصوم، يقول: في تلك الأثناء التي كانت فيها حضرة الزهراء تقرأ المراثي، رأيت سيّد الشهداء قد نهض أيضًا وتوجّه نحو أمّه قائلًا: «يا أمّاه، انظري إلى الجمّال وهو يقطع إصبعي! ألا تنظرين؟!».
ألا لعنة الله على القوم الظالمين،
﴿وَسَيَعۡلَمُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ أَيَّ مُنقَلَبٖ يَنقَلِبُونَ﴾.
باسمك اللّهمّ وندعوك ونُقسم عليك ونرجوك،
بحقّ محمّد وأهل بيته الأطهار،
يا الله يا الله يا الله... .