المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني
القسممباني الإسلام
المجموعةمحاضرات المتفرقة
التاريخ 1434/07/07
التوضيح
هل وظيفة المرجع أن يوافق رغبات الناس أم يوقظهم إلى الحقّ؟ كيف يرتقي فهم الإنسان في مدرسة العرفان الشيعي؟ ولماذا يُعدّ الإيمان والعلم طريقًا إلى رفع الدرجات؟ هذه المحاضرة، التي ألقاها آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسيني الطهراني قدّس الله سرّه، تجيب عن هذه الأسئلة من خلال نقد المرجعية الشعبوية، وبيان أثر التربية السلوكية في تبدّل النفس والفكر، والتأكيد على أن رسالة العالم الديني هي رفع مستوى الفهم لا تثبيت الانحراف، مع تطبيقات على عاشوراء، والأربعين، وموقف العالم من الضغوط الاجتماعية
هو العليم
علاقة الإيمان بارتقاء الفهم
نقد المرجعية الشعبوية وبيان رسالة عالم الدين
تفسير قوله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَات﴾
محاضرة ألقاها
آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ
قدس الله سره
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله ربّ العالمين،
وصلّى الله على سيّدنا ونبيّنا أبي القاسم محمّد،وعلى أهل بيته الطاهرين،
واللعنة على أعدائهم أجمعين
﴿يرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾
بالأمس، حين كنت في خدمة الإخوة، طرحتُ حديثًا، غير أنّني لم أتمكّن من بيان ما كنت أريد عرضه؛ إذ لم يبقَ متّسع من الوقت، وكان الكلام قد طال بعض الشيء.فقلت في نفسي: أُتمّ بقيّة الحديث اليوم في محضر الإخوة.
الإبلاغ الكامل والصحيح لمباني العلامة الطهراني والتزام آية الله الطهراني بذلك
وعلى كلّ حال، فهذه المسألة في غاية الأهمية. وقد التزمتُ ـ كما التزمتُ بعد وفاة المرحوم العلامة رضوان الله عليه ـ بأن أنقل إلى الإخوة مطالبه ومبانيه كما هي، من غير أن أتدخّل فيها أو أضيف إليها شيئًا من عندي. ونسأل الله تعالى أن يُبقينا على هذا الالتزام وهذا التعهّد، وألّا نخون الأمانة في نقل هذه المعارف، وأن نراعي حقّها، وأن نُعين الأفراد على معرفة مسؤولياتهم، والوصول إلى ما كان منظورًا عند الأكابر وأولياء الله.ولا سيّما مع ملاحظة ما يُرى من بعض المقرّبين من المرحوم العلامة رضوان الله عليه؛ ممّن يتصرّفون خلاف مسيره وطريقه، ويرشدون الناس إلى مسالك يتّضح لاحقًا أنّها خاطئة. وكلّ هذه الانحرافات ناشئة من عدم الالتفات إلى مباني الأكابر.
العمل بمطالب أولياء الله يُخرج الإنسان من عالم الكثرات والدنيا
لقد سمعتُ بنفسي مرارًا من المرحوم العلامة رضوان الله عليه، وبأنحاء مختلفة، سواء في أحاديثه وكلماته ـ وهي موجودة أيضًا في كتبه، وليست من الأمور الخاصّة ـ أنّ حقيقة الإنسان ونفسه تخرجان شيئًا فشيئًا، بواسطة التكامل والتربية السلوكية، من تعلّقات عالم الكثرة ومن أفكار عالم الدنيا.
فهذه التربية السلوكية تُحدث انقلابًا في الإنسان، وتحوّلًا في النفس؛ وبسبب تحوّل النفس تتغيّر أفكار الإنسان، وبسبب تغيّر الأفكار تتبدّل ميوله ورغباته.
فقد كان يميل سابقًا إلى أمرٍ ما، أو يشتاق إلى قضية معيّنة، ثمّ يتغيّر ميله الآن تغيّرًا كليًّا، ويتبدّل شوقه؛ فلا يعود يميل إليها أصلًا، بل قد تصبح عنده أمرًا لا يعنيه، وربّما نشأ عنده منها نفور واشمئزاز.
مع أنّ كريات دمه لم تتغيّر، ووزنه لم يزد ولم ينقص، وخلايا دماغه ما زالت في موضعها، وهذه الأمور لم تتبدّل. فما الذي حدث في داخله حتى كان في العام الماضي يفكّر بطريقة معيّنة، وله ميول خاصّة، وكانت له علاقة ببعض الأمور، ثمّ أصبح الآن يضحك من تلك الأمور نفسها ولا يلتفت إليها أصلًا؟ ما طبيعة هذا التغيّر الذي يحصل؟
إنّه التغيّر النفسي؛ أي إنّ النفس، بواسطة التربية والتزكية، يطرأ عليها تحوّل كلّي في باطنها، ويقع فيها تغيّر يكون أساسًا لتغيّر فكر الإنسان.
.التأثير المباشر للمرجع في النموّ المعنوي لمقلّديه
هناك رسالة كتبتُها؛ وهي في أصلها رسالة كتبها المرحوم العلامة رضوان الله عليه في موضوع «الاجتهاد والتقليد»، وكان ذلك في الفترة التي كان فيها في النجف الأشرف، يحضر دروس المرحوم الحاجّ الشيخ حسين الحلّي، ومن جملة تلك الدروس درسٌ في الاجتهاد والتقليد. والبحث بحث فنّي تخصّصي، وقد كتبه المرحوم العلامة بالعربية.
وقد ترجمتُ هذه الرسالة أوّلًا؛ أي إنّني ترجمتها بنفسي، لكي تكون الاستفادة منها أوسع. نعم، إنّ المقدار الفنّي البحت منها لا ينتفع به عموم الناس بطبيعة الحال، وإن كان قد تُرجم، لكنّه يبقى مشتملًا على جوانب اصطلاحية وتخصّصية.
ثمّ إنّني ـ بغضّ النظر عن المطالب التي كتبها المرحوم العلامة في الحواشي ـ أضفتُ بعض الأمور المتعلّقة بهذه المطالب، وخفّفتُ من مستواها الفنّي بعض الشيء، حتى تكون الاستفادة منها أيسر لعامّة الأفراد، ويتمكّن الناس من الانتفاع بها بصورة أفضل.
والحمد لله، فقد أُعطيت ـ على الظاهر ـ إجازة الطباعة، وينبغي أن تصدر في هذه الأيام. واسم الكتاب هو: «الاجتهاد والتقليد». وأمّا القسم العربي منه، مع هذه الحواشي التي تُرجمت إلى العربية، فسيُطبع قريبًا إن شاء الله.
ومن الأمور المهمّة جدًّا التي نبّهتُ عليها هناك، في خاتمة رسالة «الاجتهاد والتقليد» للمرحوم العلامة رضوان الله عليه، مسألةٌ وهي: ما النمط الفكري الذي ينبغي أن يكون عليه المرجع والمجتهد عمومًا؟ هل ينبغي أن يكون نمط تفكيره مواكبًا للناس؛ بمعنى أنّه يقبل كلّ ما يقوله مقلّدوه ويتحرّك وفق رغباتهم؟
قرأتُ ذات مرّة مقالًا عن مجموعة من طهران، من الرجال والنساء وبعض الطلبة والطالبات الجامعيين، ذهبوا إلى قم لزيارة أحد أصحاب الرسائل العملية. وطلبوا منه أن «يُصلح» لهم عدّة مسائل: أن يحلّل لهم الموسيقى، وأن يحلّل لهم كذا، وأن يحلّل لهم نوعًا معيّنًا من الموسيقى.
فقال لهم في الجواب: «لقد حلّلناها واحدًا واحدًا! حسنًا، حسنًا». ثمّ التفت إليهم في النهاية وقال: «هل بقي عندكم شيء آخر أُصلحه لكم؟!».
فانظروا، هذا نمط من المرجعية. وبالطبع فإنّ هذا الإنسان جاهل جدًّا، بل شديد الجهل، ولا يصحّ أصلًا أن يُذكر اسمه في عداد الفضلاء. ونحن نعرف ماذا كان يقول، وكيف كان يدرّس، في تلك الفترة التي كنّا ندرس فيها في قم.
رحم الله أستاذنا المرحوم السيّد الغروي؛ فقد كان يقول: «حين كنّا نحضر درس المرحوم السيّد الداماد، كان هذا الشخص يأتي أيضًا، وكان يباحث طالبًا مجنونًا!». وكان مراده هذا الرجل نفسه.
لقد اختلطت الأمور اختلاطًا شديدًا. والحمد لله، ففي هذه المسائل يوجد كلّ شيء! ثمّ إنّ بعض الناس صاروا يؤيّدونه بسبب أقواله ومواقفه، ولا سيّما من أولئك المنتمين إلى تيّار خاصّ. نعم، ثمّ قال في نهاية المجلس: «هل عندكم شيء آخر أُصلحه لكم؟!».
فانظروا، هذا نمط من التفكير: يجلس المرجع وصاحب الرسالة، ويُصلح لمخاطبه كلّ ما يريده! وقد تكون لدى الإنسان بعض الصيغ والقواعد، فيجمعها ويطرحها ويضرب بعضها ببعض، ثمّ يستخرج نتيجة ويقدّمها.
الفتوى الموافقة لرغبات الناس تثبّت الانحراف وتُبقيهم في مستوى متدنٍّ
ولكن ما النتيجة؟ النتيجة أنّ المخاطب الذي يثق بهذا الإنسان، ويعدّه مجتهدًا ومرجعًا له، يبقى إلى آخر عمره في المستوى نفسه الذي هو فيه؛ فإن كان في هذا الحدّ، بقي فيه إلى النهاية، ولا يرتفع عنه، إن لم ينحدر إلى ما هو أدنى.
فالمرجع الذي يأتي ويقول: «الموسيقى حلال»، فإنّ مقلّده سينطلق بعد ذلك بلا تردّد؛ فإذا كان إلى الآن يستمع إلى بعض المقاطع الموسيقية في بيته مع شيء من الخوف والاضطراب، فإنّه في هذه المرّة سيُدخل كلّ شيء إلى منزله. أتلتفتون؟
أو افترضوا مثلًا أنّه يقول: «لا إشكال في هذه الرياضة، حتى لو كانت بلباس يراه الرجل». حينئذٍ تنهض تلك المرأة، فتأتي بشريك اللعب، بل بصديقها، أو بابن خالها، وما شاكل ذلك.
فهل ينبغي إبقاء نمط التفكير الذي يتكوّن عند الإنسان على حاله، أم يجب تغييره؟ ما وظيفة العالم؟ وما هو التعهّد الذي يحمله تجاه مخاطبيه؟
ضرورة ثبات المرجع على بيان الحقّ أمام الضغوط الاجتماعية
قد يكون المخاطب أحيانًا لا يريد أن يسمع! حسنًا، إن كان لا يريد، فلا يسمع. أمّا أنا فأقول كلمتي وأبيّن الأمر؛ كما أفعل الآن، حيث أطرح هذه المسائل في خدمة الإخوة والأصدقاء. فكم إنسانًا يجلس هنا الآن؟
بعضهم يقول: «لماذا يبالغ هذا السيّد الطهراني إلى هذا الحدّ؟ لا ضرورة لهذا كلّه». وهذا نمط من التفكير.
وبعضهم يقول: «بل ينبغي التأمّل في كلّ ما يقوله، وترتيب الأثر عليه». وهذا أيضًا نمط من التفكير.
وثالث يأتي ويقول: «يا أخي! كلّ هذه الكلمات لا قيمة لها! ليست مهمّة أصلًا؛ فلنذهب ونرَ ماذا سيحدث!».
إذن توجد أفكار مختلفة، وأنماط تفكير مختلفة، وميول مختلفة، ونظرات مختلفة، حتى في جماعة صغيرة قد لا يتجاوز أفرادها بضعة أشخاص؛ فكيف إذا كان مخاطبوك من مستويات وطبقات مختلفة؟
لقد كتب المرحوم العلامة رضوان الله عليه كتابًا؛ وهو لم يكن إنسانًا عاديًّا. كتب كتاب «وظيفة الفرد المسلم في الحكومة الإسلامية»؛ ذلك الكتاب الذي لم يسمحوا بنشره، وقالوا: «لا ينبغي أن يُطبع»، وما إلى ذلك من الكلام. نعم، ذلك الكتاب نفسه الذي قيل إنّه لا ينبغي أن يصدر.
ومن الطبيعي أنّ كتابًا كهذا كان سيثير مسائل، ويُحدث أمواجًا، ويؤدّي ـ شاء الإنسان أم أبى ـ إلى كلام واعتراضات. ولكن هل ينبغي لعالم الدين أن يجلس منتظرًا حتى تصبح كلّ الأمور هادئة وساكنة، بلا ضجيج ولا مشكلة؟ عندئذٍ لن يستطيع أن يفعل شيئًا ولا أن يقول شيئًا.
فإذا كان عالم الدين يريد الهدوء بهذا المعنى، فلا بدّ أن تكون كلّ كلماته نسخًا مصوّرة ومكرّرة من كلمات الآخرين! فماذا سيُصلح إذن؟ وماذا سيُنشئ؟ وماذا سيُوجد؟ وأيّ أمر جديد سيقوله؟
إذا كان المفروض أن أقول كلامًا قاله الآخرون منذ سنوات، فلماذا تستمعون دائمًا إلى كلامي؟ تستطيعون أن تأخذوا الأشرطة، وتضعوها كلّ يوم، وتستمعوا إلى الكلام نفسه. فلا حاجة إلى أن آتي إلى هنا، ولا حاجة إلى أن أقوم وآتي وأكتب وأتكلّم وأخطب.
ولكن عندما نتكلّم ونبيّن، يرتفع الصوت: «ما هذا؟! ما هذه الكلمات؟! هل هذه مسائل جديدة؟!». نعم، هي جديدة. فلماذا ترفعون الشعارات؟! هي جديدة؛ فهل ينبغي دائمًا أن نقول كلامًا قديمًا؟!
يقولون: «يا سيّد، نحن لم نسمع بهذه الأمور من قبل». حسنًا، اسمعوها الآن.
ويقولون: «يا سيّد، لم يقل أحد هذا الكلام من قبل». حسنًا، يوجد الآن من يقوله.
ثمّ يكتفون بالقول: «هذا مجرّد شعار!». ولا يقولون: هل الكلام صحيح أم خطأ؛ لأنّه لو قال: «هو خطأ»، لانكشف أمره. أين الخطأ؟ اذكر موضع الخطأ! أتلتفتون؟
لقد كتبتُ كتاب «أسرار الملكوت». واعترضوا على مطالب الجزء الثاني، وكذلك على الجزء الثالث. قالوا: «أين الصحّة في هذا؟ هذا الكتاب قال أمورًا». وجاؤوا وردّوا عليه. أسأل: ما هو الردّ؟ فيقولون: «إنّه شديد اللهجة في كلماته». فأقول: «أنا لست شديد اللهجة فحسب، بل أنا فلفل! هل عندكم ما هو أشدّ من الفلفل؟ أنا فلفل! فهل صار هذا إشكالًا؟!».
قل: «هذا الكلام كذب». تعال وقل ذلك. أمّا أن تقول: «لماذا هو شديد؟» فنعم، أنا شديد؛ حسنًا، وماذا بعد؟ إذا كان كلامي مع هذه الشدّة صادقًا وصحيحًا، فما موقفك؟ تعال وبيّن ذلك! لماذا تهرب؟ ولماذا تغالط؟
أيّها المسكين! لقد كتبتُ هذا لأجلك، أنت يا من تضع العمامة على رأسك! أنت الذي تريد الاعتراض بأيّ نحو كان. لقد مضت سنوات من عمرك، ومضى سبعة عشر أو ثمانية عشر عامًا على وفاة المرحوم العلامة، ومع ذلك لا تزال تضع على عينيك قماشًا كي لا ترى! لقد كتبتُ هذا لأجلك أنت.
يقولون: «إنّه شديد»، «كلماته شديدة»، «كان يتكلّم بشدّة في زمن أبيه أيضًا». فإذا كنت أتكلّم بشدّة في زمن والدي، فلماذا كان يدعوني إلى بيته لأرتقي المنبر في العشرة، كعشرة محرّم أو صفر؟! أتلتفتون؟
رفع مستوى فهم الناس وإيقاظهم وظيفة العالم والمرجع
نحن نتحرّك دائمًا في دائرة الشعارات، ونتحرّك في دائرة الانفعالات، وندور في هذه الأمور. والسؤال الآن: على عاتق من تقع هذه الوظيفة؟ إنّها وظيفة العالم.
فوظيفة مرجع التقليد ليست أن يقول لكلّ ما يريده مخاطبه: «حسنًا، أُصلحه لك!». يقول أحدهم: «أريد أن أُجري هذه المعاملة، فهل فيها إشكال؟». فيجيبه: «أُصلحها لك! الصيغة عندي، ولا صعوبة في الأمر». ويقول آخر: «أريد أن أفعل هذا العمل». فيقول: «أُصلحه لك!».
ويأتي آخر فيقول: «يا سيّد، أريد أن أفعل شيئًا مع هذه الموسيقى وهذه الأصوات». فيقول: «أُصلحه لك!». ويقول غيره: «أريد أن أذهب إلى هذا الحفل والرقص». فيقول أيضًا: «أُصلحه لك!».
ما معنى هذا «أُصلحه لك»؟! إنّك تُهلك هذا الإنسان! إنّك تُضيّع عمره في الباطل، وتسلبه رأس ماله! أتلتفتون؟
ليست وظيفة المرجع أن يبرّر خطأ الناس، بل عليه أن يوقظهم، وأن ينبّههم، وأن يقول لهم: إنّ طريقكم خطأ. عليه أن يرفع مستوى فهمهم، وأن يرتقي بإدراكهم.
الحرّية والبعد عن حبّ الرئاسة ثمرة ارتقاء الفهم في مدرسة العلامة الطهراني
كان بوسع والدنا أن يربّينا بطريقة أخرى؛ بحيث تكون الأفكار الموجودة عند الآخرين موجودة عندنا أيضًا. لكنّه ربّانا ـ كما قلتُ للإخوة ـ بحيث لو جاؤوا إليّ هذه الليلة وقالوا: «نريد غدًا أن نسلّمك مسؤولية قيادة البلد»، فلن تروا الطهراني في إيران غدًا! هكذا ربّانا.
في زمان صار الناس فيه يتنازعون ويتقاتلون لأجل أن يصير أحدهم شرطيًّا، أو رئيس بلدية، أو صاحب منصب بسيط! والله، لو جاؤوا وقالوا: «غدًا سيُعقد مجلس كذا، واستفتاء وتصويت وما شاكل، وغدًا يجب أن يصير فلان قائدًا»، فلن تروني في إيران منذ عصر اليوم. سأذهب إلى موضع لا يعثر فيه أحد حتى على ظلّي. هل اتّضح؟
كان بوسع والدنا أن يربّينا بطريقة أخرى. وكان يستطيع… وهؤلاء موجودون؛ قوموا واذهبوا وانظروا ماذا يجري في بيوت بعض السادة، وما هي الأحاديث التي تُدار هناك، وما الذي يجري بين حواريّي هؤلاء. لقد كنتُ حاضرًا، وكنت في مواضع كثيرة، وذهبتُ إلى أماكن عديدة، ورأيتُ وسمعتُ. اذهبوا وانظروا ما هي الكلمات التي تقال، وما هي القضايا التي تُدار!
نموذج من أجواء التزوير والطموح إلى الجاه في بيوت بعض المراجع
سمعتُ هذه الحكاية مرارًا من المرحوم الوالد رضوان الله عليه، حيث كان يقول: »كنتُ جالسًا ذات مرّة في مدرسة السيّد الخوئي، ننتظر مجيء السيّد الخوئي لإلقاء الدرس«.
وكان المرحوم العلامة رضوان الله عليه قد حضر عدّة سنوات في درس السيّد الخوئي رحمه الله.
قال: «فرأيتُ رجلين جالسين خلفي يتحدّثان. كان أحدهما يقول للآخر: يا سيّد، لماذا أتيتَ بالشيخ عبد الجواد الكرمانشاهي وأسكنتَه في بيت السيّد فلان؟«.
ولم يذكر المرحوم العلامة اسم ذلك الشخص، وأنا أيضًا لم أسأله عمّن كان يقصد.
قال: «لماذا، حين يأتي إلى النجف، تستضيفه في بيت السيّد فلان؟ أبقه يومًا أو يومين، ثمّ انقله إلى مكان آخر، لئلّا يرى ما يجري هنا ولا يطّلع عليه؛ فإن اطّلعوا، فلن يرسلوا الحقوق الشرعية بعد ذلك! فإذا رأوا الأوضاع وما يجري، امتنعوا عن الإرسال. فلماذا تستضيف عالمًا من تلك البلدة هنا؟ استضفه يومين، ثمّ خذه إلى مكان آخر. نهيّئ له بيتًا، أو غرفة، أو جناحًا، أو شيئًا من هذا القبيل ما دام يريد البقاء في النجف«.
اتّضح؟ اذهبوا وانظروا ماذا يجري، وما هي الأحاديث، وما هي مكاتب المعاملات، وما هي القضايا!
نماذج من زهد العلامة الطهراني ومناعته وحريّته
تعالوا وانظروا كيف كان بيت المرحوم العلامة رضوان الله عليه في زمانه؛ أيّ أحاديث كانت تُطرح فيه، وأيّ مطالب كانت تُبحث، وأيّ قضايا كانت تقع! أيّ حرّية، وأيّ استقلال، وأيّ صدق، وأيّ أمانة، وأيّ صفاء، وأيّ نورانية!
كنّا جالسين ذات مرّة في السنوات الأخيرة من عمره الشريف. كنتُ حينها في قم، وقد جئت إلى مشهد. وكان ذلك قبل وفاته بسنة أو سنتين تقريبًا؛ لأنّه كان قد أرسلني إلى قم قبل وفاته بثلاث سنوات. وكان الحديث يدور حول أنّ بعض الجهات كانت تضع موانع أمام طباعة بعض كتبه. فاقترح عليّ بعض الإخوة أن أقول له: «لنذهب إلى بعض الأشخاص أو السادة المسؤولين والمتصدّين، ونأخذ منهم كتابًا حتى لا يزاحم أحد في طباعة كتب السيّد الطهراني، ولا يثيروا الإشكالات باستمرار«.
فقلت لهم: «يا سادة، لا فائدة من هذا. والدنا ليس من أهل هذه الأمور ولا من أهل أخذ الكتب والتوصيات«.
قالوا: «لا، اذهب أنت وقل له«.
قلت: «لكن لا فائدة«.
قالوا: «لا شأن لك، اذهب وقل له«.
فقلنا: «حسنًا«.
جئنا من تلك الساحة إلى هذه الساحة. وكان المرحوم العلامة رضوان الله عليه مستلقيًا يريد النوم. كان الوقت بعد الظهر؛ وقد تناول غداءه، وأيّ غداء! لم أكن أطيق النظر إليه! كان طعامًا بسيطًا جدًّا، كأنّه مرق لا تكاد تجد فيه حبّة حمّص. قلت له مرّة: «يا أبتِ، اشرب ماءً على الأقل! حتى تشعر أنّك تأكل خبزًا وماءً!». فقال: «يا سيّد، لا فرق؛ المقصود أن تمتلئ هذه البطن، ولا فرق«.
كان قد تناول طعامه. وكانت والدتنا ـ رحمها الله ـ تجمع السفرة، وكان هو مستلقيًا يريد النوم. فجلستُ وقلت: «يا أبتِ، لقد جئنا برسالة». فقال: «تفضّل». قلت: «الإخوة يقولون: حتى لا تحصل ممانعة لهذه الكتب، فلنأخذ كتابًا من أحد…». ولم أكن قد ذكرت اسم أحد بعد، حتى قال: «كلا! اخرج يا سيّد». وكاد أن يصفعني! لم يدعني أُتمّ الجملة. قال: «كلا! «.
ثمّ قال هذه العبارة: «نحن لا نطلب منّة أحد حتى في عملنا الحقّ! «.
أي في العمل الحقّ، لا في غيره. في العمل الحقّ الذي ينبغي أن تُنشر فيه هذه المطالب، وتصل إلى الناس، ويسمعها الناس، ويفهموا الكلام والمطلب؛ ففي موضع نسمع فيه آلاف الكلمات، فليسمعوا هذه الكلمة أيضًا إلى جانبها. وفي موضع نشاهد فيه آلاف المشاهد باسم الإسلام، فليروا هذا المشهد أيضًا إلى جانبها.
قال رضوان الله عليه: «نحن لا نُريق ماء وجهنا عند أحد بسبب كلامنا الحقّ. إن سمحوا، فبها؛ وإن لم يسمحوا، فلا نطبع. اذهب يا سيّد، تفضّل بالخروج«.
فرجعنا وقلنا للإخوة ما جرى، وكدنا نتلقّى ضربة أخرى منهم!
هذا هو معنى الحرّية، وهذا هو معنى الاستقلال، وهذا هو معنى المنعة والكرامة والأمانة، وهذا هو معنى الصفاء والصدق.
نماذج من منع بعض العلماء ارتقاء فهم الناس
إنّ وظيفة المرجع أن يرفع فهم الناس شيئًا فشيئًا، وأن يسمو بميولهم. وقد كتبتُ هذه العبارة هناك، في كتاب «الاجتهاد والتقليد«.
۱. إنكار الحقائق في مواجهة رسالة الأربعين
كتبتُ كتابًا عن الأربعين، وقلت فيه: «يا سادة، إنّ الأربعين ليس لموتانا؛ إنّ الأربعين للإمام الحسين عليه السلام». وقد قرأتم ذلك. وقد بيّنتُ فيه رأيي، ومن كان لديه إشكال فليأتِ وليذكره. وقد أبقيتُ الباب مفتوحًا؛ فإن ثبت شيء صحّحناه في الطبعات اللاحقة.
وكلامي هو: إنّ الأربعين لم يكن له سابقة في الإسلام؛ حتى بالنسبة إلى النبي صلّى الله عليه وآله لم يكن يقام له أربعين. هل عندنا ذلك؟ لا. لقد بقي الأئمّة عليهم السلام معنا أكثر من مئتين وخمس وسبعين سنة، أي قرابة ثلاثة قرون، لا أسبوعًا أو أسبوعين، ولم يقيموا أربعين واحدًا! ثمّ نحن الآن نقيم الأربعين لموتانا! الأربعين لسيد الشهداء عليه السلام، ولدينا رواية في ذلك. أمّا إذا أردتم إقامة مجلس، فأقيموا مجلسًا للأئمّة، وليُذكر فيه الميّت بخير، وليُطلب له المغفرة، وليكن مجلس ترحّم. ولكن لماذا يُقام بعنوان الأربعين؟!
ثمّ إنّ الأشخاص أنفسهم الذين كنّا نتوقّع أن يكونوا في صفّ المؤيّدين لهذا، نراهم قد وقفوا في المقابل واعترضوا! عجبًا! يقولون: «جاء هذا السيّد وكتب كتابًا وردّ الأربعين! وما الإشكال في بقاء هذه السنّة بين الناس؟!». أو يقولون: «هذه الكلمات لا تليق بهذا الرجل! «.
انظروا، نحن نعيش في الشعارات والانفعالات. يا سيّد، لقد كتبتُ كتابًا، فتعال وأجب عنه. لا يحتاج الأمر إلى شيء آخر. ثمّ إنّ شخصًا آخر ـ ولا أذكر اسمه ـ سُئل في الإذاعة أو التلفزيون عن الأربعين، فقال: «كلا، لقد كان الأربعين موجودًا، وكان لجميع الأئمّة، غير أنّه اندثر، وبقي للإمام الحسين فقط! «.
سيأتي بك الله يوم القيامة، ويحاسبك بعدد الذين سمعوا منك هذه الكذبة! في أيّ كتاب كُتب أنّ الأربعين كان موجودًا في زمن الأئمّة ثمّ اندثر؟! نحن راجعنا هذه الكتب كلّها. وأنا لا أكتب شيئًا عبثًا. لقد رأينا وبحثنا. فلماذا تكذب؟ لماذا تكذب؟ متى كان لدينا أربعين للنبي صلّى الله عليه وآله؟ أو للزهراء عليها السلام؟ أو للإمام الحسن عليه السلام؟ ومتى أقيم أربعين للإمام الصادق عليه السلام؟ ومتى أقيم أربعين لأصحاب الأئمّة عليهم السلام؟ كيف لم نرَ ذلك؟! أم نزل عليكم وحي حتّى تقولوا هذا الكلام؟! هذه الكتب موجودة؛ فإن كانت هي الكتب التي بأيدينا، فلم نجد فيها شيئًا من ذلك.
لماذا تقفون في طريق الدين وفهم الناس؟! لماذا تقفون في وجه من يرفع مستوى الفهم؟! ماذا تكسبون من ذلك؟! أم إنّ دين الناس عندكم أمرٌ سطحيّ ولا مبالٍ: «نقول شيئًا من أفواهنا، فإن قبله الناس فبها، وإن لم يقبلوه فلا بأس»؟! أهذه هي القضية؟! «نقول شيئًا، فإن راج راج، وإن لم يَرُج فلا يهمّ؛ فليست المسألة مهمّة جدًّا». ليست مهمّة؟! بل هي مهمّة جدًّا؛ فهذه الأمور هي التي تمسك النفس، وتنمّيها، وترفعها شيئًا فشيئًا.
كان كلامي بالأمس أنّنا مبتلون في عالم النفس والانفعالات؛ لا نتحرّك نحو الباطن، بل لا نرى إلّا الظاهر. ولذلك يكون للظاهر بريق عندنا. فمن واقعة عاشوراء لا نرى إلّا السهم والسيف والرمح، ولا نرى هدف الإمام الحسين عليه السلام. ومن قضية عاشوراء لا نرى إلّا المصيبة، ولا نلتفت إلى الدروس التي كانت في يوم عاشوراء، ولا إلى كلماته، ولا إلى رسالة الإمام الحسين عليه السلام.
ارتقاء فهم البشر هو الغرض الأصلي من نهضة كربلاء
كنتُ أريد أن أكتب كتابًا أو مقالًا حول الإشكالات التي وُجّهت أخيرًا إلى ما ورد في كتاب «الروح المجرّد» حول واقعة عاشوراء، والتي أثارت معارضين كثيرين. فقال الإخوة: «اكتب شيئًا». ثمّ حين أردنا إعداد مقال، قالوا: «ما دمت تريد القيام بهذا العمل، فوسّعه واجعله كتابًا». فقلنا: «حسنًا». وأنا الآن مشغول بكتابة كتاب ـ إن وفّق الله تعالى ـ باسم «تاريخ عاشوراء»، نبحث فيه: كيف وقعت قضية عاشوراء؟ وكيف ينبغي لنا أن نتعامل مع هذه الواقعة؟ وكيف كان الأكابر يفكّرون في عاشوراء، وكيف كانوا يرون هذه القضية ويدرسونها؟
نسأل الله تعالى أن يوفّقنا لبسط هذه المسألة بمقدار ما يسمح به وسعنا.
وأنا أتابع في ذلك الكتاب هذه المسألة: إنّ قضية عاشوراء بأكملها كانت لأجل رفع مستوى فهمنا. لم يأتِ الإمام الحسين عليه السلام ليقول لنا: اجلسوا فقط واضربوا على رؤوسكم وصدوركم وأقيموا العزاء. إنّ هذه الأمور لا تداوي داءً بذاتها. نلبس السواد، ونفعل كذا، ونقول: «وا زينباه!» و«وا عليّ أكبراه!» و«وا عليّ أصغراه!» حسنًا، بكينا، ثمّ ماذا؟ ماذا تغيّر؟
ترى بعضهم في هيئة عزاء الزهراء عليها السلام يخلع حذاءه ويمشي حافيًا، ثمّ إذا صعد المنبر قال كلّ ما يخطر على لسانه في أولياء الله وعرفائه! فما هذه القضية؟! هل تريد أن تُظهر للناس ثقافة الإمام الصادق عليه السلام؟! هل كان الإمام الصادق عليه السلام يتكلّم بهذه الطريقة؟! تصدر من فمه كلمات أخجل أن أذكرها أمامكم. ثمّ في مراسم الزهراء عليها السلام يضع الحنك، ويتقدّم الموكب… ما هذا؟! إنّه تظاهر وشعار.
لو جاءت الزهراء عليها السلام وقالت له: «بأيّ حقّ جسرتَ على هؤلاء الناس؟»، فما الجواب الذي يملكه ذلك الرجل الذي يمشي أمام الموكب؟ أيّ جواب؟!
٢. موقف بعض المراجع من تخريب مرقد العسكريَّين عليهما السلام في مقابل الصمت عن قضايا أعظم
عندما هُدِّم قبّة العسكريَّين عليهما السلام في سامرّاء، قامت قيامة الناس، وارتفعت الأصوات، وأُثيرت الضجّة. ولكن في مقابل ما جرى من سفكٍ للدماء وقتلٍ للناس خلال تلك المدّة، لم نسمع صوتًا يُذكَر!
هُدِّمت القبّة؛ وما القبّة؟ أليست سوى لبناتٍ وطابوق؟ لقد هُدِّمت، ثم أُعيد بناؤها اليوم بصورةٍ أفضل من السابق. وأنا بنفسي ذهبتُ ورأيتُ كيف شُيّدت بالخرسانة المسلّحة والحديد، بحيث لو أُلقيت عليها قنبلة لما انهارت.
فإذا كان الأمر كذلك، فما حقيقة القضيّة؟ سقطت بضعةُ لبناتٍ من الأعلى إلى الأسفل، فأُقيمت الدنيا ولم تُقعَد!
مع أنّي لا أقول إنّ ما فعلوه كان حسنًا؛ فالوهّابيّة اقترفوا هذه الجرائم، وأهانوا، وأساؤوا الأدب؛ لعنهم الله، وحشرهم مع من أحبّوا. هذا أمرٌ في محلّه.
لكن ينبغي أن ننظر: ما حجم هذه المسألة في ميزان الشريعة الإسلاميّة، إذا قورنت بمسائل أخرى وقعت أمام أعين الجميع، وسكتوا عنها سنين طويلة؟!
لم يُقتل أحد جرّاء سقوط تلك اللبنات، ولم تقع خسائر تُذكر، ثم أُعيد البناء، ولم ينقص من مقام الأئمّة عليهم السلام شيء، ولا من درجتهم، بل لعلّ الاهتمام ازداد، وازداد إقبال الناس على الزيارة.
أنا زرتُ المرقد في حال الخراب، وزرتُه في حال الإعمار؛ ولم أرَ أنّ توجّه الناس نقص بسبب الهدم، بل ربما ازداد.
ولكن انظروا إلى مستوى فهم الناس في مقاربة هذه القضيّة، مقارنةً بقضايا أعظم شأنًا: أيّهما أعظم في ميزان الشرع؟ قتل نفسٍ محترمة أم تهديم قبّة؟!
وقد رُوي: «يقتلونَ ابنَ رسولِ اللهِ ويسألونَ عن دمِ بعوضة»
(رُوي هذا المعنى في مصادر متعدّدة، منها: الكافي، ج ۱، باب اختلاف الحديث).
يقتلون ابن رسول الله صلّى الله عليه وآله، ثم يسألون عن دم بعوضة!
هذا هو الوقوع في أسر الظاهر، والتعلّق بالشعارات، والانشداد إلى المظاهر، والانغماس في الأوهام.
يقول: «لقد هدموا قبّة الأئمّة!»
نعم، هدموا قبّةً من لبنات. فما حقيقة ذلك في ميزان القيم؟
مدرسة العرفان وارتقاء الإدراك
هذه أمور ينبغي للناس أن يفهموها، وأن يرتقوا بإدراكهم، ويخرجوا من عالم التخيّلات.
إنّ مدرسة العرفان كلّها لأجل هذا: أن تُحدث في النفس حركةً باطنيّة، بحيث تتبدّل طريقة الفهم. فالخبر هو الخبر نفسه، ولم تصل معلومة جديدة، ولكنّ الإنسان يرى أنّ حكمه اليوم يختلف عن حكمه قبل شهرين؛ لأنّ في قلبه حدثت حركة.
ولهذا قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾۱
فكلّما ازداد الإيمان، وازداد العلم، ازداد الارتفاع في الدرجات؛ وكلّما اشتدّ تجرّد النفس، ارتفع مستوى الإدراك.
معيار قياس النموّ الروحي
يمكن للإنسان أن يجعل هذا الأمر ميزانًا لنفسه: إن رأى أنّ ميوله اليوم أقرب إلى مباني الأكابر ممّا كانت في العام الماضي، فليعلم أنّه يسير في طريق النموّ.
وإن رأى أنّه يبتعد عن تلك المباني، فليعلم أنّ في المسير خللًا.
وهذا ينطبق على العلاقات أيضًا.
ربما كنتَ تميل إلى إنسانٍ في العام الماضي، وتُثني عليه، وتأنس بمجالسته؛ ثم ترى اليوم أنّ ذلك الميل قد خفّ. أو بالعكس، كنتَ تنفر من شخصٍ، ثم ترى نفسك تميل إليه.
هذه التحوّلات تكشف عن تغيّرٍ في المعايير الباطنيّة.
خطر العناد وتثبيت النفس في الخطأ
إنّ من أخطر الأمور أن يدخل الإنسان من باب الكِبر والعناد؛ فإنّ الله ـ والعياذ بالله ـ يثبّته هناك، ويهيّئ له المبرّرات، ويُوجد له بدائل تعوّض ما فقده، حتى لا يشعر بالفراغ الذي يدفعه إلى المراجعة.
فإن فقد صديقًا، عوّضه بآخر؛ وإن خسر اثنين، جاءه بغيرهما؛ فيتوثّق غلافه شيئًا فشيئًا، حتى يصير كقوقعةٍ صلبة لا تُخترق.
شبكة العنكبوت في بدايتها رقيقة؛ يمكن تمزيقها بسهولة.
لكن إن لم يُمزّقها الإنسان في أوّل الأمر، تكاثفت طبقاتها، حتى تصير كقماشٍ سميكٍ لا يُخرق.
فلنحذر، ولنقارن أنفسنا دائمًا: كيف كانت أفكارنا سابقًا؟ وكيف صارت الآن؟
هل اقتربنا من الحقّ أم ابتعدنا؟
أجوبة على بعض الأسئلة
السؤال الأوّل: كيفية التعامل مع الزوج المعارض للطريق
السؤال: ما هو تكليفنا تجاه من يلومنا بسبب المراقبة والسلوك، وهو من أقرب الناس إلينا ـ كالزوج مثلًا؟ هل نسكت أم نجيب؟
الجواب:لكلّ إنسانٍ ملفّه الخاصّ به.
الزوج يُحشر يوم القيامة بملفّه، والزوجة بملفّها. الارتباط الدنيوي ينتهي بالموت، ويبقى الحساب الفردي.
الميزان هو التكليف: إن أمر الزوج بمعصيةٍ أو منع من واجب، فلا طاعة له.
وقد ورد: «لا طاعةَ لمخلوقٍ في معصيةِ الخالق»۱ أمّا إن كان الأمر في غير واجبٍ ولا حرام، فيُنظر إلى المصلحة والظروف.
مثال: امرأة قالت: «زوجي يريد أن نسافر في ليلة تاسوعاء وعاشوراء إلى الشمال، وأنا أرفض رفضًا قاطعًا».
قلتُ لها: «اذهبي».
قالت: «في ليلة عاشوراء؟!»
قلت: «حزنكِ في قلبك، وبكاؤكِ مع الإمام الحسين عليه السلام يمكن أن يكون هناك أيضًا. لا تجعلي الأمر معركةً. اذهبي، والتزمي بحدودكِ».
وقد كان في ذلك خير.لكن إن طلب منها أن تخلع حجابها أمام أصدقائه، فهنا قلتُ لإحداهنّ: «إن أصرّ على ذلك فلتطلب الطلاق فورًا».لأنّ هذا حرام صريح.فالميزان هو الحكم الشرعي، لا العاطفة ولا الشعارات.
السؤال الثاني: رؤية الأنوار والحالات الروحية
هذه الأنوار غالبًا من تجلّيات الصور البرزخيّة.لكن المهمّ ليس تعقّب الحالات، بل المراقبة.
السلوك ليس ذكرًا فقط؛ الذكر خمسة أو عشرة بالمئة، أمّا خمسةٌ وتسعون بالمئة فهي المراقبة في: الفكر، الكلام، العمل من الصباح إلى الليل. فإن وُجدت المراقبة، فلا يضرّ تغيّر الحالات.
السؤال الثالث: لماذا يُستعمل ضمير الجمع في أفعال الله تعالى؟
مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّىٰ مُسْتَكْبِرًا﴾٢ استعمال ضمير الجمع هنا للتفخيم والتعظيم.وأمّا حين يُستعمل ضمير المفرد، فذلك لإفادة الانحصار، كما في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾٣فالأوّل مقام تفخيم، والثاني مقام حصرٍ وانفراد.
نسأل الله تعالى أن يشملنا بلطفه، وأن يفيض علينا من بركاته في هذه الأشهر المباركة، وأن يرفع درجاتنا بالإيمان والعلم، كما وعد في كتابه الكريم.
اللهمّ صلِّ على محمّدٍ وآل محمّد