1

الالتزام بالسنّة وآداب إقامة مجالس الإمام الحسين عليه السلام

كيف نكونُ من ركّابِ سفينةِ النجاة؟ معاييرِ التمسكِ بنهجِ الإمام الحسين عليه السلام

3
مشاهدة المتن

المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني

القسممباني الإسلام

المجموعةعاشوراء

التاريخ 1432/01/20

جلسات المجموعة(1 جلسة)

التوضيح

هل لترتيب أثاث المنزل وطريقة الجلوس أثرٌ حقيقيّ على تفكير الإنسان وتوجّهاته؟ كيف تتحوّل العادات الاجتماعيّة كطريقة تناول الطعام أو حفلات الزفاف إلى ثقافة يصعب الخلاص منها؟ ما هي حدود التواصل والحديث بين الرجال والنساء في عصرنا الحاليّ؟ وهل ركوب سفينة النجاة الحسينيّة يتحقّق بالصراخ والتمثيل والمظاهر الفارغة، أم بالعمل والفهم وإصلاح الأخطاء؟ تُجيبك هذه المحاضرة التي ألقاها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه عن هذه الأسئلة، وتضع بين يديك المنهج الصحيح لسلوك طريق الحقّ وفق مباني العرفان الشيعيّ.

/۲۱
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

الالتزام بالسنّة وآداب إقامة مجالس الإمام الحسين عليه السلام - كيف نكونُ من ركّابِ سفينةِ النجاة؟ معاييرِ التمسكِ بنهجِ الإمام الحسين عليه السلام

1
  •  

  • هو العليم

  •  

  • الالتزام بالسنّة وآداب إقامة مجالس الإمام الحسين عليه السلام 

  • كيف نكونُ من ركّابِ سفينةِ النجاة؟ معاييرِ التمسكِ بنهجِ الإمام الحسين عليه السلام

  •  

  • مباني الإسلام، الالتزام بالسنّة وآداب إقامة مجالس الإمام الحسين عليه السلام

  •  

  • محاضرة ألقاها

  • آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ

  • قدس الله سره

  •  

  •  

الالتزام بالسنّة وآداب إقامة مجالس الإمام الحسين عليه السلام - كيف نكونُ من ركّابِ سفينةِ النجاة؟ معاييرِ التمسكِ بنهجِ الإمام الحسين عليه السلام

2
  •  

  •  

  • أعوذُ باللهِ من الشيطانِ الرجيمِ

  • بسمِ اللهِ الرحمٰنِ الرحيمِ

  •  

  •  

  • سرّ الجلوس على الأرض: هل لترتيب أثاث المنزل أثرٌ تكوينيّ؟

  • خطرت لي مسألة وأنا في الطريق؛ فقلتُ في نفسي: «لأعرضها على الرفقاء». فمن الجيّد الاطّلاع عليها بالطبع، وهي مسألةُ تأثّرِ الإنسانِ بالظروف والأجواء والأحداث المختلفة المحيطة به، والتي قد تترك تأثيرها عليه، فيُغيّر اتّجاهه ـ شاء أم أبى ـ عن ذلك المنهج وتلك السيرة [القويمين]، ويتّجه نحو مسائل أخرى.

  • فمن المسائل التي كانت محلّ اهتمام العظماء سابقًا: أسلوب الحياة وترتيب أثاث المنزل وشؤون الأسرة. كان العظماء يرون أنّه على الإنسان أن يجلس على الأرض، وأنّ للجلوس على الأرض خصوصيّات، وهذه الخصوصيّات ليست اعتباريّة أو خياليّة أو وهميّة؛ بل هي حقيقيّة.

  • الآن، ونحن جالسون هنا على الأرض، أتحدّث أنا بنحوٍ ما، وأنتم أيضًا تفهمون هذه المسائل وتدركونها وتصغون إليها وتجزّئونها وتحلّلونها بنحوٍ آخر. ولو كنّا نجلس على الكراسي بدلاً من الأرض، لتغيّر حديثي، ولتغيّرت كيفيّة إدراككم كذلك! قد يكون في هذه المسألة بعض المبالغة بالنسبة لبعض الأفراد، لأنّهم ربّما لم يجرّبوها؛ ولكنّها حقيقة واقعيّة.

  • فليس من فراغٍ قولُ النبيّ صلّى الله عليه وآله: «أنا عبدٌ مثلُ العبيد، أجلِسُ جِلسَةَ العبيد».۱ حسنًا، لماذا لم يكُن النبيّ يجلس على كرسيّ؟! ألم يكُن النبيّ ليُصاب بالتهاب المفاصل (Arthrose) مثل البقيّة؟! أم أنّه لم يكن هناك التهاب مفاصل في ذلك الزمان؟! فالناس اليوم يتذرّعون قائلين: «نُصاب بالتهاب المفاصل!». يسألونني أحيانًا، فأقول: «حسنًا، إذا أُصبتم بالتهاب المفاصل، فاجلسوا على الكراسيّ». وهذا صحيح حقًّا؛ فالذي يُعاني من التهاب المفاصل أو من وعكة صحيّة عليه أن يجلس على كرسي؛ وأنا لا أنكر ذلك. ولكنّني أرفض قولهم: «للوقاية من التهاب المفاصل [لنجلس على الأريكة]». فأقول: «للوقاية من التهاب المفاصل، ألفُ علاج وعلاج، وليست الأريكة هي الحلّ الوحيد!». فإذا كنّا سنُصاب بالتهاب المفاصل بعد ثلاثين أو أربعين أو ثمانين عامًا، فلنجلس على الأريكة منذ الآن للوقاية! (وكأنّ المرء يُريد أن يعيش عمر نوح!). حسنًا، كان عليك أن تخرج من بطن أمّك ومعك أريكة، حتى لا تكون هناك حاجة للجلوس على الأرض منذ البداية! فهذه هي الأمور التي تتسلّل إلى النفس شيئًا فشيئًا، فتوسوس لها، وتُحرّك الإنسان بذلك الاتّجاه.

    1. عوالى اللئالي، ج ۱، ص ٢۷۸، مع اختلاف يسير.

الالتزام بالسنّة وآداب إقامة مجالس الإمام الحسين عليه السلام - كيف نكونُ من ركّابِ سفينةِ النجاة؟ معاييرِ التمسكِ بنهجِ الإمام الحسين عليه السلام

3
  • بعث المرحوم العلاّمة [الطهرانيّ] بواسطتي رسالةً إلى أحد الأفراد في مشهد يقول فيها: «يا فلان، تخلّص من الأرائك في منزلك». وبالفعل، لم يعُد ذلك الفرد يقتني أريكة في منزله، ونقلها إلى مكان آخر؛ في حين أنّه رضوان الله عليه كان يزور منازل الكثير من أصدقائه ومعارفه، وكانت لديهم أرائك، ولكنّه لم يقل لأيّ منهم: «أزِل أريكتك». وأنا مطّلع على أنّه كان يقول لبعضهم: «وضعُكم يختلف، ضعوا أنتم أريكة في منزلكم». إنّ مباني هؤلاء الأولياء والعرفاء ليست كالغُصن اليابس الذي له اتّجاه واحد في كلّ مكان، بل هي مرنة تتكيّف بحسب الظروف.

  • بركةُ الكتابة على الأرض: كيف تعمل أسطوانات الذهن؟

  • ذات مرّة، في مشهد نفسها، جاء هو رضوان الله عليه إلى منزلي، ورأى طاولة، وكنتُ أكتب عليها. بالطبع، كنتُ قد أُصبتُ بانزلاق غضروفيّ قبل شهر أو شهرين؛ ولكن، قبل ذلك الوقت، كانت كلّ كتاباتي على الأرض، على هذه الطاولات المزخرفة قليلاً، والتي ما زلت أحتفظ بها إلى الآن. ثم أُصبتُ بانزلاق غضروفيّ وكان شديدًا جدًّا؛ حتّى إنّني لم أستطع الحركة لمدّة أسبوعين. شعرتُ أنّني لو أردتُ الجلوس على الأرض والكتابة لمدّة، سأُصاب بنفس المشكلة مرّة أخرى، وستستمرّ؛ ولهذا، ذهبتُ، واشتريت طاولة وكرسيًّا. بالطبع، أخبرتُ المرحوم العلاّمة، ولكنّه في النهاية كان لا بدّ له أن يُقدّم تنبيهه؛ فقال لي: «هذا النوع من الكتابة لا بركة فيه! البركةُ هي في الجلوس على الأرض!». حسنًا، ما معنى «لا بركة في هذه الطاولة وأمثالها»؟! هذا هو الخير الذي أتحدّث عنه.

  • مَن يجلس خلف طاولة ليكتب، تتعطّل إحدى أسطواناته! كم أسطوانة للسيّارة؟! لدينا سيّارات بأربع أسطوانات، وستّ، وثماني؛ وهذه الشاحنات الكبيرة لها اثنتا عشرة أسطوانة. عندما تتعطّل أسطوانة أو اثنتان، يفقد المحرّك تلك القوّة اللازمة لجرّ الحمولة، فيتعرّض للضغط، ويتسبّب في تعطيل بقيّة الأسطوانات أيضًا. إنّ ذلك النحو من الارتباط الخاصّ الذي يتحقّق بواسطته نزولُ اسم «العليم» في ذهن الإنسان.. ذلك الارتباط يتعرّض للتغيير والتبديل.. ذلك الارتباط الخاصّ يختلّ. أي: ذلك الارتباط الذي يوصل المسائل إلى الذهن، والذي يجلب الدقائق واللطائف والنقاط المفتاحيّة التي لم يكن الإنسان يتصوّرها، وفجأة يرى أنّها تخطر في ذهنه.

الالتزام بالسنّة وآداب إقامة مجالس الإمام الحسين عليه السلام - كيف نكونُ من ركّابِ سفينةِ النجاة؟ معاييرِ التمسكِ بنهجِ الإمام الحسين عليه السلام

4
  • أنا نفسي الآن أسعى قدر الإمكان للكتابة على الأرض، إلاّ عندما أشعر باحتمال الإصابة بالانزلاق الغضروفيّ؛ لأنّني في هذا الصيف أُصبتُ به مرّة أخرى؛ بالطبع، ليس بتلك الشدّة، ولكنّني لم أستطع فعل أيّ شيء لثلاثة أيّام. وبالمناسبة، كنت في سفر، ورأيت أنّها نفس القضيّة. طبعًا، كان ذلك بسبب قلّة احتياطي، حيث أردتُ أن أحمل حقيبتي، فانحنيتُ، وحملتُها بقوّة شديدة. كنتُ أتصوّر أنّني ما زلتُ بقوّة شبابي، فقلت في نفسي: كلاّ يا عزيزي!

  • در جوانی به خویش می‌گفتم***«شیر، شیر است اگرچه پیر بوَد!»
  • چون به پیری رسیدم و دیدم***«پیر، پیر است اگرچه شیر بوَد!»
  • [يقول: كنت أقول لنفسي في شبابي: الأسد أسدٌ وإن كان عجوزًا!

  • ولكنّي حينما بلغتُ الشيخوخة، رأيتُ أنّ العجوز عجوزٌ وإن كان أسدًا!].

  • أحيانًا، ينسى المرء أنّه قد شاخ! طبعًا أنا لم أشخ بعد، لا سمح الله! هذه اللحية كلّها سوداء، وأنتم تتخيّلونها بيضاء! أنتم ترونها بيضاء! نخدع أنفسنا بهذه الأمور! على كلّ حال، هي قافلة يركبها الجميع، والجميع يمضي! شئنا أم أبينا هم يأخذوننا معهم. عندما يصل الإنسان إلى هذه السنّ، يُصدّق ببعض المسائل. يرى أنّ الأحداث نفسها التي تجري للآخرين، تجري له أيضًا! أمّا ما كُتب في ملفّه، فغير معلوم، إلى أن تُكشف صفحاته الواحدة تلو الأخرى، ولا يُستثنى أحد من هذه القضيّة. ولكن، عندما أشعر [بأعراض الانزلاق الغضروفيّ]، أعود إلى الطاولة.

  • هذه المسألة جديرة بالاهتمام جدًّا، وهي أنّ التعليمات التي يُعطيها العظماء للأفراد لا تستند إلى حالة عادية متعارفة مبتلى بها عامُّة الناس، بل تستند إلى المصلحة الشخصيّة الخاصّة بهم.

  • ثلاثُ عاداتٍ دخيلة: من أسلوب الطعام إلى التباهي في الأعراس

  • ذات مرّة، كنت في لبنان، فقلتُ لرفقاء لبنان: «حسنًا، أيّ طريقة لتناول الطعام هذه؟!». أحيانًا في بعض الأماكن التي يدعوننا إليها، كان الطعام يوضع في مكان ما، فينهض كلّ شخص، ويأخذ طبقه أو صينيّته، ويذهب إلى هناك، ويأخذ ما يشاء، ثم يذهب ليجلس على كرسيّ! ماذا أصبح هذا؟! أيّ لطف وأيّ فائدة في أن أجلس أنا هنا، ويذهب الطرف الآخر ليأخذ طعامه، ثم يذهب ليجلس في زاوية، ويأكل، ثمّ ينصرف؟! أيّة دعوة هذه؟! لو لم يأتِ، لكان أفضل! قلت: «انهضوا! افرشوا المائدة، ولنجلس جميعًا على الأرض. إنّها سنّة رسول الله أن يجلس الجميع على الأرض، ويكون الجمع جمعًا واحدًا؛ فالخير والبركة هناك». هذه الطريقة في تناول الطعام المعروفة بـ «الخدمة الذاتيّة (selfـservice)» حيث ينهض كلّ شخص ليخدم نفسه، ليست صحيحة!

الالتزام بالسنّة وآداب إقامة مجالس الإمام الحسين عليه السلام - كيف نكونُ من ركّابِ سفينةِ النجاة؟ معاييرِ التمسكِ بنهجِ الإمام الحسين عليه السلام

5
  • أو مثلاً، يقف البعض! ذهبت مع المرحوم الوالد [العلاّمة الطهرانيّ] إلى حفل زفاف ـ وكان من الأقارب بالطبع ـ وكانت هناك طاولة كبيرة جدًّا. نظر المرحوم العلاّمة نظرة وقال: «إلى أين نذهب؟!». قلت: «يا سيّدي، يقولون: اذهبوا وقفوا هناك!». قال: «نقف؟! لدينا بعض الاختلاف عن الدوابّ! لا يا سيّد، أنا سأجلس هنا، فاذهب، وأحضر لنا طعامًا!». فجلسنا أنا وهو؛ وعشرون أو ثلاثون شخصًا آخرون ممّن شعروا أيضًا أنّهم يختلفون عن الدوابّ جلسوا هناك أيضًا؛ وخلاصة الأمر، جئنا وجلسنا. جلسنا على كراسيّ؛ ولكن، كنّا نُمسك بأطباقنا، وأكلنا!

  • هذه المسائل تجرف الإنسان شيئًا فشيئًا؛ أي أنّها تصبح عادة شيئًا فشيئًا، ثمّ تُصبح موضة شيئًا فشيئًا؛ ومن الموضة، تتحوّل إلى ثقافة. لأنّ الموضة شيء يأتي أوّلاً. ففي البداية، تكون موضة، ثم عادة، ثم ثقافة؛ هذه ثلاث مراحل متتالية لها مراتب مختلفة في تثبيت سلوكٍ مُعيّن. ثمّ تصبح ثقافة أصلاً. فكما أنّ الزفاف نفسه ثقافة، فإنّ خصوصيّات وطريقة عقد مجلس الزفاف تتحوّل هي الأخرى إلى ثقافة؛ كأن يقف الجميع ويأكلون، أو أن يُقدّموا العشاء في الساعة الثانية عشرة ليلاً.

  • أو أن يُركِبوا العروس في السيّارة، ويُطلقوا أبواق السيّارات، ويدوروا بها في كلّ المدينة! وما الجدوى من هذا كلّه؟! وأيّ حدث سيقع هذه الليلة حتّى تُطلقون الأبواق؟! يدورون في كلّ الشوارع، ويلفتون انتباه الجميع. أوّل ما يتبادر إلى ذهن الجميع ـ وأنا نفسي كذلك ـ هو أن نرى مَن في هذه السيّارة! أليس كذلك؟! هل هي مُحجّبة أم لا؟! هل هي جميلة أم قبيحة؟! خلاصة الأمر، ما هو مستواها؟! كم قيمتها وحجمها؟! فلنقيّمها! في النهاية، هم يسيرون خلفها، ويُطلقون الأبواق قائلين: «هذه بضاعتنا! هذه بضاعتنا المعروضة في السوق! هيّا أيّها الناس، تعالوا، وتفرّجوا، وشاهدوا!». يا عزيزي، لا داعي للتفرّج! كلّنا من طينة واحدة! طبعًا، هذا يصبح ثقافة، لدرجة أنّني كنت أرى البعض يأتون، ويسألون المرحوم العلاّمة: «سيّدنا، لماذا لا نُطلق الأبواق؟! هذا يُشجّع الشباب الآخرين!». يا عزيزي، هذا لا يُشجّع الشباب! لو خرجت العروس بنفسها، ربّما يتشجّعون؛ ولكن، لا أحد يتشجّع بإطلاق الأبواق! والآن، حتّى في قمّ نفسها (حرم أهل البيت)، رأيناهم يذهبون إلى الساحات العامّة، وينزلون من السيّارات، ويبدؤون بالتصفيق والرقص وأمور أخرى! حسنًا، يبدو أنّه لا إشكال في هذا المقدار! لا أعلم، فأنا لا خبرة لي بالقوانين وهذه الأمور! أن يأتوا في الملأ العام، وينزلوا، ويفعلوا هذا وذلك، يبدو أنّه لا إشكال فيه! لا أعلم!

الالتزام بالسنّة وآداب إقامة مجالس الإمام الحسين عليه السلام - كيف نكونُ من ركّابِ سفينةِ النجاة؟ معاييرِ التمسكِ بنهجِ الإمام الحسين عليه السلام

6
  • في إحدى الليالي، كنت في أصفهان، وَلَيتكم كنتم جميعًا معي! كنت قد أضعتُ العنوانَ، فقيل لي: «تعالوا، قفوا عند الفندق الفلانيّ، حتّى يأتي الرفقاء». كان ذلك في زمن المرحوم العلاّمة الطهرانيّ. فوقفت، وكانت ليلة جمعة أيضًا. وليتكم كنتم معي! رأيت خمسة أعراس! ويا لهول ما رأيت! ما رأيته كان رائعًا!! خلاصة القول، لقد ابتهجنا كثيرًا أنا وجميع من كانوا هناك بهذا الحماس والنشاط والانبساط من الأصفهانيّين! كان هذا العرض للبضاعة ـ وبسخاء كبير ـ لافتًا وجذّابًا جدًّا بالنسبة لنا! حسنًا، في النهاية كلّ امرئٍ تابع لآثاره.

  • أحيانًا، يرى المرء أنّه: ما الفرق بين هؤلاء الأفراد والخنزير؟! فممّا خُصَّ به الخنزير أن يَبذُل متاعه [أنثاه] لِأعين الناظرين، ويجعله عُرضةً لتمتّع الآخرين. يقولون: هذا ما يتميّز به الخنزير. ولهذا، يقولون إنّ من يأكل لحم الخنزير، يكتسب هذه الخاصيّة شيئًا فشيئًا. هذه القضيّة ليست عديمة التأثير! وليست من فراغ. إنّه أمر عجيب حقًّا! لا أستطيع أن أستوعب كيف يُمكن لشخص أن يُقنع نفسه، ويقبل بهذا الوضع؛ لأنّ هذه المسألة تتقدّم باستمرار!

  • وصيّةُ أمير المؤمنين لزماننا: ما هي حدود التواصل بين الرجال والنساء؟

  • إن شاء الله، سأوضّح هذه القضيّة في وصيّة أمير المؤمنين بحَاضرين التي أنا منهمك في ترجمتها؛ وذلك في القسم المتعلّق بالنساء، حيث سأبيّن هناك أنّ هذه الوصيّة ـ بالمناسبة ـ هي لزماننا هذا. (أولئك الذين ترجموا هذه الوصيّة بشكل ناقص، وحذفوا وحجبوا أجزاء منها، قد خانوا الأمانة مع الإمام عليه السّلام ومع العلم والأدب والتاريخ).۱

  • في هذه الرحلة الأخيرة التي قمت بها، يبدو أنّني كنت في الأهواز، حيث قلت للرفقاء في كلمتي إنّ هذه الوصيّة هي بالذات لزماننا هذا وتتعلّق به. أي أنّها معجزة أمير المؤمنين في القرن الحاضر؛ لا أنّها تتعلّق بما قبل ألف وأربعمائة عام حيث لم يكن هناك شيء من هذا القبيل. الآن، بعد ظهور هذه الوسائل، يُدرك المرء كلام أمير المؤمنين: «وَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَلاّ يَعْرِفْنَ غَيْرَكَ فَافْعَلْ!»،٢ ويفهم إلى أين تنتهي هذه المسألة!

  • وقلتُ هناك: إنّه بهذه المعلومات المحدودة التي أملكها عن الأفراد والأشخاص، أعرف أكثر من عشر أو خمس عشرة حالة انتهت فيها هذه العلاقات بتفكّك الأسرة! أي: اضربوا خمسة عشر في اثنين، يصبح المجموع ثلاثين؛ لأنّ المسألة كانت من الطرفين. وهذا فقط ما أنا على علم به؛ أمّا ما يجري في المجتمع، وبأيّة كميّة وكيفيّة، فإنّنا نسمع من بعض المصادر أمورًا تُحيّر العقول حقًّا.

    1. راجع: حيات جاويد (الحياة الأبديّة)، ص ٢٩.
    2. نهج البلاغة (صبحي الصالح)، ص ٤۰٥.

الالتزام بالسنّة وآداب إقامة مجالس الإمام الحسين عليه السلام - كيف نكونُ من ركّابِ سفينةِ النجاة؟ معاييرِ التمسكِ بنهجِ الإمام الحسين عليه السلام

7
  • لا أنّه لم تكن هذه الأمور موجودة في الزمن السابق (زمن الشاه)، بل كانت موجودة، ولكن بشكل محدود جدًّا، وكانت تعتمد على الظروف ونوع الأشخاص؛ لكنّ المرأة التي تُصلّي صلاة الليل لم تكُن في ذلك الزمان السابق تُبتلى بهذه المسائل! كيف يُمكن للمرء أن يُعبّر عن هذا؟! امرأة مسلمة لا تُؤخّر صلاتها عن أوّل وقتها حتّى! فالشيطان شيطان! وهو لا يترك الإنسان وشأنه؛ فلا تظنّوا أنّ كلّ من بدأ يُصلّي صلاة الليل، فإنّ صلاته تنهاه كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنهَىٰ عَنِ ٱلفَحشَآءِ وَٱلمُنكَرِ﴾!۱ كلاّ! يجب أن يكون ذلك مصحوبًا بالمراقبة.

  • عندما أقول: «لا تتحدّث المرأةُ مع الرجل بالهاتف المحمول»، فأنا أعلم شيئًا، وأفهم ما أقول! اذهبي وتحدّثي! تحدّثي حتّى تخرجَ روحُكِ! أنا أعلم شيئًا حين أقول: «لا». عندما يتّصل رجل بالمنزل، ويسأل عن زوجِك، قولي: «ليس موجودًا، في أمان الله تعالى»! لا تُجيبيه إذا سأل: «متى سيأتي؟»، لا معنى لقول «متى سيأتي»! ضعي سمّاعة الهاتف، وانتهى الأمر! لا داعي للإجابة بنعومة: «لا أعلم الآن، دعني أرى، انتظر قليلاً، دعني أتّصل به»! حسنًا، هذا هو الأمر! الأمور تصل إلى هنا! تصل القضيّة إلى هذا الحدّ!

  • المراقبةُ النفسيّة للمرأة: هل الاستماع للمواعظ آمنٌ دائماً؟

  • في زمن المرحوم العلاّمة الطهرانيّ نفسه، حيث لم يكن هناك حاسوب في ذلك الوقت، ولا وسائل التواصل الاجتماعيّ هذه، ولا هواتف محمولة، ولا شيء من هذا القبيل، سمعتُ من إحدى النساء التي لم أكن لأصدّق منها ذلك، وقد قالت لي بنفسها: «لم أعُد أرغب في الاستماع إلى محاضرات فلان؛ لأنّني أرى أنّ نبرة صوته تُؤثّر فيّ سلبًا!». كانت امرأة عفيفة جدًّا! فلا ذلك المسكين كان يقصد شيئًا، ولا هي. فالرجل يتحدّث عن الله تعالى، ويقول «قال الصادق» و«قال الباقر»؛ لا يتحدّث عن أمور أخرى! لا يقول كلامًا يعرف الجميع كيف يقولونه وماذا يفعلون به! كلاّ! إنّه يطرح هذه الأمور والمواضيع المفيدة!

  • حسنًا، قد يقول قائل: «يا سيّدي، كلاّ، أنا لستُ كذلك، فلماذا أنتم هكذا؟! أنتم مرضى!». حسنًا، نعم! هذه مريضة! والآن، ماذا يجب أن نفعل بالمريض؟! هل يجب أن نذهب حتّى النهاية؟! في الأخير، ماذا يجب أن نفعل بهذا المريض؟! لنفترض أنّ شخصًا مريض؛ حسنًا جدًّا! أنتم تقولون عنه «مريض»؛ ولكن، هذا ليس مرضًا، بل إنّه انسجام روحيّ ونفسيّ؛ وهذا الانسجام يقع ـ في هكذا ظروف ـ تحت طائلة هذه الآفة؛ وهذه القضيّة موجودة عند الجميع.

    1. سورة العنكبوت، الآية ٤٥.

الالتزام بالسنّة وآداب إقامة مجالس الإمام الحسين عليه السلام - كيف نكونُ من ركّابِ سفينةِ النجاة؟ معاييرِ التمسكِ بنهجِ الإمام الحسين عليه السلام

8
  • أقول لكم: إنّني تعجّبتُ أصلاً! قلت: «أنتِ هكذا؟!». قالت: «نعم، أنا هكذا! وبعد ذلك، لم أعُد أحضر محاضرات فلان، ولم أستمرّ». حسنًا، انظروا! هذا ما يُسمّى بالمراقبة! أي أنّها بمجرّد أن أدركت أنّ هذا الكلام يُؤثّر فيها سلبًا، توقّفت. فعلى الرغم من أنّه كلام دينيّ وأخلاقيّ، إلاّ أنّ الشيطان لا يهتمّ بالكلام، بل يهتمّ بشيء آخر؛ فيتسلّل من هناك، ويُدغدغ المشاعر. هو يقول «قال الصادق»، وهي تسرح في ملامحه فقط! حسنًا، ماذا يجب أن تفعل؟! بمجرّد أن فهمت الأمر، انسحبت، وحافظت على سلامتها.

  • والآن، كان هناك نقيض هذه القضيّة، حيث استمرّ الأمر، ثم كانوا يقولون: «يا سيّدي، ادعوا فلانًا فقط؛ لأنّ كلامه يدخل القلب!». إذا كان الكلام يدخل القلب، فهناك أفراد آخرون يقولون الكلام نفسه! ما الذي حدث حتّى يُدعى فلان فقط، وكلامه هو الذي يدخل القلب؟! هناك خلل في مكان ما في هذه القضيّة، ويجب التحقّق منه!

  • هنا، نفهم أنّ أمير المؤمنين عندما يقول: «لا ينبغي للمرأة أن تسمع كلام الرجل، ولا ينبغي للرجل أن يسمع كلام المرأة»، فإنّه يقصد هذه القضيّة. والآن، أنتم تقولون: «كلاّ يا سيّدي! فهذا الكلام يعود إلى ألف وأربعمائة عام مضت». حسنًا، اذهبوا وتحدّثوا! هذه هي النتيجة! بقدر ما نتخلّف عن هذه التعاليم، بقدر ما نخسر ونفقد.

  • لقد قيل لنا: إذا كان حديث المرأة مع الرجل في حالة الضرورة فقط ـ كأن تريد الذهاب إلى طبيب أو كان لديها عمل أو طرأت ضرورة ـ فعلى الإنسان أن يقوم به، وذلك في حدود ضيّقة جدًّا. أمّا ما يجري في المستشفيات، فأهل الاختصاص أعلم به!

  • حقًّا، هذه مسألة يجب الالتفات إليها، وهي أنّه كيف يأتي الشيطان رويدًا رويدًا، ويُلبِس حالة الانحراف والاعوجاج في النفس لباسَ حالة طمأنينة القلب وانبساط الروح والسكينة والراحة. إنّه هو نفسه، ولكنّه يتقدّم من هذا الطريق، ويوصل الإنسان إلى هنا. هنا، يجب على الإنسان أن يُراقب؛ والمراقبة هي التي تستطيع أن تحفظ الإنسان، ولا ينفع في علاج هذه المسألة ذكرٌ، وما شابه ذلك!

  • سفينةُ النجاة الحسينيّة: ما هو المعنى الحقيقيّ لركوبها؟

الالتزام بالسنّة وآداب إقامة مجالس الإمام الحسين عليه السلام - كيف نكونُ من ركّابِ سفينةِ النجاة؟ معاييرِ التمسكِ بنهجِ الإمام الحسين عليه السلام

9
  • ومن جملة هذه المسائل، مسألة كيفيّة إقامة الشعائر الدينيّة. يجب أن تكون شعائرنا الدينيّة بنفس الأسلوب الذي بيّنه العظماء، والذي أثبتته التجربةُ، وأعطى نتيجة.

  • نلاحظ اليوم أنّ الإمام الحسين عليه السّلام قد تحوّل في هذه المواكب بالنسبة لبعض الأشخاص من «طريق» إلى «موضوع»؛ في حين أنّ الإمام الحسين هو طريق إلى الله، وجسر إلى الله، وهو سفينة النجاة.۱ ما معنى سفينة النجاة؟! هل يعني أن تدخل هذه السفينة، وتبقى راسية عند الميناء، أم أنّها تتحرّك في الماء؟! عندما يدخل شخص إلى السفينة، فإنّها لا تبقى راسية عند الميناء! بل تنطلق؛ فتتحرّك من ذلك الشاطئ وتمضي، وتعبر المحيط، وتعبر البحر حتّى تصل إلى المقصد. السباحة بدون سفينة النجاة في البحر الهائج تعني الهلاك. فيتحقّق الهلاك للإنسان؛ لأنّه لا يقوى على هذه الأمواج المتلاطمة، ولا يقوى على طول المسير أيضًا. كيف يُمكن للإنسان أن يقطع المسافة بين هذا البحر وذاك البحر سباحةً؟! لنفترض أنّنا استطعنا أن نُحافظ على أنفسنا لعشرة أيّام، فماذا سنأكل في البحر؟! لا يُمكننا شرب الماء! فالماء المالح يقتل أسرع! أو لنفرض أنّنا بقينا خمسة أيّام؛ فبعد هذه الأيّام الخمسة، سيُصيبنا الضعف، فنغرق في البحر، ونصبح طعامًا لأسماك القرش والحيوانات! لا حاجة أصلاً لأن نصبح طعامًا؛ فبمجرّد أن تضعف، ينتهي أمرك! القضيّة لا تستغرق أسبوعًا حتّى! والآن، أنت تريد أن تذهب من هذا الشاطئ إلى ذلك سباحةً؛ في حين أنّ الأمر يستغرق شهورًا وسنوات! إنّك تحتاج إلى سفينة نجاة.

  • سفينة النجاة هذه هي سفينةٌ تُركِب الإنسانَ، وتُسيّره بهدوء واطمئنان، وبلا هلاك أو شبهة أو تردّد أو انحراف؛ وهو [قائدها] بنفسه يُمسك بزمام هذه السفينة، فيعرف من أين يسير بها حتّى لا تكون هناك دوّامات، ومن أين يسير بها حتّى لا تصطدم بالرياح والعواصف، ويوصلها إلى المقصد سريعًا. هذه السفينة هي سفينة الإمام الحسين عليه السلام.

  • يجب الدخول في هذه السفينة، ويجب التوسّل بها؛ وللوصول إلى المقصد، يجب طلب المدد من الإمام الحسين عليه السلام. وعلى الإنسان، للوصول إلى المقصد، أن يجعل ولاية ذلك الإمام وشفاعته زادًا لطريقه؛ لأنّ الإنسان لا يستطيع أن يسير بنفسه.

    1. مدينة المعاجز، ج ٢، ص ٥٢:
      «إنَّ الحسينَ مصباحُ الهُدىٰ وسفينةُ النجاة».

الالتزام بالسنّة وآداب إقامة مجالس الإمام الحسين عليه السلام - كيف نكونُ من ركّابِ سفينةِ النجاة؟ معاييرِ التمسكِ بنهجِ الإمام الحسين عليه السلام

10
  • حسنًا، كيف تكون سفينة الإمام الحسين عليه السّلام سفينةً؟ وما هي الأعمال التي تقوم بها؟ التعليمات التي أعطاها بنفسه، والأحاديث التي قالها، والأعمال التي قام بها، يجب على الإنسان أن ينظر إليها واحدة تلو الأخرى، ويعمل بها! هذا هو معنى سفينة النجاة! أن ينظر إلى أعمال الإمام الحسين، فتكون سفينة نجاة. أن ينظر إلى حركة الإمام الحسين، فتكون سفينة نجاة. أن ينظر أين توقّف الإمام، فيتوقّف، وأين تحرّك، فيتحرّك.

  • ليس الأمر أنّ السفينة تتحرّك في كلّ مكان؛ فهذه السفن التجاريّة التي تُسافر من هنا إلى هناك، تتوقّف في بعض الأماكن؛ فلو تحرّكت، لقلبتها الأمواج.. لا شكّ في ذلك! ترى سفينةً طولُها مائة وسبعون مترًا تنقلب! يجب أن تقف، ولا يجب أن تتحرّك. يقفون حتّى تهدأ شدّة الأمواج، ثمّ يُواصلون مسيرهم. في بعض الأماكن، يجب أن يعمل المُحرّك بكامل طاقته ليتمكّن من مقاومة الموجة. أين يجب أن يقف؟! هذه أمور لا أعرفها! يعرفها ذلك الملاّح، قائد السفينة، ذلك القبطان الذي يقودها؛ فهو يعلم أنّ هذه الموجة الآن هي موجة تتطلّب أن يعمل المُحرّك بكامل قوّته، ليتمكّن من مواجهتها. وفي بعض الأماكن، يجب أن يقف. وثمّة مصطلح يُشار إليه بـ "الحركة العرضيّة"؛ فإذا تزامنت هذه الحركة مع تيّاراتٍ أو حركةٍ مواجهة (من الأمام)، فإنّها قد تُؤدّي قطعًا إلى انقلاب السفينة، لا سيّما في الحالات التي تكون فيها السفينة ذات حمولةٍ زائدة، ممّا يرفع من مساحة سطحها المُعرَّض للرياح. هذه كلّها حسابات يقومون بها؛ فليس الأمر أنّهم يجب أن يتحرّكوا دائمًا.

  • الإمام الحسين عليه السلام لم يكن يتحرّك في بعض المواضع، بل كان يقف؛ وفي بعض المواضع، كان يتكلّم. قيامُه، قعوده، جلوسه، كلُّه بحساب. لم يُحارب الإمامُ معاوية لمدّة عشر سنوات، مع أنّه كان بإمكانه أن يقول: «تلك المعاهدة مرتبطة بأخي، فما علاقتي بها؟! أخي عاهد على الصلح. حسنًا، لو كان حيًّا، لكان هو المسؤول. أمّا أنا فلست مسؤولاً، فأنا لم أقم بهذا العمل! والآن، هو ليس موجودًا، فيُمكنني أن أقول لمعاوية: أنا لم أعاهدك! وإذا قال معاوية: "أنت إمام [ويجب أن تعمل كما عمل الإمام السابق]"، [لأجبته:] "إذا كنتُ أنا الإمام، فلماذا جلستَ أنت مكاني؟! هيّا، انزل!"».

الالتزام بالسنّة وآداب إقامة مجالس الإمام الحسين عليه السلام - كيف نكونُ من ركّابِ سفينةِ النجاة؟ معاييرِ التمسكِ بنهجِ الإمام الحسين عليه السلام

11
  • هناك كلام يُمكن قوله، ولكنّ الإمام حافظ على احترام معاهدة أخيه بوصفه إمامًا لا بوصفه أخًا، بل بوصف الإمامة. فالإمامة كلمة واحدة، والأئمّة نور واحد يتشكّل بأشكال مختلفة في الأزمنة المتوالية. لكلّ واحد منهم ظهور؛ ولكنّ النور واحد، والحقيقة واحدة، والمبدأ واحد.

  • علينا أن نجد هذه الحقيقة في الإمام الحسين عليه السلام. وبالمناسبة، كلّ هذه الأمور كانت موجودة في الإمام الحسين. أي أنّ الإمام الحسين كان له صلح، وحرب، وسكوت، وحديث، وحركة، وطريقة تعامل مع مختلف الأفراد. أي أنّه من النادر بين الأئمّة عليهم السلام أن تجد إمامًا قد جرّب في حياته كلّ الحالات المختلفة للحياة؛ ولكن، في حياة الإمام الحسين، كانت تجربة كلّ هذه الأمور موجودة.

  • آفاتُ المجالس الحسينيّة: هل العزاء الصادق صراخٌ وتمثيل؟

  • ما هي سفينة النجاة هذه؟! هل هي فقط أن نأتي، ونُقيم موكبًا، ونلطم على رؤوسنا؟! هل هذه أصبحت سفينة النجاة؟! حسنًا، نحن نرى أنّ هذا لا يُفيدنا! أم أن نأتي، ونصرخ باستمرار في المجالس لنحجز لأنفسنا مكانًا أكبر في سفينة النجاة هذه! لنذهب، ونحجز مقاعدها المريحة! فالسفينة لها درجة أولى وثانية وثالثة! الدرجة الأولى مقاعدها مريحة، والثانية والثالثة خشبيّة! مثل القطار! يا سيّدي، هل كلّما صرخنا أكثر، يضعوننا في مكان أفضل في السفينة ويُقدّمون لنا ضيافة خاصّة؟! أم نضع الطين على رؤوسنا، ونتخيّل أنّنا أصبحنا الآن من مريدي الإمام الحسين كثيرًا، وأنّ عاشوراء قد أرهقتنا ودمّرتنا، فوضعنا الطين على رؤوسنا! كلّ هذا تمثيل يا عزيزي! هذا استخفاف بالإمام الحسين عليه السّلام!

  • يضع الطين على رأسه مَن يسير مثل الإمام الحسين وحبيب بن مظاهر؛ لا من يقوم بألف عمل خاطئ وافتراء وكذب وسخريّة في الخارج، ثمّ يضع الطين على رأسه، و[يقول] إنّه وضعه للإمام الحسين! الويل لك من هذا الطين! ما معنى وضع الطين؟! تعال، وأصلح فكرك! لا تتّهم رفيقك في غيابه! لا تغتب رفيقك في غيابه! الإمام الحسين عليه السّلام ـ بوصفه سفينة النجاة ـ يُعلّمنا هذه الأمور؛ لا وضع الطين والسير حفاة في يوم عاشوراء، والذهاب هنا وهناك. هذه ليست متابعة لسفينة النجاة؛ هذه هي الأعمال التي يقوم بها الناس والعوامّ، ويتصوّر الإنسان أنّ هذا هو أصل القضيّة.

الالتزام بالسنّة وآداب إقامة مجالس الإمام الحسين عليه السلام - كيف نكونُ من ركّابِ سفينةِ النجاة؟ معاييرِ التمسكِ بنهجِ الإمام الحسين عليه السلام

12
  • أحيانًا، عندما أنظر إلى صور ومقاطع فيديو لبعض مجالس العزاء هذه، أرى أنّها كلّها تصنّع! إنّها تصنّع محض! أي أنّ ذلك المتحدّث وذلك الشخص الذي يقرأ هذه المراثي يُسيطر ـ بنوع من البراعة، وبنوع من الكلام والكلمات ـ على مشاعر المخاطب، ليجعله يبكي بأيّة طريقة كانت! أين ورد في الروايات أن نُعزّي بهذه الطريقة؟! ما لدينا في الروايات هو أن تأتوا، وتقرأوا المقتل، و «مَنْ بَكَى أَوْ أَبْكَى أَوْ تَبَاكَى وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ»،۱ حيث تُشير رواية الإمام الصادق عليه السلام وغيره إلى هذه المسألة.

  • من يُريد أن يقرأ المقتل، لا ينبغي له أن يُبيّن المسائل بطريقة تجعل الإنسان يبكي من منطلق المشاعر؛ بل يجب على الإنسان أن يبكي من منطلق الفهم. بكاء المشاعر سيتحوّل بعده إلى ضحك المشاعر! هؤلاء الذين يبكون هكذا بنحيب، ويلطمون على رؤوسهم، وحتّى أنّهم يجرحون رؤوسهم أثناء الخطبة غيرها، انظروا إليهم بعد نصف ساعة ماذا يقولون لبعضهم البعض، وأيّ مزاح يمزحونه! حسنًا، هذا هو نفسه الذي كان المرء يتخيّل قبل نصف ساعة أنّه يُمزّق نفسه، وأنّه يجب على أحدهم أن يوقفه لئلاّ يُؤذي نفسه! ثم انظروا إلى سخافاته! هل حالة البكاء التي كانت لديه تبقى معه حتّى الليل، ويبقى في هذا الحزن؟! أم أنّهم يتشاجرون على فخذ دجاجة، ويسحبونها من أيدي بعضهم البعض، ويُوجّهون لبعضهم البعض بعض التعليقات الساخرة! مع أنّه يوم عاشوراء مثلاً!

  • هذه الطريقة في التصرّف والعزاء تُخرج الإنسان من سفينة النجاة، لا أنّها تُدخله فيها. أن يصبح همُّ الإنسان هو اللطم على الصدور والعزاء والصراخ ورفع الصوت والصياح وهذه الأمور! هل نجد في مجالس الأئمّة أنفسهم (الإمام السجّاد أو الإمام الرضا أو الإمام الصادق الذين كانوا يعقدون المجالس) أنّهم كانوا يُعزّون بهذه الطريقة، فيصرخون ويسقطون ويلطمون على رؤوسهم؟! هل رأينا مثل هذا؟! كلاّ! كان الإمام يجلس جانبًا، وذلك الناعي يقرأ العزاء، وقد يُغشى على أحدهم في هذه الأثناء.. لا بأس في ذلك. لا بأس في فقدان الوعي. لا بأس في أن يفقد أحدهم وعيه بسبب مصيبة. لا بأس في أن يفقد الإنسان صوابه من مصيبة، ويرتفع صوته بلا إرادة؛ إنّما الإشكال في التمثيل! الإشكال في إظهار البراعة التمثيليّة! الشخص الذي لا تنزل من عينه دمعة بحجم جناح بعوضة، هكذا يرفع صوته، هذا هو الإشكال!

    1. كامل الزيارات، ص ۱۰٥، مع اختلاف يسير.

الالتزام بالسنّة وآداب إقامة مجالس الإمام الحسين عليه السلام - كيف نكونُ من ركّابِ سفينةِ النجاة؟ معاييرِ التمسكِ بنهجِ الإمام الحسين عليه السلام

13
  • رأيتُ مرّة مقطع فيديو لشخص كان ينظر إلى آخر، ويتحدّث معه؛ وفجأة، توجّهت الكاميرا نحوه. فما إن توجّهت نحوه، حتّى بدأ يطأطئ رأسه، ويبكي وينتحب! لا أعلم إن كنتم قد رأيتموه أم لا؟ كان يهتزّ بقوّة، كأمّ ثكلى! أنت قبل قليل كنت تنظر إلى الكاميرا وهنا وهناك! ولكنّه تأخّر قليلاً في إدراك أنّه يجب أن يتباكى؛ تأخّر ثانيتين أو ثلاث! لو كان أسرع، لكان أفضل، ولما فهمنا نحن!

  • هذه مسألة يجب الالتفات إليها. لقد نبّهتُ في أحاديثي السابقة مع الرفقاء إلى هذه القضيّة، وهي أنّ المقصود من هذه المجالس ليس الصراخ. يُمكن للإنسان أن يصرخ فوق الجبال وفي الوديان أيضًا!

  • في هذه المجالس، يجب أن تكون الأشعار أشعارًا تحكي عن تلك الواقعة بقيمها السامية. الأشعار التي تُتلى في النواح والمصائب وتُسبّب وَهنًا للإمام ومقامه، بحيث لو نظر إلينا الآخرون لقالوا: «على ماذا يبكي هؤلاء؟! فهذا الشعر لا يستدعي البكاء»، هذه الأشعار لا ينبغي أن تُقال. يجب أن تكون الأشعار مُبيّنةً لهدف الإمام ومدرسته. يجب أن تكون الأشعار بحيث عندما ينتهي المجلس، يشعر الإنسان أنّه يجب أن يُغيّر نفسه. حسنًا، في النهاية، لأيّ شيء مجلس الإمام الحسين؟! للتحوّل! للتغيير!

  • سؤالُ سيّد الشهداء يوم القيامة: أين نحن من تضحيات عاشوراء؟

  • سمعتُ مرّة كلامًا من المرحوم العلاّمة كان عجيبًا جدًّا بالنسبة لي. لا أعلم إن كان حديثه قد سُجّل أم لا. كان ذلك في أحد أعياد الفطر في زمن الشاه، قبل الثورة. كان يقول:

  • لو جاء سيّد الشهداء يوم القيامة، وحمل جسد ابنه عليّ الأكبر الممزّق، وأرانا إيّاه، وقال: «لقد فعلتُ هذا من أجل الإسلام ومن أجلكم؛ فكم خطوتم أنتم من أجل دينكم وهدفكم وصلاح أنفسكم؟»، فبماذا سنُجيب؟!

  • إنّه لأمر عجيب حقًّا! عندما يأتي امتحان، يتبيّن أنّ كلّ تلك الدروس والجلسات والمحاضرات في معرفة الإمام وغير معرفة الإمام، كانت مجرد «كَشْك»۱ (أي بلا قيمة)! يا رجل، حتى الكشك له قيمة؛ إذ يُطحن، ويُضاف إلى الحساء! لقد كانت مجرد زبد البحر، لم تكن سوى زبد! باسم الإمام الحسين، ولكن لتزيين الموائد!

    1. منتج غذائي يُصنع من اللبن أو الزبادي المجفّف، ويُعرف في بعض الدول العربية بأسماء أخرى مثل "الجميد" أو "الأقِط" أو "المضير"؛ وفي الثقافة الفارسيّة، يُضرب به المثل للتعبير عن الأشياء عديمة القيمة أو الهراء. المترجم

الالتزام بالسنّة وآداب إقامة مجالس الإمام الحسين عليه السلام - كيف نكونُ من ركّابِ سفينةِ النجاة؟ معاييرِ التمسكِ بنهجِ الإمام الحسين عليه السلام

14
  • إنّها لعبارة عجيبة جدًّا أن يأتي الإمام الحسين، ويقول [ما معناه]: لقد قدّمتُ عليّ الأكبر هذا لإحياء الدين؛ وقدّمتُ عليّ الأصغر هذا لإحياء الدين ولمكافحة الظلم وإقامة العدل والقسط ومنع الكذب والظلم والغشّ. أنت الذي تدّعي اتّباعي والتبليغ عنّي والزعامة النيابيّة عنّي بين الناس، ماذا فعلت؟! هل أعددت نفسك لتلقّي صفعة؟! ماذا؟! هل كنتَ مُستعدًّا لتلقّي توبيخ، أم صَمَتَّ؟! أنت الذي كنت تدّعي حتّى الآن: «أنّنا كلّ شيء، وأنّ الناس يجب أن يتوجّهوا إلينا، وأنّنا نُعمّر دنيا الناس وآخرتهم»، ومثل هذا الكلام؛ أنت الذي نشرت رسالتك العمليّة في كلّ مكان، ولم يبقَ إلاّ أن ترسلها إلى القمر لو كان لك مقلّدون هناك، كم أنجزت؟

  • قال أحد هؤلاء المشايخ في مشهد: «نعم، لقد كتب السيّد الطهرانيّ هذا في كتاب الروح المجرّد أنّ أستاذه كان في يوم عاشوراء فرحًا ويضحك! وهذا انحراف عن الدين وشرك». أي أنّ هذا الشيخ لم يُكلّف نفسه عناء قراءة هذه الصفحة من الكتاب؛ والآن، يدّعي المرجعيّة! انظروا إلى أين نسير! حقًّا، بأيّة مصائب ابتُلينا!

  • أحد هؤلاء المشهديّين بعد ذلك المجلس، أخذ كتاب الروح المجرّد وأراه إيّاه، وقال: «يا سيّدي، انظر، لقد قال هذا الكلام في هذه الصفحة؛ وفي الصفحة التي تليها، قال كذا». فأجاب: «عجبًا! عجبًا! عجبًا! لم يُخبروني بهذا!». حسنًا، والآن وقد أخبروك، والآن وقد رأيت، تعال، وقل شيئًا! حتّى الآن، وهو يوم السبت الموافق لكذا من المحرّم، لم يقُل كلمة واحدة! ثمّ نُقيم مجلسًا للإمام الحسين، ونُقيم موكبًا للإمام الحسين، وندعو: «يا أيّها العاشورائيّين، وكذا!»، وهذه الألاعيب!

  • شرطُ النجاة الحقيقيّ: كيف نُصلح أخطاءنا وافتراءاتنا؟

  • إذًا، ماذا حدث؟! سيأتي الإمام الحسين يوم القيامة، ويُحضر عليّ الأصغر أمامك، ويقول: عليك أن تُجيب عن هذا الحلق الذي أصابه السهم يا سيّدي العزيز! لا مجال لهذه الأعذار! عليك أن تُجيب عن هذا الجسد المقطّع! كان لي شابّ وكان لك شابّ، ولكنّ ظفرًا واحدًا من شابّي أشرف من ألف مثلك ومنهجك! ظُفر عليّ الأكبر المقصوص كان أشرف! لقد قدّمتُ هذا الشابّ من أجل الإسلام، ولكنّك لم تتراجع حتّى الآن عن كلمة واتّهام وجّهتَه إلى عظيم ووليّ من أولياء الله! لقد اتّهمته، وعليك أن تتراجع! أنت نفسك قلت هذا في رسالتك العمليّة! لماذا لا تتراجع؟!

الالتزام بالسنّة وآداب إقامة مجالس الإمام الحسين عليه السلام - كيف نكونُ من ركّابِ سفينةِ النجاة؟ معاييرِ التمسكِ بنهجِ الإمام الحسين عليه السلام

15
  • ذلك السيّد الذي يُؤلّف كتاب "تزكية النفس"، ثمّ يُقدّم المرحوم العلاّمة على أنّه من العرفاء الكذّابين، أليس هو مرجع تقليد؟! سيأتي والدنا يوم القيامة، ويوقفه، ويقول: «أين كذبتُ أنا؟! يا سماحة مرجع التقليد، أليس في رسالتك أنّ الكذب حرام؟! ألم تكتب أنت بنفسك في رسالتك العمليّة أنّ الافتراء حرام؟! هل كذبتُ أنا؟! ابني كان موجودًا، كيف لم تقبل عندما دعاك إلى المناظرة؟! كيف لم تقبل مجلّتُك عندما قال: إنّني سأُجيب عن هذه المسائل؟!».

  • والآن، أنا أيضًا أقول: جميع هؤلاء وجميع الأفراد وكلّ أحدٍ على وجه الكرة الأرضيّة كان لديه إشكال على مباني أو كلمة من كُتب وأبحاث والدي، فإنّني هنا أعلن عن دعوته إلى مناظرة علميّة علنيّة. تعالوا لنجلس ونتحدّث، ولنرَ ما هي حقيقة الأمر. لماذا لم تقبل؟! لماذا قلت: «حسنًا، أعطونا المقال الآن، وسنقوم بذلك في الوقت المناسب»؟! سيحضرونه، ويضعونه أمامك!

  • إذًا، كلّ هذه المدّة التي كنت تدعو فيها الناس إلى الإمام الحسين كانت كلّها كذبًا! طبعًا، الله تعالى لا يقف مكتوف الأيدي. في النهاية، ستحدث أمور، حتّى يسودّ وجهُ كلُّ من في قلبه غشّ! والناس جميعًا فهموا، جميعًا أدركوا. أولئك الذين لم يأكلوا التبن، ولم يتناولوا البرسيم، ما عدا هاتين الفئتين، البقيّة كلّهم فهموا ما هي المسائل وأين هي الحقيقة. يجب أن تُكشف هذه الأمور، ويجب أن تتّضح هذه المسائل.

  • السير خلف سفينة النجاة للإمام الحسين هو هذا. أي: بمجرّد أن تكذب على شخص عظيم، يجب أن تأتي فورًا، وتُصلح الأمر؛ حينها، تكون قد ركبت في سفينة النجاة. هل أخطأتَ؟ حسنًا جدًّا! نحن لا نقول إنّكم معصومون؛ أنتم لستم حتّى تراب أقدام المعصوم، فما بالك بالمعصوم! لا أحد يقول هذا الكلام. ولكن، أصلحوا الخطأ والاشتباه بالمقدار الذي تقدرون عليه؛ فهذا يُمكنكم فعلُه!

  • هذه القضيّة نفسها تحدث لنا أيضًا. في مكان ما، نطرح مسألة عن طريق الخطأ، ثم إذا أدركنا ذلك، يجب أن نذهب ونعتذر: «يا سيّدي، لقد سمعتُ هذه القضيّة بالطريقة الفلانيّة، لكنّها لم تكن كذلك؛ فأنا أعتذر، وأطلب المعذرة! من الآن فصاعدًا، يجب أن أكون أكثر دقّة في كلامي، وفي السند والانتساب والواسطة». حسنًا، هذا يحدث للإنسان، وقد حدث للجميع، وحدث للعظماء أيضًا. لا أنّه لم تكن لديهم هذه المسائل، بل كانت لديهم، ولكنّهم عملوا [بمقتضى الصواب]. كما قلتُ سابقًا، أحيانًا يقع الإنسان عمدًا في خطأ ليعبر من نقطة معيّنة؛ فإذا لم يقع فيه، فلن يعبر، بل سيبقى واقفًا في مكانه.

الالتزام بالسنّة وآداب إقامة مجالس الإمام الحسين عليه السلام - كيف نكونُ من ركّابِ سفينةِ النجاة؟ معاييرِ التمسكِ بنهجِ الإمام الحسين عليه السلام

16
  • كون الإمام الحسين سفينة النجاة يعني هذا! يعني أن ينظر الإنسان إلى عمل الإمام ومنهجه وطريقته واحدًا تلو الآخر، ويُلاحظه، ثم يرى إلى أيّ مدى هو نفسه ملتزم بذلك المنهج.

  • مائدةُ الإمام الرضا: درسان في التواضع وإدارة الأمور

  • تُفرش المائدة، فيقول الإمام الرضا عليه السلام: «يجب أن يأتي جميع أولئك الأفراد، ويجلسوا على المائدة». حتّى ذلك الشخص المسؤول عن الإسطبل، هو أيضًا يأتي.۱ كان منزل الإمام الرضا هكذا؛ كان الجميع يأتون. لم تكُن لديه مائدة من الدرجة الأولى يجلس فيها السادة الرؤساء جميعًا في غرفة وصالة، والسادة المرؤوسون والوزراء في مكان، والسادة المديرون في مكان آخر؛ وأمّا الذين هم في الأسفل، فيذهب هؤلاء المساكين إلى المطبخ، ويأكلون ما يجدونه!

  • كان الإمام الرضا يفرش المائدة، وكلّ من كان موجودًا ـ حتّى ذلك الغلام ـ عندما يجلسون، يأتي الإمام في الأخير، وكان الطعام بمقدار واحد للجميع؛ كلّه بنفس الكيفيّة ونفس المقدار.

  • هذه أمور يجب أن نفهمها ونعلمها. وفي الوقت نفسه، لو لم ينفّذ خادمُه ما يأمره به، كان يُعاقبه أيضًا قائلاً: «لماذا لم تفعل؟!». كلّ شيء في مكانه! لا أنّه لأنّنا أئمّة، فيجب أن نصفح! كلاّ، لا مجال للصفح هنا!

  • ذهب مأمور الإمام، ولم يتّفق على الأجرة مع أحدهم، وأحضره للعمل، فوبّخه الإمام وعاقبه قائلاً [ما معناه]: لماذا ذهبت، وأحضرت عاملاً، ولم تتّفق معه على الأجر؟٢ حسنًا، هذه أمور هي تعاليم! الحساب حساب، والصداقة صداقة. كلّ شيء له مكانه، ويجب أن يُراعى النظام.

  • يقول البعض: «لأنّ الإنسان يمشي في طريق الله، فيجب أن يتجاوز عن كلّ شيء!». كلاّ، لا مجال للتجاوز! هناك حساب! في موضع، يجب أن يتجاوز؛ وفي موضع آخر، يجب ألاّ يتجاوز! في موضع، يُريد الطرف الآخر أن يستغلّ الموقف، ثم إذا تجاوز الإنسان عنه، يقول: «ذهبتُ وخدعتُ الشيخ!». هذا هو المعنى! لا أنّه سيقول: «يا له من رجل متسامح، لقد تجاوز عنّي»، بل سيقول: «أرأيت كيف انخدع؟! تملّقتُه قليلاً، وأظهرتُ له بعض الحزن، فكسبتُ قلبه، ونجحتُ في مسعاي!». هناك، يجب أن يقف الإنسان بحزم، ويأخذ حقّه حتّى آخر درهم! نعم، عندما يرى أنّ الموضع موضع تجاوز، فتلك مسألة أخرى. هذا هو منهج الإمام.

    1. عيون اخبار الرضا، ج ٢، ص ۱۸٤:
      «نَصَبَ مَائِدَتَهُ أَجلَسَ مَعَهُ عَلىٰ مَائِدَتِهِ مَمَاليكَهُ وَمَوَاليَهُ حتَّى البَوّابَ السائِس‌».
    2. راجع: الكافي، ج ٥، ص ٢۸۸.

الالتزام بالسنّة وآداب إقامة مجالس الإمام الحسين عليه السلام - كيف نكونُ من ركّابِ سفينةِ النجاة؟ معاييرِ التمسكِ بنهجِ الإمام الحسين عليه السلام

17
  • مسؤوليّةُ إدارة المجالس: هل أبوابُ هيئات العزاء مفتوحةٌ بلا ضوابط؟

  • ولهذا، فإنّ إدراك هذه المسألة وتشخيصها يقع على عاتق الأفراد والرفقاء أنفسهم. قد يقول شخص: «كلاّ، أنا الآن في هذه الظروف وفي هذا الوضع، لا أرى مخالفة، وقلبي يميل إلى هذا الاتّجاه، ويميل إلى هذه الطريقة من الرثاء، وهذا النوع من المجالس، وهذا الأسلوب في الإدارة». حسنًا جدًّا، ما الإشكال في ذلك؟! أنا لا أقول: «يجب أن يُنفّذ رأيي!». بل أقول: «هذه الطريقة خاطئة!». ولكنّني لست معصومًا، ولا أدّعي العصمة. قد أكون مخطئًا في رأيي هذا، وقد أعود يومًا ما، وأقول: «لا يا سيّدي! أصلاً، وضعُ الطين على الرأس صحيح! بل بدلاً من قليل من الطين، يجب أن تضع قدرًا كبيرًا على رأسك!». هل هذا جيّد؟! حسنًا جدًّا! ولكنّني لم أصل إلى تلك المرحلة بعد. وما دمت لم أصل إليها، فأنا مكلّف بالعمل وفقًا لشعوري وإدراكي، ويجب أن أعمل بما أُشخّصه. بالطبع، المسألة أدقّ من هذا قليلاً؛ ولكن، لم أكُن في حالٍ يسمح لي بتناولها بالدقّة الكافية، لأُبيّن ما هي العلّة الأساسيّة هنا.

  • الآن، كلّ من يرغب في أن يكون كذلك، يُمكنه أن يقيم مجلسًا بتلك الطريقة. ما الإشكال في ذلك؟! لتكُن الجلسات بتلك الكيفيّة، وليكُن يوم عاشوراء بنفس النحو الذي يقولون فيه: «اصرخوا وصيحوا! اضربوا على الرؤوس! اضربوا الأبواب والجدران والأعمدة، ليتجلّى ذلك العشق والمحبّة للإمام الحسين أكثر! ثم مزّقوا أنفسكم!». اختاروا هذه الطريقة وهذا الجوّ! لا إشكال، ليكُن كذلك! والبعض الآخر لا يُفضّل هذا النوع، بل يُفضّل نوعًا آخر. حسنًا، لا يوجد سبب يدعوهم للمشاركة في مجلس أولئك. من قال إنّ عليهم أن يذهبوا؟! ليذهبوا ويُقيموا مجلسًا لأنفسهم.. كلّ على طريقته. لا يوجد انقسام، ولا مخالفة، ولا مشكلة! هذا الشخص يُفضّل المجلس الهادئ بظروفه الخاصّة، وهناك مجموعة أخرى تُشخّص، وتفضّل ذلك النحو، وتعيش في ذلك الجوّ. حسنًا، لا عيب في هذا ولا إشكال!

  • ولكن، بما أنّ صاحب كلّ منزل يُعقد فيه المجلس هو المسؤول عن تدبير ذلك المجلس وإدارته، فإنّني لا أستطيع أن أرفع المسؤوليّة عن نفسي.

الالتزام بالسنّة وآداب إقامة مجالس الإمام الحسين عليه السلام - كيف نكونُ من ركّابِ سفينةِ النجاة؟ معاييرِ التمسكِ بنهجِ الإمام الحسين عليه السلام

18
  • أنا بنفسي رأيتُ مرارًا في زمن المرحوم العلاّمة الطهرانيّ أنّ بعضهم كان يُريد أحيانًا أن يتصرّف خارج البرنامج، فكان يُنبّههم ألاّ يفعلوا ذلك! أو عندما كان شخص يُريد أن يذهب ليقرأ العزاء، كان يُعتقد أنّه قارئ عزاء للإمام الحسين، فما الفرق؟! لقد جاء من أجل الإمام الحسين، فلا ينبغي منعه! ولكنّه رضوان الله عليه كان يقول: «كلاّ! قارئ العزاء مُعيَّن، والمُنشد مُعيَّن، والخطيب مُعيَّن؛ ولا يحقّ لأيّ شخص آخر أن يقوم بهذا العمل!». لماذا؟! لأنّ المجلس في منزله. لو كان المجلس في منزل آخر، لكان بإمكان ذلك الشخص أن يسمح لكلّ من هبّ ودبّ أن يأتي، ويقرأ العزاء! كلّ من يدخل من الباب يقولون له: «يا سيّدي، اذهب إلى هناك!». يوجد مثل هؤلاء في المواكب. كلّ من يدخل يقولون: «ما شاء الله! لقد أتى الحاج فلان! يا سيّدي، تعال، واحمل الميكروفون، وأفض علينا من بركاتك!».

  • ذهبتُ مرّة إلى مكان ما، وكان أحدهم يُمسك الميكروفون، فقلت في نفسي: يا رجل، هذا الذي خلف الميكروفون جزّار أم قارئ عزاء؟! هيئته كانت أقرب إلى الأولى! كان ذا عنق غليظ! فأنا لم أرَ قارئ عزاء بهذه الهيئة! كان يقول بلهجة أهل الفتوّة: «لقد أتى الحاج فلان، ارفعوا أصواتكم بالصلاة لمَقدمه! فقط بيتان من الشعر! أفِض علينا من بركاتك ببيتين من الشعر!».

  • حسنًا، البعض يُعجبه هذا، ويُحبّ الأمر بهذا النحو. ولكنّني لا أُفضّله بهذا النحو؛ ولهذا، في المجالس التي تُقام في منزلنا، نمنع هذا التصرّف؛ ومن يُريد الدخول بهذه الكيفيّة، نطرده؛ والأفراد الذين يُريدون رفع أصواتهم خارج الحدود، نُخرجهم. ولكن، هؤلاء أنفسهم يُمكنهم أن يقيموا مجلسًا في مكان آخر وفي جوّ آخر. ليلة عاشوراء، ليكُن مجلس في منزلنا، فمن أراد هذا الأسلوب فليأتِ؛ والذين لا يريدونه، فلا بأس أن يقيموا مجلسًا في مكان آخر. وهكذا في الليالي الأخرى، إذا رأى الأفراد أنّه قد تكون هناك صعوبة في بعض الأماكن ولا يستطيعون العزاء، فيُمكنهم إقامة مجلس في مكان آخر. حسنًا، لا يُمكن منع مجلس الإمام الحسين. كلّ شخص يُمكنه أن يُقيم مجلسه الخاصّ بنفس الكيفيّة والتشخيص الذي يراه، ولا إشكال في ذلك. في هذه الحالة، لن يكون هناك كلام أو نقل أو مسألة. أعتقد أنّ هذه الطريقة هي الأسلوب الذي يُمكن للأطراف من خلاله أن يصلوا إلى ما يُفضّلونه في أذهانهم ونيّاتهم.

الالتزام بالسنّة وآداب إقامة مجالس الإمام الحسين عليه السلام - كيف نكونُ من ركّابِ سفينةِ النجاة؟ معاييرِ التمسكِ بنهجِ الإمام الحسين عليه السلام

19
  • هذا الأمر كان موجودًا حتّى في السابق. كنّا نرى أنّ البعض، مثلاً، يجدون مجلس المرحوم العلاّمة الرسميّ ـ الذي يُعقد في الصباح ـ قليلاً بالنسبة لهم. كانوا يشعرون بأنّه يجب عليهم الذهاب إلى مكان ما، واللطم على صدورهم لساعتين أو ثلاث، ليقولوا: «آه! الحمد لله، لطمنا على صدورنا الآن! نعم يا عزيزي! ربع ساعة أو عشرون دقيقة في الصباح لا تكفي للعزاء على الإمام الحسين!». حسنًا، الأذواق تختلف.

  • على كلّ حال، أردتُ أن أعرض هذه المسألة على الرفقاء أيضًا. الرفقاء على دراية بالمسائل التي عرضتها عليهم، ولا يستطيع أحدٌ أن يقول إنّه لا يعلم ويدّعي عدم الاطّلاع. هذا الادّعاء بعدم الاطّلاع هو إبداءٌ لرأي مخالف!

  • الإمام الحسين عليه السلام للجميع، وليس لفرد واحد أو طائفة واحدة أو شخص واحد. إذا افترضنا أنّ شخصًا يشعر حقًّا… وأنا قلتُ منذ البداية إنّ المسائل التي أعرضها على الرفقاء كلّها تشخيصي الشخصيّ، وقد أكون مخطئًا. أنا أتحمّل مسؤوليّة كلامي بنفسي؛ ولكن، إذا أراد الآخرون أن يعملوا بأقوالي هذه، فعليهم أن يُجيبوا بأنفسهم يوم القيامة! أي: إذا جاء شخص يوم القيامة وقال: «أيّها السيّد الطهرانيّ! لأنّك تكلّمت، وتصرّفت هكذا، فعلتُ أنا مثلك»، سأقول: «كان بإمكانك ألاّ تفعل!».

  • أنا مسؤول عن كلامي، وإذا كان لديّ جواب يوم القيامة، فسأكون أنا المسؤول عن كلامي. ولكن بالنسبة للأفراد الآخرين، مَن قال إنّني يجب أن أكون مسؤولاً؟! أنا لستُ إمامًا ليكون كلامي حجّة يوم القيامة، وليقول الأفراد أمام الله تعالى: «لقد أصغينا لكلام فلان». تلك الحجيّة فقط للأربعة عشر معصومًا. طاعة الأربعة عشر معصومًا لها حجيّة ذاتيّة؛ وإذا عمل أحدٌ وفقًا لما يقوله المعصومون، فإنّه حينئذ يتمتّع بالحجيّة الذاتيّة. ولكنّني أقول، وقد قلتُ مرارًا للرفقاء، إنّني لستُ معصومًا، ولا أحمل تلك الألقاب الشائعة جدًّا! أنا كأحد الرفقاء الآخرين؛ ولكنّني أمتلك مبانٍ اكتسبتها من خلال علاقتي بالعظماء خلال هذه الفترة الطويلة، ولا أستطيع أن أتجاوز تلك المباني. غير أنّي لا أُلزم الأفراد الآخرين بهذه المباني؛ أي أنّني لستُ في موقعٍ يسمح لي بالإلزام.

الالتزام بالسنّة وآداب إقامة مجالس الإمام الحسين عليه السلام - كيف نكونُ من ركّابِ سفينةِ النجاة؟ معاييرِ التمسكِ بنهجِ الإمام الحسين عليه السلام

20
  • قد يقول شخص ما:

  • يا سيّدي، لقد رأيتُ أنّ العمل الفلانيّ جيّد جدًّا. فوضعُ الطين على الرأس جيّد جدًّا، وهذا النحو من تلاوة الأشعار جيّد جدًّا، وهذه الأصوات (مثل صوت بيس بيس بيس بيس)۱ والأطوار التي نراها بين الأشخاص الآخرين جيّدة جدًّا، بل يجب أن يكون الرثاء والوضع في الأساس هكذا؛ وعشق الناس ومحبّتهم ينجذبان أكثر إلى هذا الاتّجاه، ولهذا، يجب علينا هنا أن نتسامح ونتساهل.

  • أمّا أنا، فلا أستطيع أن أتسامح، وإذا كانت هناك حجيّة في هذه القضيّة، فكلّ امرئٍ أدرى بنفسه.

  • ولكنّ المجالس التي تُعقد في البيت المستعار لهذا العبد الفقير يجب أن تكون وفقًا لهذا الميزان. كما لاحظ الرفقاء، عندما شعرتُ أنّ حضور بعض الأشخاص مُضرّ بالمجلس، منعتهم، وقلت: «لا يحقّ لهم المجيء؛ وإذا جاءوا، فسيتمّ التعامل معهم بشدّة!». وقد أثار هذا الفعل منّي اعتراض الكثيرين، وسمعتُ أنّهم قالوا: «لا ينبغي للإنسان أن يُقيّد مجلس الإمام الحسين، ويجب أن يكون بابه مفتوحًا للجميع».

  • بالمناسبة، يجب أن يكون مجلس الإمام الحسين مُنظّمًا جدًّا! هل تُحضرون مريضًا بالوباء إلى مجلس الإمام الحسين ليُصاب الجميع بالوباء، أم تطردونه؟ لأنّك أنت أوّل من سيُصاب بالوباء! هل تُحضرون شخصًا لديه مرض وبائيّ إلى مجلس الإمام الحسين؟! هل تُحضرون من يأتي ليشتم إلى مجلس الإمام الحسين؟! هل تُحضرون شخصًا بينكم وبينه حسابات إلى مجلس الإمام الحسين؟! أم كلاّ! بل بالعكس، مجلس الإمام الحسين هو مجلس يجب أن تكون فيه أفضل الضوابط ويحضره أفضل الأفراد. ما الفرق بين مجلس الإمام الحسين هذا ومجلس الله؟! ما الفرق بينه وبين مجلس الذكر؟! حسنًا، في هذه الحالة، يجب أن يأتي الجميع إلى مجلس الذكر أيضًا! هل هناك فرق بين الإمام الحسين وبين الله تعالى؟! مجلسٌ يعقده الإنسان عصر الجمعة للذكر أو لدعاء السمات؛ لماذا لا ينبغي لجميع الأفراد المشاركة فيه؟! سيقولون هم أيضًا: «نحن أيضًا نريد أن نأتي، ونستمع لدعاء السمات! ماذا تقولون؟! نحن أيضًا قلوبنا تشتاق لسماع دعاء السمات! هل دعاء السمات لكم وحدكم؟!». هذه مسائل يجب أخذها بعين الاعتبار. ولهذا، سأُبدي ردّة فعل تجاه هذه المسألة من الآن فصاعدًا.

    1. إشارة إلى ما يفعله بعض قرّاء العزّاء من ترديد نداء (حسين حسين حسين حسين) بطريقة تجعله يبدو عند السامع كأنّه يقول: (بيس بيس بيس بيس). المترجم

الالتزام بالسنّة وآداب إقامة مجالس الإمام الحسين عليه السلام - كيف نكونُ من ركّابِ سفينةِ النجاة؟ معاييرِ التمسكِ بنهجِ الإمام الحسين عليه السلام

21
  •  

  • اللهمَّ صلِّ علىٰ محمّدٍ وآلِ محمّدٍ