11

كيف نعرف الله تعالى بصفاته وذاته؟

أثر رحمانيّة الله في الفقه والحجّ نموذجًا

1
مشاهدة المتن

المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني

القسمدعاء أبي حمزة الثمالي

المجموعةسنه 1418

التاريخ 1418/10/01

جلسات المجموعة(11 جلسة)

التوضيح

كيف تتبدل رؤية الإنسان للأشياء بتبدّل سعته الوجوديّة وصفاته الباطنيّة؟ ولماذا لا يمكن إدراك الرحمة الإلهيّة الحقيقية إلا بالتحقّق بها في رتبة رسول الله صلّى الله عليه وآله؟ وهل هناك فرق بين معرفة الحقّ عن طريق برهان الصديقين وبين معرفته بالإفاضة الإشراقيّة والشهود؟ وكيف يشرح الإمام السجّاد عليه السلام مقام الفناء في عبارة «بِكَ عَرَفْتُكَ»؟ يختتم سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهراني قدّس سرّه هذه السلسلة بالإجابة على هذه الأسئلة.

/۱۳
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

كيف نعرف الله تعالى بصفاته وذاته؟ - أثر رحمانيّة الله في الفقه والحجّ نموذجًا

1
  •  

  • هوالعلیم

  •  

  • كيف نعرف الله تعالى بصفاته وذاته؟ 

  • أثر رحمانيّة الله في الفقه والحجّ نموذجًا 

  •  

  • شرح دعاء أبي حمزة الثمالي - سنة ۱٤۱۸ هـ - الجلسة الحادية عشرة

  •  

  • محاضرة القاها

  • آية الله الحاج السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ

  • قدّس الله سره

  •  

  •  

كيف نعرف الله تعالى بصفاته وذاته؟ - أثر رحمانيّة الله في الفقه والحجّ نموذجًا

2
  •  

  •  

  • أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

  • بسم الله الرحمن الرحيم

  • الحمد لله رب العالمين

  • والصلاة على خير خلقه وأشرف بريته محمد

  • وآله الطيبين الطاهرين المعصومين

  • واللعنة على أعدائهم ومخالفيهم إلى يوم الدين

  •  

  •  

  • التناسب بين سعة العارف ومستوى معرفته بالله تعالى 

  • «بِكَ عَرَفْتُكَ وَأَنْتَ دَلَلْتَنِي عَلَيْكَ وَدَعَوْتَنِي إِلَيْكَ، وَلَوْلَا أَنْتَ لَمْ أَدْرِ مَا أَنْت» ۱

  • إلهي، أنا عرفتك بك لا بشيء غيرك، والدالّ عليك أنت لا شيء سواك، وأنت دعوتني إليك وأنت طلبتني إليك؛ ولولا أنت لم أدر من أنت وما أنت.

  • يبدو أنّ الليلة هي الليلة الأخيرة. وإن كان يبدو أننا لا نزال في أول الطريق، وهذه الفقرات تحتاج لبسط وشرح أكبر بكثير، ونحن أيضًا يجب أن نكون مستفيدين ومستفيضين؛ لكن إن شاء الله نجمع المطلب الليلة وبقدر بضاعتنا، إذا كان هناك فكرة ما نبيّنها.

  • تقدّم أنّ اللازم الذي لا ينفكّ والذي لا يقبل أن يتخلّى عنه في المعرفة، هو تحقق حقيقة واحدة وأمر ما في العارف والمعروف كليهما، حتّى يتمكّن العارف من الاطلاع على ذلك المعروف ويتمكّن من إدراك مقام المعروف. وبدون تحقّق تلك الحقيقة في نفس العارف، لا إمكان لوصول السعة الوجودية والعلمية للعارف إلى المعروف، ومن المستحيل أن يتمكّن العارف ـ سواء في العلم الحصولي في مرتبة علوم الظاهر أو في مقام الشهود والعلم الحضوري في مرتبة الباطن ـ من الإحاطة العلميّة بذلك المعروف؛ لذا يجب حتمًا أن توجد تلك الحقيقة في العارف. 

  • وتقدّم أنّنا نعلم مثلاً أنّ الله أرحم الراحمين، وصفة الرحمة والعطف موجودة في الله تعالى، والآيات والروايات الكثيرة والأدلّة العقليّة أيضًا شاهدة على هذا؛ لكن شرط إدراك معنى الرحمة في وجود الله تعالى، هي تحقّق هذا المعنى للرحمة في وجودنا؛ أي أنّنا بمقدار السعة الوجوديّة لهذا المعنى في ظرف نفوسنا، يمكننا الاطلاع على رحمة الله. 

  • هل رحمة الله كرحمة الأمّ بولدها أم كرحمة الأب بولده؟

  • لكن كيف هي رحمة الله؟ هل هي من قبيل رحمة الأمّ بالولد، أم من قبيل رحمة الأب بالولد؟ لأنّ رحمة الأم بالولد تختلف عن رحمة الأب به؛ فنحن الآباء، لا يمكننا أبدًا إدراك رحمة الأمّ بالولد وعطفها، لأنّنا لسنا أمّهات، وندرك مقدارًا ضئيلاً من تلك الرحمة. فالأب لا يدرك أصلاً في أيّة سعة وجوديّة هي الأمّ الآن وما هي حالتها بالنسبة للولد؛ ولو قال إنه يدرك، فهو يقول ذلك لا عن وعي. وكذلك الأمّ لا تدرك بأيّ نحو يملك الأب رحمة بولده وعطفًا عليه؛ لأنّ الأم تنظر إلى هذه الرحمة من وجهة نظر عاطفيّة وشعوريّة. لذا ترون أنّه يحصل اختلاف بين الأب والأم بالنسبة لكيفيّة تربية الولد؛ لأنّهما لديهما رؤيتان مختلفتان لشيء واحد. فلو كان لكليهما رؤية متساوية، لما وجد الاختلاف. 

    1. مصباح المتهجّد، ج ٢، ص ٥٨٢، فقرة من دعاء أبي حمزة الثمالي.

كيف نعرف الله تعالى بصفاته وذاته؟ - أثر رحمانيّة الله في الفقه والحجّ نموذجًا

3
  • فالمرأة تقول: لا تضرب؛ والرجل يقول: هنا أريد أن أضرب. هي تقول: أعطه حلوى هنا؛ وذاك يقول: لا أريد أن أعطيه. هي تقول: هنا كذا؛ ذاك يقول: لا، هنا صحيح. هذه الاختلافات هي بسبب الاختلاف في تلك كيفيّة الرحمة نفسها.

  • اختلاف الأحكام والتوجهات بسبب تفاوت الإدراكات

  • بما أنني أريد إنهاء البحث، سأقول هذا الأمرأيضًا: القسم الأعظم من مدركاتنا واستنتاجاتنا وأخذنا للنتائج وترتيبنا للكبريات والصغريات في المسائل والقضايا، يعود لكيفيّة صفاتنا وشاكلتنا. يعني ترى هذا الإنسان الآن واقعًا في موقع معيّن ويمتلك خصوصيّات معيّنة، لذا فهو ينظر إلى القضايا بنحو ما ويقضي ويحكم بنحو ما؛ لكنّا في السنة القادمة نرى أنه تغيّر. عندما تقع ظاهرة وقضية ما، فقد وقعت وهي غير قابلة للتغيير، والمسائل التي تقع في الخارج ليست باختيارنا وبيدنا؛ لكن القضاء والحكم على تلك المسألة هو باختيارنا. كيف أصبحنا اليوم نقضي بالنسبة لهذا الأمر هكذا، وغدًا ينقلب قضاؤنا؟! هل فكّرنا حتّى الآن في هذه القضيّة وأننا مثلاً اليوم نفتي بقبح هذه المسألة، وغدًا لا يتبدّل هذا القبح إلى عدم القبح فحسب، بل يتبدّل إلى حسن؟! هذا بسبب التغيّر والتحوّل فينا نحن؛ نحن تغيّرنا وتحوّلنا لنرى الأشياء متغيّرة ومتحوّلة؛ صفاتنا نحن تغيّرت وتحوّلت لنسري هذا التغيّر والتحوّل إلى الخارج؛ وإلا فالخارج لم يختلف، الخارج على ما كان، لكنّ رؤيتنا اختلفت. 

  • وهنا على الإنسان أن يكون حذرًا جدًّا وينظر للقضايا برؤية صحيحة ويحفظ نفسه بعيدًا عن المؤثّرات! أمير المؤمنين عليه السلام أنموذج عجيب لنا. فعندما ننظر في حياة أمير المؤمنين، نبهت ونصاب بالحيرة فقط! لأننا لسنا في ذلك الأفق، ولذا لا يمكننا أن ندرك۱. نحن لا يمكننا إدراك أن يأتي سيّد الشهداء بذلك المقام والموقعيّة ويأخذ من ذلك الإناء الذي أرسلوه من اليمن، مقدارًا من العسل للضيف بعنوان القرض، فيغضب أمير المؤمنين لدرجة أن يأخذ السوط ويريد معاقبة الإمام؛ هذه المسألة صعبة جدًّا علينا! لكنّ المسألة هي أنّ أمير المؤمنين، لا يعرف "الإمام الحسين" و"الإمام الحسن" عليهم السلام. أمير المؤمنين يعرف الحق فقط؛ فيقول: أنت الحسين، فلتكن، ولكن لماذا جئت قبل الموعد وأخذت عسلاً من هذا الإناء الذي أرسلوه من اليمن؟! لماذا أخذت سهمك بعنوان القرض قبل أن أقسّمه؟! ثمّ يقول: «لولا أني رأيت رسول الله صلّى الله عليه وآله يقبّل ثنيّتك لأوجعتك ضربًا»٢ هنا يغرق الإنسان فقط في عالم من الحيرة! ففي سرّ عليّ الحقّ فقط وفقط، ولا مفهوم للولد والبنوّة في وجوده أصلاً! أصلاً عليّ لا يدرك ولدًا وقومًا وقرابة في قبال الحقّ! أين نحن وأين هذه الحقائق؟! واقعًا عجيب! وهذه المسألة، مسألة مهمّة جدًّا أن يحبّ الإنسان شخصًا في وقت ما، ولذا يصحّح كلّ غلط يفعله ذلك الشخص ؛ وعندما يرفع يده عن تلك المحبّة، يقول له كلّ ما يخطر في باله من ذمّ ثمّ يبدأ باستخراج إشكالات عليه! هذه القضيّة عجيبة أن تكون وضعية الإنسان في وقت ما بحيث ينظر إلى كلّ الأمور بعين الإغماض ويمضي ويؤيد، وبعد سنة أخرى، أو سنتين، أو عدة سنوات يعود ويمر ويدقّق في كلّ واحد من الأعمال الماضية ويستخرج المشاكل ويظهرها؛ وأعلى من ذلك أن يأتي ويستخرج العيوب! القضايا لم تختلف؛ أنت نفسك كنت تؤيد في السنة الماضية وتظهر الرضا بالنسبة إلى هذه المسألة، لكن كيف تغيّرت القضايا فجأة وانقلبت؟! هذه المسألة موضع دقّة.

    1. لمزيد من الاطّلاع على أحوال أمير المؤمنين انظر على سبيل المثال معرفة الإمام ج٢ ص ٣٤.
    2. شرح نهج البلاغة، ابن‌ أبي ‌الحديد، ج ١١، ص ٢٥٣: نزل بالحسين ابنه ضيف فاستسلف درهمًا اشترى به خبزا و احتاج إلى الإدام فطلب من قنبر خادمهم أن يفتح له زقًّا من زقاق عسل جاءتهم من اليمن فأخذ منه رطلاً فلمّا طلبها عليه السلام ليقسّمها قال: يا قنبر أظنّ أنّه حدث بهذا الزقّ حدث. فأخبره فغضب عليه السلام و قال: عليّ بحسين. فرفع عليه الدرّة فقال: بحقّ عمّي جعفر. و كان إذا سئل بحقّ جعفر سكن. فقال: له ما حملك أن أخذت منه قبل القسمة؟ 
      قال: إنّ لنا فيه حقًّا، فإذا أعطيناه رددناه.
      قال: فداك أبوك و إن كان لك فيه حقّ فليس لك أن تنتفع بحقّك قبل أن ينتفع المسلمون بحقوقهم. أما لولا أنّي رأيت رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) يقبّل ثنيتك لأوجعتك ضربًا. ثم دفع إلى قنبر درهما كان مصرورًا في ردائه و قال: اشتر به خير عسل تقدر عليه. قال عقيل و الله لكأني أنظر إلى يدي علي و هي على فم الزق و قنبر يقلّب العسل فيه ثم شدّه و جعل يبكي و يقول: اللهم اغفر لحسين فإنّه لم يعلم .

كيف نعرف الله تعالى بصفاته وذاته؟ - أثر رحمانيّة الله في الفقه والحجّ نموذجًا

4
  • طريق إدراك حقيقة رحمانية الله

  • الآن كيف وبأي مقدار يمكن لهذا الإنسان تقييم معنى رحمانيّة الله؟ يجب أن تكون رحمانيّة الله هذه في وجود الإنسان ليدركها؛ لذا هو يدرك أنّ الله تعالى أرحم الراحمين بذلك المقدار الذي توجد فيه هذه الحقيقة في وجود الإنسان. لدينا في الروايات أيضًا أنّ رحمة الله بكم أكثر من رحمة الأب والأم. نحن نقول: جيّد جدًّا، الله يحبّنا؛ لا ندرك شيئًا أكثر من هذا. لكن هل أدركنا حقيقة رحمة الحقّ ورحيميّته ومنشأها أيضًا؟! الأب والأم اللذان لهما رحمة وعطف بالنسبة لولدهما، ذلك لأنه وُجد منهما؛ لكنّ الله ليس كالأب والأم لنكون قد وُجدنا منه. إذن أي رحمة وأيّ عطف يوجد هنا؟! فإذا أراد إنسان أن يفهم هذا العطف، فهو مصداق ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾۱؛ إذا أراد أحد أن يدرك رحمة الله هذه، فهو "رسول الله". لرسول الله عين جهة الرحمة التي هي للّه؛ أي نفس كيفيّة رحمة الحق بالنسبة للعباد، هي في رسول الله. لأنّ رؤية رسول الله بالنسبة لهذه الصفة الحسنى للحقّ تعالى تختلف عن رؤيتنا. 

  • فالأمّ التي لها رحمة لولدها، إذا جاء ولد وتشاجر مع ولدها، تأتي وتضرب ذلك الولد الآخر؛ لعلّ ولدها مذنب، لكنّها تأتي وتضرب الآخر، لأنّها تحبّ طفلها. لكنّ رسول الله ليس هكذا؛ بالنسبة لرسول الله لا يختلف الولد وغير الولد؛ لأنّ الحقّ لا يختلف عنده.

  • أشعار مولانا في قصور فهم الأفراد عن مقام الأولياء

  • رحم الله مولانا؛ هنا "يعصف" مولانا عصفًا عجيبًا جدًّا! لولا كتب هؤلاء العظماء، لكنّا محرومين من كثير من المعارف؛ والآن إذا أردنا التطرّق لهذا المطلّب، سيطول جدًّا. فحول صفة أولياء الله لديه أشعار عجيبة جدًّا تقول: أصلاً مقام بقائهم يختلف كليًّا عن مقام كثرتهم حين السير؛ السرور الذي لديهم يختلف عن سرور ما قبل؛ استحسانهم يختلف عن استحسان ما قبل. عندما يتحدّث عن شمس التبريزي، يقول: " 

  • يك دهان خواهم به پهناي فلك***تا بگويم وصف آن رشك ملك ٢
  • من چه گويم يك رگم هشيار نيست***شرح آن ياري كه او را يار نيست٣
    1. سورة الأنبیاء (٢١) الآية ١٠٧.
    2. مثنوی معنوی (مهدی آذر)، دفتر پنجم، ص ٨١٣.
    3. نفسه، دفتر اول، ص ١٠.

كيف نعرف الله تعالى بصفاته وذاته؟ - أثر رحمانيّة الله في الفقه والحجّ نموذجًا

5
  • يقول: أريد فمًا بعرض الفلك***لأصف ذلك الذي يحسده الملك 
  • ماذا أقول وليس لي عرق واحد صاحٍ***في شرح ذلك الخليل الذي لا خليل له؟!
  • وفي مكان آخر يبيّن صفات الأولياء مفصّلاً، فيقول:

  • كار پاكان را قياس از خود مگير***گرچه باشد در نوشتن شير، شير 
  • جمله عالم زين سبب گمراه شد***كم كسي ز ابدال حق آگاه شد 
  • همسري با انبيا برداشتند***اوليا را همچو خود پنداشتند 
  • گفته اينك ما بشر، ايشان بشر***ما و ايشان بسته خوابيم و خَور 
  • اين ندانستند ايشان از عمى***هست فرقي در ميان بي‌منتها 
  • هر دو گون زنبور خوردند از محل***ليك شد ز آن نيش و زين ديگر عسل 
  • هر دو گون آهو گيا خوردند و آب***زين يكي سرگين شد و ز آن مشك ناب 
  • هر دو ني خوردند از يك آب‌خور***آن يكي خالي و اين پُر از شكر 
  • صد هزاران اين‌چنين أشباه بين***فرقشان هفتاد ساله راه بين
  • اين خورَد گردد پليدي زو جدا***و آن خورد گردد همه نور خدا۱
  • يقول: 

  • لا تقس عمل الأطهار على نفسك *** وإن كان (لفظ) شير (بمعنى أسد) وشير (بمعنى حليب) في الكتابة واحدًا 

  • فالعالم كله ضلّ لهذا السبب *** وقلّ من اطلع على أبدال الحق 

  • ادّعوا المساواة مع الأنبياء *** وظنّوا الأولياء مثل أنفسهم 

  • قالوا ها نحن بشر وهم بشر *** نحن وهم مقيّدون بالنوم والأكل 

  • لم يعلم هؤلاء لعمىً *** أنّ هناك في البين فرقًا لا متناهيًا 

  • كلا نوعي النحل أكلا من محلّ واحد *** لكن صار من ذا سمّ ومن ذاك عسل 

  • كلا نوعي الغزال أكلا عشبًا وماء *** من هذا صار روثًا ومن ذاك مسك خالص 

  • كلا القصبتين شربتا من مشرب واحد *** وتلك فارغة وهذه ملأى بالسكّر 

  • وانظر لمئات الآلاف من هذه الأشباه *** وانظر للفرق بينهم مسيرة سبعين سنة 

  • هذا يأكل فتخرج منه القذارة *** وذاك يأكل فيصبح كله نور الله

    1. نفسه (میرخانی)، دفتر اول، ص ٨.

كيف نعرف الله تعالى بصفاته وذاته؟ - أثر رحمانيّة الله في الفقه والحجّ نموذجًا

6
  • وبصورة عامّة إنّ رؤية الأطهار تختلف إلى المسائل، زواجهم يختلف، معاملتهم تختلف، تجارتهم تختلف، جلوسهم وقيامهم يختلفان، الماء والطعام الذي يأكلونه يختلف. وكمثال، نحن نرى وليًّا للّه تزوّج، فنقول: لماذا فعل ذلك؟! أصلاً هذا المقام، ليس مقام شهوة؛ هذا المقام، مقام آخر؛ هذا المقام، مقام تقييم المصلحة الكليّة؛ هذا يختلف عن رؤيتنا حيث نرى أيّ أحد فنسير خلفه ونطلبه؛ عمله لا ربط له أصلاً بهذه المسائل والأمور! أو مثلاً نرى وليًّا اشترى لنفسه المكان الفلاني، لاحظ الوضعيّة الفلانيّة، أجرى المعاملة الفلانيّة، أجرى التجارة الفلانيّة، سافر إلى المكان الفلاني؛ كلّ هذه مسائل يجب أن تُبحث في أفقين مختلفين كليًّا ولا يمكننا النظر إلى الأمور برؤية واحدة. ومولانا يقول هنا: لهذا، يضلّ خلق كثير حين يقيسون ويقولون: لماذا هو هكذا ونحن هكذا؟! إن كان هذا الطريق صحيحًا، فلماذا يفعل هو هذا؟! والحال أنّهم لا يعلمون أنّه يسير الآن في مسائل أخرى بعيدة كليًّا عن حيطة إدراك إنسان كهذا.

  • إدراك صفات الله بما يتناسب مع السعة الوجوديّة لكلّ إنسان

  • لذا نحن لا يمكننا إدراك مقام رحمة الله إلا بمقدار سعتنا الوجوديّة؛ نحن لا يمكننا إدراك مقام جلال الحقّ إلا بمقدار سعتنا الوجوديّة. فالله تعالى لديه عداوة وخصومة مع الكفار والمشركين ونحن نتخيّل أنّ عداوة الله مثل عداوتنا! أحدهم أخذ مالنا وذهب، فنحن نلحق به ونضربه ونريق ماء وجهه ونعاقبه بكذا وكذا! أحدهم أراق ماء وجهنا وتعرّض لكرامتنا، فنحن أيضًا نريق ماء وجهه ونسيء إلى كرامته، فنظهر مشكلاته وخفاياه ونعلن أنه لديه هذه العيوب! أحدهم ضربنا صفعة، فنحن أيضًا نضربه صفعة في المقابل! نحن نقيس الله على أنفسنا، لكنّ هل الأمر بالنسبة إلى الله هكذا أيضًا؟! هل واقعًا لدى الله عداوة مع أحد؟! هل لدى الله عداوة مع شمر ويزيد؟! هل لدى الله عداوة مع الشيطان؟! هل الله عدوّ للكفّار والمشركين؟! حسنًا هؤلاء من أين جاؤوا؟! أليس هؤلاء وجود الله نفسه؟! ما هي صورة وكيفيّة العداوة فيهم؟ القضية هناك بأيّ نحو؟ إذن هذه الآيات التي جاءت في القرآن بالنسبة للكفار، لماذا؟ ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزينَ فِي الْأَرْضِ﴾۱؛ ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ﴾٢؛ ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ﴾٣؛ ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾٤. معنى هذه الآيات هو أنّه لا يظنّن أولئك أنّهم [خارجون عن سلطاننا]. ونحن لا يمكننا إدراك ذلك إلا أن نطّلع نحن أيضًا على تلك المرتبة من الربوبيّة وعلى كيفيّة الارتباط بين الله وبين هؤلاء. فإذن لا إمكان لأن يجد الإنسان سبيلاً لصفات الحقّ إلا أن يعطي الله تعالى للإنسان من تلك الصفة والنعت الموجود في وجوده.

    1. سورة النور (٢٤) الآیة ٥٧.
    2. سورة إبراهیم (١٤) الآية ٤٧.
    3. سورة آل عمران (٣) الآیة ١٧٨.
    4. سورة إبراهیم (١٤) الآیة ٤٢.

كيف نعرف الله تعالى بصفاته وذاته؟ - أثر رحمانيّة الله في الفقه والحجّ نموذجًا

7
  • معرفة صفات الله فقط بواسطة إفاضة تلك الصفة في وجود الإنسان

  • الآن الكلام في أنّه مَن غير الله يمكنه إعطاء هذه الصفات للإنسان، ومن أين يجدها الإنسان؟! الله تعالى يملك صفات منحصرة بذاته ومنسجمة مع مقام التجرّد التام والإطلاقي الذي هو له، فصفاته مناسبة لذلك التجرّد التامّ والإطلاقيّ واللاحديّ؛ ومن جهة أخرى، كلّ الأشياء والموجودات عالقة في عالم التعيّن والتقيّد.

  • فإذا أراد الإنسان الوصول إلى تلك الكيفيّة من الصفة والنعت الإلهيّين، فمن أين يمكنه تحصيلها؟ الله نفسه يجب أن يعطي. فإذن إعطاء هذه الصفة للإنسان هو من الله، وعبارة عن معرفة الإنسان بصفة الله هذه في هذا الحدّ. عندما نصبح ذوي جانب من الرحمة والرحيميّة والعطف، هناك يجب أن ندرك أن الله تعالى تفضّل علينا بهذه الصفة في تلك اللحظة؛ وإلا لكنّا قساة القلوب. عندما نصبح ذوي صفة قهاريّة وغضب، يجب أن نعلم في تلك اللحظة أنّ حقيقة المظهر وظهور هذه الصفة في عالم الإمكان، تجلّت في وجودنا بواسطة الحقّ. وعندما نصبح ذوي صفة عطاء ونساعد الفقير، هناك يجب أن نعلم أنّ الحقّ تعال تفضّل علينا واعتنى بنا وجعل هذه الصفة في وجودنا لنساعد الفقير؛ وإلا لو مرّت مائة سنة لما دخلت يدنا في جيبنا. 

  • فإذن كلّما وجدنا حالة رحمة وعطف فيجب أن نعلم أنّ جنود الرحمن جاؤوا، وكلّما وجدنا حالة إيثار فيجب أن نعلم أن جنود الرحمن جاؤوا، وكلّما وجدنا جهة تعقّل وتدبّر فيجب أن نعلم أنّ جنود الرحمن جاؤوا؛ لذا في تمام تلك اللحظات، جاء جنود الرحمن وأعطيت هذه الصفات للإنسان.

  • ارتقاء إدراك صفات الله بالمراقبة وحفظ العنايات الإلهية

  • كم هو جيّد أن يحفظ الإنسان هذه الحالات لنفسه ولا يضيّعها. فقولهم: «يجب أن يكون للسالك مراقبة»، هو لأجل حفظ هذه الحالات. فالإنسان عندما يحفظ هذه الحالات، يضاعف الله له في هذه الصفة أيضًا، ويزيد في كيفيّتها، يغيّر فيها، ويعطيه بصيرة فيها. فاليوم لديه بصيرة ما بالنسبة لرزاقيّة الله، فإن راقب، يرى غدًا أنّ الرزاقيّة تغيّرت؛ وإن راقب أيضًا، يرى بعد غد أن رزاقيّة الله تجلّت بنحو آخر؛ وفجأة ترى أنّه مرّت عشرون سنة وهو يرى رزاقيّة مختلفة طوال العشرين سنة؛ مرّت عشرون سنة وهو يرى علمًا مختلفًا؛ مرّت عشرون سنة وهو يرى قدرة مختلفة؛ مرّت عشرون سنة وهو يرى حياة مختلفة. وذلك الذي يراه بعد عشرين سنة، لم يكن له في اليوم الأوّل، فالله أعطاه هذا؛ راقب وحفظ، و﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾۱، والله أيضًا ضاعف له. لذا تنظر الآن فجأة فترى أصلاً أنّ الرزق، بشكل كلّي، ليس رزق الخبز والجبن؛ بل الرزق علم وأصلاً معنى الرزق يتغيّر كليًّا. بعد ذلك يضحك الإنسان على هذه التفاسير التي تقال حول الرزق؛ يضحك على هذه التفاسير التي تقال حول العلم؛ يضحك على هذه التفاسير التي يكتبونها في الكتب حول صفات الجمال والجلال. يضحك عليها كلها؛ لأنّ معاني وحقائق أخرى تجلّت له لم يكن يمكنه فهمها أبدًا في البداية! تمامًا كالطفل ابن الخمس سنوات الذي تريد تفهيمه لذة الزواج؛ هو لا يفهم شيئًا! لأنّ ظرفه لم يصبح ظرفًا مناسبًا بعد وموقعيّته لم تصبح موقعيّة مناسبة. لذلك لا بدّ للوصول إلى الصفات الجماليّة والجلالية للحق تعالى من ظرفيّة مناسبة، ولا بدّ من تجانس وتناغم، ولا بدّ من استعداد.

    1. سورة إبراهیم (١٤) الآیة ٧.

كيف نعرف الله تعالى بصفاته وذاته؟ - أثر رحمانيّة الله في الفقه والحجّ نموذجًا

8
  • علة عدم إمكان معرفة صفات الله بدون إفاضة من جانب الله نفسه

  • إذن الله تعالى يعطي هذه الصفات لهذا العبد، وبأيّ مقدار أعطى، يطّلع هذا العبد بنفس المقدار على صفات الحقّ. بناء على ذلك للوصول إلى صفات الحقّ يجب الاستعانة بالحقّ نفسه وهو نفسه يجب أن يعطي؛ غيره لا يستطيع أحد أن يعطي. لأن الكلام في أن الحق هو في مقام الإطلاق من حيث الصفات، ومن حيث الجمال، وفي مقام الإطلاق من حيث الكمال، فهو في مقام الإطلاق. وطبق قاعدة الإمكان الأشرف۱، يجب أن يكون الحقّ من حيث جميع الصفات الجماليّة والجلاليّة في مرتبة الإطلاق ويجب أن كون في حالة من عدم الحدّ والقيد. 

  • وبناء على ذلك لا بدّ للوصول إلى صفات الحقّ من عطاء من قبل الله تعالى نفسِه. هو يعطي فيطّلع الإنسان على صفات الله، ويصعد أعلى، ويرى عجبًا، يرى أنّ ما كان يراه سابقًا لم يكن شيئًا مهمًّا؛ ويصعد أعلى، فيرى عجبًا، وأنّ السابق أيضًا لم يكن شيئًا! [الذين لم يعطهم الله هذه المعرفة] لا تعلمون ماذا يصنعون بالناس وفي أيّ هول وهلع يوقعون الناس المساكين وماذا يفعلون وماذا يفعلون!! أغاث الله هؤلاء العباد من يد أمثال هؤلاء العلماء! وخصوصًا في مسألة طواف النساء التي هي خطيرة جدًّا! فالحجّ والعمرة لا خطورة فيهما، والجهاد في سبيل الله لا خطورة فيه، أمّا صلاة طواف النساء ففيها خطورة [في نظرهم]!! وخطرها أعلى من كلّ خطر! يقولون: «تحرم عليك زوجتك ولا يمكنك الزواج منها بعد!» والناس أيضًا بحيث لو أخذوا منهم نساءهم، فقد أخذوا منهم دنياهم وآخرتهم؛ لو خرب الجبل على رؤوسهم، لكان خيرًا من أن يقال: زوجتك حرام عليك! ماذا يريدون من الدنيا بعد؟! كان الدكتور سجادي يقول لي قبل بضع ليال: سألت أحدهم حول أعمال الحج فقلت: شككت في صلاتي وأتيت بركعة بعد الصلاة؛ فقال ذلك العالم: «صلاتك باطلة!» ثم قال: «تلفّظ الصاد أيضًا خطأ و...» الخلاصة أنّي صلّيت صلاة طواف النساء ثمان مرّات أو اثنتي عشرة مرّة! فأقسمت أن لا أضع قدمي في مكّة ما دمت حيًّا! فقلت له: صلاتك صحيحة؛ لأنّ الشك وقع بعد الفراغ ولا يعتنى بالشك الواقع بعد الفراغ من العمل. وقسمك هذا لا ينعقد؛ لأنّه كان بناء على جهلك. ثمّ قلت: تعال يا عزيزي لنذهب إلى العمرة معًا؛ اذهب وخذني معك إلى مكّة!! فقبل وقال: «حتمًا، السنة القادمة نذهب إن شاء الله.» 

    1. الإمكان الأشرف، مفهوم و قاعدة في الفلسفة الإسلاميّة وخاصّة في المدرسة الإشراقيّة والحكمة المتعالية، ومعناها أنّ وجود موجود ممكن وضعيف في سلسلة الموجودات يعني أنّ هناك موجودًا أعلى منه في مرتبة سابقة ومتقدّمة عليه. (م)

كيف نعرف الله تعالى بصفاته وذاته؟ - أثر رحمانيّة الله في الفقه والحجّ نموذجًا

9
  • قلت: تعال لتفهم لذّة الحج، وتفهم لذّة الطواف.

  • فكان يقول: كانوا يقولون لي: «تخيّل أنّ هناك مسطرة مقابل الجبهة وموازية للكعبة، وإذا ما حدت ميلاً واحدًا عن ذلك، فطوافك باطل!» وكنّا نطوف باستمرار. وفي نفس المكان الذي وقفت فيه، رفعت يدي وقلت: إلهي، إن كان هذا الحجّ الذي أقوم به، هو الحج الذي جاء به نبيّك، فأنا لا أقبل بنبيّك هذا! واقعًا ما هذه الجناية التي يرتكبونها؟! يا عزيزي، صلاة الطواف مثل صلاة الصبح هذه، مثل الصلاة المستحبّة تلك؛ لا تحتاج غلى مخارج الحروف، ولا إلى غيرها، لا أمام تريد، لا تحتاج إلى تقدّم ولا إلى تأخّر، لا إلى حرف الصاد الخارج من مخرجه بدقّة. فما هذه الألاعيب التي جئتم بها؟! ما هذا الحج الذي صنعتموه للناس؟! ولو درتم في الطواف ثلاث دورات حول أنفسكم أيضًا، فطوافكم صحيح؛ ومن قال إنه في الطواف يجب أن تكون الأكتاف متوازية؟! من أين جاء هذا الكلام؟! لو درتم بالكامل وطفتم، فهو صحيح. هؤلاء يذهبون بدين الناس، يذهبون بآخرة الناس، يذهبون بدنيا الناس؛ هذه الأعمال هي التي تسبّب أن يرجع هؤلاء ويسخروا من دين النبي. طبعًا من الجيّد أن يأتي ذلك المسؤول وعالم الحملة قبل الحج، ويصحّح قراءة الحمد والسورة للأفراد بحدود الإمكان؛ فإن صحّت فقد صحّت، وإن لم تصحّ فلا مشكلة وينتهى الأمر.

  • اختلاف مدركات الناس في التوجّه إلى الله تعالى أثناء الصلاة

  • هذه لا تزال مرتبة من الصلاة، وهي أن يراعي الإنسان مسائل الرسالة العمليّة هذه، فيقول «بسم الله» صحيحة، و«الحمد» صحيحة، ويقرأ القنوت صحيحًا، ويأتي بالأركان طبق ظواهر الشرع. وفي المرتبة التالية، يفكّر الإنسان مع نفسه أنّه إلى متى يجب علي تكرار هذه الألفاظ ولا أدرك شيئًا؟! أليست هذه حالة تكراريّة واعتيادًا؟! يقولون: هذه الصلاة لا تنفع، يجب أن تتوجّه لمعاني الصلاة؛ فيبدأ ويفهم هذه المعاني. ثمّ فجأة ينتبه أنّ كل ذهنه كان متوجّهًا إلى المعاني؛ يصعد مقدارًا أعلى، فيلتفت إلى أنّ المعاني أيضًا لها جهة "الآليّة" لا "موضوعيّة"، لها جهة "حكاية" لا أصول موضوعة ومفروضة، ويجب ملاحظتها وأخذها بعين الاعتبار بعنوان الحكاية. ثمّ يرتقي أكثر، فيأخذ الله بعين الاعتبار؛ أي أنّ التوجّه فقط إلى «الله» وينظر إلى المعاني على أنّها للحكاية. ثمّ يتقدّم ويتقدّم حتّى يصل إلى مكان لا يعود يخطر في باله حتّى الله في هذه الصلاة؛ يصلّي، لكن من هو مخاطبه في الصلاة؟ هنا يختلف المخاطب في الصلاة، وتختلف المعاني، فلا يرى مخاطبًا ليتحاور معه.

كيف نعرف الله تعالى بصفاته وذاته؟ - أثر رحمانيّة الله في الفقه والحجّ نموذجًا

10
  • لو قيل هذا الكلام للإنسان في الوهلة الأولى، لارتدّ عن الدين وتركه! لكنّ عناية الله تأتي وتعطيه شيئًا فشيئًا وتزيد معرفته باستمرار، فتجعله أدقّ من جديد وتزيد في تجرّده؛ ثمّ تُجلي له صورة المعاني شيئًا فشيئًا؛ ثمّ تأخذه إلى الأمام وتقلّل جانب الصورة في المعاني؛ وتصعد به إلى الأعلى حتّى يصل إلى المعاني الكليّة ويعبر عن الصورة؛ ثمّ يصل إلى المعاني الكليّة للصفات الجلاليّة والجماليّة؛ ثمّ يعبر من هناك ويصل إلى المعنى الواحد، وهناك المعنى هو معنى الصفة الكلّي الذي في داخله كلّ الصفات؛ ويعبر منه أيضًا ولا يعود يفهم معنى ويعبر عن المعنى، وذلك هو مقام الذات وهناك لا يوجد حتّى المعنى، مثلاً يصلي لكن لا يأتي في نظره معنى، يقول ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾۱ لكنه هناك أصلاً في وادٍ آخر، يقول ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾٢ لكنه هناك في وادٍ آخر؛ هناك تتجلّى له فقط الحقيقة النورانيّة للوجود، وبدون أيّ نوع من المعنى، وعندها انظروا كيف سيكون تنزّلها في عالم الكثرة بصورة الصلاة! تلك الصلاة أيّ صلاة ستكون! والعارف في ذلك الحين في أيّ مقام وأي حضور هو! رزقنا الله إن شاء الله! إن كان ما سمعناه موجودًا واقعًا، فليرزقنا الله إيّاه! حقًّا ألا يتحسّر الإنسان لماذا يده قاصرة عن هذه المسائل الموجودة هنا؟! وهل على الإنسان أن يبحث ويغوص في هذه المسائل الدانية فقط؟! كم لدينا من العمر وكم بقي من عمرنا؟! لا يمكننا خداع أنفسنا أيضًا، نعلم بالإجمال أنّ هناك مسائل ومطالب أخرى. واقعًا يجب أن نطلب من الله أن يعيننا هو وبعنايته هو، بتلك المعرفة الخاصّة به؛ وإلا فلا إمكان!

  • الاختلاف بين المعرفة الإشراقيّة والمعرفة عن طريق برهان الصديقين

  • بناء على ذلك، فمعرفة الإنسان والعارف بصفات الحقّ هي عبارة عن: إفاضة إشراقيّة لصفات الحقّ في نفس السالك وفي نفس العارف، لكي يراها حينئذ كما هي. وهذه المعرفة تختلف عن برهان الصدّيقين. ففي برهان الصدّيقين، الكلام هو أنّه حيث لا شيء منفصل عن دائرة الوجود، فكلّ شيء يدلّ على الوجود يجب أن يكون من الوجود نفسه٣. فهذه طريقة برهان عن طريق المعرفة [العقليّة]؛ وإن كان لهما تشابه وارتباط ببعضهما. فبما أنّ الحقّ تعالى يملك صفة الإطلاق، وصفة الإطلاق هذه مستحيلة في غيره، وبما أنّ الجميع متعيّنون، فالوصول إلى الصفات الإطلاقيّة للحقّ، يجب أن يكون بإفاضة من جانب الحقّ نفسِه. وهنا يختلف إدراك العارف لصفات الحقّ عن إدراك غيره ويفهم هو شيئًا آخر. لأنّ مقام التجرّد الذي هو لازم صفة الإطلاق لدى الحق، قد تجلى في نفس العارف؛ فالصفة غير المقيّدة تجلّت في نفس العارف؛ والرحمة غير المقيّدة وغير المتعيّنة في الظهورات وفي المظاهر، تجلّت في نفس العارف؛ القهاريّة، الرزّاقية، اللطف، العناية، الرحيميّة، العقل، فجميع هذه الصفات تجلّت في نفس العارف بنحو الإطلاق وبنحو عدم التعيّن وعدم التقيّد. لذا ينظر العارف هنا إلى الصفات بواسطة الصفات المجرّدة للحقّ تعالى.

    1. سورة الفاتحة (١) الآية ٥.
    2. سوره الفاتحة (١) الآية ٢.
    3. لمزيد من الاطلاع على معنى برهان الصدّیقین و طریقته في الاستدلال بر توحید الذات الإلهيّة الأقدس راجع معرفة اللَه، ج ٢، ص ٢٣٢؛ توحید علمی و عینی )فارسي)، ص ٢٤٠، التعلیقة.

كيف نعرف الله تعالى بصفاته وذاته؟ - أثر رحمانيّة الله في الفقه والحجّ نموذجًا

11
  • كيفيّة معرفة ذات الحقّ

  • لكنّ الأمر هو أعلى من هذا أيضًا، إذ نصل إلى حيث مقام الذات؛ فالمقام ليس مقام الصفات. ومع الالتفات إلى إطلاق الحق تعالى، كيف يمكن للإنسان الوصول إلى ذات الحق التي هي مطلقة؟! هنا أيضًا يتّضح بهذا البيان أنّ عطاء الحقّ، يبدّل ذات الإنسان من التعيّن إلى اللاتعيّن؛ وهنا يأتي: «بِكَ عَرَفْتُكَ». إذن «بِكَ عَرَفْتُكَ» تعني ذلك التغيّر والتحوّل الماهويّ في ذات الإنسان والذي يحصل بواسطة عطاء الحقّ، ولذا تخرج ذات الإنسان من مرحلة التعيّن وتصل إلى اللامتعين واللاحد. فهناك المقام مقام الفناء ومقام الذات؛ وهناك الوحدة، وحدة بالصرافة؛ لذا يقول الإمام: «بِكَ عَرَفْتُكَ» ؛ أي بذاتك عرفتك. فالإنسان ما لم يفنَ في الله، لا يتّضح له معنى «بِكَ عَرَفْتُكَ». فالإمام السجّاد يريد بهذه العبارة أن يقول: أنا عبرت عن الصفات، عبرت عن النعوت، عبرت عن الأسماء، عبرت عن الأفعال، طويت كلّ مراتب توحيد الأفعال والصفات والأسماء ووصلت إلى «بِكَ عَرَفْتُكَ»، وعرفتك بك ووصلت إلى مقام الذات. «وَأَنْتَ دَلَلْتَنِي عَلَيْكَ» يعني ذاتك دلّتني عليك، ذاتك أخذت ذاتي منّي ولم يبق إلا ذات واحدة؛ وعندما لم يبق إلا ذات واحدة، فهي "الله"؛ وبما أنّها هي الله، فالمخاطَب واحدًا، والقائل والمقول له واحدًا، والعارف والمعروف واحدًا. «وَدَعَوْتَنِي إِلَيْكَ» فأنت دعوتني وطلبتني إليك «وَلَوْلَا أَنْتَ لَمْ أَدْرِ مَا أَنْتَ». فلو لا أنت لما علمت ما أنت، يعني أنّ معرفة الخصوصيّات والصفات والأسماء ومقام الذات، كانت فقط بواسطة وجودك وبواسطة عنايتك. طبعًا لأنّ لازم مقام الإمامة، الفناء في هذه المرتبة، والإمام السجادّ زين العابدين صلوات الله وسلامه عليه هو نفسه في هذا المقام، فهو يدعو الجميع إلى هذا المقام. هذا المعنى واضح هنا.

  • إفاضة كلّ العنايات والتوفيقات من جانب الحقّ

  • إذا أردنا التنازل عن هذه النقطة، فهنا كلام كثير وأنّ كلّ عطاء يراه الإنسان فهو من الله، وفي أيّ رتبة كان الإنسان، فتلك العناية تختصّ بالله. وأعلى مراتبها هو هذا التعريف للذات بالذات، ودلالة الذات على الذات، ودعوة الذات إلى الذات، ووجود ذات تدل على الذات؛ فهذا مقام. وأدنى منه أيضًا مهما أردنا أن نكون، يمكننا توسيع هذا المطلب أن كل عمل خير نقوم به وكل توفيق نجده وأي مكان نذهب إليه، كل هذا هو من ناحية الله.

كيف نعرف الله تعالى بصفاته وذاته؟ - أثر رحمانيّة الله في الفقه والحجّ نموذجًا

12
  • أفق رؤية أولياء الله بالنسبة لشهر رمضان المبارك

  • ننهي المطلب هنا وندعو الله أنّه أخيرًا مرّ شهر رمضان وواقعًا لم نستطع أن نجد في أنفسنا لياقة للوفود إلى ذلك الحريم. وواقعًا العظماء مثل السيّد الحدّاد، والمرحوم العلاّمة وغيرهما، كانوا يعتبرون شهر رمضان خلال السنة، أكبر جائزة وأكبر هدية وأكبر نعمة؛ وكانوا يتلقّون إتمامه بتوفيق بمعنى الهدية الكبرى للباري وشكرًا لهذه الهدية، كما كتب المرحوم العلاّمة نفسه في كتاب "الروح المجرد"، وكانوا يتشرفون بالمشاهد المقدّسة ويسافرون إلى هذه الأماكن بعنوان الشكر لتلك الذوات المقدّسة. فواقعًا ماذا كان يرى هؤلاء وماذا كانوا يحسّون، وماذا نحسّ نحن وماذا نرى؟! نحن ليس لدينا زاد غير الخسران وغير الخجل والحياء ـ أقول هذا بالنسبة لنفسي ـ يليق بمقام الله، لنقدّمه للحضور في المحضر الربوبيّ المقدّس. لذا واقعًا يجب أن نطلب من الله من باب:

  • أُحِبُّ الصّالحینَ و لَستُ منهم***لَعَلَّ اللَهَ یَرزُقُنی الصَلاحا۱
  • ما يمكننا ادعاؤه، هو محبّة هؤلاء العظماء ومحبّة هؤلاء الأولياء، ولو مجازًا؛ وأنّنا واقعًا نحبّهم، نحبّ طريقهم، نحبّ مسيرهم. وإن كانت يدنا قاصرة وأبدًا لا نستطيع الوصول إلى مقامهم المنيع وحتى لا نستطيع تخيّل تلك العوالم التي كانوا يطوونها في هذا الشهر؛ وعلى حدّ قول المرحوم العلاّمة الذي كان يقول: »أصلاً أنا لا أستطيع أن أكتب ما أحسست به من هذا الرجل بالقلم! فماذا يمكنني أن أقول؟! فمن كان هو، وما كانت هذه المسائل التي لم يستطع بيانها؟!٢ 

  • فبالالتفات إلى الكلام الذي تقدّم يُفهم أنّ ما كان يحسّه هو، كان متحقّقًا به هو أيضًا؛ يعني واقعًا في أيّ أفق كان يسير هؤلاء بحيث لم يستطيعوا كتابة حالهم بالقلم ولم يستطيعوا إحضاره على الورق! ونحن نعلم أنّ هؤلاء لا يقولون جزافًا وكلامهم كلام حقّ وصحيح. وما يبقى لنا، هو فقط حاجتنا واحتياجنا والتجاؤنا إلى أمثال هؤلاء الأفراد وهؤلاء العظماء، وأن يفيض هؤلاء بطهارتهم وبحقيقتهم الطاهرة والمطهّرة، رشحة من يمّهم اللامتناهي علينا، ويخرجونا من عالم البهيميّة والحيوانيّة هذا، ويجعلوننا متجانسين ومتلوّنين معهم، ويجعلوننا في كلّ مكان وكلّ وقت مشمولين لرعاية الحقّ تعالى؛ وإلاّ ففي غير هذه الصورة، واقعًا حالنا فاسد! 

    1. نسب هذا البيت إلى الشافعي مع اختلاف في الشطر الثاني أحيانًا.
    2. الروح المجرّد، ص ۱٣: و لقد كان هذا الرجل ذا مغزىً عظيمٍ، جمّ الفضل والعلم يقصر عنه لفظ العظمة، وكان واسع الأفق رحبه إلى درجة لا سبيل للتعبير عن سعة إدراكه. و كان متوغّلاً في التوحيد، مندكًّا فانيًا في ذات الحقّ تعالى إلى الحدّ الذي يبقى ما نقوله و نكتبه عنه اسمًا و رسمًا؛ فهو خارج عن التعيّن، متخطٍّ للاسم و الرسم.
      نعم، كان السيّد هاشم الحدّاد روحي فداه حقًّا و واقعًا رجلاً تقصر أيدينا عن نيل أذيال أثوابه المتطاولة. و غالبًا ما كنتُ ألتقي به أثناء هذه‌ المدة المديدة في أسفاري التي كانت تحصل مرّة أو مرّتين في السنة و تدوم شهرين أو ثلاثة، فأرد منزله في كربلاء و اعَدُّ من عياله و أولاده؛ لكنّه مع ذلك رحل، و بعد رحيله فقد بَقِيتُ حتّى يومي هذا تلفّني الحيرة و يكتنفني الحياء، خاضعًا مطأطئًا أمام ذلك الشموخ و الرفعة و ذلك المقام و تلك الجلالة.
      لقد عَجَزَتِ الألفاظ عن وصفه؛ فماذا أقول في رجلٍ وقفتْ أمامه الكلمات حيرى و أكلَّ الواصفين عن وصفه ناهيك عن إدراكه؟!

كيف نعرف الله تعالى بصفاته وذاته؟ - أثر رحمانيّة الله في الفقه والحجّ نموذجًا

13
  • نسأل الله أن يغفر خطايانا وزلاّتنا في هذا الشهر بلطفه وكرمه، وينظر إلينا بمقام رحمانيّته ورحيميّته، ولا ينظر إلينا بعدل وقسط، ويعاملنا بفضله ولطفه وعنايته؛ إنّه هو المجيب وهو الغفار! وأن لا يفرّق بيننا وبي أوليائه أبدًا لا في الدنيا ولا في الآخرة! 

  • وإلى أرواح الأموات من شيعة أمير المؤمنين عليه السلام وبالأخصّ أموات الحاضرين، وخصوصًا العظماء والأولياء الراحلين عن هذا العالم، نخصّ منهم المرحوم السيّد هاشم الحدّاد والمرحوم العلامة آية الله الوالد، رحم الله من قرأ الفاتحة مع الصلوات. 

  •  

  • اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد