المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني
المجموعةسنه 1418
التاريخ 1418/09/28
التوضيح
ما هي حقيقة القاعدة العرفانية لا يعرف شيء شيئًا إلا بما هو فيه منه؟ وكيف يكون الاتحاد في الرتبة شرطًا لإدراك مقامات الأنبياء كعيسى (ع) في خلقه للطير؟ وهل يختلف الإعجاز عن الأمور العادية في نظر العارف الواصل؟ وما الفرق بين كرامات الأولياء الظاهريّة وبين مقام التسليم المحض الذي لا يرى فرقًا بين الوضوء بالماء والتيمم بالتراب؟ يغوص سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهراني في هذه المعاني الدقيقة، موضحًا أنّ العبوديّة الحقة تكمن في الامتثال للمشيئة الإلهيّة حتى في المرض لا في فرض رغبات العبد على المولى باسم الدعاء أو طلب الكرامة.
هوالعلیم
وجوب الاتحاد في الرتبة لتحقّق المعرفة
حقيقة الإعجاز ومقامات الأولياء
شرح دعاء أبي حمزة الثمالي - سنة ۱٤۱۸ هـ - الجلسة العاشرة
محاضرة القاها
آية الله الحاج السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ
قدّس الله سره
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين
والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا
أبي القاسم المصطفى محمد
واللعنة الدائمة الأبدية على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين
مستوى المعرفة بأحد ما يتناسب مع مستوى الاتحاد معه
«بِكَ عَرَفْتُكَ وَأَنْتَ دَلَلْتَنِي عَلَيْكَ وَدَعَوْتَنِي إِلَيْكَ، وَلَوْلَا أَنْتَ لَمْ أَدْرِ مَا أَنْت».
تقدّم في الجلسة السابقة أنّ التكليف يترتّب على كلّ إنسان بحسب معرفته، لا أكثر ولا أقل؛ وهو مكلّف بأن يعمل بمقدار التكليف الذي كُلّف به، لا أكثر ولا أقل؛ وأنّ تجاوز الحدّ أو التقصير في دائرة ما هو معلوم ومعروف كلاهما فيه مؤاخذة؛ والمعرفة بكلّ شيء هي في ضمن السعة الوجوديّة للإنسان. لازم العرفان هو المعرفة؛ ولازم العرفان بشيء ما هو التساوي بين العارف والمعروف في حدود المعرفة؛ أيًا كانت المرتبة التي يكون فيها العارف. إذا وضعنا أنفسنا أمام عظيم ما، فبأي مقدار كانت لنا معرفة به، فنحن متحدّون معه في تلك الرتبة.
وإنّه لكلام حكيم ومتقن جدًّا الذي يقول: «لا يَعْرِفُ شَيءٌ شَيئًا إلّا بِما هُوَ فِيهِ مِنه»؛ أي لا يكون شيء عارفًا بشيء آخر إلا بواسطة أمر، وذلك الأمر يجب أن يكون في المعروف وفي العارف؛ وإلا فلا يمكن. لا يكون شيء عارفًا بشيء آخر إلا بواسطة رأسمال، وذلك الرأسمال يجب أن يكون موجودًا في الطرفين، وإلا بواسطة حقيقة مشتركة موجودة في الطرفين، حتى يحصل للعارف عرفان بالمعروف. وهذا الأمر يشير إلى مقدار السعة الوجوديّة التي يجب أن تكون في العارف حتّى يتمكّن بما يتناسب معها من أن يحصل له عرفان بالمعروف.
فإذا أردنا أن ندرك صفة رحمانيّة الحقّ، يجب أن تكون الرحمة موجودة فينا؛ وإلا فلن نصل إلى هذه صفة الحق هذه ولن نطّلع عليها أبد الآباد. وإذا أردنا أن ندرك خلاّقية الباري، فيجب أن يكون لهذا المفهوم ومعنى الخلاقيّة تعيّن حضوريّ في وجودنا؛ وإلا فلن نستطيع إدراك تلك الخلاّقيّة.
اختلاف مراتب معرفة الأفراد بالنسبة لخلق الطير من قبل النبي عيسى عليه السلام
نقرأ في الآية القرآنيّة أنّ الله يقول للنبيّ عيسى على نبيّنا وآله وعليه السلام: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي﴾۱.
هنا يوجد أربعة أذونات. يا عيسى، العمل الذي تقوم به هو أنّك تخلق الطير بإذني؛ فأولاً تصنع بـ "الماء والطين" مجسّمًا طينيًّا، مثل هذه المجسمات الطينيّة التي يصنعونها على شكل عصفور وغيره ويبيعونها حول الحرم. ونحن نرى أنّك ﴿تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي﴾ ونفهم هذا، ونقول: نحن أيضًا نجيد صنع هذا؛ نأخذ الماء ونخلطه بالطين، فيصبح على شكل عصفور. لكنّ ذلك العمل الذي تقوم به أنت: ﴿فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا﴾، ماذا يعني؟! النفخ: يعني "النفخ بالفم". ﴿فَتَكُونُ طَيْرًا﴾؛ أي يعرض عليه عنوان الطيرية ويجد حياة. قبل أن تنفخ فيه، لم تكن الطيريّة تعرض عليه ولم يكن يتّصف بالطيران؛ كان فقط طينًا وله صورة. ولكن عندما نفخت فيه وأخذ روحًا، أصبح معنونًا بعنوان الطيران ومتّصفًا به. فماذا تريد هذه الآية أن تفهمنا؟ نحن نحصل على معرفة بالنسبة لعمل النبيّ عيسى عليه السلام فقط في تلك الحدود التي نحن قادرون عليها؛ أي إلى ذلك الحدّ الذي تقول عنه الآية أولاً: ﴿تَخْلُقُ منَ الطِّينِ﴾. فنحن أيضًا نجيد صنع شكل من الطين؛ والخزّافون أيضًا يقومون بهذا العمل. هذا يصبح تساويًا في الرتبة بيننا وبين النبيّ عيسى عليه السلام؛ أي أنّنا نعلم ماذا يفعل النبيّ عيسى عليه السلام فقط في حدود شكل الطين، لأننا نحن أيضًا نجيد هذا المقدار. أما بالنسبة للشق الثاني الذي يقول: ﴿فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي﴾، فالنبيّ عيسى عليه السلام يقوم بعمل آخر لو قمنا نحن به إلى يوم القيامة لما حصل له أثر؛ وهو أنه ينفخ فيه فيتحول إلى طير! الآن انفخ أنت فيه دائمًا؛ العمل الوحيد الذي يفعله نفخك هو أنه يجفف الطين، لكنه لا يعطيه طيرانًا. هل يمكنك إدراك ما يفعله النبيّ عيسى عليه السلام؟! هل أنت عارف بهذه الرتبة؟! أنت لست عارفًا بكيفيّة نفخ النبيّ عيسى عليه السلام فيه. الآية الشريفة تقول: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾۱؛ أي تنفخ بنفس الطريقة التي أنفخ أنا فيها؛ النفخ واحد. ولفظا ﴿نَفَخْتُ﴾ و﴿تَنْفُخُ﴾ يدلان على معنى واحد؛ أي أنّ الذي يمكنه إدراك نفخة النبيّ عيسى عليه السلام في ﴿تَنْفُخُ﴾ ويطلع عليها، هو من يمكنه إدراك ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾. وعكس هذه القضية صادق أيضًا؛ أي كلّ من يطّلع على نفخة النبيّ عيسى عليه السلام في آية ﴿تَنْفُخُ﴾، يطلع على ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ أيضًا؛ لأنّ النفخ واحد.
فإذن بما أنّ رأس المال، والحقيقة المطلوبة وذلك الجانب الوجودي الذي لا بدّ منه لإدراك النفخ غير متحقّق فينا، فلا يمكننا المعرفة بمقام النبيّ عيسى عليه السلام. إنّ عرفاننا بالنبيّ عيسى عليه السلام في خصوص مقام الإعجاز ـ لا في سائر المراتب الأخرى التي هي له ـ ينحصر فقط في مرتبة "صنع الطين" هذا؛ نرى أنّ هذا الطين الذي يصنعه، نحن أيضًا نجيد صنعه! لكن توجد نقطة مهمّة هنا والله يبيّن سرّ الأمر هنا، بحيث لو وصلنا إلى ذلك السرّ في القضيّة الأولى، لانحلّت لنا القضيّة الثانية أيضًا؛ وذلك هو قوله: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي﴾. فكلّ "لِمّ" وسرّ القضيّة هو في هذه الـ ﴿بِإِذْنِي﴾! لأنّه عندما يصنع طفل طينًا، فهو أولاً لا يستأذن الله. هذا الطفل يأخذ التراب ويصنع طينًا، ثمّ يضربه برجله ويخربه؛ فهل يأتي ويستأذن الله قائلاً: إلهي، اسمح لي أن أصنع طينًا؟! لعله لا يقبل الله أصلاً. أو عندما نأخذ نحن الطين ونصنع مجسم عصفور، حيّة وسمكة، فنحن لا نستأذن الله.
عدم الفرق بين الإعجاز وغير الإعجاز في مشيئة الله وإرادته
من هذا الأمر نستفيد هذه الحقيقة وهي أنّ حقيقة المشيئة النازلة الصانعة الخالقة المريدة التي تريد أن تأتي بنور الوجود وفيض الوجود إلى قالب التعيّنات، هي من وجهة نظري أنا "الأعمى" لها حالتان اثنتان، وأنّ عيوننا "الرمداء" تفرّق بين الإعجاز وبين غير الإعجاز؛ لكن في الواقع المسألة واحدة. أصلاً في عالم الوجود، لا معنى للإعجاز. نفخ الروح له نفس الأهميّة التي لخلق الطين على يد النبيّ عيسى عليه السلام؛ وخلقة الروح في هذا البدن الترابي هي بنفس القدر "عديمة القيمة" وسهلة كخلقة الطين على يد النبيّ عيسى. وإذا أردنا أن نعتبر قدرًا ومقامًا وثمنًا لإعجاز النبيّ عيسى عليه السلام، فيجب أن نعتبر نفس المقدار لخلق الطين.
فمن وجهة نظر الله، أصلاً لا تفاوت بين خلق الطين وبين النفخ ونفخ الروح وتحقق الروح في هذا الهيكل. من وجهة نظر مشيئة وإرادة الباري، لا تفاوت بين حركة أعضاء طفل في خلق الطين وإرادته، وبين إرادة ذلك المقام المنيع للنبيّ عيسى في خلقة الروح. كلاهما واحد؛ منتهى الأمر أنّ أعيننا الظاهريّة فصّلت بين هاتين المسألتين وجعلت فرقًا بينهما.
هذا هو الفرق بين العرفان وعدم العرفان! نحن ننظر إلى النبيّ عيسى عليه السلام من وجهة نظر الظاهر، فلا ندرك الباطن بعد ذلك؛ أما من وجهة نظر عارف هو مصداق للآية الشريفة: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي﴾، فإنّه بالنسبة إلى النبيّ عيسى سواء في صنع الطين أو في نفخ الروح، لا توجد مشقة وتعب عملي وفكري بمقدار رأس إبرة ولا بمقدار مليمتر واحد. لا فرق عنده أبدًا؛ لأنّه قد تبيّن وعُرف له مجرى الخلقة ونزول المشيئة ووصل بنفسه إلى هذه المسألة. فعندما يصل هو بنفسه لهذا، فما الفرق عنده؟! بالنسبة لنا نحن الجاهلين بهذه القضية، يوجد فرق؛ لكن هل يختلف خلق البدن عن خلق الروح بالنسبة إلى الله؟! هل يبذل الله في أحدهما مشقّة أكثر مؤونة أكبر؟!
الفرق بين الكرامة في نظر الناس وأولياء الله الكمّل
هنا يقول السيد الحدّاد رضوان الله عليه: يقول الناس: «جاء فلان في منتصف الليل إلى البئر ودعا: "إلهي، فلان ليس لديه ماء للوضوء؛ فاملأ البئر له ماءً ليتوضّأ!" ثمّ صعد ماء البئر وتوضّأ هو. يا لها من كرامة لديه!» لو كنت مكان هذا الرجل، لما أتعبت نفسي بالدعاء، وأنتم أيضًا لا تتبون أنفسكم؛ عندما أرى البئر لا ماء فيه، أتيمّم. إذن لأيّ وقت وضع الله التيمّم؟! لماذا ندعو عبثًا ونوقع الملائكة في زحمة ونعطّلهم؟! الله لا يرضى!! الله قال صلِّ بالتيمم. قسمًا بروح جنابكم وبروحي التي لا خبر لي عنها، وقسمًا بأرواحنا جميعًا، ليس معلومًا أن ثواب تلك الصلاة بالتيمم، أقل من تلك الصلاة مع وضوء والتي ارتفع ماء البئر لها بدعائه! عيوننا هذه رمداء ونتخيّل أن الله يريد الصلاة بوضوء صحيح؛ صلاةً صحيحة متوضّئًا متطهّرًا مع وضوء بالطهارة المائيّة! لا يا عزيزي؛ الله يقول: أنا أقبل منك العمل بأيّ نحو أمكنك. ألا يجب أن أقبل أنا؟! لماذا توقع نفسك في التخبّط هكذا؟! إن كان الماء أمامك، فتوضّأ؛ وإن لم يكن، فتيمّم. هل أنت تميّز بين أحكامي؟! فمن خلق الماء؟! ومن أعطى الطهارة للماء؟! هل أنا أعطيت الطهارة للماء أم الماء حصل على الطهارة بنفسه؟! أنا أعطيت الماء طهارة وجعلته مطهّرًا وطاهرًا، وأنا نفسي جعلت التراب طاهرًا؛ لا فرق.
أثناء رحلة الحجّ التي كنت فيها مع المرحوم العلّامة رضوان الله عليه وكان عمري سبعة عشر عامًا، عندما كنا في المدينة جاء أحد المصابين بأمراض جلديّة، بحيث كانت يداه وبدنه فيهما جراح وكان هذا المسكين في أذى، فجاء يومًا برفقة أخيه الذي كان عالم الحملة، إلى المرحوم العلّامة. لم يكن هذا الرجل معمّمًا، لكنّ ظاهرًا لم يكن خلوًا من الدروس الحوزويّة وكان فاضلاً. فقال للمرحوم العلّامة: سيدنا، جئت إلى الحج، وأريد أن أؤدي الأعمال؛ أعمال الحج أمامي، الإحرام أمامي. فمع هذه الجراح كيف سيكون لباس الإحرام وأعمال الطواف والصلاة؟! ادعُ الله أن يشفي هذا المرض الجلديّ والبدني عندي! فقال المرحوم العلّامة: كان أحد العلماء السابقين باسم الآخوند الملا فتح علي السلطان آبادي يريد الانطلاق إلى مكّة؛ فقال: «إلهي، أريد في هذا السفر ألا أصاب بمشاكل التطهير هذه و...؛ فارفع عني في هذا السفر ألم ومشقّة هذه القروح والجروح!» وبمجرّد أن تحرّك من منزله ليعبر مع تلك القافلة والحملة من بوابة المدينة، شفي تمام بدنه دفعة واحدة؛ كأن لم يحدث شيء، كأن لم يكن شيئًا مذكورًا، لم تبق فيه أية آثار من هذه القروح والجروح! واستمر في سفره هكذا، جاء إلى مكة والمدينة والأعتاب وعاد؛ وما إن دخل من بوابة المدينة في بلده، حتى عادت كلّ تلك الجراح إلى مكانها الأول.
كان المرحوم العلّامة يريد أن يقول: وإن كان قد دعا، لكنّ الأمر أعلى من ذلك. فالمرحوم الآخوند الملا فتح علي، كان صاحب نَفَس وكانت له حالات، وهو الذي كان يعلم بطون القرآن۱؛ لكنّ الأمر هو أنّا نحن تحت حكومة الله أم لا؟! هل جعلنا الله عبيدًا له أم لا؟! الله لا يمكنه إنكار هذا ويقول: «لا، أنت عبد لي ما دمت سالمًا، أنا لا أريد عبدًا مريضًا، اذهب وشأنك!» أين نذهب؟! هل يمكن للّه أن يقول مثل هذا الكلام: «ما دامت حرارة بدنك ٣٧ درجة، فأنت عبدي وأنا مالك لك؛ ولكن بمجرّد أن ازدادت حرارتك درجة واحدة، فإنّك تخرج، مع السلامة»؟! «لا يُمْكِنُ الفِرارُ مِنْ حُكُومَتِك»٢. هذا الإله العظيم، يفعل كل ما بيده، لكن لا يمكنه القول إني أخرجك من عبوديّتي ومن حكومتي! شاء أم أبى، هذا كُتب على الله وهو مجبور على الإقرار به! الآن لنذهب لأنفسنا؛ هل يمكننا حساب أنفسنا خارج حكومة الله في أيّ ظرف وأيّ موقع؟! لا، فنحن أيضًا لا نستطيع! "المال السيّئ، يلتصق بلحية صاحبه"٣؛ والله مجبور أن يقبلنا هكذا! فقد كان بإمكانه ألاّ يخلقنا؛ والآن إذ خلقنا، فيجب أن يتحمّل تبعات ذلك! ومن جهة أخرى، نحن أيضًا لا نستطيع. فإذن نحن مرتبطون به وهو مرتبط بنا! هو أيضًا صنع هذا الآدمي ذا الرجلين، والآن احتار ماذا يفعل به! إذن الله يريدنا في كل حال.
| تنها تویی تنها تویی در خلوت تنهاییام | *** | تنها تو میخواهی مرا با اینهمه رسواییام |
يقول:
أنت وحدك أنت وحدك في خلوة وحدتي *** أنت وحدك تحبّني مع كلّ هذه الفضائح التي أنا فيها.
إذن الله يحبّنا مع كلّ هذه العيوب والنواقص ولا يمكنه ألاّ يحبّنا؛ لأنّ هذه الأمراض هو من أعطاها. فالله المتعال، هو نفسه خلقنا وهو أعطانا الوجود وهو أعطى الصحّة وهو يعطي المرض. وكما يقول الإمام السجاد سلام الله عليه: إلهي، أنت أعطيتني الصحة؛ وبواسطة الصحّة والسلامة أتمكن من أداء التكاليف والفرائض التي في حال الصحة. وأشكرك عند المرض، على أنك أمرضتني ونبهتني لضعفي. وكم من ذنوب كانت تصدر وتتمشّى مني بواسطة الصحة، ولكنّك دفعتها بواسطة المرض۱!
إذن فالمرض أيضًا من الله. وكلام الإمام هذا معجزة؛ يعني يريد أن يقول: بنفس المقدار بل أكثر من المقدار الذي تكون فيه الصحّة ممدوحة، المرض أيضًا ممدوح. والذي لا يمرض، لا يمكنه إدراك سلامته؛ والتكبّر والاستغناء يحيط به ولا تتجلّى وتتبلور له تلك النواقص وذلك الخلل. فما لم يقع أحد في بلاء، لا يمكنه إدراك نقاط ضعفه؛ تلك النقاط التي أبعدته عن المعبود وأوجدت فاصلة بينه وبين الله والمالك الحقيقي له. هذه النقاط تأتي وتوجد مسافة وتسدّ طريق الإنسان. المرض نعمة، البلايا نعمة، كل الابتلاءات نعم إلهيّة يأتي بها الله لعباده. وبدون هذه النعم لا يمكن للإنسان إقامة الارتباط بالله ويصاب بالأنانية والتفرعن.
يقول الإمام السجاد: كيف أشكرك على هذا المرض الذي أعطيتنيه؟! أنت بوسطة هذا المرض، أرشدتني ودللتني على مسائل باطنيّة لا يُحصل على واحد من ألف منها في الصحّة والسلامة! وهذه حقيقة.
لزوم إتيان الفرائض وفقًا للمشيئة الإلهية لعلة حفظ مقام العبودية
إذن نحن بهذه الخصوصية وهذه الكيفية عبيد للّه في كلا الحالين من الصحّة والمرض. فهل يعقل أنّ الله الذي جعل هذا المرض لتطهيرنا ومصالحنا الأخرى، أن يقول: «أنا أحبّ حال سلامتك أكثر من هذه الحالة»؟! عجيب جدًّا وكلام أحمق جدًّا! فهذا العبد المسكين لم يذنب! وأن يأتي الله ويقول للمريض الذي في الحمّى: «أنا أحبّ الصلاة في حال القيام ومع الطهارة المائيّة ومع تمام الشروط أكثر!» إن كانت مثل هذه الصلاة سيئة للمرض، فهي أصلاً حرام وباطلة!٢ وإن كان الصوم مضرًّا للجسم، فهو باطل وعليه القضاء؛ ليس فقط غير ممدوح، بل هو مذموم٣. وطبعًا في حال لم يكن فيه "قربى"؛ ولكن في بعض الحالات توجد قربى؛ كما لو كان الإنسان جاهلاً. أما لو قال مع العلم بأنّ الصوم يسبّب له مشكلة وهناك أمر بالإفطار: «أحبّ أن أصوم، لكي لا يذهب ماء وجهي بين الجمع ولا يقولوا إنّه أفطر» فصومه باطل ويجب عليه القضاء وقد ارتكب ذنبًا أيضًا! فالله يقول: أنا مالكك والآن وضعتك في هذه الظروف، ومقصودي أن تقوم بهذا العمل الآن؛ فهل أنت تمارس الفضول في عملي؟! من أنت لتتدخّل في عملي؟! أنا أمرضتك وأريد منك صلاة مستلقيًا، لكنك تقوم وتصلي قائمًا، والحال أنّه مضر لظهرك وستسقط! فمن قال لك أن تفعل هذا؟! أنا الآن أقول: الوضوء مضرّ لك، فيجب أن تصلي بالتيمم!
نُقل عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قام جماعة بحمل مريض وأدخلوه الماء وغسّلوه فمات ذلك المريض المسكين! فجاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: قَتَلُوه؛ قَتَلَهُمُ الله!۱ أنتم قتلتموه، قتلكم الله! من قال لكم أن تحملوا هذا وترموه في الماء؟! كان يجب أن تيمّموه!» الوظيفة هي هذه والعبد يجب أن يحفظ عبوديته؛ لا ينبغي أن يبدي رأيًا لمولاه بأنّي أنا أريد هذا!» أنت تريد عبثًا! أنا أقول لك اعمل هكذا! الآن وقد أصبح الأمر هكذا، فهل يصح لهذا الموقّر الذي يذهب الآن إلى مكة بهذه الجراح أن يقول: «إلهي، اشف هذه الجراحات لأؤدي حجًا جيّدًا»؟! الله يقول: ما هو الحج الجيد؟ هل الحج الجيد، هو الحج الذي تعلمه أنت وتفهمه أنت وتشخصه أنت؟! هل الحج الجيد هو الحج الذي يكون مع كامل الشروط؟! هل هو الحج الذي مع الوضوء؟! هل هو الحج الذي ليس فيه قروح وجروح؟! هل يجب أن تقبله أنت أم أقبله أنا؟! هل يجب أن تعطي أنت لهذا الحج نورانية وروحانية أم يجب أن أعطي أنا؟! ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾٢هل ذلك الشيء الذي يوجب رفعة هذا العمل، بيدك أم بيدي؟! هل روحانية العمل بيدك أم بيدي؟! أنا وضعت لك هذه القروح والجروح وجرحت يدك وجعلتك في حالة مرضية ومع ذلك كلّفتك بالحج؛ فمن الذي يجب أن يقبل هذا الحج؟! لذلك نصل إلى هنا أن دعاءه لم يكن له وجه كبير ولعله لو زار بتلك الحالة إلى مكة، لنصيبه الله ثوابًا أكثر ونعمة أكثر وروحانية أكثر. لكننا نقول: «ما شاء الله، يا له من مقام! ما إن خرج من بوابة المدينة، استجاب الله دعاءه ورزقه حجًا طاهرًا ونظيفًا ومرتبًا وببدن سالم!» هذا هو التوحيد. لا أقول هذا من عندي؛ هذه مطالب علمنا إياها العظماء. مهما قال المرحوم العلّامة هذا في أذنه، في النهاية لم يقبل ذلك الرجل المسكين. فـالمرحوم العلّامة كان يقول أي مطالب، لكنّ السامع كان يقول: «سيدنا، على أي حال، أنتم ادعوا لي!» المرحوم الآقا أيضًا قال: إن شاء الله يحفظكم الله! إن شاء الله يوفق ويؤيد! إن شاء الله يرفع الله عنكم الابتلاء! هذه القضية، قضية مهمة.
الإعجاز في كلام السيد الحدّاد، لا في عمل المقدس الأردبيلي الذي يدعو: «إلهي هذا البئر لا ماء فيه، فأخرج ماءه!» مقام السيد الحدّاد رفيع حيث لا يرى فرقًا بين إخراج الماء والوضوء وبين التيمّم! هذا الكلام للسيد الحدّاد إعجاز حيث يقول: هؤلاء الناس يتخيّلون أنهم إذا ذهبوا لجانب البئر ودعوا وخرج الماء، فهذه معجزة؛ أما عندما يفتحون صنبور الماء في بيتهم ويأتي الماء، فلا يعتبرون هذا معجزة! يقولون: خرجت الجواهر بدل الماء وقال: «أحمد يريد ماءً، وتعطيه الجواهر؟!۱» فيصبّ تلك الجواهر في البئر ليخرج الماء ثانية. الناس يقولون: «ما شاء الله، أيّ مقام هذا! هؤلاء كانوا يلتقون بإمام الزمان... »
طبعًا لا تتخيّلوا أنّنا نريد القدح بهؤلاء؛ كلاّ، فهؤلاء كانوا من العظماء وليس لهم نظير في هذه الأزمنة. نحن في مقام المقارنة، لا في مقام الطرد. المرحوم المقدس الأردبيلي كان رجلاً عظيمًا، تقيًّا، صاحب كرامات ولم يحصل على هذه الكرامات عبثًا؛ حصل عليها بالرياضات، بالأسحار، بالتهجّد وأمثال ذلك؛ لكنّني أريد أن أقول إنّ العرفان، شيء آخر!
لزوم الاتحاد وتساوي الرتبة مع الأولياء الإلهيين لإدراك حقيقة أفعالهم وكلامهم
الوصول إلى هذا الكلام للسيّد الحدّاد، هو وصول لمعنى هذه الآية: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي﴾؛ تخلق من الطين مجسّمًا بإذني وبعدها تنفخ فيه ويصبح طيرًا بإذني. الظاهر والباطن، كلاهما أصبح واحدًا؛ إذن لا ظاهر لدينا ولا باطن. التوحيد يعني أن يرفع حجاب الظاهر والباطن ويرى الإنسان مشيئة واحدة وإرادة واحدة؛ هذا يصبح توحيدًا. إن شاء الله أي وقت وصلتم، خذوا بأيدينا أيضًا؛ نحن نتعب ونقول لكم هذه المطالب التي قالوها لنا، أنتم أيضًا خذوا بأيدينا في النهاية!
إذن هذا المقام الذي يحصل للإنسان ويدرك معه فعل النبيّ عيسى عليه السلام، هو لأنّ وجوده قد أدرك معنى ومفهوم الخلق، وبالنتيجة يدرك عمل النبيّ عيسى؛ أما إن لم يدرك، فهو فقط يحدّق به! يراه قد أخذ ذلك التراب وحوّله إلى طيـن وبعدها فجأة طار وذهب. النبيّ عيسى يقول: «أنا نفخت فيه وذلك الطين تحوّل إلى طير». لكنّ الناظر يقول: «أنا لم أرَ نفخًا!»
يقول: «أنت لم تر!» فالآن النبيّ عيسى يريد أن يفهمنا نحن الجاهلين؛ لكن كيف يفهمنا؟! هل نفهم نحن؟! لو قال لنا: أنا طبّقت تلك المشيئة الإلهيّة والمشيئة الخلاّقة في هذا الطين، نقول: ما هي المشيئة؟! ما هي الخلاّقة؟! ما معنى طبّقت؟! أصلاً هل نفهم نحن؟! هل ندرك نحن؟! الشعر الذي كان يقرؤه المرحوم العلّامة كثيرًا هو:
| من گُنگِ خوابدیده و عالَم تمام کَر | *** | من عاجزم ز گفتن و خلق از شنیدنش۱ |
يقول:
أنا أخرس رأى حلمًا والعالم كلّه أطرش *** أنا عاجز عن قوله والخلق عن سماعه.
أنا في حالة وموقعية وأعطوني مسائل وعنوني بمطالب لا أنا قادر على بيانها ولا الناس قادرون على سماعها! المانع من كلا الطرفين؛ لأنه لا يتأتّى بلفظ. فهل يستطيع النبيّ عيسى عليه السلام أن يقول باللفظ ذلك العمل الذي يقوم به في ضميره وهذا التبديل للطين إلى طير؟! لا يمكنه القول. الذي يمكنه أن يحقّق معرفة بهذا المقام هو من تكون فيه هذه الحالة.
إذن «لا يَعْرِفُ شَيءٌ شَيئًا إلّا بِما هُوَ فِيهِ مِنه»؛ لا يكون شيء عارفًا بشيء آخر إلا بواسطة وبأمر وبشيء يكون في هذا وفي ذاك أيضًا». وما لم تكن تلك الواسطة بين الاثنين، لا يصبح عارفًا ولا يدرك؛ بل فقط ينظر هكذا ويقول: «يا له من مقام عجيب لديه!»
رحم الله المرحوم السيد إلهي قمشئي، كان رجلاً يحبّ المزاح طيبًا عظيمًا عالمًا، وأنا رأيته عدّة مرّات؛ كان يقول: يومًا ما وحسب الاتفاق تعطلت سيّارتي ومررت بقرية. قلت: فلأذهب إلى تلك القرية وأصلّي هناك وأنام الليل فيها. ولم أجد مكانًا للنوم، فاضطررت للنوم في المسجد حتّى الصباح برفقة الذي كان معي. وصدفةً كان "كبير القرية" جالسًا مع أفراد في ذلك المسجد، رأى شخصًا جاء. فقال في نفسه: الآن سيأخذ الجوّ منا. فقال: «يا جناب الشيخ، قل لي: كم شيء يحرم من الشاة؟» فالذي يعيش في القرية، يتعامل مع هذه المسائل! ومهما فكرت، رأيت أنّني لا أستطيع عدّ أكثر من خمسة أو ستّة؛ في النهاية أقول: دمها حرام وطحالها حرام و...! قطعًا هؤلاء يعلمون أفضل منّي؛ لأنّهم يتعاملون مع القطيع! فقلت: هذا الوجود الملكوتي، قطع ومزّق كل الحجب الملكوتيّة والجبروتيّة من الصقع الربوبي ونزل لهذا العالم المُلكي، حينها ألا تخجل أنّك تقول هكذا؟!
| من گُنگِ خوابدیده و عالم تمام کَر | *** | من عاجزم ز گفتن و خلق از شنیدنش“» |
فنظر ذلك الرجل وقال: «الحاج مثقف جدًّا، ولا يمكّن التحدّث معه!»
فقلت: الحمد لله، ارتحت منه!
وفي قضية النبيّ عيسى عليه السلام أيضًا، نحن ننظر نظرة واحدة فقط ولا نفهم وندرك مطلبًا زائدًا على هذا. أتصور أنه حان الوقت لنجمع المطلب رويدًا رويدًا، وأتصور أنه لم تبق أكثر من ليلة واحدة؛ طبعًا إذا رؤي الهلال، فغدًا ليلة العيد. إن شاء الله فكّروا في هذه المسألة التي قلناها: «لا يَعْرِفُ شَيءٌ شَيئًا إلّا بِما هُوَ فِيهِ مِنه»، حتى يتضح هنا رويدًا رويدًا بقيّة المطالب التي هي الوصول لمقام الذات، ومعنى «بِكَ عَرَفْتُكَ». إن شاء الله إن استطعنا، نتحدّث غدًا ليلاً حول بقيّة الكلام كختام.
اللهم صل على محمد وآل محمد