/ ۲۸٤

أسرار الملكوت ج۱

1

أسرار الملكوت ج۱

13
  •  

  •  

  • ديباجة

  •  

  •  

أسرار الملكوت ج۱

15
  •  

  •  

  • بسم الله الرحمن الرحيم

  •  

  •  

  • الحمد لله حمداً لا حدَّ له، ومدحاً لا عدَّ له، حمداً يليق بذات المعبود الأحديّة، الذي نظم الوجود بحكمته البالغة ومشيئته القاهرة، وقدَّره من مرحلة الهويّة المطلقة إلى أحطِّ مراتب التعيّنات، وحصر حقيقة تعلّق الموجودات وحيثيّتها الملكوتيّة بيد قدرته التي لا تزال، بمفاد الآية الكريمة إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ* فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ1.

  • أَزِمّةُ الأُمُورِ طُرّاً بِيَدِهِ والكُلُّ مُسْتَمِدَّةٌ مِنْ مَدَدِهِ2

  • المهيمن الذي اختصَّ برداء الكبرياء، والفاطر مخلوقاته على العبوديّة والانقياد؛ يا من انقادت له الأمور بأزمّتها طوعاً لأمره3.

  • المدبّر الذي برشحات أوصاف كماله يسير كلّ موجود إلى غاياته الكماليّة، ويفد إلى منتهى فعليّته؛ قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى4.

  • المصوِّر الذي خلق الإنسان من طين لازب وقوّمه في أحسن تقويم،

    1. سورة يس، الآيتان 82 و 83.
    2. شرح منظومة السبزواري، ص 3.
    3. المصباح، الكفعمي، ص 275؛ و البلد الأمين، ص 375؛ و مهج الدعوات، ص 75.
    4. سورة طه، الآية 50.

أسرار الملكوت ج۱

16
  • وسخّر له الأرض وما فيها؛ وَ مِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ1.

  • المنعم الذي شرَّف النفس الناطقة لبني آدم، بأن خلع عليها لباس الخلافة الإلهيّة، وخصَّ البشر بقابليّة التشرّف بمراتب الأسماء والصفات؛ يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ2. والذي شرَّف الإنسان ورفعه بتربيته العالية، من مرحلة انغماسه في حضيض الكثرات المظلمة إلى أوج مدارج اليقين، وأوصله إلى منزلة «لي مع الله»، التي يغبطه عليها سائر المخلوقات في العوالم العلويّة والملائكة المقرّبون.

  • وسلامٌ متواصلٌ وصلاةٌ متواترةٌ على ساحة المحبوب؛ رسول الإسلام الكريم محمّد بن عبد الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، الذي يمثِّل بوجوده الملكوتي ظهور المشيئة المطلقة، ونقطة الالتقاء بين قوسي الأحديّة والواحديّة، ونفس ناسوتيّته القدسيّة هادية للسبل، ومرشدة للنفوس إلى ساحة القدس والأمن الإلهيّ.

  • خُلقُهُ العظيم تجلٍ ل: وَ إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ3 وفيضان رحمته غير المتناهية بيان وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ4 وفصل كلامه إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ* وَ ما هُوَ بِالْهَزْلِ5 وصدق مرامه وَ إِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ6.

  • وعلى وصيّه وخليفته من بعده، قائد الغرِّ المحجَّلين ويعسوب الدين، قسيم الجنّة والنَّار وساقي السلسبيل الزلال، أمير المؤمنين عليّ بن أبي

    1. سورة الروم، الآية 20.
    2. سورة الانشقاق، الآية 6.
    3. سورة القلم، الآية 4.
    4. سورة الأنبياء، الآية 107.
    5. سورة الطارق، الآيتان 13 و 14.
    6. سورة النمل، الآية 6.

أسرار الملكوت ج۱

17
  • طالب عليه السلام، وعلى ابنته الطاهرة وأسوة نساء بني آدم، شفيعة يوم الجزاء، السيّدة فاطمة الزّهراء سلام الله عليها، وعلى أولادهم المعصومين؛ أعلام التقى ومنار الهدى وشفعاء يوم الجزاء، الأئمّة الميامين وحبل الله الممدود بينه وبين الخلق أجمعين، وبالخصوص قطب رحى الوجود، ومركز دائرة الشهود، والصراط الأقوم بين العباد والمعبود؛ الإمام الحجّة ابن الحسن العسكري أرواحنا لتراب مقدمه الفداء، وجعلنا الله من شيعته ومواليه والذابّين عنه بمحمّد وآله الأطهار، آمين.

  • حثّ الأولياء الإلهيين وتأكيدهم على مطالعة حديث عنوان البصري والعمل به

  • كثيراً ما كان الحقير في حياة والده المعظّم، والعارف الحكيم والسالك الواصل، والباقي ببقاء الله والعالم بأمر الله، حضرة العلّامة آية الله العظمى الحاج السيّد محمّد حسين الحسيني الطهراني أفاض الله علينا من بركات علومه ومعارفه وجعل روحي فداه، يسمع منه ضمن أحاديثه العرفانيّة وجلساته الأخلاقيّة ومحاوراته السلوكيّة مع الأخلّاء الروحانيّين، وأصدقاء الإيمان الحثَّ الشَّديد والتشويق الأكيد على مطالعة الحديث الشريف لعنوان البصري.

  • وكان يقول: عندما تشرّفنا بالذَّهاب إلى النَّجف الأشرف لتحصيل العلوم الإلهيّة، والاستفاضة من باب العلم النّبويّ، ومنبع البهاء والعظمة العلويّة؛ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام، كنت أقرأ هذا الحديث مرّتين في الأسبوع بناء على توصيات المرحوم العلّامة الطباطبائي رضوان الله عليه، وأتأمّل في معانيه وأغوص في بحاره، كما كنت أحمله دائماً في جيبي، وأجعله رفيق طريقي حيثما ذهبت.

  • وكذلك كان آية الله العظمى وحجّته الكبرى أستاذ العرفان الفريد ومربّي النفوس الحاج السيد عليّ القاضي الطباطبائي رضوان الله عليه، يأمر تلاميذه وطلابه بمطالعته والتدبّر في مضامينه والعمل بها، ويؤكّد عليهم هذا

أسرار الملكوت ج۱

18
  • الأمر، بل كان يعتبر ذلك شرطاً لقبول أيّ شخص كي يكون من جملة تلاميذه، والمتربِّين على يديه.

  • نشاط العلّامة الطهراني حين إقامته في طهران

  • وقد تحمّل أستاذنا الأكرم والوالد المعظّم روحي فداه، بعد عودته من النجف الأشرف وإقامته في طهران، مسؤوليّة القيام بوظيفة الإرشاد وتبليغ مباني الشريعة، امتثالًا لدستور أستاذه السلوكي آية الله الأنصاري رضوان الله عليه، وكان مضافاً إلى إقامة صلاة الجماعة وارتقاء منبر الوعظ والإرشاد في مسجد القائم عليه السلام، وإحياء الشعائر الإسلاميّة وإقامة مجالس الحزن والفرح على أهل البيت، ودعوة جميع العلماء وعامّة الناس للمشاركة في هذه المجالس المفيدة والقليلة النظير، فضلًا عن طبع بطاقات المعايدة في المناسبات المختلفة وتوزيعها، وطرح المسائل الحياتية في المجتمع الإسلامي وبيان الأسس الأصيلة للمدرسة الإسلاميّة في هذه المواضيع، وإبراز الجوانب المخفيّة منها قد أقدم على تشكيل جلسات أخلاقيّة متنقِّلة في صباح كلّ جمعة لأخوة السلوك والعديد من الأصدقاء ومرتادي المسجد وغيرهم، وكان يلقي فيها حقائق راقية ومواضيع كثيرة الابتلاء؛ تتعلّق بالحياة الطيّبة في مدرسة أهل البيت. وقد امتازت هذه الجلسات بأهميّة عالية جدّاً، حيث تمّ التعرّض فيها لوظيفة المسلمين في زمن غيبة إمام العصر عجّل الله تعالى فرجه الشريف، ووجوب إقامة حكومة إسلاميّة، وعدم الخضوع والانقياد والتسليم لحكّام الجور، ووجوب التمهيد والاستعداد وتهيئة وسائل استقرار الولاية الإلهيّة، ولزوم مواجهة المخطّطات الشيطانيّة ودفع كيد دول الكفر المستعمرة.

  • وممّا ميّز هذه الأبحاث بشكل واضح عمّا سبقها من سائر ما كتب وقيل حول هذه المواضيع، أنّها أبحاث منبعثة من روح الشريعة، تهدف لبيان أهمّ المباني الفقهيّة، وتوضح مغزى كلمات المعصومين صلوات الله وسلامه

أسرار الملكوت ج۱

19
  • عليهم أجمعين، كما أنّها توجب قوّة البصيرة الاجتماعيّة والسياسيّة وحدّة النظر في المسائل والأحداث الحاكمة على الأمم الأخرى.

  • وكان لطبيعة المواضيع المثارة في تلك الجلسات كالإشارة إلى التواؤم بين التطوّر الفكري والنظري في أبعاد مختلفة من العقيدة، وبين الارتقاء المعنوي في بعده الروحي دورٌ في إضفاء جوٍ خاصّ عليها مع انبساط روحيٍّ غريب. وقد هيّأ استمرار هذه الجلسات الجوَّ المناسب لخوضه في المسائل التي كانت جارية على المسلمين، ومساعدة قائد الثورة الإسلاميّة في إيران حضرة آية الله العظمى السيّد الخميني رحمة الله عليه والاشتراك معه في العمل الثوري.

  • ومن جملة الأمور التي أنتجتها هذه الجلسات أيضاً هي تربية الشباب الغيورين والمتحمّسين والمتأثرين بمدرسة الوحي الذين وقفوا حياتهم على إعلاء كلمة التوحيد، والعمل على استقرار النظام الإسلامي القيّم، كما أنّ من جملة خصائصها أنّها تركت أثراً عميقاً في روحيّة المشاركين فيها ونفسيّتهم. فقد نُقل عن بعضهم أنّه كان يشعر بانقلاب كبير في داخله، ونزعة للتغيّير الذاتي بمجرّد حضوره الجلسة الأولى.

  • وكان الوالد في ليالي الثلاثاء بعد قراءة القرآن الكريم في مسجد القائم يفيض على مسامع وقلوب المشتاقين للمعارف الإلهيّة، لمدّة ساعة، حظّاً وافراً ونصيباً وافياً من شرح الأحاديث القدسيّة من المجلّد السابع عشر من كتاب البحار (الطبعة الحجريّة)، وشرح دعاء أبي حمزة الثمالي والآيات التوحيديّة من القرآن الكريم. وكان في سائر ليالي الأسبوع يلقي دروساً في تفسير القرآن؛ ابتدأت من سورة الحمد المباركة واستمرت إلى أواخر سورة الأنعام، وقد بقي على هذه الحال أكثر من اثنين وعشرين سنة، حتّى هاجر إلى المشهد الرضوي الأقدس على ثاويه آلاف التحيّة والإكرام.

  • والخلاصة، أنّ العلّامة الوالد قدّس الله نفسه الزكيّة، قد وُفِّق بالتوفيق

أسرار الملكوت ج۱

20
  • الربّاني مدّة إقامته في طهران للوصول إلى الكثير من أهدافه الراقية، والتي كانت عبارة عن نشر المعارف الإلهيّة وتبليغ الشريعة المحمّديّة الغرّاء، على صاحبها وآله أفضل الصلاة والسلام، فضلًا عن البيان الصحيح لمنهج ومسار الأئمّة الأطهار صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، كما أنّه روى قلوب المشتاقين لأنوار الهداية في سبل السلام، من معين ماء ولاية أهل البيت عليهم السلام الذي لا ينضب، بحيث إنّ أصحابه فضلًا عن تلامذته لم يشاهدوا من هذا العالم الكبير وميزان العلم والعمل، أيّ نقص أو فتور؛ لا من الجهة العلميّة وكسب المعارف الإلهيّة، ولا من الجهة السلوكيّة والتربية الأخلاقيّة، بل كان يُرى منه إفاضة الرشحات العلميّة والفيوضات الربّانيّة، أكثر بكثير من توقّعهم وتصوّرهم الذاتي ومطالبهم وحاجاتهم السلوكيّة التي كانوا يطمحون إليها. وكأنّه كان يفكّر بأفق أوسع بكثير ونظر ثاقب يفوق ميزان النظر العادي والملاكات المتعارفة، وينظر إلى الآفاق البعيدة وغير المتوقّعة، وكان يخاطب في حديثه بواطن النفوس المستعدّة في المستقبل، ويناجي قلوبهم ليفتح لهم طريق السلوك، ويهيّئ لهم زاد سفرهم إلى الله ومؤونة منازلهم في طريقهم إليه تعالى، وقد قال مراراً للحقير: اعلم أنّي لم أكتب وأتحدّث بهذه المطالب للحاضرين الآن فقط، بل هناك من سوف يستفيد من هذه المسائل في المستقبل إن شاء الله؛ «ورُبَّ حامل فقهٍ إلى من هو أفقه منه»1.

  • فَأَصْبَحْتَ ذا عِلْمٍ بِأَخْبَارِ مَنْ مَضَى***وأَسْرَارِ مَنْ يَأْتِي مُدِلًّا بِخِبْرَةٍ 2

  • تجدر الإشارة إلى أنّ جلسات الذكر والأنس للعلّامة الوالد مع الرفقاء وأخلَّاء السلوك، قد استمرت إلى ما بعد تشرّفه بالبقاع القدسيّة، وبقيتْ إلى نهاية عمره الشريف.

    1. أصول الكافي، ج 1، ص 403.
    2. ديوان ابن الفارض، ص 123.

أسرار الملكوت ج۱

21
  • دواعي إقامة مجالس شرح حديث عنوان البصري

  • وهكذا فقد تركَ رحيل ذلك العزيز وفقده، آهاتٍ محرقةً وحسراتٍ دائمةً في قلوب محبِّيه ومريديه الصالحين، وكان لسان حالنا حين استذكار أيّام الوصال الحميمة، وليالي الوجد المفعمة بالعشق والأنس، والأحاديث العرشيّة الباعثة للحياة في الروح، واللّحظات الممتعة لمجالس الوعظ والأخلاق، وجذبات الأنفاس القدسيّة، ونشأة العوالم الربوبيّة من جهة، وإحساسنا بألم الفقدان ولوعة الهجران وحيرة الحرمان والفراغ من جهة أخرى ما ذكره حافظ الشيرازي في شعره:

  • ياد باد آنكه نهانت نظري با ما بود***رقم مهر تو بر چهره ء ما پيدا بود

  • ياد باد آنكه چو چشمت بعتابم مي كشت***معجز عيسويت در لب شكّرخا بود

  • ياد باد آنكه رخت شمع طرب مى افروخت***وين دل سوخته پروانه ء ناپروا بود

  • ياد باد آنكه چو ياقوت قدح خنده زدى***در ميان من ولعل تو حكايتها بود

  • ياد باد آنكه صبوحي زده در مجلس انس***جز من ودوست نبوديم وخدا با ما بود

  • ياد باد آنكه در آن بزمگه خُلق وادب***آنكه او خنده ء مستانه زدى صهبا بود

  • ياد باد آنكه نگارم چو كمر بربستي***در ركابش مه نو پيك جهان پيما بود

  • ياد باد آنكه خرابات نشين بودم ومست***وآنچه در مسجدم امروز كمست آنجا بود

أسرار الملكوت ج۱

22
  • ياد باد آنكه به اصلاح شما مى شد راست***نظم هر گوهر ناسفته كه حافظ را بود 1

  • لكن ما الفائدة بعد هذا؛ فلا ذاك العلَّامة العزيز موجود بيننا، وليس هناك رجل يمكنه أن يضيء لنا حتّى القليل من منبع النور والعظمة والبهاء. فكما اعتبر أمير المؤمنين عليه السلام أنّ أصعب يوم في حياته كان يوم ارتحال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، فكذلك كان لوفاة هذا الرجل الإلهيّ ثلمة لا تسدّ وصدمة كبيرة في نفوس تلامذته المخلصين.

  • ولم تمض مدّة على هذه الفاجعة، حتّى شكا الكثيرُ من الأخلّاء الروحانيّين ورفقاء الطريق من هذه الوضعيّة المؤسفة ومن الفراغ المعنوي والعلمي والروحي الكبير، فطلبوا من هذا الفقير مسودّ الوجه لقربه من العلّامة أن يقيم محفل أنس ومجلس بحث، تدور رحاه حول مباني الطريق

    1. ديوان حافظ، تصحيح بژمان بختياري، ص 106، غزل 239.
      والمعنى:
      لطالما أذكر! يوم كنّا تحت رعايتك الروحيّة، حيث كانت آثار عشقك ظاهرة في وجوهنا
      لطالما أذكر! يوم كانت تقتلني نظرتك العاتبة إليّ، فكانت تحييني شفاهك المعسولة كمعجزة عيسى
      لطالما أذكر! يوم كان وجهك كشمعة العيد يشعّ بالنور، وكان هذا القلب كالفراشة المتهوّرة تحترق بنار الشمعة
      لطالما أذكر! يوم كان كأس الياقوت المتلألئ، قائماً بيني وبين شفتيك كانت هناك حكايات
      لطالما أذكر! يوم كنّا نرتشف كأس الصباح في مجلس الأنس، لم يكن إلا أنا والحبيب وكان الله يرعانا
      لطالما أذكر! يوم كان ذاك الخُلق والأدب في محفل الفرح، فقد كانت بسمة العاشق هي كأس الشراب
      لطالما أذكر! يوم شدّ الحبيب رحاله لزيارة العالم، فكان القمر الجميل هو الرسول المبشّر بذلك
      لطالما أذكر! يوم كنت أسكن الخرابات وأتنقّل كالمجنون، فقد كان عند روحي ما أفتقده اليوم وأنا في مسجدي
      لطالما أذكر! يوم كان بإصلاحك يتقوّم كلّ شيء، فكلّ جوهر منظوم يلقيه حافظ إنّما صار جميلًا بسبب ذلك.

أسرار الملكوت ج۱

23
  • وأسراره ولطائف السير وظرائفه، يذكر فيه ما علق في ذهنه وبقي في خاطره من كلمات ذلك العالم.

  • لكنّ هذا الفقير لم يكن ليفكِّر بل حتّى ليتصوّر أن يدخل مثل هذا الميدان، أو يقدم على بيان مثل هذه المعارف الحقَّة والعلوم الإلهيّة، لأنّ وجود ذاك الإنسان وجود فعليّ وتامّ وخالص من كلّ عيب ونقص، ومتحلٍّ بالصفات والأسماء والملكات الكماليّة لذات الباري جلّ وعلا، وهذا الفقير مسودّ الوجه في تمام النقصان وتمام الحرمان، فلسان حاله:

  • سيه روئى ز ممكن در دو عالم***جدا هرگز نشد والله أعلم 1

  • وقد امتنعت عن قبول طلب أخوة الإيمان والأعزّة الروحانيّين بادئ الأمر، وتذرّعت بعلل شتّى، إلى أن زاد اهتمامهم وكثر طلبهم لتشكيل هذه المجالس والتحدُّث حول هذه المطالب، حتّى رأيت أن أستجيب لهم وكلّي خجلٌ من لطفهم لسببين؛ أولًا: حتّى لا أظلم هؤلاء الأخوة بردِّهم وكسر خاطرهم، وثانياً: جرياً على قاعدة «ما لا يُدرك كلُّه لا يُترك كلُّه».

  • آب دريا را اگر نتوان كشيد***هم بقدر تشنگي بايد چشيد 2

  • وقلت فلتكن هذه المجالس رأفة بقلوب اليتامى المحترقة والمتألِّمة لفقدان ذلك العارف الواصل والمربّي الحاذق، والأسوة في التخلّق بأخلاق الله وأخلاق رسوله الكريم والأئمّة الميامين عليهم جميعاً أفضل صلوات الله وسلامه.

    1. گلشن راز، ص 72.
      والمعنى: أنّ المسوّد وجهه بالإمكان الذاتي يبقى ممكناً في كلا العالمَين؛ عالم المادّة وعالم الروح، ولن يختلف مصيره والله العالم.
    2. أي: إذا لم تقدر على الإحاطة بماء البحر كلّه، فاشرب منه بمقدار حاجتك.

أسرار الملكوت ج۱

24
  • مهر جهانسوز چو پنهان شود***شب پره بازيگر ميدان شود 1

  • ولا شكّ في أنّ نفس انعقاد مجالس ذكر الله وتعداد النعم والألطاف الإلهيّة، والبحث حول المعارف المتقنة للتوحيد والولاية، وكيفيّة الوصول إلى ذروة العرفان الحقيقيّة، مع ما يلازم ذلك من إخلاص النيّة وصفاء الخاطر، وتطهير الضمير من شوائب الكثرة، يعتبر من أهمّ الضرورات وعلى رأس سلّم الأولويات المتّصفة بأقصى درجات الإلزام، وقد قيل:

  • عند ذكر الصَّالحين تنزل الرحمة2.

  • أي أنّ الرحمة الإلهيّة وفيضان العناية الربانيّة تجري عند ذكر العظماء والأولياء وبيان سيرتهم وأهدافهم وطريقتهم.

  • وقد ورد في «منية المريد»:

  • قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: إذا مررتم في رياض الجنّة فارتعوا، قالوا: يا رسول الله وما رياض الجنّة؟ قال: حِلَقُ الذِّكر؛ فإنّ لله سيّارات من الملائكة يطلبون حِلَقَ الذِّكر، فإذا أتوا عليهم حفُّوا بهم (وأحاطوهم برحمة الله وبهائه ونوره)3.

  • من هنا تقرَّر أن يدور محور هذه المجالس حول عرض المباني العرفانيّة وأصول التربية السلوكيّة والتهذيب النفسي، لذلك تمَّ انتخاب حديث عنوان البصري المروي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام ليكون منطلقاً للمباحث الأخلاقيّة والمواعظ السلوكيّة، حيث ورد تأكيد شديد من قبل الأولياء السابقين وأدلَّاء الطريق على الاهتمام بالعمل على طبقه، باعتباره مبيّناً للسفر

    1. أي: عندما تغيب الشمس المضيئة، يصير الخفّاش فارس الميدان.
    2. بحار الأنوار، ج 90، ص 349.
    3. منية المريد، الشهيد الثاني، ص 106؛ و بحار الأنوار، ج 1، ص 205.

أسرار الملكوت ج۱

25
  • نحو الله والارتقاء إلى أعلى مراتب القرب ولقاء الحضرة الأحديّة، وبعنوان كونه أحد الأصول الموضوعة والقوانين المدوَّنة لهذا الطريق.

  • الغاية من تأليف هذا الكتاب هو نشر آراء العلّامة الطهراني والاستفادة منها

  • ولا يخفى أنّ الغرض الأصلي والغاية الأساسيّة من هذه المجالس، هي الاستفادة من كلمات وكتابات المرحوم الوالد رضوان الله عليه، لهذا السبب انصبَّ الاهتمام، بقدر الإمكان، على نقل المواعظ الأخلاقيّة والكلمات الحِكَميَّة والحكايات المعبِّرة الموجودة في كتبه والمضبوطة في تسجيلاته، والتصرُّف بأقلّ قدر ممكن من قِبَل الحقير في شرح وتفسير عبارات هذا الحديث ذات المضامين العالية. من هنا يمكن القول بأنّ المطالب المطروحة في فصول ومجالس هذا الكتاب، مطابقة أو قريبة جدّاً لمباني وأفكار وأسلوب الوالد في شرح مضامين هذا الحديث الشريف.

  • والجدير بالذكر أنّ طريقة كتابة هذا الكتاب، وإن تعدَّت كونها شرحاً محضاً لحديث عنوان البصري، وتجاوزت الحدّ المتعارف لمصطلح التأليف، إلا أنّ القارئ العزيز سيجد أنّ من المناسب جدّاً ذكر هذه المواضيع، بحيث لا يرى مانعاً من اندراجها فيه، ولن يؤاخذ المؤلف الحقير على إطالته الكلام في مسائل جانبيّة، بل سوف يتعرَّف من خلال الأمور الدقيقة المطروحة في الأبواب المختلفة بعبارة سلسة، على حقائق الإسلام النورانيّة ومباني التشيُّع الأصيل، ويطَّلع على أساس العرفان الحقيقي لمدرسة أهل بيت العصمة والطهارة عليهم السلام، ذاك العرفان الذي ينبع من معين علوم مدرسة الوحي وعقائدها، ليجري على قلم أولياء الحقّ ولسانهم، وأفعال العرفاء بالله.

  • مصادر حديث عنوان البصري

  • وأما راوي الحديث عنوان البصري فقد ورد اسمه في كتب الشيعة قليلًا حين نقلهم لهذا الحديث، حيث نقله المرحوم السيد محسن الأمين العاملي في «أعيان الشيعة»، ج 4، ص 72 من كتاب «منية المريد» للشهيد

أسرار الملكوت ج۱

26
  • الثاني1، ونقله أيضاً محمّد بن محمّد بن الحسن الحسيني العاملي العيناثي المعروف بابن القاسم في كتاب «الإثنا عشريّة في المواعظ العدديّة»، حيث قال فيه: «إنّ هذا الحديث من روايات العامّة من مرويات عنوان البصري»2. كما أنّ المرحوم المجلسي نقل عن الشيخ البهائي

    1. يكفي في بيان أهميّة كتاب منية المريد وعظمته أن نشير إلى ما ذكره العظماء من علماء الشيعة، وما بذلوه من عناية وتوجّه خاص، فضلًا عن توصيتهم لتلاميذهم بمطالعته والتأدّب بالآداب المذكورة فيه. ومن جملة هؤلاء الميرزا الشيرازي حيث يقول:« كم هو جدير بأهل العلم وطلاب العلوم الدينيّة أن يواظبوا على مطالعة هذا الكتاب ويتأدّبوا بآدابه ويعملوا بما ورد فيه». وقد أشار إلى أهميّة هذا الكتاب كلٌّ من: المرحوم السيد محسن الأمين العاملي في كتاب أعيان الشيعة، ج 7، ص 154 و 156، وابن العودي تلميذ الشهيد الثاني في كتاب الدرّ المنثور، ج 2، ص 186، والمرحوم الشيخ عبد الله المامقاني صاحب كتاب تنقيح المقال في كتاب مرآة الرشاد الذي يحتوي على وصاياه لابنه، والسيّد صدر المتألّهين في كتاب شرح أصول الكافي. واعتبره المجلسي من جملة مصادر بحار الأنوار، كما اعتمد عليه الحرّ العاملي في كتابه الجواهر السنيّة في الأحاديث القدسيّة.
    2. لكن مع كون راوي هذا الحديث عامّياً، إلّا أنّنا نرى أنّ هذه الرواية ذات المضامين العالية قد وردت في العديد من الكتب الروائيّة والأخلاقيّة والعرفانيّة، ممّا يكشف أنّ علماء الشيعة العظام قد اهتمّوا بها. بل نرى أنّ بعض فقرات هذا الحديث الشريف قد وردت في كتبنا الأصوليّة والفقهيّة في مقام الاستدلال كمصدر ودليل وشاهد، وأمّا خصوصيّة الراوي وكونه عاميّاً فلم توجب قطّ ضعفاً في الإسناد إلى الإمام عليه السلام، بل كان الحديث محطَّ قبول علماء الشيعة وأعلامهم- مع كثرتهم واختلافهم- وكشاهد على ذلك، نذكر بعض المصادر التي أوردت هذا الحديث:
      كتاب الكشكول للشيخ البهائي؛ وكتاب الإثنا عشريّة في المواعظ العدديّة لابن القاسم، ص 140؛ و مشكاة الأنوار، ص 325؛ و بحار الأنوار، ج 1، ص 224؛ و الكنى والألقاب، ج 2، ص 85؛ وكتاب الإمام الصادق عليه السلام، للشيخ محمّد حسين المظفّر، ج 2، ص 53؛ و أعيان الشيعة، ج 4، ص 72، حيث نقل هذا الحديث بتمامه في هذه الكتب. وقد نقلت أجزاء من الحديث ضمن مناسبات مختلفة في كلٍّ من: منية المريد، ص 148؛ و وسائل الشيعة، ج 27، ص 172، و مستدرك الوسائل، ج 11، ص 290، وج 16، ص 210، وج 17، ص 322؛ و مستدرك السفينة، ج 2، ص 469، وج 4، ص 252، وج 7، ص 352، ج 8، ص 179؛ و بحار الأنوار، ج 2، ص062 ؛ وكتاب شجرة طوبى، ج 1، ص 38؛ و مجمع البحرين، ج 3، ص 108؛ و الإمام جعفر الصادق لعبد الحليم الجندي ص 161، وص 340؛ وكتاب طرائف المقال في علم الرجال، ج 2، ص 460.
      وكذلك وردت بعض الفقرات من هذا الحديث في مقام الاستدلال لإثبات المطلوب في الكتب الأصوليّة من قبيل: الرسائل للشيخ الأنصاري، ص 347؛ و نهاية الأفكار، ج 3، ص 246؛ وفي الكتب الفقهيّة من قبيل الحدائق الناضرة، ج 1، ص 76؛ و مستمسك العروة، ج 3، ص 287، وغيرها من الكتب الأخرى.

أسرار الملكوت ج۱

27
  • أعلى الله مقامهما الحديث نفسه في كتابه بحار الأنوار.

  • وعلى كلّ حال، فمع التأمُّل والتدبُّر في مضامين هذا الحديث الشريف لا يبقى أيُّ مجال للشكّ في أنّ هذه المطالب والمضامين قد صدرت واقعاً من مصدر الوحي ومنبع التشريع، كما يُشَاهَد فيه بوضوح روح التربية والتزكية الإلهيّة الصحيحة الصادرة من لسان المعصوم عليه السلام.

  • وأخيراً، نسأل الله المنّان أن يمنَّ علينا من خلال التمسّك بالولاية الكلّيّة الإلهيّة، وثبات أقدامنا على صراط المعصومين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ودربهم، والالتزام بالأوامر والبرامج السلوكيّة لصادق آل محمّد عليه السلام بتبديل جميع حيثيّاتنا الاستعداديّة إلى جهات فعليّة كماليّة، ويكشف عنَّا حجب الجهل بضياء العلم واليقين ونور البهاء والعظمة، وينقل نفوسنا الناسوتيَّة إلى الأرواح المجرّدة اللاهوتيّة فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ1.

  • اللهمّ وألحقنا بعبادك الذين هم بالبدار إليك يسارعون، وبابك على الدوام يطرقون، وإيّاك في الليل والنهار يعبدون، برحمتك يا أرحم الراحمين2.

  • مشهد المقدسة

  • أذان الظهر من يوم الأربعاء 30 ربيع الأول 1420 هجري قمري

  • السيد محمّد مُحسن الحسيني الطهراني

    1. سورة القمر، الآية 55.
    2. مقتبس من المناجات الخمسة عشر، مناجاة المريدين.

أسرار الملكوت ج۱

29
  •  

  •  

  • مقدمة

  •  

  •  

أسرار الملكوت ج۱

31
  •  

  •  

  • بسم الله الرحمن الرحيم

  •  

  •  

  • الحمد للمعبود الواحد الأحد، الذي يحمده الملأ الأعلى، ويسبّحه ويبجّله سكَّان الأرض والسماء، الذي أفاض بوجوده الأقدس على الماهيّات الممكنة، ونوَّر ظلماتها بأنوار مظاهر جماله وجلاله، وبفضل مشيئته القاهرة خصَّ الإنسان من بين سائر مخلوقاته بتاج الكرامة وَ لَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَ حَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ رَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَ فَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا1، وخلع عليه لباس خلافة الغيب المكنون، وألبسه الرِّداء الرفيع أَوْ أَدْنى2 من حريم قدسه وكبريائه، وأعدَّ النفوس المتعلّقة بالناسوت للوصول إلى جوهر الملكوت، وهيَّأ الذوات المنغمسة بعالم الكثرات للعودة إلى الفناء في حقيقة الذات. وبموجب وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي3 أوجد الإنسان بنفخة رحمانيّة من سرّ الوجود، وحصر قابليّة حمل الأمانة الإلهيّة الكبرى بذات الإنسان القدسيّة، وبمقتضى وحدته الجامعة منحه إمكانيّة العروج إلى أعلى مراتب الرقيّ، والنزول إلى أدنى منزلة في مظاهر الكون، وبذلك كان مفتخراً لعالم الوجود، ومستوجباً لسجود ملائكة

    1. سورة الإسراء، الآية 70.
    2. سورة النجم، من الآية 9.
    3. سورة الحجر، من الآية 29.

أسرار الملكوت ج۱

32
  • السماوات وساكني عوالم الأنوار؛ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ* ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ* إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ*1.

  • وسلامٌ متواصلٌ وتحيّةٌ متواترةٌ على رفيعي المنزلة؛ من الأنبياء والحجج الإلهيّة، الذين تحمّلوا جميع أعباء الرسالة بعزم متين وقدم راسخة لإعلاء كلمة التوحيد، ولم يفتروا أو يقصّروا لحظةً في سبيل الوصول إلى هدفهم، ولم يتنازلوا قيد أنملة عن منهجهم الصحيح وطريقهم القويم أمام الضغوط والمصاعب، واعتبروا أنّ الثمرة الوحيدة للرسالة وأجر تبليغها هو رقيُّ الأمّة ورشدها قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا2.

  • خصوصاً على ثمرة عالم الوجود وجوهره، المظهر الأتمّ للصفات الإلهيّة والأسماء الحسنى، ومَجلى الأنوار الباهرة لحضرة المعبود، ومظهر نشأَتَي الغيب والشهود؛ أبو الأكوان بفاعليّته وأمّ الإمكان بقابليّته3؛ محمّد ابن عبد الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، الذي نشأته الناسوتيّة فيضان الرحمة والمغفرة للعالي والداني، ونفحات أنفاسه الملكوتيّة منبع الحياة الطيّبة للعارفين والسالكين وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ4، وجميع الأنبياء هالة لنور إنعامه، وقوت الأولياء من فتات موائد كرمه، وحقيقة مراتب الوجود قائمة بتدلِّيه وتعلُّقه؛ لولاك لما خلقت الأفلاك5، وكمال التعيّنات

    1. سورة التين، الآيات 46.
    2. سورة الفرقان، الآية 57.
    3. أي: أنّه أب لعوالم الوجود من جهة فاعليّته، وأمٌّ لجميع المخلوقات من جهة القبول والاستعداد؛ وذلك لأنّه بسبب تحقّق هاتين الحيثيّتين المختلفتين؛ الأولى حيثيّة نزول حقيقة الوجود بالإضافة الإشراقيّة. والثانية تشكّل تلك الحقيقة في قوالب وظروف متفاوتة وتعيّنها بتعيّنات مختلفة، ترتسم كيفيّة بدء الخلق وختمه. حيث يعبّر عن الحيثيّة الأولى بالحيثيّة الفاعليّة ويعبّر عن الثانية بالحيثيّة القابليّة، وكلتا هاتين الحيثيّتين من وجوده المبارك متحقّقتان في نفسه الشريفة.
    4. سورة الأنبياء، الآية 107.
    5. مناقب آل أبي طالب، ابن شهرآشوب، ج 1، ص 217.

أسرار الملكوت ج۱

33
  • متحقِّقة بالتربيّة الملكوتيّة لنفسه الزاكية، والصالحون مرآةٌ لشمس جماله؛ قال: إنما بُعثتُ لأتمِّم مكارمَ الأخلاق1، والمرسلون طلائع لظهوره ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَ لكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَ خاتَمَ النَّبِيِّينَ وَ كانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً2.

  • وعلى آله وعترته الذين جعل الله تعالى مودَّتهم أساساً لتكوُّن السماوات والأرضين؛ قال: يا ملائكتي ويا سكان سماواتي! إنّي ما خلقت سماءً مبنيّة ولا أرضاً مدحيّة ولا قمراً منيراً، ولا شمساً مضيئة ولا فَلَكاً يدور، ولا فُلْكاً يسري، ولا بحراً يجري إلا لمحبّة هؤلاء الخمسة3. الذين جعل الله حبَّهم مفتاح النجاة الأبديّة، ومتابعتهم ماء الحياة والسعادة السرمديّة؛ حيث قال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ4، والذين هم منار الهدى وأعلام التقى ودعائم الإسلام وولائج الاعتصام، خصوصاً قطب دائرة الوجود، وحبل الله الممدود بين العباد والمعبود؛ إمام العصر والزمان بقيّة الله الحجّة ابن الحسن العسكري، أرواحنا لتراب مقدمه الفداء وجعلنا الله من أعوانه وأنصاره والذّابين عنه.

  • اللهمّ اجعله الداعي إلى كتابك، والقائم بدينك، استخلفه في الأرض كما استخلفت الذين من قبله، مكِّن له دينه الذي ارتضيته له، أبدله من بعد خوفه أمناً يعبدك لا يشرك بك شيئاً ... اللهمّ إنّا نرغب إليك في دولةٍ كريمة تعزُّ بها الإسلام وأهله، وتذلّ بها النفاق وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى طاعتك والقادة إلى سبيلك، وترزقنا بها كرامة الدنيا والآخرة ... برحمتك يا أرحم الراحمين5.

    1. مكارم الأخلاق، الطبرسي، ص 8؛ و السنن الكبرى، ج 10، ص 192.
    2. سورة الأحزاب، من الآية 40.
    3. شرح إحقاق الحقّ، ج 2، ص 556.
    4. سورة النساء، من الآية 59.
    5. إقبال الأعمال، ج 1، ص 141 و 142.

أسرار الملكوت ج۱

34
  • نص حديث عنوان البصري

  • بسم الله الرحمن الرحيم

  • هذا نصّ رواية عنوان البصري كما هو موجود في كتاب «الروح المجرد» للعلّامة الوالد آية الله الحاج السيد محمّد الحسين الحسيني الطهراني، أفاض الله علينا من بركات نوره القدسيّة:

  • أقول: وجدت بخطّ شيخنا البهائي قدّس الله روحه ما هذا لفظه:

  • قال الشيخ شمس الدين محمّد بن مكّي: نقلت من خطّ الشيخ أحمد الفراهاني رحمه الله عن عنوان البصري وكان شيخاً كبيراً قد أتى عليه أربع وتسعون سنةً قال: كنت أختلف إلى مالك بن أنس سنين، فلمّا قدم جعفر الصادق عليه السلام المدينة، اختلفت إليه وأحببت أن آخذ عنه كما أخذت عن مالك.

  • فقال لي يوماً: إنّي رجلٌ مطلوبٌ، ومع ذلك لي أورادٌ في كلّ ساعة من آناء الليل والنهار، فلا تشغلني عن وردي، وخذ عن مالك واختلف إليه كما كنت تختلف إليه.

  • فاغتممت من ذلك وخرجت من عنده، وقلت في نفسي: لو تفرَّس فيَّ خيراً لما زجرني عن الاختلاف إليه والأخذ عنه.

  • فدخلت مسجد الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّمت عليه، ثمّ رجعت من الغد إلى الروضة وصلّيت فيها ركعتين، وقلت: أسألك يا الله يا الله! أن تعطف عليّ قلب جعفر، وترزقني من علمه ما أهتدي به إلى صراطك المستقيم.

  • ورجعت إلى داري مغتمّاً، ولم أختلف إلى مالك بن أنس لما أشرب قلبي من حبِّ جعفر.

  • فما خرجت من داري إلا إلى الصلاة المكتوبة حتّى عيل صبري.

أسرار الملكوت ج۱

35
  • فلمّا ضاق صدري تنعّلت وتردّيت وقصدت جعفراً، وكان بعد ما صلّيت العصر.

  • فلمّا حضرتُ باب داره استأذنت عليه، فخرج خادمٌ له فقال: ما حاجتك؟

  • فقلت: السلام على الشريف!

  • فقال: هو قائم في مصلّاه، فجلست بحذاء بابه، فما لبثتُ إلا يسيراً، إذ خرج خادمٌ فقال: ادخل على بركة الله، فدخلتُ وسلّمتُ عليه. فردّ السلام، وقال: اجلس غفر الله لك.

  • فجلست، فأطرق مليّاً، ثمّ رفع رأسه وقال: أبو من؟

  • قلت: أبو عبد الله!

  • قال: ثبّت الله كنيتك ووفّقك، يا أبا عبد الله ما مسألتك؟!

  • فقلت في نفسي: لو لم يكن لي من زيارته والتسليم غير هذا الدعاء لكان كثيراً.

  • ثمّ رفع رأسه ثمّ قال: ما مسألتك؟

  • فقلت: سألت الله أن يعطف قلبك عليّ ويرزقني من علمك، وأرجو أنّ الله تعالى أجابني في الشريف ما سألته.

  • فقال: يا أبا عبد الله، ليس العلم بالتعلم، إنّما هو نورٌ يقع في قلب من يريد الله تبارك وتعالى أن يهديه، فإن أردت العلم، فاطلب أوّلًا في نفسك حقيقة العبوديّة، واطلب العلم باستعماله، واستفهم الله يفهمك!

  • قلت: يا شريف، فقال: قل يا أبا عبد الله!

  • قلت: يا أبا عبد الله! ما حقيقة العبوديّة؟

أسرار الملكوت ج۱

36
  • قال: ثلاثة أشياء: أن لا يرى العبد لنفسه فيما خوّله الله مُلكاً؛ لأنّ العبيد لا يكون لهم ملك، يرون المال مال الله، يضعونه حيث أمرهم الله به، ولا يدبّر العبد لنفسه تدبيراً، وجملة اشتغاله فيما أمره تعالى به ونهاه عنه.

  • فإذا لم يرَ العبد لنفسه فيما خوّله الله تعالى ملكاً هان عليه الإنفاق فيما أمره الله تعالى أن ينفق فيه، وإذا فوّض العبد تدبير نفسه على مدبِّره، هان عليه مصائب الدنيا، وإذا اشتغل العبد بما أمره الله تعالى ونهاه، لا يتفرَّغ منهما إلى المراء والمباهاة مع الناس.

  • فإذا أكرم الله العبد بهذه الثلاثة هان عليه الدنيا، وإبليس، والخلق. ولا يطلب الدنيا تكاثراً وتفاخراً، ولا يطلب ما عند الناس عزّاً وعلوّاً، ولا يدع أيّامه باطلًا.

  • فهذا أوّل درجة التقى، قال الله تبارك وتعالى:

  • تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ*1.

  • قلت: يا أبا عبد الله أوصني!

  • فقال: أوصيك بتسعة أشياء، فإنّها وصيّتي لمريدي الطريق إلى الله تعالى، والله أسألُ أن يوفّقك لاستعماله.

  • ثلاثة منها في رياضة النفس، وثلاثة منها في الحلم، وثلاثة منها في العلم، فاحفظها وإيّاك والتهاون بها!

  • قال عنوان: ففرّغت قلبي له.

    1. سورة القصص، الآية 83.

أسرار الملكوت ج۱

37
  • فقال: أما اللواتي في الرياضة: فإيّاك أن تأكل ما لا تشتهيه، فإنّه يورث الحماقة والبَلَه، ولا تأكل إلا عند الجوع، وإذا أكلت فكل حلالًا وسمِّ الله، واذكر حديث الرسول صلّى الله عليه وآله: ما ملأ آدميٌّ وعاءً شرّاً من بطنه، فإن كان ولا بُدَّ، فثلثٌ لطعامه وثلثٌ لشرابه وثلثٌ لنَفَسه.

  • وأما اللواتي في الحلم: فمن قال لك: إن قلت واحدة سمعت عشراً، فقل: إن قلت عشراً لم تسمع واحدة. ومن شتمك فقل له: إن كنت صادقاً فيما تقول، فأسأل الله أن يغفر لي، وإن كنت كاذباً فيما تقول فالله أسألُ أن يغفر لك. ومن وعدك بالخنى فعده بالنصيحة والرِّعاء.

  • وأمّا اللواتي في العلم: فاسأل العلماء ما جهلت، وإيّاك أن تسألهم تعنّتاً وتجربة، وإيّاك أن تعمل برأيك شيئاً. وخذ بالاحتياط في جميع ما تجد إليه سبيلًا، واهرب من الفتيا هربك من الأسد، ولا تجعل رقبتك للنّاس جسراً!

  • قم عنّي يا أبا عبد الله فقد نصحت لك، ولا تفسد عليّ وردي، فإنّي امرؤٌ ضنين بنفسي. والسلام على من اتبع الهدى1.

  • هذا نصّ الحديث الشريف أخذناه من كتاب الروح المجرّد على مؤلّفه رضوان الله وبركاته. وسوف نشرع بتوضيح فقراته ضمن مدركاتنا الناقصة وفي حدود سعة ظرفيتنا:

  • آب دريا اگر نتوان كشيد***هم بقدر تشنگي بايد چشيد 2

    1. الروح المجرد، ص 187- 191، نقلًا عن بحار الأنوار، ج 1، ص 224 إلى 226.
    2. أي: إذا لم تقدر على الإحاطة بماء البحر كلّه، فاشرب منه بمقدار حاجتك.

أسرار الملكوت ج۱

39
  •  

  •  

  • المجلس الأول: كتمان بعض الصحابة مناقب أمير المؤمنين عليه السلام

  •  

  •  

أسرار الملكوت ج۱

41
  •  

  •  

  • بسم الله الرحمن الرحيم

  • الحمد لله ربِّ العالمين

  • والصّلاةُ على خيرة الله المنتجبين محمَّدٍ وآلِهِ الطاهِرِين

  • واللّعنةُ على أعدائِهِم أجمعين

  •  

  •  

  • يقول عنوان البصري:

  • كُنتُ أختلفُ إلى مالك بن أنس سنين (وآخذ عنه العلوم والروايات التي كان يرويها عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فلمّا قدِمَ جعفرُ الصادقُ عليه السلام المدينةَ اختلفتُ إليهِ (وتركت مجلس مالك ورأيت أنّ الاستفادة من المجلس الشريف للإمام أولى) وأحببْتُ أن آخذَ عنه كمَا أخذتُ عنْ مالك.

  • ومالك بن أنس هو ابن أنس بن مالك الأنصاري. وأنسٌ كان من قبيلة الخزرج، وقد كنّاه رسول الله بأبي حمزة. وبقي مدّة عشر سنوات يخدم الرسول بالمدينة، كما روى عنه الكثير من الروايات، حتّى قيل إنّ رواياته وصلت إلى ألفين ومائتين وست وثمانين رواية، وقد عمّر أنس كثيراً حيث بقي إلى سنة اثنين وتسعين من الهجرة، وتوفيّ خارج البصرة ودفن هناك.

  • حديث الطائر المشوي وغضب أمير المؤمنين عليه السلام من أنس بن مالك

  • وقصّة أنس بن مالك معبّرة جدّاً ومفيدة؛ فالعامّة تعدّه من كبار صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم ومن المقرّبين إليه. وقد روى عنه

أسرار الملكوت ج۱

42
  • روايات متعدّدة في مواضيع مختلفة؛ فرواية الطائر المشويّ في فضيلة أمير المؤمنين عليه السلام الموجودة في كتب الشيعة والسنَّة، مروية عنه. وفي ذلك ينقل العلَّامة محمَّد باقر المجلسي رضوان الله عليه في بحار الأنوار، عن كتاب «تفضيل أمير المؤمنين» للكراجكي، حيث يقول:

  • لمَّا حمل المأمون أبا هَدْيَة (مولى أنس) إلى خراسان، بلغني ذلك فخرجتُ في لقائه، فصادفني في بعض المنازل، فرأيت رجلًا طويلًا خفيف العارضين منحنياً من الكِبَر وقد اجتمع عليه الناس. فقلت له: حدِّثني رحمك الله فإنّي أتيتك من بلد بعيد أسمع منك. فلم يحدِّثني من الزحمة التي كانت عليه، ثمّ رحل فتبعتُهُ إلى المرحلة الأخرى، فلمَّا نزل أتيتُهُ فقلت له: حدِّثني رحمك الله تعالى قال: أنت صاحبي بالأمس؟! قلت: نعم، قال: إذنْ والله لا أحدّثُك إلّا قائماً لما بدا منّي إليك، لأنيّ سمعت رسولالله صلّى الله عليه وآله يقول: من كان عنده علمٌ فكتمه، ألجمه الله يوم القيامة بلجامٍ من نار.

  • ثمَّ قام قائماً وقال: كنت رأيت مولاي أنسَ بن مالك وهو معصَّبٌ بعصابةٍ بيضاء، فقلت: وما هذه العصابة؟! قال: هذه دعوةُ عليِّ بن أبي طالب [عليه السلام]، فقلت: وكيف؟ فقال: أُهدِيَ إلى رسول الله صلّيالله عليه وآله طائرٌ، ورسول الله صلّى الله عليه وآله في بيت أمِّ سلمة رضي الله عنها، وأنا حينئذ أحجب رسول الله صلّى الله عليه وآله، فأصلَحَتْهُ أمُّ سلمة رضي الله عنها، وأتت به رسول الله صلّى الله عليه وآله وقالت أمُّ سلمة: إلزم الباب لينال رسولُ الله صلّى الله عليه وآله منه، فلزمتُ الباب وقدَّمَتْهُ إلى النبي صلّى الله عليه وآله، فلمّا وضعَتْهُ بين يديه رفع رسولُ الله صلّى الله عليه وآله يديه وقال: اللهمَّ ائتني بأحبِّ خلقك إليك يأكل معي من هذا الطائر، فسمعتُ دعوةَ رسولِ الله صلّى الله عليه وآله، وأحببت أن يكون رجلًا من قومي.

أسرار الملكوت ج۱

43
  • فأتى عليُّ بن أبي طالب، فقلت: إنّ رسول الله عنك مشغول، فانصَرَفَ! ثمّ دعا رسول الله صلّى الله عليه وآله ثانية وقال: اللهمّ ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي من هذا الطائر، فأتى عليّ بن أبي طالب، فقلت: إنّ رسول الله عنك مشغول، فانْصَرَفَ! ثمّ رفع رسول الله صلّى الله عليه وآله رأسه ودعا ثالثة وقال: يا رب ائتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي من هذا الطائر، فأتى عليّ فقلت: رسول الله عنك مشغول، فقال: وما يشغل رسول الله صلّيالله عليه وآله عنّي؟ ودفعني فدخل، فلمّا رآه رسولالله صلّى الله عليه وآله قبَّل ما بين عينيه وقال: يا أخي! من الذي حبسك عنّي وقد دعوتُ الله ثلاثاً أن يأتيني بأحبِّ خلقه إليه يأكل معي من هذا الطائر؟ فقال يا رسول الله قد جئتُ ثلاثاً، كلُّ ذلك يردُّني أنس، فقال: لمَ رددت علياً؟ فقلت: يا رسولالله إنّي سمعت دعوتك، فأحببت أن يكون رجلًا من الأنصار فأفتخر به إلى الأبد، فقال علي عليه السلام: اللهمَّ ارمِ أنساً بوَضَح لا يستره من الناس، فظهر عليَّ هذا الذي ترى، وهي دعوة1.

  • حديث آخر عن أنس حول ولاية أمير المؤمنين عليه السلام

  • وكذلك روى أنس عن الرسول الحديث المعروف حول ولاية أمير المؤمنين عليه السلام، وقد نقله عنه أبو نعيم الأصفهاني وشيخ الإسلام الحمويني، وقد ذكره السيّد الوالد رضوان الله عليه في الجزء الأوّل من كتابه القيِّم «معرفة الإمام»، ونحن ننقله كما ورد هناك:

  • يقول أنس:

  • قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: يا أنس اسكب لي وضوءاً، ثمّ قام فصلَّى ركعتين، ثمّ قال: يا أنس أوَّل من يدخل عليك من هذا الباب أميرُ المؤمنين وسيّدُ المسلمين وقائدُ الغرِّ المحجَّلين وخاتم الوصيّين، قال أنس: قلتُ: اللهمَّ اجعله رجلًا من الأنصار، وكتمته. إذ جاء عليٌّ فقال:

    1. عليّ بحار الأنوار، ج 57، ص 300.

أسرار الملكوت ج۱

44
  • من هذا يا أنس؟ فقلت: عليٌّ، فقام مستبشراً فاعتنقه، ثمّ جعل يمسح عرق وجهه بوجهه، ويمسح عرق عليٍّ بوجهه.

  • قال عليّ: يا رسول الله لقد رأيتك صنعت شيئاً ما صنعت بي من قبل؟ قال: وما يمنعني وأنت تؤدِّي عنِّي، وتُسمعهم صوتي، وتُبيّن لهم ما اختلفوا فيه بعدي1.

  • كون أنس من أكثر الأشخاص اطّلاعاً على العلاقة الخاصّة بين رسول الله ووصيّه

  • وقد ذكرنا هاتين الروايتين كنموذج، وذلك لمعرفة مدى قرب أنس بن مالك من رسول الله صلّى الله عليه وآله، ومدى اطِّلاعه على ما كان يحدث في منزله، حيث كان محيطاً بدقائق ما كان يجري بينه وبين أمير المؤمنين وفاطمة الزهراء سلام الله عليهم أجمعين، ويمكن القول بأنّه كان يعرف الكثير من أسرار بيت النبوّة التي لم يكن يطّلع عليها من هو خارج حريم هذا البيت وحدوده، ويعرف جيّداً العلاقة الخاصَّة للرسول الأكرم بوصيِّه، والتي تكشف عن اتِّحاد نفس النبيّ وروحه مع أمير المؤمنين. كما أنّه كان على دراية بأنَّ عليَّ بن أبي طالب عليه السلام هو الوصيُّ المشخَّص والخليفة المعيَّن بلا فصل بعد رسول الله، الذي لم يكن يُحتمل بأيِّ شكل وجود مصداق للوصيِّ غيره، وقد وصل أنس إلى مرتبة من العلم والمعرفة بأحقيّة الإمام علي بالخلافة بحيث لم يعد بحاجة معها إلى واقعة الغدير لإثبات هذا الأمر العظيم، حتى أنّه لو كان أيّ شخص مكانه وفي موقعيَّته بأنْ كان لديه أدنى اطّلاع على قولٍ من أقوال الرسول وفعل من أفعاله المتعلِّقة بأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام لم يكن ليدع مجالًا للشَّك في أنَّ الرسول الأكرم قد نصّب عليَّ بن أبي طالب وصيّاً وخليفةً. لماذا؟ لأنَّ الأمر واضح جدّاً بالنسبة لنا، وذلك بعد مرور ألف وأربعمائة سنة، والحال أنّنا أخذنا معلوماتنا عبر التحقيق في التاريخ والحوادث الواقعة في عصر الرسول وما بعده، حيث انكشفت لنا من

    1. معرفة الإمام، ج 1، ص 150، نقلًا عن كتاب حلية الأولياء، ج 1، ص 63؛ وفرائد السمطين، ومطالب السؤول، ص 21، عن الحافظ أبي نعيم في حليته.

أسرار الملكوت ج۱

45
  • خلال مراجعة دقيقة لأوراق هذا التاريخ وصفحاته، حقائقُ تاريخيّةٌ لا تقبل الإنكار مع وجود جميع محاولات الدسّ والخداع وإخفاء الحقائق والمناقب المسلّمة، وإيجاد جوًّ من الاستبداد، وكثرة الإعدامات المحيّرة للعقول التي كانت تحصل للحيلولة دون نشر حقيقة الولاية، ولإطفاء أنوار العترة الطاهرة والذوات المقدّسة لأئمّة الهدى صلوات الله عليهم أجمعين، وخاصّة نور محبّة وولاية مولى المؤمنين وإمام المتّقين أمير المؤمنين عليه السلام واتّضح من خلال ذلك وضوحاً جليّاً كالشمس في رابعة النّهار، أنّه لم يكن أيّ شخص في عصر الرسول قادراً على تحمّل المسؤوليّة العظمى للخلافة الإلهيّة وحفظها، وحمل ثقل الوصاية بعد النبيِّ الأكرم مباشرة غير أمير المؤمنين بل كان مجرّد تصوّر أيِّ شخص لذلك، حتّى بنحو الاحتمال موجباً للسخريّة كما اتّضح أنّ الشخص الوحيد القادر على تحمّل أعباء هذه الرسالة الإلهيّة وقبول الخلافة والوصاية ووزارة خاتم الأنبياء، هو خصوص عليّ بن أبي طالب دون غيره.

  • إذا كان الأمر كذلك بالنسبة لنا بعد مضي هذه الفترة الزمنيّة الطويلة، فكيف الحال بالنسبة لشخص مثل أنس بن مالك، الذي كان يرى بأمّ عينيه ويسمع بصمغ أذنيه ما كان يذكره النبيّ الأكرم حول هذا الموضوع المهمّ والذي يُعتبر المفصل الأساس في رسالة النبي الأكرم؟!

  • كتمان أنس أمر خلافة أمير المؤمنين مع كونه محطّ عناية الرسول

  • لقد كان أنس بن مالك من القلّة الذين كانوا مورد عناية النبي الأكرم، وقد دعا له الرسول؛ فقد ورد في كتاب «الخرائج»:

  • رُوي أنّه صلّى الله عليه وآله وسلّم دعا لأنس لمّا قالت أمّه أمّ سُليم: ادعُ له، فهو خادمك، قال: «اللهمّ أكثِر ماله وولده وبارك له فيما أعطيته»1.

    1. الخرائج والجرائح، ج 1، ص 50؛ وأيضاً في بحار الأنوار، ج 18، ص 10؛ ورواه باختلاف يسير في دلائل النبوّة، ج 6، ص 194.

أسرار الملكوت ج۱

46
  • ويقال إنّ أشجار بساتينه كانت تثمر مرّتين في السنة، وقد عُمّر بحيث شاهد مائة وعشرين من أولاده. لكن من المؤسف أنّه مع تمام هذا اللطف والاهتمام الذي ظهر من رسول الله اتّجاهه، ومع وجود كلّ هذه البراهين والأدلّة والحجج حول خلافة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام، إلا أنّه بقي في مقام الإنكار، وقام بكتم هذه الحقائق بعد رسول الله، وانفصل عن الوصيّ وباب علم النبيّ بحسب نقله هو عن النبيّ بعد وفاته، وباع دينه بدنيا غيره مع سائر الفرق الضالّة والعميان الذين لا إرادة لهم، وبايع الخليفة الغاصب والمبتدع، فحرم نفسه من النعمة الأبديّة والماء المعين لولاية أهل البيت. بل إنّه ذهب إلى أكثر من ذلك؛ فقد اقترف خيانة بحقّ الإمام عليّ عليه السلام، حين طلب منه الإمام أداء الشهادة فيما يتعلّق بواقعة غدير خمّ، فامتنع عن أدائها مستوجباً بذلك السخط والغضب الإلهي.

  • طلب أمير المؤمنين شهادة أنس على واقعة الغدير ورفضه

  • فقد ورد في كتاب «أنساب الأشراف» لأحمد بن يحيى بن جابر البلاذري، الجزء الأول في فضائل أمير المؤمنين عليه السلام:

  • قال عليّ على المنبر: نشدت الله رجلًا سمع رسول الله صلّى الله عليه [وآله] وسلّم يقول يوم غدير خمّ: اللهمّ والِ من والاه وعادِ من عاداه، إلّا قام فشهد وتحت المنبر أنس بن مالك والبراء بن عازب وجرير بن عبد الله (البجلي الذين كانوا في ذاك اليوم التاريخي المشهود وسمعوا كلام رسولالله كلّه) فأعادها فلم يجبه أحد [منهم]، فقال: اللهمّ من كتم هذه الشهادة وهو يعرفها فلا تخرجه من الدنيا حتّى تجعل به آية يُعرف بها. قال [أبو وائل]: فبرص أنس، وعمي البراء، ورجع جرير أعرابياً بعد هجرته (والتحق بالخوارج)، فأتى السراة فمات في بيت أمّه بالسراة1.

    1. أنساب الأشراف، ج 2، ص 156.

أسرار الملكوت ج۱

47
  • وقد وقع نظير هذه القضيّة مع زيد بن أرقم.

  • فقد نقل ابن المغازلي عن عليّ بن عمرو بن شوْذَب عن أبيه عن محمَّد ابن حسن الزعفراني، عن أحمد بن يحيى بن عبد الحميد، عن إسرائيل، عن الحكم بن أبي سليمان، عن زيد بن أرقم قال:

  • نشد عليٌّ الناس في المسجد فقال: أنشد الله رجلًا سمع رسول الله صلّى الله عليه وآله يقول: من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهمّ وال من والاه وعاد من عاداه، (وكان في السامعين من حضر ذلك اليوم وسمع من الرسول هذا الكلام ولم يقوموا ويشهدوا) وكنت أنا فيمن كتم، فذهب بصري1.

  • حديث البساط وقصّة أنس بن مالك المعبّرة

  • وينقل العلّامة المجلسي عن كتاب «الفضائل» لشاذان بن جبريل، رواية أخرى حول فقد أنس بن مالك بصره:

  • بالإسناد يرفعه إلى ابن أبي جعدة قال: حضرتُ مجلس أنس بن مالك بالبصرة وهو يحدّث، فقام إليه رجل من القوم وقال: يا صاحب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم! ما هذه الشيمة التي أراها بك؟ فأنا حدّثني أبي عن رسول الله صلّى الله عليه وآله أنّه قال: البرص والجذام لا يُبلي الله به مؤمناً.

  • قال: فعند ذلك أطرق أنس بن مالك إلى الأرض، وعيناه تذرفان بالدموع، ثمّ رفع رأسه وقال: دعوة العبد الصالح عليّ بن أبي طالب عليه السلام نفذت فيَّ. قال: فعند ذلك قام الناس حوله وقصدوه، وقالوا: يا أنس! حدِّثنا ما كان السبب؟ فقال لهم: انتهوا عن هذا، فقالوا: لا بدَّ من أن تخبرنا بذلك. فقال: اقعدوا على مواضعكم واسمعوا منّي حديثاً كان هو السبب لدعوة عليّ.

    1. مناقب علي بن أبي طالب عليه السلام، ص 23؛ وكذلك بحار الأنوار، ج 37، ص 196.

أسرار الملكوت ج۱

48
  • اعلموا أنّ النبي صلّى الله عليه وآله كان قد أُهديَ له بساط شَعْرٍ من قرية كذا وكذا من قرى المشرق يقال لها «عندف»، فأرسلني رسول الله صلّى الله عليه وآله إلى أبي بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمان بن عوف الزهري، فأتيته بهم وعنده ابن عمّه عليّ بن أبي طالب عليه السلام، فقال لي: يا أنس! ابسط البساط وأجلسهم عليه، ثمّ قال: يا أنس! اجلس حتّى تخبرني بما يكون منهم، ثمّ قال: قل يا عليّ: يا ريح احملينا! فإذا نحن في الهواء، فقال: سيروا على بركة الله.

  • قال: فسرنا ما شاء الله، ثمّ قال: يا ريح ضعينا! فوضعتنا فقال: أتدرون أين أنتم؟ قلنا: الله ورسوله وعليّ أعلم، فقال: هؤلاء أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آيات الله عجباً، قوموا يا أصحاب رسول الله حتّى تسلّموا عليهم، فعند ذلك قام أبو بكر وعمر فقالا: السلام عليكم يا أصحاب الكهف والرقيم، قال: فلم يجبهما أحد، قال: فقمنا أنا وعبد الرحمن بن عوف وقلنا: السلام عليكم يا أصحاب الكهف! أنا خادم رسولالله صلّى الله عليه وآله، فلم يجبنا أحد.

  • فعند ذلك قام الإمام عليه السلام وقال: السلام عليكم يا أصحاب الكهف والرقيم الذين كانوا من آيات الله عجباً! فقالوا: وعليك السلام يا وصيَّ رسول الله صلّى الله عليه وآله ورحمة الله وبركاته، فقال: يا أصحاب الكهف! ألا رددّتم على أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله؟ قالوا: يا خليفة رسول الله! إنّا فتية آمنوا بربّهم وزادهم الله هدى، وليس معنا إذن بردّ السلام إلا بإذن نبيٍّ أو وصيّ نبيّ، وأنت وصيّ خاتم النبيّين والمرسلين وأنت خاتم الأوصياء.

  • ثم قال: أسمعتم يا أصحاب رسول الله؟! قالوا: نعم يا أمير المؤمنين! قال: فاقعدوا في مواضعكم، فقعدنا في مجالسنا، ثمّ قال: يا ريح احملينا!

أسرار الملكوت ج۱

49
  • فسرنا ما شاء الله إلى أن غربت الشمس، ثمّ قال: يا ريح ضعينا! فإذا نحن على أرضٍ كأنّها الزعفران ليس فيها حسيس ولا أنيس، نباتها الشيح (وهي من النباتات التي يستفاد منها في صناعة الدواء) وليس فيها ماء، فقلنا: يا أمير المؤمنين! دنت الصلاة وليس معنا ماء نتوضّأ به، فقام وجاء إلى موضع من تلك الأرض فرفسه برجله فنبعت عين ماء، فقال: دونكم وما طلبتم، ولولا طلِبَتُكم لجاءنا جبرئيل بماء من الجنّة.

  • قال: فتوضَّأنا وصلَّينا إلى أن انتصف الليل، ثمّ قال: خذوا مواضعكم ستدركون الصلاة (صلاة الصبح) مع رسول الله صلّى الله عليه وآله أو بعضها، ثمّ قال: يا ريح احملينا! فإذا نحن برسول الله صلّى الله عليه وآله وقد صلّى من الغداة ركعة واحدة، فقضيناها وكان قد سبقنا بها رسول الله صلّى الله عليه وآله، فالتفت إلينا وقال: يا أنس! تحدِّثني أو أحدِّثك؟ فقلت: بل من فيك أحلى يا رسول الله! قال: فابتدأ بالحديث من أوَّله إلى آخره كأنّه كان معنا، ثمّ قال: يا أنس! تشهد لابن عمّي بها إذا استشهدك؟ فقلت: نعم يا رسول الله!

  • فلمَّا وليَ أبو بكر الخلافة أتى عليّ عليه السلام، وكنت حاضراً عند أبي بكر والناس حوله، وقال لي: يا أنس! ألست تشهد لي بفضيلة البساط ويوم عين الماء ويوم الجبّ؟ فقلت له: يا عليّ! نسيت من كبري، فعندها قال لي: يا أنس إن كنت كتمته مداهنةً بعد وصيّة رسول الله صلّى الله عليه وآله، فرماك الله ببياض في وجهك ولظىً في جوفك وعمىً في عينيك! فما قمت من مقامي حتّى برصت وعميت، والآن لا أقدر على الصيام في شهر رمضان ولا غيره من الأيَّام، لأنّ البرد لا يبقى في جوفي. ولم يزل أنس على تلك الحال حتّى مات بالبصرة1.

    1. بحار الأنوار، ج 41، ص 217.

أسرار الملكوت ج۱

50
  • ويقال بأنّ أنس رأى رسول الله في الرؤيا، فقال له: ما حملك على أن لا تؤدّي عنّي ما كنت قد أخذته عليك، حتّى ابتلاك الله بهذه العقوبة؟1

  • هذه هي نتيجة كتمان الحقائق، وهذا هو مآل إخفاء الوقائع، وسوف يعود على فاعله بالخسارة الدنيويّة، والنّكال الأخروي.2

  • أسرار الملكوت ؛ ج1 ؛ ص51
    1. مائة منقبة من مناقب أمير المؤمنين، ص 164.؟
    2. حسينى طهرانى، سيد محمد محسن، أسرار الملكوت، 3جلد، دار المحجة البيضاء - بيروت - لبنان، چاپ: 1، 1430 ه.ق.

أسرار الملكوت ج۱

51
  •  

  •  

  • المجلس الثاني حرمة كتمان الحقيقة

  •  

  •  

أسرار الملكوت ج۱

53
  •  

  •  

  • بسم الله الرحمن الرحيم

  • الحمد لله ربِّ العالمين

  • والصلاة على خيرة الله المنتجبين محمَّد وآله الطاهرين

  • واللّعنة على أعدائهم أجمعين

  •  

  •  

  • الآيات التي تحذّر من كتمان الحقيقة وتحرّمها

  • إنّ التأمّل في النصوص الدينيّة والتدبّر في المنقول من الكتاب والسنّة وملاحظة الأصول النيّرة للشرع والعرفان الإلهي، يوضح لنا جليّاً بأنّ مسألةً كمسألة كتمان الحقيقة قد ورد فيها النهي الأكيد والردع الشديد، بل عبّر عنها بعبارات قاسية فيها التهديد والتحذير من العواقب الخطرة؛ يقول الله تعالى في سورة البقرة:

  • أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ الْأَسْباطَ كانُوا هُوداً أَوْ نَصارى قُلْ أَ أَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَ مَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ1 (بل يعلم تمام الأسرار الكامنة في النفوس ويعلم مكنونات القلوب بعلمه الحضوري).

  • وفي آية أخرى من نفس السورة يقول:

  • إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَ الْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي

    1. سورة البقرة، الآية 140.

أسرار الملكوت ج۱

54
  • الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ* إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَ أَصْلَحُوا وَ بَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَ أَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ1.

  • وكذلك يقول:

  • إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَ يَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا (من أمور الدنيا واعتباريّات عالم الخيال والهوى النفساني) ... أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ لا يُزَكِّيهِمْ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ* أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى وَ الْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ2.

  • وكذلك يخاطب الله تعالى هؤلاء الأشخاص بأنّهم الذين نوّرهم بنور الهداية ونزّل عليهم آياته، وقد أخذ الله عليهم أن يهدوا الناس ويرشدوهم إلى الطريق القويم، لكنّهم تناسوا هذا العهد، واستبدلوا الرحمة والمغفرة الإلهيّة بالمتاع الاعتباري للدنيا الدنيّة، وباعوا رضى الله تعالى بثمن بخس في معاملة خاسرة، وفي ذلك يقول تعالى:

  • وَ إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَ لا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَ اشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ3.

  • أي أن الله تعالى عندما أنزل الكتاب الإلهي (التوراة والإنجيل) أخذ على العلماء عهداً بأن يبيّنوا للناس الحقائق المدوّنة فيه ولا يكتموا منه شيئاً، لكن هؤلاء جعلوا العهد وراء ظهورهم ولم يعيروه أهمية واشتروا بكتمانهم هذا متاعاً زهيداً لا قيمة له؛ وهو عبارة عن حطام الدنيا الزائل، فبئس ما فعلوه في معاملتهم هذه.

  • يقول مسوِّد هذه الورقات: من المناسب جدّاً هنا أن نعرض رواية مهمّة وعالية

    1. سورة البقرة، الآيتان 159- 160.
    2. سورة البقرة، الآيتان 174- 175.
    3. سورة آل عمران، الآية 187.

أسرار الملكوت ج۱

55
  • المضامين، ومليئة بالحِكم والمسائل الحياتيّة المفيدة للإنسان، وتميّز طريقة سلوك سبيل الحقّ من سبل الشرك والضلال والغواية والبوار، حتّى تضيء لنا مصباحاً لأعمالنا وتصرفاتنا في هذه الدار، ولتكون دليلًا لنا للوصول إلى مدارج الكمال في تلك الدار. وهذه الرواية واردة في كتاب «الاحتجاج» للطبرسي عن الإمام أبي محمَّد الحسن بن عليّ العسكري عليهما السلام:

  • وظيفة علماء الدين في رواية الإمام الحسن العسكري عليه السلام

  • وبالإسناد الذي مضى ذكره عن أبي محمَّد العسكري عليه السلام في قوله تعالى: وَ مِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَ1: إنَّ الأميَّ منسوب إلى أمِّه، أي: هو كما خرج من بطن أمِّه (فهو كالطفل الذي لا إدراك له ولا شعور عنده؛ لا بالنسبة إلى ذاته ولا إلى محيطه، كما أنه لا يمتلك القدرة على تشخيص المطلب الصحيح من السقيم والحق من الباطل)، لا يقرأ ولا يكتب، لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ المنْزل من السماء ولا المتكذَّب به، (وبعبارة أخرى لا يعرفون الفرق بين الصدق والكذب ولا بين الهداية والضلال) ولا يُميِّزون بينهما إِلَّا أَمانِيَ أي: إلّا أن يُقرأ عليهم ويقال لهم: إنَّ هذا كتاب الله وكلامه، لا يعرفون إن قُرِئ من الكتاب خلاف ما فيه وَ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ2 أي: ما يقرأ عليهم رؤساؤهم من تكذيب محمَّد صلّى الله عليه وآله في نبوَّته وإمامة عليّ عليه السلام سيِّد عترته (ويقدمون الظن والوهم على اليقين والتثبّت وإثبات القدم في الفكر والتأمل في طريقهم)، وهُم يقلِّدونهم (تقليداً أعمى) مع أنّه محرَّم عليهم تقليدهم فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ3. هذا القوم اليهود، كتبوا صفةً زعموا أنَّها صفة محمَّد صلّى الله عليه وآله، وهي خلاف صفته، وقالوا للمستضعفين منهم: هذه صفة النبيِّ المبعوث في

    1. سورة البقرة، صدر الآية 78.
    2. سورة البقرة، ذيل الآية 78.
    3. سورة البقرة، صدر الآية 79.

أسرار الملكوت ج۱

56
  • آخر الزمان، إنّه طويل عظيم البدن والبطن، أهدف (في العقد الخامس من عمره)، أصهب الشعر (ذو شعر مخضّب)، ومحمَّد صلّى الله عليه وآله بخلافه، وهو يجئ بعد هذا الزمان بخمسمائة سنة. وإنّما أرادوا بذلك أن تبقى لهم على ضعفائهم رياستهم، وتدوم لهم إصاباتُهم (وتمتّعهم باللذائذ الدنيوية)، ويكْفوا أنفسهم مؤنة خدمة رسول الله صلّى الله عليه وآله وخدمة عليّ عليه السلام وأهل بيته وخاصَّته.

  • فقال الله عزَّ وجلَّ: فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَ وَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ1 من هذه الصفات المحرَّفات والمخالفات لصفة محمَّد صلّى الله عليه وآله وعليّ عليه السلام. الشدَّة لهم من العذاب في أسوء بقاع جهنَّم (بسبب هذه التحريفات ومخالفة رسول الله وأمير المؤمنين)، وويل لهم الشدَّة في العذاب ثانية مضافة إلى الأولى بما يكسبونه من الأموال التي يأخذونها إذ أثبتوا عوامَّهم على الكفر بمحمَّد رسول الله صلّى الله عليه وآله، والحجَّة لوصيِّه وأخيه عليّ بن أبي طالب عليه السلام وليّ الله.

  • نقاط الالتقاء والاختلاف بين علمائنا وعلماء اليهود في كلام الإمام الحسن العسكري عليه السلام

  • ثمّ قال عليه السلام: قال رجل للصادق عليه السلام: فإذا كان هؤلاء القوم من اليهود لا يعرفون الكتاب (وليس لهم طريق إلى النور والهداية) إلّا بما يسمعونه من علمائهم، لا سبيل لهم إلى غيره، فكيف ذمَّهم بتقليدهم والقبول من علمائهم؟ وهل عوامُّ اليهود إلا كعوامِّنا يقلِّدون علماءهم؟

  • فقال عليه السلام: بين عوامِّنا وعلمائنا وعوامِّ اليهود وعلمائهم فرق من جهة وتسوية من جهة؛ أمَّا من حيث استووا: فإنَّ الله قد ذمَّ عوامَّنا بتقليدهم علماءهم (تقليداً أعمى) كما ذمَّ عوامّهم، وأمَّا من حيث افترقوا فلا. قال: بيِّن لي يا ابن رسول الله!

  • قال عليه السلام: إنَّ عوامَّ اليهود كانوا قد عرفوا علماءهم بالكذب

    1. سورة البقرة، ذيل الآية 79.

أسرار الملكوت ج۱

57
  • الصراح، وبأكل الحرام والرُّشا (في المرافعات وحل الخصومات الاجتماعية والمسائل الحقوقية)، وبتغيير الأحكام عن واجبها بالشفاعات والعنايات والمصانعات، وعرفوهم بالتعصِّب الشديد الذي يفارقون به أديانهم، وأنَّهم إذا تعصَّبوا أزالوا حقوق من تعصَّبوا عليه وأعطوا ما لا يستحقُّه من تعصَّبوا له من أموال غيرهم، وظلموهم من أجلهم، (ووضعوا جميع المعايير الدينيّة تحت أقدامهم عند المرافعات ورجّحوا المصالح الدنيويّة على المصالح الأخرويّة) وعرفوهم يقارفون المحرَّمات، واضطرُّوا بمعارف قلوبهم إلى أنَّ من فعل ما يفعلونه فهو فاسق (وبما أنّهم عرفوا موقعيّة علمائهم واطّلعوا على حالاتهم بشكل يقيني وعلموا أنّهم لا يتورّعون عن ارتكاب المحرّمات والانغماس في الأهواء الباطلة ونزوات النفس الأمّارة وترجيح رضا الخلق المنحرفين على رضا الله تعالى، لم يكن أمام هؤلاء العوامّ إلّا أن يحكموا بفسق علمائهم وانحرافهم عن طريق الحقّ، وهذا الحكم بديهي وواضح كوضوح الشمس وهو مطبوع في فكرهم وعقولهم وأنفسهم، فإنّهم يعلمون أنّ من يتّصف بهذه الصفات الرذيلة والأخلاق الذميمة) لا يجوز أن يصدّق على الله ولا على الوسائط بين الخلق وبين الله (فبيان هؤلاء العلماء للأحكام الإلهيّة وإلقاؤهم إياها للناس دائر مدار المصالح والمفاسد الدنيويّة التي يرونها، فما كان من الأحكام موافقاً لمصالحهم الدنيويّة بيّنوه للناس وما كان مخالفاً لها حرّفوه وأعلنوا خلافه، فكيف يعتمد هؤلاء العوامّ على مثل هؤلاء العلماء بعد هذا، وكيف يسمحون لأنفسهم تقليدهم؟). فلذلك ذمَّهم (فإنّهم وإن لم يكن لديهم إدراك صحيح بالمعارف والكتاب الإلهي وليس لديهم القدرة على التمييز بين الحقّ والباطل من الأحكام والمعارف. لكن، ألم يكونوا يرون الأعمال المخالفة لشريعتهم ودينهم والتصرفات القبيحة الصادرة من علمائهم؟! ألم يعرضوا ذلك على العقل الفطري ورأسمالهم الإلهي! أولم يعرفوا قبح هذه الأفعال

أسرار الملكوت ج۱

58
  • ويعلموا أنّ كلام علمائهم عار عن الصحّة ولا حقيقة له ولا واقعيّة ... بذلك ذمّهم الله تعالى) لِمَا قلَّدوا من قد عرفوه، ومن قد علموا أنَّه لا يجوز قَبُول خبره ولا تصديقه في حكايته، ولا العمل بما يؤدِّيه إليهم عمَّن لم يشاهدوه، ووجب عليهم (بحكم الفطرة والوجدان والعقل والأصول العرفية والعقلية المسلّمة) النظر بأنفسهم في أمر رسول الله صلّى الله عليه وآله (ولا يعيروا اهتماماً بكلام علمائهم)، إذ كانت دلائله أوضح من أن تخفى، وأشهر من أن لا تظهر لهم (لكنّهم مع ذلك تساهلوا بأمر الوصول إلى الحقّ وإدراك الواقع وتعاملوا مع هذه المسألة المحوريّة والنكتة الأساسيّة بفتور، واكتفوا بالاعتماد على كلمات علمائهم التي لا طائل منها).

  • كيفية معرفة الفقهاء الواقعيين وعلاماتهم في كلام الإمام الحسن العسكري عليه السلام

  • وكذلك عوامُّ أمَّتنا إذا عرفوا من فقهائهم الفسق الظاهر، والعصبيَّة الشديدة (في الأمور الدنيويّة) والتكالب على حطام الدنيا وحرامها، وإهلاك من يتعصَّبون عليه وإن كان لإصلاح أمره مستحقّاً، وبالترفرف بالبرِّ والإحسان على من تعصَّبوا له وإن كان للإذلال والإهانة مستحقّاً، فمن قلَّد من عوامِّنا مثل هؤلاء الفقهاء، فهم مثل اليهود الذين ذمَّهم الله بالتقليد لفسقة فقهائهم.

  • فأمَّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً على هواه (ولم ينقَد آناً من الآنات لهواه النفساني، وكان في كل أحواله) مطيعاً لأمر مولاه، فللعوامِّ أن يقلِّدوه، و (لا يتصور أن هذه الصفات والشروط حاصلة لجميع الفقهاء، بل) ذلك لا يكون إلا بعض فقهاء الشيعة لا جميعهم، فإنَّه من ركب من القبائح والفواحش مراكب فسقة العامَّة (من التكالب والتسابق على أمور الدنيا الدنيّة والاهتمام بأوصاف الرئاسات وأنواع الزعامات الاعتباريّة كحال بقيّة الأشخاص الماديين الذين ليس لهم هدف ولا غاية إلّا الوصول إلى المطامع الدنيويّة والتوغّل في عالم الكثرات والشهوات، فحرام عليكم أن تقلّدوه) فلا تقبلوا منَّا عنه شيئاً، ولا كرامة (لأنّه لا اعتبار أبداً بما يعمله أو يتفوّه به أمثال هؤلاء).

أسرار الملكوت ج۱

59
  • وإنَّما كثر التخليط فيما يُتحمَّل عنَّا أهل البيت لذلك، لأنَّ الفسقة يتحمَّلون عنَّا فيحرِّفونه بأسره بجهلهم (بمقامنا وإمامتنا المطلقة الدينيّة والتكوينيّة) ويضعون الأشياء على غير وجهها لقلَّة معرفتهم. وآخرون يتعمَّدون الكذب علينا (مع معرفتهم بمقامنا)، ليجرُّوا من عرض الدنيا ما هو زادهم إلى نار جهنَّم (غافلين عن أن ما حصّلوه من هذا الحطام والبضاعة الدنيوية الدنية، ستقودهم إلى عذاب أليم وعقاب شديد في ذلك العالم).

  • ومنهم قومٌ [نصّابٌ] لا يقدرون على القدح فينا، يتعلّمون بعض علومنا الصحيحة (بنفاقهم ومكرهم) فيتوجَّهون به عند شيعتنا، وينتقصون بنا عند نُصَّابِنا، ثمّ يضيفون إليه أضعاف وأضعاف أضعافه من الأكاذيب علينا التي نحن براء منها (ويطرحون هذه المجموعة من الأكاذيب بين شيعتنا، بدعوى أنّ فيه الرشاد والهداية والإنقاذ من الضلال والغواية وتبيين لأحكام الشرع والطريق المستقيم. ومن البديهي أنّ بعض الجاهلين والمستضعفين يلتفّون حولهم، فيلقون عليهم ما في صدورهم من الخبث والسفالة والتلوّث بالدنيا والشهوات والرئاسات والأنانيّات التي يسعون وراءها)، فيتقبَّله المستسلمون من شيعتنا على أنه من علومنا، فضلُّوا وأضلُّوا. وهم أضرُّ على ضعفاء شيعتنا من جيش يزيد على الحسين بن عليّ عليه السلام وأصحابه، فإنّهم يسلبونهم الأرواح والأموال (دون أن يقدروا على النيل من السعادة والفلاح الأبدي وصحّة طريق سيّد الشهداء وأصحابه، فقد ورد عن سيد الشهداء عليه السلام عندما اعترضه الحرّ بن يزيد الرياحي أنّه قال: أفبالموت تخوِّفني، هيهات طاش سهمك وخاب ظنُّك لست أخاف الموت، إنَّ نفسي لأكبر وهِمَّتي لأعلى من أن أحمل الضيم خوفاً من الموت، وهل تقدرون على أكثر من قتلي؟! مرحباً بالقتل في سبيل الله! ولكنَّكم لا تقدرون على هدم مجدي ومحوِ عزَّتي وشرفي، فإذاً لا أبالي من القتل)1. وهؤلاء علماء السوء الناصبون،

    1. لمعات الحسين عليه السلام، ص 29.

أسرار الملكوت ج۱

60
  • المتشبِّهون بأنَّهم لنا موالون ولأعدائنا معادون، (والحال أنّهم موالون ومحبون لهم لينالوا بعض حطام الدنيا) ويُدخلون الشكَّ والشبهة على ضعفاء شيعتنا، فيضلُّونهم ويمنعونهم عن قصد الحقِّ المصيب (ويحرفونهم عن جادّة الحق والصدق لأهل البيت عليهم السلام، ويمنعونهم من الوصول إلى عين الماء الزلال للأنوار الإلهية وكوثر العلوم الحقيقية لأهل البيت). لا جرم أنَّ من علم الله من قلبه من هؤلاء القوم أنَّه لا يريد إلا صيانة دينه وتعظيم وليِّه (إمام زمانه)، لم يتركه في يد هذا المتلبِّس الكافر. ولكنَّه يقيِّض له مؤمناً يقف به على الصواب، ثمّ يوفِّقه الله للقبول منه، فيجمع الله له بذلك خير الدنيا والآخرة، ويجمع على من أضلَّه لعناً في الدنيا وعذاب الآخرة.

  • ثم قال: قال رسول الله: أشرار علماء أمّتنا المضلّون عنَّا، القاطعون للطرق إلينا، المسمُّون أضّدادنا بأسمائنا، الملقِّبون أندادنا بألقابنا، يصلُّون عليهم وهم للَّعن مستحقّون، ويلعنونا ونحن بكرامات الله مغمورون، وبصلوات الله وصلوات ملائكته المقرَّبين علينا عن صلواتهم علينا مستغنون.

  • ثمَّ قال: قيل لأمير المؤمنين عليه السلام: من خير خلق الله بعد أئمّة الهدى ومصابيح الدجى؟ قال: العلماء إذا صلحوا.

  • قيل: فمن شرار خلق الله بعد إبليس وفرعون ونمرود، وبعد المتسمِّين بأسمائكم والمتلقِّبين بألقابكم، والآخذين لأمكنتكم، والمتأمِّرين في ممالككم؟ قال: العلماء إذا فسدوا، هم المظهرون للأباطيل، الكاتمون للحقائق، وفيهم قال الله عزّ وجل: ... أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ* إِلَّا الَّذِينَ تابُوا ...1 الآية2.

    1. سورة البقرة، من الآيتين 159- 160.
    2. الاحتجاج، الطبرسي، ج 2، ص 456.

أسرار الملكوت ج۱

61
  •  

  •  

  • المجلس الثالث: عدم التوجه إلى المعارف الإلهية في حوزة النجف

  •  

  •  

أسرار الملكوت ج۱

63
  •  

  •  

  • بسم الله الرحمن الرحيم

  • الحمد لله ربِّ العالمين

  • والصلاةُ على خيرة الله المنتجبين محمَّدٍ وآلِهِ الطاهِرِين

  • واللّعنةُ على أعدائِهِم أجمعين

  •  

  •  

  • يجب على علماء الدين أن يأخذوا بنظر الاعتبار رضا الله ومصلحة الشرع فقط

  • إنَّ التدبُّر والتأمُّل في حديث الإمام الحسن العسكري عليه السلام الآنف الذكر، يوضح لنا العديد من النكات المهمَّة، من أهمَّها أنَّها تلقي على عاتق علماء الدين مسؤوليّة خطيرة وحسّاسة جدّاً فيما يتعلّق ببيان الأحكام والمعتقدات الإلهيّة كما هي وبشكل جليّ وواضح، بعيداً عن التسامح ومراعاة المصالح الاعتباريّة والماديّة، وبعيداً أيضاً عن ملاحظة المنفعة أو المفسدة العائدة على المتكلّم، مقتصراً في هدفه على حفظ حريم القدس الإلهي فقط لا غير، وتحصيل رضا الله تعالى في كل آنٍ وحال.

  • يقول السيّد الوالد رضوان الله عليه:

  • عندما كنت مشغولًا بتحصيل علوم أهل البيت عليهم السلام في النجف الأشرف، تباحثنا يوماً مع أحد العلماء المعروفين والمشهورين في النجف- وكانت مباحثة ساخنة- حول هذه المسألة المهمّة؛ وكنت معتقداً بأنّ الوظيفة الشرعيّة للإنسان وبالخصوص علماء الدين هي بيان ما أنزل الله تعالى وتوضيحه بشكل دقيق، دون أيّ مجاملة أو مسامحة في ذلك، ودون التفكير

أسرار الملكوت ج۱

64
  • في أيّ مصلحةٍ بخلاف رضا الله وإمام الزمان عجّل الله فرجه الشريف، وأنّ على عالم الدين أن يأخذ بعين الاعتبار رضا الشارع ومصلحته فقط، وأن يرجِّح كفَّة القيم المعنويّة الإلهيّة والشرعيّة في كلِّ حال على المعايير والرؤى الدنيويّة، كما ورد في الآيات من قبيل: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ1.

  • أو كما ورد في سورة التوبة بعبارة شديدة: قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَ أَبْناؤُكُمْ وَ إِخْوانُكُمْ وَ أَزْواجُكُمْ وَ عَشِيرَتُكُمْ وَ أَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَ تِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَ مَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ جِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ2.

  • وقد عُرض عليه غيرها من الآيات والأدلة الأخرى التي تحمل نظير هذا المعنى، لكنّ ذاك الشخص بقي مصرّاً على ضرورة ترجيح المصلحة الدنيويّة على رضا الله في بعض الموارد! نستجير بالله تعالى من هذا الضلال والجهل والعناد والانصياع المطلق للخيال، والانغماس في الكثرات والغرق في الأمور الدنيويّة الواهية!

  • نعم فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ونحن بحمد الله وتوفيقه، لم نخرج من هذه الدنيا الفانية حتّى رأينا مصداق هذه الآية الشريفة، وشاهدنا أيضاً انصباب جام الغضب الإلهي على مخالفي مسيرة الحقِّ والمنحرفين، ورأينا جلال وكبرياء الحقّ تعالى على المنحرفين عن الجادّة القويمة والشريعة الغرَّاء.

  • في أحد الأيّام تشرَّف أحد فضلاء قمّ بالذَّهاب إلى مشهد المقدَّسة، لزيارة ثامن الأئمَّة عليّ بن موسى الرضا عليه وعلى آبائه وأبنائه آلاف التحيّة

    1. سورة التوبة، الآية 62.
    2. سورة التوبة، الآية 24.

أسرار الملكوت ج۱

65
  • والسلام من الله الملك العلَّام، وتفضَّل بالمجيء إلى منزل المرحوم الوالد رضوان الله عليه. وجرى بينهما حديث، استنكر في سياقه ما قامت به حكومة البعث العراقيّة خذلها الله ومحاها من تغيير مقبرة وادي السلام في النّجف الأشرف، وتوسيعها وشقِّ بعض الطرق فيها وجرف بعض القبور، مما أدى إلى اندثار العديد من قبور العلماء والأعاظم وصارت تحت هذه الطرق، وأبرز الكثير من الأسى والتذمّر من ذلك. وبما أنّ هذا الشخص كان من أهل أصفهان، فقد أجابه المرحوم الوالد:

  • ألم تحصل مثل هذه التغييرات في مقبرة «تخت فولاذ» في أصفهان؟! ألم تُشقّ الطرق وقنوات المياه وتُبنى المباني وتغرس الأشجّار فيها، ممّا أدّى إلى تخريب واندثار العديد من القبور؟! وما الفرق بين مقبرة أصفهان ومقبرة النجف من هذه الجهة؟ ألم يدفن في هذه المقبرة العديد من العلماء والأعاظم والصالحين والأخيار من المؤمنين والمؤمنات؟! وما الفرق في تخريب القبور وشقّ الطرق وسائر التغييرات الأخرى بين أن تكون على يد دولة البعث الكافرة، أو أن تكون في مكان آخر على يد أشخاص آخرين؟ فالمخالفة الشرعيّة مخالفةٌ في أيِّ مكان حصلت، والعمل الصحيح والسليم صحيح من أيِّ شخصٍ أو مجموعة صدر! سواء كان هذا العمل الصحيح أو الفاسد في الدولة الإسلاميّة وبإشراف حكومة إسلاميّة، أو كان تحت نظر وإشراف دولة لا تعترف بالدين وتنصب العداء لله ولخلقه؛ كدولة البعث.

  • ثمّ قال: هل تتصوّر أنّ ما حصل لحوزة النجف- من تسلُّط حكَّام منحطِّين لا يعرفون الله ولا يراعون أيَّ كرامة للدين والشريعة- كان صدفة دون أن يكون له منشأ وسبب؟!

  • إن الجهود التي بذلت في مواجهة الإلحاد كانت شخصية لا دخل لحوزة النجف بها

  • ثمّ قال بعد ذلك: نقل لي أحد فضلاء طهران البارزين والمعروفين بالتقوى، أنّه الْتَقى- في أحد أسفاره إلى العتبات المقدّسة في النجف

أسرار الملكوت ج۱

66
  • الأشرف للزيارة- بآية الله الحاج السيد أبي القاسم الخوئي رحمة الله عليه، وقال ضمن كلامه معه: ما هي وظيفة حوزة النجف الأشرف في التصدّي لظاهرة الإلحاد وزحف الفكر المادّي وهدم المباني التوحيديّة والمعتقدات الدينيّة التي استشْرَت في هذه الأزمنة، وزادت الهجمة فيها من قبل المادييِّن والمجتمعات المستغربة في الدول الإسلاميّة؟ فأجابه: ألم تطَّلع على ما كتبه العلماء الأفاضل من قبيل الشيخ محمّد حسين الأصفهاني و الشيخ محمّد رضا المظفّر و الشيخ محمّد جواد البلاغي، فقد ألَّفوا الكتب القيِّمة للردِّ على التهديدات المذكورة؟

  • فأجابه ذلك العالم: هل توصّل هؤلاء الأشخاص إلى المعارف الإلهيّة وعلوم الفلسفة والتفسير من خلال الدراسة في الحوزة، أم أنَّهم حصلوا عليها بجهد خاص واكتسبوها بعمل فرديّ، حتّى استطاعوا أن يتسلَّحوا بالمنطق ويتجهَّزوا بالبرهان في دفاعهم عن العلوم والمعارف الإسلاميّة والقيم الدينيّة أمام الإلحاد؟! فأجاب: لا، إنّ الحوزة لم تقدّم شيئاً لهؤلاء، بل حصلوا على هذه العلوم المهمّة بجهدهم الخاصّ.

  • عدم عطف حوزة النجف على الحكماء والعرفاء الإلهيين

  • بعد ذلك قال للمرحوم آية الله الخوئي: لماذا لم تستمر أنت في درس التفسير الذي كنت تلقيه في النجف سابقاً؟ فأجاب السيّد الخوئي: لقد اقتضت الظروف ذلك، فلم أستطع الاستمرار!

  • عندها قال له: كيف استمر العلّامة الطباطبائي في إلقاء دروس التفسير والفلسفة والحكمة، مع وجود نفس الظروف التي مرّت عليكم وخضوعه لمضايقات مماثلة، حتّى استطاع بفعله هذا أن يحفظ لحوزة المعارف الإلهيّة بريقها، ويُبرز شموليّتها يوماً بعد يوم؟!

  • فأجاب المرحوم آية الله الخوئي: إنّه أي العلّامة الطباطبائي رضوان

أسرار الملكوت ج۱

67
  • الله عليه قد ضحَّى بنفسه، بمعنى أنّه فدى مصلحة الإسلام ورضا الله تعالى بمصالحه الماديّة والدنيويّة.

  • عند ذلك التفت المرحوم الوالد إلى ذاك العالم وقال له:

  • هل هذا الجواب صحيح؟ وهل تنتفي المسؤوليّة الملقاة على عاتق الإنسان بمجرّد الإجابة بهذا الشكل؟ وهل يمكن لحوزة النجف أن تبرّر كتمانها لحقائق الشّرع المنير، وعدم اهتمامها بالدروس الحيويَّة والركيزة الأساسيّة لعلوم أهل البيت عليهم السلام كالتفسير والفلسفة والعرفان؟

  • إنّ المسائل والقضايا هنا تختلف عمّا كانت عليه، فقد أصبح للحوزة موقعيّة جديدة يتمّ التحرّك من خلالها؛ فيجب أن يُعمل على نشر المعارف الإلهيّة العالية وعلوم الولاية الراقية، لا مجرّد الاقتصار على بيان الوظائف العمليّة في الأحكام الفقهيّة، بل إنّ الوضع في الحوزة قد ازداد سوءاً عنه فيما سبق، حتى وصل إلى حدِّ نشر الأكاذيب والتضييق على علماء مدرسة التشيّع وأولياء الله، والضغط عليهم وهدم شخصيّات الذين وقفوا أنفسهم على إعلاء كلمة التوحيد والمعارف النبويّة والعرفان الأصيل لمدرسة أهل البيت عليهم السلام، حتّى انتهى الأمر بأن يوصف الحاج الشيخ محمد حسين الأصفهاني الذي هو أحد مفاخر العالم الإسلامي بإقرار نفس السيد الخوئي رحمة الله عليه بالتصوّف بسبب سجداته الطويلة في مقام أمير المؤمنين عليه السلام، ويتمّ سحب رسالته العمليّة من مطبعة بغداد وحرقها. وأن تُنعت شخصيّة فريدة مثل العالم والعارف الربّاني والإنسان الملكوتي والفقيه الصمداني المرحوم آية الله الحاج الشيخ محمّد جواد الأنصاري الهمداني حين تشرّفه بزيارة النجف الأشرف، بأنّه صوفيّ ملحد، وذلك في بعض محافلها العلميّة، وَ قُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَ رَسُولُهُ وَ الْمُؤْمِنُونَ1.

    1. سورة التوبة، الآية 105.

أسرار الملكوت ج۱

68
  • ثمّ سكت المرحوم الوالد رضوان الله عليه قليلًا، ثمّ رفع رأسه وآثار السرور بادية على وجنات وجهه الملكوتي وقال:

  • لكن إن شاء الله نأمل أن تُرى قريباً في حوزة النجف الأشرف دروس العلوم والمعارف الإسلاميّة الحقَّة، ويُدرَّس فيها فقه الصادقين عليهما السلام بالمعنى الأعم، وتُبيَّن فيها الحقائق التوحيديّة وأصول الولاية المطلقة لأئمّة الهدى صلوات الله عليهم أجمعين، على أساس متين ومبنى قويم، وستصير بإذن الله حوزة تتمتّع برضا أمير المؤمنين عليه السلام مائة بالمائة.

  • وهنا يتّضح جيّداً مراد الآية الشريفة: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَ إِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَ ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ.1.

  • فلماذا ينجرّ الوضع في ساحة صاحب الولاية الكبرى الذي هو باب مدينة علم الرسول، ومحل فيوضات الأنوار الملكوتيّة إلى عالم الوجود ويصل الأمر بالعلّامة الجليل والسالك الواصل آية الله العظمى المرحوم الحاج السيد جمال الدين الموسوي الگلبايگاني رضوان الله عليه حينما يكون في منزله مشغولًا بمذاكرة بعض المعاني التوحيديّة مع المرحوم الوالد إلى أن يغيّر بحثه وينتقل إلى الكلام في إحدى الفروع الفقهيّة، بمجرّد أن يُطرق عليه باب منزله؟! فما الذي كان يخيفه، وما هو الشيء الذي كان يشغل ذهنه؟!

  • جرم السيد حسن المسقطي عند إبعاده عن النجف لم يكن سوى الدعوة إلى التوحيد

  • وما هو جرم شخصيّة عظيمة، وعارف كامل، وحكيم مشهور، وفقيه عالم، ومتكلّم قدير، كالمرحوم آية الله العظمى السيد حسن المسقطي تغمّده الله في بحبوحة جنانه، حتّى يُبعّد إلى الهند ومسقط بالرغم من عدم

    1. سورة الرعد، من الآية 11

أسرار الملكوت ج۱

69
  • رضاه بأمر من مرجع ذاك الوقت، وتصاب حوزة النجف بنكسة كبيرة وتقيم مأتماً جرّاء حرمانها من تلألؤِ أنوار علومه الغزيرة؟! هل كان لديه جرم غير أنّه كان يرشد طلاب علوم أهل البيت والعطاشى لمعين ماء المعارف العلويّة، بمنطق قويّ، وبيان رصين، وكلام مفعم، ووجه يعكس حالة التوغّل في التوحيد، والانمحاء في حريم قدس ولاية عليّ عليه السلام، وذلك عبر دعوتهم إلى الإعراض عن الدنيا والابتعاد عن الكثرات واجتناب الأمور الاعتباريّة والتوجّه إلى المبدأ الأعلى، والتحرّك نحو عالم القدس والارتواء من بركات وفيوضات الملائكة الحافّين بمقام مولى الموحّدين عليه السلام؟! فهل شاهد أحد مخالفةً منه؟ أو هل كان سلوكه مخالفاً لسلوك أولياء الحقّ وسيرة أئمّة الهدى؟ وهل ساق الناس للإعراض عن الدين والتعلّق بالكثرات والصفات الرذيلة والأمور المخالفة للأخلاق؟ وأخيراً هل كان يخفي في سرّه شيئاً؟

  • نعم! ذنبه الفريد أنّه كان يدعو للتوحيد، كان يدعو للوحدة ونبذ الاعتبارات وامتيازات عالم الكثرة، وتفويض جميع شوائب الوجود وشؤون الحياة وآثارها إلى مبدئها الأصلي. ذنبه كان في إيقاظ أذهان المستضعفين وتنبيهها من الغفلة، هؤلاء الأشخاص الذين لا يعلمون شيئاً عن الحقائق المخفيّة في عالم الكثرات والتخيّلات، وإيقاظ الناس هذا من شأنه أن يسدّ الباب على سائر البضائع، ويكسّد سوق المتاجرين بالزهد. ومن الطبيعي أن يكون وجوده في ظلّ هذه الأوضاع خطراً جدِّياً يجب إبعاده!!

  • وَ ما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ*1.

  • يقال: إنّ السيد حسن المسقطي ذهب إلى أستاذه آية الحقّ وسند التوحيد آية الله العظمى الحاج السيد عليّ القاضي الطباطبائي قدّس الله

    1. سورة البروج، الآية 8.

أسرار الملكوت ج۱

70
  • نفسه الزكيّة، وقال له: ماذا أفعل بأمر تبعيدي وإخراجي من العراق؟ فإنّي لا أستطيع العيش دون مجاورة أمير المؤمنين عليه السلام وبعيداً عن صحبتكم، فهذا الأمر صعب عليّ جدّاً ولا يمكنني تحمّله.

  • فأجابه السيد القاضي: افعل ما يقال لك، فالله معك حيثما ذهبت، وهو جليسك ومحدّثك، فاذهب في أمان الله!

  • ما جرى على السيد حسن المسقطي نقلًا عن كتاب الروح المجرد

  • وهنا يحسن أن ننقل بعض الكلمات عن المرحوم الوالد رضوان الله عليه، حول قصّة السيد حسن هذه، وقد ذكرها في كتاب «الروح المجرّد»:

  • وكان يجلس في الصحن المطهّر لأمير المؤمنين عليه السلام، فيدرّس الطلاب درس الحكمة والعرفان، فكان يثير فيهم الشوق والحماس، بحيث كان ينفخ في طلّابه روح التوحيد والخلوص والطهارة بدروسه المتينة المحكمة، ويسوقهم إلى الإعراض عن الدنيا والاتجاه صوب العقبى وعالم التوحيد الحقّ.

  • ولقد نقل أتباع المرحوم آية الله السيّد أبي الحسن الأصفهاني (قدّس سرّه) له: أنّ السيد حسن لو استمر في دروسه، لقلب الحوزة العلميّة إلى حوزة توحيديّة، ولأوصل جميع الطلّاب إلى عالم الربوبيّة الحقّ وإلى حقيقة عبوديّتهم.

  • لذا فقد منع تدريس علم الحكمة الإلهيّة والعرفان في النجف؛ كما أمر السيّد حسن بالذهاب إلى مسقط للتبليغ وترويج الدين.

  • ولم يكن للسيّد حسن أدنى رغبة في الخروج من النجف الأشرف، وكان فراق المرحوم القاضي بالنسبة إليه من أصعب

أسرار الملكوت ج۱

71
  • الأمور والمشكلات، لذا فقد ذهب إلى أستاذه السيّد القاضي وقال له: أتسمحون لي أن أستمرّ في الدرس وأتجاهل منع السيّد وأستمرّ في الجهاد في طريق التوحيد؟!

  • فردّ المرحوم آية الله السيّد القاضي عليه: اذهب من النجف إلى مسقط حسب أمر السيّد! إنّ الله معك، وسيهديك ويأخذ بيدك حيثما كنت، فيوصلك إلى المطلوب الغائي ونهاية درب السلوك، وأعلى ذروة في قمّة التوحيد والمعرفة.

  • وهكذا، فقد سافر السيّد حسن إلى مسقط، وكان أصفهانيّ الأصل ومعروفاً بالأصفهاني، ثمّ عرف بعد ذلك بالمسقطي. وكان لا ينزل في طريقه إلى مسقط فندقاً أو دار ضيافة، بل كان يأوي إلى المساجد. وحين وصل مسقط كان له حظ في التبليغ والترويج وجعل أهل مسقط بأجمعهم من المؤمنين الموحّدين، ودعاهم إلى الصدق والإخلاص، وإهمال الزخارف الماديّة والتعيّنات الصوريّة والاعتباريّة، فعرفه الجميع على أنّه مرشد الكلّ وهادي السبل، وأذعن أمام عظمته العالم والجاهل والعوامّ والخواصّ.

  • وكان آخر عمره يعيش دوماً مرتدياً ثوبي الإحرام. إلى أن تمّت دعوته للذّهاب إلى الهند، فأجاب دعوتهم وشدّ الرحال إلى تلك الديار في سبيله إلى المقصود. وكذلك لم يكن لينزل في طريقه بالفنادق، بل كان يذهب إلى المساجد فيبيت فيها، ثمّ وجدوه في الطريق، بينما كان يسافر من مدينة لأخرى، في مسجد من المساجد مرتدياً نفس ثوبي

أسرار الملكوت ج۱

72
  • الإحرام وقد فارق الحياة حال سجوده1.

  • نعم! لقد أبعدت حوزة النجف السيّد حسن المسقطي، ولم تعلم هذه الحوزة الضائعة والمتحيّرة أيّ جوهر ثمين فقدت! وأيّ رجل توحيد، وأيّ شخصيّة إلهيّة، وأيّ ركن علم وسند فضيلة أضاعت! ولو علمت لكان جهلًا بسيطاً، ولكنّه- ويا للأسف الشديد- الجهل المركّب! فالسيّد حسن أينما ذهب؛ إلى مسقط أو الهند أو البحر أو الصحراء، فهو مع الله والله معه، وهو الساجد الراكع والملبّس بلباس الإحرام ظاهراً وباطناً، وهو الداخل في عالم الولاية ومع الوليّ المطلق2.

  • وقد أجاد الشاعر «مولانا» في ذمّه للقادحين بالأولياء وعاقبتهم:

  • آن دهن كژ كرد واز تسخر بخواند***نام احمد را دهانش كژ بماند

  • چون خدا خواهد كه پرده ء كس درد***ميلش اندر طعنه ء پاكان برد

  • ور خدا خواهد كه پوشد عيب كس***كم زند در عيب معيوبان نفس

  • چون خدا خواهد كه مان يارى كند***ميل ما را جانب زارى كند

  • اى خنك چشمى كه آن گريان اوست***اى همايون دل كه او بريان اوست

    1. الروح المجرد، ص 111- 112.
    2. المصدر السابق، ص 113.

أسرار الملكوت ج۱

73
  • از پى هر گريه آخر خنده ايست***مرد آخر بين مبارك بنده ايست 1

  • المشاهدات التوحيدية للمرحوم السيد حسن المسقطي

  • لقد كان السيّد حسن المسقطي آيةً في التوسل بالموالي المعصومين، وكان ذائباً في ولاية أئمّة الهدى، ومنصهراً في عشق أهل بيت الوحي، ويُحكى عنه في ذلك حكايات مذكورة في محلّها.

  • ويقال إنّه في أيام عاشوراء حيث كان يأتي إلى كربلاء للزيارة كان يشاهد جميع وقائع معركة كربلاء وما جرى على سيد الشهداء عليه السلام وأهل بيته بعينه المثاليّة، وكان يطّلع على أسرار تلك الواقعة ورموزها بواسطة سرّ حقيقته الملكوتيّة.

  • ويُنقل، أنّه في بعض هذه السنوات التي كان يأتي فيها إلى كربلاء لزيارة سيّد الشهداء عليه السلام، كانت عاشوراء في الصيف وكان حرّ العراق شديداً، وفي ليلة عاشوراء حضّر بعض الثلج لنقله إلى منزله، وبينما هو كذلك، إذ شاهد أبا الفضل العباس سلام الله عليه، فأنّبه وقال له: إنّك مع سماعك صوت أولاد سيّد الشهداء يشكون العطش، تأتي بالثلج إلى منزلك؟ عندها رمى الثلج على الفور، وعاد إلى المنزل خالي اليدين.

  • وهكذا، لقد كان على يقين من صحّة الطريق، وعلى يقين بوضوح الجلوات التوحيديّة وانكشافها، وشهود أسرار الملكوت وكشف الحجب

    1. مثنوي، بخط ميرخاني، ص 23.
      والمعنى: ذاك الفم الذي يلتوي استهزاءً باسم أحمد، صار لأجل ذلك فماً أعوج واقعاً وإذا أراد الله تعالى أن يهتك ستر شخص، يجعل رغبته في طعن الطاهرين وإذا أراد أن يستر عيب أحد، يجعل رغبته في السكوت عن عيوب الآخرين وبما أنّ الله تعالى أراد أن يعيننا، فقد جعل رغبتنا في البكاء والابتهال إليه حبذا لو يهبني الله عيناً باكية من خشيته، فكم هو سعيد ذاك القلب الذي يحترق لله فكلّ بكاء يوصل في نهايته إلى التبسّم، والناظر إلى نهايات الأمور هو عبد مبارك.

أسرار الملكوت ج۱

74
  • النورانيّة، والوصول إلى معدن عظمة الله. وكان يقينه هذا راسخاً ومتيناً بحيث لم يكن ليشاهَد منه أيّ شكّ أو تزلزل في أيّ مرحلة من مراحل وجوده، ولم يكن ما يتعرّض إليه من طعون الطاعنين وإهانات الجاهلين وكلمات الفارغين، لينال من الاستمرار في طريقه القويم، أو يؤثّر في عزمه على المضيّ قُدُماً، أو أن يتنازل ويعدل عن مسيرته المحكمة قيد أنملة، وكان من المصاديق البارزة لهذه الفقرة من المناجاة الشعبانيّة:

  • حتّى تخرق أبصار القلوب حُجُب النور فتصل إلى معدن العظمة، وتصير أرواحنا معلّقة بعزّ قدسك1.

  • وفي أحد الأيّام، بينما كان في مجلس مليء بالعلماء والفضلاء، سأله أحد الأشخاص كنايةً: هل أنّ المطالب التي تذكرها كشهود الحقّ تعالى، وجلوات التوحيد، والاندكاك في ذات الخالق، والفناء في الله تعالى، والوصول إلى حريم القدس الإلهي، وأخيراً العرفان بالله هي مطالب حقيقيّة وواقعيّة، أو أنّها مجاملة ومسامحة في التعبير؟!

  • فنظر السيد إلى هذا السائل وأجابه بلهجة حادّة:

  • هل تعتبر أنّ القاذورات الموجودة في بيت الخلاء وجود حقيقيّ، بينما وجود الله تعالى ليس حقيقيّاً؟! يعني كم بلغ بك المقام أنت وأمثالك الذين هم في نهاية الجهل والمسكنة في مجال المعرفة، إلى الحدّ الذي تنسبون فيه وجوداً ظاهراً بنفسه وبوجوده ومستغن عن جميع الوجودات، بل جميع الموجودات إنّما هي متدليّة من أنوار وجوده، وتنعتوه بأنّه مجاز، وترون أدنى مراتب الظهور والوجود بأنّه حقيقي وواقعي!!

    1. إقبال الأعمال، ج 3، ص 299.

أسرار الملكوت ج۱

75
  • وكان نظير هذا السؤال قد طرحه شخص على المرحوم آية الله العظمى الحاج السيّد عليّ القاضي رضوان الله عليه، فأجاب:

  • ماذا تقول! بالله عليك، نحن منذ مدة أربعين سنة نجالس الحقّ! وبعد ذلك تسأل هل أنّ الفناء والوصول والشهود والعرفان وأمثال ذلك حقّ، أو أنّها مسامحة في التعبير؟!

  • تعظيم بعض العلماء مثل آغا بزرگ الطهراني والشيخ حسين الحلي للأولياء الإلهيين

  • نعم، في أجواء هذا الوضع السيّئ، لا يمكن أن نغضّ الطرف عن بعض العلماء الكبار من أعاظم الشيعة ومفاخر العالم الإسلامي، الذين كانوا لامتلاكهم نفوساً طاهرة وأرواحاً صافية وضمائر صادقة يؤمنون بصحّة المدرسة العرفانيّة وأحقّيتها وعلوّ شأنها، وارتقاء مرتبة الأولياء الإلهييّن فيها. مثل المرحوم آية الله الحاج الشيخ آغا بزرگ الطهراني تغمّده الله برحمته، الذي عرّف في كتابه أعاظم العرفاء الإلهيّين ومدحهم بعلوّ مقامهم وارتقاء رتبهم وقداسة نفوسهم وطهارة سرّهم. من قبيل ما ذكره في آية الحقّ الكبرى سند الإتقان والتوحيد آية الله العظمى الشيخ حسينقلي الهمداني رضوان الله عليه، وكذلك ما ذكره بحقّ الآية الإلهيّة الكبرى المرحوم آية الله العظمى الحاج السيّد أحمد الكربلائي، وتلميذه المبرّز علّامة الدهر والعارف بلا نظير المرحوم الحاج السيّد علي القاضي الطباطبائي، وكذلك سائر تلامذة المرحوم الحاج الشيخ حسينقلي الهمداني1.

  • أو كالشخصيّة الجليلة، والفقيه المعروف، والنحرير العالم، ومنار العلم والتقى والزهد والطهارة، آية الله العظمى الحاج الشيخ حسين الحلّي أعلى الله مقامه، حيث كثيراً ما كان يذكر هؤلاء الأولياء الإلهيّين، والعرفاء بالله بعبارات راقية ومضامين عالية، وكان يضع نفسه دون علوّ مقامهم ورفعة شأنهم.

    1. توحيد علمي وعيني فارسي، ص 13 و 14، نقلًا عن نقباء البشر، للشيخ آغا بزرگ الطهراني، ج 2، ص 674 إلى 678.

أسرار الملكوت ج۱

76
  • وقد نقل المرحوم الوالد رحمة الله عليه مراراً:

  • عندما كنّا في النجف الأشرف، وكنّا مشغولين ببحث الاجتهاد والتقليد في محضر الفقيه النبيل والأصولي المعروف المرحوم آية الله العظمى الحاج الشيخ حسين الحلّي أعلى الله مقامه، طُرحت يوماً بعض فقرات الرواية المذكورة سابقاً عن الإمام الحسن العسكري عليه السلام، لمناسبتها للبحث. فقال المرحوم الشيخ حسين الحلّي في مقام بيان اختلاف الاستنباط من مضامين هذا الحديث الشريف:

  • اشتراط المرحوم السيد محمّد كاظم اليزدي حصول ملكة قدسيّة في المرجع لا مجرّد العدالة العرفيّة

  • بعض العلماء كالسيّد أبو الحسن الأصفهاني رحمه الله، وآية الله الحاج حسين البروجردي، يعتقدون أنّ مراد الإمام عليه السلام ومقصوده من بيان هذه الفقرات، هو حصول صفة العدالة في المجتهد المرجع، ويكفي مجرّد العدالة العرفيّة في الفقيه كي يجوز تقليده ويصير مرجعاً. لكنّ بعضاً آخر كالمرحوم السيّد محمّد كاظم اليزدي، يعتبر في المرجع تحقّق مراتب من العدالة أعلى من العدالة المتعارفة والمصطلحة، وهذه المراتب تكشف عن حصول ملكة قدسيّة ملازمة لطهارة النفس وصفاء السرّ، وعلاقة خاصّة تربطه بالله تعالى.

  • ثمّ قال: والحقّ مع المرحوم السيّد اليزدي، وهذه الرواية تبيّن مراتب أعلى بكثير من ملكة العدالة المصطلحة. وبعدها تطرّق في بحثه إلى كيفيّة تحقّق هذه الصفات والملكات القدسيّة، وقال: هذه المضامين تحكي عن مراتب عالية وراقية جدّاً، وبعيدة عن تصوّرنا وما يمكن أن نتخيّله، وعبّر بعبارات تكشف عن صفاء باطنه، وإخلاص نيّته وتواضعه، حيث قال- وليُعذر الكاتب في نقله لهذه العبارات-: أين أنا ... حتّى أستطيع تصوّر هذه المقامات وهذه المراتب العالية من الإيمان والاتصال بحريم القدس

أسرار الملكوت ج۱

77
  • الإلهي؟! فهذه المرتبة مختصة بأولياء الله الخاصّين، وأين نحن حتّى نقدر على الحديث عن هذه الصفات!1

  • لاحظ هذا الفقيه الكبير والنحرير على الإطلاق، كيف يذكر هذه المطالب، في حين أنّ الكثير من المتّصفين بأوصاف «المفتي» و «المرجع» يعتبرونها من الأوهام والأباطيل، ويرون أنّ السلوك في هذا الطريق فسق وقادح في العدالة. انظر كم هو الفرق بين هذين الموقفين!

  • مناقشة العلامة الطهراني لآية الله السيد الخوئي في مسألة لزوم السلوك العرفاني

  • أذكر أنّي كنت مع المرحوم الوالد رضوان الله عليه، مَدعوّان للإفطار في إحدى الليالي في منزل المرحوم آية الله الحاج الشيخ مرتضى المطهّري رحمة الله عليه، وبعد الإفطار قال المرحوم الوالد:

  • عندما كنت في النجف الأشرف، ولأجل ابتعادي عن الأهواء الباطلة، وعدم الاختلاط بالمسائل غير الضروريّة والمتلفة للعمر والوقت، والاشتغال فقط بالدرس والبحث، كنت أُعرف بالتصوّف والاعتزال. ومن جهة أخرى، بما أنّي كنت من الطلاب المميّزين في الدرس والمشار إليهم بالبنان، كان آية الله السيّد الخوئي يسرّ إلي في بعض الأحيان بعض النصائح. وفي ليلةٍ، وبعد انتهاء الدرس، قال لي أثناء العودة إلى المنزل: يا سيّد محمّد حسين! على الإنسان أن يصرف أوقاته في الدرس والبحث، ولا يضيع أيّامه بهذه الأمور (الاشتغال بالأوراد والأذكار والأربعينيّات)، فهذه المسائل تحصل شيئاً فشيئاً للإنسان، ولا تحتاج إلى جدٍّ وجهد وصرف العمر وإتلاف الوقت! ومع ذلك أنا لا أرى أنّ هذه المسائل (العرفان والسلوك) من الأمور القادحة بالعدالة، لذا أرى من الأفضل لك أن ترجع عن هذه الأمور.

    1. وقد أوضح المرحوم العلامة آية الله السيد محمّد حسين الحسيني الطهراني هذه المسألة بشكل مفصّل في كتابه ولاية الفقيه، الجزء الثاني، المجلس الرابع عشر والسابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر..

أسرار الملكوت ج۱

78
  • ثمّ قال آية الله السيّد الخوئي: إنّ فلاناً كان يهتّم بهذه الأمور، وكان على علاقة بالسيّد علي القاضي رضوان الله عليه ويتردّد عليه، لكنّ أباه أرسل إليه رسالة وحذّره من هذه العلاقة والتردّد على هذا الأستاذ. فقبل نصيحته، وقطع علاقته بالسيد القاضي وعاد إلى إيران.

  • قال المرحوم الوالد: فأجبت آية الله السيّد الخوئي:

  • أولًا: إنّك قلت إنّ الطلاب لابدّ أن يهتمّوا بدروسهم وبحوثهم، ولا يضيعوا حياتهم بمثل هذه الأمور، وأنت تعلم أنّي أفضل طلاب درسك وأقواهم. متى! وأين قصّرت في الدرس والبحث أو في أداء تكليف التحصيل، حتّى أكون مستحقّاً لهذه النصائح المشفقة منك؟!

  • ثانياً: أنا حاضر في أن أتباحث معك في أيّ مسألة فرعيّة ترغب بالتباحث فيها، حتّى يتّضح لك أيّنا أكثر إحاطة بالمباني وتضلّعاً بالأصول والفروع، وأقدر على استنباط الأحكام، وتطبيق الكبريات على الصغريات.

  • ثالثاً: قلتَ إنّ فلاناً كان يتردّد على المرحوم السيّد القاضي، لكنّ أباه نهاه عن ذلك، فتركه. فاعلم أنّ أبي قد ارتحل عن هذه الدنيا، وبحمد الله لا يوجد أيّ شخص يمكنه أن يمنعني ويردعني عن السير في الطريق الذي اخترته، وافعل أنت ما يحلو لك.

  • عند ذلك قال: واأسفاه على هذه الحوزة، التي تعتبر عظماءها الإلهيّين والمرآة المظهرة لحقيقة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم كالبقّالين والقصّابين في كونهم غير فاسقين فقط، وترى أنّ العدالة المعتبرة فيهم كعدالة التجّار العاديّين! واأسفاه على هذا المجتمع الذي يعتبر أنّ اكتساب الفضائل الأخلاقيّة والاهتمام بالتّأسّي بالرسول وأئمّة الهدى صلوات الله عليهم أجمعين أنّه مجرّد عمل غير قادح في العدالة! هل هذه المسائل تحصل بنفسها شيئاً فشيئاً؟! ما هذا الكلام الواهي، وما هذا الكلام الذي لا

أسرار الملكوت ج۱

79
  • يعتمد على دليل! هيهات! هيهات ألف مرّة، كم أُدميت قلوب هؤلاء العظماء، وكم من المصائب حلّت بهم، وكم من المكاره جرت عليهم حتى وصلوا إلى هذه المقامات. فسواء سمحوا لأحد بالسير أم لم يسمحوا، فلن يؤثّر ذلك شيئاً؛ جلّ فناء الحقّ عن أن يكون شريعة لكلّ وارد1. وبعد ذلك يقول السيد: هذه المطالب تحصل بنفسها شيئاً فشيئاً!

  • شرح اين هجران واين خون جگر***اين زمان بگذار تا وقت ديگر 2

  • يرى الحقير من المناسب هنا، أن نذكر موعظة للمرحوم الوالد رضوان الله عليه، كان قد ألقاها في مشهد المقدس سنة 1414 للهجرة على مسامع بعض تلامذته، حول أهمّية العلم والعمل، والإعراض عن الأهواء الدنيويّة، والمنافع الشيطانيّة، وحول الاستقامة في مسيرة أهل البيت عليهم السلام، ليكون ذلك تنبيهاً للكاتب، وتذكيراً للقرّاء الكرام، حيث قيل: إنّ قول الحقّ أولى أن يُسمع من لسان الحقّ. والجدير بالذكر، أنّ المرحوم الوالد كان قد ألقى هذه المحاضرة قبل وفاته بسنتين تقريباً، ولذلك يمكن اعتبارها إتماماً للحجّة منه على طلّابه وسائر الأفراد، وبالخصوص على الفضلاء وطلبة العلوم الدينيّة.

  • موعظة العلامة الطهراني للطلاب في وجوب التواؤم بين العلم والعمل وبيان سبب تعطيل حوزة النجف

  • أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

  • بسم الله الرحمن الرحيم

  • وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين

  • ولعنة الله على أعدائهم أجمعين

  • ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَ الْحُكْمَ وَ النُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ لكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ

    1. معناه: دع بيان الهجر وحرقة الفؤاد إلى وقت آخر.
    2. شرح الإشارات والتنبيهات، ج 3، ص 394.

أسرار الملكوت ج۱

80
  • تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَ بِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ1، أي أنّه لا يمكن لأي فردٍ في حدّ ذاته وقوّته الخاصّة إذا أعطاه الله الكتاب والحكم والنبوّة أن يقول للناس كونوا عباداً لي مقابل الله. ولكن بما أنّكم العلماء وحماة الكتاب، عليكم أن تكونوا ربّانييّن، أي لتكن نسبتكم إلى الربّ دائماً، كونوا علماء ربّانيين لا علماء مادّيين وشهوانيّين. أو أنّ كلمة «ربّانيّين» مشتقّة من مادّة «تربية»، بمعنى كونوا من أهل التربية، وربّوا الناس وقودوهم إلى المحلّ الأعلى، باعتبار أنّكم تدرّسون الكتاب، وتدرّسون القرآن، وباعتبار أنّ عملكم وبحثكم ودراساتكم حول القرآن، وحول المسائل العقليّة والمسائل الإلهيّة.

  • بناءً على ذلك، فطريقة ودأب من وصل إلى مقام العلم، هي أنّه لا يستطيع بأيّ شكل من الأشكال أن يدعو النّاس إلى نفسه، وأن يرى أمره ونهيه صادراً منه شخصيّاً، وأن يعتبر هؤلاء الناس عباداً له.

  • فالأوامر يجب أن تكون أوامر إلهيّة ولأجل الله، وعلى الإنسان أن لا يشتبه ويصدر أوامر من تلقاء نفسه فإنّ مرجع هذه الأمور إلى حبّ الرئاسة والشهوة والشعور بالتفوق والوجاهة ثم يعرضها على الناس باسم الله، ويحمّلهم إيّاها على أنّها هي الدين والشريعة .. فإذا فعل الإنسان ذلك الآن، فلن يخرج عن عهدة المسؤوليّة غداً، لأنّه طبقاً للآية السابقة يقول القرآن: إنّكم في طريق العلم والكمال، ولديكم علم جيد بالكتاب واطّلاعكم عليه كبير، وأنتم حماته، وعلومكم

    1. سورة آل عمران، الآية 79.

أسرار الملكوت ج۱

81
  • ودراساتكم تدور في هذا الفلك، لذا كان عليكم الوصول إلى حقيقة العلم. وليست حقيقة العلم أن يدعو الإنسان الناس إلى نفسه، ويدعوهم إلى عبادته والسجود له؛ بمعنى أن يتصوّر نفسه هو المحور الأساس ويعمل على أن تكون إطاعة الناس له، وبعدها يدعوهم للعبادة والأخذ عنه، هذا غلط. بل حقيقة العلم هي انكشاف الواقع والحقيقة، وكلّ من وصل إلى العلم عليه أن يدعو الناس إلى الله، وعليه أن يوجّه نفسه وسائر الناس نحو الله، هذا هو العالم، الذي يحمل مصباح الهداية في يده ويتقدّم مسيرة الناس حتّى يكشف لهم الطريق ويسيروا جميعاً نحو الله، لا أن يصير هذا المصباح الذي يحمله موجباً لضلال الناس وضياعهم، فعندئذٍ سوف يقع الناس في ظلام حالك، باعتبار أنّهم أطاعوا شخصاً من حيث هو.

  • أفضلية مقام العلماء على الشهداء في كلام الإمام الصادق عليه السلام

  • وقد ورد في كتاب قرب الإسناد، الذي يعتبر من الكتب المهمّة والمعتبرة، رواية عن هارون عن ابن صدقة عن الصادق عن آبائه عليهم السلام:

  • إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال: ثلاثة يشفعون إلى الله يوم القيامة فيشفّعهم: الأنبياء، ثمّ العلماء، ثمّ الشهداء1.

  • فالرسول يقول في هذه الرواية بأنّ درجة العلماء أدنى من درجة الأنبياء وأعلى من درجة الشهداء، لأنّ الأنبياء يشفعون أولًا، ثمّ العلماء ثمّ الشهداء.

  • وفي أمالي الشيخ الطوسي رحمة الله عليه، بإسناده عن

    1. قرب الإسناد، ص 64.

أسرار الملكوت ج۱

82
  • المجاشعي عن الإمام الصادق عن آبائه عن عليّ عليه السلام قال:

  • قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: إذا كان يوم القيامة وُزن مداد العلماء بدماء الشهداء، فيرجح مداد العلماء على دماء الشهداء1.

  • والمراد بمداد العلماء، الكناية عمّا يتركه العالم من أثر ليفيد الناس به، فمداد العلماء إذا وزن مع دماء الشهداء يكون أثقل في ميزان يوم القيامة.

  • ويوجد رواية صحيحة أخرى وهي: مداد العلماء أفضل من دماء الشهداء2، ومن جملة طرقها يوجد طريق ينتهي إلى (العبد)، حيث لديه إجازة من الشيخ آغا بزرگ الطهراني رحمة الله عليه، الذي يعتبر من مشايخ الإجازة في علوم الدراية. وكذلك لدينا سند متصل إلى رسول الله عبر العلّامة الطباطبائي الذي يعتبر أيضاً من مشايخ الإجازة أيضاً. وجميع هذه السلسلة من العدول. ومن المعلوم في اصطلاح أهل العلم، أنّ إطلاق لفظ الرواية الصحيحة يراد به الرواية التي لها سند بمعنى أن لا تكون مقطوعة أو مرفوعة أو مرسلة وأن يكون جميع من في سندها من الإماميّين الموثّقين والعدول، دون أن يكون بينهم أي راوٍ من الرواة الموصوفين بالحسن أو الضعف.

  • وروى ابن أبي جمهور الأحسائي في كتاب غوالي اللئالي:

    1. الأمالي، للشيخ الطوسي، ص 521.
    2. ذكر العجلوني في كشف الخفاء، ج 2، ص 200، الحديث بلفظ:« مداد العلماء أفضل من دم الشهداء».

أسرار الملكوت ج۱

83
  • قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل1.

  • ويروي أحمد بن محمد البرقي في كتاب المحاسن عن أبيه عن سعدان عن عبد الرحيم بن مسلم عن إسحاق بن عمّار- وهو سند ممتاز- قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: من قام من مجلسه تعظيماً لرجل؟ قال: مكروه، إلا لرجل في الدِّين2.

  • فالعلماء السابقون إنّما كانوا يتركون مدنهم وقراهم، ويسافرون إلى الحوزات العلميّة للدراسة فيها بناء على ما تمليه هذه الروايات التي أوردنا بعضها كشاهد على ذلك، وإلّا فالمرحوم المجلسي خصّص الجزء الأوّل من كتابه «بحار الأنوار» لبيان فضيلة العلم والعلماء والإخلاص في العمل وشروط العلم، وعلماء السوء والعلماء الروحانيّين والإلهيّين، وأورد هناك مئات الروايات. ويوجد أفراد هنا وهناك قد سمعوا بهذه الروايات عبر وصيّة آبائهم، أو نصيحة أمّهاتهم، وانتقلوا بعدها إلى الحوزات للدّراسة لأجل الله تعالى، وقد وصلوا إلى المقام العالي الذي ينبغي الوصول إليه. طبعاً، لا بدّ من العمل على طبق الشروط التي تقدّم ذكرها؛ بأن لا تعود لهم شخصيّتهم التي كانت لديهم، ولا ترجع إليهم نفوسهم وأنانيّتهم، وأن لا يتوجّهوا إلى حطام الدنيا، ولا يُسيئوا الاستفادة من العلوم التي تعلّموها أو من الموقعيّة التي اكتسبوها، ولا ينصبوا شباكهم لاصطياد الناس، ولا يعملوا

    1. عوالي اللئالي، ج 4، ص 77.
    2. المحاسن للبرقي، ج 1، ص 233.

أسرار الملكوت ج۱

84
  • لغير الله، وفي النهاية يصيروا هم أنفسهم طعمة للشيطان، فهذه شروط لا بد منها.

  • لقد كان في السابق علماء جيّدون جدّاً، ولم يكن هؤلاء وأمثالهم قليلين بل كانوا كثيرين، فقد كان في كلّ زمان منهم واحد، من قبيل الشيخ المفيد والشيخ الطوسي والبرقي الذي مرّ ذكره (أحمد بن محمّد بن خالد البرقي) الذي كان مقدّماً حتّى على الكليني وكان من جملة الرواة الذين اعتمدهم الكليني في أسانيده، ومن قبيل الخواجة نصير الدين الطوسي والشهيد الثاني والشهيد الأوّل والقاضي نور الله الشوشتري والعلّامة الحلّي والمقدّس الأردبيلي وغيرهم ... فعندما ينظر الإنسان إلى تاريخ هؤلاء، يرى أنّهم منار العلم والكمال والدراية، وفي الوقت نفسه يرى القداسة والتقوى كامنة في أرواحهم، وليس للدنيا أيّ قيمة عندهم .. واقعاً لم يكن للدنيا قيمة عندهم.

  • لقد كان هؤلاء مصابيح ومنارات واقعاً، فكانوا يقودون الناس نحو ذلك المقام الذي كان رسول الله والأئمّة قد سبقونا إليه، كما أنّهم كانوا يهدون أنفسهم وكلّ من جعل نفسه ضمن دائرة شعاعهم والتسليم لهم، للوصول إلى مقام الكمال.

  • تمجيد المرحوم المجلسي للمقدّس الأردبيلي

  • وهناك عبارة للمرحوم الشيخ المجلسي ينقلها في مقدّمة «بحار الأنوار» التي ذكر فيها مصادر الكتب التي اعتمد عليها، وتناول أيضاً ذكر مؤلّف كلّ كتاب على حدة، فقد تكلّم هناك عن المقدس الأردبيلي- الذي عاش قبل أربعمائة سنة تقريباً وتوفي في النجف وقبره بجوار قبر أمير المؤمنين عليه السلام- بمقدار سطرين أو ثلاثة، حيث قال: «والمحقّق الأردبيلي

أسرار الملكوت ج۱

85
  • في الورع والتقوى والزهد والفضل بلغ الغاية القصوى ولم أسمع بمثله في المتقدّمين والمتأخّرين، جمع الله بينه وبين الأئمة الطاهرين، وكُتُبه في غاية التدقيق والتحقيق»1.

  • حسناً، انتبهوا جيداً، يقول المجلسي: إنّ كتب المقدّس الأردبيلي من جملة المصادر التي أعتمد عليها والحال أنّه كان متقدّماً عليه بمائة سنة تقريباً، أو ما يزيد عن المائة بقليل، وفي الحقيقة يمكن القول أنّهما كانا في عصرين متعاقبين ومتقاربين ونعته بالزهد والورع والتقوى والعلم والفضل، حيث قال في حقّه: «بلغ الغاية القصوى» أي آخر نقطة من الهدف، ولم يسمع بوجود مثله في العلماء المتقدّمين والمتأخّرين، وأن كتبه في منتهى التحقيق والتدقيق.

  • والمجلسي خرّيت هذا الفن، فهو علّامة عصره في معرفة الرجال ومعرفة العلماء وتشخيص الكتب، ولا يمكن أن ينخدع في هذا الفنّ أبداً، ولا يمكن أن يتصوّر هذا الأمر في حقّه، وهو يقول بحقّ هذا العالم: «أنّه لم يسمع بمثله في المتقدّمين والمتأخّرين»، فهذه مسألة مهمّة جدّاً .. ماذا كان المحقّق الأردبيلي وماذا كانت علومه وكيف كانت حياته في النجف، وما هي المشكلات التي كان يعاني منها، وكم كان جلوداً في تحمّل المصائب، وكم كان يُؤْثِر على نفسه وكم كان بعيداً عن هواه، وكم كان قد حصل على العلم وحقيقة العلم، حتى قيل في حقّه هذا الكلام وقبلنا به؟!

  • العلم دون العمل لا يؤدّي إلّا إلى البعد عن الحقّ

  • إذاً العلم يعطي الكمال للإنسان ويعطيه القدرة، والذين

    1. بحار الأنوار، ج 1، ص 42.

أسرار الملكوت ج۱

86
  • يسعون وراء العلم ويقرنون العلم بالعمل- والعلم في واقعه هو العمل ويدور معه، والعالم بدون عمل يجب أن لا يقال له عالم- يصلون إلى تلك المقامات التي وردت في الرواية وفي الآية القرآنية: وَ لكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَ بِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ.

  • فالله تعالى جعلكم مصباح الهداية، وجعلكم الهادين لجميع البشر وخلفاء الله على الأرض. وأنتم حاملو اللواء يوم القيامة؛ حيث يحمل رسول الله لواء الحمد بيده ثمّ يحمله أمير المؤمنين وبعد ذلك يصل هذا اللواء إلى أيديكم. لذا عليكم أن تكونوا حذرين ومحافظين على هذا المقام؛ لا يرديكم غروركم، ولا يذهب بكم علمكم، فالعلم يُردي الإنسان أكثر من أيّ شيء آخر. والعلم كمال مثل الجمال في المرأة .. فالمرأة الحسناء لديها غرور والجمال يؤدي بها إلى الغرور. والعلم في الرجال حكمه حكم الجمال في النساء، فإذا زاد علم الرجل فسوف يعجب بنفسه طبعاً ويغترّ. لكن يجب أن نحاسب هذا الغرور ونُفهمه بأنّ هذا العلم ليس لنا، هو علم الله، فالله هو الذي يعطيه وهو الذي يأخذه، والإنسان ليس سوى آلة في ذلك، وإذا اعتمد الإنسان على نفسه فسيؤدي ذلك إلى الفرعنة والشخصانيّة، وسيتحرك هو وأهله وجميع الأشخاص المرتبطين به نحو نفسه، وسيصير محوراً ومقصداً، فبدلًا من أن يعتبر نفسه ووجوده مرآة لله تعالى، يصير بنفسه محوراً يدعو الجميع إليه، لأنّه يعتبر نفسه أعلى من الجميع ويرى نفسه مقابل الله، فإنّه وإن لم ينف وجود الله ووجود النبي ووجود الإمام ووجود الكتاب، لكنّه عمليّاً يرى أنّ كلّ ما

أسرار الملكوت ج۱

87
  • يترشّح من فكره هو الحقّ وما سواه باطل مهما كان، حتى لو واجه آية قرآنيّة أو رواية صحيحة فسوف يؤوّلها ويسقطها عن الاعتبار ويضعها جانباً، ويقول الحقّ ما ذكرناه فقط!

  • وهذا الأمر من أعظم المخاطر، حيث سيتبدّل الآن ذاك العلم الصافي الموجود في نظام وجوده إلى جمر مشتعل، ويتبدّل مركز الخير هذا إلى جهنّم، لذا ورد لدينا في الروايات التنبّه والحذر من هؤلاء العلماء وعدم اتّباعهم، خشية أن يكون عملك قد صدر من مثل هذه الأماكن! إنّ تحصيلك للعلم يجرّك إلى التجبّر والتكبّر! لذا عليك أن تعتبر نفسك لا شيء وغير موجود، وأن ترى هذه النفس مركزاً للتجلّيات العلميّة لله تعالى.

  • روي في كتاب «عدّة الداعي» بناء على نقل البحار، عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: من ازداد علماً ولم يزدد هدى (ولم يزدد نور قلبه ولم يزدد قربه من الحقّ) لم يزدد من الله إلّا بعداً1.

  • فبدلًا من أن يكون العلم مقرّباً إلى الله يصير موجباً للبعد. فعلى سبيل المثال إذا كان رجل يدرس وكان في الدرجة الخامسة، فإذا درس غداً يريد الارتقاء إلى الدرجة السادسة يهبط إلى الدرجة الرابعة، وبعد غدٍ يدرس فيصل إلى الدرجة الثالثة، وبعده يصل إلى الثانية وبعده إلى الأولى وبعده إلى درجة الصفر، ويا ليت التنازل يقف عند الصفر فقط، بل تحت الصفر بواحد، ثمّ تحت الصفر باثنين، تحته بعشرة آلاف، بمائة ألف .. إلى ما لا نهاية. إذا كان هذا الإنسان قد وصل إلى ما لا

    1. بحار الأنوار، ج 2، ص 37؛ و عدّة الداعي، ص 65.

أسرار الملكوت ج۱

88
  • نهاية في التنازل، فالله تعالى أيضاً لديه من مقام الفضل والكرم والرحمة ما لا نهاية له، كما أنّ تجلّي الجلال والغضب الإلهي في الجهة المقابلة لا نهاية له. فلهيب جهنّم ناشئ من فوران النفس، هؤلاء قد أعطوا نفساً (من خلال ما اكتسبوه من علم) أشدّ لهيباً من النار وأخطر .. النفس التي ظهرت بصورة الدين، بلسان الدين وبعنوان تأييد شريعة سيّد المرسلين، لكن كلّ ذلك كان دعوة إلى النفس ووقوفاً بوجه الله ووقوفاً بوجه الإمام، ومع ذلك كان بصورة الدين، بصورة القرآن، بصورة الكتاب، وبصورة السنّة. هذا الأمر من الأمور العجيبة جدّاً!! كيف يمكن للإنسان أن يصدّق أنّ هذا الشخص قد سعى لطلب العلم، سعى للكمال لكنّه وقع في النهاية في الهلاك من خلال هذا الطريق! أوَيُعقل هذا الأمر؟! نعم!

  • فالقرآن الكريم يقول: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ1.

  • وفي آية أخرى يقول: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ2.

  • فعندما يغيّروا ما بالنفس ويغيّروا الصفات النفسانيّة، يغيّر الله نعمته عليهم؛ فيسلّط عليهم العذاب الخالد، ويرسل عليهم القحط والزلازل والبراكين، وتفتح الجبال أفواهها وتقذف حمم لهيبها، وينتشر المرض والوباء ويحصل القحط والجفاف وتشتعل الحروب فتُهلك الحرث والنسل. لماذا؟ لأنّهم بدلًا من

    1. سورة الأنفال، من الآية 53.
    2. سورة الرعد، من الآية 11.

أسرار الملكوت ج۱

89
  • أن يعتبروا هذه النعمة التي منحها الله لهم من الله ويشكروه عليها، كفروا بها ونسبوها إلى أنفسهم وإلى الأمور الطبيعيّة، واعتمدوا على الأمور السطحيّة، وقطعوا علاقتهم بالله، فقال الله لهم: حسناً! إذا كنتم تقولون أنّكم قد انفصلتم عن عهدتي واستقللتم بأنفسكم، فهذا عنان أنفسكم جعلته على عاتقكم، فلنرى ماذا يمكنكم أن تفعلوا؟!

  • وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَ اتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ وَ لكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ*1.

  • أي لو كان أهل الضيع والمدن يؤمنون ويتّقون لأنزلنا بركات السماء والأرض عليهم، وهي البركات الروحيّة والماديّة؛ البركات السماويّة كالعلم والمعرفة والدراية والفعليّة، والبركات الأرضيّة كرفع المصائب والأمراض والشدائد، وليس رفع المصائب والأمراض فقط، بل نجعل الدنيا لهم دوحة غنّاء، وحيثما يضعوا يدهم يروا الخيرات، كلّ ذلك بسبب إيمانهم وتقواهم، لكنهم كذبوا بآياتنا فأخذناهم بما كانوا يكسبون، وبسبب تكذيبهم بآياتنا سلَبنا منهم كلّ هذه البركات، وما أسهل هذا الأمر علينا.

  • مدرسة العلامة الحلي السيّارة مع السلطان خدابنده

  • فيما سبق كانت تُدرّس في الحوزات العلميّة دروس القرآن والتفسير، وكان لدى الكثير من العلماء الكبار من قبيل الشهيد الأوّل والشهيد الثاني دروس في المعرفة ودروس في الكلام، وكان لدى العلّامة الحلّي مدرسة سيّارة في ركاب السلطان خدابنده، وكان العلّامة إلى آخر عمره يذهب مع السلطان حيث

    1. سورة الأعراف، الآية 96.

أسرار الملكوت ج۱

90
  • ذهب حفاظاً على الشريعة؛ فحينما كان السلطان ينزل في مكان، كانت تُنصب الخيام ويأخذ كلّ طالب مكانه فيها وتُنزل الإبل حمولتها من الكتب، وتُشاد في ذلك المكان مدرسة، هكذا كانت مدرسته وهكذا كان تعليمه. وأخيراً ارتحل عن الدنيا في كرمانشاه وانتهت هذه المدرسة بوفاته. ومن هنا نرى أنّ بعض كتب العلّامة قد فرغ من كتابتها في كرمانشاه في المدرسة السلطانيّة السيّارة. لماذا كان يفعل كلّ هذا؟ لأنّ قلبه كان يحترق لشدة شعوره بالمسؤوليّة، فقد أسلم السلطان محمد خدابنده حديثاً، ولو تركه فسوف يرتدّ عن الإسلام ويعود للكفر. فكان يقوم وبداعي الحفاظ على الشريعة، ومع آلاف الغصص التي كان يتجرّعها عالم مسنّ مثل العلّامة الحلّي بدعوة الطلّاب عبر الإبل وخيم الكتّان من هنا وهناك في الحرب والسلم والسفر والحضر حتّى يحفظ إسلام هذا الرجل، وقد وُفّق في ذلك1. وكذا في زمان الشيخ الأنصاري رحمة الله عليه ذاك الرجل المقدّس والمتديّن، فإنّه وإن لم يكن من أهل العرفان ومن أهل التوحيد، إلّا أنّه كان فقيهاً و رجلًا عادلًا وصادقاً حينما كان البعض يرجعون إلى هذا العالم ويطلبون منه درساً في أمور الحكمة والمسائل الإلهيّة، كان يقول لهم: إنّي لست أهلًا لهذه الدروس، اذهبوا إلى سبزوار عند الملّا هادي السبزواري وادرسوا عنده. انظروا! إلى هذا المرجع وهذا الشخص الذي يُعتبر القمّة في الحوزة، يجيز لنفسه أن يقول: أنا لا أعرف هذا المطلب! اذهبوا إلى ذاك المكان من العالم!

    1. ذكر العلامة الطهراني رضوان الله عليه هذا المطلب بشكل مفصّل في كتاب معرفة الإمام، الجزء التاسع، صفحة 123.

أسرار الملكوت ج۱

91
  • وأنتم تعرفون المسافة الطويلة التي تفصل بين النجف وسبزوار فهي تستغرق الكثير من الوقت. كما أن الطلّاب الذين ربّاهم المرحوم الشيخ طلابٌ جيّدون، وكان ثلاثة عشر منهم من أساتذة الفقه والدراية والتقوى حقّاً، ولم يكن لديهم أثرٌ لهوى النفس، حتى أنّه بعد وفاة الشيخ الأنصاري أرادوا أن يعيّنوا زعيماً للحوزة فوقع بينهم نزاع، وكان يقول بعضهم للبعض الآخر يجب أن تكون أنت الزعيم! فلم يكن يقبل، بل كان يقول: ليس لديّ القابليّة في تولي هذا المقام، وكانت تلك المجالس تنتهي في بعض الأحيان إلى البكاء والنحيب1.

    1. قصة مرجعية الميرزا محمد حسن الشيرازي( هامش)
      ذكر المرحوم العلامة الطهراني رضوان الله عليه تفصيل قصّة تلامذة الشيخ الأنصاري في كتاب ولاية الفقيه، الجزء الثاني، صفحة 95، حيث قال هناك: ... نقل عن المرحوم الميرزا الكبير الحاج الميرزا محمّد حسن الشيرازي أعلى الله مقامه أنّه قال: إنّي لم أخطُ أيّ خطوة نحو الرئاسة، وإنّ هذا الأمر قد حصل بنفسه، وأخذ بتلابيبي، مع أنّي لم أكن راضياً أيضاً. وينقل أنّه بعد وفاة المرحوم الشيخ الأنصاري رحمة الله عليه، اجتمع كبار طلّابه الذين كانوا ظاهراً سبعة عشر شخصاً، أمثال الميرزا حسن الطهراني النجم آبادي، والحاج الميرزا حسين، والحاج الميرزا خليل وغيرهم، وكانوا جميعاً من الأجلّاء، فاجتمعوا ودعوا أعاظم تلامذة الشيخ إلى ذلك المجلس، سوى السيد حسين الكوه كمره اي الذي لم يدعوه إلى هذا الاجتماع، لأنّه كان رجلًا مستبدّاً برأيه ولا يتزحزح، مع أنّ علميّته كانت بدرجة كبيرة ولكنهم لم يدعوه لهذا الاجتماع، لأنّهم لم يرتضوه زعيماً لأمور المسلمين، ولم يرتضوا حتى مشورته. واجتمع أخيراً هؤلاء السبعة عشر شخصاً من طلّاب الشيخ وكانوا على درجة عالية من التقوى، واتفقوا جميعاً في ذلك على لزوم تقديم الميرزا محمّد حسن الشيرازي لتسلّم مقاليد الأمور وصيرورته مرجعاً لأمور المسلمين. لكنّ الميرزا محمّد حسن الشيرازي لم يكن غير مسرور في ذلك المجلس فحسب، بل راح يبكي وأجهش بالبكاء، لأنّهم قد ألقوا مسؤوليّة هذا الأمر في عنقه، وهو لا يرى نفسه أهلًا لهذا العمل، ولا يرى ذلك من وظيفته أو ممّا يمكنه القيام به وأمثال ذلك. ثمّ قال بعد ذلك للميرزا حسن الطهراني النجم آبادي الذي كان من الطلّاب المعروفين للشيخ: إنّي أشهد أنّك أعلم منّي، فكيف تعيّنني لهذا الأمر؟ فأجاب الميرزا حسن الطهراني: نعم أنا أيضاً أرى نفسي أعلم منك، ولكني لا أصلح للرئاسة، فالرئاسة مضافاً إلى الأعلميّة تحتاج إلى عقل وفكر وتحمّل وسعة لكي يمكن النهوض بهذا الأمر، وأنا لا أمتلك هذه الصفات وأنت تمتلكها، لذا ننصّبك لهذا الأمر، ونحن أيضاً نكون معك ونقدّم لك العون ولا نتركك وحيداً. وخلاصة الأمر فقد ألقيت المرجعيّة في عنق الميرزا محمّد حسن الشيرازي رضوان الله عليه مع بكائه وعدم رضاه. وكذلك قيل حول المرحوم آية الله الميرزا محمّد تقي الشيرازي رحمة الله عليه: كان قلبه طاهراً وصافياً ونورانيّاً إلى درجة لم يكن يتخيّل الرئاسة أصلًا، ولم يكن يخطر في باله التفوّق، أو يدرك معنى الرئاسة. ويقال، إنّ الشيخ هادي الطهراني الذي كان معروفاً بانتقاده لجميع العلماء وتعييبه لهم، لم يستطع أن يشكل على الميرزا محمّد تقي الشيرازي ولا على نهجه وهدفه وقدسه وطهارته وصفاء باطنه. نعم كان إشكاله الوحيد هو قوله: إنّ صفاء الميرزا محمّد تقي هذا ليس صفاءً اكتسابيّاً، بل هو ذاتيّ له، وليس هو المطلوب. فهو معصوم ذاتاً وخارج عن الموضوع، والتحسين والتقبيح إنّما يكون على الصفات الاختياريّة، والميرزا محمّد تقي الشيرازي معصوم ذاتاً، وكان يذكر هذا أيضاً كعيب له. فيجب أن تُسلّم الأمور لمثل هؤلاء! مثل الميرزا محمّد تقي الشيرازي الذي لا يتفاوت الأمر بالنسبة إليه لو أقبلت كلّ الدنيا إليه أو أدبرت عنه. وينقل عنه قصص كثيرة ومفصّلة.
      قصة إرجاع الشيخ محمد البهاري المقلدين إلى الميرزا محمد تقي الشيرازي واختياره( هامش)
      ومن جملة ما يحكى عنه: سئل سماحة الشيخ محمّد البهاري رحمة الله عليه وكان من الطلّاب البارزين للمرحوم الملّا حسينقلي الهمداني رضوان الله عليه عن الرجوع في التقليد إلى الميرزا محمّد تقي الشيرازي، فقال: سوف أمتحنه! وكان المرحوم الميرزا محمّد تقي الشيرازي يصلّي إماماً للجماعة في الصحن المطهّر لحرم سيد الشهداء عليه السلام ويقتدي به كلّ من يصلّي في الصحن، فجاء سماحة الشيخ البهاري يوماً ووضع سجّادة صلاته بموازاة سجّادة الميرزا الشيرازي وشرع بالصلاة مقارناً له أثناء تأدية الميرزا محمّد تقي الشيرازي للصلاة، وبعد أن فرغ من الصلاة قال لأولئك الأشخاص الذين كانوا قد سألوه: قلّدوا هذا الرجل! لأنّه لم يخطر في قلبه أصلًا في جميع حالات الصلاة أنّ هذا الشخص قد جاء ووقف إلى جانبه وأخذ يصلّي بموازاته! ويحكى أيضاً أنّ الشيخ محمّد البهاري نفسه كان في أحد أسفار الزيارة إلى سامرّاء قد ركب نفس المحمل الذي ركبه الميرزا محمّد تقي الشيرازي( وكان الناس يسافرون في ذلك الزمان بواسطة العربة أو الهودج، فكان يجلس إلى هذه الجهة شخص بينما يجلس في الجهة الأخرى للمحمل شخص آخر) قال: إنّي قد طرحت مطلباً علميّاً وهدفت منه إثارة عصبيّة الميرزا وإخراجه عن طوره، عسى أن تصدر منه جملة أو كلام خلاف، ولكن لم يصدر منه أيّ ردّ فعل على الرغم ممّا كنت أفعله طوال هذا السفر بين الكاظميين وسامرّاء يبلغ ثمانية عشر فرسخاً الذي قطعناه سويّاً على البغل حتّى أنّي كنت في بعض الأحيان أتصنّع استعمال ألفاظ مثل: لا تفهم هذا المطلب، وما شابه هذا الكلام؛ ومع ذلك بقي محافظاً على طوره وظلّ يجيبني بهدوئه المعتاد انتهى.

أسرار الملكوت ج۱

92
  • اختلاف العلماء بعد المشروطة وتعطيل دروس الحكمة والفلسفة والعرفان

  • أمّا بعد المرحوم الشيخ وطلّابه، فقد حصلت قضيّة (المشروطة) وما ترتّب عليها من اختلاف بين العلماء نتيجة نفوذ

أسرار الملكوت ج۱

93
  • النزاع السياسي بين الروس والإنكليز إلى الحوزة، عندها تعكّرت الأجواء قليلًا، وصار كلٌّ يجرّ النار إلى قرصه؛ فهذا يدّعي أنّه هو الذي يمثّل الشريعة، وذاك يدعي أنّه الذي يمثّل الشريعة. فشبّ النزاع بينهم واستمر على هذا الحال، فلم يقتصر الأمر على توقف دروس الحكمة والفلسفة والعرفان بل تعطّلت هذه الدروس، وتعطلّت دروس المعارف أيضاً، وأخيراً وصلت الأمور إلى نقطة فاضحة جدّاً بحيث لم يعد يجرؤ أحد على ذكر اسم كتاب «الأسفار» مثلًا في حوزة النجف أو في حوزة قم، ولم يعد يُرى في المكتبات أي كتاب عن الحكمة، ومن يريد أن يدرس هذه الدروس وهو بطبيعة الحال كان يعدّ رجلًا غريباً لم يكن ليجد له درساً في تلك الحوزة. مع العلم أنّه كان يوجد أساتذة كبار في الحكمة من قبيل الشيخ محمّد حسين الأصفهاني، و الميرزا محمّد باقر الاصطهباناتي، و شيخ الشريعة الأصفهاني، الذين كانوا من أساتذة الحكمة وكانوا من المحافظين عليها.

  • وبعد أن ارتحل هؤلاء ارتحل معهم كلّ شيء، ارتحلت معهم علوم المعقول. ولم يبق في يد أحد سوى أن يقرأ رواية مثلًا ويقوم بشرحها وبيان ظاهرها وتأويلها، وهذا الشرح والتأويل خاضع في الواقع للأفكار التي يحملها القارئ، والحال أنّ الروايات لا يمكن أن تفهم أصلًا بدون العلوم العقليّة.

  • هذا بالنسبة للحكمة، وأما العرفان فلا تذكر اسمه على لسانك أصلًا، فإذا أراد شخص لا قدّر الله أن يسعى وراء الواقع والحقيقة ويهتمّ بنفسه قليلًا، فسوف يكون هذا القدر كافياً في أن تنظر الحوزة جميعها إليه نظر استهانة وتسخيف،

أسرار الملكوت ج۱

94
  • وتعتبره من الأراذل المنبوذين وتراه شخصاً كافراً وأجنبيّاً.

  • غربة أمير المؤمنين عليه السلام في حوزة النجف

  • ما معنى هذا؟! إذا كانت الحوزة .. حوزة النجف حيث مقام أمير المؤمنين، فما معنى هذا الكلام؟! لماذا يمنع اسم العرفان هنا؟! هل تعلمون ما معنى هذا؟ هذا معناه أنّ نفس اسم أمير المؤمنين عليه السلام ممنوع! نفس أمير المؤمنين عليه السلام صار هدفاً للطعن وللسهام، لذا صارت علومه مرمىً للسهام أيضاً. أفهل كان لنهج البلاغة وجود في النجف؟ أوهل كان أحد يعلم بنهج البلاغة؟! بل لعلّ بعض الطلّاب كانوا يذهبون إلى النجف ويبقون هناك عشرين عاماً ويعودون إلى بلادهم، دون أن تمرّ يدهم على نهج البلاغة، ودون أن يعلموا ما هو هذا الكتاب؟ إنه نهج البلاغة من تأليف أمير المؤمنين، أجل .. هو الذي يلي القرآن في الفصاحة والبلاغة، ويقال إنّه الكتاب التالي للقرآن. ما أقوله لكم ليس أساطير!! هذه وقائع وحقائق .. من هنا تفهم أنّهم لأجل هذه المسائل كانوا يرمون المرحوم القاضي رضوان الله عليه بالتصوّف، وكذلك كانوا يقولون بحقّ أساتذته الذين هم أعلى منه كالآخوند ملّا حسينقلي الهمداني بأنّهم من الصوفيّين، وأيضاً عن السيّد جمال أنّه صوفي، وكانوا يقولون عن السيّد عبد الهادي الشيرزاي الذي كان لديه شيء من التزكية والمجاهدة لنفسه بأنّه يميل إلى التصوّف، ويرمونه بأنه كان يعتني بتلامذة المرحوم القاضي.

  • هذا هو ميزان النجف، ألا ينبغي أن نقرأ الفاتحة على هذه الحوزة؟! وأن نعلن وفاتها واقعاً؟! هل هذه حوزة؟! يعني هل هذه تربية مدرسة القرآن وأمير المؤمنين؟! .. أشخاص يجتمعون حول سفرة سوداء، هذا يسحبها نحوه وذاك يسحبها نحوه،

أسرار الملكوت ج۱

95
  • وهذا يدعو فلاناً وذاك يدعو فلاناً، وهذا يرسل رسالته العمليّة لطبعها في هذه المدينة ... وهكذا وهكذا!.

  • هل تعلمون كم لاقينا في السنوات التي قضيناها في النجف الأشرف من المرارات على يد هؤلاء؟ ما كانت تهمتنا؟! هل كنت صوفيّاً؟! هل كنت مطلقاً للشاربين كما يفعل الصوفيّون؟! هل كان في يدي كشكول الدراويش؟! هل كنت أحمل عصا الدراويش؟! لا لم يكن شيءٌ من ذلك أبداً، بل كان ذلك فقط لأنّ الإنسان يريد أن يفهم ماذا! إذا كان الله موجود واقعاً فلنرى ما هو؟ إذا كان ما يقوله الإمام صحيح فلننظر ماذا؟ لم يكن هناك أيّ شيء غير السعي وراء الفهم. لكنّ هؤلاء الأشخاص رأوا أنّه إذا ظهرت هذه الطريقة وصارت واضحة، فسوف تخرّب جميع دكاكينهم، فهم في اضطراب دائم، علمهم علم شيطاني، يخافون أن لا يعود أحد يسمع كلامهم أبداً، أن لا يصل كلامهم إلى أذن أحد، فإذا كان مخاطبوهم من أهل العلم والاطّلاع، يمكنهم أن يبحثوا ويعرفوا أن حقائبهم خالية المحتوى وخاوية من أساسها.

  • كنت يوماً في أحد المجالس في النجف، فشهدت بنفسي نزاعاً حدث بين شخصين، وكان أحدهما يقول للآخر لماذا أتيت بفلان (الحاج عبدالرزّاق الكرمانشاهي) إلى النجف وأخذته إلى فلان؟ فهؤلاء إذا أتوا إلى النجف يجب أن يبقوا بعيدين عن هذه الأجواء، وعليهم أن يمكثوا في النجف قليلًا ثمّ يرحلوا، لأنّهم إذا بقوا في النجف واطّلعوا على حقيقة أفكار البعض وأخلاقهم، فسوف يقطعوا إرسال الحقوق التي بأيديهم إلى النجف!

أسرار الملكوت ج۱

96
  • العوامل التي منعت إبعاد المرحوم العلامة الطهراني عن النجف

  • لقد صارت حوزة النجف حوزة القتل والإغارة والنهب وسلب سهم الإمام، كم تحمّل منهم أمير المؤمنين؟! كم صبر عليهم ولم يطردهم خارجاً؟! أتسمعون ما أقول لكم؟ لقد كنت في النجف، والله تعالى هو الذي حرسني، هناك ثلاثة عوامل جعلتهم عاجزين عن طردي من النجف، وإلّا لطردوني.

  • الأوّل: أنّي لم أكن آخذ راتباً شهريّاً من أحد، وإلّا لقطعوا هذا الراتب حتماً، فكلّ من كان يقيم كثيراً في مسجد السهلة أو في مسجد الكوفة، أو كانت مشاركته في المجالس العموميّة قليلة، كانوا يقطعون راتبه.

  • والثاني: إنّ أقاربي وعشيرتي كانوا جميعهم من العلماء وأهل العلم، سواء الأموات أم الأحياء، وهؤلاء كانوا يعرفونهم جميعاً، ولم يكونوا يستطيعون مواجهتي خوفاً منهم، وكانوا يعرفون أنّ أقاربي العلماء سيقفون في وجههم إذا واجهوني، وكانوا يرون أنّ جاههم وشخصيّتهم لا تقدر على هذه المواجهة.

  • الثالث: أنّي كنت من الطلّاب الجريئين، بحيث أنّ كلّ من كان يقف أمامي كنت أواجهه مباشرة، فلم يكن أحد يجرؤ على ذكر السيد القاضي بسوء في المجالس أو المحافل التي أكون فيها، وكلّ ما كان يقال عليه كان يحصل بغيابي، لكنّه كان يصل إلى مسامعي. وكذا الحال بالنسبة للعلّامة الطباطبائي، أبداً وأبداً!! لقد كنت أواجههم بكلمات معدودة مفادها أنّ كلّ ما لديكم لا يساوي فلساً، وحقيقة الأمر هي هذا. ولا يزال بعضهم حيّاً حتى الآن. ومع ذلك عندما كانوا يروني ماشياً في

أسرار الملكوت ج۱

97
  • الطريق كان الجميع ينظر إليّ نظر بغض وعداوة، فمن المعلوم أنّهم سمعوا عنّي شيئاً، وإلّا فلماذا ينظر إليّ بالذات؟ فأنا طالب علم ذهبت إلى النجف، سيّدٌ، مشغول بالدراسة، مشغول بأعمالي الخاصّة، ولم يكن وضعي الدراسي سيّئاً، بل كان العلماء يقولون: درسه جيّد، لا يضيع عمره هدراً .. وأمثال ذلك، وكنت أكتب تقريرات الدرس أيضاً وغيرها، ومن هذه الجهة أيضاً لم يكن هناك أي مشكلة.

  • إذاً ما هو هذا الإشكال؟! الإشكال هو أنّكم تقولون: هذا الشخص صوفيّ منحرف .. لنأتي ونستوضح المسألة، ما معنى كلمة صوفي؟ هل تعني الدراسة جيداً؟! هل تعني الالتفات إلى النفس ومراقبتها؟! إذا كان الأمر كذلك، فجيّد للإنسان أن يكون صوفيّاً. وإذا لم يكن الأمر كذلك فلماذا إذاً تلقون التهم؟! أنتم الذين تتّصفون بعنوان المرجعيّة (ومراجع ذلك الوقت كانوا يبنون على هذا الأساس). وكان البعض يقول: نحن نقبل بكلّيات العرفان، لكنّ هذا الكلام من الأمور الجزئيّة وليس مهماً، فالإنسان سيصل، وعليه أن يتبع هذه المصادر وهذه الأمور؛ وهي تبليغ الشريعة وترويجها! وليس هناك أيّ شيء آخر، صحيح؟

  • أنتم تعرفون في هذه السنوات كم لاقى المرحوم السيد القاضي والعلّامة الطباطبائي وأمثالهما وكلّ من يريد أن يشمّ شيئاً من رائحة العرفان .. من التهم! وكم عانوا من حالة التضييق؟ هؤلاء أُسقطوا من الوجود. أمّا أولئك فاجتمعوا حول قبر أمير المؤمنين تحت عنوان الدين، وبعنوان حفظ الشريعة، وبعنوان الحفاظ على حوزة الألف عام التي أسّسها الشيخ

أسرار الملكوت ج۱

98
  • الطوسي، باعتبار أنّ هذا الواجب ملقى على عاتقهم الآن، يريدون أن يحفظوا الحوزة .. هيا باسم الله! تفضّلوا واحفظوها! فهل يمكن أن يحتال أحد على أمير المؤمنين؟! عزيزي! لا فرق عند أمير المؤمنين بين حياته ووفاته، فهو يحفظها هو يحفظها هو يحفظها، وفي آخر المطاف سوف يرميكم على وجوهكم في قعر جهنّم، وهو لا يهاب ذلك أبداً .. فلا يمكن التلاعب مع أمير المؤمنين.

  • العلماء المنغمسون في الدنيا أخطر من أي موجود آخر

  • إنّ العلماء المغرورين بأنفسهم وبشهرتهم، ويجعلون الدنيا شبكة يصطادون بها فريسة نفوسهم، هم أخطر من أيّ موجود على الأرض.

  • كنت أفكّر يوماً بأنّ الله خلق في هذه الدنيا بعض الحيوانات؛ كالذئب والأسد والنمر، فهذه كلّها حيوانات مفترسة، وقلت في نفسي مثل أيّ حيوان هؤلاء؟ لكن رأيت أنّه لا يمكن أن نشبّههم بأيّ حيوان، بل يجب أن نشبّه الحيوان بهؤلاء الأشخاص، وبعد ذلك رأيت أنّه لا يمكن تشبيه الأسد والنمر بهؤلاء أيضاً، فهذه الحيوانات حكمها حكم الدبّابة، فالدبّابة عندما تتحرّك إلى الأمام لا تفهم شيئاً، سواء كان تحتها إنسان أم حيوان أم شجر أم حائط أو أيّ شيء آخر، فإنّها سوف تسحقه وتكمل تقدّمها. وعلماء السوء والعياذ بالله نفوسهم هكذا، فإنّهم لأجل الوصول إلى مقاصدهم وتخيّلاتهم الشيطانيّة لا يقف أيّ شيء في وجههم ولا يمنعهم أيّ مانع من تحقيقه. إذا قرأتَ لهم ألف آية قرآنيّة، فسوف ينكرون دلالتها سريعاً ببعض المعادلات، ويقولون إنّها تتحدّث عن تلك

أسرار الملكوت ج۱

99
  • المسألة .. وعن تلك، ولا تتحدّث عن هذه المسألة. نقرأ لهم رواية، يقولون إنّ هذه الرواية معارضة بتلك الرواية، ويجب العمل بتلك الرواية. عزيزي! أنت بالأمس رجّحت هذه الرواية في المجلس الفلاني، فكيف ترجّح الآن تلك الرواية طبقاً للمصلحة التي تراها؟! كنت تقول إنّ لتلك الرواية معارض، وهي غير صالحة للعمل على طبقها، فلماذا تتمسّك بها اليوم؟! وأمثال ذلك ... عجيب جداً!

  • ذلك الوقت .. انتبهوا جيداً لتعرفوا المسألة من أي قبيل؟ المسألة هي أنكم إذا سمعتم أنّ صدّام لعنة الله عليه قد دخل بالدبّابات إلى صحن أمير المؤمنين عليه السلام، فلا تتعجّبوا كثيراً.

  • الظالم سيفي أنتقم به وأنتقم منه

  • أقسم بالله إنّ ذاك الشخص الذي يتسمّى باسم المرجعيّة مثلًا وأمثاله، والمنحرف عن صراط أمير المؤمنين، ويرد الصحن بالأبّهة والعظمة والجلال والحاشية .. هو أسوأ حالًا من ألف دبّابة وأخطر منها! وتلك الدبّابات البشريّة هي التي أوجدت هذه الدبّابات الآليّة، هذه الدبّابات إنّما هي لامتحاني أنا وأنت؛ الظالم سيفي أنتقم به وأنتقم منه1، فصدّام رجل

    1. كلمة الله، ص 180، وقد ورد مضمون هذا الحديث في روايات الخاصّة والعامّة: أما روايات الخاصّة: فقد ورد في الكافي، كتاب الكفر والإيمان، باب الظلم، ج 2، ص 332، حديث 13: عدّة من أصحابنا عن أحمد بن محمّد بن خالد عن ابن أبي نجران عن عمّار بن حكيم عن عبد الأعلى مولى آل سام قال: قال أبو عبد الله عليه السلام مبتدئاً: من ظلم سلّط الله عليه من يظلمه .. وأيضاً في صفحة 334 من نفس المصدر الحديث 18: عدّة من أصحابنا عن أحمد بن محمّد بن خالد عن أبيه عن أبي نهشل عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام( في بعض النسخ عن أبي جعفر عليه السلام): قال: قال من عذر ظالماً بظلمه سلّط الله عليه من يظلمه ... وأيضاً في كتاب ثواب الأعمال وعقاب الأعمال، ص 323، حديث 16: أبي رحمه الله قال: حدّثني سعد بن عبد الله عن محمّد بن عيسى اليقطيني عن إبراهيم بن عبد الحميد عن علي بن أبي حمزة عن أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام قال: ما انتصر الله من ظالم إلّا بظالم وذلك قول الله تعالى: وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا. وأما في روايات العامّة: فقد ورد في كتاب الدرر المنتثرة، للسيوطي: الظالم عدل الله في الأرض ينتقم به ثمّ ينتقم منه. وأيضاً في نفس الكتاب: من الله تعالى يقول: أنتقم ممّن أبغض بمن أبغض ثمّ أصيّر كلّا إلى النار. ومثله في المقاصد الحسنة للسخاوي. وفي كتاب الأسرار المرفوعة للملّا علي القادري: ما انتقم الله من قوم إلّا بشرٍّ منهم. وأيضاً في كشف الخفاء للعجلوني: إنّ الله ينتقم من الظالم بالظالم.

أسرار الملكوت ج۱

100
  • ظالم ومنتقم، لكنّ هذه الأمور لم تأتِ بلا سبب، وليست وليدة نفسها، ليست خافية على الله تعالى ولا بعيدة عن نظره، وليست خافية على إمام الزمان، لا يستطيع صدّام أن يخدع الله تعالى ويختفي في هذه الغرفة ثمّ يفاجئه بالظهور أمامه. فإنّ صدّام مع كونه ظالماً وعليه لعنة الأوّلين والآخرين، حيث لم يظهر رجل ظالم مثله1، إلّا أنّه مع ذلك إذا أردنا أن نقيس الأمور بالتحقيق؛ هل هذا أخطر أو ذاك الملتحي من أوّل عمره2

  • أسرار الملكوت ؛ ج1 ؛ ص101
    1. نعم! في هذه الأثناء وحين مراجعتي للكتاب قبل طبعه، يعني في العاشر من صفر الخير سنة 1424 من الهجرة، شاهدنا سقوط صدّام الملعون واندحار حكومته، حكومة بعث العراق المخزيّة التي وقفت ضدّ الشريعة والبشريّة، على يد أميركا والإنكليز. وشاهدنا معجزة المشيئة الإلهيّة والتقدير الإلهي في نظام عالم التكوين، ورأينا إنجاز الوعد الإلهي في انهزام الجبّارين والظالمين بأمّ العين، ونسأل الله تعالى أن تستمرّ هذه السنّة التكوينيّة في محو وسقوط جميع المستكبرين والظالمين، على يد صاحب الولاية الكبرى الإمام بقيّة الله أرواحنا لتراب مقدمه الفداء.
      عيسى به رهى ديد يكى كشته فتاده--حيران شد وبگرفت به دندان سر انگشت
      گفت اى كشته كراكشتى تا كشته شدى زار--تا باز مگر كشته شود آنكه تو را كشت
      --
      والمعنى: رأى عيسى مصروعاً على الأرض فاحتار في أمره ووقف مدهوشاًوقال أيها المصروع من صرعتَ حتى تُصرع مهاناً، والأمر سيّار فالذي صرعك سوف يُصرع كذلك).
    2. حسينى طهرانى، سيد محمد محسن، أسرار الملكوت، 3جلد، دار المحجة البيضاء - بيروت - لبنان، چاپ: 1، 1430 ه.ق.

أسرار الملكوت ج۱

101
  • الذي لبس الجبّة والعمامة وذهب إلى سراديب النجف المرطبة ونام على السطوح وتحمّل كلّ هذه المصاعب الشديدة، كلّ ذلك كان لأجل أن يصبح زعيماً، لا لكي يقدّم خدمة للدين!

  • لا يمكن أن يُخدع أمير المؤمنين، فأمير المؤمنين صاحٍ وهو يريد أن يقلب أمور هذا الجهاز الفاسد. وانظروا أيّ أنظمة جيدة سوف تأتي بعد ذلك إن شاء الله مكان هذه التي ستضمحلّ، والحوزة التي ستقام بعد ذلك هي حوزة جيدة؛ الحوزة التي يرتضيها الشهيد الأوّل والشهيد الثاني والعلّامة الحلّي والمقدّس الأردبيلي وأمثال هؤلاء، الحوزة التي تحمي القرآن والعلم والعرفان والعقل والدراية، وتتيح لطلابها الوصول إلى الحقائق، الحوزة التي تدعو طلّابها إلى الإيثار والصفح والعبادة وإحياء الليل والتفكّر في آلاء الله تعالى، الحوزة التي يكون طلّابها من المحصّلين والمجدّين والمراقبين كلّ ساعة من حياتهم كي لا تذهب سدى، وممّن يرون أنفسهم جنوداً وعباداً لله يعملون على طبق أوامره وطلبه. عندها ستقام تلك الحوزة إن شاء الله.

  • نعم هذه الصفات التي نقرؤها في الروايات وأمثالها، عندما نطبّقها على أفعال هؤلاء، نظلّ نؤوّلها ونقول لنحملها على الظاهر .. احملها على الظاهر! احمل هذا الفعل على الصحّة! احمل على الصحّة! نقول ذلك قدر المستطاع. على الإنسان أن لا يتجاهل الظاهر مطلقاً، لا أبداً، فنحن نحمل على الظاهر ونحمل على الصحّة، لكن هل يغيّر الحمل على الظاهر من الواقع شيئاً؟! فنحن نحمل على الظاهر ونؤثِر السكوت، ويذهب الناس والأشخاص الذين لا يملكون حيلة

أسرار الملكوت ج۱

102
  • وراء هؤلاء المساكين، لكن هل اختفت الحقيقة وهل انمحت حقيقة الحقائق وأصل الوجود؟! وهل انعدم السرّ الرحماني والحقيقة المحمّديّة؟! وهل هذه الحقائق مخفيّة عن أمير المؤمنين؟!

  • إقامة خمس صلوات جماعة عند صلاة المغرب في صحن النجف الأشرف!!

  • عندما يرى الإنسان أنّ في صحن أمير المؤمنين تقام خمس جماعات لصلاة المغرب، خمس جماعات في هذا الصحن الصغير! هل هذا صحيح؟ الله يقول يجب أن نكون جميعاً يداً واحدة وننبذ التفرّق فيما بيننا .. بضعة جماعات في هذا المكان الضيّق، هل هذا صحيح؟ هذا فضلًا عن الجماعات التي تقام في المساجد المحيطة بالحرم كمسجد عمران وبالاسر ومسجد الخضراء، وغير الجماعات التي تقام في الأروقة داخل الحرم، ففي كلّ زاوية صلاة أخرى، فإذا ذهب هذا الإمام أتى آخر بعد عشر دقائق. وتبقى تقام عدّة جماعات لصلاة الصبح الواحدة تلو الأخرى كذلك .. حتى تقرب الشمس من الشروق؛ يقول تعالى: إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً1.

  • يجب أن تُصلّى الصلاة في أوّل الوقت وفقط! والواجب صلاة واحدة لا أكثر، لذا يجب أن تقام صلاة واحدة في الصحن لا أكثر من ذلك. وإذا أراد إنسان أن يقيم جماعة أخرى يجب أن يُمنع منها، ولا يصلي. أو مثلًا بعضهم كان يصلي الصلاة نفسها مرّتين، أو يصلي صلاة الظهر في هذا المسجد ثمّ يعيد صلاة الظهر هذه في مسجد آخر. لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ2. فهل كان رسول الله كذلك؟! وهل كان

    1. سورة النساء، من الآية 103.
    2. سورة الأحزاب، من الآية 21.

أسرار الملكوت ج۱

103
  • الأئمّة كذلك؟! أو أنّ هذه الصلاة تقام بعنوان حفظ الشريعة! فهل هذا حفظ للشريعة؟! هذا حفظ للبطن، حفظ للمقام. وأيّ مقام؟ ذاك المقام الأرذل والأكثر انحطاطاً من أيّ مقام آخر .. وسوف ينجرّ الإنسان بالنهاية إلى هذه الوجاهات التي ترونها .. الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه1 وَ لِلَّهِ الْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ لكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ2.

  • مسألة النفاق والمنافقين ليست منحصرة في زمن رسول الله

  • عندما نقول المنافقين .. تظنّون أن المراد بالمنافقين أولئك المنافقون الذين كانوا في زمان رسول الله! كلّا، فالمنافقون ليسوا منحصرين بأولئك، بل كلّ من لم يفهم أنّ العزّة مختصّة بالله وبرسول الله وبالمؤمنين فهذا منافق. كلّ من يدعو إلى نفسه كما تعبّر عنه الآية القرآنية المباركة: ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَ الْحُكْمَ وَ النُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ3. فهذا منافق. المنافق يعني من يكون له وجهين، ظاهره يبرز شيئاً لكنّ باطنه شيء آخر. وإذا واجهته يقول لك شيئاً وفي غيابك يقول كلاماً غيره. وإذا لم يقل في غيابك خلاف ما قاله لك، فإنّ في قلبه ما هو أعجب من ذاك النفاق، حيث يخفي في قلبه خلاف ما يظهره لك وغير الذي يقابلك به؛ يقابلك بالبشاشة والتبسّم والمجاملة، لكنّه يخطّط في باطنه للقضاء عليك وقلعك من الجذور. يقول في الظاهر: أيّها الناس اتّبعوا الإسلام! اتبعوا القرآن! وأمثال ذلك، ولكنّه يعمل على خلاف الإسلام، ويسير في حياته على أساس أن يمحق

    1. وسائل الشيعة، ج 26، ص 14
    2. سورة المنافقين، من الآية 8.
    3. سورة آل عمران، من الآية 79.

أسرار الملكوت ج۱

104
  • الأحكام الشرعيّة، فهذا منافق. ليس لله مع أحد من الناس صداقة خاصّة، فهو يهدي الناس ويحركهم إلى الصراط المستقيم، وميزانه ميزان مستقيم؛ وَ السَّماءَ رَفَعَها وَ وَضَعَ الْمِيزانَ* أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ1. هل يمكن لله أن يقول: لقد خلقنا السماء والأرض على أساس العدل وميزان الحقّ، وبعدئذٍ يعطينا عنان أمورنا في هذه الأمور بأيدينا ويقول: كلّ تخيّل وكلّ اشتباه وكلّ عمل سيّئ تعملونه فأنتم أحرار في ذلك، لأنّكم أنتم علماء الشريعة، وقد جعلت الاختيار بيدكم وجعلت لديكم الولاية أيضاً، ويمكنكم الإتيان بأيّ فعل تريدونه! هل هذا صحيح؟! كلّا! فيجب على طلّاب العلوم الدينيّة جميعاً أن يخطوا خطوتهم الأولى بالعلم والعمل، كما فعل أولئك وكما فعل السابقون. انظروا إلى أيّ المقامات وصل السيّد ابن طاووس وأخوته علي وأحمد! انظروا إلى السيد بحر العلوم الذي لم يمضِ على موته أكثر من مائتي عام! انظروا أيّ مقامات كانت لديه! انظروا إلى أمثال الشيخ جعفر كاشف الغطاء الذي كان من طلّاب بحر العلوم وكان ملازماً له في دوراته، أيّ رجال طاهرين كانوا وكم كان لديهم من الصفاء! وكم شكل من أشكال الدنيا عُرض عليهم لكنّهم لم ينهزموا أمامه. بل كانوا يحيون الليل في محراب العبادة ويبكون ويستغيثون بالله. وكان سواء عندهم؛ قلّدهم جميع الناس أم لم يقلّدهم أحد، بل لم يكونوا يشترون هذه الأمور بفلس واحد. لذا يجب على الإنسان أن يمشي على هذا الصراط، وإلّا فهناك

    1. سورة الرحمن، الآيتان 7 و 8.

أسرار الملكوت ج۱

105
  • خطر جدّيّ ينتظره، وما قاله الله تعالى للسابقين فهو متوجّه إلينا أيضاً. فالآيات القرآنيّة لديها شمول وعموم، وليست منحصرة برسول الله وبزمان رسول الله، بل هي شاملة لجميع الأزمنة إلى يوم القيامة بدون استثناء.

  • اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد

  • كان هذا كلام المرحوم الوالد وقد نُقل كما هو عن الشريط المسجل. وعباراته وإن كانت عبارات خطابيّة ولم يراع فيها ضوابط الكتابة والتأليف، لكنّ الكاتب لم يرض على نفسه أن يغيّر في كلمات وعبارات ذاك العالم؛ الذي هو رجل الميدان في العلم والعمل وحرّيّة الفكر والسلوك، ولم يكن يرغب في حرمان المغرمين بإدراك الحقائق من تلقّي واقع الأمور وحقيقتها بشكل مباشر.

  • نعم! في كلّ مكان يمكن لهذه الفتنة العمياء أن تظهر، ويتاح لهذا التعصّب والتحجّر أن يحكم، يسقط بساط العدل والقسط ويتداعى، وتحلّ حالة الانغماس في الجهالة والعصبيّة محلّ التحليق في عالم القدس والانغمار في بحار البركة الإلهيّة غير المتناهية. فنفس هذا الحقير كان قد طُرد من إحدى المدارس المرتبطة بمرجع ذاك الوقت بجرم تدريس الفلسفة، بينما أجازوا لشخص آخر أن يعطي درساً في المدرسة ذاتها، لكونه يردّ مباني الحكمة ويشكل عليها! وكما أشار المرحوم الوالد رضوان الله عليه في الشريط، كانوا يحرّمون على مدرّسي الحكمة الاستفادة من غرف المدارس وحجراتها، تحت عنوان الدفاع عن التشيّع وحريم الفقه والفقاهة وحراسة ثغور المرجعيّة وحدودها، ويرون أنّ صرف أموال الإمام وسهم الإمام عليه السلام منحصر في بحث وتبليغ الفقه والأصول.

  • لكن الأمر ليس كذلك، فلن يبقى الوجه المضيء للحقيقة والواقع

أسرار الملكوت ج۱

106
  • مختفياً إلى الأبد وراء نقاب الجهل وعبادة النفس وغبار الهوى، ووراء النفوس التي لا خبر لديها عن جمال المقصود. وبشارة افتتاح حوزة علميّة يرتضيها أمير المؤمنين وإمام الزمان مشتعلة دائماً في قلوبنا ومشعّة في ضمائرنا، ونسأل الله المنّان أن يُلبس هذه البشارة لباس الواقع في أقرب وقت، وأن تستقرّ مدرسة التوحيد وعرفان التشيّع الأصيل على العتبة الملكوتيّة لمولى الموحّدين عليه السلام، حتى لا يُجبر الطلّاب والفضلاء على وضع العباءة على رؤوسهم، وعلى وضع مراقبين لهم في الشوارع عند ذهابهم إلى منزل المرحوم القاضي. تلك الحوزة التي يصدح فيها نداء التوحيد والعرفان من كلّ حيّ ومحلّ، والتي تمنح المجتمعات العالمية والباحثة عن الحقيقة الإنسانية حملةَ اللواء كأمثال المرحوم القاضي والسيد أحمد والسيد حسن المسقطي، آمين. أَ لَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ1.

    1. سورة هود، من الآية 81.

أسرار الملكوت ج۱

107
  •  

  •  

  • المجلس الرابع: حرمة الانزواء عن الحق وعدم الاعتناء به

  •  

  •  

أسرار الملكوت ج۱

109
  •  

  •  

  • بسم الله الرحمن الرحيم

  • الحمد لله ربِّ العالمين

  • والصلاةُ على خيرة الله المنتجبين محمَّدٍ وآلِهِ الطاهِرِين

  • واللّعنةُ على أعدائِهِم أجمعين

  •  

  •  

  • كلام العلامة الطهراني في بيان علّة عدم بيعة سعد بن أبي وقّاص لأمير المؤمنين

  • تعتبر مسألة السكوت على الظلم وإخفاء الحقيقة وعدم الدفاع عن الحقّ ورعاية الاحتياط والحياد، فاجعة كبيرة ألمّت بالمجتمع البشري على امتداد التاريخ، ولا تزال آثارها السيّئة تزكم الأنوف. ومن المناسب هنا أن نذكر كلاماً للمرحوم الوالد رضوان الله عليه في بعض خطبه، حيث تحدّث فيها عن قعود بعض أصحاب رسول الله عن نصرة أمير المؤمنين عليه السلام والامتناع عن بيعته، ومن جملتهم سعد بن أبي وقّاص، الذي كان من أصحاب الرسول وأعيان الأنصار، وكان قائد فرقة الرماة في جيش المسلمين أثناء غزوات الرسول، وقائد جيش المسلمين في حرب القادسيّة أثناء فتح بلاد فارس وإيران. وكان سعد قد امتنع عن بيعة أبي بكر، وفي الوقت ذاته لم يقبل ببيعة أمير المؤمنين عليه السلام.

  • وهذا نصّ كلامه، كما نقل عن الشريط المسجّل:

  • كان سعد بن أبي وقّاص من شجعان زمانه، وكان أوّل رامٍ في جيش رسول الله، بل كان قائد الرماة في عهده. ومشاركته

أسرار الملكوت ج۱

110
  • في الحروب واضحة جداً، ويعتبره أهل السنّة من العشرة المبشَّرين بالجنّة1، لكنّه بعد ارتحال رسول الله، لم يبادر إلى بيعة أمير المؤمنين عليه السلام، وبعد مقتل عثمان حيث بايعه جميع المهاجرين والأنصار، تخلّف سعد أيضاً ولم يبايع أمير المؤمنين عليه السلام، هل تعلمون لماذا؟ لأنّه كان سعد! سعد الذي لا يستطيع بيعة علي، فشخصيّة سعد بنظره توازي شخصيّة علي، وكان يقول أنا لا أستطيع أن أدخل تحت إمرته. تماماً مثل طلحة والزبير ومثل عبد الرحمان بن عوف ومثل عمر، فهؤلاء لم يتعرّفوا على تلك المكارم الأخلاقية ومراتبها ولا على الولاية، فكانوا يقولون: نحن من الشَيَبَة ومن كبار القوم، وكنّا من حملة الرايات في زمن رسول الله، وعليّ رجل ونحن رجال؛ فلماذا ننقاد له؟ وهنا بيت القصيد! فسعد كان يقول أنا قائد في جيش المسلمين، ويجب أن أبقى قائداً، لا مقوداً .. هذا ما كان يدور في خاطره، فإنّ سعداً وإن كان رجلًا مقدّساً ومصلّياً، لكن الانقياد لعلي أمر غير مقبول عنده .. لماذا لا تبايع يا سعد؟ لا أعلم، ولا يوجد سبب معقول لذلك.

  • كان سعد يعتقد بأنّه إذا لم يبايع ولم يكن لا مع عليّ ولا مع معاوية، فإنّه سيبقى جانباً إلى آخر عمره، إلا أنّ ذلك لن يحصل! فإنّه سوف يبتلي في هذه الدنيا بأسوأ أنواع المحاكمات؛ حسناً! أنت يا سعد الذي تعلم أنّ عليّاً هو الحقّ، لماذا وقفت جانباً؟ وأنت الذي تعرف أنّ عليّاً هو

    1. وهي في اعتقاد أهل السنة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد بشر عشرة من أصحابه بالجنة، لكن انتساب هذا الأمر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غير مقبول عند الشيعة.

أسرار الملكوت ج۱

111
  • الحقّ، وسمعت من النبي الروايات التي قالها في حقّ عليّ .. لماذا نأيت بنفسك جانباً؟

  • معاتبة معاوية لسعد في امتناعه عن سبّ أمير المؤمنين وجواب سعد

  • لقد قدم سعد على معاوية بعد استشهاد أمير المؤمنين عليه السلام وكان معاوية رجلًا شيطانيّاً ومكّاراً، من المفكّرين بقوّته الواهمة، وكان واقعاً من صنائع الشيطان في الدنيا فقال له:

  • يا سعد لِمَ لا تسبّ عليّاً؟ فقد أمرت بسبّ عليّ على جميع منابر المسلمين، فلماذا لا تسبّه أنت؟

  • نعم .. ذاك الشخص الذي امتنع عن مبايعة أمير المؤمنين عليه السلام، مجبور الآن على المجيء والحضور عند معاوية جبّار زمانه، فهو الحاكم الآن، وفي كل مكان الأمر والمال بيد معاوية، وعلى الإنسان أن يقبّل الأرض بين يديه أدباً ليحافظ على حياته، وحتّى سعد يجب أن يأتي، ويخضع لمحاكمة هذا الجبّار .. لماذا لا تسبّ عليّاً يا سعد؟

  • فقال سعد: لوجود ثلاث خصال فيه، و والله لو نلت واحدة منها، لكانت خيراً لي مما طلعت عليه الشمس.

  • قال: ما هي هذه الخصال الثلاثة؟

  • قال الأولى: زواجه من فاطمة بنت النبي، وكانت فاطمة نور عين الرسول وأفضل النساء، فأعطى سرّه لعلي بن أبي طالب وزوّجه إيّاها، وكان منه بنون كالحسن والحسين أولاد النبي .. فهذه فضيلة لعليّ، وبزواجه هذا صار عليّ من أهل البيت؛ أهل بيت رسول الله، وما ورد في القرآن من آيات بحقّ

أسرار الملكوت ج۱

112
  • أهل البيت، فهي شاملة لعليّ.

  • الثانية: في حرب خيبر، فقد أعطى النبي الراية لأبي بكر ليقود جيش المسلمين لفتح الحصن، فذهب وعاد منهزماً، وفي اليوم الثاني أعطى الراية لعمر، فذهب وعاد منهزماً، فقيل لرسول الله في المساء عاد عمر مهزوماً، فقال الرسول: لأعطينّ الراية غداً رجلًا يحبّ الله ورسولَه ويحبّه الله ورسولُه كرّار غير فرّار يفتح الله في يديه، وكنّا جميعاً نترقّب لمن ستُعطى الراية، ولم يكن أحدنا يتوقّع أن تُعطى لعليّ لأنّه كان مصاباً بالرّمد في عينيه، ولم يكن يقدر على فتحهما أبداً. وتساءل الجميع من هو هذا الشخص الذي سيعطيه رسول الله الراية غداً؟ وفي صباح اليوم التالي، طلب رسول الله أن يؤتى بعليّ، فقيل له: إنّه أرمد ولا يقدر على فتح عينيه، فقال: آتوني به! فأحضروه له، فوضع النبيّ على عيني عليّ شيئاً من لعابه وفركهما، وقال اذهب واحمل! فذهب علي وفتح خيبر. فهذه فضيلة لعليّ ليست لأحد سواه.

  • وقد نقل العلّامة في «منهاج اليقين» عشر فضائل لعليّ، لم يشاركه فيها أحد من الصحابة، وذكر هذه منها.

  • الثالثة: حين قال رسول الله في حقّه: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي، بمعنى أنّك وصيّي ووليّي كما كان هارون وصيّاً ووليّاً لموسى، إلّا أنّك لست بنبيّ.

  • فقد صاحب عليّ النبيّ في جميع غزواته، وفي إحدى هذه الغزوات- وهي غزوة تبوك- عندما قرّر النبي عدم أخذ عليّ معه

أسرار الملكوت ج۱

113
  • قال له: ابق في المدينة! وتولَّ أمر المسلمين فيها مدّة غيابي إلى أن نعود من الغزوة. فخرج الرسول من المدينة وتوقّف على بعد فرسخ، فبدأ المنافقون يشيعون هنا وهناك، أنّ الرسول قد غضب على عليٍّ، ولم يرض بأن يذهب معه فتركه في المدينة لذلك، وقالوا أيضاً بأنّ الرسول قد صحب معه الشجعان، وعهد إلى عليّ أن يتولى أمر النساء والأطفال ويتولى الحفاظ على المدينة.

  • عند ذلك ذهب أمير المؤمنين إلى حيث توقف رسول الله، وقال له: يا رسول الله! هل رأيت منّي سوءاً فلم تصحبني معك في هذه الغزوة بسببه؟ فقال له الرسول: لا والله! أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلا أنّه لا نبيّ بعدي، فمنزلتك عندي كمنزلة هارون من موسى، أي أنّ لك مقام الوصاية، إلا أنّ الفرق بينك وبين هارون؛ هو أنّ هارون كان لديه مقام النبوّة بعد النبي موسى، أما أنت فلست بنبيّ، ولكنّك مثلي من جميع الجهات الأخرى، والآن يجب أن يبقى أحدنا في المدينة؛ إمّا أنت أو أنا. وقد نقل هذه الرواية كبار أهل السنّة.

  • فوضع المدينة ووضع المنافقين فيها كان حسّاساً بحيث أنّه كان ينبغي أن يبقى فيها أحد هذين الشخصين؛ إما النبيّ أو عليّ. و إلّا فمن الممكن أن يفسدها المنافقون عبر تحريك بعض القوى الأجنبيّة كسلطان الروم مثلًا أو غيره، خصوصاً أنّ هذه الحرب كانت ضدّ الروم. لذا فقد خلّف الرسول أمير المؤمنين في ذلك المكان، كي يكون بمثابة وجود نفس الرسول، وبما أنّ النبيّ كان يعلم بأنّه لن يراق دمٌ في هذه

أسرار الملكوت ج۱

114
  • الغزوة، فلم يكن بحاجة إلى شجاعة عليّ، لذا أبقاه في المدينة ولم يأخذه معه.

  • فقول رسول الله لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي، منعني من سبّ عليّ، فلماذا أسبّ عليّاً إذاً؟

  • فقال له معاوية: أأنت سمعت هذا الكلام من النبيّ؟ قال: نعم! وتعكّر صفوه وخرج من مجلس معاوية.

  • فسعد أيضاً كان صاحب شخصيّة مرموقة، كيف يقول له معاوية لماذا لا تسبّ علياً لأجلي؟

  • وهذه الرواية مرويّة في كتاب «الكامل» لابن الأثير، وهو من كبار علماء السنة.

  • وعندما أراد سعد الخروج من الباب، ضرط له معاوية، فقال: اقعد حتّى تسمع جوابك! فجلس سعد.

  • قول معاوية لسعد لماذا لم تبايع علياً مع سماعك هذه الفضائل من النبي بحقه

  • فقال معاوية: والله ما كنتَ عندي قطّ ألعن مثل الآن! أنت الذي سمعت من النبيّ هذا الكلام .. لماذا لم تنصر عليّاً؟!

  • أنظر! يقول معاوية: لماذا لم تنصر عليّاً! والله لو سمعته من رسول الله لكنت خادماً لعليّ. معاوية كاذب في قوله، لكن حتّى الآن احتجاجه مع سعد كان صحيحاً، يقول له: أنا لا أقبل هذا الكلام، ولم أسمعه من النبيّ، أما أنت الذي تدّعي أنّك لا تسبّ عليّاً بسبب هذه الأمور، لماذا لم تنصره؟! هلّا نصرته!

  • فقال سعد: إنّي رأيت ريحاً مظلمة فقلت إخ إخ! (وهي

أسرار الملكوت ج۱

115
  • تقال للإبل كي تبرك) فأنخت راحلتي حتّى مرّت الريح فسرت. وهذا كناية عن حرب الجمل وصفّين والنهروان التي هزّت الدنيا وقتئذٍ ولم أرد الاشتراك في هذه الحروب فأنخت راحلتي، وعندما انتهت هذه العاصفة أكملت طريقي.

  • فقال له معاوية: ليس إخ في القرآن، بل الموجود في القرآن: وَ إِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما (ولم ترض بالصلح واستمرت في ظلمها واعتدائها) عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ1، أين كنت أنت يا سعد؛ أكنت مع العادلة على الباغية أم كنت مع الباغية على العادلة؟ فلم يحر سعد جواباً، ثمّ قال لمعاوية: أقسم بالله أنّي لأجدر منك بالمكان الذي تجلس فيه، فأجابه معاوية: إنّ قومك لم يرضوا أن يجعلوك والياً عليهم، والآن تدّعي هذا المقام؟! ذكر العلّامة الطهراني في كتابه معرفة الإمام، ج 10، ص 136 إلى 157، قصّة سعد بن أبي وقاص في تخلّفه عن بيعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ولقائه بمعاوية بشكل مفصّل، ومع ذكر المصادر.

  • حسناً، تفضّل يا سعد! أنت الذي جلست جانباً وتركت أمير المؤمنين يخوض هذه الحروب وحده، ويواجه الأمور التي جرت عليه، ألم يكن وجودك في معسكر أمير المؤمنين تقوية لجيشه؟ لقد قُتل في حرب صفّين الكبار من المهاجرين والأنصار مثل أُوَيس وعمار بن ياسر. عجيب .. لو كنت أتيت وشاركت في هذه الحرب، ألم تكن مشاركتك موجبةً لتقوية جيش علي؟! فأنت فاتح إيران، وكنت قائد فرقة الرماة في

    1. سورة الحجرات، من الآية 9.

أسرار الملكوت ج۱

116
  • جيش الرسول، فلو أتيت وتوليت قيادة الرماة في الجيش، ألم تكن قد فعلت شيئاً؟ ولو شاركت فعلًا فهل كانت الأمور قد جرت كما جرت؟ لو شاركت لكان من الممكن أن لا تصل الأمور إلى هذا الحدّ الذي وصلت إليه! لعّله لم يكن يحصل أيّ انكسار في جيش عليّ، ولعلّ مسألة الحَكَمين لم تكن لتحصل، ولم تكن خدع معاوية لتنجح هذا النجاح. إذنْ لا ينبغي للإنسان أن يقول: أجلس جانباً ولا دخل لي. ففي بعض الأوقات يعتبر الجلوس جانباً موجباً للضرر والانكسار، أي إنّ الاحتياط في بعض الأحيان يكون خلاف الاحتياط. فدماء المسلمين والشيعة كانت مباحة لهؤلاء، فشيعة الكوفة الذين كان يخاطبهم أمير المؤمنين ويقول لهم: قوموا إلى الجهاد! قوموا إلى الجهاد والدفاع عن الحقّ! أصبحوا بعده أذلّاء بحيث قُتل جميع رموزهم .. وشُرّدوا، ووصل الأمر ببعضهم أن يُجعل في أساس البناء وهو حيّ .. ويبنى عليه، وصار يكفي أن يُتّهم الإنسان بأنّه يتشيّع لأمير المؤمنين كيّ يُهدر دمه، أي إنّ المسألة قد وصلت إلى مرحلة لا يمكن لأيّ إنسان في الدنيا أن يتجرّأ على القول بأنّه شيعي، فقوله هذا كان كافياً لهدر دمه.

  • لماذا حصل هذا الأمر؟ إنّما صار ذلك لأجل الاحتياط. إنّ الاحتياط في محلّه جيّد، لكن نفس هذا الاحتياط إذا كان في غير محلّه فهو غلط واشتباه. فإذا أردنا الوصول إلى ماء طاهر للوضوء، فهل نضيع الوقت في البحث عن الماء حتّى تغرب الشمس وتصير صلاتنا قضاء، لا يا أخي .. لا تحتاج المسألة إلى هذا القدر من البحث، يكفي الوضوء بهذا الماء الذي أخبروك بأنّه طاهر ظاهراً حتّى لا تفوتك الصلاة.

أسرار الملكوت ج۱

117
  • إلى هنا تمّ كلام المرحوم الوالد رضوان الله عليه.

  • يقول الحقير: هذا الكلام يحتوي على مطالب عميقة جدّاً ومتطابقة مع الأصول النقليّة والموازين العقليّة.

  • بطلان السكوت في مقابل الظلم بناء على الموازين العقليّة

  • أما من المنظار العقلي:

  • فالأصل الأوّلي في الموازين العقليّة ومستقلّاتها بشكل عام هو اتّباع الحقّ، وحول محوره تدور جميع أمور الإنسان وحياته وحركاته وسكناته، وهو الحاكم في كيفيّة إجراء العلاقات الاجتماعيّة والفرديّة والاشتغال بأمور الدنيا والآخرة وإيصال النفوس المستعدّة إلى مرتبة الفعليّة والكمال. فالحقّ محور جميع الاستنباطات العقليّة والقوانين الفطريّة. وجميع المرتكزات الفطريّة للإنسان، ورأس المال المهمّ الذي وهبه الله له وجعله قائماً في ضميره، وفطرته إنّما تدور حول هذا المحور. فمثلًا نرى لزوم الصدق وقبح الكذب، وحرمته عقلًا مبنيّة على أساس مطابقة القول للواقع أو عدمها، وبعبارة أخرى انطباق الكلام على تحقّق أمر خارجيّ أو عدم تحقّقه وعدم انطباق الكلام على هذين الأصلين سيكون هو المعيار للصدق والكذب. والحقّ هنا بمعنى نفس وجود تلك القضيّة الخارجيّة أو عدم وجودها، مع غضّ النظر عمّا تمثله القضيّة الخارجيّة من قيمة في نفسها.

  • فالصادق هو الشخص الذي يتطابق كلامه مع المحكي الخارجي، والكاذب هو الشخص الذي لا يتطابق كلامه مع محكيّه.

  • أو مثلًا الحكم بحرمة التعدّي على المال أو العرض أو الروح إنّما هو على أساس عدم انطباق هذه الأفعال على هذا الأصل، لأنّ تسلّط الإنسان على ماله وعرضه وروحه من الأصول الأوليّة والبديهيّة لحفظ واستمرار حياة البشر، والله تعالى قد أعطى الإنسان هذا الاختيار ووهبه له، واعتبر أنّ التعدّي على هذا المقدار من الحدود يتنافى مع حريّة الاختيار والتسلّط

أسرار الملكوت ج۱

118
  • المعطاة له، ومن الطبيعي أنّ غير الملتزمين بالدين الإسلامي المبين من سائر الفرق والملل يؤمنون بهذا المبدأ أيضاً ويعتبرونه الأساس في المحافظة على استمرار الحياة البشريّة. وتخطّي هذا القانون بأيّ شكل من الأشكال يعتبر مرفوضاً وممنوعاً عندهم.

  • وكذلك جميع قضايا المستقلّات العقليّة قائمة على أساس مطابقتها وموافقتها للحقّ. وعليه، فبمقتضى البرهان العقلي والانقياد للفطرة، تكون مسألة الحقّانيّة واضحة وجليّة للإنسان بحيث يجب على النفس الإنسانيّة أن تجعل هذه المسألة نصب عينيها، وتكون مسؤولة عنها دائماً، لأنّ نفس إدراك الحقّ ووضوحه بدون مواجهة العقبات التي تمنع من تحقّقه، يتعارض مع أصالة وجوب بقاء الحياة البشريّة واستمرار الشروط المساعدة لترقّي الروح وتكامل النفس، ولن تحصل أيّ ثمرة لإدراك الحقّ هذا، تماماً كالمريض الذي يشعر بمرض في جسمه ولا يذهب إلى الطبيب لأخذ وصفة العلاج منه، ويجلس في منزله ليستفحل مرضه ويتفاقم، فإنّ من الطبيعي أن لا يكون نتيجة ذلك سوى موت هذا الإنسان وانعدامه.

  • بطلان السكوت في مقابل الظلم بناء على الموازين النقليّة

  • وأما قبح السكوت في وجه الظلم بناء على الموازين النقليّة؛ فهو ممّا لا يُحصى كثرة، فقد ذمّ الله تعالى في مواضع عديدة من القرآن الأشخاص الذين لم ينصروا الحقّ، فإّنهم وإن لم يكونوا من المواجهين للحقّ والمعاندين للأنبياء والمحاربين لهم، إلّا أنّهم سكتوا عن حالة الإجحاف والظلم والنفاق الذي كان يعمل به قومهم، ولم يردعوهم عن المنكر، ولم ينذروهم أو يبيّنوا لهم مواضع الانحراف عن شرائع رسلهم. فقد ورد في سورة المائدة الآية 62:

  • وَ تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ (أي من أهل الكتاب) يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ وَ أَكْلِهِمُ

أسرار الملكوت ج۱

119
  • السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (ولا يزالون يعملون كذلك) لَوْ لا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَ الْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَ أَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ1.

  • لماذا لم يتحرّك الربّانيّون والعلماء الإلهيّون وينهوا الناس عن قول الحرام وأكل المال الحرام؟ فهذا العمل قبيح جدّاً، وسيرتهم في السكوت وعدم إظهار الحقائق يعتبر أيضاً من الأعمال المنكرة وغير اللائقة.

  • إنّ كلمة «ربّاني» مشتقّة من الربّ وهو المربّي والهادي، فلذا يقال لله تعالى «ربّ» بملاحظة هذه الخصوصيّة، لأنّه خلق الخلق على أساس حكمته البالغة، وربّاهم بالعروج إليه والوصول إلى استعداداتهم الذاتيّة وكمالاتهم النفسيّة، و إلّا فمع الاقتصار على ملاحظة جانب الخالقيّة في الله تعالى دون ملاحظة استمرار نزول الفيض الموجب للكمال، فإطلاق لفظ الرب على الله غير صحيح.

  • يخاطب النبي موسى على نبيّنا وآله وعليه السلام فرعون بقوله:

  • رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى2.

  • أي إنّ الله تعالى هو ذات مقدسة خلق الأشياء وأفاض على الماهيات وجوهها الكماليّة الأوليّة، ثمّ هداها نحو الكمالات المتوالية والمتعاقبة.

  • وكذلك قول النبي هود على نبيّنا وآله وعليه السلام:

  • ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ3.

  • أي إنّه لا يوجد أيّ مخلوق حيّ، إلّا وزمام أمور حياته وبقاؤها بيد

    1. سورة المائدة، الآيتان 62 و 63.
    2. سورة طه، من الآية 50.
    3. سورة هود، من الآية 56.

أسرار الملكوت ج۱

120
  • قدرته، ويسيّره ويهديه إلى نقطة كماله المقدّرة، وإنّ ربي دائماً يتحرّك على أساس صراط مستقيم وطريق متقن.

  • يقول المرحوم الحاج السبزواري رحمة الله عليه في منظومة الحكمة:

  • أزمّةُ الأُمورِ طُرّاً بِيَدِهِ***وَالكُلُّ مُسْتَمِدَّةٌ مِنْ مَدَدِهِ 1

  • فزمام كلّ الكائنات وما يطلق عليه لفظ موجود، بيد الإرادة الإلهيّة ومشيئته القاهرة والمطلقة، وجميع عالم الوجود مستمرّ ومستفيض من مدده.

  • وبناء عليه، فكلمة «ربّاني» تعني الشخص المتربّي والمنتسب إلى الله تعالى في تعلّمه للعلوم الإلهيّة وسلوكه في طريق التربية والقرب منه، وإدراكه لحقائق عالم التكوين ونظامه التشريعي. فيصير كلامه منبعثاً من حقيقة أمره تعالى، وتصرّفه ناشئاً من عالم القدس والإخلاص والصدق. فمثل هذا الشخص يكون أسوة ومثلًا أعلى لطالبي الحقّ ومريدي الكمال، في جميع سكناته وحركاته.

  • أمّا في هذه الآية فالمراد من كلمة «ربّانييّن» هم الأشخاص الذين لديهم فهم وإدراك وقدرة على التشخيص أكثر من عامّة الناس، ولديهم اطّلاع أكبر على المعارف الإلهيّة والقوانين الدينيّة. وقد ذمّهم الله تعالى فيها باعتبار أنّهم مع كونهم يمتلكون فهماً وإدراكاً وقدرة على تشخيص المطالب، والتمييز بين الحقّ والباطل ووضوح صلاح المجتمع وفساده عندهم، هذا من جهة. ومن جهة أخرى، جهل عامّة الناس وعدم اطّلاعهم على الحقائق، وورودهم في عالم الكثرات، وتوغّلهم في الشهوات وابتعادهم عن مسيرة الأولياء الإلهيين وإعمالهم اجتهاداتهم الخاصّة وإظهار الآراء الشيطانيّة والأهواء الباطلة، ومع ذلك لم يفعلوا شيئاً بأنّهم لماذا لم يتولّوا إصلاح

    1. شرح المنظومة للملّا هادي السبزواري، ص 3.

أسرار الملكوت ج۱

121
  • المجتمع ويبيّنوا الحقائق بالنصح والموعظة وينهوا عن المنكر ويأمروا بالمعروف ويدفعوا المفاسد الاجتماعيّة، ولأنّهم تركوا الناس وشأنهم، واكتفوا بالاهتمام بشؤونهم الشخصيّة، ونأوا بأنفسهم عمّا يجري في المجتمع من وقائع ومجريات، وكأنّهم لا يتحمّلون شيئاً من المسؤوليّات في مواجهة المسائل الاجتماعيّة الفاسدة والمفسدة، بل جلسوا ينظرون إلى الاختلاف الحاصل بين الناس وارتضوا من أنفسهم أن يبتعدوا عن المجتمع وأن لا يهتمّوا بغير أنفسهم، فعملهم هذا مناقض تماماً لفلسفة بعثة الأنبياء وإنزال الكتب والدعوة إلى طريق الحقّ والصراط المستقيم.

أسرار الملكوت ج۱

123
  •  

  •  

  • المجلس الخامس: وجوب تحصيل شروط الأمر المعروف والنهي عن المنكر

  •  

  •  

أسرار الملكوت ج۱

125
  •  

  •  

  • بسم الله الرحمن الرحيم

  • الحمد لله ربِّ العالمين

  • والصلاةُ على خيرة الله المنتجبين محمَّدٍ وآلِهِ الطاهِرِين

  • واللّعنةُ على أعدائِهِم أجمعين

  •  

  •  

  • دعوة الأنبياء قائمة على أساس الحثّ على الأمور المطلوبة والنهي عن الظلم والفساد

  • لقد أُرسل الأنبياء ورسل الله جميعاً لمواجهة السنن والبدع المخالفة للتعاليم الإلهيّة، ومحاربة الظلم والفساد، وجاؤوا ببرنامج لتعليم الناس وتربيتهم، وكانوا جميعاً يصرّحون لأممهم بهدفهم هذا.

  • فقد ورد في خطاب الله تعالى لرسوله الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم:

  • وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَ نَذِيراً* قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا1.

  • أي إنّنا لم نرسلك يا رسول الله إلا لكي تبشّر بالنعيم الإلهي والفوز بالدرجات الأخرويّة، والتحذير من غضب الحق تعالى وسخطه، الذي يُستحقّ عند المعصية والتمرّد على تعاليمه في عالم الدنيا، وقل لهم يا رسولنا: إنّي لا أريد منكم أيّ أجر، فإنّ أجري وثوابي هو أن تتحرّكوا في هذا الطريق المستقيم نحو الله تعالى.

    1. سورة الفرقان، الآيتان 56 و 57.

أسرار الملكوت ج۱

126
  • بمعنى أنّ نفس اهتداء المجتمع وخروجه من حبائل الأنانيّة والتكبّر والذاتيّة والظلم هو ما جئت لأجله، ولا هدف لي سواه، وهو نتيجة تعبي وجهدي في تبليغ هذه الرسالة، ولا أطلب غير هذا أبداً. وقال في سورة يس، الآيتان 20 و 21:

  • وَ جاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ* اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَ هُمْ مُهْتَدُونَ.

  • وهكذا، نرى أنّ الكثير من الأنبياء؛ كهود ويونس وغيرهم ... ذُكروا في القرآن بهذه الخصوصيّة، وأنّهم لم يأتوا إلّا لهداية الأمّة إلى الصراط المستقيم وإرشادهم إلى الطريق نحو مرضاة الله تعالى والابتعاد عن الباطل، والخروج من وادي النفس الأمّارة بالسوء. وبشكل عام، فنفس إرسال الأنبياء لم يكن إلّا لأجل تربية البشر وهدايتهم نحو الكمال، ولن تحصل هذه المهمّة إلا بتحقّق أمرين:

  • الأوّل: هداية الناس وحثّهم على الإتيان ببعض الأعمال التي لها أثر بالغ في تربية النفوس كالأمر بالواجبات والنهيّ عن المحرّمات.

  • والثاني: تحذير الناس ونهيهم عن الأفعال التي تعطي نتائج عكس النتائج التي في الأمر الأوّل، أي التي تهدم النفوس وتعطّل القوى وتسدّ الطريق أمام حركة الإنسان. وبناء عليه، فإذا لم يحصل تحرّك على مستوى الأمر الثاني في هذه الحركة التربويّة وفي استقامة نظام التشريع، فمن الطبيعي أن تبقى الرسالة غير تامّة، وستذهب أعمال الأنبياء هدراً. ولذا نرى في الآيات القرآنية تركيزاً كثيراً على هذه النقطة، بل حتى غير الأنبياء من الناس مكلّفون أيضاً بأداء هذه الوظيفة، كما ورد في الآية السابقة؛ حيث ذمّ الله تعالى علماء الأمّة الذين يسكتون على المخالفات وعلى الأفعال الباطلة، وكما ورد في الآية الشريفة 104 من سورة آل عمران:

أسرار الملكوت ج۱

127
  • وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ*.

  • وكذلك آية النفر:

  • وَ ما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ*1.

  • وفي القرآن الكريم ما شاء الله من الآيات المتعلّقة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بحيث يمكن اعتبار هذين الأصلين من الفروع الدينيّة المسلّمة.

  • وأمّا على صعيد الروايات، فيجب القول: بأنّ المأثور عن الأئمّة المعصومين عليهم السلام، حول إنكار العمل الفاسد والنهي عن المنكر والتبرّي من المخالفين للشرع والمتهتّكين، وإظهار عدم الرضى من مرتكبي الأعمال القبيحة، بلغ حدّاً ربما أخرجه عن الإحصاء.

  • رواية سيد الشهداء عليه السلام حول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

  • ففي الكتاب الشريف «تحف العقول» يروي الحسن بن علي بن حسين ابن شعبة عن الإمام الحسين عليه السلام:

  • قال ويُروى عن أمير المؤمنين عليه السلام:

  • اعتبروا أيّها الناس بما وعظ الله به أولياءه من سوء ثنائه على الأحبار (وعلماء أهل الكتاب)، إذ يقول: لَوْ لا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَ الْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ2، وقال: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ إلى قوله لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ3 وإنّما عاب الله ذلك عليهم لأنّهم كانوا

    1. سورة التوبة، من الآية 122.
    2. سورة المائدة، من الآية 63.
    3. سورة المائدة، الآيتان 78 و 79.

أسرار الملكوت ج۱

128
  • يرون من الظَلَمة (والحكام المستكبرين) الذين بين أظهرهم المنكر والفساد فلا ينهونهم عن ذلك، (لسببين: الأوّل) رغبة فيما كانوا ينالون منهم (من المنافع الدنيويّة والوصول إلى الميول الشهوانيّة والأهواء النفسانيّة التي كان الحكّام يكرمونهم بها) و (الثاني) رهبة ممّا يحذرون (من التهديد والتوبيخ وتجنّباً للتضييق عليهم)، والله يقول: فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَ اخْشَوْنِ1 وقال: وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ2.

  • فبدأ الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة منه، لعلمه بأنّها إذا أُدّيت وأُقيمت، استقامت الفرائض كلّها هيّنها وصعبها؛ وذلك أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دعاء إلى الإسلام (وتحكيم للمباني الإسلاميّة وترجمة لتعاليمه)، مع ردّ المظالم (وجميع التعدّيات والأعمال الجائرة والهيمنة على الناس بالباطل، فإنّ هذه الأمور يمكن أن تترك أثراً سيّئاً في عمليّة سوق المجتمع نحو الصلاح والرشد والسعادة) ومخالفة الظالم وقسمة الفيء والغنائم (بين جميع أفراد الأمّة قسمة عادلة، والعمل على صرفها في المصالح العامّة للمجتمع دون المصالح الفرديّة الخاصّة، ودون صرفها على طائفة خاصّة في المجتمع)، وأخذ الصدقات من مواضعها ووضعها في حقها (وفي المواضع التي أمر الله بها)3.

  • مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كلام أمير المؤمنين عليه السلام

  • وكذلك ينقل ابن جرير الطبري في تاريخه عن عبد الرحمن بن أبي ليلى الفقيه: سمعت علياً عليه السلام يقول يوم لقينا جيش معاوية في صفّين:

  • أيّها المؤمنون! إّنه من رأى عدواناً يُعمل به ومنكراً يُدعى إليه فأنكره

    1. سورة المائدة، من الآية 44.
    2. سورة التوبة، من الآية 71.
    3. تحف العقول، ص 237.

أسرار الملكوت ج۱

129
  • بقلبه فقد سلم وبرئ، ومن أنكر بلسانه فقد أُجر وهو أفضل من صاحبه، ومن (لم يكتف بإنكار هذه الأفعال بقلبه ولسانه فقط بل أقدم عمليّاً على منعه و) أنكره بالسيف (وحارب شياطين الكفر والفساد وأعداء الله تعالى) لتكون كلمة الله العليا (ويكون الطريق إليه والصعود إلى مراتب العزّة والشرف وتكامل النفوس مفتوحاً) وكلمة الظالمين السفلى (وكذا سدّ مسير الانحراف والانحطاط إلى عالم البهيميّة والشهوات وإلى عالم الكثرات)، فذلك الذي أصاب سبيل الهدى (وحصل على السعادة الأبديّة) وقام على الطريق ونوّر في قلبه اليقين1.

  • العمل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مبنيّ على المعرفة الدقيقة لهذين الأصلين

  • وطبعاً من الواضح أنّ فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مبنيّة على معرفة صحيحة ودقيقة لظاهرتي المعروف والمنكر، وإن كان يُلاحظ على الكثير ممّن تعرض لهذه الفريضة وخاض فيها، أنّ لديه نقصاً في أصل المعرفة أو ضعفاً في التطبيق. لأنّ نفس مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لها مراتب متفاوتة سواء في مرحلة معرفة المعروف والمنكر أم في مرحلة تطبيقهما. وبعبارة أخرى تُعتبر هذه المسألة من المقولات المشكّكة، فهناك تشكيك في مفهومي المعروف والمنكر، وتشكيك في مراحل تطبيقهما أيضاً.

  • ومن الطبيعي أنّ فهم الأشخاص وسعة اطّلاعهم واختلاف مراتب نفوسهم، تتفاوت في مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فإدراك المفاهيم البديهيّة والساذجة لهاتين المقولتين، وإن كان متيسّراً للأشخاص العادييّن، إلّا أنّ الوصول إلى المراتب العالية للمعروف والاطّلاع على دقائق المنكر وظرائفه ليس كذلك.

  • لذا يجب على جميع أفراد المجتمع أن يتعاملوا مع هاتين المسألتين

    1. تاريخ الطبري، ج 7، ص 298.

أسرار الملكوت ج۱

130
  • المهمّتين والأساسيّتين في بناء المجتمع والمحافظة عليه، على أساس الأصول الشرعيّة المحرزة والمباني المتقنة لمدرسة التوحيد، كما أنّ التصدّي لمعالجة المسائل الغامضة لهذين الأصلين منحصر بالأشخاص المنزّهين عن الأهواء النفسانيّة، وأصحاب القلوب المبرّأة من تشويش عالم الكثرة، والبعيدين عن التوغل في تجاذبات النفس الأمّارة بالسوء؛ والمراد بهؤلاء الأشخاص علماء الشرع المبين والربّانيّون والإلهيّون، العارفون بمباني الإسلام الواقعي وتعاليمه. من هنا، لا بدّ لكلّ فرد من معرفة قيمة ذاته ونفسه، وأن لا يتعدّى حدود فهمه وإدراكه، ومقدار سعة علومه وأخلاقه.

  • اشتراط الإمام الصادق توفّر المعرفة والقدرة في إجراء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

  • ومن المناسب هنا أن نذكر رواية للإمام الصادق عليه السلام في بيانه للمطالب السابقة؛ حيث يروي المرحوم الكليني في كتاب الكافي عن علي ابن إبراهيم عن هارون بن مسلم عن مسعدة بن صدقة عن الإمام الصادق عليه السلام حيث يقول:

  • وسئل عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أواجب هو على الأمّة جميعاً؟ فقال: لا، فقيل له: ولِمَ؟ قال: إنّما هو على القويّ المطاع العالم بالمعروف من المنكر، لا على الضعيف الذي لا يهتدي سبيلًا إلى أيٍّ من أيٍّ، يقول من الحقّ إلى الباطل (فهو لا يملك الإدراك الصحيح ولا يقدر على الفهم الواقعي لمحتوى هذين الأصلين، وكثيراً ما يريد أن يُظهر الحقّ ويُبيّنه، لكنّه يمزجه بالباطل من حيث لا يشعر). والدليل على ذلك كتاب الله عزّ وجلّ، قوله: وَ لْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ1 فهذا خاصٌّ غير عامّ، كما قال الله عزّ وجلّ: وَ مِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَ بِهِ يَعْدِلُونَ*2 ولم يقل: على أمّة موسى ولا على كلّ

    1. سورة آل عمران، من الآية 104.
    2. سورة الأعراف، من الآية 159.

أسرار الملكوت ج۱

131
  • قومه، وهم يومئذٍ أممٌ مختلفة، والأمّة واحدة فصاعداً، كما قال الله عزّ وجلّ: إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ1 يقول: مطيعاً لله عزّ وجلّ. وليس على من يعلم ذلك في هذه الهدنة من حرج (وعليه ففي زمان السكوت والقعود لا يكون الشخص العالم واجداً للشرائط المطلوبة) إذا كان لا قوّة له ولا عذر ولا طاعة.

  • قال مسعدة: وسمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: وسُئل عن الحديث الذي جاء عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: إنّ أفضل الجهاد كلمة عدل عند إمام جائر، ما معناه؟ قال: هذا على أن يأمره بعد معرفته (الكاملة بأطراف القضيّة وجوانبها وعلمه بحقيقة الدعوة واطّلاعه على واقعها)، وهو مع ذلك يقبل منه (هذا الكلام ويسمع موعظته)، وإلا فلا2.

  • يستفاد من هذا الحديث بأنّه لا بدّ من رعاية هذين الأمرين في مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

  • الشرط الأول في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو معرفة المأمور به والمنهي عنه

  • الأمر الأول: لا يمكن لأيّ شخص، مهما كانت موقعيّته وعلومه وسعة اطّلاعه على الأحكام الشرعيّة، أن يتصدّى للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويعتبر نفسه مطلق العنان فيهما دون التوجّه إلى حدوده الخاصّة ووظيفته في هذه المسألة. بل يجب عليه أن يحيط بشروط الأمر والنهي، والتي من جملتها بل من أهمّها معرفة الآمر بالمأمور به والمنهي عنه. وإلّا فكثيراً ما يكون أمره موجباً للمفسدة أو لتبعات لا تُحمد عقباها، وسوف تؤدّي إلى أن يفقد الطرف المقابل الاستعداد الموجود عنده لتلقّي الحقّ، كما حصل لذاك المسلم الذي ألزم جاره النصراني باعتناق الإسلام،

    1. سورة النحل، من الآية 120.
    2. فروع الكافي، ج 5، ص 59، كتاب الجهاد، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حديث 16.

أسرار الملكوت ج۱

132
  • ثمّ أخذ بيده إلى المسجد قبل موعد أذان الصبح بساعة، وبقيا معاً بعد صلاة الصبح يقرآن القرآن والأذكار ويصلّيان النوافل حتّى حان وقت صلاة الظهر، وبعد أداء الصلاة حثّه على البقاء في المسجد للاستفادة من أنواره وروحانيّته حتّى موعد صلاة العصر، وهكذا استمرا بقراءة القرآن والأذكار والأدعية حتّى موعد صلاة المغرب، وكذلك حتّى حان موعد صلاة العشاء، وبعد ذلك عاد إلى منزله بجسم متعب وأعصاب منهارة ونفسيّة متألّمة وخُلق ضيّق. وفي صباح اليوم التالي أتاه جاره قبل أذان الصبح بساعة ليصحبه في الذهاب إلى المسجد، لكنّ هذا الجار الذي أسلم لتوّه، ولم تكن نفسه قد استراحت من أعمال اليوم السابق وعذاب تكاليفه، أجاب جاره من وراء الباب: عد من حيث أتيت، فإنّ دينكم هذا يلائم من لا عمل له، وهو موجب لفساد حياة الإنسان، وتمزيق نظام العلاقة العائليّة وضرورات الحياة1.

  • إن الكلام في هذا الباب وإن كان كثيراً ومتشعّباً وسوف نتكلّم بشكل وافٍ حول هذا الموضوع عندما يحين الوقت المناسب، بحول الله وقوته لكن نشير هنا إلى بعض المصاديق والموارد المُبتلى بها في مجتمعنا، وللأسف.

  • من المصاديق البارزة للإخلال بشروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي مسألة الحج

  • فمن المصاديق البارزة جدّاً والواضحة لهذه المسألة هي فريضة الحجّ المؤكّد عليها كثيراً.

  • وصف أمير المؤمنين عليه السلام للحج وبيت الله

  • يقول أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة حول فريضة الحجّ وعلّتها وفلسفتها الشرعيّة والفقهيّة:

  • فرض عليكم حجّ بيته الحرام الذي جعله قبلة للأنام، يردونه ورود الأنعام، ويألهون إليه ولوه الحمام، جعله سبحانه علامةً لتواضعهم لعظمته وإذعانهم لعزّته (وإقراراً بعزّته وبوحدانيّته في الوجود وآثار الوجود

    1. أنظر: وسائل الشيعة، جزء 16، صفحة 160، كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أبواب الأمر والنهي، باب 14، حديث 3، وحديث 9.

أسرار الملكوت ج۱

133
  • وجلواته). واختار من خلقه سُمّاعاً أجابوا إليه دعوته، وصدّقوا كلمته، ووقفوا مواقف أنبيائه، وتشبّهوا بملائكته المطيفين بعرشه، يُحرزون الأرباح في متجر عبادته، ويتبادرون عند موعد مغفرته. جعله سبحانه وتعالى للإسلام عَلَماً، والعائذين حَرَماً. فرض حجّه وأوجب حقّه وكتب عليكم وِفادته؛ فقال سبحانه وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ12.

  • تارك الحج يبعث إمّا يهودياً أو نصرانياً

  • وقد وصلت أهمية الحجّ إلى حدّ أنّ العديد من الروايات تصرّح بأنّ تارك الحجّ القادر عليه، خارج عن شريعة خاتم الأنبياء صلّى الله عليه وآله وسلّم، وأنّه يُبعث على دين اليهود أو النصارى.

  • فقد نقل الشيخ الصدوق رحمة الله عليه في كتاب الفقيه بإسناده إلى الإمام الصادق عليه السلام عن أجداده: أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال في وصيته لأمير المؤمنين عليه السلام:

  • يا علي! كفر بالله العظيم من هذه الأمّة عشرة: .. (عدّدهم له إلى أن وصل إلى تارك الحجّ فقال:) ومن وجد سعةً فمات ولم يحجّ.

  • (إلى أن قال) يا علي! تارك الحجّ وهو مستطيع كافر، يقول الله تبارك وتعالى: وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ، يا علي! من سوّف الحجّ حتّى يموت بعثه الله يوم القيامة يهوديّاً أو نصرانيّاً»3.

  • من المستحب المؤكّد على الأشخاص المتمكّنين أن يحجّوا في كل عام

  • وورد في بعض الروايات أنّه يستحبّ استحباباً مؤكّداً للمستطيع أن يحجّ في كلّ سنة. والحجّ الواجب على جميع الناس وإن كان مرة واحدة في

    1. سورة آل عمران، من الآية 97.
    2. نهج البلاغة، شرح محمد عبده، ج 1، ص 27، الخطبة الأولى.
    3. من لا يحضره الفقيه، ج 4، ص 356 و 368.

أسرار الملكوت ج۱

134
  • العمر، إلّا أنّ الآية الشريفة: وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، تعتبر شاملة لجميع المتمكّنين من الذهاب إلى الحجّ في كلّ سنة.

  • ينقل المرحوم الكليني في كتاب الكافي عن ابن جرير القمّي عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال:

  • الحجّ فرض على أهل الجِدَة (المتمكّنين) في كلّ عام1.

  • وفي رواية أخرى يرويها علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليهما السلام أنّه قال:

  • إنّ الله عزّ وجلّ فرض الحجّ على أهل الجِدَة (المستطيعين) في كلّ عام، وذلك قوله عزّ وجلّ: وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ قال: قلت: فمن لم يحجّ منّا فقد كفر؟ قال: لا، ولكن من (أنكر كلام الله تعالى و) قال: ليس هذا هكذا فقد كفر2.

  • نعم! يجب الالتفات إلى أنّ الفرض والوجوب المذكور في هذه الروايات بالنسبة لمن وُفِّق للذهاب إلى الحجِّ مرة واحدة، ليس المراد منه الإلزام الحتمي والواجب الذي يستحقّ تاركه العقاب، بل المراد به بيان شدّة الاهتمام والاستحباب الزائد في ذلك، بحيث يمكن القول بأنّه قريب جداً من اللزوم والوجوب، لا أنّه واجب واقعاً بالوجوب المقابل للمستحب والحرام.

  • من وظائف الحاكم الإسلامي تسهيل ذهاب المسلمين إلى الحج

  • تحسن الإشارة والتنبيه إلى أنّ اهتمام الشارع المقدّس بإقامة فريضة الحجّ وشدّة عنايته الخاصّة بهذا التكليف الإلهي والمأدبة الروحانيّة، أنّه

    1. الكافي، ج 4، ص 266، حديث 8.
    2. الكافي، ج 4، ص 265، حديث 5.

أسرار الملكوت ج۱

135
  • أوجب على حاكم المسلمين ووليّ الأمر أن يهتمّ كثيراً بإقامة هذه الشعيرة الإلهيّة1، ولا يدع بيت الله خالياً من وفود الحجّاج والزوّار ولا يتركه قفراً منهم، وأن يسعى بكلّ سبيل لإحياء وإقامة هذه الفريضة الإلهيّة الخاصّة، وأن يهيّئ أسباب السلامة للحجّاج ويسهّل ذهابهم إلى حرم الأمن وبيت الله الحرام، ويرفع الموانع والعقبات عن طريقهم، وأن يساعد كلّ مستطيع يريد القيام بهذا الواجب الإلهيّ العظيم للوصول إلى مقصوده، وإذا أراد الحجّاج أن يسلكوا طريقاً غير الطريق الرسمي والمتعارف فعليه أن لا يمانع، بل عليه أيضاً أن يحثّهم ويساعدهم على ذلك، ولا يكتفي بإرسال عدد محدود من الحجاج عبر الطريق الرسمي المتعارف. وإذا أراد البعض أن يعيق مسيرة الحجّاج ويقطع عليهم الطريق، فعليه أن يمنعهم من ذلك كي لا يحرم الحجّاج من الوفود على حرم الأمن الإلهي. كما عليه أن يترك كيفيّة بذل المال واختيار الطريق على عهدة الحجّاج أنفسهم، فالاستطاعة ليس لها حدٌ خاصٌ تقف عنده، فإذا كان شخص قادراً على أداء الحج الواجب ولو بإنفاق الملايين، لحرم عليه أن يؤخّر حجّه ولو لسنة واحدة، بل يجب عليه أن يبادر في الفور إلى أداء هذه الفريضة الإلهيّة العظيمة بمجرد حصول الاستطاعة عنده، وعلى المكلّف أن لا يكتفي بمجرد التسجيل ووضع اسمه في لائحة الحجّاج الرسميّة وينتظر وصول نوبته، فإنّه في حال التأخير والمسامحة سيكون مشمولًا للأحاديث المذكورة سابقاً. من هنا فعلى

    1. وسائل الشيعة، ج 11، ص 24، كتاب الحج، أبواب وجوبه وشرائطه، الباب 5، حديث 2، هذا نصّه: محمد بن علي بن الحسين بن بابويه بأسانيده عن حفص بن البختري وهشام بن سالم ومعاوية ابن عمار وغيرهم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لو أنّ الناس تركوا الحجّ لكان على الوالي أن يجبرهم على ذلك وعلى المقام عنده، ولو تركوا زيارة النبي صلّى الله عليه وآله لكان على الوالي أن يجبرهم على ذلك وعلى المقام عنده، فإن لم يكن لهم أموال أنفق عليهم من بيت مال المسلمين.

أسرار الملكوت ج۱

136
  • الحاكم الإسلامي أن يبذل قصارى جهده في سبيل إرسال مثل هؤلاء الأشخاص حتّى لا يُحرم المستطيعون والمتمكّنون من أداء هذه الفريضة المهمّة لا سمح الله، فلعلهم يتعرضون للموت المفاجئ في هذه الحالة، وعندها سوف تبقى فريضة الحجّ حسرة في قلوبهم.

  • وهناك الكثير من الروايات التي توجب على حاكم المسلمين أن يُلزم بعض الناس بالذهاب إلى الحجّ ويجبرهم عليه، حتّى لا يخلو بيت الله من الزائرين والطائفين؛ وفي ذلك يروي المرحوم الكليني بسنده عن عبد الله بن سنان عن الإمام الصادق عليه السلام:

  • لو عطّل النّاس الحجّ (ولم يهتموا به اهتماماً لائقاً) لوجب على الإمام أن يُجبرهم على الحجّ إن شاؤوا وإن أبوا، فإنّ هذا البيت إنّما وُضع للحجّ1.

  • وهكذا الأمر بالنسبة لمن لديه الاستطاعة والقدرة بعد الإتيان بالحجّ الواجب، فيجب أن لا يُحرم مثل هذا الشخص من الذهاب للحجّ في السنوات اللاحقة، بل يجب أن يبقى طريق الذهاب إلى مكّة مفتوحاً أمامه، وأن لا يُحدّ هذا الأمر أو ينحصر بأيّ شكل من أشكال الحصر.

  • يروي أحمد بن محمد البرقي في كتابه الشريف «المحاسن» عن هشام ابن سالم عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال:

  • ما كلّف الله العباد إلا ما يطيقون، إنّما كلّفهم في اليوم والليلة خمس صلوات ... وكلّفهم حِجّةً واحدةً وهم يُطيقون أكثر من ذلك ...2.

  • تشريع وجوب الحج مرّة واحدة بسبب مراعاة قدرة أقل المكلّفين

  • وكذلك ينقل في وسائل الشيعة عن الشيخ الصدوق في كتاب «علل الشرائع» وأيضاً عن كتاب «عيون أخبار الرضا» عن الإمام الرضا عليه السلام أنّه قال:

    1. الكافي، ج 4، ص 272، كتاب الحج، باب الإجبار على الحج، حديث 2.
    2. المحاسن، البرقي، ص 296، حديث 465.

أسرار الملكوت ج۱

137
  • إنّما أُمروا بحجّة واحدة لا أكثر من ذلك، لأنّ الله وضع الفرائض على أدنى القوّة، كما قال: فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ1 يعني شاة، ليسع القويّ والضعيف، وكذلك سائر الفرائض إنّما وُضعت على أدنى القوم قوةً، فكان من تلك الفرائض الحجُّ المفروض واحداً، ثمّ رغّب بعدُ أهل القوّة بقدر طاقتهم2.

  • يستفاد من هذه الرواية الشريفة أنّ الأفراد المتمكّنين من بذل المال، والذين لديهم صحة بدنية جيّدة والموانع مرفوعة أمامهم في الذهاب إلى الحجّ بشكل متكرّر وفي سنين متعددة، فعليهم أن لا يحرموا أنفسهم من هذه النعمة العظيمة ويكتفوا بأداء المناسك مرة واحدة فقط، بل عليهم أن يعلموا بأنّهم كلّما شدّوا رحالهم أكثر لهذا السفر الإلهي والروحاني، كلّما ازداد نصيبهم من آثار الأعمال وبواطن الأفعال التي يقومون بها، وسوف يتنعّمون أكثر من الفيوضات المترشّحة من مقام الولاية الكبرى التي تجري في هذه المراسم على زائري بيت الله الحرام، وسوف يستفيضون أكثر من منبع العنايات الإلهيّة غير المتناهية والخاصّة بالطائفين حول حرمه الشريف والعاكفين عند بيته القدسي؛ في المكان الذي كان أنبياء الله العظام وزعماء الدين الحنيف، الأئمّة المعصومون عليهم السلام يأتون إليه كراراً ومراراً بشقّ الأنفس، ويتحمّلون في سبيل ذلك التعب الشديد ويهيّئون أنفسهم للاستضافة من هذا الحفل الإلهي3

  • سفر الإمام المجتبى عليه السلام إلى الحج خمساً وعشرين مرّة وكان أكثرها مشياً

  • إلى أن وصل الأمر بالإمام الحسن

    1. سورة البقرة 196.
    2. وسائل الشيعة ج 11، ص 19، كتاب الحج أبواب وجوبه وشرائطه، الباب 3، حديث 2.
    3. فقد ورد في وسائل الشيعة، ج 11، ص 128، كتاب الحج، أبواب وجوبه وشرائطه، باب 45، حديث 18، قال: وقال أبو جعفر عليه السلام: أتى آدم عليه السلام هذا البيت ألف آتية على قدميه؛ منها سبعمائة حجّةٍ وثلاثمائة عمرةٍ. وفي حديث 20 من نفس الباب: إنّ رجلًا سأل أمير المؤمنين عليه السلام كم حجّ آدم من حجّة؟ فقال له سبعمائة حجّة ماشياً على قدميه. وأيضاً حديث 34 من هذا الباب. وفي حديث 12 من نفس الباب، عن أبي عبد الله عليه السلام: قال: حجّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم عشرين حجّةً. وأيضاً في حديث 33، من نفس المصدر، عن زرارة قال: سمعت أبا جعفر وأبا عبد الله من بعده عليهما السلام يقولان: حجّ رسول الله صلّى الله عليه وآله عشرين حجّة مستترة.

أسرار الملكوت ج۱

138
  • المجتبى عليه السلام كما في بعض الأخبار أن يسافر إلى الحجّ خمساً وعشرين مرةً، وكان يبادر في أكثر هذه السفرات إلى الذهاب مشياً على الأقدام من المدينة إلى مكّة1. وكذا سائر الأئمّة عليهم السلام كالإمام زين العابدين2 والإمام موسى بن جعفر عليهم السلام، فقد شوهدوا ماشين على الأقدام بين المدينة ومكة3.

  • فكيف يليق بنا أن نشكّك في قيمة وعلوّ شأن هذا المكان الشريف ورفعة منزلته، ونتعامل معه بعنوان كونه تكليفاً ظاهريّاً وحكماً شرعيّاً ليس له ذلك المحتوى المهم في الشريعة الإسلاميّة، فنجلس بانتظار أن يأتي المال دون مشقّة، ثم بعد أن نقضي جميع الحاجات المعيشيّة؛ من المنزل والدكّان والسيارة ونعمل على رفع جميع ما يحتاجه الإنسان في حياته، بل وما لا يحتاج إليه أيضاً .. عندها إذا كان لدينا رغبة بالذهاب ومجال وكان الطريق مفتوحاً، وارتفعت سائر الموانع العاديّة، فإنّنا بعد ذلك نأتي بالحجّ مع آلاف الشكاوى ونحن أصحاب الفضل.

  • من هنا يُعلم مدى التعجّب في ما نُقل عن بعض العلماء الذين لم ينالهم

    1. وسائل الشيعة، ج 11، ص 78، كتاب الحج، أبواب وجوبه وشرائطه، باب 32، حديث 3؛ وبإسناده ... عن الحلبي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن فضل المشي، فقال: إنّ الحسن بن علي قاسَمَ ربّه ثلاث مرّات حتّى نعلًا ونعلًا، وثوباً وثوباً، وديناراً وديناراً، وحجّ عشرين حجّةً ماشياً على قدميه.
    2. وسائل الشيعة، كتاب الحج، أبواب وجوبه وشرائطه، صفحة 81، حديث 11؛ عن إبراهيم بن علي عن أبيه قال: حجّ علي بن الحسين عليهما السلام ماشياً فسار عشرين يوماً من المدينة إلى مكّة.
    3. فقد ورد في بحار الأنوار، ج 48، ص: 100 علي بن جعفر قال: خرجنا مع أخي موسى بن جعفر عليه السلام في أربع عمر يمشي فيها إلى مكّة بعياله وأهله؛ واحدة منهنّ مشى فيها ستّة وعشرين يوماً، وأخرى خمسة وعشرين يوماً، وأخرى أربعة وعشرين يوماً، وأخرى أحداً وعشرين يوماً.

أسرار الملكوت ج۱

139
  • التوفيق للتشرّف بزيارة بيت الله، وحرموا أنفسهم من هذه النعمة الإلهيّة العظمى، متذرّعين بعدم حصول الاستطاعة لديهم، حتّى انقضى عمرهم وانتقلوا عن هذه الدنيا!! ألم يكن لديهم معارف ومحبّون يستطيعون بل ويرغبون حتماً في بذل المال وتهيئة مقدمات سفر الحجّ لهم؟ فكيف يُجيزون لأنفسهم أن يُحرموا من إنجاز هذه الفريضة المهمّة جدّاً على صعيد التربية وعلو النفس، والاستفادة من بركات وأنوار النفوس القدسيّة للأولياء الإلهيّين، ومن دعوة النبي إبراهيم الخليل عليه السلام؟! فهؤلاء لا يتردّدون أبداً في صرف أموال طائلة في سبيل السفر إلى البلاد الأجنبيّة للتداوي من الأمراض الجسميّة العاديّة، فكيف يتعاملون مع هذه المسألة الحياتيّة المهمّة بهذه البساطة واللامبالاة وعدم الاهتمام؟ بل إنّهم كثيراً ما يعتبرون هذا العمل عدم الذهاب إلى الحجّ دليلًا على الزهد وفراراً من الدنيا وقطعاً لتعلّقاتها.

  • من وصايا أمير المؤمنين عليه السلام في آخر ساعات حياته عدم إخلاء بيت الله

  • وفي الختام نرى من المناسب أن نذكر وصيّة أمير المؤمنين عليه السلام في آخر ساعات عمره لأولاده وسائر شيعته إلى يوم القيامة فيما يتعلّق بالحجّ، حيث توجّه إلى ابنيه الإمام الحسن والإمام الحسين عليهما السلام قائلًا:

  • أوصيكما بتقوى الله ... والله الله في بيت ربّكم لا تُخلوه ما بقيتم فإنّه إن تُرك لم تُناظروا1.

  • أي إنّكم إذا تركتم بيت ربّكم فسوف تُعدمون توفيق الله تعالى.

  • وهذه الوصيّة في هذه الحالة الخاصّة وبهذه المضامين والعبارات، تحتوي على نكات مهمّة جدّاً وتستحقّ التأمّل فيها.

  • يجب التوجّه إلى أنّ وصيّة الإمام وتأكيده قد صدرا في وقت يعلم فيه

    1. نهج البلاغة، شرح محمّد عبده، ج 3، ص 77، في وصيّته عليه السلام للحسن والحسين عليهما السلام، لمّا ضربه ابن ملجم لعنه الله.

أسرار الملكوت ج۱

140
  • قطعاً بأنّ زمام الحكومة بعده سوف ينحرف عن مسير الحقّ والصراط المستقيم؛ الذي هو صراط أئمّة الهدى عليهم السلام، وعن حكومة العدل لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، وسينتهي إلى الطواغيت وأئمّة الكفر والإلحاد؛ بني أميّة وبني مروان وبني العبّاس، وسيكون حكّام الأماكن المقدّسة وأرض الوحي من الظلمة وأعداء الدين، وأنّ زمام أمور مكّة وبيت الله الحرام ستصير بعهدة هؤلاء الطواغيت الذين سيضعون تمام قوّتهم في سبيل محاربة الحقّ والحقيقة وطمس المباني الإسلاميّة، وسيحرّفون الحق عن مساره، وسوف يعملون على حرف الإسلام عن صراطه المستقيم وطريقه القويم إلى الظلم والضلال، ويُذيقون أولياء الدين والأئمّة المعصومين شتّى أنواع الظلم والأذى، ويوصلون هؤلاء الأئمّة وذرّيتهم وسائر شيعتهم وأصحابهم إلى الهلاك والفناء في غياهب سجونهم.

  • الفصل بين مسألة الحج ومسألة حكم الطواغيت وحكّام الجور

  • نعم! مع التوجّه إلى هذه الأمور، نرى تأكيد الإمام وإصراره على أداء مناسك الحجّ والذهاب إلى أرض الوحي، وهذا يعني أنّ أمير المؤمنين عليه السلام فرّق بين حكم الظالمين وبين حكم الحجّ وبيت الله، وفصّل بين أداء مناسك الحجّ والوفود إلى بيت الوحي وبين استيلاء حكّام الجور وخونة الدين على الأماكن المباركة، حيث لم يقل الإمام: بما أنّ بيت الله الآن تحت سيطرة حكّام الجور كمعاوية ويزيد .. فالذهاب إلى هناك حرام والابتعاد عنه واجب، بل إنّه جعل بمنتهى الصراحة والدقّة حرم الأمن والأمان الإلهي بعيداً عن الاختلاف والصراع وتصفية الحسابات، وأبقاه بعيداً عن سوء الاستفادة منه. من هنا قام سيّد شهداء التاريخ الإمام الحسين ابن علي صلوات الله وسلامه عليهما، ومن منطلق الحفاظ على حرم الأمن الإلهي وصيانة مطاف المسلمين، بتبديل حجّه إلى عمرة مفردة وخروجه من مكّة، حتّى لا يشهد حرمُ الأمن الإلهي عُمْيَ القلوب من أتباع بني أميّة

أسرار الملكوت ج۱

141
  • يقومون باغتيال شخصيّةٍ كابن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في المسجد الحرام1.

  • نعم! هذا هو طريق الأولياء المعصومين وزعماء الدين الحنيف الصالحين ورافعي لواء التوحيد ورؤساء مسيرة النجاح والفلاح. وكم هو حريٌّ بنا نحن الأمّة الإسلاميّة وأتباع هذا المنهج القويم والمدرسة المتينة أن نتأسّى بالسيرة الحسنة للإمام الحسين بن علي وأولاده الأمجاد ونجعلهم قدوتنا في ذلك، وأن نبتعد عن تحميل النظرات الخاصّة والآراء الشخصيّة غير المتينة على مدرسة الوحي، وأن نعتمد فقط على التأسّي واتّباع القادة الصادقين للدين المبين؛ وهم الأئمّة المعصومون عليهم الصلاة والسلام، بأن نجعل حرم الوحي المقدّس محلًّا للسلام وسكون الخاطر ومكاناً لطمأنينة القلوب المستعدّة والنفوس المتهيّئة لتلقي الأنوار الإلهيّة. وإن كان الإنسان في غير هذه الصورة بالخيار في أن يقوم بأيّ عمل يتوافق مع عقيدته ومذهبه ويعمل كلّ ما يراه صحيحاً بناء على موازينه وضوابطه، ويمكنه أن ينتهز أيّ فرصة لإيجاد البلاء وتعكير الأجواء وإبراز الأهواء الشخصيّة وإعمال السليقة الفرديّة، وعندها سوف تتبدّل هذه الأرض المقدّسة إلى مكان لتصفية النزاعات القبليّة والقوميّة والدوليّة، وسينقلب ذاك الرَوْح والهدوء والسكون إلى النزاع والبلاء والهرج والمرج وظهور الفتن والفساد، وسوف ينعدم مصداق الآية الشريفة: جَعَلْنا حَرَماً آمِناً2 بشكل كلّي.

    1. فقد ورد في كتاب الملهوف على قتلى الطفوف للسيد ابن طاووس، ص 127، ما هذا نصه: ورويت بالإسناد عن محمّد بن داود القمي بالإسناد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: جاء محمّد بن الحنفيّة إلى الحسين عليه السلام في الليلة التي أراد الخروج في صبيحتها عن مكّة، فقال له يا أخي إنّ أهل الكوفة من قد عرفت غدرهم بأبيك وأخيك، وقد خفت أن يكون حالك كحال من مضى، فإن رأيت أن تقيم فإنّك أعزّ من في الحرم وأمنعه. فقال: يا أخي خفت أن يغتالني يزيد بن معاوية في الحرم فأكون الذي يستباح به حرمة هذا البيت.
    2. سورة العنكبوت، من الآية 67.

أسرار الملكوت ج۱

142
  • حضور القلب وإخلاص النيّة في الحج موجبة لنزول الأنوار الإلهيّة على قلب الحاج

  • من الواضح كم هي الآثار والبركات التي يمكن أن تتركها مثل فريضة الحجّ مع ملاحظة وجود كلّ هذه المؤكّدات على تزكية النفس وتجلّي الأنوار الإلهيّة على قلب الزائر في أماكن مختلفة ومواقف متفاوتة، وكلّما عمل الحاجّ على إحضار قلبه وإخلاص نيّته وإكثار توجّهه، كلّما حصل أكثر على تنزّل مراتب الروح والأنوار وظهور أسماء الله وصفاته العليا في قلبه وسرّه، وسيوجب ذلك سكون الخاطر وانشراح الصدر ومحو التعلّقات والارتكاز على محوريّة التوحيد والإقبال على لقاء الله تعالى بشكل أكثر.

  • وهذه المسألة مشهودة جداً في نصوص الأحاديث والأخبار وصريح الروايات المأثورة عن أئمّة الهدى صلوات الله عليهم أجمعين.

  • وهذا الأمر مثل الصلاة تماماً، فبمقدار ما يحصل المصلّي على حضور القلب والتوجّه إلى التوحيد وحقيقة العبوديّة، بمقدار ما يكون ميزان مقبوليّة الصلاة ومقربيّتها إلى ساحة القدس الإلهيّة أفضل، وسوف يكون تحقّق المسكنة والذلّة والعبوديّة للحضرة الأحديّة في نفس المصلي أكبر. وفي المقابل بمقدار ما يتوجّه الإنسان إلى ظواهر الصلاة ومراعاة قواعد العربيّة والتجويد وملاحظة جودة الكلمات والاهتمام بالبديع والسجع في الأدعية، بمقدار ما يكون حظّه ونصيبه من حقيقة الصلاة ومقرّبيّتها أقلّ. فهل كانت صلاة الإمام علي عليه السلام كذلك؟ وهل كان توجّه الإمام منصبّاً على النطق بالصاد والعين والضاد فقط؟ إذا كان كذلك، فمن أين كانت تحصل له هذه الحالات العجيبة وتغلب عليه الجذبات والبوارق الإلهيّة أثناء الصلاة، هذه الحالات التي كان يحصل من خلالها على المحو والتزلزل وعروض الإغماء وانعدام الوعي والسقوط على الأرض؟ وكذا الحال بالنسبة لسائر الأئمّة عليهم السلام وأصحابهم. بل كيف يمكن للإنسان أن يصرف توجّهه إلى نطق الكلمات والعبارات، وفي نفس الوقت يحصل على تركيز تامّ في معاني الكلمات والأدعية والأذكار؟! إنّ هذا من المحالات.

أسرار الملكوت ج۱

143
  • نعم! على الإنسان أن يهتمّ قدر المستطاع بتصحيح الكلمات والنطق بناء على قواعد التجويد واللّغة العربيّة، لكن عليه أن لا يأخذ هذه المسألة بعنوان أصل ثابت لا يتبدّل، ممّا يجعل هذا الأمر يؤثّر على صحّة الصلاة والتشكيك فيها وبطلانها، بحيث إذا اشتبه بعض العوام في أداء بعض الكلمات يحكم عليه ببطلان صلاته لمجرّد عدم مراعاته لموازين التجويد، ويُحكم عليه بوجوب إعادة جميع ما كان قد صلّاه بهذه الكيفيّة واشتغال ذمّته بقضائها، واشتغال ذمّة ابنه الأكبر بعد وفاته!

  • أعاذنا الله تعالى من الخطايا والزلّات والفتوى بغير التفقّه والمعرفة، وسدّ أبواب المعرفة والخيرات على العباد وإيرادهم في الشبهات والهلكات والموبقات.

  • اضطراب الحُجّاج بسبب الشبهات التي يلقيها المبيّنون للأحكام الشرعيّة

  • هلمّ بنا لنرى الموظّفين ببيان المسائل الشرعيّة للحجّ والموكلين برفع الإشكال عن أعمال الحجّاج وأفعالهم والمتعهّدين بتصحيح مناسك الحجّ .. أي بلاء ينزلونه على رؤوس الحجاج وأي كدورة يوجبونها لحجّهم ولصافي نيّتهم من خلال ما يُلقونه من الشبهات على الحجّاج وعبر تخويفهم من بعض الأعمال والصلوات وخصوصاً صلاة طواف النساء، وكيف أنهم يحكمون ببطلان الصلاة عند عدم التلفّظ الصحيح، مما يُسبّب المتاعب لهم ولحجّهم ولنيّتهم الخالصة! وأنهم يحكمون على الناس ببطلان حجّهم ويتركونهم حيارى لذلك، مما يؤدي إلى استيلاء الاضطراب عليهم والخوف من عواقب بطلان الحجّ والبقاء في حالة الإحرام، أو البقاء بعيداً عن لمس النساء أو الزواج!

  • هل هناك تفاوت بين صلاة طواف النساء وصلاة الصبح وبقيّة الصلوات الأخرى؟ فلماذا لا يحكم في سائر الصلوات بالبطلان وبوجوب الاستنابة فيها؟ وكيف يستفاد من الأدلة الدالّة على جواز أو وجوب الاستنابة

أسرار الملكوت ج۱

144
  • وجوب الاستنابة في صلاة الطواف عند عدم القدرة على المباشرة، والحال أنّ التكليف الإلهي لهذا الشخص هو الإتيان بالصلاة العاديّة بالنسبة له وبالكيفيّة المتاحة والمتمكّنة فعلًا لديه؟ وهو ما يؤدي بالحاج إلى الاضطراب والخوف من بطلان صلاته وترتّب عواقب البطلان عليه، ويحسّ بالخسران والضياع جرّاء ذلك مما يضطرّه للجوء إلى أيّ وسيلة لرفع هذا المحظور، فيقوم الأشخاص الذين ينتهزون الفرص بأخذ مبالغ معتدّ بها لينوبوا عنه في صلاة الطواف، ويمنحون بذلك العبادات والأعمال التعبديّة «صفاء» معاملات السوق وتجاذباته!1

    1. أذكر أنّي ذهبت يوماً مع المرحوم الوالد رضوان الله عليه إلى منزل طبيب عيونه؛ الصديق المحترم الدكتور الحاج السيّد حميد سجّادي وفّقه الله لمرضاته، وأثناء الكلام انجرّ الحديث إلى بعض الاحتياطات التي يُعمل بها في غير محلّها، وتكرار الأعمال الموجبة لتشويش الخاطر وإيجاد الشكّ والترديد في صحّة العبادة، فذكر بالمناسبة قصّة جرت معه في سفر حجّه الواجب، وهي قصّة مؤسفة جداً تكشف عن كيفيّة بيان الأحكام من قبل مرشدي الحملات، بحيث تأثّر منها وتألم جميع من كان في ذاك المجلس.
      فقد قال: كنّا مضطرّين إلى إعادة كلّ عمل أكثر من مرّة حتّى يحصل لنا اليقين بصحته، وذلك بسبب تشكيك الشيخ الذي كان معنا في الحملة، ومن جملة الأعمال التي أعدناها؛ صلاة طواف النساء، حيث أعدتّها سبعة عشر مرّة، وقد تملّكني الاضطراب والخوف الشديد، حتّى أنّي لم أفهم كيف حججت، ومن أين بدأت وأين انتهيت، وقد ترك عمل هذا الشيخ أثراً سيئاً في نفسي حتّى عدت من هذا السفر كارهاً للحجّ متنفّراً منه، وأخذت على نفسي عهداً أن لا أعود إلى مكّة ما دمت حيّاً، وفي النهاية قلت لذاك الشيخ: سوف آخذك في يوم القيامة إلى جدي رسول الله وأقول له إذا كان الحجّ واقعاً كما علّمنا إيّاه هذا الشيخ فأنا أتراجع عن هذا الدين وأتبرّأ منه، وإذا كان الواقع خلاف ما علّمنا إيّاه، فإنّي أريد الاقتصاص من هذا الشخص الذي نفّرني من الحجّ وكرّهني به. وكان أثناء كلامه متأثّراً ومضطرباً كثيراً بحيث أشار عليه الوالد بيده أن لا يتابع كلامه.
      وعندما خرجنا من منزل الدكتور سجّادي، نظر إليّ المرحوم الوالد رضوان الله عليه وقال: انظر ماذا يفعل هؤلاء المشايخ بدين الناس؟! وكيف يكرّهون الناس بدينهم، بواسطة إعمال بعض الاحتياطات في غير محلها؟! وذاك الحجّ الذي ينبغي أن يخرج الحاجّ منه بطعم حلو وانبساط القلب وانشراح الصدر، والموجب للشوق والرغبة بالعودة مجدّداً إلى الحرم الإلهي، صار بالنسبة إليهم كالسم القاتل، وصاروا يصوّرونه للناس كغول مفزع وبعبع مهيب موجب للتنفّر والانزجار، بحيث لا يعود لدى أحدهم الجرأة في تكرار هذه الفريضة الكبرى، كما قال الدكتور: لن أذهب إلى العمرة ولا إلى الحجّ أبداً. نعم، لا يخفى أنّ الحقير قد ذكر له بعد مدّة وأثناء كلامنا عن تسامح الشريعة الإسلاميّة وسهولتها حقيقة المسألة، وأثبتُّ له بالأدلّة أنّ تصرّف مرشد الحملة كان باطلًا مائة بالمائة وهو بخلاف السنّة وما عليه زعماء الدين، والله تعالى لا يرضى أبداً بهذه الأعمال وهذه الإرشادات، وأنه لو تشرّفنا معاً للسفر إلى الحجّ أو العمرة سوف ترى كم هو لذيذ وممتع هذا الواجب، وكم سيوجب لك من طمأنينة ورقيٍّ في الروح، بحيث سيولّد لديك الشوق في كلّ سنة لرؤية بيت المحبوب وملاقاة الجلوات المخصوصة للحجّ، ولن تقتصر على عدم الشعور بأيّ نوع من الاضطراب والتشويش فقط، بل سوف تشعر دائماً بحالة من البهجة والسرور وتتمنّى الحضور في تلك الأماكن بشكل أوفر. وللأسف حتّى الآن لم يوفّق الحقير للتشرّف بالسفر بمعيّة الصديق المحترم، رزقنا الله جميعاً الوفود إلى بيته الكريم على ما هدانا الله وهدانا رسوله والأئمّة المنتجبون عليهم السلام، آمين. قال الدكتور: لن أذهب إلى العمرة ولا إلى الحجّ أبداً. نعم، لا يخفى أنّ الحقير قد ذكر له بعد مدّة وأثناء كلامنا عن تسامح الشريعة الإسلاميّة وسهولتها حقيقة المسألة، وأثبتُّ له بالأدلّة أنّ تصرّف مرشد الحملة كان باطلًا مائة بالمائة وهو بخلاف السنّة وما عليه زعماء الدين، والله تعالى لا يرضى أبداً بهذه الأعمال وهذه الإرشادات، وأنه لو تشرّفنا معاً للسفر إلى الحجّ أو العمرة سوف ترى كم هو لذيذ وممتع هذا الواجب، وكم سيوجب لك من طمأنينة ورقيٍّ في الروح، بحيث سيولّد لديك الشوق في كلّ سنة لرؤية بيت المحبوب وملاقاة الجلوات المخصوصة للحجّ، ولن تقتصر على عدم الشعور بأيّ نوع من الاضطراب والتشويش فقط، بل سوف تشعر دائماً بحالة من البهجة والسرور وتتمنّى الحضور في تلك الأماكن بشكل أوفر. وللأسف حتّى الآن لم يوفّق الحقير للتشرّف بالسفر بمعيّة الصديق

أسرار الملكوت ج۱

145
  • وهناك مسألة أخرى في أعمال الحجّ هي مسألة الطواف حول بيت الله، وكما ورد في الأخبار والروايات فقد دلّت على أنّه يجب على الحاج أن يبدأ في طوافه حول الكعبة من اليسار، بمعنى أن تكون حركته بدءاً من الحجر الأسود باتجاه باب الكعبة ثمّ حجر إسماعيل وهكذا حتّى يصل مجدّداً إلى الحجر الأسود، وهذا يستدعي أن تكون الكعبة حين الطواف على يسار الحاج، ويستمر على هذا المنوال حتّى يُتمّ الشوط السابع. وقد ورد في

  • ذلك العديد من الأدعية والأذكار ضمن الروايات، وأن على الحاج أن يشتغل بها أثناء قيامه بالطواف.

  • دعاء الإمام الرضا عليه السلام أثناء الطواف

  • فقد نقل المرحوم الشيخ الصدوق في «عيون الأخبار» عن سعد بن سعد عن الإمام أبي الحسن علي بن موسى الرضا عليهما السلام قال:

  • كنت معه في الطواف فلمّا صرنا معه بحذاء الركن اليماني، أقام عليه السلام فرفع يديه وقال:

  • يا الله يا وليّ العافية، وخالق العافية، ورازق العافية، والمنعم بالعافية، والمنّان بالعافية، والمتفضّل بالعافية عليّ وعلى جميع خلقك، يا رحمان الدنيا والآخرة ورحيمهما (صاحب الإنعام الخاص والعام في كلتا

أسرار الملكوت ج۱

146
  • النشأتين) صلّ على محمّد وآل محمّد، وارزقنا العافية، ودوام العافية، وتمام العافية، وشكر العافية في الدنيا والآخرة يا أرحم الراحمين1.

  • وكذلك يروي المرحوم الكليني بسنده المتصل إلى عبد الله بن سنان عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال:

  • يُستحبّ أن تقول بين الركن (اليماني) والحجر: اللهمّ آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وقال إنّ ملكاً موكلًا يقول: آمين2.

  • وهناك العديد من الروايات الأخرى تفيد استحباب أن يشغل الطائف لسانه بالأذكار، وخصوصاً بذكر الصلاة على محمّد وآل محمّد وبالأدعية المأثورة الأخرى، وأن يتوجّه إلى معاني الأذكار والأدعية.

  • التفسير الخاطئ لمسألة جعل الكعبة على يسار الحاج حين الطواف

  • فإذا كان الأمر كذلك، كيف يمكن للإنسان أن يتوجّه بدقّة إلى محاذاته للكعبة، وفي الوقت نفسه يحصل له توجّه إلى الأدعية؟!

  • وبعبارة أخرى؛ هل يمكن للإنسان أن يجمع بين التدقيق بمحاذاة يساره للكعبة خصوصاً عند الوصول إلى زاوية البيت وبين التوجّه التامّ للأذكار وإخلاص النيّة والاشتغال بذكر المحبوب؟

  • من البديهي أنّ الإتيان بظاهر الطواف والتفسير الخاطئ لمحاذاة المنكب الأيسر للكعبة المكرّمة، سيوجب تعطيل جميع حيثيّات الحاج وشؤونه كليّاً عند إتيانه بهذه الفريضة العظيمة، وسوف يشغل نفسه بالتدقيق في زوايا الكعبة بشكل دائم، ممّا يؤول إلى عدم فهمه وإدراكه لحقيقة الطواف، ومن ثمّ تعطيل القوى والحضور في محضر الربوبيّة، وسوف يتبدّل

    1. عيون أخبار الرضا عليه السلام، ج 2، ص 16؛ ونقله عنه في وسائل الشيعة، ج 13، ص 335.
    2. الكافي، الكليني، ج 4، ص 408.

أسرار الملكوت ج۱

147
  • الطواف الذي ينبغي أن يكون منحصراً بحالة حضور القلب والتوجّه إلى سرّ المبدأ الأعلى والتبحّر في غمرة أنوار الشهود وحضور ذات الحقّ تعالى إلى مجرّد عمل ظاهري جافّ خال من أيّ محتوى. فهل كان مقصود أئمّة ديننا هذا النوع من الطواف؟ أو كان مرادهم نوعاً آخر منه؟! نترك الحكم على عهدة القرّاء والمتأمّلين والمتدبّرين.

  • علينا أن نلتفت إلى مسألة وهي أنه مع عدم الفهم الصحيح لمسألة الطواف وتفسيره للناس الذين لا اطلاع لهم على رموز الأعمال وحقائقها تفسيراً خاطئاً من قبل بعض مشايخ الحملات .. يقوم العوام بدلًا من الإتيان بالحجّ الصحيح والواقعي والالتفات إلى ما بيّنه رسول الله والأئمّة المعصومون عليهم السلام وما أكّدوا عليه من ضرورة حصول الرشد والارتقاء والاستفاضة من الجلوات الخاصّة لهذا العمل بإشغال أنفسهم بالأمور الظاهريّة المحضة، وصرفها إلى الإتيان بالظاهر البعيد عن تلقي المعاني والأمور الروحيّة، مّما يوجب سدّ أبواب الخيرات والبركات الإلهيّة عليهم.

  • هذا فيما يتعلّق بالأمر الأوّل، حيث يتّضح هنا أنّ عدم الاطّلاع الصحيح لمبلّغ الأحكام والمتصدّي للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على مباني الشرع المبين والإحاطة بجوانب وحدود المسائل الشرعيّة، سيؤدي إلى حصول أضرار لا يمكن جبرها وعواقب وخيمة لا يمكن تلافيها.

  • الشرط الثاني للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو وجود الظروف المساعدة

  • وأمّا الأمر الثاني: الذي يرتبط بمسألة إمكانيّة قبول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووجود الشرائط المساعدة لذلك:

  • فينبغي التوجّه إلى هذه المسألة، وهي أنّ حصول الأرضيّة المساعدة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس معناه القبول بجميع المعايير والموازين لهذين الأصلين في الفقه الشيعي بشكل تامّ، إذ من الممكن أن لا يتحقّق ذلك أبداً في أيّ زمن من الأزمان. بل هو بمعنى التشخيص الصحيح

أسرار الملكوت ج۱

148
  • لموقعيّة المخاطب وظروف تحقّق هذا الأصل، فعلى الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يكون مطّلعاً تماماً على شروط المكان والزمان، ومشرفاً على خصوصيّات المخاطبين، فكثيراً ما يكون طرح مسألة في مكان معيّن مفيداً ويكون طرحها بعينها في مكان آخر مضرّاً.

  • وقد ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام:

  • نُصحُكَ بين الملأ تقريع1.

  • بمعنى أنّ نصيحتك لشخص التي هي أمر إيجابي وجيّد إذا كانت بين أناس آخرين ستؤدي إلى خجل المخاطب وكسر شأنيّته.

  • من هنا فقد توجّه نبي الإسلام العزيز إلى هذه النكتة المهمّة، وحافظ على مراعاة شؤون الملوك والزعماء الذين كانت أزمّة الأمور بيدهم، حين أرسل إليهم رسله ودعاهم إلى الإسلام. وقد وصف الله تعالى رسوله في القرآن الكريم:

  • فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ2.

  • أي أنك كنت تتعامل مع المشركين بلطافة ومرونة بواسطة العفو واللطف الإلهي، ولو كنت تتعامل معهم بقسوة وخشونة وقلب غليظ غير قابل للانعطاف لتفرّقوا من حولك وتلاشوا بقلب منكسر، وعند ذلك لن تعود كلماتك ومعاجزك مؤثّرة في قلوبهم.

  • وفي مكان آخر يخاطب فيه النبي موسى وهارون:

  • اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى* فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى3.

    1. شرح غرر الحكم ودرر الكلم، ج 6، ص 172، حديث 9969.
    2. سورة آل عمران، من الآية 159.
    3. سورة طه، الآيتان 43- 44.

أسرار الملكوت ج۱

149
  • هذه الآية من آيات كثيرة يجب الغور والتعمّق في مضامينها، بل المناسب جداً أن يقرأها زعماء الحكومة الإسلاميّة بدقّة ويتّخذوها أسوة وقدوة لهم، ويستفيدوا من النكات الدقيقة التي أوحى الله بها على رسوله موسى عليه السلام. وسوف نأتي بحول الله وقوّته في المباحث الآتية على بسط الكلام مفصّلًا في هذه الآية، عند التعرّض لوظيفة الحكّام المسلمين وطريقة تبليغ وإنذار أمراء الحكومة الإسلاميّة.

  • وبالإجمال تتحدّث هذه الآية عن أمر الله تعالى موسى وهارون: اذهبا إلى فرعون الذي طغى ووضع نفسه مقابل مقام الربوبيّة، حيث أخرجها من حدود العبوديّة وادّعى لها الألوهيّة. لكن عليكما أن تلتفتا إلى أن تكون دعوتكما إيّاه إلى التوحيد بخطاب ليّن ومعتدل ويكون حديثكما معه موزوناً، فعسى أن يلين قلبه ويعود إلى الصراط القويم ويخاف من الهلكة، فينجو بذلك من تبعات الأنانيّة.

  • عدم خلط الأنبياء دعواتهم بأهوائهم النفسانيّة

  • وبواسطة هذه الآية يتجلّى الفرق بوضوح بين دعوة الأنبياء والأولياء الإلهييّن، وبين سائر الأشخاص المنتحلين لشخصيّتهم والمنتسبين إليهم والمتشبّهين بهم.

  • ففي دعوة الأنبياء والأولياء الإلهييّن لا تأثير للنفس على التبليغ والدعوة أبداً، وإنّما التبليغ قائم فقط على أساس تعلّق التكليف من قبل الله تعالى والإتيان بواجبات العبوديّة والانقياد للمشيئة الإلهيّة، سواء وصل إلى النتيجة أم لم يصل.

  • أمّا فيما يتعلّق بدعوة سائر الأشخاص فإنّ مسألة تدخّل الأهواء النفسية والرذائل من الصفات والملكات الشخصيّة وإن كان يتمّ تصويرها بصورة الإنذار وتجعل بقالب الدعوة إلى الله وتحقيق الأهداف العالية للدين إلا أنها تُلقي بأثرها الواضح على كيفيّة إظهار الدعوة والإنذار بحيث يكون

أسرار الملكوت ج۱

150
  • واضحاً حتّى للفرد العامي أنّ وراء دعوة هذا الشخص إلى التوحيد والقيم الإنسانيّة واكتساب الملكات الفاضلة دوافعُ نفسيّة تقوم على أساس الحبّ والبغض الدنيوي، ويبتغي منها تحصيل المنافع الشخصيّة من الوصول إلى الرئاسة والمراتب العالية للأمر والنهي، وإرضاءً للملكات الرذيلة للنفس الطاغية وغير المتربية.

  • يقول الله تعالى للنبي موسى عليه السلام: إنّ فرعون وإن ادعى الألوهيّة وتعدّى مقام العبوديّة، لكنّ قلبه لا يزال مستعّداً ومتهيّئاً لتلقي كلام الحقّ، فإذا تمّ التعامل معه بمداراة والتكلّم معه بمنطق صحيح لا باللعن والسبّ والطرد والمنع والأمر والنهي فمن الممكن أن يخرج من حالة العناد هذه، ويؤوب إلى مرتكزاته الفطريّة وإملاءاته العقليّة ويقبل بمطالب الحقّ التي تقال له.

  • تصرّف جعفر بن أبي طالب مع النجاشي من النماذج الصحيحة للأمر بالمعروف

  • وهنا يمكن أن نشير إلى القصّة الجذّابة والممتعة لسفير الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلم؛ جعفر بن أبي طالب الطيّار، حين أرسله الرسول إلى ملك الحبشة النصراني؛ النجاشي.

  • فجعفر بن أبي طالب هو الأخ الأكبر لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، وقد تشرّف بالدين الإسلامي حين أعلن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم رسالته. لقد انجذب المشركون إلى الإسلام من خلال كلمات الوحي والآيات الباهرة لكتاب الله، والمقترنة بالخُلق الكريم والتعامل السليم والمنطق المحكم المتين للرسول الأكرم، حتى أنّه بعد مدّة وجيزة تشرّف بالإسلام عدد من هؤلاء؛ ممّن يمتلك قلباً صافياً وفطرة سليمة وعقلًا مستقيماً، ونبذوا وراءهم عادات الجاهلية وعقائدها ورسومها.

  • وحين أحسّ مشركو مكّة بعدم قدرتهم على مواجهة المباني المتينة والعقائد الإلهيّة الراسخة والرسوم الإسلاميّة الحكيمة، شعروا أنّ موقعيّتهم1

  • أسرار الملكوت ؛ ج1 ؛ ص151
    1. حسينى طهرانى، سيد محمد محسن، أسرار الملكوت، 3جلد، دار المحجة البيضاء - بيروت - لبنان، چاپ: 1، 1430 ه.ق.

أسرار الملكوت ج۱

151
  • في خطر ومقامهم في معرض الزوال والاضمحلال، فقاموا بتصعيد المواجهة إلى مرحلة الإيذاء الجسدي والضرب والحبس والقتل والإعدام.

  • وقد وصل أذى المشركين حدّاً صار المسلمون معه يشْكون ما بهم إلى رسول الله ويطلبون منه حلًا لهذه المشاكل، فقال لهم الرسول: إذا كان الأمر قد وصل إلى هذا الحدّ، فهاجروا إلى الحبشة، فإنّ فيها ملكاً نصرانيّاً عادلًا. فكانت هذه أول هجرة في الإسلام.

  • وقد قام المسلمون بالمسير إلى الحبشة جماعاتٍ جماعات، وكان من بينهم جعفر بن أبي طالب مع جماعة من أقربائه، وحين اطّلع المشركون على هذه المسألة خافوا من انتشار الإسلام ونموّه وتمكّنه في الحبشة وسائر البلاد، فكّروا بالقضاء على المسلمين. فأرسلوا عمرو بن العاص مع عمارة ابن الوليد إلى الحبشة محمّلين بالهدايا والتحف الثمينة لملكها النجاشي.

  • وبعد وصول رسل المشركين إلى الحبشة، توجّهوا نحو بلاط الملك لملاقاة النجاشي، وبناء على تقاليد ذلك الزمان وعاداته، فقد قاموا بالسجود بين يدي النجاشي، وقدّموا له الهدايا والتحف التي بحوزتهم.

  • ذكر العلامة الطهراني قصّة عدم قبول المولى حسينقلي الهمداني الهدايا المرسلة إليه

  • أرى من المناسب هنا أن أذكر قصّة جرت مع المرحوم آية الحقّ والعرفان فخر العرفاء الربّانيّين وسند العلماء الإلهيّين آية الله العظمى الآخوند ملّا حسينقلي الهمداني رضوان الله عليه، أنقلها عن المرحوم الوالد رضوان الله عليه:

  • يقال إنّ أحد رؤساء طائفة صوفيّة وزعيم سلسلة إحدى الطرق فيها، أرسل إلى المرحوم الملّا حسينقلي الهمداني صندوقاً مليئاً بالهدايا والتحف بعنوان هدية، وبعد مدّة أتى للتشرّف بزيارته، فحضر مجلسه الذي كان يحضر فيه أيضاً بعض تلاميذه. وعندما نظر إليه المرحوم الآخوند رأى شاربيه

أسرار الملكوت ج۱

152
  • طويلين كشوارب الصوفيين والدراويش. حيث إنّ الدراويش يعتقدون بأنّ المولى علياً عليه السلام كان لديه شاربان طويلان، والاقتداء به إنّما هو على أساس السنّة الحسنة التي هي عبارة عن ترك الكلام الفارغ والسكوت عن قول اللغو، وكأنّ هذين الشاربين يقفان على باب الفمّ والشفّتين للحؤول دون الكلام الفارغ واللقمة المشتبهة، ويتمسكون في ذلك بسيرة ذلك الإمام، حيث نقل: وكان عليه السلام وافر السبلة، أي أنّ شاربي الإمام كانا طويلين.

  • لكنّ هذا الفهم وهذا التفسير فهم خاطئ وتفسير مشتبه، لأنّ الوفور بمعنى كثافة الشعر مقابل الخفّة والقلّة لا بمعنى الطول. ومع وجود الروايات الكثيرة المرويّة عن المعصومين عليهم السلام التي تفيد الكراهة الشديدة في تطويل الشاربَين1 كيف يمكن لأمير المؤمنين عليه السلام أن يطيل شاربيه ولا يراعي هذه المسألة ولا يتوجّه إلى سنّة رسول الله! محال أن يصدر ذلك عن الإمام.

    1. حيث ورد في من لا يحضره الفقيه، ج 1، ص 127: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم: لا يطوّلنّ أحدكم شاربه فإن الشيطان يتّخذه مجنّاً يستتر به. ووردت هذه الرواية باختلاف يسير في الكافي، ج 6، ص 488. وورد في من لا يحضره الفقيه، ج 1، ص 130: وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم: حفّوا الشوارب واعفوا اللحى، ولا تشبّهوا باليهود. وفي الكافي، ج 6، ص 487، حديث 9، من كتاب الزيّ والتجمّل، باب اللحية والشارب، عن عبد الله بن عثمان أنه رأى أبا عبد الله عليه السلام أحفى شاربه حتى ألصقه بالعسيب( منبت الشعر). وفي نفس المصدر، حديث 7، عن علي بن جعفر عن أخيه أبي الحسن عليه السلام، قال: سألته عن قص الشارب أمن السنّة؟ قال نعم. وفي نفس المصدر، حديث 8: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ذكرنا الأخذ من الشارب، فقال: نُشرة( رقية يعالج بها المجنون والمريض) وهو من السنّة.

أسرار الملكوت ج۱

153
  • والحاصل أنّ المرحوم الآخوند حسينقلي الهمداني رضوان الله عليه فهم مقصد ذاك الدرويش من زيارته، وأنّه جاء بقصد التتلمذ عنده واكتساب المعارف والتعاليم منه. فأمر أولًا بإحضار صندوق التحف والهدايا الذي أرسله إليه قبل ذلك والذي لم يكن قد تصرّف فيه أو فتحه أصلًا ووضعه أمامه، عندها أمر بإحضار مقصّ وقصّ بنفسه شاربي ذاك الدرويش، ثمّ بعد ذلك أعطاه برنامجاً للتربية والتزكيّة ودستوراً للأوراد والأذكار وسائر الأمور.

  • وعلى كل حال، فقد خاطب عمرو بن العاص النجاشيَّ وقال له:

  • أيّها الملك، إنّ جماعة من قومنا تركوا ديننا وملّتنا إلى دين جديد وشريعة جديدة، وهم يشتمون آلهتنا ويُضلّون شبابنا ويفسدون مجتمعنا وأمّتنا، ويخربون وضع مدينتنا وقبيلتنا، وقد أتيناك طالبين منك أن تعيد علينا هؤلاء كي يعود الأمن والاستقرار إلى ديارنا، ونعيد بذلك وحدة الكلمة.

  • عندها توجّه النجاشي إلى وزرائه وقال: هل هذا الأمر صحيح؟ وهل أتت جماعة مهاجرة إلى بلادنا؟ قالوا: نعم، أتى إلى هذه البلاد جماعة مهاجرون يزيدون على الثمانين رجلًا، بزعامة رجل يقال له جعفر بن أبي طالب، وهم رجال تقاةٌ مؤدبون وأصحاب خُلق وأدب ويعيشون بيننا الآن بكامل الاحترام. عندها أمر النجاشي بإحضارهم، فدخل جعفر بن أبي طالب مع جمع من أصحابه ومن جملتهم عبد الله بن مسعود على النجاشي دون أن يعملوا بالرسوم والعادات الجارية ولم يسجدوا للملك، بل اكتفوا بتحيّته ومن معه بتحيّة الإسلام.

  • في هذه الأثناء سأل النجاشي جعفرَ بن أبي طالب وقال: ما رأيك بما يقوله هؤلاء؟ إنّهم يطلبون مني أن أرجعكم إلى وطنكم الأصلي! فقال جعفر

أسرار الملكوت ج۱

154
  • للنجاشي: أيّها السلطان! اسألهم: هل نحن عبيد أرقّاء لهم فررنا منهم؟ أو أنّنا سرقنا أموالهم؟ أو أنّنا قتلنا منهم أحداً فهم يطالبونا بدية أو قصاص؟ فقال عمرو بن العاص: لا! لستم كذلك، فأنتم قوم أحرار ومحترمون، قال جعفر: إذاً ماذا تريدون منّا؟ فأنتم الذين آذيتمونا وقسوتم علينا لأجل اتّباعنا طريق الحقّ حتّى تركنا وطننا ولجأنا إلى هذا المكان.

  • فقال عمرو بن العاص: أيّها الملك! هؤلاء يشتمون آلهتنا، ويحرّضون الناس للخروج عن ديننا وملّتنا، ويضلّون شبابنا ويفرّقون فيما بيننا.

  • فقال جعفر: صحيح أنّنا خالفنا دين هؤلاء، وتركنا ما هم عليه، لأنّ الله المتعال منّ علينا بأن أرسل فينا رسولًا منّا حتّى يثنينا عن عبادة الأحجار والأخشاب، وينهانا عن الشرك والأعمال الباطلة وخرافات الجاهلية، ويمنعنا عن اقتراف الزنا والربا وأكل الميتة والدم، وأمرنا أن نجتنب الشرك والظلم والاعتداء على الآخرين، ورغّبنا في أداء الصلاة وإيتاء الزكاة والعدل والصدق والإحسان إلى الضعفاء وصلة الأرحام. لهذا السبب تركنا ملّة الجاهليّة والبربريّة، وتوجهنا نحو الحرّية والشرف واستكمال الفضائل الإنسانيّة العالية المنضوية تحت ظلّ العبوديّة للذات الإلهيّة المقدّسة.

  • لقد أثّرت لهجة جعفر الطيّار الصريحة وبياناته المتقنة المنبعثة من روح آيات الكتاب المبين والمقتبسة من عبارات القرآن الكريم في النجاشي، فغرق في بحر من التفكير حتى شوهِدت على وجناته آثار البهجة والسرور.

  • وعندما شعر عمرو بن العاص أنّ موقعيّته في خطر، فكّر في حيلة وتوسّل بالمكر والخداع؛ فبدلًا من قبول الحقّ والإذعان للمنطق، اعتمد طريق الحيلة والمغالطة فقال للنجاشي: أيّها الملك! عندما دخل هؤلاء عليك لم يسجدوا لك ولم يحفظوا حرمتك. عندها علت أصوات المحيطين بالملك وقالوا لجعفر وأصحابه: عليكم أن تسجدوا للملك! فأجاب جعفر

أسرار الملكوت ج۱

155
  • بصوت عال وبليغ: نحن لا نسجد لغير الله. فسألهم الملك لماذا لا تسجدون؟

  • فأجاب جعفر: إنّ النبي الذي بُعث من قبل الله تعالى أمرنا أن نعبد الله وحده ونسجد له فقط، ونهانا عن السجود لغير الله، هذا النبي هو الموجود في الإنجيل باسم أحمد، وبشّر بظهوره النبي عيسى عليه السلام وأنّه يُبعث بكتاب سماوي.

  • فقال عمرو بن العاص للنجاشي: إن هؤلاء يخالفون دينكم أيضاً.

  • فسأل النجاشي جعفر: ماذا يقول نبيّكم بحقّ عيسى عليه السلام؟

  • قراءة جعفر بن أبي طالب للآيات القرآنية وحديثه الحكيم غيّرا رأي النجاشي

  • قال جعفر: يقول الله تعالى في كتابه المبين الذي أنزله على نبيّنا، بأنّ عيسى روح الله وكلمته ألقاها على فتاة نزيهة وطاهرة اسمها مريم وأولده منها، ولم يمسسها أحد من الناس، وقد جعله الله من الأنبياء.

  • عندها أطرق النجاشي في حالة من التعجب والتفكير، فطابق عقلُه ووجدانُه بين ما سمعه من الحديث الحكيم والواقعي لجعفر، وبين مرتكزاته الفطريّة وما نقله التاريخ المسيحي، ثمّ نظر إلى القسّيسين والرهبان وقال: ما جاء به هؤلاء حول السيد المسيح ليس بأقل ممّا تعتقدون به، وليس لديهم أيّ اعتقاد سيّئ اتجاهه. وبعد ذلك خاطب جعفر: هل تحفظ شيئاً من آيات القرآن؟ قال جعفر: نعم، فقال النجاشي: اقرأ لنا مقداراً من آيات كتابكم! وأشار إلى العلماء والرهبان قائلًا: اصغوا جيداً كي نرى هل أن ما يقرؤه موافق لما هو موجود في كتبنا أم لا؟

  • حينئذٍ شرع جعفر بقراءة سورة مريم:

  • بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

  • كهيعص* ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا* إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً

أسرار الملكوت ج۱

156
  • خَفِيًّا*1 إلى أن وصل إلى قوله: وَ هُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا* فَكُلِي وَ اشْرَبِي وَ قَرِّي عَيْناً2.

  • في هذا الوقت جرت دموع النجاشي وجميع العلماء وحاضري المجلس، وبدأ بالبكاء بصوت عال وقال: والله! إنّ ما أنزل الله تعالى على نبيّكم هو الحقّ. وعاملَ جعفر وأصحابه بمنتهى الاحترام، وأعلن شهادة التوحيد لله والنبّوة للنبي محمّد واعتقد بصحة الدين الإسلامي، وقال لجعفر: إنّي أشهد أنّ هذا النبيّ هو الذي وعد المسيح بظهوره وبرسالته في الإنجيل، ولو كنت في الحجاز لكنت أخدمه كالعبيد. فاذْهب وعشْ في مملكتي بكمال العزّة والأمان. وأعاد وفد المشركين مع هداياهم وتحفهم إلى بلادهم خائبين.

  • نرى في هذه الحكاية تصرّفين متفاوتين تماماً.

  • التصرّف الأوّل: هو تبليغ جعفر الطيّار للرسالة ببيان فصيح ومنطق بليغ وكلام حكيم عقلائي وصراحة في اللهجة وحريّة في الكلام والتصرّف، مع تمام الطمأنينة والسكون والوقار، ومراعاة المراتب العالية من الأخلاق الحسنة والسلوك الرفيع.

  • والتصرّف الثاني: هو المكر والخديعة والكذب والافتراء والبهتان والتزوير وقول الزور.

  • لكن في النهاية يستجيب ملك الحبشة بفطرته الصافية وعقله السليم، لنداء الوجدان وصرخة العقل حين مقارنته بين هذين السلوكين المتقابلين تماماً، فيُحرّر نفسه من جميع قيود الاعتبارات والمجازات والتخيّلات،

    1. سورة مريم، الآيات 1- 3.
    2. سورة مريم، الآية 25، وجزء من الآية 26.

أسرار الملكوت ج۱

157
  • ليتشرّف- بسبب انتحاله الإسلام ومدرسة الوحي رسميّاً- بخلعة السعادة الأبديّة والنجاح السرمديّ ويتزّين بالهداية والصلاح.

  • كان الحديث عن كيفيّة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعن تحديد الذي يجب عليه التصدّي لهذه المهمّة كي يحصل على نتيجة أفضل وتأثير أكبر.

  • توقّع العلامة الطهراني من السيد الكلبايكاني أن يعلن فتواه في حرمة الموسيقى والشطرنج في وسائل الإعلان

  • أذكر أنّه في أحد الأيّام تشرّف المرحوم المغفور له حجّة الإسلام والمسلمين الحاج الشيخ حسن نوري الهمداني رحمة الله عليه بالمجيء إلى المشهد الأقدس، لزيارة ثامن الحجج علي بن موسى الرضا عليهما السلام، وقد تفضّل بحضوره إلى منزل المرحوم الوالد رضوان الله عليه. وأثناء الحديث انجرّ الكلام إلى ما أعلنه بعض المراجع في ذاك الزمان من حلّية الموسيقى والشطرنج، حيث قام بنشره في المجلّات والصحف، فقال المرحوم الوالد بلحن يظهر فيه عمق التأثّر والإصرار البليغ للشيخ نوري: لماذا لا تقول للسيّد الگلبايگاني (رحمة الله عليه) أن يعلن فتواه بحرمة الموسيقى والشطرنج رسميّاً في المجامع العموميّة والصحف، حتّى يعلم الجميع أنّه إذا أفتى مرجع بحلّية هذين الفعلين المحرّمين في زمان ما، فهناك من المراجع والمقلَّدين مَن يفتي بحرمتهما. وإذا لم تأخذ هذه المسألة صورتها الطبيعية، فمن الممكن أن يعتقد الناس بعد خمسين سنة أنّ الحكم بالحلّية في هذا الوقت كان أمراً محرزاً لا خلاف فيه.

  • ومن الضروري التذكير بأنّه وإن كان ممكناً للفقيه أن يصدر فتوى بناء على المباني التي يراها محرزة لديه وطبق الفهم المستفاد من الأدلّة بالحلّية أو بالحرمة، فإذا كان مصيباً للواقع أثيب وإن كان مخالفاً كان معذوراً كما هو الحال في هذه المسألة منذ صدر الإسلام حتّى زمان ظهور راية الحقّ والتوحيد على يد صاحب الولاية الإلهيّة الكبرى الحجّة ابن الحسن

أسرار الملكوت ج۱

158
  • العسكري أرواحنا فداه إلّا أنّ إعلان مسألة فقهيّة في المجتمع دون الاقتصار على ذكرها في الرسائل العمليّة، والعمل على بثّها عبر وسائل الإعلام المتاحة من الصحف والكتب والراديو والتلفزيون ومنابر المساجد وصلاة الجمعة وغير ذلك، واحتفاف ذلك بقرائن وشواهد تدلّ على قبول المجتمع لها .. كل ذلك سوف يؤدّي إلى أن تظهر هذه الفتوى وكأنّها هي الفتوى الغالبة على فتاوى سائر المراجع الآخرين. لذا يتحتّم على سائر المراجع أن لا يكتفوا بإبراز فتاواهم في الرسائل العمليّة فقط، بل عليهم أن يعملوا على إعلانها رسميّا بأيّ شكل من الأشكال.

  • ومن الطبيعي أنّه في هذه الحالة، لا يتوجّه أيّ اعتراض على أحد أبداً، فكما أنّ لذاك المرجع الحقّ في إبراز اجتهاده وآرائه الخاصّة وإعلانه حلّية الموسيقى والشطرنج، كذلك يجب أن يكون حقّ إظهار النظر المخالف والحكم بالحرمة محفوظاً أيضاً لسائر المراجع والمجتهدين، وعندها سوف يترقّى المجتمع ويسير نحو الفكر الصحيح ورفع النقص والخلل.

  • إنّ الحديث عن هذا الموضوع له مجال واسع جدّاً، لكنّ الدخول في تفصيله يخرجنا عن موضوع بحثنا؛ وهو شرح حديث عنوان البصري. وإن شاء الله سوف ننتهز الفرص فيما يأتي للاستفادة من كلمات أولياء الدين والحكايات والنكات المهمّة المنقولة عنهم.

أسرار الملكوت ج۱

159
  •  

  •  

  • المجلس السادس: اختلاف مراتب النفوس في قبولها للتشيّع وإطاعتها لإمام الزمان عليه السلام في القرون السابقة

  •  

  •  

أسرار الملكوت ج۱

161
  •  

  •  

  • بسم الله الرحمن الرحيم

  • الحمد لله ربِّ العالمين

  • والصلاةُ على خيرة الله المنتجبين محمَّدٍ وآلِهِ الطاهِرِين

  • واللّعنةُ على أعدائِهِم أجمعين

  •  

  •  

  • كان الكلام عن مالك بن أنس الذي كان عنوان البصري يتردّد عليه في المدينة، ويستمع منه أحاديث عن رسول الله.

  • حيث قال في الحديث:

  • كنت أختلف إلى مالك بن أنس سنين، فلمّا قدم (الإمام) جعفر الصادق عليه السلام المدينة، اختلفت إ ليه (وتعلّقت به) وأحببت أن آخذ عنه كما أخذت عن مالك ...

  • عدم كون اعتقاد عنوان البصري بالإمامة بالشكل المتعارف عليه اليوم

  • ينبغي التأمّل في نكتةٍ في هذه العبارة وهي: ما العقيدة التي كان عنوان يحملها في علاقته بالمسائل الحقّة والمعارف الإلهيّة، وبشكل عام كيف كانت نظرته وموقفه من أولياء الدين والأئمّة المعصومين الذين كانوا الخلفاء الحقيقيّين والأوصياء الصادقين للرسول الخاتم صلّى الله عليه وآله وسلّم؟

  • إنّ التوجّه إلى هذه النكتة الاستثنائيّة مهمّ جدّاً، فهي توصلنا إلى حقائق حياتيّة قيّمة ودقائق ظريفة جداً، وهي عبارة عن عدم كفاية العلم الظاهري والعلوم البشريّة المحدودة لرفع النقائص والخلل الماهويّ عند الإنسان،

أسرار الملكوت ج۱

162
  • والاحتياج الملحّ إلى إنسان مستقيم وعالم مطّلع وخبير بزوايا العقبات الصعبة لعبور النفس وإشرافه على حقائق وأسرار عالم الغيب وبطون عوالم الوجود، وهذا هو الأمر الذي كان يفتقده مالك بن أنس، مع كثرة علومه وحفظه لأحاديث كثيرة عن الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم. وفي المقابل، هذا ما لم يستطع عنوان البصري أن يحصل عليه من مالك، مع كثرة الاستفادة منه وجدّيّة التعلّم لمدّة زمنيّة طويلة ولذا هام على وجهه حيراناً باحثاً عن بصيص أمل يمكن أن يقوده للوصول إلى مطلوبه ومبتغاه وهو ما حصل عليه عندما تمسّك بحبل ولاية أئمّة الهدى والزعماء الحقيقيّين لدين النبي، واستمدّ منه.

  • لم يكن اعتقاد عنوان البصري بإمامة أئمّة الهدى عليهم السلام وخلافتهم بالكيفيّة الموجودة الآن ولا بالشكل المتعارف عليه بين المجتمعات الإسلاميّة في هذا الزمان.

  • فالمتعارف عليه بين المسلمين في هذه الأيام وجود مذاهب مختلفة، هي عبارة عن أربعة مذاهب: الحنفيّة والمالكيّة والحنبليّة والشافعيّة، وفي مقابلهم مذهب الشيعة الذي ينقسم بدوره إلى فرق متعدّدة هي الزيديّة والكيسانيّة والإسماعيليّة والواقفيّة وغيرها، والمذهب الحقّ الشيعة الإثني عشريّة.

  • أمّا في السابق فقد كان المسلمون مع اختلاف اعتقاداتهم ومذاهبهم ينقسمون إلى محبّ لأهل البيت عليهم السلام ومعاند لهم، وكانوا يُعرفون بذلك، وإن كانت مسألة التشيّع والاعتقاد بولاية أمير المؤمنين عليه السلام وخلافته وإمامته بعد النبي بلا فصل مطروحة في حياة رسول الله، فقد ذكّر النبي الأكرم مراراً منذ البدء بإعلان الدعوة لرسالته، بإمامة أمير المؤمنين عليه السلام وخلافته وجعلها مقارنة لدعوته، حيث شرع

أسرار الملكوت ج۱

163
  • بذلك حين الشروع بالدعوة الإسلاميّة مع دعوته لأقاربه وأرحامه بعد نزول الآية الشريفة: وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ1، وقد صرّح رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في ذاك المجلس بخلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وإمامته ووزارته، أمام جميع من حضر من قومه وعشيرته الذين كانوا بحدود الأربعين رجلًا وكان من بينهم أبو طالب والد أمير المؤمنين عليه السلام.

  • وهكذا كان رسول الله يذكّر دائماً بهذا الموضوع في مناسبات مختلفة ومواقع عديدة، ولكم سُمعت كراراً ومراراً هذه العبارة المعروفة من لسان الرسول «يا علي أنت وشيعتك هم الفائزون»2، بل إنّه صرّح بأسماء الخلفاء والأئمّة من بعده؛ كما هو مذكور في كتب العامّة والخاصّة.

  • ويُعتبر جابر بن عبد الله الأنصاري من صحابة الرسول الأكرم، ومن الأشخاص الذين هم مورد اعتماد ووثوق لدى السنة والشيعة؛ فكلّ من الطرفين يذكر جلالة شأنه وعظمة نفسه وعلوّ درجته.

  • حديث جابر بن عبد الله الأنصاري في ذكر الأئمّة الإثني عشر

  • ينقل في كتاب «كفاية الأثر» لأبي القاسم علي بن محمّد بن علي الخزّاز القمّي الرازي من علماء القرن الرابع الهجري، رواية عن جابر بن عبد الله الأنصاري، أنّه قال:

  • حدّثنا أحمد بن إسماعيل السلماني ... عن جابر بن يزيد الجعفي (الذي كان من كبار صحابة الإمام السجاد والإمام الباقر والإمام الصادق

    1. سورة الشعراء، الآية 214.
    2. ورد نظير هذه العبارة في بحار الأنوار، ج 31، ص 380، وإرشاد القلوب، ج 2، ص 262، بهذا الشكل:« قال له رسول الله أنت وشيعتك هم الفائزون ...» دون لفظ( يا علي). وفي إرشاد القلوب، ج 2، ص 423، و الأمالي للشيخ الصدوق، ص 23، وردت هكذا:« يا علي شيعتك هم الفائزون يوم القيامة ..» دون لفظ( أنت). وفي بحار الأنوار، ج 38، ص 95، و دعائم الإسلام، ج 1، ص 75، وردت هكذا:« شيعة علي هم الفائزون».

أسرار الملكوت ج۱

164
  • عليهم السلام وصاحب الأسرار الخفية والعالم ببواطن القرآن ورموز الآيات الإلهية والكرامات الباهرة) قال: سمعت جابر بن عبد الله الأنصاري يقول: لمّا أنزل الله تبارك وتعالى على نبيّه صلّى الله عليه وآله وسلّم يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ قلت: يا رسول الله! قد عرفنا الله و رسوله، فمن أولوا الأمر منكم الذين قرن الله طاعتهم بطاعتك؟

  • فقال عليه السلام: خلفائي وأئمّة المسلمين بعدي؛ أوّلهم علي بن أبي طالب ثمّ الحسن ثمّ الحسين ثمّ علي بن الحسين ثمّ محمّد بن علي المعروف بالتوراة بالباقر وستدركه يا جابر، فإذا لقيته فأقرئه منّي السلام، ثمّ الصادق جعفر بن محمّد ثمّ موسى بن جعفر ثمّ علي بن موسى ثمّ محمّد بن علي ثمّ علي بن محمّد ثمّ الحسن بن علي ثمّ سميّي وكنيّي حجّة الله في أرضه وبقيّته في عباده ابن الحسن بن علي ذلك الذي يفتح الله تعالى ذكره على يده مشارق الأرض ومغاربها، ذلك الذي يغيب عن شيعته وأوليائه غيبة (تطول وتمتدّ بحيث يرجع عن الاعتقاد بإمامته و) لا يثبت فيها على القول بإمامته إلا من امتحن الله قلبه للإيمان (ونجح في هذا الامتحان، فثبت بذلك إيمانه).

  • قال جابر فقلت: يا رسول الله! فهل لشيعته الانتفاع به (في حال غيبته)؟

  • فقال عليه السلام: والذي بعثني بالنبوّة إنّهم ليستضيئون بنوره وينتفعون بولايته في غيبته كانتفاع الناس بالشمس إن سترها سحاب، يا جابر هذا من مكنون سرّ الله ومخزون علم الله، فاكتمه إلّا عن أهله (وهم الذين لديهم قابلية واستعداد لسماع مثل هذه المسائل).

  • إبلاغ جابر سلام رسول الله إلى الإمام الباقر عليه السلام

  • قال جابر بن يزيد: فدخل جابر بن عبد الله على علي بن الحسين

أسرار الملكوت ج۱

165
  • عليهما السلام، فبينا يحدّثه إذ خرج محمّد بن علي الباقر عليهما السلام من عند نسائه وعلى رأسه ذوابة (وهي الشعر المجتمع والمرتفع في مقدّمة الرأس) وهو غلام (لم يبلغ الحلم بعد)، فلمّا بصر به جابر ارتعدت فرائصه وقامت كلّ شعرة على جسده، ونظر إليه مليّاً وقال: يا غلام أقبل! فأقبل، ثمّ قال له: أدبر فأدبر، فقال جابر: شمائل رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وربّ الكعبة.

  • ثمّ قام فدنى منه ثمّ قال له: ما اسمك يا غلام؟ قال: محمّد، قال: ابن من؟ قال: ابن علي بن الحسين، قال: يا بنيّ فداك نفسي فأنت إذاً الباقر؟ قال: نعم! فأبلغني ما حمّلك رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، قال جابر: يا مولاي! إنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بشّرني بالبقاء إلى أن ألقاك، وقال لي: إذا لقيته فأقرئه منّي السلام، فرسول الله يا مولاي يقرأ عليك السلام.

  • فقال أبو جعفر عليه السلام: يا جابر! على رسول الله السلام ما قامت السماوات والأرض، وعليك يا جابر بما بلّغت السلام.

  • فكان جابر بعد ذلك يختلف إليه ويتعلّم منه، فسأله محمّد بن علي عليهما السلام عن شيء فقال جابر: والله لا دخلت في نهي رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، لقد أخبرني أنّكم الأئمّة الهداة من أهل بيته بعده، أحكم الناس صغاراً وأعلم الناس كباراً، فقال: لا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم، قال أبو جعفر عليه السلام: صدق جدّي صلّى الله عليه وآله وسلّم، إني أعلم بما سألتك عنه. والله أوتيتُ الحكم وذلك بفضل الله علينا ورحمته لنا أهل البيت1.

    1. كفاية الأثر في النصّ على الأئمّة الإثني عشر، الخزّاز القمي، ص 53 إلى 56.

أسرار الملكوت ج۱

166
  • وهذا الحديث ينقله أحمد بن إسماعيل السلماني لمؤلف الكتاب علي بن الخزّاز القمي مباشرة، عن راو وهو عن راو آخر عن جابر بن يزيد الجعفي الذي كان من أهمّ تلاميذ الإمام السجّاد والإمام الباقر والإمام الصادق عليهم السلام، وكان صاحب الأسرار الخفيّة وعالماً ببواطن القرآن ورموز الآيات الإلهيّة والكرامات الباهرة وهو ينقلها عن جابر بن عبد الله الأنصاري.

  • يصرّح رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في هذا الحديث لجابر بن عبد الله الأنصاري بأسماء الخلفاء من بعده بلا فصل والأئمّة الهداة للمسلمين.

  • سعي العامة لتطبيق اثنا عشر إماماً على الخلفاء الغاصبين

  • يحسن الالتفات إلى مسألة، وهي أنّ نفس العامّة والأخوة من أهل السنّة لا يشكّون في وجود مصاديق خارجيّة لهذه الأسماء المباركة، ويطبّقون المصاديق الخارجيّة لهذه الأسماء على ما نُقل عن رسول الله، حتّى أنّه لا تزال إلى الآن جميع هذه الأسماء مكتوبة على حائط في صحن مسجد الرسول الأكرم بالمدينة الطيّبة، وخصوصاً الاسم المبارك لبقيّة الله الأعظم إمام الزمان أرواحنا فداه باسم (محمّد الحيّ)، مضافاً إلى أسماء بعض صحابة النبي والخلفاء الغاصبين. فهذه المسألة لا يمكن إنكارها، فضلًا عن إنكار وصول النقل في الكتب التاريخيّة بوجود الأئمّة إلى حدّ التواتر، بل إنّ ظهور هذه المسألة ووضوحها كظهور الشمس ووضوحها في رائعة النهار.

  • لكن إشكال الأخوة من أهل العامّة وإيرادهم إنّما هو في ولاية هؤلاء الأشخاص وإمامتهم وخلافتهم. ومن جهة ثانية، بما أنّ الكثير من المؤلّفين وعلماء العامّة قد أوردوا في كتبهم نظير هذا الحديث بدون ذكر الأسماء، وذكروا عبارة النبي التي قال فيها: الخلفاء من بعدي اثنا عشر كلّهم من

أسرار الملكوت ج۱

167
  • قريش1، فقد وقعوا في معضلة مستحكمة لم يستطيعوا حلّها، من جهة تطبيق هذا العدد على الخلفاء الغاصبين للحكومة الإسلاميّة.

  • وذلك لأنّه بعد انتهاء خلافة الخلفاء الراشدين وهم أربعة خلفاء، وصلت النوبة إلى خلفاء بني أميّة وبني مروان وبني العباس، وتعداد هؤلاء وصل إلى حدٍّ بَهَت الجميع وحيّرهم، وأوصلهم إلى طريق مسدود في حلّ هذه المسألة.

  • وقد قام بعضهم لأجل حلّ هذا اللغز بغربلة بعض الخلفاء، وفرزهم ضمن طبقات دون أيّ مرجّح في ذلك، فحذف بعض الأسماء من لائحة الخلفاء كي يبقى العدد اثنا عشر، وغفل عن أنّه أدرج في لائحة الخلفاء بعض الأشخاص المخرجين والذين لا يعترف بهم أحد، حتى الموالون لهم. وهذا من أهمّ الإشكالات على عقيدة الأخوة من أهل السنّة ومنهجهم التي لم يُجَب عليها حتّى الآن، ولن تجد لها جواباً.

  • فإنّهم إذا حكموا بعدم خلافة بعضهم، فماذا سيكون جوابهم في يوم القيامة عندما يُنادى بجميع الخلفاء الغاصبين لخلافة الرسول والخائنين للدين إذا سألهم هؤلاء الخلفاء سيّئوا الحظّ المخرجون من زمرة الخلفاء، عن السبب في إخراجهم من لائحة الخلفاء الغاصبين؟ فأي ذنب ارتكبناه

    1. فقد ورد حديث الإثني عشر أميراً أو خليفة دون ذكر الأسماء في كتب كثيرة، نذكر منها على سبيل المثال: صحيح البخاري، ج 6، ص 2640، حديث 6796، صحيح مسلم بشرح النووي، ج 12، ص 203، و مسند أحمد، ج 5، ص 86 و 88 و 89، و سنن ابن داوود، ج 4، ص 106، و كنز العمّال، ج 11، ص 135، حديث 30929، وج 12، ص 32، حديث 33848، وج 12، ص 33، حديث 33858؛ و البداية والنهاية، ج 6، ص 221، و فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ج 13، ص 181. وقد ذكر في صحيح البخاري: عن عبد الملك: سمعت جابر بن سمرة قال: سمعت النبي صلّى الله عليه( وآله) وسلّم يقول: يكون اثنا عشر أميراً، فقال كلمة لم أسمعها، فقال أبي: إنّه قال: كلّهم من قريش.

أسرار الملكوت ج۱

168
  • حتى نُحرم من الانضمام إلى هذه اللائحة؟ وهل الجنايات التي ارتكبها الخلفاء المقبولون لديكم أقلّ من جناياتنا؟ وهل أعمال الفسق والفجور وشرب الخمر واللعب بالكلاب والقرود والزنا بالمحارم والبنات من الأصلاب، التي صدرت منهم أقلّ ممّا صدر منّا؟ وهل ما صدر منهم من القتل والإغارة والفتك بالأبرياء في غياهب السجون وهتك الأعراض والإقدام على فعل ما أمكن صدوره من إنسان فاسق فاسد من الجنايات والخبائث والتجاوز ... أقل ممّا فعلناه نحن؟ وما هو جوابهم غداً حينما يُسألوا عن سبب جعل هذه الرزايا فخراً ومزيّة وشرفاً لأولئك الخلفاء في إثباتهم في مقام الخلافة دون هؤلاء؟!

  • نعم! عندما يتسلّط عفريت العناد المرعب واللجاج والأنانية ومحوريّة الذات، على العقل السليم والفطرة الصافية والضمير الطاهر ويسوقه في فلك الشهوات والأهواء النفسيّة .. فمن المحتّم أن يتفاخر هذا العقل ويتباهى بإثبات خلافة شخص يلاعب القرود، ويقتل ابن رسول الله عطشاً مع جميع أفراد عائلته وأصحابه الأوفياء، ويسبي نساءه ويضربهم ويشتمهم ويحبسهم بالأغلال وسط الصحاري المحرقة في العراق والشام، ويعرضهم حاسري الرأس أمام الناس في مجلس طربه ولهوه ومجلس لعبه بالكلاب، كما أنه من الطبيعي أن تعتبر أشعار الكفر التي تغنّى بها دليلًا ومدركاً لشرعيّة خلافة آل أبي سفيان، وحقاً مسلماً لهم.

  • بخٍ بخٍ لهذه الجرأة والوقاحة! ولهذه الخسّة والدناءة، وبخٍ بخٍ لهذه العقول الفاسدة والآراء الباطلة والأهواء النفسيّة الدنيّة، التي أسدلت حجاب الظلمة والكدورة والعناد على النظر الصحيح، فبدلًا من التفكير والتدبّر واتّباع الحقّ واتّباع ما أنزل الله ورسوله والنظر بعين الواقع إلى الأمور وتحصيل رضا الله تعالى، جعلوا مكانها الاستمتاع والانتفاع بحطام

أسرار الملكوت ج۱

169
  • الدنيا الفانية والوصول إلى المناصب الدنيئة والرئاسات الزائلة، وبالتالي حرموا أنفسهم من جميع النعم الإلهيّة والألطاف القدسيّة لله تعالى ومن الوصول إلى رضاه في الدنيا والآخرة والفوز بالدرجات العالية، وأوقعوا أنفسهم في المصيبة والنكبة واستحقّوا الذل والتعاسة الأبديّة في الدنيا والآخرة؛ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ1.

  • أبيات «شاعر النيل» في مدح الغاصبين في تجرّئهم على بيت النبوة

  • هذه المصيبة والنكبة التي حصلت لم تقتصر فقط على الماضين والمتقدّمين من جهلة العامّة مهما كان متزيّناً بزينة أهل العلم ومرتدياً رداء الزعامة والقيادة بل يمكن أن نضع أيدينا على نماذج عديدة في جميع الأعصار وفي مختلف الأمصار، تكشف بوضوح عن حالة العناد والجمود والعصبيّة. فانظر إلى أشعار الشاعر العربي المعروف (حافظ إبراهيم) المشهور بإسم شاعر النيل، التي قدّمها إلى سلطان مصر الملك فاروق، حيث تراه يفتخر ويتباهى في هذه الأشعار بهتك حرمة الرسول الأكرم، ويعتبر التجاوز والتجاسر على حريم الرسول وقتل ابنه دليلًا على شهامة عمر وشجاعته؛ ذاك الخليفة المتهتّك وقاسي القلب والعنود، حيث يقول فيها:

  • وقولةٌ لعليّ قالها عمرْ***أكرِم بسامعها أعظمْ بمُلْقيها

  • حرّقتُ داركَ لا أُبقِي عليكَ بها***إن لم تُبايع وبنتُ المصطفى فيها

  • ما كان غيرُ أبي حفصٍ يفوهُ بها***أمامَ فارس عدنانٍ وحاميها 2

  • نعم! هذا نموذج من عمى القلب وفقدان الحميّة وانعدام الغيرة الذي كان من نصيب بعض الناس وسيصير من نصيب آخرين، فقد أصبح إحراق بيت أناس أبرياء ومظلومين لم يتعرّضوا بسوء لمنتحلي الخلافة، من المفاخر

    1. سورة الحشر، من الآية 2.
    2. الغدير، الأميني، ج 7، ص 86.

أسرار الملكوت ج۱

170
  • وموجباً للتباهي. وصار التجرّؤ على رفس امرأة ضعيفة؛ كبنت رسول الله وأفضل نساء العالمين بالنصّ الصريح للرسول وإسقاط جنينها، يعتبر من افتخارات الأمة ودليلًا على الالتزام الديني والغيرة العربيّة1. فيا لها من وقاحة وجرأة!

  • والحاصل، أنّ الأخبار والآثار المأثورة عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم حول خلافة الأئمة الاثني عشر عليهم السلام وإمامتهم، حتى وإن كانت موجودة في كتب أهل السنّة، لكن بما أنّ نظام الحكومة الإسلاميّة وقع بيد أعداء الإسلام وأهل البيت عليهم السلام بعد وفاة رسولالله صلّى الله عليه وآله وسلّم ولم تحصل أيّ فرصة لتولّي أهل البيت عليهم السلام للحكومة، سوى تلك السنوات القليلة التي تصدّى فيها أمير المؤمنين علي عليه السلام للخلافة، والتي كانت حافلة بالنزاعات والحروب والمعارك مع أعداء الإسلام فقد حاول هؤلاء بتمام جهدهم وقوّتهم أن يمحوا الآثار والأخبار المتعلّقة بأهل البيت عليهم السلام، حيث لم يكن مذهب الشيعة ظاهراً بالشكل الذي عليه اليوم بعد إحياء حكومة

    1. وقد ذُكرت قصّة اعتداء عمر على بيت فاطمة في الكثير من الكتب: أ- الملل والنحل، للشهرستاني، ص 59، ينقل عن إبراهيم بن سيّار بن هاني النظّام: فقال: إنّ عمر ضرب بطن فاطمة يوم البيعة حتى ألقت الجنين من بطنها، وكان يصيح: احرقوا دارها بمن فيها! وما كان في الدار غير علي وفاطمة والحسن والحسين.
      ب- الإمامة والسياسة، لابن قتيبة الدينوري، ص 12، قال: وإنّ أبا بكر رضي الله عنه تفقّد قوماً تخلّفوا عن بيعته عند علي كرّم الله وجهه، فبعث إليهم عمر، فجاء فناداهم وهم في دار علي فأبوا أن يخرجوا، فدعا بالحطب وقال: والذي نفس عمر بيده لتخرجنّ أو لأحرقنّها على من فيها فقيل له: يا أبا حفص إنّ فيها فاطمة، فقال: وإنْ.
      ج- ميزان الاعتدال، للذهبي، ج 1، ص 139، عند ذكره لأحوال أحمد بن محمّد بن السري بن يحيى بن أبي دارم المحدّث، قال: وقال محمّد بن أحمد بن حمّاد الكوفي الحافظ بعد أن أرّخ موته-: كان مستقيم الأمر عامّة دهره، ثمّ في آخر أيّامه كان أكثر ما يُقرأ عليه المثالب. حضرته ورجل يقرأ عليه: إنّ عمر رفس( الضرب بالرجل) فاطمة حتى أسقطت بمحسن.

أسرار الملكوت ج۱

171
  • شيعيّة بواسطة الأسرة الصفويّة في إيران فقد صار التشيّع والتسنّن اليوم عبارة عن مدرستين مستقلّتين ومذهبين مختلفين، وإن كانا يعتقدان بنبيّ واحد هو الرسول الأكرم، وكتاب إلهيّ واحد هو القرآن الكريم ويتوجّهان إلى قبلة واحدة. لكن لم يكن هذا التقسيم موجوداً بين المسلمين في الماضي، بل كانوا في زمان الخلفاء الغاصبين يقسّمون المسلمين إلى محبّ لأهل البيت ومبغض وعدوٍ لهم، بخلاف ما هو موجود حاليّاً بينهم من اعتبار الشيعة مذهباً مستقلًّا مقابل سائر المذاهب لأهل السنّة.

  • كون الملاك في تعدد الفرق والمذاهب في السابق هو حبّ الأئمّة وبغضهم

  • وبناء على ما هو الموجود في التاريخ والقصص المنقولة عن الأزمنة الماضية، فقد كان الناس إلى أيّ فرقة انتسبوا يعقدون صداقاتهم وعلاقاتهم على أساس حبّ أو بغض الإمام علي عليه السلام وأهل بيته الكرام، وعلى هذا الأساس كانت تقوم علاقاتهم ومعاشراتهم واختلاطهم واشتراكهم في التجارة وفي سائر الأعمال، حتّى أنّ بعض أصحاب الإمام الصادق عليه السلام كان مشتركاً مع بعض المخالفين غير المعاندين في التجارة، وكان لديهما دكان واحد يتكسّبان فيه ولم يكن لديهما أيّ مشكلة في ذلك1 أمّا اليوم فمن دواعي العجب أن يسمع أحد بأنّ شخصاً يشارك بعض الأخوة من أهل السنّة في التجارة.

  • وبعبارة أبين وأوضح: إنّ الحساسيّة الموجودة فعلًا اليوم في المجتمع

    1. فقد قال في مروج الذهب، ج 3، ص 194: وكان عبد الله بن يزيد الأباضي بالكوفة تختلف إليه أصحابه يأخذون منه، وكان خرّازاً شريكاً لهشام بن الحكم، وكان هشام مقدّماً في القول بالجسم والقول بالإمامة على مذهب القطيعيّة يختلف إليه أصحابه من الرافضة يأخذون عنه، وكلاهما في حانوت واحد على ما ذكرنا من التضاد في المذهب من التشرّي والرفض ولم يجر بينهما مسابّة ولا خروج عمّا يوجبه العلم وقضيّة العقل وموجب الشرع وأحكام النظر والسير. وذكر أنّ عبد الله بن يزيد الأباضيّ قال لهشام بن الحكم في بعض الأيام: تعلم ما بيننا من المودّة ودوام الشركة وقد أحببت أن تُنكحني ابنتك فاطمة. فقال له هشام: إنّها مؤمنة. فأمسك عبد الله ولم يعاوده في شيء من ذلك إلى أن فرّق الموت بينهما.

أسرار الملكوت ج۱

172
  • الإسلامي سواء عند الشيعة أو عند السنة اتجاه مسألة المحافظة على المباني والاعتقادات فضلًا عن مسألة التعامل والصداقة، لم تكن موجودة في الزمن السابق.

  • فمع أنه يوجد في الكثير من الأخبار عبارة (منّا) للإشارة إلى الشيعي وعبارة (منهم) للإشارة إلى المخالف، سواء في كلمات الأئمّة عليهم السلام أم في كلمات أصحابهم، إلا أنّ العرف في ذاك الزمان كان يعتبر الشيعي هو الشخص المحبّ، حتّى لو لم يكن يلتزم بهذا النحو من التشيّع؛ من الاعتقاد بأنّ الخلافة بعد رسول الله كانت بلا فصل للإمام علي وأولاده المعصومين عليهم السلام، ولم يكن عند العوام ذاك الفرق بين هؤلاء المحبّين وبين القائلين بالولاية.

  • وفي الحقيقة يجب القول إنّه كان هناك نوع من الاستضعاف الديني والاعتقادي في أوساط المجتمعات الإسلامية في السابق، ولا زال موجوداً إلى الآن.

  • الشدة على الشيعة في زمان معاوية

  • إنّ ما لاقاه أهل البيت وشيعتهم من الملاحقة وتضييق الخناق قد وصل في زمن معاوية وما بعده إلى ذروته وبلغ غايته. فإنه وإن كان قد جرى غصب الخلافة من صاحبها الأصلي في زمان الخلفاء قبل معاوية، وعُمد إلى هتك حرمة أولاد رسول الله وقتل أشخاص أبرياء كمالك بن نويرة1 بسبب عدم قبوله خلافة أبي بكر الغاصبة، وضرب وشتم وإبعاد أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام، الذي كان ديدن الخلفاء الغاصبين والحكام الظالمين، لكنّ المسألة اختلفت كثيراً بعدما جاء معاوية إلى الحكم.

    1. ذكر العلّامة الطهراني قصّة مالك بن نويرة بشكل مفصّل في كتاب معرفة الإمام، ج 2، ص 59 إلى 66.

أسرار الملكوت ج۱

173
  • فقد ورد في رسالة من معاوية لعنه الله إلى حاكمه على العراق زياد بن أبيه، وكذا إلى سائر الحكام الآخرين:

  • انظروا إلى من أقامت عليه البيّنة إنّه يحبّ عليّاً وأهل بيته فامحوه من الديوان وأسقطوا عطاءه ورزقه. وشفّع ذلك بنسخة أخرى: من اتّهمتموه بموالاة هؤلاء القوم فنكّلوا به واهدموا داره (على رأسه واجعلوه عبرة للآخرين).

  • (وقد وصلت هذه الرسالة إلى جميع مناطق الحكومة الإسلاميّة، وعُمل على طرد وتشريد كلّ من يحبّ أهل البيت) فلم يكن البلاء أشدّ ولا أكثر منه بالعراق ولا سيّما بالكوفة (لأنّه كان فيها من الشيعة والموالين لأمير المؤمنين عليه السلام أكثر من أيّ مكان آخر) حتّى أنّ الرجل من شيعة علي عليه السلام ليأتيه من يثق به فيدخل بيته فيلقي إليه سرّه ويخاف من خادمه ومملوكه ولا يحدّثه حتّى يأخذ عليه الأيمان الغليظة ليكتمنّ عليه، فظهر حديث كثير موضوع وبهتان منتشر1.

  • من هنا يتضح الحال جيداً؛ فمن جهة يُعلم ما حلّ بالأحاديث والأخبار والأسرار الصادرة بحقّ آل محمّد، ومن جهة أخرى يُعلم كم ظهر من الكذب والافتراء ووضع الأحاديث لصالح الطرف المقابل. فقد اجتاحت هذه الأحاديث المجعولة والكاذبة حافظة العوام من الناس وأذهانهم، بل إنها شغلت أيضاً أذهان الكثير من أهل الفضل في ذلك الزمان. ولم يعد يتردّد على مسامع الناس أيّ خبر أو رواية أو أي أثر عن أهل البيت، بل لم يكن أحد يعلم بوجود أخبار مخالفة للمتعارف ومناقضة للروايات الموضوعة التي جُعلت للنّاس كقوتهم اليومي.

  • وبشكل عام لم يكن لدى أحد من الناس أدنى اطّلاع على مسألة خلافة

    1. الغدير، الأميني، ج 11، ص 29؛ و شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج 11، ص 45.

أسرار الملكوت ج۱

174
  • وإمامة الأئمّة المعصومين عليهم السلام، إلّا في الأماكن البعيدة كالريّ وقم ونيشابور وبعض مراكز التشيّع المهمّة، حيث كان لديهم معلومات عن الإمامة، لكنّها مع ذلك لم تكن بالشكل الموجود في زماننا، فقد كان الإمام عندهم بعنوان الشخص الأعلم والأفضل والأليق بالحكومة والخلافة، لا بعنوان أنه الشخص الوحيد والمنحصر الذي لا يوجد له مثيل حقاً، وأنّ أساس الدين وسرّه وحقيقته منحصر بوجوده وزعامته وإمامته، وأنّ ما سواه بطلان محض وغارق في الظلمة والجهل والكدورة، حيث لم يكن جميع الشيعة قد توصلوا إلى هذه النكتة المهمّة.

  • غلبة الأحاسيس في زماننا أيضاً توجب الابتعاد عن مباني مدرسة التشيّع

  • ليس عجيباً اليوم وبعد مضي ألف وأربعمائة سنة من وقت ظهور الإسلام وتثبيت أساس ونظام مدرسة التشيّع، أن يكون لفظ الإمام في ثقافة الشيعة يطلق على الذات المقدّسة للإمام المعصوم عليه السلام، وإذا لم يكن الأمر كذلك عند الشيعة العرب، فلا بدّ من القول بأنّ هذا اللفظ في اللغة الفارسيّة يطلق على الإمام عليه السلام المنطبق على الاثني عشر معصوماً، والذي هو فعلًا الذات المقدّسة لقطب عالم الإمكان وبقيّة الله في الأرضين؛ الحجّة بن الحسن العسكري أرواحنا لتراب مقدمه الفداء.

  • لكنّ إبراز بعض الأشخاص بهذا العنوان وانتشار ذلك وإشاعته في المجتمع الفارسي سواء في إيران أو غيرها، أدى إلى أن يتداول هذا العنوان ويتعارف دون أن يعترض عليه أحد أو يشكل على ذلك أو ينقضه، بحيث جعل الكثير من العائلات وخصوصاً الأشخاص قليلي الاطلاع يحسبون هذا الشخص في عداد سائر الأئمّة المعصومين عليهم السلام، وصاروا يعتبرونه واحداً من أئمّتنا.

  • وهنا يعترف نفس الكاتب بأنّه واجه العديد من هؤلاء العوائل، وخصوصاً الأطفال منهم، ووجد آثار هذه المسألة عندهم!

أسرار الملكوت ج۱

175
  • وفي بعض الأسفار إلى مكّة المكرّمة حيث وفّقنا الله للحجّ وزيارة بيته، رأيت بعيني في مدخل مكان إقامتنا أنّه إذا كان هناك مطلب أو توجيه من زعماء الدين والأولياء الإلهيين الأئمّة المعصومين أو من الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم حول الحجّ كان يكتب بهذا الترتيب:

  • يذكر أولًا كلام رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، ثمّ كلام بعض العلماء المحترمين ... ثمّ كلام الإمام السجّاد عليه السلام. وكذلك والعياذ بالله شاهدت في كثير من المواضع أنّ كلام ذاك العالم وُضع فوق كلام الإمام السجّاد عليه السلام، وكلام الإمام السجّاد تحت كلامه، نعوذ بالله من الجهل والضلالة.

  • لست هنا لا سمح الله في صدد اتّهام فرد من الأفراد المعيّنين أو أحد الأشخاص المعروفين بالإقدام على فعل هذه المسألة، لكن يمكن القول: إذا كان مجتمع ما يتألّف أفراده من كلّ طبقة وصنف أعم من العالم والجاهل والمطلع وغيره، والكبير والصغير، والمتغلّبين على إحساساتهم ومشاعرهم والمغلوبين عليها فيجب أن تكون رعاية الموازين الصحيحة والمعروفة في الإسلام وأداء العبارات والكلمات الموزونة واستعمال الألقاب والعناوين في هذا المجتمع، قائمة على أساس مدروس وبصيرة دينية وإدراك وشعور ديني، بحيث لا تدع مجالًا عند العوام والجهلة لسوء الاستفادة منها والخروج عن مسير الحقّ والميل نحو الانحراف والاعوجاج، وكي لا تتعرّض الأصول المتقنة للتشيّع والقيم العالية لمدرسة أهل البيت للانتقاد، أو تصير ألعوبة بيد زمرة من الناس لا عقل لهم ولا علم لديهم، كي يبقى الحريم المقدّس لأئمّة الهدى عليهم السلام مصوناً ومحفوظاً عن شتّى أنواع النقد والاعتراض.

  • الخروج عن مسير الحقّ بسبب الإفراط والتفريط

  • ندع تفصيل الكلام حول هذا الموضوع إلى المستقبل ضمن المجلّدات

أسرار الملكوت ج۱

176
  • اللاحقة إن شاء الله، لكن نشير هنا إلى مسألة معرفة الإمام عليه السلام وحدود وسعة الولاية التكوينيّة والتشريعيّة للأئمّة المعصومين عليهم السلام من وجهة نظر العديد من أعيان ومشاهير مدرسة التشيّع، وأنّ هؤلاء الأعيان لم يدركوا بشكل صحيح مباني ولاية الأئمّة. وذلك ليتّضح مقدار مخالفة آراء هؤلاء ومعارضتها للموازين الصحيحة والمباني الحقيقيّة لمدرسة التشيّع، وكم يجب علينا أن نهتمّ بتصحيح معتقداتنا وتطبيقها على الأحكام الواقعيّة والنفس الأمريّة، ولا نتخطّى حدود الاعتدال وننحرف لا نحو الإفراط والغلو ولا نحو التفريط والإجحاف. وبحسب القول الثمين للإمام أمير المؤمنين عليه السلام:

  • يهلك فيّ رجلان: محبٌّ مفرط، وباهت مُفتَرٍ (يمنع وصول الحق إلى الآخرين)1.

  • يعتقد البعض بجهلهم وعدم علمهم أنّهم بذكرهم عبارات الغلو والإفراط بحقّ أمير المؤمنين عليه السلام .. يتقرّبون بذلك إليه ويسكنون حرم أمن ولايته، وأنّهم بقراءتهم لبعض الأشعار الجاهليّة والعاميّة التي هي ليست فقط غير مقبولة ومرضيّ بها عند المعصومين عليهم السلام، بل موجبة حتماً لبراءتهم منها مراراً، ومسبّبة لاشمئزاز روحهم ونفوسهم المقدّسة؛ كالشعر الذي يقرأ هذه الأيام في محافل ولادته:

  • از بس كه خدا عشق به حيدر دارد***انگار نه انگار پيمبر دارد 2

  • أو القول بأنّ الدرجة التي نالها الرسول الأكرم توزن بواسطة علاقته

    1. نهج البلاغة، شرح محمد عبده، ج 4، ص 108.
    2. والمعنى:« من شدّة الحبّ الذي أولاه الله لحيدر، صار وكأنه ليس لديه نبي أصلًا».

أسرار الملكوت ج۱

177
  • وارتباطه بعلي بن أبي طالب وتعرف من خلالها، كما هو الحال بالنسبة لسائر الأنبياء.

  • هؤلاء العوام لا يفهمون كلام أمير المؤمنين عليه السلام حينما يقول:

  • أنا عبدٌ من عبيدِ محمّد1.

  • أو عندما يبيّن كيفيّة متابعته والتزامه بأوامر رسول الله:

  • ولقد كنت أتّبعه اتّباع الفصيل أثر أمّه2

  • إذاً ما هو المبرّر لطرح هذه الأباطيل والمزخرفات؟! وهل يدلّ هذا الأمر على غير البعد عن إدراك المعارف الحقّة لمدرسة أهل البيت، واللعب بالقيم وتطبيق الأفكار الخاصّة على مباني التشيّع المتين والمسلّم القبول، وإعطاء المبرّر للمخالفين لأجل طمس الحقائق النورانيّة لمدرسة أهل البيت، وإبراز المسوّغ من وراء هذه الشعارات للتغلّب على الحقّ وإحياء الباطل؟!

  • للأسف! هذه الآفة ليست منحصرة بخصوص العوام وغير المطّلعين على المعارف الشيعيّة الأصيلة، بل إنّها لوّثت ساحة الكثير من أهل العلم والمعرفة. فهي كلمات تنشأ من أشخاص جاهلين وغير بارزين وتصدر عن تخيّلاتهم لتدنّس الساحة المقدّسة لأوليائنا الكرام.

  • وفي مقابل هؤلاء، قام أشخاص من باب الجهل وعدم العلم أيضاً، بتنزيل الأئمّة المعصومين عليهم السلام إلى منزلة إنسان عادي ومستوى بشر

    1. الكافي، ج 1، ص 90، حديث 5.
    2. نهج البلاغة، ج 2، ص 157.. أي أنّي كنت أتّبع رسول الله وأعمل بأوامره، كما يتبع ولد الناقة أمّه.

أسرار الملكوت ج۱

178
  • متعارف، فقاسوا حركاتهم وسكناتهم وكلماتهم على الكلام العادي والتصرف المتعارف للناس، وجعلوهم سواء في ذلك.

  • نقل العلامة الطهراني لقصة بعض المعممين في استخفافه بحقّ أمير المؤمنين

  • نقل المرحوم الوالد العلامة المعظم السيّد محمّد الحسين الحسيني الطهراني أفاض الله علينا من بركات تربته مسألة، حيث قال:

  • ذهبت يوماً لعيادة المرحوم العلامة الأميني رضوان الله عليه إلى منزله بطهران، وقبل وصولي إليه كان أحد السادة المعمّمين المشهورين الذي كان منزله قريباً من منزل المرحوم الأميني، قد أتى إليه أيضاً ليزوره. وفي أثناء كلام ذاك السيّد المعمّم، قال للمرحوم الأميني: عليٌّ هذا الذي تدافع عنه كثيراً وتبذل الغالي والنفيس لأجله .. ماذا فعل في الإسلام سوى أنّه قتل عدداً من الناس وفرّق بين صفوف المسلمين؟ ماذا فعل غير ذلك؟!

  • نعوذ بالله من هذه الجهالات والضلالات!

  • وأضاف: لماذا تحمِل بهذه الحدّة على أبي بكر وعمر؟ فما الذي فعله هؤلاء غير خدمة الإسلام والمسلمين وبسط العدل ونشر الإسلام في المناطق البعيدة، وثبّتوا العمل الديموقراطيّ ومشاركة الناس في انتخاب الحكومة والحاكم؟ وهل مجرّد اختلاف سليقتهما مع عليّ وعدم التعاون معه في مسألة الحكومة، يجعلهما مستوجبان للّعن والطرد؟ دون أن يُنظر إلى شيء من الآثار الخيّرة والبركات التي تركاها في المجتمع الإسلامي؟

  • لقد أبدى العلامة الأميني عدم ارتياحه وعصبيّته الشديدة من هذا الكلام، لكنّه لم يجب أبداً. واستمر ذاك السيّد في

أسرار الملكوت ج۱

179
  • كلامه قائلًا: ما الضرورة في هذه المحبّة لأهل البيت التي تعتقدون أنّها ملازمة للإيمان ولقبول الأعمال؟ وإذا لم نكن نحبّ أبا الفضل العبّاس ذاك الحبّ البالغ ولم نتعلّق به ذاك التعلّق، فأين المشكلة في ديننا؟

  • عند ذلك نفذ صبر المرحوم الأميني ولم يعد لديه طاقة على سماع هذا الكلام، فاستوى جالساً مع شدّة ضعفه وعدم قدرته على الجلوس، وقال له بصوت عال انتفخت منه أوداجه: قسماً بالله إذا لم تكن محبّاً لحذائي ولرباط حذائي أنا الذي أُعتبر عبداً لأبي الفضل العباس فسوف تُكبّ يوم القيامة على وجهك في النار، وتوضع في الدرك الأسفل من جهنّم.

  • لاحظوا هذا الشخص فإنه مع اعتقاده بهذه العقائد معروف بيننا بكونه شيعيّاً، والحال أنّ الكثير من الأشخاص الذين نعتبرهم من أهل السنّة لا يجيزون لأنفسهم التفوّه بشيء من هذه الكلمات والمعتقدات، بل إنّهم من جهة التولّي بأهل بيت العصمة والتبرّي من زعماء الباطل والخلفاء الغاصبين، يذكرون في كتبهم وكلماتهم عبارات راقية جدّاً.

  • قصة أخرى عن المعممين غير الموالين

  • أيضاً ينقل المرحوم الوالد رضوان الله عليه قصة أخرى عن هذا الشخص، حيث يقول:

  • قبل انتصار الثورة الإسلاميّة في إيران، عندما ضاق الخناق كثيراً على نظام الشاه واشتدّ الحصار على حكومة الجبابرة، نتيجة اشتداد التظاهرات وعصيان الشعب الإيراني المسلم، قامت هذه الحكومة المستبدّة بإطلاق سراح عدد كبير من المساجين والموقوفين لديها، وكان من جملة المطلق

أسرار الملكوت ج۱

180
  • سراحهم علماء ومنادين بالحريّة من جميع فئات وطبقات المجتمع، وكان ذاك السيّد من جملة المُفرج عنهم. وقد ذهبت إلى منزله للّقاء به، حيث لم يكن منزله بعيداً عن منزلنا، وبعد مضيّ ربع ساعة رأيت أحد المعمّمين المعروفين بعقائده المخالفة تماماً لعقائد مدرسة التشيّع والمشهودة في كتاباته حيث ينكر حقائق العرفان والولاية ولديه نزعة شديدة إلى أفكار ابن تيميّة المعاند والمحارب لأهل البيت يدخل إلى ذاك البيت، وبمجرّد أن رآه صاحب البيت قام إليه واستقبله بشغف كبير وشوق زائد وعانقه كثيراً، بخلاف ما كان يستقبل به غيره من القادمين، وأمضى فترة في استقباله والترحيب به ثمّ أفسح له مجالًا للجلوس بجنبه، وشرع بالتحدّث معه والسؤال عن أحواله ومجاملته.

  • إنّنا نطلق على هؤلاء الأشخاص اسم الشيعة، في حال أنّه لا فرق بينهم وبين سائر المسلمين من أهل السنّة، إلّا في كيفيّة الأحكام فقط، بل حتى الأحكام التي يتمسّكون بها ليست مخالفة لهم في جميع الموارد.

  • وكمثال آخر على ذلك: أحد علماء أصفهان وكبارها آية الله السيد محمد باقر درچه اي، الذي نُقل عن المرحوم البروجوردي رضوان الله عليه مراراً أنّه كان يقول بحقّه: إنّه كان يعارض آراء الأئمّة عليهم السلام بشكل سافر.

  • والجدير بالذكر أنّ هذه المسائل المتعلّقة بالحطّ من مقام الإمام عليه السلام، لم تصل إلى حدّ غير مقبول في عرف المجتمع وثقافته، بل هي أمر مقبول إلى حدّ ما. وإلا فلدينا ما لا يحصى من كلمات وآراء غير لائقة،

أسرار الملكوت ج۱

181
  • صادرة عن علماء شيعة كبار في بيان موقعيّة ومنزلة أئمّة الهدى صلوات الله عليهم أجمعين.

  • زلّة قدم صاحب الجواهر في مورد علم النبي والأئمّة عليهم السلام

  • فمثلًا مرجع التقليد الكبير وركن الفقه والدراية في عصره المرحوم آية الله الشيخ محمد حسن صاحب كتاب «جواهر الكلام»، حيث يقول في باب الطهارة، الجزء الأول، صفحة 182، بعد نقله بعض الأخبار المتعلّقة بتحديد ماء الكر واختلافها فيما بينها:

  • ويُدفع أولًا بأنّ دعوى علم النبي والأئمّة عليهم السلام بذلك (في مسألة تحديد ماء الكرّ) ممنوعة ولا غضاضة، لأنّ علمهم عليهم السلام ليس كعلم الخالق عزّ وجلّ، فقد يكون قدّروه بأذهانهم الشريفة وأجرى الله الحكم عليه.

  • ومراده أنّه لا إشكال في عدم كون الإمام عالماً بهذه الأمور، لأنّ علمهم عليهم السلام ليس كعلم الله تعالى، لأنّ الأئمّة إنّما حكموا بهذا الحكم بواسطة ما حفظوه من روايات عن النبي الأكرم، ومن الممكن أنّهم قد اشتبهوا في نقلهم له، والحال أنّ الله تعالى قد جعل الحكم على أساس ذاك الحدّ الواقعي والنفس الأمري.

  • هذا الأمر عجيب واقعاً! ما هو الفرق بين هذا الكلام وبين كلام أهل العامّة بالنسبة لأئمتنا؟ والحال أنّ هذا الكلام صادر عن عالم لديه هذا التبحّر في الفقه والروايات. والمضحك من جهة أخرى، أنّه يقيس الذهن المبارك للإمام عليه السلام على الأذهان العاديّة للناس، ويعتبر أنّ الروايات والأحكام التي يرويها الأئمّة المعصومون عليهم السلام، كالحكايات والأخبار التي يذكرها عامّة الناس، وبما أنّنا نرى الكثير من الزلّات والاشتباه والسهو في نقل كلمات العلماء وتصحيف مطالبهم إلى ما شاء الله، فيجب أن يكون الأمر كذلك بالنسبة لكلمات الأئمّة عليهم السلام!

أسرار الملكوت ج۱

182
  • إنّ هذا لمضحك حقّاً؛ فهو لا يعلم أنّ ذهن الإمام عليه السلام ونفسه المقدّسة، بارتباطها المباشر بصقع الملكوت ومنبع الوحي الإلهي، تتلقّى الأحكام من نفس مبدأ الجعل والوضع وبعد ذلك يبيّنها للناس. لا أنّه ينقلها إليهم بنحو الحفظ والكتابة كما هو حال سائر الأشخاص الذين ليس لديهم حظّ من هذه النعمة واللّطف الإلهي الأعظم الذي منحه الله لأوليائه.

  • علم الأئمّة منبعث من العلم الإلهي غير المتناهي

  • إنّ هذا المطلب كبير جدّاً والدخول فيه سوف يحرف مسير بحثنا الطبيعي في هذا التأليف، لكن يمكن أن نشير إلى نموذج من الأخبار الواردة عن الأئمّة عليهم السلام التي تصرّح بأنّ لديهم إحاطة بجميع العلوم، وأنّ جميع علومهم متفرّعة ومتشعّبة عن العلم الإلهي المطلق واللامتناهي.

  • ففي رواية عن الإمام أبي الحسن علي بن موسى الرضا عليهما السلام حين نفى ابن هدّاب علم الغيب عن الأئمّة عليهم السلام استناداً إلى ظاهر هذه الآية الشريفة: عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً* إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ رَصَداً1.: (... نظر الرضا عليه السلام إلى ابن هدّاب فقال: إن أنا أخبرتك أنّك ستُبتلى في هذه الأيّام بدم ذي رحم لك كنت مصدّقاً لي؟ قال: لا، فإنّ الغيب لا يعلمه إلّا الله تعالى. قال عليه السلام: أوَ ليس الله يقول: عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً* إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ؟ فرسول الله عند الله مرتضى ونحن ورثة ذلك الرسول الذي أطلعه الله على ما شاء من غيبه، فعَلِمنا ما كان وما يكون إلى يوم القيامة. وإنّ الذي أخبرتك به يا ابن هدّاب لكائن إلى خمسة أيام فإن لم يصح ما قلت في هذه المدّة فإني كذّاب مفتر، وإن صح فتعلم أنّك الرادّ على الله ورسوله. وذلك دلالة أخرى، أما إنّك ستصاب ببصرك وتصير مكفوفاً

    1. سورة الجنّ، الآيتان 26- 27

أسرار الملكوت ج۱

183
  • فلا تبصر سهلًا ولا جبلًا، وهذا كائن بعد أيّام، ولك عندي دلالةٌ أخرى أنّك ستحلف يميناً كاذبة فتضرب بالبرص1.

  • وأيضاً نقل عن الإمام الجواد عليه السلام:

  • أنّه عندما تزوّج أمّ الفضل بنت المأمون، فدخل والستور (جمع ستر) تشال بين يديه، فما لبث أن خرج راجعاً وهو يقول: فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ قال: ثمّ جلس فخرجت أم جعفر (أخت المأمون) تعثر في ذيولها، فقالت: يا سيدي أنعمت علي بنعمة فلم تتمها، فقال لها: أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ إنّه قد حدث ما لم يحسن إعادته، فارجعي إلى أم الفضل فاستخبريها عنه. فرجعت أم جعفر فأعادت عليها ما قال، فقالت: يا عمة وما أعلمه بذاك؟ ... ثم قالت والله يا عمّة إنّه لما طلع علي جماله، حدث لي ما يحدث للنساء فضربت يدي إلى أثوابي وضممتها. قال: فبهتت أم جعفر من قولها ثمّ خرجت مذعورة، وقالت: يا سيدي وما حدثت لها؟ قال: هو من أسرار النساء فقالت: يا سيدي تعلم الغيب؟ قال: لا، قالت: فنزل إليك الوحي؟ قال: لا، قالت: فمن أين لك علم ما لا يعلمه إلا الله وهي؟ فقال: وأنا أيضا أعلمه من علم الله2.

  • وكذلك ما صرّح به أمير المؤمنين عليه السلام كراراً ومراراً في كلماته التي كان يلقيها على المنبر والمروية عنه عند الشيعة والسنّة، حيث كان يقول:

  • سلوني قبل أن تفقدوني، فإنّي بطرق السماء أخبر منكم بطرق الأرض (وما يجري في يوميّاتكم من المسائل العاديّة)3.

    1. بحار الأنوار، ج 49، ص 75.
    2. المصدر السابق، ج 50، ص 84.
    3. شرح غرر الحكم ودرر الكلم، ج 4، ص 148، رقم 5635. وقد أفرد العلّامة الطهراني لهذه المنقبة بحثاً مستقلًا في كتاب معرفة الإمام، ج 12، درس 177 إلى درس 180. وذكر لها مصادر من كتب العامة والخاصة.

أسرار الملكوت ج۱

184
  • وأيضاً الرواية المرويّة عنه عليه السلام أيضاً:

  • لولا البداء لحدّثتكم بما هو كائن إلى يوم القيامة1.

  • وكذلك ما ورد من الروايات الصريحة التي تبيّن أنّ المقصود من الآية الشريفة: وَ كُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ2 هم الأئمّة عليهم السلام3.

  • فمع التوجّه إلى هذه الروايات، كيف يمكن للإمام عليه السلام أن يشتبه ويخطئ في معرفة مسألة بسيطة كتحديد الماء الكر، والحال أنّ هذا الاشتباه سيوجب اشتباه الأمّة جميعاً وانحرافها عن الأحكام الإلهيّة ويؤدي إلى بطلان الطهارة والعبادة، وسيكون تأخيراً للبيان عن وقت الحاجة! وبطلان هذه الأمور من أبدَه البديهيات وأوضح الواضحات.

  • ومن العجيب أنّه وبعد مُضي ألف وأربعمائة سنة من ظهور الإسلام وتعاليمه وبيان حقائقه الرائعة من قبل أهل بيت العصمة عليهم السلام، يطرق سمعك مطالب تظنّ نفسك أنّك في السنوات الأولى لظهور الإسلام وبعثة الرسالة!!

  • وهنا يتّضح جيدّاً وجود نقصان وخلل في المسائل الاعتقاديّة والالتزام بمعارف المبدأ والمعاد، والاطّلاع على الحقائق الأصيلة لعرفان التشيّع وحقيقة الولاية وكيفيّة تنزّل مراتب الأسماء والصفات على قلب إمام الزمان الحيّ عليه السلام، وتلقّي الأنوار والإفاضات الإلهيّة من قبل نفس ولي الزمان.

  • وما دام لم يحصل للإنسان الاطلاع الكافي على سرّ هذه المعارف، فإنّه سيبقى في وادي الحيرة والضلال، وسيحرم من منابع أنوار اليقين

    1. الإحكام في أصول الأحكام، ج 3، ص 102.
    2. سورة يس، من الآية 12.
    3. بحار الأنوار، ج 35، ص 427، باب أنّه عليه السلام هو الإمام المبين.

أسرار الملكوت ج۱

185
  • والمعرفة، حتّى لو قام بتعريف شخصيّة الأئمّة بعبارات لطيفة وبيّنها عبر إظهار المزيد من التقديس لهم والتواضع أمامهم، وذلك لأنّ الإنسان إذا لم يطّلع على جوهر معرفة الولاية ويتذوّق سرّ عالم الوجود الذي هو حقيقة ولاية الأئمّة المعصومين عليهم السلام من خلال الدرس والبحث والتدبّر والتحقيق في مجال الفلسفة والعرفان والدخول في وادي المراقبة والرياضات واتّباع طريقة أولئك العظماء بشكل كامل والاشتغال بذكر الله والعمل على تصفية الباطن والسرّ فسوف يكون الأمر كما نشاهد، مهما كان هذا الإنسان متبحّراً في سائر العلوم وضليعاً في مختلف الفنون.

  • سؤال العلامة الطهراني عن رواية «من مات ولم يعرف إمام زمانه، وجواب العلامة الطباطبائي

  • يقول المرحوم الوالد رضوان الله عليه:

  • عندما كنّا مشغولين بالتتلمذ والدرس على يد وحيد عصره ومهذّب النفوس ومربّيها الأستاذ العلّامة الطباطبائي قدّس الله رمسه، سألته يوماً عن المقصود والمراد من هذه الرواية المشهورة: من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهليّة1.

  • فأجاب: المراد منها هو إدراك حقيقة ولاية الإمام، وإلا فبمجرّد الاطلاع على الاسم والنسب والكنية والألقاب، ومعرفة الأب والأم والعشيرة وسنة الولادة وسنة الوفاة .. لا تتحقّق المعرفة المطلوبة.

  • ثمّ قال: إنّ معرفة الإمام عليه السلام الواقعيّة وإدراك مسألة الولاية منحصرة بسلوك مسلك العرفان الإلهي خاصّة، ومرهونة فقط باتّباع طريق العلماء الكبار من أهل المعرفة،

    1. كمال الدين وتمام النعمة، ج 2، ص 409.

أسرار الملكوت ج۱

186
  • دون غيره من الطرق، وفي غير هذه الحالة لن تحصل أيّ معرفة أبداً.

  • وهذه المسألة، ليست مختصّة بالناس العادييّن وعوامّ المجتمع، بل هي شاملة لجميع الأشخاص حتّى لو كانوا من أهل العلم، فما دامت حقيقة الولاية غير متحقّقة في وجودهم لا فقط في فكرهم وخيالهم فسيكونون مشمولين لهذا الخسران والحرمان. إلّا أن يكون كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: ومتعلمٌ على سبيل نجاة1، فما دام الإنسان قد وضع نفسه في مسير النجاة والهداية، واهتدى بواسطة إنسان خبير عالم بالطريق الموصل إلى الله والمصالح والمفاسد، ومشرف على الضمائر والنفوس، ومطّلع على الغيب والشهود، وواصل إلى مرتبة مجاري الأحكام، وحائز على رتبة الجمع بين الوحدة والكثرة وتنفيذ مرتبة ملاكات الأحكام الفعليّة والتنجيزيّة الذي يُعبّر عنه بالعارف الكامل والسالك الواصل والحائز على أعلى مراتب التجرّد والفناء والباقي ببقاء الله في مراتب الكثرات ... ما دام الإنسان قد وضع نفسه في هذا الموضع فلن يتوجّه إليه أيّ خطر في الضياع والضلال.

  • الاشتغال بالأمور الدنيوية دون الارتباط بالولي الكامل يؤدي إلى الانحراف

  • قال المرحوم الوالد رضوان الله عليه يوماً:

  • إنّ الدخول في المسائل الدنيويّة والاشتغال بأمور الناس ومتابعة مشاكلهم وإصلاح أحكامهم ومسائلهم الاجتماعيّة، إذا لم يكن متّصلًا بالوليّ الكامل وبإرشاد منه وإجازة تامّة لجميع تصرّفاته وأعماله، فسوف يُبتلى هذا الشخص بالانحراف والاعوجاج عن الطريق، وسوف يسقط من حيث لا يعلم في وادي النفس والجهالة والأنانيّة، وسيفقد حالة الانبساط والنشاط والإخلاص والصفاء التي يمتلكها شيئاً فشيئاً بسبب

    1. نهج البلاغة، ج 4، ص 35.

أسرار الملكوت ج۱

187
  • الانغماس في الانشغال اليومي والمجاملات والمدح والثناء والتملّق، وبعد مضيّ فترة زمنيّة سيجد في نفسه تحوّلًا وتبدّلًا بحيث لا يبقى أيّ أثر لذاك الصفاء والإخلاص والطمأنينة والهدوء في نفسه والإعراض عن الدنيا وأمورها، وغيرها من الصفات التي كان يتحلّى بها. وسوف يعمل الشيطان على تزيين وتوجيه الأمور والأعمال في نفس هذا الإنسان، وإضفاء الصبغة الإلهيّة عليها ووصمها بعنوان خدمة الناس ومساعدة الضعفاء والمحتاجين وإحقاق الحقّ وإماتة الظلم وإبطاله، والحال أنّه يسند هذه الأمور كلّها إلى الأنانيّة والنفس.

  • لكن هذا المسكين لا يعلم كيف أضاع رأسماله الأصلي والموهبة الإلهيّة الحقيقيّة، التي هي عبارة عن الصفاء والإخلاص والإعراض عن الدنيا وما فيها والإعراض عن سائر التعلّقات الأخرى بجميع ظروفها وأشكالها المختلفة، وأشغل نفسه بأمور جانبيّة مُلهية، وفي النهاية بدّل ذاك الجوهر الرفيع والدرّ الثمين الذي هو عبارة عن رأسمال الاتصال والتعلّق بالذات المقدّسة للحقّ تعالى وعوّضه بالقشر والصدف، وأَنِسَ بتزوير النفس الأمّارة وتبريرها سيره مسيرة الاعوجاج هذه، حتّى وصل به الأمر إلى مكان مسدود لا مجال معه للعودة؛ فقد سُلب منه التنبّه والصحو ممّا هو فيه، وتعطّل هبوط المنبّهات الجلالية على نفسه وخسر التذكير الإلهي، وصار مصداقاً للآية الشريفة: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَ عَلى سَمْعِهِمْ وَ عَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ*1، أي أنّ

    1. سورة البقرة، الآية 7.

أسرار الملكوت ج۱

188
  • الله ختم على قلوبهم وعلى سمعهم وأبصارهم خَتْم البطلان والتعطيل، وألقى عليهم حجاب الغفلة والجهل والضلالة، وحرمهم من رحمة الهداية والاستبصار والرشد والتكامل، وفي يوم القيامة سيكون بانتظارهم عذاب شديد وأليم. وهؤلاء وإن كانوا من أعوان الظلمة في بداية الأمر، إلّا أنّهم بعد اجتيازهم مراحل النزول والاستدراج هذه سيتبدّلون إلى أعيان الظلمة.

  • انتهى كلام المرحوم آية الله الوالد رضوان الله عليه.

  • عدم الاستقامة في طريق الحقّ موجب للبعد عن المسير القويم

  • أذكر أنّه في ليلة من ليالي شهر رمضان المبارك ذهبنا مع المرحوم آية الله الوالد المفدّى قدّس الله رمسه، للإفطار في بيت أحد علماء طهران المعروفين والبارزين والمشهورين بالتقوى، والذي كان أيضاً من التلاميذ السلوكيّين للمرحوم الوالد. وكانت تلك الليلة مباركة جداً، حيث تمّ فيها طرح الكثير من المطالب المفيدة والتي لم أكن سمعتها منه قبل ذلك، وفي أثناء الكلام، قال ذاك العالم المحترم:

  • عندما كنت مشتغلًا بتحصيل العلوم الإلهيّة والدروس الحوزويّة في قم، علمت بأنّ أحد العلماء العظام قرّر أن يعطي في بعض أيّام الأسبوع درساً في الأخلاق لبعض طلّابه الأتقياء والأوفياء، وبما أنّي كنت أشعر في نفسي بشوق شديد اتجاه الأمور الأخلاقيّة والسلوكيّة والتربويّة فقد قررّت حضور هذا الدرس، وكان درساً مفيداً جدّاً ومؤثّراً ومنبّهاً كثيراً، بحيث أنّ جميع الذين كانوا يحضرون ذاك الدرس كانوا ينفعلون ويتأثرون من كلمات ذلك العالم الكبير، ويخرجون من درسه ممتلئين بهجة ونشاطاً ومتأثّرين من نزول الرحمة الإلهيّة على قلوبهم، وكانوا يتلهّفون خلال الأسبوع لحلول موعد الدرس اللاحق كي ينهلوا منه، ولم أكن أنا مُستثنى من هذه القاعدة، حيث

أسرار الملكوت ج۱

189
  • كان فكري وذكري مشغولًا أثناء الأسبوع بما كان قد طُرح من مطالب في جلسة الأخلاق هذه، وكنّا نتحدّث مع الأصدقاء حول هذه الجلسة وآثارها.

  • وبعد مضي سنوات على هذا الموضوع، طرأت بعض المسائل على الحياة العلمية والاجتماعية لذاك العالم ومدرّس الأخلاق، فانخرط في الأمور الاجتماعية وغيرها؛ فمن جهة ازداد اشتغاله في المطالعات اليوميّة واهتمامه في بحث الأمور السياسيّة والاجتماعيّة، ومن جهة أخرى شرع في التصدّي لشؤون المرجعيّة والزعامة الدينيّة من أمور الفتوى والتقليد والعلاقات مع الناس وسائر فئات المجتمع، ممّا أدّى إلى خروجه شيئاً فشيئاً من جوّ تلك الأبحاث والمجالس والدروس والمراقبات ودخوله في عالم آخر مختلف.

  • ثمّ قال: ذهبت في أحد الأيّام إلى ذاك العالم وتحدّثت معه حول ما كان يطرحه في تلك الأيام من المطالب، وتكلّمنا بشكل عام عن الآثار والنتائج المفيدة التي تركتها تلك الجلسات، وتذكّرنا تلك المرحلة وتحسّرنا على توقفها وتأسّفنا على حرماننا منها. عندها قال ذاك العالم: عندما أنظر الآن فيما كتبته وألقيته في ذاك الزمان لا أكاد أصدّق أنّ هذه المطالب قد خرجت منّي. وكأنّ هناك فاصلًا كبيراً جدّاً قد وُجد بيني وبين تلك الحالات والأفكار، حتّى أصبحت لا علاقة لي بتلك المطالب التي كانت، وكأنّ هناك شخصيّة جديدة قد وُلدت وظهرت خصائص وحيثيّات غير تلك التي كانت سابقاً.

  • فقال المرحوم الوالد رضوان الله عليه: هذا نتيجة عدم الاتصال بالأستاذ وعدم إشرافه الكامل على جميع أموره؛ سواء كانت من الأمور العلميّة أو الاجتماعيّة أو الإلهيّة أو الدينيّة أو السياسيّة أو المدنيّة.

  • ومن باب الصدفة، فإنّ هذا العالم وهذه الشخصيّة المحترمة راوي

أسرار الملكوت ج۱

190
  • هذه القصة كان أيضاً مشمولًا لهذه المسألة، حيث لم يستطع أن يستفيد بالشكل المطلوب من خلال معاشرته للأستاذ الكامل والتتلمذ عند الولي المرشد. وإن كانت آثار تلك المعاشرة قد ظهرت في أواخر عمره للجميع، فقد أثار التحوّل والتبدّل في أفكاره وشخصيّته أسئلة عند الكثير من الأشخاص الذين كانوا على علاقة وطيدة معه.

  • وكنت أنا شاهداً على أنّه في أوائل علاقته بأستاذه الكامل وفي أواسط هذه العلاقة، كان يأخذ الإجازة والتكليف من أستاذه للخوض في المسائل الاجتماعيّة والنشاطات الدينيّة والاجتماعيّة، وكان أستاذه برعايته الأبويّة المشفقة يهديه ويرشده إلى الطريق الأحسن والممشى الأفضل. لكنّه في أواخر عمره، قلّت علاقته السلوكيّة بالأستاذ الكامل شيئاً فشيئاً نتيجة الدخول في بعض المسائل وإعمال سليقته وآرائه الخاصّة في بعض الأمور وعدم التسليم للأستاذ والتعلّق به الذي هو شرط أساسي للتربية والإرشاد وأخذ المعونة بالشكل المطلوب، وفي الوقت نفسه قام أستاذه أيضاً بتغيير كيفيّة علاقته به شيئاً فشيئاً، وللأسف فقد صارت تلك المساعدات والإرشادات تُرى بشكل أقلّ ممّا كانت عليه. ومع ذلك لم يستطع هذا الولي الكامل والأستاذ العطوف أن يحرم هذا التلميذ المستعدّ والعالم المحترم والمتّقي من فوائده وفيوضاته، بل كان يقتنص الفرص لإرشاده إلى الطريق المستقيم والسبيل المُرضي لله تعالى.

  • إنّنا وإن كنا قد استطردنا وخرجنا عن أصل بحثنا، لكن رأينا أنّه من الحيف أن نختم المسألة بشكل ناقص عند هذا الحدّ، وأن نصرف النظر عن الاستمرار في سرد علاقة هذا الأستاذ الكامل بتلميذه العزيز، حتّى يكون ما ذكرناه عبرة لنا وللآخرين.

  • الآثار الخطيرة لاختلاف زعماء الدين في المجتمع

  • بناء على ما في ذهني أنّه في أواخر سلطنة عائلة بهلوي وحكومتهم

أسرار الملكوت ج۱

191
  • الظالمة، حيث أدّت شرارة التبديل والتغيير التي أجرتها الحكومة في المجتمع إلى إشعال نار الغضب الإلهي بين المسلمين الإيرانيين، ممّا أدّى إلى تزلزل بناء الظلم واضمحلاله .. وفي هذا الوقت قام أحد المراجع المعروفين والمحترمين في إيران بالسفر لزيارة العتبات المقدّسة في العراق، وكان ولا يزال عُرْفُ المعاشرة والسيرة المتداولة عند العلماء المقيمين في البلاد المقدّسة قائماً على أن يأتوا لزيارة العالم القادم إلى هذه البلاد، وكانوا عادة يعيّنون يوماً لهذا الأمر فيجلس ذاك العالم ويستقبل الآتين لزيارته، لكنّ أحد علماء النجف المعروفين من الأجلّة والأتقياء ابتلي في هذا الوقت بمصيبة فقدِ ولده الذي كان بدوره من أجلّة العلماء والأتقياء، ومن الطبيعي أنّه في مثل هذه الحالة تختلف المسألة عن الأمر المتعارف، ويصير الرسم أن يذهب الزائر لتعزية صاحب المصيبة. لكن للأسف لم يتم هذا الأمر بسبب بعض الاعتبارات الأخرى، فلم يذهب ذاك العالم لتعزية صاحب المصيبة ولم يأت صاحب المصيبة لزيارة القادم، وقد أوجبت هذه المسألة حصول تشويش واضطراب في المجالس والمحافل، وحصل قلق حقيقي لدى العلماء الغيورين من نتائج ومضاعفات هذه الواقعة، وخافوا من أن تُستغل تلك الحادثة من قبل رجال الدولة والحكومة وتكون مدعاة لسرورهم، وفعلًا تمّ الاطلاع من مصادر مقرّبة من الحكومة أنّها لم تُخف فرحها وسرورها بما وقع في هذه الحادثة، خصوصاً في هذه الموقعيّة الحسّاسة التي نحتاج فيها أكثر من أي وقت مضى إلى اجتماع وحدة الكلمة في المجتمع الإسلامي والبعد عن الاختلاف وإبراز الآراء الشخصيّة والطبائع المختلفة.

  • وفي هذه الأثناء كنت مع الوالد رضوان الله عليه مدعويّن في بيت أحد المراجع والعلماء الأتقياء في قم لتناول الغداء، ولدى دخولنا التفتنا إلى أن ذاك العالم العطوف والمتّقي الذي روى قصته مع مدرّس الأخلاق، والذي

أسرار الملكوت ج۱

192
  • كان أيضاً من التلاميذ السلوكيّين للمرحوم الوالد رضوان الله عليه كان مدعوّاً أيضاً، ومن الطبيعي أنّه كثر الحديث في هذا المجلس عن عدم ذهاب المرجع الذي أتى إلى النجف للزيارة، لتعزية ذاك المرجع المقيم الذي فقد ولده، ولم يُخفِ الجميع تأسّفهم وقلقهم من وقوع هذه الحادثة المؤسفة والخطيرة. وخصوصاً هذا العالم، فقد قام بالإلحاح مراراً على صاحب المنزل والإصرار عليه كراراً كي يجري اتصالًا بالنجف ويتكلّم مع ذاك المرجع الزائر ليحثّه على الذهاب لزيارة المرجع المقيم وتعزيته، وعلى ما أذكر أنّه كرّر المطالبة خمس أو ست مرات مع ذكره للآثار الخطيرة لهذه المسألة.

  • لكن من جهة، لم يكن صاحب المنزل يرى المصلحة في إجراء الاتصال، لتوجّهه إلى ملاحظة بعض المسائل والجهات الأخرى، وكأنّه لم يكن يرى الأرضيّة والجوّ مناسباً لطرح هذا الموضوع أبداً، وكان يعتبر أنّ الإقدام على مثل هذا الأمر مشكل.

  • ومن جهة أخرى يرى الإصرار الزائد لذاك العالم على إجراء الاتصال، ممّا جعله تحت محظور ردّ طلب الضيف ورفض دعوة أحد العلماء، فقام بالموافقة على إجراء الاتصال بعد إقدامه على الاستخارة، لكن في هذه الأثناء وصل خبر مفاده أنّ ذاك المرجع الزائر قد غادر النجف متوجهاً إلى كربلاء والكاظميّة، وبقي جواب الاستخارة بدون نتيجة ولا طائل.

  • وكنت في ذاك المجلس جالساً بجانب المرحوم الوالد رضوان الله عليه، فرأيته أدار برأسه نحو ذاك العالم الذي كان من تلاميذه وهمس في أذنه قائلًا: لو كنت أنت مكان ذاك العالم المرجع المقيم في النجف ماذا كنت تفعل؟ فأجابه فوراً: قطعاً كنت ذهبت أنا لزيارة المرجع الزائر!! فأظهر المرحوم الوالد رضاه من هذا الجواب واكتفى بذلك.

أسرار الملكوت ج۱

193
  • أكتفي بهذا المقدار من البيان ولا أدخل في توضيح أكثر، وعلى القارئ المحترم أن يقف بنفسه على أسرار هذه القضيّة ونكاتها، والرموز المهمّة لهذه القصّة؛ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ.

  • طبعاً الحقير أيضاً متحسّر جداً كما هو حال الكثير من الأشخاص من تضييع الفرص الثمينة وعدم الاستفادة من معاشرة هذا الجوهر النادر والإكسير الثمين، والحديث معه ومجاورته بالشكل المطلوب، ونطلب من الله تعالى أن يمنّ بلطفه العميم على هذا المحروم النادم، وأن لا يحرمه من النفحات القدسية والأنفاس الطاهرة لذاك العالم الكبير، وأن يصرف عمره برضاه وإمضائه، آمين.

  • إنّ العديد من الناس وحتى من أهل العلم الذين كان لهم علاقة مع هذا الأستاذ الكبير واستفادوا منه بضعة أيّام، قد ابتعدوا عنه وانحرفوا شيئاً فشيئاً ووضعوا مسألة الإطاعة والاتباع جانباً، وذلك نتيجة ظهور بعض الأمور الخاصّة وعدم تطابق ما يريده منهم وما هو الصلاح لهم، مع ما يريدوه هم لأنفسهم وما يتوافق مع أهوائهم الخاصة، وكثيراً ما لم تكن الأمور تنتهي عند هذا الحدّ، بل كانوا ينسبون إليه بعض المطالب بوقاحة وجهل، حتّى وصل الأمر ببعض هؤلاء الأفراد أن يقول: إنّ جميع هذه المسائل والمطالب التي يطرحها وكيفيّة العلاقة بينه وبين تلاميذه قائمة على أساس المنافع الدنيويّة، لا على أساس الوقائع والحقائق، نعوذ بالله من الجهل والضلالة.

  • أذكر أنّه عندما حصلت حادثة لأحد تلاميذه المحترمين وأدّت إلى وفاته وانتقاله إلى رحمة الله، وحين التقى المرحوم الوالد بالأستاذ العظيم الشأن والعارف بلا بديل والإنسان الكامل الحاج السيد هاشم الحدّاد قدّس الله تربته الزكيّة في سورية، قال له: لماذا لم تنصح فلاناً بعدم الدخول في بعض

أسرار الملكوت ج۱

194
  • المسائل وتأمره أن ينأى بنفسه عن الاشتغال بهذه الأمور، كي لا يحصل له ما قد حصل؟

  • فقال له المرحوم الوالد رضوان الله عليه: لو نهيته عن الدخول في هذه الأمور لم يكن ليطيعني، لذا لم أرد أن أدخله في مخالفة صريحة وتجرؤٍ على الأوامر والنواهي الإلهيّة فيتلقّى عواقب سيّئة نتيجة ذلك. عندها هزّ المرحوم الحدّاد رأسه وقال: لقد كان كمَثَلِ التفاحة التي سقطت عن الشجرة قبل أوانِ نضوجها.

  • انجرار الناس وراء أهوائهم بعد النبي وتركهم مبايعة أمير المؤمنين لعدم استقرار الإسلام في نفوسهم

  • لقد ابتعدنا بعض الشيء عن المطلب الذي كنّا فيه، فقد كان البحث في اختلاف مراتب النفس بتلقّي المسائل وكيفيّة قبولها وميزان رسوخ المباني في النفس. وحقيقة هذه المسألة تتّضح بإلقاء نظرة على تاريخ صدر الإسلام وتقييم معاملة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم مع المسلمين ومعاشرته لهم، وبعدها نصل إلى هذه الحقيقة: وهي أنّه كيف يمكن لجماعة عاشرت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وسمعت وشاهدت منه يوميّاً الكرامات والمعجزات وتلقّي الوحي من قبل الله وإبلاغه للناس، وسمعت كلماته المعجزة وجميع الوسائل التي تمهّد للهداية والاهتداء والاقتداء به، لكن في الوقت نفسه نراهم بمجرد ارتحاله عنهم وغيبته الظاهريّة والجسديّة، ووجود المظهر الإلهي الأتمّ وباب علم النبي الذي كان على مرأى ومسمع جميع من كان وقتئذٍ والذي يعترف ويذعن الجميع بفضله .. نراهم يخرجون عن دائرة الخضوع والتسليم ويُدخلون أنفسهم ضمن دائرة النفس الأمّارة وسيطرتها وتغليب الاحساسات والأهواء الاعتباريّة والمجازيّة، ويتخلّون دفعة واحدة عن ولي الله والحجّة بالحقّ والخليفة بلا فصل بعد الرسول الأكرم علي بن أبي طالب، ويرجّحون اتّباع بعض الرجال الذين لا يعرفون الله، وحفنة من

أسرار الملكوت ج۱

195
  • الناس الجاهلين الذين لا دين لهم إرضاءً لأهوائهم وأمانيهم على اتّباع أوامر الحقّ المطلق والانصياع له.

  • ألم يكن هؤلاء يلتقون يوميّاً بالنبي، وكانوا يشاهدون الآيات الباهرة والحجج الساطعة والبراهين الواضحة بشكل دائم، وكانوا يتنافسون على التقاط ماء وضوء رسول الله تبركاً وتيمّناً به، وكانوا قد استقبلوا رسول الله معاً بالترحيب والثناء والفرح وقراءة أشعار:

  • طلع البدر علينا***من ثنيّات الوداع 1

  • ألم يسمعوا كلام رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم الصريح حول أمير المؤمنين عليه السلام في غدير خمّ وفي سائر الأيّام والمناسبات المختلفة؟ لكنّهم بعد ارتحال هذا الرسول أوكلوا كلّ هذه الأمور إلى النسيان، لماذا؟ لأنّ هناك فرقاً شاسعاً جدّاً بين مشاهدة الإنسان وسماعه وعلمه وبين قبول نفسه واطمئنانها وطمأنينتها.

  • ارتدّ الناس بعد النبي إلا ثلاثة

  • وقد ورد في الروايات عن الأئمّة عليهم السلام: ارتدّ الناس بعد النبي إلا ثلاثاً؛ المقداد بن الأسود وأبو ذر الغفاري وسلمان الفارسي، حتى أنّ الراوي سأل الإمام عليه السلام عن عمّار، فقال: لقد تأمل عمّار، ثمّ رجع والتحق بعلي عليه السلام2. وفي بعض الروايات أنّ عمّاراً توقّف وفكّر من الصباح حتّى العصر ثمّ التحق بعد ذلك بأمير المؤمنين3.

  • فهل يمكن أن نقول إنّ عمّاراً كان سنّياً في ذلك اليوم ثمّ صار شيعيّاً؟ أو أنّ المسألة كانت خارجة أساساً عن دائرة التشيّع والتسنّن؟ فمسألة الخلافة في ذلك الزمان لم تكن مطروحة بعنوان أنّها مسألة عقديّة وإلزام ديني كما هو المتعارف عليه اليوم بين الشيعة، بل كانوا ينظرون إليها

    1. المناقب، ج 1، ص 227.
    2. الاختصاص، الشيخ المفيد، ص 6.
    3. المصدر السابق، ص 10.

أسرار الملكوت ج۱

196
  • بعنوان كونها مسألة حكوميّة واجتماعيّة وإجرائيّة. لكن بعض المسلمين وهم الذين نسمّيهم شيعة وأصحاب الإمام علي عليه السلام، كانوا يعتبرون هذه المسألة أمراً حتميّاً وإلزاميّاً من قبل الله لا يمكن رفعه ولا تغييره أو تبديله، بل دون أن يؤخذ نفس رأي الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم وتشخيصه في ذلك، والحقّ واقعاً كذلك لا غير. وفي المقابل هناك جمع آخر من المسلمين يعتبرون المسألة مجرّد انتخاب الأحسن واختيار الأصلح بين المسلمين، ويرون أنّ الخلافة عبارة عن أمر إجرائي وحكومتي صرف، كما هو المشاهد في احتجاجات أمير المؤمنين عليه السلام مع الصحابة بعد ارتحال رسول الله، حيث قال له بعض الصحابة: يا علي! إذا أخذوا حقّك فدعهم وشأنهم ولا تتعرّض لهم وتجاوز عن ذلك الحقّ. أو قولهم لقد حصل ما حصل ولا فائدة بعد هذا الأمر من الكلام في هذا الموضوع.

  • فقال أمير المؤمنين عليه السلام في الجواب:

  • كيف تركتم النصّ الصريح لله ولرسول الله جانباً، ونصّبتم شخصاً آخر غير ما اختاره الله ورسوله؟!

  • فقالوا له: لقد بايعنا ولا يمكننا نقض البيعة1.

  • عدم الإدراك الصحيح لمسألة الوصاية موجب للانحراف عن أساس الشريعة

  • أنظر إلى هؤلاء القوم كيف واجهوا أهمّ مسألة من مسائل الدين وأهمّ ركن من أركانه ببساطة وفتور، وتعاملوا معه دون اعتناء وكأنّ شيئاً لم يكن قد حصل، أو أن حقيقة لم تنقلب باطلًا، وكأنّ أصلًا من أصول الدين لم يتغيّر، وكأنّ السامري لم يجلس مقام موسى ولم يحرّف أساس شريعته ويبتدع البدع والضلال. فإنّهم يعتبرون أنّ ما حصل هو عبارة عن تغيير بسيط في كيفيّة إدارة الحكومة وطريقة إجراء الأحكام فيها فقط لا غير.

    1. الإمامة والسياسة، ص 12.

أسرار الملكوت ج۱

197
  • لكنّ الواقع أنّ جميع هذه الأمور والمخالفات إنّما حصلت بسبب عدم الإدراك الصحيح لمسألة الزعامة والوصاية في الإسلام، ومرجعها إلى عدم الاطّلاع الصحيح على الدين والشرع والوحي وكيفيّة اتصال العبد بالمبدأ الأعلى وكيفيّة سلوكه وحركته من عالم النفس إلى عالم الغيب ورفع حجبه الظلمانيّة والنورانيّة وتبديل الاستعدادات والفعليات والوصول إلى مرتبة التوحيد والتحقّق بحقيقة أسماء الله وصفاته.

  • لذا يلاحظ أنّ المسلمين تخلّوا بسهولة عن زعامة أمير المؤمنين عليه السلام وخلافته واستعاضوا عنها دون أي خوف بحكومة أصحاب اللحى البيضاء ورئاستهم أمثال أبي بكر وعمر وغيرهما، وبعد مدّة خمس وعشرين سنة من حكومة الخلفاء الثلاثة ورؤية جميع هذه الفجائع والانحرافات والتسلّط على بيت المال وتفضيل العلاقات والمنافع الشخصيّة على الموازين والضوابط الإسلاميّة، يذهبون إلى أمير المؤمنين عليه السلام، لكن أيّ ذهاب هذا؟! ذهاب هو أسوأ مائة مرة من عدم الذهاب، ومصيبته أشدّ وأعظم. فأمير المؤمنين عليه السلام ليس شخصاً كسائر الأشخاص الذين تنحّوا جانباً بناء على ما تمليه عليهم أهواؤهم وميولهم النفسيّة، أو أن يكون مقصوده من الحكومة هو الوصول إلى الرغبات الذاتيّة وإشباع الميول النفسيّة والوصول إلى اللذّات الدنيويّة الدنيّة والتصدّي للرئاسة، كما هو حال سائر الناس. فأمير المؤمنين لم يكن يعتبر أنّ الحكومة هي الأصل في الحياة الدنيا، بل لم يكن يسعى أبداً أو يهدف للوصول إلى هذا المنصب، ولن يختلج في سرّه أبداً كلام ككلام الخليفة الغاصب هارون مع ابنه المأمون، حينما قال له: الملك عقيم1، (أي إنّ الحكومة لا تعرف الحسب والنسب). فهيهات هيهات أن تتلوّث ساحة قدس أمير المؤمنين

    1. عيون أخبار الرضا، ج 2، ص 86.

أسرار الملكوت ج۱

198
  • وكبريائه بغبار هذه التخيّلات والأفكار، أو أن تهبط عنقاء عرشه المحلّقة عالياً إلى أوهام عالم المادّة وأفكار الماديّين. وكما قال حافظ الشيرازي:

  • ترا ز كنگره عرش مى زنند صفير***ندانمت كه در اين دامگه چه افتاد است 1

  • فأمير المؤمنين لاجئ إلى قلعة العرش وساكن فيها، ليس لأحد ممّن خالفه كطلحة والزبير ومعاوية وعمرو بن العاص والخلفاء الغاصبين أيّ خبر عن عيشه وعشرته في ساحة الحقّ وحريم الجمال والمقام المنيع؛ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ2. فهؤلاء المساكين يتصوّرون أنّه يعيش في أوهامٍ وأفكار نظير الأوهام والأفكار التي يعيشون فيها، ويسعى للوصول إلى اللذّات والرئاسة والتسلّط على الرقاب وأخذ زمام أمور الناس كما يسعون هم، عندها يقفون منه موقف المعارض ويتخيّلون أنّهم يمنعونه من الوصول إلى السلطة ويحرمونه من الخلافة، ويملؤون أنفسهم معاندة في سبيل الوصول لهذا الهدف، فهنيئاً لهم على هذا الجهل وعدم العلم الذي هم فيه!!

  • إنّ حال مولانا أمير المؤمنين عليه السلام يحكيه كلام الخواجة الشيرازي:

  • من كه ملول گشتمى از نفس فرشتگان***قال ومقال عالمى مى كشم از براى تو 3

  • أيّها الجاهلون وناقصو الحظ! لقد ظننتم أنّكم إذا غصبتم الخلافة والزعامة من صاحب الحقّ الأصلي، وحرمتم الناس من الوصول لنيل

    1. ديوان حافظ الشيرازي، ص 10، غزل 16.
      والمعنى: يأتيك النداء من فوق العرش: أنا لا أعلم كيف وقعت في شراك هذه الدنيا.
    2. سورة القمر، الآية 55.
    3. ديوان حافظ، 190، غزل 417. والمعنى: أنا الذي صرت ملولًا من أنفاس الملائكة، تحمّلت لأجلك كلام الناس جميعاً.

أسرار الملكوت ج۱

199
  • السعادة العظمى وصلاح الدنيا والآخرة تكونون قد وصلتم إلى مبتغاكم وهدفكم؟! كلا! فيجب عليكم أن تسيروا سنوات طويلة مع تحمّل آلاف المشاقّ والزحمات وتتوجّهوا إلى هذه الكعبة الواقعيّة وحريم أمن الحقّ وأمانه، وتكحّلوا أعينكم بتراب هذه العتبة المباركة الذي هو بمنزلة الكيمياء النادر وإكسير الحياة، لكن من غير المعلوم أن يُسمح لكم بالوصول إلى ذلك؛ جلّ جناب الحقّ عن أن يكون شريعةً لكلّ وارد1.

  • فجميع الأنبياء أولي العزم والمرسلين وجميع الأولياء والصدّيقين يمدّون يد الحاجة إلى هذه العتبة المقدّسة ويستمدّون منه لرفع مشكلات وموانع طريقهم وسلوكهم والانتقال إلى فعليّة الاستعدادات والوصول إلى حريم القرب الإلهي. ومع ذلك يأتي بعض الناس الذين لا يعلمون شيئاً واتّباعاً منهم لأهوائهم الشهوانيّة وآرائهم النفسانيّة على ظلمه والنيل منه، ويظنّون أنّهم بفعلهم هذا يسلبون عنه زعامته ويجلسونه في داره بعيداً عن التصدي للمشاكل الاجتماعيّة الجارية، غافلين عن أنّه هو الذي طلب من الله تعالى أن يبقى قعيد المنزل، ولا يُضيع شيئاً من وقته مع هؤلاء الأنام الذين هم كالأنعام، والذين لم يجلبوا له سوى وجع القلب والمصائب بعد المصائب. وفي ذلك يخاطب أمير المؤمنين عليه السلام أصحابه ومحبّيه في نهج البلاغة:

  • والله لدنياكم هذه أهون في عيني من عراق (أمعاء وأحشاء) خنزير في يد مجذوم (أي إنسان أبرص).2.

  • هؤلاء القوم هم الذين خانوا الإمام الحسن المجتبى عليه السلام بعد استشهاد أمير المؤمنين عليه السلام، وسلّموا زمام الحكومة الإسلاميّة إلى معاوية وجعلوها كالعبد الرقّ تحت اختياره وسلطته.

    1. الإشارات والتنبيهات، ج 3، ص 394.
    2. نهج البلاغة، ج 4، ص 52

أسرار الملكوت ج۱

200
  • تقييم الأمور في هذا العصر قائم على الحدس والظن كما كان في السابق

  • طبعاً تجدر الإشارة إلى أنّ الأمور في هذه الأياّم كذلك، وهناك شواهد عديدة وقرائن كثيرة تحكي كلّها وجود اتّحاد في الموضوع، مع اختلاف في الظروف والشروط وأنه لم يتغير ولم يتبدّل إلا الفترة الزمنية السابقة فقط، أما الملاكات فهي واحدة والغايات متّحدة لا تختلف عمّا كانت عليه في السابق.

  • إنّ طريقة تفكير البشر في هذه الأيّام وكيفيّة تقييم الأمور وضبط القيم وترتيب المقدمات والحصول على النتائج، وميزان تدخّل الإحساسات في الحصول على قياسات واهية واتّباع الظنّ والحدس والخيال، وتغلّب هذه الخيالات على العقل والدراية والتفكير المتقن .. كلّ ذلك موجود الآن كما كان موجوداً في السابق.

  • فحركة الناس القائمة على أساس إبراز الكمّيّة لا الكيفيّة وقبول الإشاعات دون تحقيق، ووضع القوى المميّزة تحت اختيار القوى الواهمة والخياليّة والسير على غير هدى .. كلّ ذلك لا يحتاج إلى بيّنة وبرهان.

  • إنّ تعيين مسار الحياة على أساس إبراز التصوّرات والأوهام، وإثبات القيم وفقاً للتخيّلات، وإيجاد الصور الموهومة في عالم النفس والمثال وعكسها على الأمور الخارجيّة، يعتبر دليلًا على هذه النكتة الدقيقة والمهمّة جدّاً، وهي أن الإنسان لا يزال في تشخيصه للحقّ والباطل يعتمد نفس الموازين والملاكات التي كان يعتمدها في الزمن السابق، ولا زالت قدرته على الفهم والإدراك هي ذاتها، لذا لا يمكن أن يعتمد الإنسان على حالة إقباله، كما عليه أن لا يأسف أو يملّ من حالة إدباره، لأنّ كلتا حالتي الإقبال والإدبار الموجودة في الإنسان إنّما هي على أساس التخيّل وغلبة الأوهام والتصوّرات غير الثابتة والتي لا تحقّق لها.

  • يُحكى أنّ حكيماً دعا أحد تلاميذه الجدد إلى منزله للإفطار، وعند الإفطار رأى أنّ ذاك التلميذ لم يمدّ يده إلى الطعام ولم يتناول منه شيئاً.1

  • أسرار الملكوت ؛ ج1 ؛ ص201
    1. حسينى طهرانى، سيد محمد محسن، أسرار الملكوت، 3جلد، دار المحجة البيضاء - بيروت - لبنان، چاپ: 1، 1430 ه.ق.

أسرار الملكوت ج۱

201
  • فتعجّب من ذلك وسأله: لماذا لا تأكل؟ أترى في الطعام ما يمنعك عن تناوله، أو أنّ الطعام الذي تشتهيه غير هذا الموضوع أمامك؟

  • فقال له ذلك التلميذ: لا يوجد أيّ مشكلة في الطعام، إنّما المشكلة في انتساب هذا الطعام إليك، فإنّ ذلك هو السبب الموجب لاحترازي منه واجتنابي عنه، لأني أحتاط في أكل الطعام المشتبه، ولأنّ هذا الطعام قد طبخ في منزلك فشبهة النجاسة والقذارة موجودة فيه.

  • عندها سأله ذاك الحكيم بتعجّب: أكافر أنا حتى تعتبر طعامي نجساً يجب الاجتناب عنه؟!

  • فقال له: نعم، لأنّك تعتقد بوحدة الوجود، وكلّ من يقول بوحدة الوجود فهو كافر نجس، وطعامه أيضاً نجس وحرام.

  • فسأله الحكيم: أخبرني ماذا يقول المعتقدون بوحدة الوجود؟

  • فأجاب: يقولون بأنّه لا يوجد أيّ فرق أصلًا بين هذا الطعام وبين الله وكلاهما أمر واحد.

  • فضحك ذاك الحكيم طويلًا وقال: تفضّل وكل من هذا الطعام ولا تلتفت إلى هذه الوساوس والأفكار، لأنّه لا يوجد أيّ حكيم أو فيلسوف يقول بأنّ هناك وحدة بين الله وبين حمار مثلك!! فأيّ حكيم يقول بثبوت وحدة بين تعيّنات وهويّات مختلفة مع حفظ الماهيّات والحدود المتفاوتة؟!

  • إنّ من الحماقة والجهل أن يأخذ الإنسان مطلباً ويصدّقه من دون تحقيق وفهم صحيح، ودون الوصول إلى مفاد ومغزى الحكماء منه، ويقوم بالبناء عليه بناءً اجتماعيّاً واعتقاديّاً، بل ويبني جميع حياته على هذا الأساس لمجرّد حصول إشاعة وسماع خبر غير صحيح في ذلك.

أسرار الملكوت ج۱

203
  •  

  •  

  • المجلس السابع: وجوب إطاعة الإمام المعصوم عليه السلام في جميع شؤون الإنسان

  •  

  •  

أسرار الملكوت ج۱

205
  •  

  •  

  • بسم الله الرحمن الرحيم

  • الحمد لله ربِّ العالمين

  • والصلاةُ على خيرة الله المنتجبين محمَّدٍ وآلِهِ الطاهِرِين

  • واللّعنةُ على أعدائِهِم أجمعين

  •  

  •  

  • هناك سؤال يطرح نفسه وهو: كيف يمكن بعد مضي أكثر من ألف وأربعمائة سنة من ظهور الإسلام والمرور بجميع هذه التجارب والتجاذبات الكثيرة التي جرت على التاريخ الإسلامي، وطي مراحل التطوّر العلمي الباهر والمراتب الاعتقاديّة، وتبيين المواضع المحكمة والمتينة في الفكر الإسلامي ومعتقداته من قبل الكبار من أهل العلم والدراية والعلماء المتعهدين من أهل الخبرة والورع .. أن تبقى القدرة على فهم المباني الاعتقاديّة عند عامّة الناس حتى الآن باستثناء القليل على ما كانت عليه عندهم في الزمن السابق ومحكومة للأفكار والملاكات نفسها، فإنّ الأساس الفكري لعامّة الناس مبنيّ على الإشاعات والتخيّلات والحدس، والأصول الاعتقاديّة عندهم قائمة اليوم على نفس الأصول الاعتقادية السابقة، فبمجرّد وجود شائعة وتخيّل ما يحصل الإقبال على أمر معيّن، وبمجرّد وجود شائعة أخرى معاكسة يحصل الإدبار عنه. فالأشخاص الذين يقيسون القضايا على أساس متقن ووفق الموازين العقلائيّة وبناء على ما جاء به الوحي، قليلون جداً بل هم نادرو الوجود. حتّى أن الكثير وللأسف من المدّعين للعلم

أسرار الملكوت ج۱

206
  • والدراية والمتصدّين للزعامة والقيادة العلميّة والدينيّة والاجتماعيّة، غير مستثنين من هذه القاعدة.

  • وصف أمير المؤمنين عليه السلام للمجتمع قبل الإسلام

  • يبيّن أمير المؤمنين عليه السلام كيفيّة ظهور الحقيقة والوصول إلى العلم واليقين في كلّ فترة من الزمن، وطريقة تلقّي المجتمع لهذا المطلب وكيفيّة تعاملهم مع هذه القضيّة في مراحل زمنيّة ومكانيّة مختلفة، بهذا البيان فيقول:

  • أرسله على حين فترة من الرسل، وطول هَجْعَةٍ من الأمم واعتزامٍ من الفتن وانتشار من الأمور وتلظٍّ من الحروب، والدنيا كاسفة النور ظاهرة الغرور، على حين اصفرارٍ من ورقها وإياس من ثمرها واغْورارٍ من مائها، قد دُرست منار الهدى، وظهرت أعلام الردى، فهي متجهّمة لأهلها عابسة في وجه طالبها؛ ثمرها الفتنة وطعامها الجيفة وشعارها الخوف ودثارها السيف.

  • فاعتبروا عباد الله واذكروا تِيكَ التي آباؤكم وإخوانكم بها مرتهنون، وعليها محاسبون. ولعمري ما تقادمت بكم ولا بهم العهود، ولا خلت فيما بينكم وبينهم الأحقاب والقرون، وما أنتم اليوم من يوم كنتم في أصلابهم ببعيد. والله ما أسمعهم الرسول شيئاً إلّا وها أنا ذا اليوم مسمعكموه. وما أسماعكم اليوم بدون أسماعهم بالأمس، ولا شُقّت لهم الأبصار ولا جُعلت لهم الأفئدة في ذلك الأوان إلا وقد أُعطيتم مثلها في هذا الزمان. والله ما بصرتم بعدهم شيئاً جهلوه، ولا أُصفيتم به وحُرموه. ولقد نزلت بكم البليّة جائلًا خطامها، رخواً بطانها، فلا يغرّنّكم ما أصبح فيه أهل الغرور، فإنّما هو ظلٌّ ممدودٌ إلى أجل معدود1.

  • يقول أمير المؤمنين عليه السلام أنّ الله تعالى أرسل نبيّه بعد مدّة طويلة

    1. نهج البلاغة، ج 1، ص 156.

أسرار الملكوت ج۱

207
  • من بعثة الأنبياء؛ في حال غفلة الأمم السابقة، قد انتشرت الفتنة بين ظهرانيهم؛ فزمام أمورهم مشتّتة ونار الحروب مستعرة على امتداد حياتهم ومعيشتهم، قد انقلب نور الهداية في الدنيا والبصيرة لديهم إلى الظلمة، وخيّم شبح الغرور والأنانيّة مكان عالم الصفاء والطهارة وحياة الأنس والوحدة.

  • لقد بُعث نبي الإسلام بالرسالة في زمن لم يعد هناك أثر لأيّ نشاط وانبساط في حياة الناس، ويبست شجرة النور التي كانت تضيء المجتمع، واصفرّت أوراقها الخضراء الناضرة وتساقطت بفعل الريح المسموم الذي عصف بها، ولم يبقَ أمل في إيراق أيّ من أوراقها، أو في تفتّح أيّ برعم فيها والوصول إلى ثمارها المعنويّة والتكامل الاجتماعي المنشود منها، وقد غارت ماء الحياة وارتحلت عن المجتمع وسائل السعادة وانسدّ الطريق أمام الوصول إلى الرقيّ والكمال، ولم يعد يصل أيّ خبر عن منبع النور والهداية، وصارت تعصف بالمجتمع حالة من الجهل والظلام والبعد عن المعنويّات وسجايا الأخلاق والقيم الإنسانيّة، وحلّت شعائر الرذيلة والانحطاط والملكات القبيحة محلّ القيم والأخلاق والمقدّسات والتعاون والودّ والاتّحاد، وقادت المجتمع نحوها بصورتها السيّئة وأظهرت نفسها بصورة قبيحة جدّاً في وجوه طالبي الدنيا والباحثين عن لذاّتها.

  • ونتيجة لهذه الأوضاع والأحوال وانقلاب القيم والملكات الإنسانيّة، فقد ظهرت الفتنة وانتشر الفساد وساد الاضطراب وحل البلاء، وصار طعامهم الجيفة والميتة، واستولى الخوف عليهم ونفذت الوحشة إلى قلوبهم، وصار الحاكم فيهم السيف والدم.

  • فيا عباد الله! اعتبروا ممّا قد جرى على آبائكم وإخوانكم! وانظروا إلى عاقبة أعمالهم السيّئة؛ وكيف تشوّهت في الدنيا سمعتهم وكُرهت سيرتهم،

أسرار الملكوت ج۱

208
  • وبدلًا من ذكرهم بالمدح والثناء في الدنيا يُذكرون بالقدح والشقاء، وأمّا في تلك الدار فسوف يُسألون عن أعمالهم وأفعالهم السيّئة، وعليهم أن يهيّئوا لها جواباً.

  • ولعمري، إنّ الزمان الفاصل بينكم وبينهم ليس كبيراً، وليس بينكم وبينهم أجيال كثيرة، كما أنّه ليس بين يومكم هذا وبين يوم كنتم في أصلابهم فصل كبير. و والله إنّ كلّ ما بيّنه رسوله لهم في ذلك اليوم أبيّنه اليوم لكم، وإنّ قدرتكم على السمع والفهم لا تختلف عن قدرتهم على ذلك في زمان رسول الله، فكلاكما تسترفدان من مصدر واحد وواهب واحد، لم يفتح الله عيونهم إلّا بمقدار ما فتحها لكم، ولم يعرّف قلوبهم ويغذّيها بالإدراك والمعارف إلّا بمقدار ما أعطاكم. والله لم تعثروا على شيء كانوا عنه غافلين أو جاهلين ولم تُخصّصوا بشيء كانوا منه محرومين.

  • لقد حطّت الفتنة رحالها عندكم وربطتكم بعقالها، فهي تميل بكم أينما تريد، فحالها كحال الإبل رخوة البطان (التي لم يحكم شدّ حزامها) لا يُتمكّن من ظهرها والركوب عليها. فانتبهوا وابتعدوا عمّا ابتلي به أهل الغرور والطمع والأنانية، واتقوا ولا تنخدعوا كما انخدعوا هم، فالدنيا كالظلّ المتّسع والممتدّ إلى الزمان الذي عُيّن للرحيل إلى الآخرة.

  • يبيّن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في هذه الخطبة بشكل دقيق نقاط القوّة والضعف عند الناس في علاقتهم بالأمور التربويّة والتكامليّة.

  • فمن جهة يرون أنّ الحقّ واضح للجميع وجليّ بتمام خصوصيّاته وتجلياته وبراهينه، وكلّ ما ذكره رسول الله من حقّ وتبيين رشد الناس وصلاح أمورهم، فقد بيّنه أمير المؤمنين عليه السلام والأئمّة من بعده، ولم يعد أيّ أمر مخفيّاً في هذا المجال ولم يبق أيّ عذر لأحد.

  • ومن جهة أخرى نرى أنّ كيفيّة التسليم والانقياد للحقّ عند جميع الناس

أسرار الملكوت ج۱

209
  • بمستوى واحد؛ فقد وضع الله تعالى معدّات القبول وأسبابه ولوازم التسليم وعلله، وجعل ذلك باختيار الجميع ولم يستثن أحداً في هذا الأمر؛ فلا يمكن لأحد أن يدّعي أنّ ميزان إدراكه الصحيح أقلّ من ميزان إدراك سائر الأشخاص، وأن لديه الحجة أمام الله في قبوله أو عدم قبوله مسألة معينة، باعتبار أن مستوى إدراكه أقل من المستوى الطبيعي الموجود عند سائر الأشخاص.

  • فأمير المؤمنين عليه السلام بكلامه هذا يكون قد أتمّ الحجّة على الجميع، فقد اعتبر أن موازين الطريق في جميع مراحله واختلاف أزمانه، واضحة لطالبي الحقّ جميعاً، ولم يترك مجالًا لأحد أن ينكر أو يدّعي عدم وضوح مباني الطريق؛ فباب التمكّن من الإدراك الصحيح للمطالب مفتوح أمام جميع الناس. وفي المقابل، إنّ نقاط الضعف والتمرّد والعصيان والغرور موجودة أيضاً في الجميع؛ ولا فرق من هذه الجهة بين الأمم السابقة وبين الناس في العصر الحاضر.

  • فبعض الناس يسعون وراء إطاعة الأوامر الإلهيّة واتّباع التكاليف المنزلة من قبل الله ويسعون للوصول إلى الأمور الموعود بها ونتائج عباداتهم وغاياتها، لذا فقد ركّزوا جهدهم على رعاية الموازين والأصول المطروحة من قبل الله وأوليائه بالحقّ، وسعوا للنزول في المنزل المطلوب والمكان الموعود؛ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ*1. والبعض الآخر انغمس في اللذّات والشهوات والأنانية نتيجة اتّباع النفس الأمّارة والتوغّل في عالم الكثرات والدنيا الفانية والمنصرمة، من دون التوجّه إلى مآل ما ستصير عليه أموره وينقلب عليه مستقبله من السؤال والحساب على أعماله، وسوف يصرف عمره الغالي ورأسماله الإلهي القيّم بالخسران والخيبة

    1. سورة القمر، الآية 55.

أسرار الملكوت ج۱

210
  • والحرمان، وينتقل إلى عالم الآخرة ويواجه وقفة يوم الحساب بيد خالية من العمل الصالح، مملوءة بالمعاصي والأوزار، وسيبوء بالخسران والحرمان الأبدي. ولا فرق في هذا الأمر بين أحد من الناس.

  • بيان أمير المؤمنين لعلّةِ اختلاف الأحاديث والأفكار عند الناس

  • وقد سئل أمير المؤمنين عليه السلام عن سبب اختلاف الأحاديث والأفكار المتفاوتة عند الناس، وعن علّة انتشار هذه البدع والخلافات بين الناس، فقال عليه السلام في جوابه:

  • إنّ في أيدي الناس حقّاً وباطلًا، وصدقاً وكذباً، (وكثيراً ما يكون الصدق مشوباً بالكذب الصريح) وناسخاً ومنسوخاً (انقضت مدّته) وعامّاً وخاصّاً (بمورد معيّن)، ومحكماً (متقناً لا يقبل التوجيه والتأويل) ومتشابهاً (يقبل التأويل والتوجيه والتشكيك)، وحفظاً (ومسنداً لا شكّ في انتسابه لرسول الله) ووهماً (مشوباً بالخيال والوهم وناشئاً من الجهل وعدم العلم ومن تدخّل الفهم الخاطئ والسليقة الذاتية). ولقد كُذب على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم على عهده (ونسبوا إليه كلاماً غير صحيح) حتّى قام خطيباً فقال: من كذب عليّ متعمّداً (أو نسب إليّ قولًا لم أقله) فليتبوّأ مقعده من النّار (في يوم القيامة).

  • وإنّما أتاك بالحديث أربعة رجالٍ ليس لهم خامس:

  • القسم الأول من الرواة من المنافقين

  • رجلٌ منافقٌ مظهرٌ للإيمان (متلبّس بلباسه)، متصنّعٌ بالإسلام (والشرع) لا يتأثّم (في ارتكاب المعاصي والذنوب) ولا يتحرّج (من اقتراف الجرم والجناية، حتى أنّه) يكذب على رسول الله صلّى الله عليه وآله متعمّداً (مرتاح البال)، فلو علم الناس أنّه منافقٌ كاذبٌ لم يقبلوا منه ولم يصدّقوا قوله، ولكنّهم قالوا صاحب رسول الله صلّى الله عليه وآله، (ومُعاشره ومُجالسه. وهذه هي البليّة؛ حيث يتصوّرون بأنّه) رأى وسمع منه ولَقِفَ عنه (تلك الدرر والأخبار والحِكم والمواعظ المترشّحة على لسان الرسول)،

أسرار الملكوت ج۱

211
  • فيأخذون بقوله (ويتعاملون بما يصدر عنه معاملة التسليم، ويطيعونه في رأيه دون أخذ أو ردّ)، وقد أخبرك الله عن المنافقين بما أخبرك (وبيّن في كتابه حركاتهم وسكناتهم)، ووصفهم بما وصفهم به لك (حتّى اتّضح لك أمرهم).

  • ثمّ بقوا بعده عليه وآله السلام، فتقرّبوا إلى أئمّة الضلالة والدعاة إلى النار بالزور والبهتان (والافتراء ووضع الأكاذيب)، فولّوهم الأعمال وجعلوهم حكّاماً على رقاب الناس (وأموالهم ونفوسهم)، وأكلوا بهم الدنيا (ووصلوا بواسطتهم إلى مطامعهم الدنيويّة، وتسلّطوا على أموال الناس وهتكوا أعراضهم وانغمسوا في اللّذات والشهوات الدنيّة)؛ وإنّما النّاس مع الملوك (وعلى دين حكّامهم) والدنيا (وزخارفها أينما وجدت فالنّاس حاضرون عندها أيضاً) إلّا من عصم الله (ورحمه وكان في أمن من هذه الابتلاءات التي ابتلى بها الناس) فهو أحد الأربعة.

  • القسم الثاني ليس لهم ضبط دقيق في استماع ونقل الأحاديث

  • و (الطائفة الثانية لم تتعمّد الكذب والافتراء على رسول الله، فهي) رجلٌ سمع من رسول الله شيئاً لم يحفظه على وجهه (ولم يكن لديه قدرة كافية على ضبطه بشكل دقيق وواضح بالشكل الذي صدر عن الرسول)، فوهم فيه (ومن الطبيعي عندئذٍ أن يكون كلامه هذا صادراً عن توهّمه وتخيّله هو وما علق في ذهنه وذاكرته، لا ما ذكره رسول الله واقعاً، فانخلط ما سمعه من كلام الرسول مع خياله وتوهّمه، وسُلبت بذلك حجّية كلامه هذا واعتباره) ولم يتعمّد كذباً (أو افتراءً)، فهو في يديه ويرويه ويعمل به (ويعتقد أن تصوّره وتخيّله هذا منسوب إلى الرسول وهو عين كلامه) ويقول أنا سمعته من رسول الله صلّى الله عليه وآله.

  • فلو علم المسلمون أنّه (ليس من كلام رسول الله بل هو كلام نفس الراوي) وهمَ فيه لم يقبلوه منه، ولو علم هو أنّه كذلك لرفضه (وترك العمل به).

أسرار الملكوت ج۱

212
  • القسم الثالث يعلمون شيئاً ويجهلون شيئاً آخر

  • و (القسم الثالث بخلاف القسم الثاني: فهو سمع الكلام من رسول الله بشكل دقيق لا وهم فيه ولا خيال ولا حدس، ولم يمزج كلام الرسول بكلامه، ولديه القدرة على الفهم ودرك المطلب جيّداً، كما أنّه لم يتعمّد الكذب، لكنّه) رجلٌ ثالثٌ سمع من رسول الله صلّى الله عليه وآله شيئاً يأمر به، ثمّ نهى عنه وهو لا يعلم (فحاله كقول الشاعر: حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء)، أو سمعه ينهى عن شيء ثمّ أمر به وهو لا يعلم، فحفظ المنسوخ ولم يحفظ الناسخ، فلو علم أنّه منسوخ (والتفت إلى الناسخ والكلام التالي لرسول الله) لرفضه (قطعاً لصدقه وإيمانه وخلوصه)، ولو علم المسلمون إذ سمعوه منه أنّه منسوخ لرفضوه.

  • القسم الرابع هم المعتمدون والصادقون والجديرون بنقل الحديث

  • وآخر رابع لم يكذب على الله ولا على رسوله، مبغض للكذب خوفاً من الله وتعظيماً لرسول الله صلّى الله عليه وآله (وكرامةً له وحفاظاً على موقعيّته في النفوس مَنَعاه عن نسبة الخلاف إليه) ولم يهم، بل حفظ ما سمع (من رسول الله) على وجهه، فجاء به على ما سمعه لم يزد فيه ولم ينقص منه (أو يعمل فيه رأيه وهواه وخياله)، فحفظ الناسخ فعمل به وحفظ المنسوخ فجنب عنه، وعرف الخاصّ والعامّ فوضع كلّ شيء موضعه، وعرف المتشابه ومحكمه (وميّز الكلام المحمول على معان متعدّدة من الكلام المتقن الواضح والصريح الذي لا يقبل الترديد والتشكيك).

  • وقد كان يكون من رسول الله صلّى الله عليه وآله الكلام له وجهان: فكلام خاصّ وكلام عامّ، فيسمعه من لا يعرف ما عنى الله به ولا ما عنى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، فيحمله السامع ويوجّهه على غير معرفة بمعناه وما قُصد به وما خرج من أجله (معتقداً أنّه لا يوجد معنى أو مراد آخر غير ما توصّل إليه، غافلًا عن مصاديقه الواقعية وما قُصد من هذا المطلب العام). وليس كلّ أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم من

أسرار الملكوت ج۱

213
  • كان يسأله ويستفهمه (ويستوضحون منه ويرمّمون به نقاط ضعفهم وجهلهم، ولم يعتنوا بالشكل المطلوب برفع جهلهم وعدم معرفتهم وأضاعوا فرصة السؤال من منبع العلم والوحي وعين الحقائق الربّانيّة، فخسروا هذا الرصيد وهذه الفرصة المباركة والمجّانيّة التي كانت فيها السعادة الأبديّة).

  • حتّى أن كانوا ليحبّون أن يجئ الأعرابي والطارئ فيسأله عليه السلام حتّى يسمعوا (جواب رسول الله). وكان لا يمرّ بي من ذلك شيء إلّا سألت عنه وحفظته (كما يُحفظ الجوهر الثمين، وعملت به). فهذه وجوه ما عليه الناس في اختلافهم وعللهم في رواياتهم1.

  • استفادة نكتتين من كلام أمير المؤمنين عليه السلام

  • تحتوي هذه الخطبة الشريفة على نكات مهمّة جدّاً تستحقّ التأمّل:

  • أولًا: لم تكن الحقائق والمباني الإسلاميّة دائماً مبيّنة بصورة واضحة وصريحة لا مجال فيها للتحقيق والتفكّر، بل في الكثير من الأحيان كان زعماء الدين الحنيف والشرع المبين يلقون أنواعاً من الخطابات المعقّدة والغامضة في مرادها ومفادها. وما يقوله الكثير في هذا الصدد من أن كلام المعصوم عليه السلام يجب أن يكون واضحاً لا يلفّه الغموض والتعقيد، ولا يكون ذا وجوه وقابلًا للتأمّل والتوجيه، وأنّ وجود مثل هذه المسائل والموارد تخالف مسألة البيان والتفصيل في مقام التخاطب .. هو كلام لا معنى له ومخالف للتحقيق، لأنّ موارد تخاطب المعصومين عليهم السلام مع أصحابهم لها مراتب مختلفة كثيراً، وتحتوي على جهات افتراق واضحة جدّاً، وكذا الحال في تخاطبهم مع غير أصحابهم. فإنّنا نلاحظ أنّ رعاية المصالح الخاصّة لمسألة معيّنة في زمن معيّن من جهة، واختلاف مراتب المستمعين والمخاطبين في فهم متن الواقع والوصول إلى مغزى كلام المعصوم من جهة أخرى، يوجبان قطعاً الاختلاف في مراتب التكلّم

    1. نهج البلاغة، ج 2، ص 188 إلى 191.

أسرار الملكوت ج۱

214
  • والتفاوت في درجات البيان. وهذا الأمر من أبدَه المسائل في مقام التخاطب والتكلّم مع الناس، كما هو الحال في وجود هذا الأمر عند جميع المتحاورين في كلّ زمان وعند كلّ جيل.

  • أليس إلقاء أمير المؤمنين عليه السلام للبيانات والخطب الاعتقاديّة والمباني التوحيديّة الأصيلة العجيبة والغريبة والمحيّرة للعقول المنقولة في نهج البلاغة، على آلاف الأشخاص المختلفين والمنتمين إلى طبقات متفاوتة والمتباينين تماماً في مشاعرهم ومداركهم .. من المصاديق البارزة لهذه النكتة المهمّة؟ فكم هم الذين وصلوا إلى مقصود ومراد هذا الكلام الإعجازي من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام؟ إنّ هذه الكلمات حيّرت الكثير من العلماء، حتّى أنّ أدقّ وأعمق الحكماء والفلاسفة المسلمين يتعجّبون ويحتارون من ذلك.

  • ثانياً: إنّ إدراك مسألة الولاية التكوينيّة للإمام عليه السلام، وجريانها في جميع مجالات الحياة البشريّة وتطبيق جميع أمور الحياة مع هذه الحقيقة المتعالية، وكذلك الحال بالنسبة لإدراك مسألة تفويض جميع الاختيارات إلى اختيار الإمام عليه السلام ومشيئته، وإنفاذ إرادته في جميع مفاصل الحياة وفي جميع الأفعال والأعمال دون استثناء، وكذا عدم تخطّيها عن جميع الأوامر والنواهي بأيّ وجه من الوجوه، وتبديل الإرادة والمشيئة إلى نفس إرادة الإمام عليه السلام ومشيئته .. ليست سهلة المنال لأي شخص، ولو للرجل العالم بالتراث الديني.

  • معرفة الإمام في كلام الإمام الرضا عليه السلام

  • يقول مسوّد هذه السطور: أرى من المناسب هنا أن نذكر رواية مهمّة جدّاً واردة عن الإمام أبي الحسن علي بن موسى الرضا عليه وعلى آبائه الصلاة والسلام، كي يتّضح موقع الإمام عليه السلام ومقامه، ويتشخّص ميزان معرفة وإدراك الأشخاص ومدى قربهم منه عليه السلام. وعندئذٍ تأخذ

أسرار الملكوت ج۱

215
  • العبارات المذكورة من قبل الكثير من علماء الشيعة البارزين حول شخصيّة الإمام عليه السلام مكانها من الاعتبار في عالم الواقع، ويتّضح مدى جهلنا وعدم إدراكنا بساحة تلك القلّة الرفيعة والمهبط الراقي لأنوار الولاية.

  • يروي المرحوم الصدوق محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه، في كتابه الشريف «عيون أخبار الرضا عليه السلام» في الباب العشرين، عن هذا الإمام:

  • حدّثنا أبو العباس محمّد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني رضي الله عنه ... قال: حدّثني القاسم بن مسلم عن أخيه عبد العزيز بن مسلم قال: كنّا في أيّام (ولاية عهد الإمام) علي بن موسى الرضا عليهما السلام بمرو، فاجتمعنا في مسجد جامعها في يوم الجمعة في بدء مقدمنا، فأدار الناس أمر الإمامة وذكروا كثرة اختلاف الناس فيها. (فخرجت من المسجد قاصداً الإمام) فدخلت على سيدي ومولائي الرضا عليه السلام فأعلمته ما خاض الناس فيه، فتبسّم عليه السلام ثمّ قال: يا عبد العزيز! جهل القوم وخُدِعوا عن أديانهم؛ إن الله تبارك وتعالى لم يقبض نبيّه صلّى الله عليه وآله وسلّم حتّى أكمل له الدين وأنزل عليه القرآن فيه تفصيل كلّ شيء؛ بيّن فيه الحلال والحرام والحدود والأحكام وجميع ما يحتاج إليه كمّلًا، فقال عزّ وجلّ: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ وأنزل في حجّة الوداع، وهي آخر عمره صلّى الله عليه وآله وسلّم: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً، وأمر الإمامة من تمام الدين.

  • مقام الإمامة أعلى ممّا يعتقده الناس العاديين

  • ولم يمض صلّى الله عليه وآله وسلّم (عن هذه الدنيا إلى دار البقاء) حتّى بيّن لأمّته معالم دينهم وأوضح لهم سبيلهم (إلى السعادة والصلاح)، وتركهم على قصد سبيل الحقّ، وأقام لهم عليّاً عليه السلام علماً وإماماً (ومفرّقاً بين الحقّ والباطل، والحاكم على الأمّة بلا منازع أو معارض)،

أسرار الملكوت ج۱

216
  • وما ترك شيئاً يحتاج إليه الأمّة (ولو كان أمراً بسيطاً) إ لّا بيّنه، فمن زعم أنّ الله عزّ وجلّ لم يُكمل دينه فقد ردّ كتاب الله عزّ وجلّ (لأن كتاب الله يقول الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ...)، ومن ردّ كتاب الله تعالى فهو كافر.

  • هل يعرفون قدر الإمامة ومحلّها من الأمّة فيجوز فيها اختيارهم؟ (وينفذ تعيينهم لمرتبة الإمامة وبيان منزلتها وشأنها؟).

  • الإمامة هي المرتبة التي أعطاها الله لإبراهيم بعد النبوّة

  • إنّ الإمامة أجلّ قدراً وأعظم شأناً وأعلى مكاناً وأمنع جانباً وأبعد غوراً من أن يبلغها الناس بعقولهم (ويصلوا إلى منتهى عليائها التي يصعب تخيّلها وتصوّرها) أو ينالوها بآرائهم (الدنيّة وأنظارهم الناقصة وأفكارهم المنحطّة، فكيف يمكنهم أن يدركوا تلك الساحة المقدسة ويحيطوا بحريم العصمة) أو يقيموا إماماً باختيارهم.

  • إنّ الإمامة خصّ الله بها إبراهيم الخليل عليه السلام بعد النبوّة والخلّة مرتبةً ثالثةً وفضيلة شرّفه بها وأشاد بها ذكره، فقال عزّ وجلّ: إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً فقال الخليل عليه السلام سروراً بها: وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي قال الله عزّ وجلّ: لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (ولن تقع هذه المسألة في يد أحد منهم).

  • فأبطلت هذه الآية إمامة كلّ ظالم إلى يوم القيامة، وصارت في الصّفوة. ثمّ أكرمه الله عزّ وجلّ بأن جعلها ذرّيّته أهل الصفوة والطهارة؛ فقال عزّ وجلّ: وَ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ نافِلَةً وَ كُلًّا جَعَلْنا صالِحِينَ* وَ جَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا (بتوسّلهم بعالم الأمر وإشرافهم على منبع الوحي والتشريع) وَ أَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَ إِقامَ الصَّلاةِ وَ إِيتاءَ الزَّكاةِ وَ كانُوا لَنا عابِدِينَ.

  • انتقال الإمامة من رسول الله إلى أمير المؤمنين وبعده إلى أولاده

  • فلم يزل في ذرّيّته يرثها بعض عن بعضٍ قرناً فقرناً، حتّى ورثها النبي

أسرار الملكوت ج۱

217
  • صلّى الله عليه وآله وسلّم، فقال الله عزّ وجلّ: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَ هذَا النَّبِيُّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ اللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ*.

  • فكانت (هذه الإمامة) له خاصّة، فقلّدها صلّى الله عليه وآله وسلّم عليّاً بأمر الله عزّ وجلّ على رسم ما فرضها الله عزّ وجلّ، فصارت في ذرّيّته الأصفياء الذين آتاهم الله العلم (المطلق الذي لا حدّ له) والإيمان بقوله عزّ وجلّ: وَ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَ الْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ.

  • فهي (أي الإمامة والزعامة) في ولد علي عليه السلام خاصّة إلى يوم القيامة، إذ لا نبيّ بعد محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم، فمن أين يختار هؤلاء الجهّال؟! إنّ الإمامة هي منزلة الأنبياء وإرث الأوصياء، إنّ الإمامة خلافة الله عزّ وجلّ وخلافة الرسول ومقام أمير المؤمنين وميراث الحسن والحسين عليهما السلام، إنّ الإمامة زمام الدين ونظام المسلمين وصلاح الدنيا وعزّ المؤمنين، إنّ الإمامة أُسُّ الإسلام النامي وفرعه السامي، بالإمام تمام الصلاة والزكاة والصيام والحجّ والجهاد وتوفير الفيء والصدقات (وصرفها في مواضعها) وإمضاء الحدود والأحكام ومنع الثغور والأطراف.

  • الإمام يحلّ حلال الله ويحرّم حرام الله ويقيم حدود الله ويذبّ عن دين الله ويدعو إلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة والحجّة البالغة (ويدفع عن الناس كلّ أنواع الشكّ والوسواس بالأدلّة القاطعة والبراهين المحكمة).

  • الإمام كالشمس الطالعة (تنشر نورها) للعالم وهي بالأفق بحيث لا تنالها الأيدي والأبصار. الإمام البدر المنير والسراج الزاهر والنور الساطع والنجم الهادي في غياهب الدجى والبيد القفار ولجج البحار. الإمام الماء العذب على الظماء والدّال على الهدى والمنجي من الرّدى. والإمام النار

أسرار الملكوت ج۱

218
  • على اليفاع الحارّ لمن اصطلى به (والناقل لهم من برد الهجر والبعد إلى دفء القرب من الله تعالى ونور الهداية) والدليل في المهالك؛ من فارقه فهالك.

  • الإمام السحاب الماطر والغيث الهاطل والشمس المضيئة والأرض البسيطة (والخصبة المعدّة للزرع والعطاء) والعين الغزيرة والغدير (في الصحاري القاحلة) والروضة (الغنّاء في قفار الأهواء الباطلة والوساوس الشيطانية). الإمام الأمين الرفيق والوالد الرقيق والأخ الشفيق ومفزع العباد في الداهية.

  • الإمام هو وحيده عصره ولا مماثل له

  • الإمام أمين الله في أرضه وحجّته على عباده وخليفته في بلاده الداعي إلى الله والذابّ عن حرم الله، الإمام المطهَّر من الذنوب المبرَّأ من العيوب مخصوص بالعلم مرسوم بالحلم، نظام الدين وعزّ المسلمين وغيظ المنافقين وبوار الكافرين. الإمام واحد دهره (لا يمكن أن يوجد ثان له ومماثل) لا يدانيه أحد ولا يعادله عالم ولا يوجد منه بدل ولا له مثل ولا نظير، مخصوص بالفعل كلّه من غير طلب منه له (أي من غير أن يطلب الإمام هذا المقام من الله) ولا اكتساب، بل اختصاص من المفضِّل الوهّاب.

  • فمن ذا الذي يبلغ معرفة الإمام ويمكنه اختياره (من تلقاء نفسه)؟! هيهات! هيهات! ضلّت العقول وتاهت الحلوم وحارت الألباب وحسرت العيون وتصاغرت العظماء وتحيّرت الحكماء وتقاصرت الحلماء وحصرت (ولكنت) الخطباء وجهلت الألبّاء وكلّت الشّعراء وعجزت الأدباء وعييت البلغاء عن وصف شأنٍ من شأنه أو فضيلةٍ من فضائله، فأقرّت بالعجز والتقصير.

  • وكيف يوصف له أو ينعت بكنهه أو يُفهم شيءٌ من أمره (وكمال مراتبه) أو يوجد من يُقام مقامه (ويتعهّد بالقيام بأعباء موقعيّته) ويُغنى غناه؟ (كما هو

أسرار الملكوت ج۱

219
  • حاله عليه السلام؛ فهو بغنى عن الخلق، والخلق كلّهم بحاجة إليه) لا كيف وأنّى وهو بحيث النجم (المتلألئ البعيد) من أيدي المتناولين ووصف الواصفين! فأين الاختيار من هذا؟ وأين العقول عن هذا؟ وأين يوجد مثل هذا؟ أظنّوا أن يوجد ذلك في غير آل الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم؟ كذِبتْهم والله أنفسهم ومنّتهم الأباطيل فارتقوا مرتقىً صعباً دحضاً (ووضعوا أنفسهم مواضع الهلكة)؛

  • عدم إمكان إدراك الإمام بالعقول الناقصة

  • تزلُّ عنه إلى الحضيض أقدامهم. راموا إقامة الإمام بعقول جائرةٍ بائرةٍ ناقصةٍ وآراء مضلّة (وتصوّرات واهية)، فلم يزدادوا منه إلّا بعداً (وحرماناً من المعرفة) قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ؛ لقد راموا (مسيراً) صعباً وقالوا (بحقّ أولياء الدين) إفكاً قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيداً ووقعوا في الحيرة إذ تركوا الإمام عن بصيرةٍ وَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ (وهو الصراط المستقيم، صراط أئمّة الهدى والمعرفة والولاية واتّباعهم بشكل مطلق دون قيد أو شرط، وفي النتيجة صار مآلهم إلى الجهل والعمى عن إدراك المعارف الحقائق) وَ كانُوا مُسْتَبْصِرِينَ.

  • ورغبوا عن اختيار الله واختيار رسوله إلى اختيارهم (الفاسد والباطل)، والقرآن يناديهم: وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ يَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وَ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ*، (أي إنّ الله تعالى وحده الذي يختار نقل أيّ شيء من العدم إلى ساحة الوجود بيد قدرته القاهرة، ولا يمكن لأحد أن يختار مع اختياره) وقال الله عزّ وجلّ: وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ، وقال عزّ وجلّ: ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ* أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ* إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ* أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ* سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ* أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ (ويعرضوهم في مقابل جبروت الله ومقابل عزّه، كي يستبين لهم مكانهم الحقيقي) إِنْ كانُوا صادِقِينَ، وقال عزّ وجلّ: أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها* أم طبع الله على قلوبهم (ختم البطلان والضلالة) فهم لا

أسرار الملكوت ج۱

220
  • يفقهون (حقائق القرآن)، أم ... قالُوا سَمِعْنا وَ هُمْ لا يَسْمَعُونَ* إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ* وَ لَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَ لَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَ هُمْ مُعْرِضُونَ*، و قالُوا سَمِعْنا وَ عَصَيْنا، بل (إنّ فهم هذه المسائل وإدراك هذه المعاني العالية) هو فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ.

  • فكيف لهم باختيار الإمام؟! والإمام عالم لا يجهل، راع لا ينكل، معدن القدس والطهارة والنسك والزهادة والعلم والعبادة. مخصوص بدعوة الرسول (وهو الوحيد الذي يمكن أن يؤدّي دعوته) وهو نسل المطهّرة البتول، لا مغمز فيه في نسب، ولا يدانيه ذو حسب، فالنسب من قريش والذروة من هاشم والعترة من آل الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم والرضا من الله شرف الأشراف (وهي أفضل الفضائل وأشرفها، حيث إنّ الله قد اختاره قائداً فريداً على العباد ومبلّغاً للوصول إلى السعادة الأبديّة) والفرع من عبد مناف.

  • الإمام أعلم من جميع أهل زمانه

  • نامي العلم كامل الحلم، مضطلع بالإمامة عالم بالسياسة (وبالأمور الاجتماعية أكثر من أي عالم آخر) مفروض الطاعة قائم بأمر الله عزّ وجلّ، ناصح لعباد الله حافظ لدين الله.

  • إنّ الأنبياء والأئمة صلوات الله عليهم يوفّقهم الله ويؤتيهم من مخزون علمه وحكمه ما لا يؤتيه غيرهم، فيكون علمهم فوق كلِّ علم أهل زمانهم في قوله تعالى: أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ وقوله عزّ وجلّ: وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً، وقوله عزّ وجلّ في طالوت: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَ زادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَ الْجِسْمِ وَ اللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ، وقال عزّ وجلّ لنبيّه صلّى الله عليه وآله وسلّم: وَ كانَ فَضْلُ

أسرار الملكوت ج۱

221
  • اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً، وقال عزّ وجلّ في الأئمة من أهل بيته وعترته وذرّيّته: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ آتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً* فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَ مِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَ كَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً* وإنّ العبد إذا اختاره الله عزّ وجلّ لأمور عباده (وجعله متصدّياً للإمامة وزعامة الأمّة) شرح الله صدره لذلك، وأودع قلبه ينابيع الحكمة وألهمه العلم إلهاماً، فلم يعي بعده بجواب ولا يحيد فيه عن الصواب، وهو معصوم مؤيّد موفّق مسدّد، قد أمن الخطايا والزلل والعثار، يخصّه الله بذلك ليكون حجّته على عباده وشاهده على خلقه، و ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ.

  • فهل يقدرون على مثل هذا فيختاروه (من تلقاء أنفسهم)، أو يكون مختارهم بهذه الصفة فيقدّموه؟! تعدّوا وبيتِ الله الحقّ ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنّهم لا يعلمون وفي كتاب الله الهدى والشفاء، فنبذوه واتّبعوا أهواءهم فذمّهم الله ومقتهم وأتعسهم، فقال عزّ وجلّ: وَ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، وقال عزّ وجلّ: فَتَعْساً لَهُمْ وَ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ، وقال عزّ وجلّ: كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ وَ عِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ1.

  • يبيّن الإمام عليه السلام في هذه الرواية ذات المضامين العالية والتي هي واقعاً وحقاً صادرة من قبل مصدر الوحي وعين الولاية وينبوع العلم والحياة الإلهية التي لا تزال مقداراً من دائرة الولاية وحدود الإمامة بما يتناسب مع ظرفيّة المخاطب وقدرته على الفهم والإدراك. ولو كان لدى السامع مقدار أكبر من سعة الصدر وظرفيّة أوسع وأعلى من المعرفة، لبيّن الإمام مطالب عرشيّة ودرراً أكثر، كما هو حال سائر الروايات المرويّة عن

    1. عيون أخبار الرضا عليه السلام، ج 1، ص 222 216، باب 20.

أسرار الملكوت ج۱

222
  • الأئمّة المعصومين عليهم السلام، التي يُراعى فيها قواعد البلاغة وقوانين المحاورة.

  • وجوب الانقياد للإمام في أمره ونهيه وإطاعته

  • مطلقاً

  • ويصرّح الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام في هذه الرواية بأنّه لا يحقّ لأيّ إنسان أن يقف أمام أمر الإمام عليه السلام ونهيه، أو أن يُظهر رأيه في أيّ موضوع يُطرح من قبل منصب الولاية. والإنسان المطيع للإمام والشيعي واقعاً هو الإنسان الذي يتلقّى الأوامر والنواهي ويعمل بها دون أيّ تردّد أو سؤال، ويأخذ بها من صميم قلبه ويجعلها في مستقرّ ضميره ويعتبرها منّة إلهيّة، ويتباهى بها ويكحل بها عينيه، لمجرّد كونها صدرت عن مقام الولاية.

  • تجدر الإشارة إلى أنّ جميع الأحكام الصادرة عن مقام الربوبيّة في أعلى موقعيّتها ومراتبها، بما أنّها صادرة عن ملاك الرشاد والمصلحة في نفس الحكم المأمور به أو المنهي عنه المنطبق على عالم التكوين والوجود برمّته بخلاف ما يتخيّله العوام ويظنونه، نتيجة بناء أفكارهم وأوهامهم على أساس الهوى النفساني والمنبعث من أفكار حيوانيّة ملتوية وخالية المضمون وقياسات باطلة وظنون عوام، والتي لا تملك أيّ قيمة نظريّة وعلميّة، وتفتقد لأيّ أثر إيجابي يمكن أن يترتب عليها، وتسبّب فقط الوبال والخسران في الدنيا والحسرة والندامة في الآخرة فلا بدّ أن تكون هذه الطاعة والمتابعة مبنيّة على أسس فلسفيّة وملاك عقلائي متين.

  • وهذا الأمر بناء على ما ذكره نفس الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام ناشئ عن عناية وفضل ربّاني، حيث أعطاه الله تعالى من سعة الصدر والعلم الغزير والقدرة على التحمّل والعطاء ما يفوق قدرة البشر في إجراء هذه الأمور، التي هي عبارة عن هداية جميع الناس وقيادتهم، وإلّا فلو كان الإمام عليه السلام كسائر الناس ومن جملة العلماء الكبار ونوابغ

أسرار الملكوت ج۱

223
  • العلم، فسوف تكون إطاعة مثل هذا الإنسان عبثيّة وباطلة بحكم العقل والعرف والمنطق والشرع، وستكون مفتقرة للغطاء الفلسفي والدليل الحِكَمي، ومخالفة للوجدان والبديهيّات.

  • فالإمام عليه السلام عين الله الناظرة، والإمام أذن الله السامعة، والإمام يد الله الباسطة، والإمام علم الله الواسع، والإمام حياة الله الأبديّة، والإمام قدرة الله المطلقة، والإمام نور الله في ظلمات الأرض ... إنّ الإمام عليه السلام هو كلّ شيء، وكلّ شيء منضوٍ في وجود الإمام ويخرج من نفسه وينير ويضيء من خلاله. والآن نسأل أنفسنا نحن الذين نعتبر أنفسنا أنّنا شيعة اثنا عشرية ونتّبع أئمّتنا ونطيعهم بلا قيد أو شرط ونواليهم كذلك، هل لدينا مثل هذا الاعتقاد أم لا؟

  • تباحث العلامة الطهراني مع أحد العلماء في حدود ولاية الإمام

  • أذكر أنّنا ذهبنا في زمان النظام السابق بمعيّة الوالد قدّس الله نفسه الزكيّة إلى مشهد المشرّفة للثم عتبة ثامن الحجج عليهم السلام في أيام عرفة وعيد الأضحى، ونزلنا هناك في أحد فنادق مشهد القريب من الحرم المطهّر. وفي إحدى الليالي وبعد عودتنا من الحرم المطهّر طُرق باب الغرفة، وحين فتحت الباب وجدت المرحوم آية الله السيّد كاظم المرعشي الذي كان يسكن مشهد الأقدس والذي انتقل إلى رحمة ربّه هناك، وبعد السلام والتحدّث إليه عرّفنا أنّ قصده كان زيارة شخص آخر في الفندق، لكنّ يد التقدير ساقته إلى غرفة المرحوم الوالد. وقام هو بالتسليم لهذه الصدفة الحسنة بل لهذا التقدير والقضاء الحسن، فدخل الغرفة وجلس عندنا. وكان المجلس ودّياً وطرحت فيه مطالب متنوّعة ومختلفة، إلى أن وصل البحث إلى مسألة ولاية الإمام عليه السلام وحدود شعاع هذه الولاية ضمن دائرة الأمر والنهي والطاعة لمقام الإمامة والولاية، وانساق الحديث إلى موضوع؛ هل أنّ للإمام عليه السلام الولاية في أن يأمر شخصاً بطلاق

أسرار الملكوت ج۱

224
  • زوجته، أو ليس له الولاية في ذلك؟ وهل أنّ هذه المسألة ضمن محيط آمريّة الإمام عليه السلام، وأنّه مأذون من قبل الله في دائرة ولايته في أن يتدخّل حتّى بالأمور الشخصيّة للناس نظير المسألة السابقة أم لا؟

  • في ذاك الوقت كان المرحوم آية الله المرعشي في مقام ردّ هذه المسألة، وقال: لا يمكن للإمام أن يأمر شخصاً بطلاق زوجته أبداً، وليس له الحقّ في مثل ذلك، وكيف يمكن لله تعالى الذي تدور جميع أوامره المولويّة على أساس وجود مصلحة فيها أن يجيز مثل هذه الأحكام اللغويّة والعبثيّة ويجيز للإمام أن يُعمل سليقته واختياره الشخصي على الناس، ويخرج الإنسان عن دائرة الاختيار التي منحها الله تعالى له؟! وأضاف في سياق تأييد مطلبه: عندما كنّا في النجف الأشرف تعرّضنا نحن وبعض الأصدقاء لهذا الموضوع بحضور المرحوم آية الله السيد الخميني رحمة الله عليه، وذكرنا أنّ الإمام لا يقدر على أن يُعمل آمريّته ورأيه في كلّ مورد وفي كل موضوع، عندها قام أحد العلماء الذي لا زال حيّاً حتى الآن وقال للمرحوم آية الله السيد الخميني: إنّ بائع اللبن فلاناً .. يتورّع عن قول هذا الأمر طلاق الزوجة بأمر الإمام عليه السلام فكيف الحال بنفس الإمام عليه السلام؟!

  • أنظر كيف ينفي جمع من العلماء البارزين والفضلاء المعروفين مسألة بسيطة كهذه المسألة التي يمكن التصديق بها بمجرّد تصوّرها، خصوصاً مع التوجّه إلى ما لدينا من المباني الفكريّة والنصوص المنقولة والقواعد العقليّة التي تؤيّد أن أمر الإمام عليه السلام واسع الدائرة.

  • إنّ معرفتنا وعلمنا بالإمام عليه السلام كمعرفتنا بأيّ إنسان عظيم آخر، لكن بمقدار أشدّ وأعلى قليلًا في الإمام. ونظنّ بأنّ الإمام عليه السلام في مقام الأمر والنهي يمتلك مشاعر كمشاعر أيّ إنسان عادي وأنّ إدراكه كإدراكه، لكنّ الفارق هو أنّ الإمام مأذون من قبل الله تعالى في ذلك. ولا

أسرار الملكوت ج۱

225
  • نعلم أنّ إدراك الإمام وشعوره وعلمه وإنشاءه مخالف في هويّته وماهيّته لما قرأناه وما نعلمه ونفترضه في حقّه، فالإمام في وادٍ وعالم غير الوادي والعالم الذي نحن فيه، ونظنّ بأنّ الإمام عليه السلام يفكّر مثلنا في مقام البيان والإنشاء، ويصمّم كما نصمّم.

  • قصة أمر إبراهيم بذبح ابنه إسماعيل

  • فهل الأمر بطلاق الزوجة أهمّ، أو الأمر بقتل ولدٍ معصومٍ لا ذنب له؟ فكيف يأمر الله تعالى عبده إبراهيم الخليل بذبح ولده المعصوم إسماعيل؟ فهذه الآيات تبيّن هذا الموضوع:

  • فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ (في سبيل التقرّب إلى الله) ... فَانْظُرْ ما ذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ* فَلَمَّا أَسْلَما (وقرّرا امتثال الأمر الإلهي) ... وَ تَلَّهُ لِلْجَبِينِ* وَ نادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ* قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ* إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ* وَ فَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ*1.

  • فهذه الآيات التي هي من أعجب آيات القرآن الكريم والمليئة بالأسرار، تفيد بأنّ الله تعالى أمر نبيّه إبراهيم عليه السلام بشكل صريح أن يحزّ رأس ولده الوحيد الذي كان طاهراً بريئاً، ويقدّمه قرباناً لمقام الأحديّة.

  • وهذه القصّة عجيبة! فكيف يمكن قتل ولد لا ذنب له على يد إنسان هو أفضل الخلائق عند الله تعالى في ذاك الزمان؛ وهو النبي إبراهيم عليه السلام! أوَليس جرماً قتل إنسان لا ذنب له؟! وأيّ جرم هو! فقد ورد في القرآن الكريم في مسألة قتل النفس: وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَ لَعَنَهُ وَ أَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً*2.

  • هل ارتكب إسماعيل ذنباً موجباً للقتل؟ أبداً، فهو لم يكن قد ارتكب

    1. سورة الصافات، الآيات 102- 107.
    2. سورة النساء، الآية 93.

أسرار الملكوت ج۱

226
  • أيّ ذنب حتّى ولا ذنباً صغيراً في هذا العمر، فكيف يصل به الحال إلى ارتكابه ذنباً موجباً للقتل!! وهنا يثار هذا السؤال: وهو أنّ نفس النبي إبراهيم الذي لديه مقام النبوّة ومقام الإدراك وتلقّي الوحي، بأيّ دليل يجوّز على نفسه قتل أعزّ إنسان لديه، ذاك الإنسان الذي يمتلك في ذاته قابليّة الوصول إلى مراتب القرب الإلهي وإدراك عوالم الوحي؟ ألا يعتبر الله تعالى قتل النفس المحترمة من المحرّمات، بل من أعظم الموبقات وأكثر المحرّمات إهلاكاً؟

  • كون الأمر بالذبح إمتحانياً لا ينافي إرادة إبراهيم الذبح واقعاً

  • إذا قال شخص في مقام السؤال: إنّ هذا الأمر من جملة الأوامر الامتحانيّة يراد منه إحراز مراتب الإخلاص والتسليم للمشيئة الإلهيّة، ومن الواضح أنّ مقصود الآمر من الأوامر الامتحانيّة هو ظهور مسألة التسليم والرضا عند العبد المأمور فقط لا غير، وليس مراده من إنشاء هذا الأمر الوصول إلى نتيجته التي هي إيجاد ذلك الفعل في الخارج وعالم الواقع. فالمولى في الأوامر الامتحانيّة يريد أن يعلم هل أنّ عبده في تلك المرتبة من الطاعة أو لا؟ ولا علاقة له لا بنفس الفعل المأمور به ولا بحصول نتيجته، وهذا ما نجده في قصة النبي إبراهيم؛ لأنّه حين طرح ابنه إسماعيل على الأرض ووضع السكين على منحره، تدخّل الله تعالى ضمن إعجاز منه وحال دون حزّ السكين للنحر، وهكذا اقتضت المشيئة الإلهيّة أن لا يصاب نحر إسماعيل عليه السلام بأذى أبداً. ومن هنا كان خطابه تعالى إلى إبراهيم عليه السلام: يا إبراهيم لقد صدّقت أمرنا، وعملت بالرؤيا التي رأيتها وبذلك انتهى امتحانك وخرجت منه ناجحاً مرفوع الرأس، ولم يعد هناك أيّ ضرورة لذبح ابنك إسماعيل.

  • يقال له في مقام الجواب: إن هذا الكلام ليس تامّاً، لأنّ المقصود من الأمر في الأوامر الامتحانية وإن كان صرف الطاعة وانقياد المكلّف المأمور في مقام الامتثال وإنجاز الفعل، لكن يجب أن لا يعلم الإنسان المأمور بأنّ

أسرار الملكوت ج۱

227
  • أمره امتحانيٌّ، فإنّه لو كان على اطّلاع بكون المراد من الأمر صرف الطاعة والانقياد فلن يكون معنى للامتحان عندئذٍ، وسيطمح جميع الناس للتبرّع والدخول في مثل هذا الامتحان، وعندها ستفقد الأوامر الامتحانية الفائدة المرجوّة منها.

  • من هنا نصل إلى هذه النتيجة وهي أنّ النبي إبراهيم عليه السلام كان قد قصد واقعاً القيام بذبح ابنه وتقديمه قرباناً للساحة الإلهيّة، ولم يخطر في ذهنه أبداً أنّ هذا الأمر أمر امتحاني، ولو كان هذا التصوّر قد خطر على ذهنه لتردّد وحصل له الشكّ حيال هذه القضيّة، والحال أنّ صريح الكلام والبيان وجميع الشواهد والقرائن كلّها تفيد أنّه كان يفكّر واقعاً بذبح ابنه إسماعيل عليه السلام. وهذا هو السرّ في الأوامر والنواهي الامتحانيّة التي توجب عبور النفس من ظلمات الجهل والأنانية وحبّ الذات وآثار ولوازم هذه الذات والخروج من الحجب الظلمانية والنورانية لحريم الله تعالى، وفي غير هذه الصورة لن يحصل أيّ عبور للنفس.

  • لذا يرى عباد الله المخلصون أن حصول هذه المسألة ونظائرها يعتبر هديّة ثمينة من قبله تعالى.

  • فقد ورد في الحديث الشريف: إنّ الله يتعهّد عبده المؤمن بالبلاء كما يتعهّد الغائب أهله بالهديّة1.

  • المقصود من الفداء بالذبح العظيم هو سيد الشهداء عليه السلام

  • وهنا يتّضح جليّاً سرّ قوله تعالى: وَ فَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ*2، حيث ورد في بعض الروايات والأخبار أنّ المقصود من الذبح العظيم هو من سلالته، و هو الإمام سيّد الشهداء عليه السلام الذي قدّم نفسه وأولاده وإخوانه وأهل بيته وأصحابه في طريق الحقّ تعالى، وقدّم جميع هؤلاء خالصاً ومخلصاً

    1. تحف العقول، ص 300.
    2. سورة الصافات، الآية 107.

أسرار الملكوت ج۱

228
  • لرضا الله والمشيئة والإرادة الإلهيّة، وتحقّق تأويل الرؤيا الصادقة للنبي إبراهيم عليه السلام خارجاً وفي الحقيقة1.

  • مريد پير مغانم ز من مرنج اى شيخ***چرا كه وعده تو كردى و او بجا آورد 2

  • إذا دقّق الإنسان جيداً في هذه المسألة وتأمّل بها كثيراً سوف يفهم أنّ أصل المطلب وحقيقته واحدة في جميع أنحائه وكيفياته المتفاوتة، غاية الأمر أنها تظهر تارة بصورة قتل ابنه بيده، وأخرى تكون بصورة القتل بيد أعداء الدين، وثالثة بصورة حوادث طبيعية وأمور عاديّة أو غير عاديّة، التي هي مجرى المشيئة الإلهيّة تماماً والتي تتنزّل بمقتضى التقدير والقضاء الإلهي، وهذه المشيئة موجبة لعروج النفس وعبورها من العوالم الظلمانيّة والشهوات والتوغل في الكثرات، والإقلاع عن محوريّة التعلّق بما سوى الله تعالى. نعم إنّما تكون موجبة لعروج النفس، فيما إذا كان العبد في حالة رضا كامل وتنفيذٍ لهذه الإرادة الإلهيّة بقلب نابض وروح مطمئنة. وإلّا فكلّما كان ميزان الإخلاص في عمله أقل، كان نصيبه من القرب والأجر والثواب أقل.

  • ما يجب التوجّه إليه في هذا المقام واستخلاص النتيجة منه هو أنه: إذا اعتبرنا أنّ إجراء مثل هذا القضاء من قبل الله تعالى أمراً نافذاً لا يقبل الإنكار، واعتبرنا أنّ هذا الأمر هو عين المصلحة والخير ويتضمّن السعادة والفلاح للنبي إبراهيم عليه السلام، فما هي الفائدة التي سيحصل عليها إسماعيل بقبوله لهذا الحكم؟

  • وبعبارة أخرى: إذا كان تنفيذ هذا الحكم حراماً حسب الظاهر ومخالفاً

    1. عيون أخبار الرضا عليه السلام، ج 1، ص 209.
    2. ديوان حافظ، صفحة 73، غزل 160. والمعنى: لا تعاتبني أيّها الشيخ بأن صرت مريداً لكبير المغانم وانتقالي عنك، لأنّك أنت وعدت وهو وفى.

أسرار الملكوت ج۱

229
  • للشرع ومصرّحاً بالنهيّ عنه في الأديان الإلهيّة، فإنّ مجرّد الأمر الإلهي المتوجّه إلى إبراهيم لا يقتصر فقط على رفع الحرمة والعقوبة والمفاسد النفس الأمريّة المترتّبة على هذا الفعل، بل إنّ امتثال هذا الأمر والعمل بمقتضاه موجب للقرب والارتقاء إلى مراتب الكمال العالية وموجب أيضاً لتجلّي حقيقة الإمامة والولاية في نفسه كما عبّر القرآن بذلك، فالحجّة على امتثال الأمر والقيام بالفعل قائمة بالنسبة لإبراهيم عليه السلام، لكن ماذا بالنسبة لإسماعيل عليه السلام؟

  • فمن جهة لم يشاهد إسماعيل في الرؤيا أن الله قد أمر أباه بأن يقدّمه قرباناً، ومن جهة أخرى يُعتبر قتل النفس وإلقاؤها في الهلكة حراماً شرعاً، أو فقل إنّ إيقاع النفس في الهلكة قبيح عقلًا ومحرّم شرعاً وعرفاً، إذن فلماذا قبِل إسماعيل كلام أبيه وأخذ برأيه وحثّ والده من صميم قلبه على تحقيق ما أُمر به؟ هذا ليس إلّا نتيجة اعتماده ووثوقه بكلام أبيه واعتبار هذا الأمر صادراً عن الله تعالى، وأنّ أباه مسلوب الاختيار والإرادة في تنفيذه أو عدم تنفيذه، وأنّ أساس هذا الحكم هو الإنشاء الإلهي وامتثال أمره، فاعتبر أن إبراهيم واسطة في إجراء هذا الحكم الإلهي وعاملًا في الإتيان به، وإلّا فليس هناك أيّ قاعدة أو قانون يلزم بقبول مثل هذا الموضوع من قبل شخص اتجاه شخص آخر مهما كان ذاك الشخص حتى لو فرض أنّ مرجعاً حكم على شخص أن يقتل نفسه أو على مجموعة من الناس أن يُهلكوا أنفسهم، فيحرم على هؤلاء الناس أن ينفّذوا حكم ذاك الفقيه.

  • فحكم النبي إبراهيم في وَلده لم يكن حكمه بل كان حكم الله تعالى ومن قِبَله، وإبراهيم كان مجرّد واسطة ومرآة وعامل في تنفيذ الحكم، ولم يكن لديه أيّ شيء من تلقاء نفسه، وليس لديه أمر ولا نهي ولا أيّ شيء آخر سوى كونه مجرياً للحكم.

أسرار الملكوت ج۱

230
  • كم هو جميل التصوير الذي يرسمه مولانا محمد البلخي الرومي في فناء مقام عبوديّة الأنبياء ومحوهم مقابل إرادة الله ومشيئته:

  • گفت نوح اي سركشان من من نيم***من ز جان مردم بجانان ميزيم

  • چون ز جان مردم بجانان زنده ام***نيست مرگم تا ابد پاينده ام

  • چون بمردم از حواسات بشر***حق مرا شد سمع وادراك وبصر

  • چون كه من من نيستم ايندم ز هوست***پيش ايندم هر كه دم زد كافر اوست

  • گر نبودي نوح را از حق يَدى***پس جهانى را چسان برهم زدي

  • او برون رفته بُد از ما و منى***او چو آتش بود و عالم خرمنى 1

  • يعتبر الإمام عليه السلام في هذه الرواية الشريفة التي مرّت سابقاً عن الإمام الرضا أنّ دائرة سلطة الإمام واختياره جارية وحاكمة على جميع شؤون الإنسان وإرادته واختياره على نحو اللزوم، وكلّ من أنكر من الناس

    1. مثنوي معنوي، الدفتر الأول، ص 83. والمعنى: قال نوح أيّها المتمرّدون عليّ أنا لست أنا، لقد ماتت روحي وأعيش الآن بروح حبيبي. وبما أنّي انتقلت من العيش بروحي إلى العيش بروح حبيبي، فلن تأتي منيّتي إلى الأبد. وبما أنّ حواسّي البشريّة قد ماتت، فقد صار الحقّ تعالى هو سمعي وإدراكي وبصري. وبما أنّي لست أنا فهذه النفس هي نفسه، وكلّ من يتنفّس أمامي فهو كافر. إذا لم يكن لنوح يد من الله تعالى، فكيف أمكنه أن يخرّب الدنيا بهذه الطريقة. لقد خرج عن الأنا والأنانيّة، لذا صار كالنار وصار العالم أمامه كالهشيم.

أسرار الملكوت ج۱

231
  • هذا الأمر واعتبر أنّ دور الإمام عليه السلام خارج عن حدود هذه الدائرة فقد أوقع نفسه في الخسران والهلاك وجعلها رهينة السراب والمجاز.

  • والمثير للعجب جدّاً أنّه كيف يمكن أن نقرأ أمثال هذه الروايات والآيات الدالّة على تماميّة ولاية الأئمّة عليهم السلام في جميع شؤون الحياة الإنسانيّة، ولا نستفيد منها شيئاً.

  • نظير قصة ذبح إسماعيل حصلت مع عبد الله والد الرسول

  • وقد أشار الإمام الرضا عليه السلام في رواية إلى قصة ذبح إسماعيل، وأنّ نظير هذه المسألة قد جرى لعبد المطلب في حقّ ولده عبد الله والد الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم، واعتبر هاتين القضيتين من جانب الله تعالى وأنّهما مورد رضاه ومشيئته.

  • يروي المرحوم الشيخ الصدوق في كتابه الشريف «عيون أخبار الرضا عليه السلام»:

  • حدثنا أحمد بن الحسين القطان ... عن الحسين بن علي بن الفضّال قال: سألت أبا الحسن علي بن موسى الرضا عليهما السلام عن معنى قول النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: أنا ابن الذبيحين (في سبيل الله)؟ قال: يعنى إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليه السلام وعبد الله بن عبد المطلب.

  • أما إسماعيل فهو الغلام الحليم الذي بشّر الله به إبراهيم فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ (ولم يقل افعل ما شاهدت في الرؤيا) سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ. فلمّا عزم على ذبحه فداه الله بذبح عظيم بكبش أملح؛ يأكل في سواد ويشرب في سواد وينظر في سواد ويمشى في سواد ويبول في سواد ويبعر في سواد، وكان يرتع قبل ذلك في رياض الجنّة أربعين عاماً، وما خرج من رحم أنثى وإنّما قال الله عزّ وجلّ: كُنْ فَيَكُونُ فكان ليُفدى به إسماعيل، فكلّ ما يذبح في منى (من قبل الحجّاج في العاشر من ذي الحجّة) فهو فدية

أسرار الملكوت ج۱

232
  • لإسماعيل إلى يوم القيامة. فهذا أحد الذبيحين (اللَذين أشار إليهما رسولالله صلّى الله عليه وآله وسلّم).

  • وأما الآخر: فإنّ عبد المطلب كان تعلّق بحلقة باب الكعبة ودعا الله أن يرزقه عشرة بنين ونذر لله عزّ وجلّ أن يذبح واحداً منهم متى أجاب الله دعوته. فلمّا بلغوا عشرة قال: قد وفى الله لي فلأوفينّ لله عزّ وجلّ فأدخل وُلدَه الكعبة وأسهم بينهم فخرج سهم عبد الله أبي رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وكان أحب ولده إليه (وأعزّهم لديه)، ثمّ أجالها ثانية فخرج سهم عبد الله، ثمّ أجالها ثالثة فخرج سهم عبد الله فأخذه وحبسه وعزم على ذبحه.

  • فاجتمعت قريش ومنعته من ذلك. واجتمعت نساء عبد المطلب يبكين ويصحن، فقالت له ابنته عاتكة: يا أبتاه اعذر فيما بينك وبين الله عزّ وجلّ في قتل ابنك، قال: وكيف أعذر يا بنيّة فإنّك مباركة؟

  • قالت: اعمد إلى تلك السوائم التي لك في الحرم فاضرب بالقداح على ابنك وعلى الإبل وأعط ربّك حتى يرضى. فبعث عبد المطلب إلى إبله فأحضرها وأعزل منها عشراً وضرب بالسهام فخرج سهم عبد الله، فما زال يزيد عشراً عشراً حتّى بلغت مائة، فضرب فخرج السهم على الإبل، فكبّرت قريش تكبيرةً ارتجّت لها جبال تهامة.

  • فقال عبد المطلب: لا! حتى أضرب بالقداح ثلاث مرّات (كي أقطع بأنّ القرعة خرجت على الإبل) فضرب ثلاثاً كلّ ذلك يخرج السهم على الإبل. فلمّا كانت في الثلاثة اجتذبه الزبير وأبو طالب وأخواتهما من تحت رجليه فحملوه وقد انسلخت جلدة خدّه الذي كان على الأرض، وأقبلوا يرفعونه ويقبّلونه ويمسحون عنه التراب. فأمر عبد المطلب أن تُنحر الإبل بالحزورة ولا يُمنع أحد منها، وكانت مائة.

أسرار الملكوت ج۱

233
  • إمضاء الإسلام لخمس سنن من سنن عبد المطلب

  • فكانت لعبد المطلب خمس من السنن أجراها الله عزّ وجلّ في الإسلام: حرّم نساء الآباء على الأبناء، وسنّ الدية في القتل مائة من الإبل، وكان يطوف بالبيت سبعة أشواط، ووجد كنزاً فأخرج منه الخمس، وسمّى زمزم حين حفرها سقاية الحاج. ولولا أنّ عمل عبد المطلب كان حجّة (ومطابقاً لأمر الله، وصدر عن بصيرة دينيّة وتحت غطاء شرعي) وأنّ عزمه كان على ذبح ابنه عبد الله شبيه بعزم إبراهيم على ذبح ابنه إسماعيل، لما افتخر النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بالانتساب إليهما (ولما أمضى وأيّد فعل عبد المطلب وعمله) لأجل أنّهما الذبيحان في قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: أنا ابن الذبيحين.

  • والعلّة التي من أجلها دفع الله عزّ وجلّ الذبح عن إسماعيل هي العلّة التي من أجلها دفع الذبح عن عبد الله، وهي كون النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم والأئمّة المعصومين عليهم السلام في صلبيهما، فببركة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم والأئمّة عليهم السلام دفع الله الذبح عنهما، فلم تجر السنّة في الناس بقتل أولادهم. ولولا ذلك (أي لو لم يكن وجود النبي والأئمّة المعصومين وتكوّنهم في صلبيهما هو السبب والعلّة في دفع الذبح عن هذين الشخصين) لوجب على الناس كلّ أضحى التقرّب إلى الله تعالى بقتل أولادهم (وقطع التعلّق بهم). وكلّ ما يتقرّب الناس به إلى الله عزّ وجلّ من أضحية فهو فداء لإسماعيل عليه السلام إلى يوم القيامة1.

  • يُلاحظ في هذه الرواية أنّ الإمام الرضا عليه السلام أيّد عمل عبد المطلب وأعطى الحجّية لفعله، واعتبره موجباً لمباهاة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وافتخاره، والحال أنّ ذبح الولد في شريعة الرسول الأكرم وسائر الشرائع الأخرى باستثناء قصّة قوم موسى عليه السلام حينما أمروا

    1. عيون أخبار الرضا عليه السلام، ج 1، ص 210- 212.

أسرار الملكوت ج۱

234
  • بقتل أنفسهم حرام. لكن ما يسهّل الخطب في المقام أنّ إجراء هذا الأمر ونزول هذا الحكم على هذا الإنسان كان بواسطة اغترافه من منبع الوحي مباشرة ومن خلال إشرافه على مصدر التشريع وأخذ الأحكام وملاكاتها من ذاك المقام، وحقيقة المسألة إنّما تجلّت في نفوس هؤلاء الأشخاص وظهرت نتيجة اتّصالها بمقام المشيئة والإرادة الإلهيّة ورضاها بذلك، وعندئذٍ تظهر هذه المشيئة الإلهيّة بصورة رؤيا صادقة تارة وبصورة مكاشفات روحانيّة وحقيقيّة في حالة اليقظة تارة أخرى، فكما كانت الرؤيا التي رآها إبراهيم عليه السلام حجّة عليه وعلى ابنه ودليلًا شرعيّاً على صحّة عمله، كذلك سيكون ظهور هذا المعنى أيضاً في نفس عبد المطلب بصورة نذر وعهد حجّة شرعيّة ودليلًا معتبراً.

  • يشير مولانا جلال الدين محمد البلخي إلى هذا المعنى ببيان جميل:

  • كشتن آن مرد بر دست حكيم***نى پى اميد بود و نى ز بيم

  • او نكشتش از براى طبع شاه***تا نيامد امر و الهام از اله

  • آن پسر را كش خضر ببريد حلق***سرّ آن را در نيامد عام خلق

  • آنكه از حق يابد او وحي وخطاب***هر چه فرمايد بود عين صواب

  • آنكه جان بخشيد اگر بكشد رواست***نايبست و دست او دست خداست

  • همچو اسماعيل پيشش سر بنه***شاد و خندان پيش تيغش جان بده

أسرار الملكوت ج۱

235
  • تا بماند جانت خندان تا ابد***همچو جان پاك احمد با احد

  • عاشقان جام فرح آنكه كشند***كه بدست خويش خوبانشان كشند

  • كار پاكان را قياس از خود مگير***گرچه باشد در نوشتن شير شير 1

  • يُخبرنا الإمام الرضا عليه السلام في هذه الرواية بوجود مثل هذا الحكم في شريعة النبي إبراهيم عليه السلام، نعم هذا الحكم ليس بعنوان حكم عام يمكن إجراؤه من قبل جميع الناس كما يشاءون، بل ينشأ بصورة إثبات الإرادة الإلهيّة ورضا الله، وهذا بطبيعة الحال ليس ميسّراً لجميع الناس وفي كلّ الظروف، وبما أنّ عبد المطلب متّصل بعالم الغيب ومنبع الأحكام ولديه إشراف على أصول عالم التشريع وأسراره، فقد قام باتّخاذ هذا الموقف اتّجاه أولاده.

  • زواج جويبر وابنة زياد بن لبيد بأمر الرسول

  • والمطلب الآخر هو: هل هناك فرق بين قضيّة الطلاق دون إذن الزوج ورضاه، وبين قضيّة التكليف بالزواج دون رضا الطرفين وميلهما؟ من

    1. مثنوي معنوي، الدفتر الأول، ص 7. والمعنى: إنّ قتل ذلك الشخص على يد الحكيم، لم يكن خوفاً منه ولا رجاء له. فما قتله إرضاء للسلطان، ولم يقتله قبل أن يصدر أمر الله به. ولم يدرك عوامّ الناس سرّ قتل الولد الذي ذبحه الخضر. وكلّ ما يقوله الشخص الذي يوحي إليه الله تعالى، هو عين الصواب. يحقّ له أن يأخذ الروح التي وهبها تعالى لكل شخص إذا أراد، فهو نائبه ويده هي يد الله. افعل كما فعل إسماعيل، ضع رأسك تحت السيف وسلّم روحك بسرور. لكي تبقى روحك سعيدة إلى الأبد، فكن كروح أحمد الطاهرة متّحدة مع الواحد الأحد. يشرب العشّاق كأس الفرح، في الوقت الذي يقتلهم الأولياء والصلحاء. لا تقس أعمال المطهّرين على عملك، فالفرق كبير وإن كانت الأعمال واحدة، فكتابة كلمة أسد غير الأسد الواقعي.

أسرار الملكوت ج۱

236
  • المسلّم أنّ الزواج على وجه الإكراه ومع عدم وجود الميل والرضا زواج باطل وغير قابل للتنجيز، إذن كيف نرى أنّ الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم حكم أحياناً على بعض أصحابه بتزويج بناتهم، كما حدّثنا التاريخ عن قصّة ذاك الأنصاري.

  • وخلاصة هذه القصّة هي أنّ جويبر وهو شابّ من أهل اليمن كان فقيراً وأسود اللون، وكان من جملة الأصحاب الذين كانوا يأوون إلى الصفّة1 خارج مسجد المدينة. وفي أحد الأيام أرسله رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لخطبة الذلفاء بنت زياد بن لبيد الذي كان من أغنياء المدينة ووجوهها، وكانت ابنته هذه من المعروفات بالجمال، وقد عزّ هذا الأمر على زياد بادئ الأمر وتردّد فيه، لكنّ ابنته بعد اطّلاعها على واقع المسألة حذّرت والدها من مغبّة مخالفة رسول الله ورد طلبه، وفي النهاية قبِل زياد هذا الوصال وتمّ الزواج2.

  • توضح هذه القصّة ونظائرها مسألة مهمّة وهي: كيف كان الناس في صدر الإسلام يعتبرون مخالفة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في أيّ مورد من الموارد وفي أيّ شأن من جميع شؤون الحياة مخالفاً لله تعالى وموجباً للعقاب والنقمة، حتى لو كان هذا الأمر مخالفاً لطبع الإنسان وميوله الباطنية ويغاير اختياره وإرادته.

  • زواج زيد بن الحارثة وزينب بنت جحش بأمر الرسول

  • وكذا الأمر أيضاً في قصّة زيد بن الحارثة الذي تزوّج زينب ابنة عمّة النبي بأمر منه، مع عدم رغبة زينب بزيد، والآية الشريفة تشير إلى هذه القضيّة:

    1. الصفّة هي سقيفة كانت بجانب مسجد الرسول وكان يأوي إليها فقراء المسلمين من الذين لا مأوى لهم.
    2. أنظر الكافي، ج 5، ص 339 وما بعدها.

أسرار الملكوت ج۱

237
  • وَ إِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَ اتَّقِ اللَّهَ وَ تُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَ تَخْشَى النَّاسَ وَ اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَ كانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا*1.

  • لقد أتت هذه الآية الشريفة بعد آية تسلب حقّ الاختيار عن زينب في مورد زواجها من زيد الذي كان ابناً بالتبنّي لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، والذي كان الناس ينظرون إليه أنّه عبده وغلامه. حيث تقول الآية:

  • وَ ما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَ مَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِيناً*2.

  • وهي تفيد أنّه ليس لأحد من المؤمنين أو المؤمنات أيّ حقّ في عدم امتثال أمر الله أو أمر رسوله في الإتيان بفعل أو تركه، وكلّ من يتجاوز هذا الحكم يكون قد ارتكب معصية كبيرة وهلك في غياهب الضلال.

  • الولاية في الأمر بالزواج مع عدم الرضا يساوي الولاية في الأمر بالطلاق

  • وإذا كان مثل هذا الأمر بالزواج مع الإكراه وعدم الرضا نافذاً وجائزاً من قبل الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم، لكان الأمر بالطلاق وفسخ العقد أيضاً جائزاً ولازم الاتباع كذلك.

  • وإن أريد توجيه أمر النبي في قضيّة زيد بقولهم: حيث إنّ المراد من هذا الزواج بيان حكم شرعيّ وهو: إباحة الزواج من زوجة الولد بالتبني، فسوف يكون هذا المورد بخصوصه خارجاً عن شمول الحكم بحرمة الزواج إكراهاً.

  • فالجواب أولًا: بأنّه قد نُقلت موارد أخرى صادرة عن رسول الله مشابهة لهذه القضيّة.

    1. سورة الأحزاب، الآية 37.
    2. سورة الأحزاب، الآية 36.

أسرار الملكوت ج۱

238
  • وثانياً: لا يمكن لخصوصيّة المورد أن تؤثّر على عموم الملاك وتحقّق المناط بأيّ شكل من الأشكال، وذلك لأنّ نفس عنوان عدم الرّضا هو ملاك كلّي يؤثّر شرعاً على كلّ حال ويوجب تحقّق الحكم الشّرعي دائماً، اللهم إلّا إذا كان الحكمُ الأقوى والملاك الغالب قد أخرج الموضوع من دائرة الاختيار كما هو الحال في مقامنا، لأنّ كلام رسول الله والأئمّة المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين وأوامرهم هي نفس الحقّ، ومطابقة لعين الواقع ولنفس المشيئة والإرادة الإلهيّة، واحتمال الخطأ والكذب والسهو والنسيان واللغويّة منتفٍ عنهم رأساً ومحال في حقّهم. وعليه فعندما يصدر أمر من قبل المعصوم عليه السلام في أيّ مورد من الموارد بدون أيّ قيد أو شرط وبدون التحديد بزمان خاصّ أو بمكان معيّن .. فسوف يكون هذا الأمر كالأمر الإلهي والدستور الرباني في أنّه واجب التنفيذ ولازم الإجراء والاتباع على كلّ حال.

  • وثالثاً: إنّ إطلاق الآية وشمولها يشمل كلّ ما يترشّح من لسان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أو يصدر عنه من كلام، بل إن صياغتها تأبى عن التخصيص أبداً، يقول الله في سورة النجم:

  • وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى* إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى*1.

  • فهذه الآيات تقول: أيّها الناس إنّ رسولنا لا يتكلّم من منطلق هوى النفس والميول الحيوانيّة كما هو الحال عندكم فكلامه هذا هو كلام الوحي الذي يتنزّل عليه من قبل ربّ العزّة وليس كلام إنسان عادي، كما أنّ فكره ليس فكراً آدمياً وتخيّله ليس تخيّلًا واهياً ودون أساس، وعلومه ليست من قبيل العلوم القائمة على مبدأ قراءة بعض الصفحات وفهمها فهماً خاطئاً ومزجها بصفاته النفسيّة وملكاته غير المتربّية وغير المهذّبة والتي لم تعرف

    1. سورة النجم، الآيتان 4 3.

أسرار الملكوت ج۱

239
  • التزكية، هذه الملكات التي لم تعْبر بعد من وادي النفس الأمّارة ولم تصل إلى عالم التوحيد والصفاء الذي لا لون له ولا تعيّن ولا تعلّق .. أرأيتم كم هو التفاوت كبير بين الطرق؟!

  • غلام همّت آنم كه زير چرخ كبود***ز هر چه رنگ تعلّق پذيرد آزاد است 1

  • سوف نوضح الموضوع بشكل أكثر في المستقبل إن شاء الله عندما نتعرّض لذكر مطالب ترتبط به.

  • بعد هذا العرض يمكنك ملاحظة كيف يصير مطلبٌ بهذا الوضوح وهذه الصراحة مورداً للإنكار حتى عند كثير من العلماء وأهل هذا الفنّ، حتّى وصل القول عندهم إلى أن جعلوا ظهور بعض خوارق العادات التي تظهر على يدي الإمام مشمولةً لهذا الاستبعاد وواقعةً عندهم موقع الإنكار.

    1. ديوان حافظ، ص 10، غزل 16. والمعنى: أنا فتى الهمّة، ذاك الفتى الذي تحرّر من كلّ ألوان التعلّق بالدنيا.

أسرار الملكوت ج۱

241
  •  

  •  

  • المجلس الثامن: كيفيّة فهم المسلمين للخلافة والوصاية في صدر الإسلام وفصلهم الدين عن السياسة

  •  

  •  

أسرار الملكوت ج۱

243
  •  

  •  

  • بسم الله الرحمن الرحيم

  • الحمد لله ربِّ العالمين

  • والصلاةُ على خيرة الله المنتجبين محمَّدٍ وآلِهِ الطاهِرِين

  • واللّعنةُ على أعدائِهِم أجمعين

  •  

  •  

  • الخلاف بين السنة والشيعة قائم على اعتبار الإمامة بعنوان الولاية على جميع الأمور الظاهرية والباطنية

  • إنّ الاختلاف بين التشيّع والتسنّن ليس قائماً على أساس الاختلاف في كيفيّة السجود؛ وأنّ هذا يسجد على التراب والحجر والآخر يسجد على السجّاد وغيره، فهذا الاختلاف اختلاف في الحكم واختلاف بالفتوى، وهو أمر جارٍ ومتعارف حتى بين فقهاء الشيعة ومحدّثيهم منذ القدم، بل إنّ مخالفة الإجماع واتّفاق الطائفة من فقهاء شيعة عظام أمثال المرحوم المحقّق الحلّي والعلامة الحلّي وغيرهما لم يخلق أيّ مشكلة في انتسابهم إلى الفرقة الناجية ومدرسة أهل البيت عليهم السلام، حتى وصل الأمر إلى أن يصير اختلاف فتوى مجتهد واحد في أزمنة مختلفة أمراً معقولًا ومتعارفاً وهو مشاهد عند فقهائنا.

  • وهذه المسألة لا توجب أيّ توهين أو تغيير لفقه الإماميّة أبداً. باعتبار أن المقتضي لوجود مثل هذا الاختلاف في الفتوى عند فقهائنا أمران: فمن جهة نرى أنّ مصادرنا الفقهيّة محدّدة ومعيّنة، ومن جهة أخرى هناك اختلاف في الآراء وكيفيّة الاستنتاج والاستنباط وفهم المسائل وإدراك الأدلّة، التي تقوم على أساس الظواهر المختلفة والمبادئ المتفاوتة الموجبة لتفاوت طرق

أسرار الملكوت ج۱

244
  • استنباط الفقيه، وهي التي تقتضي وجود مثل هذا الاختلاف. وهذا هو سرّ بقاء الفقه الجعفري واستمراره وتطوّره، حيث لا يعتبر الفقيه نفسه مقيّداً بأيّ قيد أو محدوداً بأيّ حدّ في مقام استنباط الأحكام الإلهيّة من مصادر الوحي، ولا يرى أيّ دخل أو تأثير لغير هذه المصادر في ترتيب مقدّمات القياس ومبادئ الاجتهاد. فالمهمّ عند الفقيه هو كلام الإمام الصادق عليه السلام وسائر الأئمّة، وهو كلام خالد وقول باق إلى يوم القيامة، دون أن يعير أهميّة لكلام أيّ شخص آخر غير الإمام، ويرى الخلود والقداسة مختصّة بخصوص منابع الوحي صلوات الله عليهم أجمعين دون غيرهم، مهما وصل بهم المقام.

  • نعم يمكن لهذا الفقيه في مقام الإفتاء والاستنباط أن يقترب من صميم الشرع وأصله عبر سلوكه مسلكاً متحرّراً غير منطلق من أيّ خلفيّة أخرى أو مسلّمة قبليّة، ودون أن يفكّر بمراعاة أحد أو بمصلحة دنيويّة أو يلحظ زخارف عالم الكثرة واعتباراته أو يقصد الرئاسة فيه، فيتصدّى لبيان الأحكام من خلال استمداد العون من النفحات القدسيّة لأصحاب الولاية الإلهيّة الكبرى.

  • إنّ الاختلاف بين هاتين الطائفتين في قبول مقام الإمامة إنّما هو في شمول الولاية لجميع الأمور الماديّة والمعنوية الدنيويّة والأخرويّة، والتصدّي لزمام الحكومة الظاهريّة والباطنيّة، وتولي التربية الجسميّة والنفسيّة، وإيصال الآخرين إلى أقصى مراتب الفعليّة ومنتهى القرب من حرم الحقّ تعالى والدخول إلى دار الاطمئنان والطمأنينة والقرار، لا في مجرّد بيان الأحكام الظاهريّة فقط وبطبيعة الحال فإنّ بيان الأحكام الظاهريّة أيضاً وتنجيزها منحصر بمقام الولاية دون غيره ولازم هذا الكلام إدراك الموقعيّة الحقيقيّة للإمام عليه السلام وفهم استعدادات الإمام وإمكاناته وخصوصيّاته وصفاته وملكاته وكيفية إجراء المشيئة الإلهيّة في عالم الوجود

أسرار الملكوت ج۱

245
  • من خلال نفسه القدسيّة، وأنّ المشيئة الإلهيّة إنّما تتمشّى بحكمه النافذ، كما نقرأ في الزيارة الجامعة:

  • أوصاف الولاية وبيان منزلتها في الزيارة الجامعة

  • السلام عليكم يا أهل بيت النبوّة، وموضع الرسالة، ومختلف الملائكة، ومهبط الوحي، ومعدن الرحمة وخزّان العلم، ومنتهى الحلم، وأصول الكرم، وقادة الأمم، وأولياء النعم، وعناصر الأبرار، ودعائم الأخيار، وساسة العباد، وأركان البلاد، وأبواب الإيمان، وأمناء الرحمان، وسلالة النبيّين، وصفوة المرسلين، وعترة خيرة ربّ العالمين ورحمة الله وبركاته ...

  • السلام على محالّ معرفة الله، ومساكن بركة الله، ومعادن حكمة الله وحفظة سرّ الله، وحملة كتاب الله، وأوصياء نبي الله، وذرّيّة رسول الله صلّى الله عليه وآله ورحمة الله وبركاته1 ....

  • في هذه الزيارة الشريفة التي تشرّفت بالصدور عن الإمام علي الهادي عليه السلام، يبيّن الإمام فيها أوصاف الولاية ومنزلة شؤونها بالتفصيل، وحاصل ما يفيده بشكل عام أنّ الإمام عليه السلام هو حافظ الأسرار الإلهيّة ونظام عالم الوجود، ومدبّر المشيئة الإلهيّة ومنفّذ تقديرها، والمهيمن على المصالح والمفاسد النفس الأمريّة، والعاكس للرضا والاختيار الإلهي بين العباد، وكلامه عين الحقّ والصدق المطلق، وفعله حجّة على سائر الناس ودليل لهم.

  • إنّ العبارات الواردة عن الإمام عليه السلام في هذه الزيارة صدرت بنحوٍ جعلت بعض الأشخاص القاصري النظر والساذجين بتفكيرهم، أن يتردّدوا في نسبتها إلى الإمام عليه السلام وأن ينكروا صدورها عن المعصوم، غافلين عن قول الشاعر:

    1. عيون أخبار الرضا عليه السلام، ج 2، ص 171 و 273؛ و من لا يحضره الفقيه، ج 2، ص 610.

أسرار الملكوت ج۱

246
  • رمد دارد دو چشم اهل ظاهر***كه از ظاهر نبيند جز مظاهر 1

  • فحتى لو كان شخص ما ظاهره شيعيّاً لكنّه لا يعتقد بهذا المقام للأئمّة عليهم السلام، ويعتبر أن دورهم مقتصر على حدود بيان المسائل الشرعيّة فقط، إلا أنّهم منصوبون من قبل الله تعالى للقيام بذلك. أو تقدّم إلى أكثر من ذلك بقليل؛ بأن كان يعتقد أنّ دعاءهم مستجاب إذا كان موافقاً لرضا الله عزّ وجلّ، وإذا لم يكن موافقاً لرضاه فهو مردود .. فهل يمكن أن نطلق على هذا الشخص أنّه شيعي؟! حتى لو كان يقول بغصب الخلافة المنصوصة لأمير المؤمنين عليه السلام بلا فصل بعد الرسول من قبل الخلفاء الثلاثة الغاصبين!! أو كان مثل الكثيرين الذين يعتبرون أنّ هذه المسألة ناشئة عن انتخاب عام، ونابعة عن العمل بمقتضى الديمقراطيّة وحريّة الفكر والاعتقاد والعمل، وإن كان هناك مخالفة بسيطة لصريح كلام الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم ونصّه، دون أن تصل إلى مرحلة الجحود والإنكار والمواجهة؟ فهل يكفي في كون الإنسان شيعيّاً أن يكون مقتصراً على أخذ المسائل الشرعيّة والفرعيّة من الإمام فقط؟ وسوف يأتي في محلّه إن شاء الله أنّ الكثير من العظماء الإلهيين والأولياء الكبار مع امتلاكهم المقام الشامخ في الفقاهة والفتوى ومن شأنهم إصدار الأحكام والفتاوى .. كان بعض تلاميذهم يقلّدون مراجع ذلك الزمان ومجتهدين آخرين موجودين في عصر هؤلاء العظام، مع أنّهم هؤلاء التلاميذ كانوا يعتقدون بعلوّ درجات أساتذتهم ووصولهم إلى مراتب الكمال والشهود، وهذا الأمر إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على عدم الإدراك الصحيح لحقيقة التشريع وعدم الاطّلاع الكافي على مصدر الوحي ومنبع نزول الأحكام، والنظر إليها بما هي أمور اعتباريّة وملاكات ظاهريّة و «إن قلت قلت» المتعارفة في المدارس والحوزات.

    1. گلشن راز، ص 71، رقم 107.
      والمعنى: إنّ عيون أهل الظاهر مصابة بالرمد، فإنّهم لا يرون سوى المظاهر.

أسرار الملكوت ج۱

247
  • وهنا يجب الإقرار بأنّ مسألة أخذ الأحكام الفرعيّة من مصدر غير المعصوم عليه السلام من جهة، والاعتقاد بمراتب كمال الإمام عليه السلام وفعليّة مقاماته من جهة أخرى، ناشئ عن نوع من الجهل وعدم المعرفة الصحيحة للتوازن بين التكوين والتشريع واتحادهما والعلاقة بينهما. وهذا الجهل لم يكن مقتصراً على الكثير من الناس في زمن الإمام فقط، بل إنّه موجود ومشاهد بوضوح في الزمن الحاضر عبر مصاديق متعدّدة وفي مراتب متفاوتة.

  • عدم إمكان اعتبار ابن أبي الحديد خارجاً عن مدرسة أهل البيت لمدحه الخلفاء الثلاثة

  • وعلى صعيد آخر، هل أنّ ابن أبي الحديد المعتزلي الذي نعتبره من أهل السنّة والمنحرفين عن جادّة الصواب وحريم الولاية ومخالفاً للطريق المنصوص ليس له أيّ مكان في مدرسة أهل البيت عليهم السلام؟ وهل يجب علينا نفيه وطرده من هذه المدرسة لمجرّد صدور بعض المدح بحقّ الخلفاء من قبله، مع العلم أنّه أورد الكثير من وجوه الإشكال عليهم بل واستهزائه بهم وببعض اعتقاداتهم؟ والحال أنّ المناقب التي يذكرها بحقّ مولى الموالي علي بن أبي طالب عليه السلام وأشعاره فيه تحيّر الإنسان وتدهشه، فقد ذكر:

  • قد قلت للبرق الذي شقّ الدجى***فكأنّ زنجيّاً هناك يُجدِّع

  • يا برق إن جئت الغريّ فقل له***أتراك تعلم من بأرضك مودع

  • فيك ابن عمران الكليمُ وبعده***عيسى يقفّيه وأحمد يتبع

  • بل فيك جبريل وميكال وإس***رافيل والملأ المقدّس أجمع

  • بل فيك نور الله جلّ جلاله***لذوي البصائر يستشفّ ويلمع

  • فيك الإمام المرتضى فيك الوصي***المجتبى فيك البطين الأنزع 1

  • انظر إلى هذه الأبيات فإن ابن أبي الحديد يصرّح فيها أنّ ذاك الإمام

    1. الروضة المختارة، ص 136 و 137.

أسرار الملكوت ج۱

248
  • والقائد المرتضى هو علي، وأنه الوصيّ والخليفة المنتخب من قبل الرسول! وإذا قال شخص: إنّ مجرّد التولّي ليس كافياً في ثبوت التشيّع بل لا بدّ من تحقيق حالة التبرّي من أعداء الله وأعداء أهل البيت عليهم السلام ومعارضيهم كما هو الحقّ واقعاً حيث ورد في الآية الشريفة:

  • لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ لَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَ يُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ*1.

  • فمما لا ريب فيه أنّ التديّن الواقعي والاعتقاد الصحيح يجب أن يكون محتوياً على هذين الأصلين من الأصول الاعتقاديّة: الأول التولّي، والثاني التبرّي. لكن إذا كان هناك شخص مثل ابن أبي الحديد الذي هو من ناحية التولّي ينشد مثل هذه الأشعار في مدح أمير المؤمنين عليه السلام، ومن جهة التبرّي يورد كلام هجاء بحقّ أبي بكر وعمر عندما أرسلهما الرسول على رأس الجيش في حرب خيبر وفرّوا بشكل فاضح حيث يقول:

  • أحَضْرهما أم حضْرُ أخرج خاضِبٍ***وذان هما أم ناعم الخدّ مخضوب 2

    1. سورة المجادلة، الآية 22.
    2. الروضة المختارة، ص 92. و قدر ورد هذا البيت ضمن أبيان منها:
      وما أنسى لا أنسى اللذي تقدّما--وفرّهما و الفرّ قد علما حوب
      وللراية العظمى و قد ذهبا بها--ملابس ذلّ فوقها و جلابيب
      يشلّهما من آل موسى شمردل--طويل نجاد السيف أجيد يعبوب
      يمجّ منوناً سيفه و سنانه--ويلهب ناراً غمدهُ و الأنابيب
      أحضرهما أم حضر أخرج خاضب--و ذان هما أم ناعم الخدّ مخضوب
      عذرتكما إنّ الحمام لمبغض--وإنّ بقاء النفس للنفس محبوب
      --

أسرار الملكوت ج۱

249
  • والمعنى: هل أنّ فرارهما أقوى وأشدّ أم فرار النعامة في عدوها، وهل هما رجلان أم أنّهما كالنساء المدلّلات والمرهفات؟!

  • فهل يحقّ لنا أن ننفي عن هذا الإنسان صفة الموالي ونطرده من زمرة المعتقدين بولاية أمير المؤمنين عليه السلام؟!

  • إذا كان المفروض اعتبار مسألة التبرّي وإظهار البراءة من أعداء أهل البيت عليهم السلام بالمعنى المصطلح والمتعارف عليه دخلية في أصل صدق عنوان التشيّع، فلا بدّ من القول بأنّ أغلب المتعنونين بهذا العنوان وأكثر مصاديق هذا الاسم ليسوا شيعة، وسوف يبقى القليل فقط من المدّعين للتشيّع منضوين تحت هذا العنوان ومصاديق له.

  • ألم يقل الإمام الصادق عليه السلام لصفوان الجمّال: لماذا أكريت جمالك لهذا الرجل (هارون الرشيد) في سفره إلى الحجّ؟ أوَلست ترغب في بقائه حيّاً وعودته سالماً من مكّة كي يعطيك أجرة جمالك؟ إذا كان الأمر كذلك، فانظر كم سيبقى من الشيعة الذين يلتفتون إلى هذه المسألة بشكل دقيق، ويعتبرون أنّ العلاقة مع أعداء أهل البيت عليهم السلام ومعانديهم هي عداوة لشخص الإمام عليه السلام وخصام له يجب الاحتراز عنها؟ وهنا يجب القول:

  • گر حكم شود كه مست گيرند***در شهر هر آنچه هست گيرند 1

  • أوَلسنا نرى هذه المسألة في أيّامنا بكثرة عند العديد من الناس وفي مختلف طبقاتهم، فهل الإمام عليه السلام راض بهذا الأمر؟

  • كان أكثر المسلمين في السابق يرون فصل الدين عن السياسة

  • وأمّا النكتة الأساسيّة التي أشير إليها سابقاً فهي: إن اعتقاد الكثير من

    1. المعنى: إذا حُكم بإلقاء القبض على السكارى، فلن يبقى في المدينة أحد.

أسرار الملكوت ج۱

250
  • الناس في الزمن السابق، بل يجب القول إن اعتقاد أكثر المسلمين كان قائماً على أساس الفصل والتفريق بين مسألة الخلافة والحكومة الظاهريّة وبين مسألة الإمامة والتكفّل بالأمور الباطنيّة والتصدّي للأحكام الشرعيّة، ككلام أبي هريرة، عندما كان يقول: الصلاة وراء علي أفضل، والأكل على سفرة معاوية أدسم1.

  • فالناس كانوا يتعاملون مع الحكومة على هذا الأساس، وكانوا يرون فصل الدين عن السياسة، لا أنّهم كانوا يعتقدون واقعاً بالخلفاء الثلاثة. وإلّا فمع الاعتقاد بالخلافة الظاهريّة لأبي بكر وعمر، كيف يمكن لعالم مثل ابن أبي الحديد أن يهجوهما ويظهر السخرية بهما؟! لكنّه عند بيان معتقده ورأيه في أمير المؤمنين عليه السلام، تراه يذكره بكلّ خضوع وتواضع، وهذا ما نجده في أماكن مختلفة من كتابه شرح نهج البلاغة.

  • يظنّ الكثير من الناس أنّ تنصيب أمير المؤمنين عليه السلام في مقام الولاية من قبل الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم منحصر فقط بمقام الإرشاد وإلقاء المعارف والأحكام الشرعيّة والتربية المعنويّة والروحيّة، وأمّا في مقام إجراء الأحكام الظاهريّة والتدابير الحكوميّة فالحاكم والخليفة المجري للقوانين الاجتماعيّة يجب أن يكون منتَخَباً من قبل عامّة الناس لا معيّناً بواسطة التنصيب الإلهي. وهذا ما يعتقد به حتى الكثير من علماء الشيعة في هذه الأيام.

  • إن مسألة فصل الدين عن السياسة، وإن كانت غير مقبولة عندنا ولن تصير مقبولة أبداً، إلّا أن الكثير من الناس يعتقدون بها، ويرتكزون عليها ويستدلّون في اعتقادهم هذا بالآية القرآنية الشريفة: وَ أَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ2،3

  • أسرار الملكوت ؛ ج1 ؛ ص251
    1. شيخ المضيرة أبو هريرة، ص 56، والإيضاح، الفضل بن شاذان، ص 537.
    2. سورة الشورى، الآية 38.
    3. حسينى طهرانى، سيد محمد محسن، أسرار الملكوت، 3جلد، دار المحجة البيضاء - بيروت - لبنان، چاپ: 1، 1430 ه.ق.

أسرار الملكوت ج۱

251
  • ويستدلون بها على صحة رأيهم، أو يستدلّون بما ورد في بعض عبارات أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة حيث يقول:

  • ولعمري لئن كانت الإمامة لا تنعقد حتى يحضرها عامّة الناس فما إلى ذلك سبيل، ولكن أهلها يحكمون على من غاب عنها ثمّ ليس للشاهد أن يرجع ولا للغائب أن يختار1.

  • يقول الإمام عليه السلام: بعد أن بايعني أهل الحلّ والعقد الذين يسكنون مع الحاكم في نفس البلد، فليس هناك ضرورة لبيعة الآخرين الذين هم خارج هذه المدينة والذين لا يمكن إطلاعهم على ما جرى، ويجب عليهم جميعاً أن يسلّموا لحكم الحاضرين، فبيعة الحاضرين حاكمة وواردة على الغائبين، كما أن الأشخاص الشاهدين الذين بايعوا لا يمكنهم أن يرفعوا أيديهم عن هذه البيعة وينقضوها.

  • المراد من اجتماع المهاجرين والأنصار على انتخاب الخليفة هو اجتماع أهل الحلّ والعقد

  • وفي عبارة أخرى يقولها لمعاوية لعنه الله:

  • إنّه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار (شخصاً آخر) ولا للغائب أن يردّ (هذه البيعة وينقضها)، وإنّما الشورى للمهاجرين والأنصار (لا للبعيدين عن البلاد الإسلاميّة الذين هم حديثو عهد بالإسلام ولا يعرفون عنه شيئاً حتى الآن)، فإن اجتمعوا على رجل وسمّوه إماماً كان ذلك لله رضى2 ...

  • دقّق جيداً وانظر! فأمير المؤمنين عليه السلام يعتبر أنّ اجتماع المهاجرين والأنصار على انتخاب شخص موضع رضا الله تعالى، وهنا وإن كان المطلب كبيراً جدّاً ويجب أن تُفهم عبارة الإمام بشكل صحيح بمعنى أن يُحمل الاجتماع فيها على اجتماع أهل الحلّ والعقد والأشخاص

    1. نهج البلاغة، ج 2، ص 86.
    2. نهج البلاغة، ج 3، ص 7.

أسرار الملكوت ج۱

252
  • المنزّهين والمنتجبين في المجتمع الذين يُعتبرون رؤوس القوم ووجوه الأمة فيه، ويكون كلامهم بعيداً عن الحبّ والبغض الشخصي، وتكون عقولهم قد وصلت إلى مرتبة من الرشد والصلاح والتمييز بين الصحّة والفساد، فإذا حصل مثل هذا الاجتماع فسوف يتم انتخاب الإمام المعصوم واقعاً إلّا أنّ الكثير من الأشخاص يحملون هذه العبارة على ذاك المعنى العامي والبَدْوي، وما يستأنس به العرف في هذا المقام.

  • أذكر أنّي ذهبت في أحد الأيّام مع المرحوم الوالد رضوان الله عليه إلى منزل أحد مراجع زمانه في مدينة قم المقدسة لزيارته، وكان في مجلسه أحد العلماء القريبين من ذاك المرجع، وقرأ هذه الفقرة من رسالة أمير المؤمنين عليه السلام إلى معاوية، وطلب من الحاضرين الإجابة على هذه المعضلة المهمّة والإشكال الكبير! وعلى ما أذكر؛ أنّه لم يستطع أحد من الحاضرين في ذاك المجلس الإجابة بشكل مقنع على هذا الإشكال، وبقيت هذه المعضلة عند السائل دون حلّ!

  • إنّ الجواب على هذه المسألة وإن كان واضحاً جداً بالنسبة لنا كما ذكرنا سابقاً لكن مثل هذه العبارات، أو مثل بعض تصرّفات الأئمّة المعصومين عليهم السلام مع خلفاء الجور وحكّام الظلم في زمانهم، أوقعت الكثير من الناس في شبهة ولم يقدروا أن يضعوا أيديهم على حقيقة هذا الأمر وواقعه. وكذلك الحال في علاقة أكثر الأئمّة عليهم السلام بخلفاء وحكّام بني أميّة وبني العبّاس، فإنهم وإن كانوا في تعاملهم هذا قائماً على أساس التقيّة منهم، إلّا أنّه من غير المعلوم أن يكون هذا الأمر وطبيعة هذه العلاقة واضحة للجميع بشكل جيد.

  • فمثلًا ما صدر من تعبير «أمير المؤمنين» بحقّ خلفاء الجور المروي عن الإمام موسى بن جعفر عليهما السلام، أو ما صدر عن أبيه بحقّ المنصور

أسرار الملكوت ج۱

253
  • الدوانيقي وهارون الرشيد، أو ما صدر عن الإمام أبي الحسن علي بن موسى الرضا عليه السلام بحقّ المأمون لعنة الله عليه ... يمكن لهذه العبارات أن تورد في أذهان البعض شبهة وهي: إنّ كيفيّة العلاقة التي كانت قائمة بين الأئمّة عليهم السلام وبين خلفاء زمانهم لم تكن بتلك المرتبة من السوء التي يعتقدها الشيعة الآن، بمعنى أنّ العبارات التي يتداولها عموم الشيعة بحقّ الخلفاء والحكّام الغاصبين في هذه الأيّام لم تكن موجودة ومتداولة في ذاك الزمان.

  • تقديم أمير المؤمنين النصائح إلى خلفاء الجور ليس دليلًا على رضاه عنهم

  • يعتقد الكثير من الناس في هذه الأيّام أنّ طبيعة علاقة أمير المؤمنين عليه السلام بخلفاء زمانه واشتراكه في جماعاتهم ومساعدته لهم على الصعيد الفكري وتقديم المشورة التي كانت من دأب الإمام طوال زمن غصب الخلافة، والإجابة على حاجات جهاز الخلافة الجائرة للخلفاء الثلاثة، والدفاع عن شرف الإسلام وموقعيّته في المواقع الحسّاسة والضروريّة، وإعطاء النصائح الشفيقة في تحديد المسير الصحيح عند الأزمات السياسيّة والاجتماعيّة المعقّدة، والحروب الإسلاميّة مع الدول الأجنبيّة وغيرها .. جميع هذه الأمور تكشف عن نوع من الرضا ولو كان قليلًا بما يجريه الحاكم في زمان الأئمّة عليه السلام.

  • إنّ هذا الاعتقاد وهذه النظرة وإن كانت خاطئة مائة بالمائة وتتناقض مع جميع الموازين والمباني التاريخيّة والاعتقاديّة في الإسلام، وكذلك تتعارض بشكل قطعيّ مع المباني العقليّة أيضاً، فإنّ ما كان يقدّمه هؤلاء الأولياء الإلهيّين من مساعدات، يجب أن يُحمل على أساس تجسّد روح الحميّة والغيرة والإيثار والعطف في وجودهم، ويجب أن ينشد السبب المنشئ لمثل هذه الأعمال في اندكاك ذوات هؤلاء الأولياء العظام في عالم التوحيد والفناء في ذات الله تعالى، والخروج عن جميع شوائب الوجود

أسرار الملكوت ج۱

254
  • وكثرات عالم الدنيا والخروج من عوالم الأوهام والتخيّلات والأهواء الباطلة والاعتبارات النفسانيّة وشِباك عالم الغرور والأنانيّة، والتحقّق بحقيقة التوحيد الصرف والخالص والمطلق، وفي النهاية ظهور وتجلّي الأسماء والصفات الكليّة الإلهيّة في النفوس المقدّسة لهؤلاء العظام .. لكن مع ذلك يمكن أن نجيب على الذين لا يملكون اعتقاداً راسخاً بالمباني والموازين المعتمدة من طريق الأدلة الصحيحة.

  • كلام أحمد أمين المصري حول زيد بن علي نقلًا عن كتاب «معرفة الإمام»

  • ينقل أحمد أمين المصري في كتابه ظهر الإسلام، ج 4، ص 109 في هذا الصدد مطلباً عن زيد بن علي بن الحسين عليهما السلام، ونحن ننقله هنا كما نقله المرحوم الوالد رضوان الله عليه مع التعليق عليه في كتابه معرفة الإمام، ج 15، ص 239:

  • ومن أشدّ الخصومات ما كان بين المعتزلة والروافض لما روي من أنّ جماعة كثيرة جاءت زيد بن علي لتبايعه، وألحّوا عليه في قبول البيعة ومحاربة بني مروان. فلمّا أراد زيد أن يجاهر بالأمر، جاء إليه بعض رؤسائهم وقالوا له: ما قولك في أبي بكر وعمر؟ قال زيد: رحمهما الله وغفر لهما، ما سمعت أحداً من أهل بيتي يتبرّأ منهما ولا يقول فيهما إلا خيراً، وأشدّ ما أقول: إنّا كنّا أحقّ بسلطان رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم من الناس أجمعين، وإنّ القوم استأثروا علينا ودفعونا عنه. ولم يبلغ ذلك عندنا بهم كفراً. قد ولوا فعدلوا في الناس وعملوا بالكتاب والسنّة. فلم تعجبهم هذه الأجوبة، فنكثوا عن البيعة له ورفضوه، فقال زيد: رفضتموني في أشدّ ساعات الحاجة! فسمّوا بالروافض عند ذلك. وقد يسمّون بالرافضة أيضاً وهو اسم مكروه.

أسرار الملكوت ج۱

255
  • وهناك طوائف غير الرافضة بعضهم أكثر غلوّاً، وبعضهم أكثر اعتدالًا، ومن أعدلهم الزيديّة. كذلك من أعدلهم مَن جمع بين الشيعة والاعتزال. انتهى كلام أحمد أمين.

  • وأقول والكلام للمرحوم الوالد: إنّ ما نُسب إلى زيد تبعاً لبعض المؤرّخين ترحّمه على الشيخين وعدم تبرّئه منهما، وجواز إمامتهما مع وجود من هو أفضل منهما، خلاف صريح لمذهب الشيعة وأهل البيت، وزيد خرّيج مدرسة أهل البيت عليهم السلام فلا يمكن أن يخالفهم أبداً، ومن المحتمل أنّ كلامه في تلك المعركة كان من منطلق التقيّة. وإذا قال بعضهم: لا تقيّة عند الخروج بالسيف، فجوابه: كان خروجه على بني مروان لا على الشيخين. ولعلّ كثيراً من جنده كانوا يتولّونهما، فإنكاره لهما والبراءة منهما في تلك الظروف الحساّسة بعيدان عن العقل والاحتياط.

  • انتهى كلام المرحوم الوالد رضوان الله تعالى عليه.

  • وأما اعتقاد الحقير كاتب هذه السطور فهو أنّ كلام المرحوم الوالد قدّس الله نفسه في ضرورة التبرّي من خلافة وحكومة الشيخين، هو أصل متقن غير قابل للإنكار أو الخدشة فيه في مذهب التشيّع والمدرسة الحقّة لأهل البيت، ولا مجال للتأمّل أو التشكيك فيه، وأنّ كلام زيد بن علي يُحتمل صدوره على وجه التقيّة، فهو أمر موجّه ويمكن القبول به أيضاً، لكنّ توجيه هذه المسألة بهذا المعنى ليس معلوماً لأشخاص مثل أحمد أمين المصري، خصوصاً وأنّ الكثير من العلويّين من بني الحسن وحتى بني الحسين عليهما السلام كانوا على علاقة طيّبة بحكّام زمانهم، وكثيراً ما كانوا يُولّونهم الأعمال الحكوميّة أو كان هؤلاء يتصدّون لوزارتهم أو كانوا

أسرار الملكوت ج۱

256
  • يقدّمون المشورة لهم. وهذا ما يعزّز الشبهة القائلة بأنّه لم يكن يُرَ من العلويّين تلك الحساسية من تولّي خلفاء الظلم والجور على الأمور. وبناء عليه فالشيعة ملزمون لإثبات صحّة مذهبهم ومرامهم في هذا المجال أن يسعوا أكثر لشحذ الأدلّة المقنعة والبراهين القاطعة وإلقائها في ميدان الجدال وتقابل الآراء والأفكار المختلفة حول هذا الموضوع، وهذا ما نشاهده بوضوح في هذه الأيام من قبل الكثير من المنتسبين إلى مدرسة أهل البيت عليهم السلام، أو من قبل المبرّزين والمتصدّين لهذه الأمور في المجتمع الشيعي.

  • وعلى هذا الأساس ينبغي أن لا يوضع جميع المنتسبين إلى مدرسة العامّة في كفّة واحدة من الميزان، ويوضع الشيعة بالمصطلح المتعارف والمفهوم الفعلي من هذه العبارة في كفّة أخرى، بل يجب فحصهم والبحث فيهم جيداً ومحاكمتهم على أصول مبناهم ومعتقدهم؛ ذاك المبنى القائم على أساس جواز تصدّي غير الإمام المعصوم عليه السلام لأمور الخلافة والحكومة فيما إذا انتخبه عامّة الناس واختاروه، وفي نفس الوقت يعتقدون أيضاً بإمامة أئمّة الهدى صلوات الله عليهم أجمعين ويثبتون الأفضليّة المعنويّة والدرجات العالية والمراتب الكماليّة لهم. وعندئذٍ لا بدّ أن يحسب هؤلاء من جملة الشيعة والتابعين لمدرسة التشيّع.

  • وكذا الحال بالنسبة للذين لم يستطيعوا تشخيص الطريق الصحيح من السقيم، نتيجة جهلهم وعدم علمهم ووصولهم إلى متن الواقع والحقيقة المبيّنة للخواص من الأمّة. فهؤلاء وإن بقوا بعيدين عن مدرسة أهل البيت عليهم السلام ومعتقدين بخلاف مباني التشيّع والمسير الصحيح، إلّا أنّهم نظراً لقصورهم وعدم فهمهم الصحيح وعدم حصولهم على المباني والأصول الصحيحة، سوف يعامَلون معاملة المستضعفين وستشملهم رحمة الله وغفرانه إن شاء الله.

أسرار الملكوت ج۱

257
  • نعم أولئك الذين أغمضوا أعينهم عن رؤية جمال الحقيقة والنظر إلى شمس الولاية، واعتبروا جحوداً وعناداً وكفراً ونفاقاً أنّ الإمام عليه السلام كسائر البشر العاديّين عارٍ عن الصفات والكمالات الواقعيّة ولوازم الولاية والسيطرة الإلهيّة .. يجب أن يُحسبوا من جملة المتمرّدين على الطريق المستقيم والصراط السويّ المؤدّي إلى الحقّ وإلى الله تعالى، ولا بد من فصل حساب هؤلاء عن حساب الآخرين.

  • رسالة شكر من الشيخ الطنطاوي إلى آية الله المرعشي لإهدائه نسخة من الصحيفة السجادية

  • وهنا لا أعتبر استطراداً إيراد جزء من رسالة المفسّر الكبير والعالم المصري المعروف والمشهور الشيخ الجوهري الطنطاوي التي أرسلها إلى المرحوم المغفور آية الله السيد شهاب الدين المرعشي النجفي، وهي بعنوان رسالة شكر للمرحوم المرعشي لإرساله نسخة من الصحيفة السجادية الكاملة إليه، فقد ورد في الرسالة:

  • ومن الشقاء أنّا إلى الآن لم نقف على هذا الأثر القيّم الخالد من مواريث النبوّة وأهل البيت، وإنّي كلّما تأمّلتها رأيتها فوق كلام المخلوق ودون كلام الخالق1.

  • فلاحظ هذا العالم المصري مع كونه متضلّعاً في شتّى العلوم ومتتبّعاً للكتب، نراه حتى الآن لم يستطع العثور على هذا الكتاب النفيس للشيعة، والذي يعتبر ثالث الكتب الأكثر رواجاً في المجتمع الشيعي بعد القرآن ونهج البلاغة، ويتأسّف على هذه الخسارة الفادحة لأنّه بقي محروماً طوال هذه المدّة من الاستفادة والاستفاضة من هذا الكتاب، ويرى أنّ عبارات الصحيفة السجاديّة أعلى من فهم البشر وطاقتهم وأنّها دون كلام الله المتعال.

  • إنّ مسألة عدم الاعتقاد باتّحاد الخلافة والإمامة كما هو مشهود

    1. معرفة الإمام، ج 15، ص 27.

أسرار الملكوت ج۱

258
  • في كلام ابن أبي الحديد، يُعتبر أيضاً من المواضيع الغامضة والقابلة للتأمّل بين المسلمين منذ القدم، أو بعبارة أخرى إنّ هذه المسألة مطروحة بعنوان كونها قضيّة نظريّة، لا بعنوان كونها قضيّة بديهيّة أو بدْويّة.

  • سؤال ابن أبي الحديد النقيب وجوابه يوضح بعض الحقائق للعامّة

  • يقول ابن أبي الحديد في كتابه شرح نهج البلاغة، ج 3، ص 115، بعد أن يورد أخباراً عن عمر دالّة على أنّ رسول الله كان يريد استخلاف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب:

  • سألت النقيب أبا جعفر يحيى بن محمّد بن أبي زيد وقد قرأت عليه هذه الأخبار فقلت له: ما أراها إلا تكاد تكون دالّة على النصّ، ولكنّي أستبعد أن يجتمع الصحابة على دفع نصّ رسول الله صلّى الله عليه وآله على شخص بعينه، كما استبعدنا من الصحابة على ردّ نصّه على الكعبة (وتحريف قوله في القبلة وأحكام الصلاة) وشهر رمضان وغيرهما من معالم الدين. فقال لي رحمه الله: أبيت إلّا ميلًا إلى المعتزلة!

  • ثمّ قال: إنّ القوم (في السابق) لم يكونوا يذهبون في الخلافة إلى أنّها من معالم الدين وأنّها جارية مجرى العبادات الشرعيّة (لا تقبل التصرّف والتغيير أو التبديل) كالصلاة والصوم، ولكنّهم كانوا يُجرونها مجرى الأمور الدنيويّة ويذهبون لهذا مثل تأمير الأمراء وتدبير الحروب وسياسة الرعيّة، وما كانوا يبالون في أمثال هذا من مخالفة نصوصه صلّى الله عليه وآله إذا رأوا المصلحة في غيرها (وكانوا يقدّمون تشخيصهم في مصلحة المجتمع على أمر الرسول ويجعلون كلامه جانباً دون أن يعملوا به).

  • ألا تراه كيف نصّ على إخراج أبي بكر وعمر في جيش أسامة ولم يخرجا، لما رأيا أنّ في مقامهما مصلحة لله وبه في بعض النسخ: للدولة. وللملّة، وحفظاً للبيضة، ودفعاً للفتنة؟! (واعتقدا أنّهما سيحافظان بذلك على قوّة الإسلام ويدفعان

أسرار الملكوت ج۱

259
  • عنه الفتنة والفساد) وقد كان رسول الله صلّى الله عليه وآله يخالَف وهو حيّ في أمثال ذلك فلا ينكره ولا يرى به بأساً (ولم يكن ينبّههم على ذلك).

  • ألست تعلم أنّه نزل في غزاة بدر منزلًا على أن يحارب قريشاً فيه، فخالفته الأنصار (ولم تر المكان مناسباً للحرب) ... فرجع إلى آرائهم!؟

  • .. وقد كان قال لأبي هريرة: أخرج فنادِ في الناس: من قال لا إله إلا الله مخلصاً بها قلبه دخل الجنّة، فخرج أبو هريرة فأخبر عمر بذلك فدفعه في صدره، حتى وقع على الأرض، فقال: لا تقلها، فإنّك إن تقلها يتّكلوا عليها، ويدعوا العمل ...

  • وقد أطبقت الصحابة إطباقاً واحداً على ترك كثير من النصوص (الصريحة المرويّة عن الرسول) لمّا رأوا المصلحة في ذلك؛ كإسقاطهم سهم ذوي القربى (من الخمس وهو سهم ذرّية الرسول) وإسقاط سهم المؤلّفة قلوبهم (وهو سهم الكفّار والمشركين الذين يعيشون بجوار البلاد الإسلاميّة، وقد ضربه لهم الرسول تصفية لنفوسهم وتأليفاً لقلوبهم، وبالتالي لاستمالتهم نحو منهج الحقّ)، وهذان الأمران أدخل في باب الدين منهما في باب الدنيا (كما هو حال الإمارة، باعتبار أنّ القرآن الكريم قد صرّح بهذين السهمين، وأنّ الرسول أصدر أمراً واضحاً بإعطائهما وإنفاذهما).

  • وقد عملوا بآرائهم أموراً لم يكن لها ذكر في الكتاب والسنّة ... وعملوا في أيّام أبي بكر برأيهم ... وعملوا بمقتضى ما يغلب في ظنونهم من المصلحة ولم يقفوا مع موارد النصوص (ولم يبالوا بما صرّح به رسول الله صلّى الله عليه وآله)، حتى اقتدى بهم الفقهاء من بعد (وأعملوا رأيهم وظنّهم وغلّبوا المصلحة التي يرونها هم في الأحكام الإلهيّة والتكاليف الدينيّة)، فرجّح كثير منهم القياس على النصّ، حتى استحالت الشريعة

أسرار الملكوت ج۱

260
  • وصار أصحاب القياس أصحاب شريعة جديدة (وأخرجوا الشريعة عن مجراها الأصلي إلى غير ما نزلت به).

  • قال النقيب: وكان أكثر ما يعملون بآرائهم (وإن كان مخالفاً لصريح كتاب الله وتوجيهات النبي الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم) فيما يجرى مجرى الولايات والتأمير والتدبير وتقرير قواعد الدولة، وما كانوا يقفون مع نصوص الرسول صلّى الله عليه وآله وتدبيراته إذا رأوا المصلحة في خلافها، كأنّهم كانوا يُقيّدون نصوصه المطلقة (والصريحة التي لا تقبل التأويل والتوجيه أبداً) بقيد غير مذكور لفظاً (وغير وارد في الشريعة) وكأنّهم كانوا يفهمونه من قرائن أحواله. وتقدير ذلك القيد افعلوا كذا إن رأيتموه مصلحة.

  • وهنا لم يُبقِ ابن أبي الحديد بطرحه لهذا السؤال، وعرض الإجابة من قبل النقيب أبي جعفر على ماء وجه لمخالفي التشيّع ومخالفي أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام.

  • إشكال على كلام النقيب أبي جعفر

  • لكن نتوقّف هنا لنسأل النقيب أبا جعفر:

  • أوّلًا: تقول إنّ جميع الصحابة كانوا متّفقين على إمكانيّة تغيير الأحكام الصادرة عن رسول الله، وعلى مخالفة نصوصه وتصريحاته فيما إذا شخّصوا أنّ المصلحة على خلاف ذلك. فهل هذا الكلام ينطبق على الحقائق التاريخيّة والشواهد المنقولة إلينا من كتب التاريخ؟!

  • ألم يكن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب من أصحاب رسول الله؟ وألم يكن غيره من كبار الصحابة أمثال سلمان وأبي ذر والمقداد وعمّار والزبير وطلحة والعباس و ... من الصحابة؟! وهل أنّ صحابة رسول الله عندك عبارة عن عصابة من السَفَلة السفّاكين للدماء والمنافقين الذين لا دين لهم، ألم يكن الصحابي الجليل مالك بن نويرة الذي قُتل لعدم دفعه الزكاة

أسرار الملكوت ج۱

261
  • إلى حكومة أبي بكر الغاصبة وتمّ غصب زوجته والزنا بها .. يعتبر في جملة الصحابة؟! وهل الصحابة هم فقط أمثال خالد بن الوليد القاتل والزاني باعتراف نفس عمر وإقراره؟!

  • و ثانياً: هل أنّ حكم الله وحكم رسوله أقرب إلى الواقع من حكم الناس ورأيهم واعتقادهم، أو أنّ حكم الناس ورأيهم أقرب؟! وهل أنّ الله ورسوله يعلمون مصلحة المجتمع بشكل أفضل، أو ذاك الرجل الأعمى والجاهل الذي يحكم يوماً بحكم، ويعود عنه بأدنى مشورة؟!

  • و ثالثاً: إنّ أقبح وأوقح ما ذكره النقيب ونسبه للإسلام والمسلمين ولشخص النبي الأكرم هو قوله: إنّنا لم نرَ أيّ اعتراض من قبل رسول الله اتجاه هذه المخالفات التي كان يرتكبها الصحابة بحقّ أوامره، ولم يكن الرسول يُبالي بمخالفاتهم بل كان يقرّها ويمضيها!! وهنا يجب القول واقعاً بأنّ هذا الكلام من الكذب الواضح والصريح للتاريخ، ومن الإنكار الحقيقي للواقعيّات.

  • أين كلّ تلك الكلمات التي كان يطلقها الرسول في موارد مختلفة من حالات المخالفة التي كانت أمّته ترتكبها، حيث كان ينعتها بالسوء والعناد واللجاج؟! ألم يقل في الحثّ على المشاركة في جيش أسامة: لعن الله من تخلّف عن جيش أسامة!1، والحال أن أبا بكر وعمر كانا ممّن تخلّف عن هذا الجيش ولم يشتركا فيه.

  • وإذا كان رسول الله قد قبل رأي بعض صحابته في بعض الموارد، فلا يكون ذلك دليلًا على أنّه كان يتراجع عن عقيدته في كلّ مورد حتى وإن كان أمره فيه صريحاً ومبرماً ويترك الأمر بيد أمّته المعتوهة والمضطربة.

    1. الملل والنحل، ج 1، ص 29؛ و شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد، ج 6، ص 52؛ و شرح المواقف، ج 8، ص 376.

أسرار الملكوت ج۱

262
  • وهل الأحكام الإلهيّة كالخيار واللبن يمكن لأيّ شخص أن يتناولها أو يلقيها بعيداً متى شاء!؟

  • لكن في الوقت نفسه يجب الاعتراف بأنّ مسألة فصل الدين عن السياسة، والحكم بالتفريق بينهما كان أمراً متعارفاً، حتى أنّ الكثير من القائلين بكون الخلافة بلا فصل لأمير المؤمنين عليه السلام، كان لديهم شكّ وترديد في هذه المسألة. حيث كانوا يعتبرون أنّ ثورة سيّد الشهداء التي قامت على أساس السيطرة على الحكومة والإمارة الإسلاميّة كانت مجرّد دفاع عن النفس ورفض للظلم، ويرون أنّ وظيفة الإمام منحصرة فقط ببيان الأحكام الشرعيّة ورفع المشكلات والمعضلات الروحيّة والشرعيّة للمجتمع الإسلامي.

  • وهنا وإن كان كلام النقيب أبي جعفر في إلحاق استنباط الأحكام الشرعيّة بمسألة اختيار الأمّة في انتخاب الحاكم والأمير وتدبير الأمور الاجتماعيّة سخيف وضعيف للغاية، وأنّ الأسخف منه والأضعف إقراره بعدم إنكار رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وردّه للذين كانوا يخالفون أوامره، وهذا الأمر يُعتبر مخالفاً قطعاً للحقائق الموجودة في التاريخ والواقع. لكن لا يخفى أنّه بيّن أنّ اختيار الناس وانتخابهم في مسألة الحكومة والخلافة، هي سنّة سيّئة مستمرّة على طول التاريخ. كما اعتبر أيضاً أن الدخول في المسائل السياسيّة والتصدّي للمناصب الحكوميّة أحطّ بكثير من شأن عالم الدين ومنزلته، ومغاير للأحكام الشرعيّة ومرتبط بمجموعة خاصّة من الناس، وهم الذين جلّ اهتمامهم وتوجّههم منصبّ نحو التدخّل في الأمور السياسيّة والمسائل الاجتماعيّة للناس، والحال أنّ جميع هؤلاء الأشخاص هم من الشيعة الموالين لمدرسة أهل البيت عليهم السلام، ويوجد في هذا المقام الكثير من الحكايات والشواهد على هذا الكلام.

أسرار الملكوت ج۱

263
  • ويشير التاريخ إلى أنّه كلّما كان يتولّى عالم دينيّ زمام الأمور الحكوميّة والاجتماعيّة في زمن معيّن، كان مخالفوه يستخدمون الحربة نفسها التي يثبّت بها سلطانه في محاربته ومعارضته.

  • لا يمكن فصل المعتقدين بولاية الأئمة دون تصدّيهم للخلافة عن مدرسة أهل البيت

  • من هنا فلا يمكن أن نحكم بخروج بعض أهل العامّة ممّن لم يقفوا موقفاً مخالفاً من الأئمة عليهم السلام، بل على العكس من ذلك كانوا ممن يقبلون بولايتهم ويؤمنون بمقاماتهم من مدرسة أهل البيت عليهم السلام لمجرّد اعتقادهم بأنّ إدارة الحكومة والتصدّي للخلافة ليست من شأنهم ومنزلتهم وليست من الأمور التوقيفيّة المنزَلة من عند الله.

  • يعتقد الكثيرون في هذه الأيام أنّه يجب في زمن غيبة إمام الزمان عليه السلام أن تبقى مسألة التصدّي للمناصب الحكوميّة بعيدة عن متناول الفقيه والمجتهد الجامع للشرائط ونفوذه، فهم ينكرون بشدّة أن يكون للفقيه دور في مجال الحكومة، ولهم أدلّتهم على هذا الأمر؛ خصوصاً مع التوجّه إلى الروايات الواردة في هذا المجال.

  • طبعاً لقد تمّ التعامل مع هذه المسألة فيما سبق بشكل أشدّ وأكثر حدّة من الآن. وبناء على ما تقدّم، فمن غير المعلوم أن يكون نفس هؤلاء الأشخاص الذين ينسبون ابن أبي الحديد وأمثاله إلى مذهب السنّة ويعتبرونه مخالفاً لطريق أهل البيت عليهم السلام ومدرستهم قطعاً، وينفونه من دائرة التشيّع والانتساب إلى حريم الولاية لمجرّد بعض المدائح التي ذكرها بحقّ الخلفاء الثلاثة .. من غير المعلوم أن لا يعتقد هؤلاء أنفسهم بنفس العقائد والمباني التي يحملها هو فيما إذا تعرّضوا للضغوط ذاتها وعاشوا في نفس الأجواء التي عاش فيها ابن أبي الحديد، حيث من الطبيعي أن يصيروا من المعتقدين بخلافة خلفاء الجور والغاصبين لحكومة الحقّ المنصوصة لأمير المؤمنين عليه السلام لو كانوا في ذلك الزمان؟!

  • وإذا نظرنا إلى ما ذكره ابن أبي الحديد من هجاء بحقّ أبي بكر وعمر،

أسرار الملكوت ج۱

264
  • ومع التوجّه إلى العقائد التي يعتقد بها في حقّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه صلوات الله وصلوات الملائكة والمرسلين، فإلى أيّ الطرفين يكون أقرب؛ هل نعتبره أقرب إلى الشيعة والتشيّع أو إلى السنّة وخلاف مسير وطريق أهل البيت؟!

  • وحاصل الكلام هو أنّ الكثير من العلماء والعظماء قد نسبوا ابن أبي الحديد إلى أهل السنّة والعامّة لمدحه الخلفاء الثلاثة، والحال أنّ هذا المدح كان قد صدر في عصر سلطة حكّام العامّة والمعاندين لأهل البيت وفي ظرف التقيّة. كما أنّ البعض أخرجه من زمرة أهل السنّة والعامّة واعتبره من جملة الشيعة والمتابعين لأمير المؤمنين عليه السلام.

  • مولانا كان من جملة الذين اتهموا بأنهم من العامة مع كونه من شيعة أمير المؤمنين

  • ويجب اعتبار الحكيم الإلهي والعارف الربّاني ونابغة وادي التوحيد والمعرفة مولانا جلال الدين محمّد البلخي (مولوي) من جملة المتّهمين بعدم التشيّع. إنّ هذا الرجل الإلهي الكبير الذي ظُلم كثيراً ونُسب إليه الكثير من الأمور الباطلة من الصديق والعدو، يجب أن يُحسب من الشيعة المخلصين والحقيقيّين لأمير المؤمنين عليه السلام. فهل نجعل هذا الإنسان مُخالفاً ومُعانداً مع وجود جميع هذه الأشعار التي ذكرها حول عيد الغدير وتنصيب مولى الموالي بمقام الولاية الحقيقيّة والإلهيّة الحقّة من قبل الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم؟! حيث يقول:

  • أشعار مولانا جلال الدين محمد البلخي في مدح أمير المؤمنين عليه السلام

  • زين سبب پيغمبر با اجتهاد***نام خود و آنِ على مولى نهاد

  • گفت هر كس را منم مولى و دوست***ابن عمّ من على مولاى اوست

  • كيست مولى آنكه آزادت كند***بند رقيّت ز پايت بر كند

أسرار الملكوت ج۱

265
  • چون به آزاد نبوّت هادى است***مؤمنانرا ز انبياء آزادى است

  • اى گروه مؤمنان شادى كنيد***همچو سرو وسوسن آزادى كنيد 1

  • هل يمكن أن نرى شخصاً مخالفاً يتكلّم عن واقعة الغدير بهذا الشكل، ويعتبر ولاية رسول الله منطبقة على أمير المؤمنين عليه السلام؟! أو نراه يقول في مقام بيان صفاته وملكاته عليه السلام:

  • از على آموز اخلاص عمل***شير حق را دان منزّه از دغل

  • در غزا بر پهلوانى دست يافت***زود شمشيرى برآورد وشتافت

  • او خدو انداخت بر روى على***افتخار هر نبى و هر ولى

  • او خدو انداخت بر روئى كه ماه***سجده آرد پيش او در سجده گاه

  • در زمان انداخت شمشير آن على***كرد او اندر غزايش كاهلى

  • گفت بر من تيغ تيز افراشتى***از چه افكندى مرا بگذاشتى

    1. مثنوي مولوي، خط مير خاني، الدفتر السادس، ص 641.
      والمعنى: لهذا السبب سمّى النبي المجتهد نفسَه وعليّاً بالموليوقال كلّ من كنت حبيبه ومولاه، فابن عمّي علي مولاههل تعلم من هو الولي، هو الذي سيحرّرك ويفك قيد الرقّيّة من رجلكبما أنّ النبوّة تهدي إلى الحريّة، فالمؤمنون أحرار من قِبل الأنبياءأيّها المؤمنون ابقوا في سرور، وابقوا أحراراً كالصفصاف والصنوبر.

أسرار الملكوت ج۱

266
  • در شجاعت شير ربّانيستى***در مروّت خود كه داند كيستى؟

  • اى على كه جمله عقل و ديده اى***شمّه اى واگو از آن چه ديده اى

  • تيغ حلمت جان ما را چاك كرد***آب علمت خاك ما را پاك كرد

  • بازگو دانم كه اين اسرار هوست***زآنكه بى شمشير كشتن كار اوست 1

  • وفي تتمّة كلامه يذكر أنّ خلافة أبي بكر كانت من سوء القضاء وأنّ خلافة أمير المؤمنين عليه السلام كانت من حسن القضاء، حيث يقول:

  • راز بگشا اى علىّ مرتضى***اى پس از سوء القضاء حسن القضا

  • چون تو بابى آن مدينه علم را***چون شعاعى آفتاب حلم را

    1. المصدر السابق، الدفتر الأول، ص 97.
      والمعنى: تعلّم من علي الإخلاص في العمل، واعلم أن أسد الله منزّهٌ عن الغش والاحتيالتغلّب في الحرب على عدوّه البطل( عمرو بن عبد ود)، فقد شقّه بسيفه وأرداه على الأرضفبصق في وجه علي، ذاك الوجه الذي هو فخر لكلّ نبي وكلّ وليبصق في الوجه الذي يسجد له القمر من جمالهعندها ألقى علي سيفه، وترك قتاله وحربهفقال البطل لقد هزمتني بسيفك الماضي، وجلست على صدري فلماذا تتركنيأنت في الشجاعة أسد الله، وفي المروءة لا يعرفك إلا اللهيا علي يا من وجودك عقل وبصر، قل لنا شيئاً ممّا رأيتلقد قتلتني بسيف حلمك يا علي، وطهّرت طينتي بماء علمكأخبرني الحقيقة! فإنّي أعرف أن هذا العمل من الأسرار الإلهيّة، لأنّ القتل بلا سيف مختصّ به تعالى.

أسرار الملكوت ج۱

267
  • باز باش اى باب رحمت تا ابد***بارگاه ما له كفواً احد 1

  • هل يعتبر سنّيّاً من يرى أن خلافة أبي بكر من سوء القضاء، وأنها من القضاء الإلهي المرغوب عنه؟! أو هل يمكن أن يحتمل التسنّن في حقّ من يذكر مثل هذا الغزل في شأن هذا الإمام؟ حيث يقول:

  • تا صورت پيوند جهان بود على بود***تا نقش زمين بود و زمان بود على بود

  • شاهى كه وصى بود ولى بود على بود***سلطان سخا و كرم و جود على بود

  • مسجود ملائك كه شد آدم ز على شد***آدم چو يكى قبله و مسجود على بود

  • هم آدم و هم شيث و هم ايوب و هم ادريس***هم يوسف

  • و هم يونس و هم هود على بود***هم موسى و هم عيسى و هم خضر و هم الياس

  • هم صالح پيغمبر و داود على بود***آن شير دلاور كه ز بهر طمع نفس

  • در خوان جهان پنجه نيالود على بود***آن كاشف قرآن كه خدا در همه قرآن

    1. المصدر السابق، ص 98.
      والمعنى: أظْهرِ الأسرار يا علي المرتضى، أيّها القضاء الحسن الذي جئت بعد سوء القضاءفابق مشرعاً بما أنّك باب مدينة العلم، وبما أنّك شعاع شمس الحلمابق مفتوحاً يا باب الرحمة إلى الأبد، فأنت حرم\i« لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ»\E.

أسرار الملكوت ج۱

268
  • آن عارف سجّاد كه خاك درش از قدر***از كنگره ء عرش بر افزود على بود

  • آن شاه سرافراز كه اندر ره اسلام***تا كار نشد راست نياسود على بود

  • آن قلعه گشائى كه در قلعه ء خيبر***بركند بيك حمله و بگشود على بود

  • چندانكه در آفاق نظر كردم و ديدم***از روى يقين در همه موجود على بود

  • اين كفر نباشد سخن كفر نه اينست***تا هست على باشد و تا بود على بود

  • سرّ دو جهان جمله ز پيدا و ز پنهان***شمس الحق تبريز كه بنمود 1

  • ويقول في مكان آخر:

    1. على بود المصدر السابق، ص 104.
      والمعنى: منذ بداية تشكّل صورة العالم كان علي، منذ خلق الأرض والزمان كان علي
      الملك الذي كان وصيّاً ووليّاً هو علي، وسلطان السخاء والكرم والجود هو عليل
      أجله صار آدم مسجوداً للملائكة، وكأنّ آدم كان قبلة والمسجود له هو علي
      كلّ الأنبياء من آدم وشيث وأيوب، وإدريس ويوسف ويونس وهود كانوا علياً
      وكذا موسى وعيسى والخضر وإلياس، والنبي صالح وداود كانوا عليا
      ذاك الأسد الشجاع الذي ما لوّث يده بدنيا لأجل طمع نفسه كان عليا
      ذاك المفسّر للقرآن الذي وصف الله تعالى عصمته كان عليا
      ذاك العارف السجّاد الذي تراب بابه أعلى من فوق العرش كان عليا
      ذاك السلطان الشامخ الذي لم يرض إلا أن يصلح الأمور كان علياً
      ذاك الذي فتح حصن خيبر وقلع بابه بقدرة ربّانيّة كان علياً
      كلّما نظرت في الآفاق وتأمّلت، رأيت يقيناً أن الموجود في جميع الموجودات هو علي
      هذا ليس كفراً وكلامي ليس بكفر إن قلت، ما دام الوجود موجوداً فعلي موجود
      علي هو سرّ العالمَين الظاهر والباطن، وهو الذي ظهر بصورة شمس الحق في تبريز.

أسرار الملكوت ج۱

269
  • رومى نشد از سرّ على كس آگاه***زيرا كه نشد كس آگه از سرّ اله

  • يك ممكن و اين همه صفات واجب***لا حول و لا قوّة الا بالله 1

  • هل يمكن لعاقل أن يلقي نظرة على هذه الأشعار ثمّ لا يعتبر «مولانا» من جملة الموالين والشيعة لأمير المؤمنين؟ وإذا حاول تأويلها وتوجيهها بشكل يتنافى مع هذا الأمر، فليس ذلك إلا من باب الجحود والإنكار والمكابرة والإصرار على الباطل ومحق الحقّ وطمس الفضيلة.

  • وعلى هذا الأساس قامت آراء العظماء من أهل المعرفة والدراية أمثال فخر الطائفة المرحوم الشيخ البهائي رحمة الله عليه اتجاه مثل هؤلاء الأشخاص.

  • يقول المرحوم البهائي في مقام مدح كمالات ومراتب مولانا وتمجيدها، وكذا وصف كتابه المحيّر للعقول «المثنوي»:

  • من نمى گويم كه آن عالى جناب***هست پيغمبر ولى دارد كتاب

  • مثنوى او چو قرآن مدلّ***هادى بعضى وبعضى را مضلّ 2

  • كيف يمكن لهذا الرجل العظيم الشيخ البهائيّ، الذي أسهم إسهاماً كبيراً في تشيّع الإيرانيّين بالخصوص، وكذا في سائر الأماكن الأخرى، وقد

    1. المصدر السابق، ص 104.
      والمعنى: أيّها الرومي لم يطّلع أحد على سرّ علي، لأنّه لم يطّلع أحد بعد على سرّ الإلههو ممكن لكن جميع صفاته هي صفات الواجب، فلا حول ولا قوّة إلا بالله.
    2. والمعنى: أنا لا أقول أن هذا الرجل العظيم، هو نبي ولكن لديه كتاب فكتابه المثنوي لديه خصوصيّة القرآن في أنّه يهتدي به قومٌ ويضلّ آخرون.

أسرار الملكوت ج۱

270
  • أتى برفقة أبيه من لبنان إلى إيران لهذا السبب وأثّر كثيراً في ترجيح كفّة الثورة الثقافيّة في إيران لصالح الثقافة الشيعيّة ومعارف أهل البيت عليهم السلام أن يمتدح ويمجّد فرداً سنّيّاً ومخالفاً لأهل البيت بمثل هذه المدائح، ألم يقرأ أمثال هؤلاء العظماء أشعار مولوي التي يمتدح فيها الخلفاء الثلاثة ويثني عليهم في كتابه المثنوي؟! فكيف أمكنهم أن ينسبوه إلى التشيّع ويعتبروه من متّبعي مدرسة أهل البيت مع افتراض قراءتهم هذه الأشعار واطّلاعهم على هذه المطالب، والحال أنّ الآخرين نسبوه إلى المخالفة واتّباع مذهب العامة والجماعة بسبب هذه الأشعار ذاتها، واعتبروه مخلًا بشرط التبرّي الذي يعتبر من الأصول الاعتقاديّة المهمّة لمدرسة أهل البيت؟!

  • ما هو التبرّي الذي يريدونه إذن؟! إنّ كلّ هذه الأشعار التي ذكرها مولانا بحقّ خلفاء الجور، أو بحقّ يزيد الذي ينظر إليه جميع العامّة نظرة احترام، ويعتبرونه خليفة المسلمين ولا يسمحون لأنفسهم بالتجرؤ على ذكر القبيح من فعاله وفضحه في كلماتهم، ومع ذلك تراه يقول:

  • روز عاشورا همه اهل حلب***باب انطاكيه اندر تا به شب

  • گرد آيد مرد و زن جمعى عظيم***ماتم آن خاندان دارد مقيم

  • تا به شب نوحه كنند اندر بكاء***شيعه عاشورا براى كربلا

  • بشمرند آن ظلمها و امتهان***كز يزيد و شمر ديد آن خاندان 1

    1. مثنوي، مولوي، ص 550. والمعنى: كلّ أهل حلب يأتون يوم عاشوراء، ويجتمعون عند باب إنطاكية من الصباح حتى المساء يجتمع رجالهم ونساؤهم هناك، كي يقيموا مجلس العزاء على أهل البيتيبكون هناك ويستمرّ بكاؤهم حتى المساء، فهم شيعة عاشوراء وبكاؤهم لمصاب كربلاءويعدّدوا تلك الظلامات والجور الذي، عاناه أهل البيت من قبل يزيد والشمر.

أسرار الملكوت ج۱

271
  • كون فريد الدين العطّار من الشيعة الذين اتهموا بالتسنن

  • إنّ قصّة مولانا جلال الدين محمّد الرومي من جهة القطع بكونه شيعياً تشبه قصّة العارف الكامل الشيخ فريد الدين العطاّر النيشابوري تماماً. وهنا يجب القول: إنّ ما لاقاه مولانا جلال الدين من الظلم والتعدّي قد لاقاه العطّار أيضاً؛ حيث إنّه مع تصريحه الواضح بإمامة ووصاية أمير المؤمنين وأولاده المعصومين عليهم السلام يعدّونه من زمرة العامّة والمخالفين لمدرسة ومذهب أهل البيت عليهم السلام.

  • ففي كتابه الهى نامه بعد أن يذكر مناقب ومدائح بحقّ الخلفاء الثلاثة يصل إلى مديح أمير المؤمنين عليه السلام، وعندها يقول:

  • ز مشرق تا به مغرب گر امام است***أمير المؤمنين حيدر تمام است

  • گرفته اين جهان زخم سنانش***گذشته زان جهان وصف سه نانش

  • چو در سرّ عطا اخلاص او راست***سه نان را هفده آيت خاص او راست

  • ترا گر تير باران بر دوام است***علىٌّ حبه جنّه تمام است

  • پيغمبر گفتش اى نور دو ديده***ز يك نوريم هر دو آفريده

  • على چون با نبي باشد ز يك نور***يكى باشند هر دو از دوئى دور

أسرار الملكوت ج۱

272
  • چنان در شهر دانش باب آمد***كه جنّت به حقّ بوّاب آمد

  • چنان مطلق شد او در فقر و فاقه***كه زرّ و نقره بودش سه طلاقه

  • اگر علمش شدى بحرى مصوّر***در او يك قطره بودى بحر اخضر

  • چو هيچش طاقت منّت نبودى***ز همّت گشت مزدور جهودى

  • كسى گفتش چرا كردى؟ برآشفت***زبان بگشاد چون تيغ و چنين گفت

  • لنقل الصخر من قلل الجبال***أحبّ إليّ من منن الرجال

  • يقول الناس لي في الكسب عار***فقلت العار في ذلّ السؤال 1

    1. الهى نامه، الشيخ فريد الدين العطّار النيشابوري، ص 22 و 23.
      والمعنى: إذا كان في الشرق أو في الغرب إمام، فيكفينا أمير المؤمنين حيدر لقد انتشر في هذا العالم وصف سنانه، ومن ذاك العالم أتانا وصف خبزه الذي تصدّق به ثلاثة أيّام وبما أنّه كان مخلصاً وصادقاً في عطائه، فقد حكى الله قصّة تصدّقه بالخبز في سبعة عشر آية
      ولو نزلت عليك السهام كالمطر الهاطل، يكفيك علي فحبّه جُنّة
      قال له رسول الله يا نور عيني، كلانا خلق من نور واحد
      وبما أنّ عليّاً والنبي خلقا من نور واحد، فهما شخص واحد ليسا شخصين
      وبما أنّ عليا هو باب مدينة علمه، فقد صار حقّاً بوّاب الجنّة
      لقد وصل إلى مطلق الفقر والفاقة، حتى أنّه طلّق الذهب والفضّة ثلاث مرّات
      وإذا صار علمه بحراً ظاهريّاً، فلا شكّ أنّ بحر العالم هو قطرة من بحر علمه
      وبما أنّه لم يتحمّل ذلّ المنّة والسؤال، فقد رضي بأن يكون أجيراً ليهودي. فاعترض عليه أحدهم وقال له لماذا صرت أجيراً هكذا فقال له بلسان حادّ كالسكّين
      لنقل الصخر من قلل الجبال--أحبّ إليّ من منن الرجال
      يقول الناس لي في الكسب عار--فقلت العار في ذلّ السؤال
      --

أسرار الملكوت ج۱

273
  • كون محيي الدين ابن عربي من العرفاء الكبار الذين اتهموا من قبل أهل الظاهر

  • كما أنّه يجب اعتبار محيي الدين بن العربي من جملة العرفاء وعظماء مدرسة التوحيد ومن مفاخر الإسلام والتشيّع، فإنّ مجرّد النظر إلى آثار هذا الإنسان يغنينا عن كلّ تعريف ومدح بحقّه، ويبرهن بوضوح على أنّه كان في وجوده مصداقاً للتوفيق الإلهي الخاصّ.

  • حقّاً يجب أن يعتبر هذا الرجل العظيم فارس ميدان التوحيد والمعرفة والولاية والتشيّع والعرفان والشهود، وهو من جملة العظماء الذين تعرّضوا لأنواع الظلم والاضطهاد وواجهوا اتّهامات غير لائقة ولا موزونة في كتابات الكثيرين، ومن الذين قوبلوا بالجفاء وانتهاك حرمته، وتحوّل شكره والثناء عليه اللازم على الجميع إلى قدح وذمّ! وأنزل البعض مرتبته ومكانته في العلم والعرفان إلى أدنى المراتب حتى وضعوها في الحضيض!

  • فاعتبره بعضهم مشركاً، واعتبره آخرون أسوأ حالًا من المشركين، وأمّا الذين لم يستخدموا في حقّه عبارات مشينة وقبيحة وبعيدة عن التعقّل والدراية اتّهموه بالتسنّن والابتعاد عن اتّباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام، غافلين عن أنّه إذا كان كلامه مع فرض صحّة انتسابه إليه وعدم إمكان توجيهه توجيهاً صحيحاً ومتيناً دالًا على ميله إلى التسنّن ومخالفة أهل البيت، فتصريحاته التي صرّح بها في كتاباته والتي تكشف عن انتحاله مذهب أهل البيت وتبعد عنه كلّ أنواع التهم بالانحراف والانتساب غير اللائق، موجودة هي الأخرى.

  • ومن جملة النصوص الدالّة على اعتقاده الراسخ بمذهب التشيّع وإيمانه بمدرسة أهل البيت، ما ذكره في كتاب الفتوحات المكيّة حول ظهور بقيّة الله أرواحنا فداه.

  • وفي ذلك ينقل المرحوم الشيخ البهائي رضوان الله عليه في كتابه الأربعون حديثاً، وعند شرحه للحديث السادس والثلاثين، حيث يقول:

أسرار الملكوت ج۱

274
  • خاتمة: إنّه ليعجبني كلام في هذا المقام للشيخ العارف الكامل الشيخ محيي الدين بن عربي، أورده في كتاب «الفتوحات المكيّة». قال رحمه الله في الباب الثلاثمائة والستّ والستّين من الكتاب المذكور:

  • إنّ لله خليفة يخرج من عترة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم من ولد فاطمة عليها السلام، يواطئ اسمه اسم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، جدّه الحسين بن علي عليهما السلام يُبايَع بين الركن والمقام، يشبه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في الخَلق بفتح الخاء وينزل عنه في الخُلق بضمّ الخاء (أي أنّ أخلاقه وصفاته وملكاته الروحيّة هي نزول لخلق جدّه رسول الله وملكاته)1.

  • إذا أمعنّا النظر في هذا البيان، يظهر لنا جليّاً أنّه يعتقد صريحاً بمعتقدات الشيعة ومبانيهم. فمفاد كلامه:

  • أوّلًا: إنّ المهدي هو خليفة الله على الأرض. وهذا الأمر من مختصّات الشيعة حيث لم يتفوّه بذلك أحد غيرهم، لأنّ العامّة وإن كانوا يوردون في كتبهم روايات كثيرة في باب ظهور المهدي، لكن ليس بعنوان الخليفة والنائب، بل يكتفون بالقول بأنّه سيظهر رجل من نسل رسول الله.

  • وثانياً: إنّه يعتبر أنّ جدّ المهدي هو الإمام سيّد الشهداء عليه السلام، والحال أنّ العامّة يعتبرون أنّه من نسل الإمام الحسن المجتبى عليه السلام. والملفت للنظر والمؤسف هنا أنّه في كتاب الفتوحات طبعة «بولاق» وغيرها التي طبعت في مصر قد حُذفت فيها الياء من الحسين واستبدلت بكتابة الحسن، وذلك لأنّ العامّة كما ذكرنا يعتقدون أنّ المهدي الموعود هو من سلالة الإمام الحسن عليه السلام لا من سلالة سيّد الشهداء. وهذا العمل

    1. الأربعون حديثاً، الشيخ البهائي، ص 434.

أسرار الملكوت ج۱

275
  • يُعتبر من أقبح الأعمال وأسوئها، باعتبار أنّه يترك أثراً فكريّاً ومعرفيّاً وثقافيّاً على مجتمع ثقافي بأجمعه.

  • عقيدة ابن عربي في الإمام الحجّة وتصريحه بأنّه ابن الإمام العسكري

  • والتحريف الأقبح من ذلك هو التحريف الذي وقع في النسخ الخطيّة لكتاب «الفتوحات المكيّة» قبل طبعها، والدليل على هذا الكلام ما ذكره الشيخ عبد الوهاب الشعراني المتوفى سنة 973، حيث ينقل في الجزء الثاني من كتابه «اليواقيت والجواهر»، صفحة 145، الطبعة الثانية لجامع الأزهر بمصر سنة 1307 هجريّة، عبارة محيي الدين في الفتوحات بهذا الشكل:

  • وعبارة الشيخ محيي الدين في الباب السادس والستين وثلاثمائة من الفتوحات: واعلموا أنّه لا بدّ من خروج المهدي عليه السلام، لكن لا يخرج حتى تمتلئ الأرض جوراً وظلماً فيملأها قسطاً وعدلًا. ولو لم يكن من الدنيا إلّا يوم واحد طوّل الله ذلك اليوم حتى يلي ذلك الخليفة، وهو من عترة رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم من ولد فاطمة رضي الله عنها جدّه الحسين بن علي بن أبي طالب ووالده (الإمام) الحسن العسكري ابن الإمام علي النقي (بالنون) ابن محمّد التقي (بالتاء) ابن الإمام علي الرضا ابن الإمام موسى الكاظم ابن الإمام جعفر الصادق ابن الإمام محمّد الباقر ابن الإمام زين العابدين علي ابن الإمام الحسين ابن الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، يواطئ اسمه اسم رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم، يبايعه المسلمون بين الركن والمقام، يشبه رسول الله صلّى الله عليه وآله في الخَلق بفتح الخاء، وينزل عنه في الخُلق بضمّها (أي أنّه من جهة أخلاقه وملكاته الروحيّة، كأنّه نزول لتلك الروحيّات ولأخلاق رسول الله في وجوده).

  • وهنا أيضاً يصرّح محيي الدين بإمامة الأئمّة الإثني عشر عليهم السلام.

أسرار الملكوت ج۱

276
  • وثالثاً: إنّ جميع أهل السنّة من القائلين بخروج هذا الإمام وظهوره يعتقدون بأنّه لا وجود خارجي له وأنّه سوف يولد في نفس الزمان الذي سيظهر فيه، والحال أنّ ابن عربي يصرّح بأنّ أباه هو الإمام الحسن العسكري عليه السلام، بل إنّه يصرّح في موارد عديدة من كتابه «الفتوحات» بأنّه تشرّف بالحضور في خدمة هذا الإمام واكتساب الفيض منه.

  • كلام ابن عربي في ملاقاته بالإمام الحجّة عليه السلام

  • ومن جملة هذه الموارد، يقول في «الفتوحات» في آخر الباب الرابع والعشرين من طبعة مصر، الجزء الأول، صفحة 240:

  • وللولاية المحمّديّة المخصوصة بهذا الشرع المنزل على محمّد ختمٌ خاصٌّ هو المهدي (عليه السلام)، وهو في الرتبة دون عيسى عليه السلام لكونه رسولًا، وقد ولد في زماننا ورأيته أيضاً واجتمعت به ورأيت العلامة الختميّة التي فيه (والموجودة بين كتفيه)، فلا وليّ بعده إلّا وهو راجع إليه، كما أنّه لا نبي بعد محمّد صلّى الله عليه (وآله) وسلّم إلّا وهو راجع إليه كعيسى عليه السلام إذا نزل، فنسبة كلّ وليٍّ يكون بعد هذا الختم إلى يوم القيامة نسبة كلّ نبي (حيّ) يكون بعد محمّد صلّى الله عليه وسلّم في النبوّة كإلياس وعيسى والخضر في هذه الأمّة ...

  • ولا يخفى أنّه في الكثير من الطبعات المتأخرة، حذفت لفظة المهدي من هذه العبارة.

  • ويقول في الباب الثالث والسبعين في جوابه على السؤال الثالث عشر:

  • وأمّا ختم الولاية المحمّديّة فهي لرجل من العرب من أكرمها أصلًا وبدأً وهو في زماننا اليوم موجود، عرفت به في سنة خمس وتسعين وخمسمائة، ورأيت العلامة التي قد أخفاها الحقّ فيه عن عيون عباده، وكشفها لي بمدينة فاس حتى رأيت خاتم الولاية منه وهو خاتم النبوّة المطلقة (التي كانت موجودة على جسم رسول الله أيضاً) لا يعلمها كثير من

أسرار الملكوت ج۱

277
  • الناس. وقد ابتلاه الله بأهل الإنكار عليه فيما يتحقّق به من الحقّ في سرّه من العلم به (فالناس ينكرون وجوده ويستبعدون طول عمره وحياته بعد هذا الزمن البعيد)، وكما أنّ الله ختم بمحمّد صلّى الله عليه (وآله) وسلّم نبوّة الشرايع، كذلك ختمَ الله بالختم المحمّدي الولاية التي تحصل من الإرث المحمّدي، لا التي تحصل من ساير الأنبياء (أي بما أنّ الله ختم نبّوة الشرايع الماضية بنبوّة الرسول الأكرم، كذلك ختم الولاية المحمّديّة بولاية هذا الإمام. وهذه الولاية موروثة من ولاية النبي الأكرم والتي هي عبارة عن ولاية الأئمّة المعصومين عليهم السلام، المتحقّقة في كلّ واحد منهم على التوالي حتّى تصل إلى هذا الإمام، وهذه الولاية غير الولاية التي كانت تنتقل من نبي إلى النبي الذي يليه، لأنّ تلك الولاية كانت ولاية الرسالة والنبوّة وأما هذه الولاية فهي الولاية الخاصّة بالشريعة المحمّديّة)1.

  • نقل ابن عربي في الفتوحات عن الرسول قوله «مولى القوم منهم»

  • ومن جملة ما ذكره في مقام إثبات وجود الإمام بقيّة الله أرواحنا فداه في عصره وما بعده، ما أورده في الباب التاسع والعشرين من كتابه «الفتوحات المكيّة»، حيث قال:

  • اعلم أيّدك الله أنّا رُوِينا من حديث جعفر بن محمّد الصادق عن أبيه محمّد بن علي عن أبيه علي بن الحسين عن أبيه الحسين بن علي عن أبيه علي بن أبي طالب عن رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم قال: مولى القوم منهم (بمعنى أنّ وليّ كلّ قوم وصاحب اختيارهم يجب أن يكون بينهم وموجوداً في نفس زمانهم).2.

  • وأيضاً في هذه العبارة تصريح بأنّ إمام الزمان حيٌّ ويمارس حياته الظاهريّة والعاديّة بشكل طبيعي.

    1. الفتوحات المكيّة، ج 2، ص 64.
    2. المصدر السابق، ج 1، ص 196

أسرار الملكوت ج۱

278
  • والمسألة الأخرى التي يجب التأمّل فيها جيداً هي مسألة امتداح العديد من عظماء ومفاخر عالم التشيّع محيي الدين ابن عربي، فقد قطع القاضي نور الله الشوشتري في كتابه «مجالس المؤمنين» في عدّه من شيعة أهل البيت عليهم السلام1. والقاضي الشوشتري هذا من الذين افتدى روحه في سبيل إعلاء مدرسة أهل البيت وإثبات حقّانيّة الدين الحنيف، وقد ضربته مجموعة متعصّبة من المعاندين العامّة بالسياط التي علّق فيها شفرات حادّة حتى تقطّع جسده قطعة قطعة، كلّ ذلك بتهمة التشيّع ومتابعة أهل البيت.

  • وقد أورد المرحوم الملّا صالح الموسوي الخلخالي قدّس سرّه في مقدّمة كتاب شرح المناقب، أسماء لأشخاص لهم قدم راسخة في إثبات تشيّع محيي الدين، من قبيل: المرحوم ابن فهد الحلّي والشيخ البهائي والشيخ المجلسي الأوّل والقاضي نور الله الشوشتري وغيرهم2.

  • ويذكر المرحوم صدر المتألّهين الشيرازي- الذي يُعتبر من مفاخر عالم التشيّع والعرفان- في مقدّمة كتاب الأسفار حول إرجاع الأمور وإحالتها إلى مصادر الوحي والتشريع ومنابع الحياة الإلهيّة ونواميس عالم الوجود؛ الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم وأهل بيته عليهم السلام، حيث يقول:

  • وإنّي لأستغفر الله كثيراً ممّا ضيّعت شطراً من عمري في تتبّع آراء المتفلسفة والمجادلين من أهل الكلام وتدقيقاتهم، وتعلّم جربزتهم في القول وتفنّنهم في البحث، حتى تبيّن لي آخر الأمر بنور الإيمان وتأييد الله المنّان أنّ قياسهم عقيم وصراطهم غير مستقيم، فألقينا زمام أمرنا إليه وإلى رسوله النذير المنذر (وجعلناه الحاكم على جميع أمورنا ومجال تفكيرنا). فكلّ ما

    1. مجالس المؤمنين، ج 2، ص: 61.
    2. شرح المناقب، محيي الدين ابن عربي، ص 24.

أسرار الملكوت ج۱

279
  • بلغنا منه آمنّا به وصدّقناه، ولم نحتل أن نخيّل له وجهاً عقليّاً ومسلكاً بحثيّاً، بل اقتدينا بهداه وانتهينا بنهيه، امتثالًا لقوله تعالى: وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا، حتى فتح الله على قلبنا ما فتح (من بحار معرفته، ببركة اتّباع الله المنّان ورسوله، وببركة اتّباع مدرسة أهل بيت الوحي)، فأفلح ببركة متابعته وأنجح1.

  • مع التوجّه إلى المطالب المتقدّمة، فكيف يمكن لعالم كبير وعظيم يرى أنّ صرف الوقت في طلب فنون مدّعي الحكمة وأهل الكلام واتّباع ممشاهم وطريقتهم موجب لتضييع العمر وإتلاف الوقت والحرمان من النعمة الإلهيّة، ويعتبر أنّ طريق السعادة والفلاح والنجاح الأبديّ منحصر بالوفود على حرم أهل بيت العصمة والطهارة .. كيف يمكنه أن يُعظّم شخصيّة كابن عربي ويجلّها في أماكن من كتابه النفيس؛ الأسفار الأربعة وغيره من كتبه. لذا يذكر في كتاب الأسفار في باب العلّة والمعلول:

  • فقول بعض المحقّقين من أهل الكشف واليقين: أنّ الماهيّات المعبّر عندهم بالأعيان الثابتة لم يظهر ذواتها (بشكل مستقلّ في الخارج) ولا يظهر أبداً، وإنّما يظهر أحكامها وأوصافها (التي تحكي عن تلك الحقيقة بوجودها) وما شمّت ولا تشمّ رائحة الوجود أصلًا، معناه ما قرّرناه2.

  • حيث قرّر في كلام متقدم أنّ الأعيان الثابتة عبارة عن الحقيقة التي هي الوجود البحت والبسيط حيث لا اسم ولا رسم، والظهورات والأحكام والآثار التي تصدر عنه تتجلّى بهيأة ماهيّة وتتلألأ بشكل مستقلّ، وإلّا فنفس تلك الماهيّة والذات ليس لها أيّ وجود مستقلّ يمكن أن يوجد لها هويّة استقلاليّة:

    1. الحكمة المتعالية، ج 1، ص 11.
    2. الحكمة المتعالية، المرحلة السادسة في العلّة والمعلول، ج 2، ص 288 و 289.

أسرار الملكوت ج۱

280
  • كلّ ما في الوجود وهمٌ أو خيال

  • أو عكوس في المرايا أو ظلال نقد النصوص في شرح الفصوص، ص 181.

  • اعتبار صدر المتألهين ابن عربي من أصحاب الكشف واليقين

  • والغرض من هذا المطلب هو أنّه كيف يعتبر المرحوم صدر المتألّهين هذا العارف الكبير والمحقّق العظيم أنّه من أصحاب الكشف واليقين؟ باعتبار أنّ ابن عربي من القائلين بعدم وجود الأعيان الثابتة في الخارج بشكل مستقلّ وأنّه من الأفراد الذين وصلوا في مبانيهم الاعتقاديّة إلى مرتبة اليقين. فكيف يُحتمل من شخص كصدر المتألّهين مع سعة علمه وتضلّعه بمباني التشيّع وفكره الثاقب والعميق، ومحبّته الشديدة هذه وولهه وهيامه بأهل بيت العصمة عليهم السلام، كيف يُتصوّر منه أن يمجّد شخصاً عاميّ المذهب وفرداً معانداً وملحداً كما عبّر عنه صاحب «روضات الجنّات» ويمدحه بهذا المدح؟

  • وأيضاً يقول في باب الوجود الذهني، ج 1، ص 266:

  • ويؤيّد ذلك ما قاله الشيخ الجليل محيي الدين العربي الأندلسي قدّس الله سرّه في كتاب «فصوص الحكم».

  • كذلك يعبّر مثل هذه العبارة في أماكن أخرى.

  • وهنا يجب أن نسأل: بأيّ دليل يعبّر صاحب روضات الجنّات عن اعتقاد عظماء أمثال صدر المتألّهين بالشيخ محيي الدين، بعبارات موهنة ووقحة؟! فقد أورد في كتابه «روضات الجنّات» الجزء الرابع من الطبعة الحجريّة من الصفحة 193 حتى 196 مطالب حول هذا الموضوع، منها:

  • نعم في هذه الطائفة جماعة (من فقهاء الشيعة) على حدة ينظرون دائماً إلى أمثال هؤلاء (الصوفيّين والعرفاء) الملاحدة بعين واحدة، مثل ابن فهد الحلي وشيخنا البهائي، مولانا محسن الكاشي والمولى محمّد تقي

أسرار الملكوت ج۱

281
  • المجلسي والقاضي نور الله التستري ولا سيّما المتأخّر منهم الملقّب من أجل ذلك (أي من أجل نظره بعين واحدة) ب «شيعه تراش» (بمعنى المصحح تشيّع الناس).

  • طعن صاحب «روضات الجنات» على بعض كبار الشيعة لدفاعهم عن ابن عربي

  • يجب القول لهذا الإنسان وأمثاله: إذا لم تقدروا على الإحاطة بمفهوم ومغزى الكلام العرشي لمحيي الدين، فلماذا تحلّون لأنفسكم الطعن على العظماء ومفاخر التشيّع، وتكيلون عليهم أنواع الإهانات؟!

  • لا شكّ عند كاتب السطور أنّ ابن عربي كان أوّل أمره على مذهب العامّة، لكنّه بعد ذلك وبسبب توغّله في كتب الحديث والاطّلاع على مباني الشرع وانكشاف حقائق عالم الوجود لقلبه وضميره المنير، أدرك حقيقة الأمر وهبّ لإثبات هذه الحقيقة بجميع وجوده وبكلّ ما أوتي من قوّة.

  • فإنّه في مسألة اعتقاده بولاية وأفضليّة أهل البيت عليهم السلام وتمسّكه بذيل عنايتهم يقول وينشد:

  • رأيتُ وَلَائِي آلَ طَهَ وسيلةً***لأَرْغِمَ أهلَ البُعْدِ يُورثُني القُربَى

  • فَمَا طَلَبَ المبعوثُ أَجْراً على الهُدى***بتبليغِهِ إلّا المودَّةَ في القُرْبَى 1

    1. روضات الجنّات، ج 8، ص 51؛ و الكنى والألقاب، ج 3، ص 166؛ و مجالس المؤمنين، ج 2، ص 62. حيث يقول:« من جملة الأشعار التي يذكرها الشيخ في مدائح آل طه تمّ نقل هذين البيتين في كتاب الإحياء».
      يقول في كتاب الفتوحات المكيّة، ج 4، ص 139، طبعة أربع أجزاء، دار صادر بيروت: ومن خيانتك رسول الله صلّى الله عليه( وآله) وسلّم ما سألك فيه من المودّة في قرابته وأهل بيته، فإنّه وأهل بيته على السواء في مودّتنا فيهم، فمن كره أهل بيته فقد كرهه، فإنّه صلّى الله عليه( وآله) وسلّم واحد من أهل البيت ولا يتبعّض حبّ أهل البيت، فإنّ الحبّ ما تعلّق إلّا بالأهل لا بواحد بعينه، فاجعل ذلك واعرف قدر أهل البيت، فمن خان أهل البيت فقد خان رسول الله صلّى الله عليه( وآله) وسلّم، ومن خان رسول الله صلّى الله عليه( وآله) وسلّم فقد خانه صلّى الله عليه( وآله) وسلّم في سنّته .. ثمّ يقول بعد ذلك:
      فلا تعدل بأهل البيت خلقاً--فأهل البيت هم أهل السيادة
      فبغضهم من الإنسان خسر--حقيقي وحبّهم عبادة
      --

أسرار الملكوت ج۱

282
  • أي إنّي رأيت ولايتي لأهل البيت عليهم السلام وسيلة لإرغام أنف المنحرفين والبعيدين عن الحقيقة والواقع، وهذه الولاية موجبة للقرب منهم. فما طلبه رسول الله إزاء تبليغه للرسالة وهدايته للخلق، لم يكن إلّا محبّة وولاية أهل البيت الذين هم ذوي قربى رسول الله.

  • إنّ مسألة تحقّق وثاقة راوٍ وثبوت عدالته فيما إذا ضعّفه بعض الفقهاء، عبر تصديق الأصحاب وعملهم بروايته، قد وقعت مورد قبول الكثير من أهل العلم ورجال الحديث. كما هو الحال في سهل بن زياد الذي ضعّفه بعض الرجاليين والحال أنّ مشايخ الحديث ينقلون عنهم ما يقرب من ألف وخمسمائة حديث. فإنّه مع التوجّه إلى أنّ هذه الروايات مع كثرتها وسعة انتشارها في الكتب المعتبرة، التي سوف تقع في المستقبل بيد الناس وسيعملون بها، وستُلقَى مسؤوليّتها على عاتق الناقلين والمثبتين لها في كتب الحديث .. كيف يجيز أهل الحديث لأنفسهم أن ينقلوا روايات مثل هذا الراوي. وإن دلّ هذا الأمر على شيء فإنّما يدلّ على أنّ وثاقة سهل بن زياد كانت محرزة ومنجّزة عندهم.

  • فكيف يمكن لمثل مسألة وثاقة الراوي أن تكون مورد قبول الكثير من العلماء، ومع ذلك تكون قضيّة كهذه ومع وجود جميع هذه الأدلّة والبراهين الساطعة وتوثيق العلماء العظام أمثال المرحوم الشيخ البهائي والمرحوم الملّا محمّد تقي المجلسي وغيرهما، لا يمكن أن تكون مورد قبول أشخاص مثل صاحب الروضات؟ أوَلم يقرأ أمثال صدر المتألّهين الشيرازي والملّا محمّد تقي المجلسي وابن فهد الحلي وغيرهم كتب ابن عربي، أو أنّهم أغمضوا العين عمّا اعتبره المخالفون دليلًا على انتحاله

أسرار الملكوت ج۱

283
  • مذهباً مخالفاً لمذهب أهل البيت؟! أو أنّهم فعلوا عكس ذلك؛ فقاموا بقراءة جميع كتبه ووزنوا صحيحها مع سقيمها ووقفوا وقوفاً كاملًا على تمام الشواهد والقرائن المحفوفة في كلامه، ثمّ بعد ذلك حكموا بجزم واعتقاد راسخ بثبوت تشيّع محيي الدين ابن عربي، مع إدراكهم الكامل وقبولهم تحمّل المسؤوليّة اتجاه جميع العواقب والتبعات لمثل هذا الحكم وهذه النسبة.

  • ومن الممكن أن نتعرّض في المستقبل إن شاء الله لمعالجة هذا الموضوع بشكل أوسع، ونذكر بعض الأمور حول بعض الأشخاص المشابهين لمحيي الدين ابن عربي الذين اتُّهموا ظلماً وعدواناً بالانحراف والاعوجاج، والحال أنّ روحهم وضميرهم وكلّ ذرّة فيهم تشهد بتبرّئهم من المعاندين والمخالفين لعلي بن أبي طالب وأولاده الأمجاد المعصومين.

  • وهنا نشير على القرّاء المحترمين أن يقرءوا القسم السادس من الكتاب القيّم الروح المجرّد من تأليف العلّامة الوالد رضوان الله عليه، حيث بحث هناك هذا الموضوع مفصّلًا وبشكل وافٍ وكافٍ.

  • والحاصل أنّ هناك الكثير من علماء ومحقّقي العامّة تظهر آثار المودّة وعلامات الولاية لأهل البيت عليهم السلام بوضوح في عباراتهم وأشعارهم، وهؤلاء العلماء لم يكتفوا فقط بعدم التعلّق والارتباط أبداً بالمذاهب المنحرفة والباطلة، بل إنّهم عملوا على الإطاعة الكاملة والانقياد التامّ لمدرسة أهل البيت ويمدحونها ويذكرون مناقبها من صميم قلوبهم وأرواحهم! وأمّا مثل هذه العبارات المخالفة فهي إما ناشئة عن خوفهم وصدرت في مقام التقيّة، أو أنّ ما ذُكر كان بسبب عدم معرفتهم الصحيحة بأمور الحكومة والخلافة، ويرجع إلى كيفيّة فهمهم لطريقة

أسرار الملكوت ج۱

284
  • انتخاب الحاكم، والقول بانفصال الحكم عن الأمور التشريعيّة وبيان الأحكام والاعتقادات.

  • إلى هنا يكون قد تمّ الجزء الأول من كتاب أسرار الملكوت، الذي هو عبارة عن مقدّمة لشرح حديث عنوان البصري، وأسأل الله تعالى أن يوفّقنا لإدامة شرح هذا الحديث الشريف وتوضيحه، وما توفيقي إلا بالله عليه توكّلت وإليه أنيب.

  • الليلة الثامنة عشر من شهر رمضان المبارك

  • سنة 1423 من الهجرة

  • في بلدة قم الطيبة عشّ آل محمّد وكريمة أهل البيت

  • السيّدة فاطمة المعصومة سلام الله عليها

  • الراجي رحمة ربّه

  • السيد محمّد محسن الحسيني الطهراني