/ ۲٤٩

أسرار الملكوت ج۳

1

أسرار الملكوت ج۳

4
  • المؤلّف: السيّد محمّد محسن الحسيني الطهراني.

  • اسم الكتاب: أسرار الملكوت (مقدّمة شرح حديث عنوان البصري)

  • الجزء: الثالث.

  • الموضوع: شرح حديث عنوان البصري عن الإمام الصادق عليه السلام.

  • الناشر: دار المحجّة البيضاء- بيروت؛ انتشارات مكتب وحي- طهران.

  • ISBN:

  • تاريخ النشر: 1436 ه-

  • المواضيع: أحاديث الشيعة؛ عرفان؛ الإمام جعفر الصادق عليه السلام.

أسرار الملكوت ج۳

5
  • قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم:

  • اتقوا فراسة المؤمن! فإنّ المؤمنَ ينظر بنور الله.

  • الكافي، ج 79، ص 243.

أسرار الملكوت ج۳

11
  • فَهْرَسُ المَوَاضِيْعِ

  • الفَهْرَسُ الإِجْمَالي

  • العنوان الصفحة

  • المجلس الثالث عشر

  • نَظرةٌ تحليليّةٌعلى مدرسة أبي حنيفة وعقائده

  • سبب إنكار الحاجة إلى الأستاذ: العناد والاستكبار 22

  • أبو حنيفة النموذج الأبرز لعناد الولاية 23

  • أولًا: عرض وتحليل لجوانب شخصيّة أبي حنيفة 23

  • ثانيًا: بعض النتائج المستفادة من دراسة شخصيّة أبي حنيفة 55

  • المجلس الرابع عشر

  • نظرة تحليليّة على ثورات العلويّين وأهدافها

  • أولًا: نظرة تحليليّة لشخصية عمر بن عبد العزيز 65

  • ثانيًا: ثورات العلويّين 73

  • ثورة محمّد وإبراهيم ابني عبد الله المحض: سوء النوايا وانعدام البصيرة 73

  • ثورة زيد بن عليّ: حسن النوايا مع ضعف البصيرة عن درجة بصيرة المعصوم 75

  • المجلس الخامس عشر

  • وظيفة السالك إلى الله عند وجود الوصيّ الظاهريّ

  • تكليف الإنسان عند عدم وصوله إلى الوليّ الكامل 141

  • المقدّمة الأولى: ضرورة الاستناد إلى العقل والنقل في كافة شؤون الحياة 142

  • المقدّمة الثانية: انحصار هدف السالك بتحصيل المعرفة بغير حدّ ومهما كان مصدرها 142

  • المقدّمة الثالثة: انقسام الناس إلى أربعة أقسام وضرورة رجوع الجاهل إلى الخبير 147

  • مسائل تتعلّق بالوصي الظاهري 153

أسرار الملكوت ج۳

12
  • المجلس السادس عشر

  • وظيفة السالك إلى الله عند عدم وجود الوصيّ الظاهري

  • حقائق حول فتنة ادّعاء الوصاية بعد العلامة الطهراني رضوان الله عليه 179

  • وظيفة السالك في حالة عدم وجود وصيّ ظاهري 203

  • طريقان لمضاعفة الاستفادة من كافة الفرص: 222

  • الأول: تحصيل العلم و الإلمام بالمباني والمعايير الأساسية 222

  • الثاني: رفيق الطريق الخبير و شريك المسير الصالح 246

أسرار الملكوت ج۳

13
  • الفَهْرَسُ التَفْصِيْلِي

  • العنوان الصفحة

  • المجلس الثالث عشر

  • نَظرةٌ تحليليّةٌ على مدرسة أبي حنيفة وعقائده

  • سبب إنكار الحاجة إلى الأستاذ: العناد والاستكبار 22

  • أبو حنيفة النموذج الأبرز لعناد الولاية 23

  • أولًا: عرض وتحليل لجوانب شخصيّة أبي حنيفة 23

  • عداوته للولاية وتواطؤه مع نظام الخلافة 23

  • اختلاقه القياس جبرانًا للنقص الحاصل من ابتعاده عن أهل البيت عليهم السلام 26

  • استهزؤه بالنبيّ صلوات الله عليه وآله 31

  • اهتمامه بحفظ موقعيّته ولو بالإهمال والظلم 32

  • التشابه بين موقف أبي حنيفة وموقف بعض المرجعيّات في حفظ شأنها عن إنقاذ سجين لدى الشاه 33

  • الفرق بين مرجعيّة العامّة والمرجعيّة على وفق رؤية أهل البيت عليهم السلام 35

  • الفارق الأول: الهدف من المرجعية و الإفتاء 35

  • الفارق الثاني: المرجع في المرجعيّة الشيعيّة يرافق الأمّة في الشدة والرخاء، ولا يخاف إلا الله 36

  • الشيخ محمد جواد الأنصاري رضوان الله عليه نموذجاً للعالم الشيعي 38

  • الفارق الثالث: خطاب المرجعية الشيعية ينسجم مع الفطرة ويروي القلوب 39

  • الفارق بين مقام المرجعيّة ومقام الاجتهاد 40

  • ذمّ علماء العامّة لأبي حنيفة 43

  • ذمّ علماء الشيعة لأبي حنيفة 46

أسرار الملكوت ج۳

14
  • دعم أبي حنيفة لثورات الحسنيين 55

  • ثانيًا: بعض النتائج المستفادة من دراسة شخصيّة أبي حنيفة: 55

  • 1- خطورة الاكتفاء بالظاهر في تقييم الرجال 55

  • 2- لا قيمة للظاهر إلّا إذا كان في سبيل الواقع (ولاية أهل البيت) 58

  • ما هو محور التشريع بين الفكر المادي والفكر الإلهيّ؟ 59

  • المجلس الرابع عشر

  • نظرة تحليليّة على ثورات العلويّين وأهدافها

  • أولًا: نظرة تحليليّة لشخصية عمر بن عبد العزيز 65

  • الروايات في استحقاقه لعنة أهل السماء 65

  • محاجّة عالم شيعيّ له في شرعيّة خلافته 66

  • العلّة في استحقاقه اللعن رغم حسن ظاهره: عدم انقياده لإمام زمانه وغصبه لحكومته 68

  • مزايا حكومة وليّ الله عن حكومة سواه 70

  • ثانيًا: ثورات العلويّين 73

  • ثورة محمّد وإبراهيم ابني عبد الله المحض: سوء النوايا وانعدام البصيرة 73

  • ثورة زيد بن عليّ: حسن النوايا مع ضعف البصيرة عن درجة بصيرة المعصوم 75

  • سجايا زيد ومرتبته في الأخبار 75

  • النتائج المستفادة من دراسة شخصيّة زيد وقيامه 78

  • 1. عدم كفاية الغيرة الدينيّة وصفاء النفس معيارًا للصواب 78

  • 2. عدم كفاية الثورة على الظالم معيارًا للصواب 78

  • 3. الإمام المعصوم هو معيار الصواب 85

  • 4. خطأ من ادّعى أنّ النهي عن القيام والخروج في عصر الغيبة متعلّق بمدّعي المهدوية فقط 92

  • 5. ضرورة اتصاف الحاكم بالإشراف على بواطن الأحداث 95

  • 6. الداء الأساس: الاكتفاء بالظواهر وجعلها معيارًا للتقييم، والغفلة عن الباطن 98

  • توضيح أعمق لداء الاكتفاء بالظاهر، والغفلة عن الباطن (المادية الدينية): 101

  • امتلاك الأفعال لجهتين ظاهريّة لا قيمة لها، وباطنيّة هي المقوّمة لحقيقة الفعل 101

  • حقيقة التكاليف وجوهر الأفعال يرجع إلى مدى ارتباطها بالله تعالى 103

  • العلامة الطهراني يكشف السر عن (ضربة علي يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين) 103

  • تجسّد حقائق القرآن والعبادات في الإمام عليه السلام 106

  • ولاية الإمام تمثل روح العبادة وحقيقة التكاليف 113

  • معركة صفين وتجلّي حقيقة الجهاد في أمير المؤمنين عليه السلام 115

أسرار الملكوت ج۳

15
  • عجز مباني غير العرفاء عن فهم مواقف أمير المؤمنين في صفين 120

  • من آثار الاكتفاء بالظاهر إطلاق ألقاب الأئمة وأسمائهم على غير المعصومين عليهم السلام 122

  • داء الاكتفاء بالظاهر هو نوع من «المادية الدينية» 124

  • النزعة الماديّة في امتداح فتوحات بني أميّة وقصورهم ومساجدهم 126

  • عظمة الإسلام لا تبرز في ضخامة المعابد بل في قدرته على تربية النفوس وإيصالها إلى الكمال 127

  • خلاصة المجلس الرابع عشر: معيار صواب الأقوال والأفعال هو تطابقها مع موازين الولاية 131

  • المجلس الخامس عشر

  • وظيفة السالك إلى الله عند وجود الوصيّ الظاهريّ

  • الإشارة إلى ما تقدّم في المجلّد الثاني حول حجيّة أفعال وأقوال ولي الله، والأجواء التي أثارها 139

  • تكليف الإنسان عند عدم وصوله إلى الوليّ الكامل 141

  • المقدّمة الأولى: ضرورة الاستناد إلى العقل والنقل في كافة شؤون الحياة 142

  • المقدّمة الثانية: انحصار هدف السالك بتحصيل المعرفة بغير حدّ ومهما كان مصدرها 142

  • المقدّمة الثالثة: انقسام الناس إلى أربعة أقسام وضرورة رجوع الجاهل إلى الخبير 147

  • نتائج المقدّمات: 152

  • 1. الملاك في تحصيل العلم هو الوصول إلى منبعه و ليس الطريق إليه 152

  • 2. الإنسان الكامل هو الأولى بالرجوع مع وجوده 152

  • 3. عند عدم توفّر الإنسان الكامل ينبغي الرجوع إلى الخبير وصيًّا كان أو غيره 153

  • مسائل تتعلّق بالوصي الظاهري 153

  • أ. الفوارق بين الوصيّ الظاهري والباطني ببيان العلامة الطهراني رضوان الله عليه 153

  • ب. مزايا الوصيّ الظاهري 155

  • 1. حفظ حرمة ومكانة وليّه 155

  • 2. تنصيب الوصيّ الظاهري يحتاج إلى إعلان واضح من الولي الإلهي 158

  • ج. إطاعة الوصي الظاهري مشروطة بعدم مخالفة الأحكام الإلهية 158

  • د. اختيار وليّ الله للوصي الظاهري يخضع لملاكات عديدة، وليس أفضليته على باقي التلاميذ 163

  • ه-. السبب في الرجوع إلى الوصي الظاهري هو كونه أحد الطرق إلى الواقع 165

  • و. عدم تقييد الاستفادة من أيّ أحد إلّا بتسبيبه الضرر 166

  • أثر النفوس بعضها على بعض في تغيير المعتقدات، و مسألة الإقامة في بلاد الكفر نموذجاً 168

  • نتيجة المجلس: الواجب عند فقدان الولي هو الرجوع إلى الخبير، والوصيّ الظاهريّ أحد الطرق 173

أسرار الملكوت ج۳

16
  • المجلس السادس عشر

  • وظيفة السالك إلى الله عند عدم وجود الوصيّ الظاهري

  • تمهيد في تلخيص ما تقدّم 179

  • حقائق حول فتنة ادّعاء الوصاية بعد العلامة الطهراني رضوان الله عليه 179

  • كثرة ادعاء الوصاية بعد وفاته رضوان الله عليه 179

  • حركة الإصلاح التي قام بها المصنّف 183

  • ردّة فعل مدّعي الوصاية 184

  • الآثار الإيجابية للفتنة على المصنّف 185

  • تنبيه حول طلاق عائشة من رسول الله بعد وفاته، وكيفيّة تفسير ذلك فقهيًّا 193

  • تهيئة المرحوم العلامة المصنّفَ لتلقّي الفتنة 196

  • الغرض من ذكر هذه الأحداث 200

  • وظيفة السالك في حالة عدم وجود وصيّ ظاهري 203

  • 1. العمل بما يعلم من التكاليف 203

  • تنبيه حول حقيقة التكاليف وكيفيّة الانقياد لها 204

  • فوائد مستقاة من آية (وَ مَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً ...) 207

  • تصويب ما نقل عن المرحوم العلامة في تفسير آية: (وَمَن يَخْرُجُ مِنْ بَيتِهِ ...) 210

  • 2. الاستفادة من كافّة الفرص وأهل الصلاح والسداد 213

  • تصويب ما قيل من أنّ السيّد الحدّاد لم يكن أستاذًا للمرحوم العلامة بل رفيقًا 214

  • طريقان لمضاعفة الاستفادة من كافة الفرص: تحصيل العلم ومرافقة خبير 222

  • الأول: تحصيل العلم و الإلمام بالمباني والمعايير الأساسية 222

  • أ. الدقة في اختيار مرجع التقليد 222

  • ب. تعلّم مبادئ السير والسلوك 228

  • نتيجتا تعلّم مبادئ السير والسلوك 229

  • الأولى: زيادة الشوق 229

  • الثانية: دفع الشبهات 231

  • ج. تعلّم مبادئ السير والسلوك 238

  • د. مطالعة شعر الأولياء 242

  • الثاني: رفيق الطريق الخبير و شريك المسير الصالح 246

  • أ. أهميّة الرفيق الصالح 246

  • ب. صفات الرفيق الذي ينبغي اتّخاذه 247

  •  ** *

أسرار الملكوت ج۳

17
  • بسم الله الرحمن الرحيم

  • الكتاب الذي بين أيديكم هو الجزء الثالث من كتاب أسرار الملكوت، و هو الكتاب الذي ألّفه سماحة آية الله الحاج السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ دامت بركاته لشرح حديث عنوان البصري، وتعرّض من خلال ذلك لمجموعة من المواضيع الأساسية والحيويّة من المعارف الدينيّة و مباني الإسلام والتشيّع.

  • ومن هنا، فقد بادرت لجنة ترجمة وتحقيق «دورة علوم ومباني الإسلام والتشيّع» بتعريب هذا الكتاب وتقديمه للقارئ العربي لتعمّ الفائدة منه.

  • وهنا نودّ أن نلفت عناية القارئ الكريم إلى بعض الملاحظات والتنبيهات حول عمل اللجنة في هذه الرسالة:

  • أوّلًا: إنّ أصل هذه الرسالة هو باللغة الفارسيّة، وقد قامت اللجنة بتعريبها.

  • ثانيًا: إنّ بعض العناوين الموجودة داخل الكتاب، وكذلك أغلب العناوين الموجودة في فهرس المواضيع التفصيلي هي من وضع اللجنة، وليست من قبل المؤلّف المحترم. و لكنّ العناوين الأساسيّة التي في بداية المجالس و كذا أغلب العناوين الرئيسيّة التي تظهر في المتن هي من سماحته.

  • ثالثًا: إن جميع التخريجات والإرجاعات إلى مصادر التحقيق هي من إعداد لجنة الترجمة والتحقيق بقسميها الفارسي والعربي.

  • رابعًا: عمدت اللجنة إلى إضافة بعض التوضيحات في الهامش في بعض المواطن التي تساعد القارئ الكريم على فهم المراد من النصّ، وهذه التوضيحات هي من قبل اللجنة وليست من قبل المؤلّف المحترم، وقد أشرنا إليها بالرمز (م).

  • خامسًا: الطريقة التي اعتمدتها اللجنة في ترجمة النصوص المنقولة عن كتب العلّامة الطهراني رضوان الله عليه هو نقل النصّ المقابل من النسخة العربيّة للكتاب دون إعادة الترجمة، اللهمّ إلّا في بعض الموارد التي رأينا أنّ الترجمة العربيّة للنصّ المنقول غير وافيةٍ، فقمنا بترجمة الأصل الفارسي للمقطع المنقول رعايةً للدقّة.

  • وآخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين.

  • لجنة ترجمة وتحقيق

  • «دورة علوم ومباني الإسلام والتشيّع»

أسرار الملكوت ج۳

19
  •  

  •  

  • المجلس الثالث عشر: نظرة تحليلية على مدرسة ابي حنيفة و عقائده

  •  

  •  

أسرار الملكوت ج۳

20
  •  

أسرار الملكوت ج۳

21
  •  

  •  

  • ِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيْم

  • الحَمْدُ للّه رَبِّ العَالَمِيْن

  • والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى خَيرِ المُرسَلينَ مُحمّدٍ وَآله الطَاهِرين

  • وَلَعْنَةُ الله عَلى أَعْدَائِهِم أَجْمَعِيْن

  •  

  •  

  • لقد ذُكِرَت في المجلّد الثاني من كتاب «أسرار الملكوت» مجموعة من المسائل ترتبط بوجوب اتّباع وليّ الله الكامل والانقياد للعارف بالله، وذلك في ذيل إحدى فقرات حديث عنوان البصري، والتي يقول فيها:

  • فقال لي يومًا: «إنّي رجل مطلوب، ومع ذلك لي أوراد في كلّ ساعة من آناء الليل والنهار، فلا تشغلني عن وردي وخذ عن مالك واختلف إليه كما كنت تختلف إليه».1

  • وبعد البحث في وجوب طاعة وليّ الله العارف طاعةً مطلقةً، سواء من قبل عوامّ الناس أم من قبل العلماء وأصحاب النظر في مجال الفكر الديني، فإنّ النقطة التي ينبغي أن تُبحث بحثًا مستوفى من جميع أبعادها ومختلف جوانبها هي مسألة عدم توفّر هكذا أستاذ في كافّة الأزمان والظروف المحيطة بحياة الإنسان.

    1. بحار الأنوار، ج 1، ص 224.

أسرار الملكوت ج۳

22
  • وبالنظر إلى ما تقدّم في المجلّد الثاني، لم يبق أيّ شكّ في أنّ مسألة الرجوع إلى العارف الكامل هي مسألة حيويّة مصيريّة ومحوريّة لها كبير الأثر في تحقيق السعادة والفلاح الأبديّين، وذلك لجميع أفراد البشر بلا استثناء، من أيّ طيفٍ كانوا أو صنفٍ، وأنّ الإنسان إذا ما وجد فردًا كهذا فلا بدّ أن يضع كافّة قراراته وتصرفاته وأفكاره تحت اختياره وإرادته وتصرفه، وأن يكون أمام أوامره ونواهيه مسلّمًا مطيعًا كالعبد القنّ أمام أوامر مولاه، بل كالميّت بين يدي غاسله، لا يرى لنفسه اختيارًا، ولا يرى في البين سوى إرادة واحدة تحكم كافّة الأفعال، هي إرادة الوليّ الكامل والأستاذ العارف لا غير. ولا شكّ ولا ريب أنّ العارف الكامل هذا هو ذو خصوصيّات ومزايا محدّدة لا تتوفّر عند كلّ أحد، وقد تقدّم توضيحها بشكل مفصّل تقريباً في المجلّد الثاني.

  • ومن هنا، ينبغي أن يكون شغل الإنسان الشاغل أن يصل إلى إنسانٍ كاملٍ يتحلّى بتلك الصفات، وينال شرف إدراكه، وعليه أن لا يقصر في هذا المجال عن أيّ نوع من أنواع السعي والبحث والنظر، وأن يمدّ دائمًا يد التوسّل والالتجاء إلى قاضي الحاجات الأئمة المعصومين صلوات الله وسلامه عليهم، لنيل هذه السعادة العظمى ورمز الفوز الأبديّ، ولفتح باب اللقاء بأصحاب سرّ حرم الله، ولا بدّ أن يطلب ذلك من صميم قلبه وسويداء ضميره.

  • سبب إنكار الحاجة إلى الأستاذ: العناد والاستكبار

  • كما تبيّن هناك بشكل واضح أنّ ادّعاء الوصول إلى المعارف الإلهيّة عن طريق الشهود ومشاهدة الجمال الكبريائي وانكشاف أسرار عالم الوجود بغير حاجة إلى الأستاذ الكامل والعارف الواصل، ليس سوى وهمٍ وخيال، وهي دعوىً تنشأ غالبًا عن العناد والإغراض والاستكبار والاستعلاء والأنانيّة أمام لوازم التربية والإرشاد والهداية. إنّ النفوس إذا ما عجزت في مقام الطاعة والانقياد عن رعاية موازين التربية والتزكية وقوانينهما، فإنّها تشرع بالتمرّد والعناد والإنكار، فتنكر في لحظة واحدة أصل السلوك والالتزام بطاعة أستاذ الطريق، وترفض كافّة المعارف القلبيّة والشهوديّة وحقائق عالم الغيب، وتنعت كلّ ذلك بالتوهّم والتخيّل والخرافة، وتنساق نحو محاربة

أسرار الملكوت ج۳

23
  • الحقيقة من خلال حربة التكفير والسخرية والاستهزاء و الاتّهام بمخالفة مباني الشرع، والتهم الشنيعة التي لا تصدّق، وتحريف كلمات وعبارات أولياء الله بما يضحك الثكلى، ومن خلال دعوة العوامّ إلى الدخول في المواجهة والصراع. وهكذا يبيع الإنسان السعادةَ الأبديّة والفوزَ بالكمالات المعنويّة بثمنٍ بخسٍ من حطام الدنيا الدنيّة ومصالحِها المؤقّتة، ويجرّ على نفسه التعاسة والشقاء والبوار الدائم.

  • إنّ هؤلاء الأفراد لو كانوا في عهد رسول الله صلّى الله عليه وآله أو في عهد الأئمّة الطاهرين صلوات الله عليهم، لوقفوا قطعًا أمامهم منازعين، ولوجّهوا الضربات إلى مدرسة أهل البيت بأنواعٍ من الحيلة والمكر، ولفرّقوا الناس عنهم. وعلينا أن لا نتوهّم أنّ المخالفين والمعاندين والعلماء المنحرفين الذين كانوا معاصرين لأئمّة أهل البيت عليهم السلام والذين وقفوا في مواجهة مدرسة الحقّ والتشيّع، وفي قبال أهل بيت الوحي .. علينا أن لا نتوهّم أنّهم قد جاءوا من القمر! لا، بل كانوا جميعاً من هؤلاء الناس و هذا الصنف، وكانوا كلّهم يعرفون جيّدًا مدرسة أهل البيت بوضوح تامّ، وكثيرًا ما كان بعضهم من تلامذتهم والمتربّين لديهم علمًا وفقهًا.

  • ابو حنيفه النموذج الابرز لعناد الولاية

  • فأبو حنيفة النعمان بن ثابت- أحد زعماء أهل السنّة ورئيس الفرقة الحنفيّة- كان من تلامذة الإمام الصادق عليه السلام، وقد استفاد من محضره عليه السلام مدّة سنتين حسب اعترافه هو حيث يقول: «لولا السنتان لهلك النعمان»1، وحضوره في المجالس العلميّة لذلك الإمام الهمام هو الذي أوصله إلى تلك المراتب العلميّة، وفي الوقت نفسه كان من أشدّ المعاندين والمعادين لمدرسة أهل البيت عليهم السلام.

  • اولا: عرض و تحليل لجوانب شخصية ابي حنيفة

  • عداوته للولاية وتواطؤه مع نظام الخلافة

  • لقد كان معروفًا بعداوته لمدرسة الولاية و مشهورًا بحقده على صاحب الولاية أمير المؤمنين عليه السلام حتّى صار ذلك معروفًا لدى الجميع، ولم يكن ليخفي بغضه

    1. مختصر تحفة الاثنى عشرية، الآلوسي ص 8؛ الإمام جعفر الصادق، عبد الحليم الجندي، ص 162 و 252؛ لماذا اخترت مذهب الشيعة مذهب أهل البيت، محمد مرعي الأمين الأنطاكي، ص 30؛ الشيعة هم أهل السنّة، التيجاني السماوي، ص 88.

أسرار الملكوت ج۳

24
  • لأمير المؤمنين عليّ المرتضى عن أحد، وكان قد جعل لنفسه دكّانًا ومتجرًا أمام مدرسة الإمام جعفر الصادق عليه السلام، وكان بكلّ صراحة يصدر الفتاوى المخالفة للأحكام الصادرة من مصدر الوحي ومنبع التشريع، ويقود الناس نحو الضلالة والهلاك.

  • وحيث إنّ نظام الخلافة العبّاسي كان يمثّل العدوّ الأوّل لمدرسة أهل البيت وولاية الأئمّة المعصومين عليهم السلام والمتمحّض في عداوته ومعارضته لهم، فقد سعى هذا النظام بما أوتي من قوّة وبمختلف الوسائل والحيل إلى مواجهة الأئمّة الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين، في سبيل تشويه شخصيّتهم، والحيلولة دون نفوذهم المعنويّ وازدحام الناس أمام أعتابهم المقدّسة في المسائل والأحكام الشرعيّة والاجتماعيّة، والارتباط بعوالم الربوبيّة من خلال ذواتهم المقدّسة. وقد كان هذا النظام في غاية السرور والارتياح لما يقوم به من لا يعرف الله من مواجهةٍ لأهل البيت، كأمثال أبي حنيفة و غيره من سائر المنحرفين والمدارس المنحطّة، كما كان هذا النظام يقدّم العطايا والهبات ترغيبًا في الرجوع إلى أمثال هؤلاء، في حين كان يمارس التضييق والملاحقة والتجسس على الشيعة والمتّبعين لمدرسة الوحي والولاية.

  • إنّ شدّة عداوة وعناد هذا الرجل مع رئيس المذهب الجعفريّ الإمام الصادق عليه السلام قد وصلت إلى حدٍّ جعلت أصحاب الإمام عليه السلام يعبّرون عنه بالناصبيّ (و هو الذي يسبّ أهل البيت عليهم السلام ويظهر العناد لهم علنًا وجهارًا). وكان الإمام عليه السلام يسير معه بالتقيّة خوفًا من تضييقات النظام الجائر للخلافة.

  • دخل محمّد بن مسلم- وهو من كبار أصحاب الإمام الصادق عليه السلام- ذات يومٍ على الإمام عليه السلام فوجد أبا حنيفة إلى جانبه، فتوجّه محمّد إلى الإمام وقال له: جعلت فداك رأيتُ رؤيا عجيبة، فقال الإمام: يا ابن مسلم هاتها فإنّ العالِم بها جالس. وأومأ بيده إلى أبي حنيفة، فقصّ عليه رؤياه فقال:

  • رأيت كأنّي دخلت داري وإذا أهلي قد خرجت عليّ فكسرت جوزًا كثيرًا

أسرار الملكوت ج۳

25
  • ونثرته عليّ، فتعجّبتُ من هذه الرؤيا، فقال أبو حنيفة: أنت رجل تخاصِم وتجادِل لئامًا في مواريث أهلك، فبعد نصَبٍ شديد تنال حاجتك منها إن شاء الله، فقال أبو عبد الله عليه السلام: أصبت والله يا أبا حنيفة، قال: ثمّ خرج أبو حنيفة من عنده، فقلت: جعلت فداك إنّي كرهت تعبير هذا الناصب [المعادي للولاية]، فقال: يا ابن مسلم لا يسؤك الله، فما يواطي تعبيرهم تعبيرنا ولا تعبيرنا تعبيرهم، وليس التعبير كما عبّر، قال: فقلت له: جُعِلت فداك، فقولك: «أصبت» وتحلف عليه وهو مخطئ؟ قال: نعم حلفت عليه أنّه أصاب الخطأ. ثمّ بيّن له الإمام التعبير الصحيح لرؤياه.1

  • ومن الواضح في هذه القصّة أنّ الإمام كان يسير مع أبي حنيفة بالتقيّة والخوف، وكان يعامله بالرفق والمداراة خوفًا من أن يسبّب له ولأصحابه وشيعته الفتن، فلو أنّ ذلك الملعون لم يكن على تواصل مع نظام خلافة بني العبّاس وحكومتهم المعاندة، ولو أنّه لم يكن يتلقّى منهم التأييد والدعم والتشجيع ليقوم بمواجهة الإمام عليه السلام، فلماذا كان يخاف منه الإمام ويتّقيه؟!

  • لقد كان نظام الخلافة العبّاسيّ يستفيد من أمثال هؤلاء المرتزقة ليشوّه شخصيّة الإمامة وشؤون الولاية بأيّ نحو أمكنه، كما كان هذا يحدث مع سائر الأئمّة عليهم السلام كموسى بن جعفر وعليّ بن موسى الرضا والجواد عليهم الصلاة والسلام؛ ففي مناقب ابن شهرآشوب عن أبي القاسم البغّار نقلًا عن مسند أبي حنيفة:

  • إنّ أبا حنيفة سئل: من أفقه من رأيت؟ قال: جعفر بن محمّد؛ فلمّا أقدمه [أي: أقدم الإمام إلى بغداد] المنصور بعث إليّ فقال: يا أبا حنيفة، إنّ الناس قد فُتنوا بجعفر بن محمّد، فهيِء له من مسائلك الشداد. فهيّأت له أربعين مسألة، ثمّ بعث إليّ أبو جعفر وهو بالحيرة فأتيته، فدخلت عليه وجعفر جالس عن يمينه فلمّا بصرت به دخلني من الهيبة لجعفر ما لم يدخلني لأبي جعفر (المنصور)،

    1. راجع: الكافي، ج 8، ص 292.

أسرار الملكوت ج۳

26
  • فسلّمت عليه فأومأ إليّ، فجلست، ثمّ التفتّ إليه فقال: يا أبا عبد الله، هذا أبو حنيفة، قال: نعم أعرفه، ثمّ التفت (المنصورُ)

  • إليّ فقال: يا أبا حنيفة ألق على أبي عبد الله من مسائلك، فجعلت ألقي عليه فيجيبني، فيقول: أنتم تقولون كذا وأهل المدينة يقولون كذا ونحن نقول كذا. فربّما تابَعنا وربّما تابعهم وربما خالفنا جميعًا. حتّى أتيت على الأربعين مسألة فما أخلّ منها بشيء، ثمّ قال أبو حنيفة: أليس أنّ أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس؟1

  • اختلاقه القياس جبرانًا للنقص الحاصل من ابتعاده عن أهل البيت عليهم

  • السلام لقد كان أبو حنيفة غارقًا في أعماق الضلالة والجهالة؛ بسبب انقطاعه عن مدرسة أهل البيت عليهم السلام، وعدم وصوله إلى منبع الوحي؛ ولهذا فإنّه لم يجد لنفسه سبيلًا يجبر به هذا النقص سوى إدخال التوهّمات و التخيّلات إلى ميدان الفقه والاجتهاد، وذلك بواسطة الرأي و القياس، كما جعل أفكاره الباطلة المزخرفة هي المستند بدلًا عن مصادر الوحي وحقائق التشريع من النفوس القدسيّة لأولياء الدين، وراح يقود الناس إلى العوالم الدنيئة من الشهوات والنفسانيّات والغواية والضلالة، بدلًا من أن يتحرّكوا نحو أولياء الدين والأئمّة الطاهرين عليهم السلام ليرتوُوا من منبع الماء المعين، وفي النتيجة فإنّ هذه النفوس المستعدّة ستحرم من الوصول إلى غاية التكوين ومقصد التشريع، قاضية العمر في عالم التخيّلات والاعتباريّات بين أفكار أبي حنيفة التافهة الواهية الشيطانيّة وأفكار أمثاله، في حين كان ينبغي لها أن تصل إلى النقطة القصوى وتنال ذروة الكمال والتجرّد، من خلال طيّ منازل عالم الكثرة والوحدة، والسير في مسير التربية والتزكية المستقيم الناشئ من رشحات مدرسة أهل البيت عليهم السلام.

  • إنّ على أبي حنيفة وأمثاله من الذين نهضوا لمواجهة الأئمّة المعصومين عليهم السلام- رغم انكشاف الحقّ وتشخّص الهداية في مصاديق أشخاصهم- عليهم أن يتحمّلوا مسؤوليّة وآثار وتبعات المسير الشيطانيّ والانحراف الذي أوجدوه في العالم الإسلاميّ إلى ظهور منجي البشريّة، وامتياز الصراط المستقيم به عن سائر الطرق الضالّة

    1. مناقب آل أبي طالب، ابن شهراشوب، ج 4، ص 255.

أسرار الملكوت ج۳

27
  • والمضلّة. وإنّ كلّ اعوجاج ومصيبة وكلّ شدّة وفسق وفجور وجناية منيت بها مدرسة رسول الله وشريعته على طول التاريخ، ستكتب في كتاب هذا الخبيث أيضًا، وسيكون مسؤولًا عن آثار السوء الناتجة عنها.

  • يروي المعلّى بن خنيس عن الإمام الصادق عليه السلام حول الآية الشريفة القائلة:

  • « (وَ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ)1 قال: يعني من اتخذ دينه رأيه بغير هدى إمام من أئمّة الهدى».2

  • فالإمام الصادق عليه السلام يبيّن أنّ المراد بهذه الآية هو من جعل دينه واعتقاده على أساس الرأي و القياس و الهوى والهوس والتخيّلات والاوهام الواهية الفارغة، ولم يستفد من هداية إمامٍ من أئمّة الهدى ولم يأتمر بأوامره.

  • وكذلك يروي في كتاب آداب أمير المؤمنين عليه السلام عن محمّد بن مسلم عن الإمام الصادق عليه السلام:

  • «لا تقيسوا الدين (بآرائكم الفارغة ولا تخلطوه بها)، فإنّ أمر الله لا يقاس، وسيأتي قوم يقيسون وهم أعداء الدين».3

  • وكذلك قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم عن انحراف واعوجاج وضلالة هذه الطائفة:

  • «إيّاكم وأصحاب الرأي! فإنّهم أعيتهم السنن أن يحفظوها (ومنعهم الهوى من متابعتها)؛ فقالوا في الحلال والحرام برأيهم، فأحلّوا ما حرّم الله وحرّموا ما أحلّ الله، فضلّوا وأضلّوا».4

    1. سورة القصص( 28)، مقطع من الآية 50.
    2. بحار الأنوار، ج 2، ص 302.
    3. بحار الأنوار، ج 2، ص 308؛ بصائر الدرجات، ج 1، ص 215.
    4. بحار الأنوار، ج 2، ص 308؛ عوالي اللآلي، ج 4، ص 65.

أسرار الملكوت ج۳

28
  • ولننظر الآن إلى ما يقوله الإمام الصادق عليه السلام لأبي حنيفة في حواره معه، وكيف يفضح عناده أمام الملأ! آخذين بعين الاعتبار ما تقدّم. ففي لقائه الأوّل به في بيته عليه السلام سأله:

  • «من أنت؟ قال: أبو حنيفة. قال عليه السلام: مفتي أهل العراق؟ قال: نعم. قال: بم تفتيهم؟ قال: بكتاب الله.

  • قال عليه السلام: وإنك لعالم بكتاب الله، ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه؟ قال: نعم.

  • قال: أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ (وَ قَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَ أَيَّاماً آمِنِينَ)1، أيّ موضع هو؟

  • قال أبو حنيفة: هو ما بين مكّة والمدينة.

  • فالتفت الإمام أبو عبد الله عليه السلام إلى جلسائه وقال: نشدتكم الله هل تسيرون بين مكّة والمدينة ولا تأمنون على دمائكم من القتل وعلى أموالكم من السرق؟

  • فقالوا: اللهم نعم.

  • فقال أبو عبد الله عليه السلام: ويحك يا أبا حنيفة! إنّ الله لا يقول إلا حقًّا،

  • أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ (وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً2 أيّ موضع هو؟

  • قال: ذلك بيت الله الحرام.

  • فالتفت أبو عبد الله عليه السلام إلى جلسائه وقال: نشدتكم بالله هل تعلمون أن عبد الله بن الزبير وسعيد بن جبير دخلاه فلم يأمنا القتل؟!

  • قالوا: اللهم نعم.

    1. سورة سبأ( 34)، ذيل الآية 18.
    2. سورة آل عمران( 3)، مقطع من الآية 97.

أسرار الملكوت ج۳

29
  • فقال أبو عبد الله عليه السلام: ويحك يا أبا حنيفة! إنّ الله لا يقول إلا حقًّا.

  • فقال أبو حنيفة: ليس لي علم بكتاب الله، إنما أنا صاحب قياس.

  • فقال أبو عبد الله عليه السلام: فانظر في قياسك إن كنت مُقيسًا، أيّما أعظم عند الله القتل أو الزنا؟ قال: بل القتل.

  • قال: فكيف رضي في القتل بشاهدين ولم يرضَ في الزنا إلا بأربعة؟!

  • ثمّ قال له: الصلاة أفضل أم الصّيام؟ قال: بل الصلاة أفضل.

  • قال عليه السلام: فيجب- على قياس قولك- على الحائض قضاء ما فاتها من الصلاة حال حيضها دون الصيام، وقد أوجب الله تعالى عليها قضاء الصوم دون الصلاة!

  • ثمّ قال له: البول أقذر أم المنيّ؟ قال: البول أقذر.

  • قال عليه السلام: يجب- على قياسك- أن يجب الغسل من البول دون المنيّ. وقد أوجب الله تعالى الغسل من المنيّ دون البول!

  • قال: إنّما أنا صاحب رأي.

  • قال عليه السلام: فما ترى في رجل كان له عبد فتزوج وزوّج عبده في ليلة واحدة، فدخلا بامرأتيهما في ليلة واحدة، ثمّ سافرا وجعلا امرأتيهما في بيت واحد فولدتا غلامين، فسقط البيت عليهم فقتل المرأتين وبقي الغلامان، أيّهما في رأيك المالك وأيّهما المملوك؟ وأيّهما الوارث وأيّهما الموروث؟

  • قال: إنّما أنا صاحب حدود.

  • قال: فما ترى في رجل أعمى فقأ عين صحيح، وأقطع قطع يد رجُل كيف يقام عليهما الحدّ؟

  • قال: إنّما أنا رجل عالم بمباعث الأنبياء (أي: عالم بالآيات والروايات التي لها علاقة بالأنبياء وقضاياهم وبعثتهم).

أسرار الملكوت ج۳

30
  • قال: فأخبرني عن قول الله تعالى لموسى وهارون حين بعثهما إلى فرعون: (لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى)1، ولعلّ منك شكّ؟ قال: نعم. قال: فكذلك من الله شكّ إذ قال: (لَعَلَّهُ)؟

  • قال أبو حنيفة: لا علم لي.

  • قال عليه السلام: تزعم أنّك تفتي بكتاب الله ولست ممّن ورثه، وتزعم أنّك صاحب قياس وأوّل من قاس إبليس، ولم يبن دين الإسلام على القياس، وتزعم أنّك صاحب رأي، وكان الرأي من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم صوابًا ومن دونه خطأ، لأنّ الله تعالى قال: (لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ)2 ولم يقل ذلك لغيره، وتزعم أنّك عالم صاحب حدود ومن انزلت عليه أولى بعلمها منك، وتزعم أنّك عالم بمباعث الأنبياء، ولَخاتم الأنبياء أعلم بمباعثهم منك. لولا أن يقال دخل على ابن رسول الله فلم يسأله عن شيء ما سألتك عن شيء، فقس إن كنت مقيسًا!

  • قال: لا تكلّمتُ بالرأي والقياس في دين الله بعد هذا المجلس.

  • قال: كلّا، إنّ حبّ الدنيا غيرُ تاركك كما لم يترك من كان قبلك».3

  • وهكذا أعلن الإمام الصادق عليه السلام رسميًّا انحرافه وعناده وتحريفه لسنّة النبيّ، وحذّره إلى آخر عمره من منهجه الشيطانيّ المعيب. وليس غريبًا أن يقف هذا الرجل المنحوس ويخالف بكلّ صراحة الإمام الصادق عليه السلام قائلًا: خالفت جعفرًا في كلّ ما سمعته منه.4

    1. سورة طه( 20)، ذيل الآية 44.
    2. اقتباس من سورة النساء( 4)، مقطع من الآية 105.
    3. الاحتجاج( 1386 ه- دار النعمان النجف)، ج 2، ص 116؛ بحار الأنوار( 1403 ه-، دار الوفاء، بيروت)، ج 2، ص 287.
    4. مفتاح الكرامة، ج 9، ص 638؛ قاموس الرجال، ج 10، ص 376.

أسرار الملكوت ج۳

31
  • بل وفقًا لما جاء في آثار أهل السنّة وصل انعدام الحياء بهذا الرجل عديمِ الدين والمذهب إلى حدّ السخرية من رسول الله صلّى الله عليه وآله، وكان يعدّ سجعًا وشعرًا تلك الروايات المسلّمة والمشهورة التي لا يشكّ مسلم أنّها من السنّة، فقد جاء في تاريخ بغداد نقلًا عن سفيان بن عيينة:

  • ما رأيت أجرأ على الله من أبي حنيفة، كان يضرب الأمثال لحديث رسول الله صلّى الله عليه [وآله] وسلّم فيردّه. بلغه أنّي أروي «إنّ البيّعان بالخيار ما لم يفترقا» فجعل يقول: أرأيت إن كانا في سفينة؟! أرأيت إن كانا في السجن؟! أرأيت إن كانا في سفر، كيف يفترقان؟!1

  • استهزؤه بالنبيّ صلوات الله عليه وآله

  • غير أنّ ذلك الأحمق لم يدرك أنّ المراد من الافتراق في كلام رسول الله صلّى الله عليه وآله ليس هو الافتراق المكانيّ والجسدي، بل هو الهيئة التي هما عليها حالة إجراء المعاملة، فإن كان العقد بين اثنين في السجن أو في غرفة واحدة، أو في مكان واحد، فإنّهما في مجلس واحد ما داما في الحديث حول خصوصيّات وتبعات العقد وما يتعلّق به. ومن جهة أخرى، لو كانا بعيدين ولكن بقيا على اتصال عبر وسيلة كالهاتف؛ فهما في هذه الحالة لا يزالان على هيئتهما الاتصاليّة نفسها، ولم ينتفِ مجلس المعاملة. وأمّا إذا بقيا في نفس مكان المعاملة ولم يتحرّك أيّ منهما عن موضعه قيد أنملة، غير أنّهما ختما الحديث عن المعاملة واشتغل كلّ منهما بعمل أو حديث آخر، فإنّ من الواضح أنّ مجلس العقد والمعاملة قد انتفى وارتفع. ولكن لمّا عميت عينا هذا الجاهل عديم الحياء عن رؤية ما بيّنه أهل البيت علهيم السلام، ولمّا صار قلبه مظلمًا لبعده عن مَعين الولاية، ولمّا تبدّل عقله إلى تخيّل وتوهّم بسبب اتّباعه لأهواء النفس والعمل بآرائه الشخصيّة، صار يسخر من كلام رسول ويرى أنّه لا قيمة له.

  • و كذلك جاء في تاريخ بغداد عن عبد الصمد أنّه قال:

  • ذُكر لأبي حنيفة قول النبيّ صلّى الله عليه وآله: «أفطر الحاجم والمحجوم»،

    1. تاريخ بغداد، ج 13، ص 389.

أسرار الملكوت ج۳

32
  • فقال: هذا سجع.1

  • اهتمامه بحفظ موقعيّته ولو بالإهمال والظلم

  • وكذلك يقول أبو إسحاق الفزاري:

  • كنت آتي أبا حنيفة أسأله عن الشيء من أمر الغزو. فسألته عن مسألة فأجاب فيها، فقلت له: إنّه يُروى فيها عن النبيّ صلّى الله عليه [وآله] وسلّم كذا وكذا؟ قال: «دعنا من هذا».

  • وسألته يومًا عن مسألة فأجاب فيها، فقلت له: إنّ هذا يروى عن رسول الله صلّى الله عليه [وآله] وسلّم فيه كذا وكذا، فقال: «حكّ هذا بذنب خنزير».2

  • وكذلك يروي عليّ بن عاصم فيقول:

  • حدَّثْنا أبا حنيفة بحديث عن النبيّ صلى الله عليه [وآله] وسلّم فقال: «لا آخذ به»، فقلت عن النبيّ صلى الله عليه [وآله] وسلّم؟! فقال: «لا آخذ به».3

  • وتصل به الوقاحة إلى حيث يقول ليوسف بن إسباط:

  • لو أدركني رسول الله صلّى الله عليه [وآله] وسلّم وأدركته لأخذ بكثير من قولي.4

  • وكان كلّما جيء له بحكم من أحكام رسول الله صلوات الله عليه وآله، أفتى بما يخالفه عنادًا ولجاجًا. وكان يسمّي الروايات المنقولة عن رسول الله رَجزاً (أي شعارًا خالياً عن الحقيقة)، حتّى إنّه ورد عن سفيان الثوريّ- على ما في تاريخ بغداد- أنّه قال:

  • استتبت أبا حنيفة من الكفر مرّتين.5

  • وهناك قصّة تحكي قساوة قلب هذا الملعون وانعدام الرحمة منه نذكرها في هذا المجال:

    1. المصدر نفسه، ص 388.
    2. المصدر نفسه، ص 386- 387.
    3. المصدر نفسه، ص 387.
    4. المصدر نفسه، ص 386.
    5. المصدر نفسه، ص 380.

أسرار الملكوت ج۳

33
  • قال بشر بن السري: أتيت أبا عوانة فقلت له: بلغني أنّ عندك كتابًا لأبي حنيفة، أخرجْه، فقال: يا بنيّ ذكّرتني، فقام إلى صندوق له فاستخرج كتابًا، فقطعه قطعة قطعة فرمى به، فقلت: ما حملك على ما صنعت؟ قال: كنت عند أبي حنيفة جالسًا، فأتاه رسول بعجلة من قبل السلطان، كأنما قد حمّوا الحديد وأرادوا أن يقلّدوه الأمر. فقال: يقول الأمير: رجلٌ سرق [تمرًا]1 فما ترى؟ فقال غيرَ متعتع: إن كانت قيمته عشرة دراهم، فاقطعوه. فذهب الرجل. فقلت: يا أبا حنيفة لا تتّقي الله؟! حدّثني يحيى بن سعيد عن محمّد بن يحيى بن حبّان عن رافع بن خديج أنّ رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلّم قال: «لا قطع في ثمر ولا كثر»2 أدرِك الرجل فإنّه يقطع. فقال غير متعتع: ذاك حكم قد مضى فانتهى.

  • وقد قُطع الرجل، فهذا ما يكون له عندي كتاب.3

  • التشابه بين موقف أبي حنيفة وموقف بعض المرجعيّات في حفظ شأنها عن إنقاذ سجين لدى الشاه

  • وهنا تنتقل بي الذاكرة إلى واقعة يحسن ذكرها في المقام، وهي تستحقّ التأمّل؛ ففي يوم من الأيّام ذهبت برفقة بعض الأخلّاء لزيارة المرحوم المغفور له آية الله الشيخ صدر الدين الحائري الشيرازيّ رحمة الله عليه، وكان من المقرّر أن نطرح بعض الأسئلة حول شيء من أحداث الثورة؛ فقد كان رحمه الله من المعدودين الذين لديهم اطّلاع كامل على أخبار وأسرار وقضايا الثورة من بدايتها وحتّى نهايتها. وقد تطرّق الحديث فيما تطرّق إلى المرحوم طيّب الحاج رضائي، ذلك الفدائيُّ الشهيدُ في طريق الإسلام، المتخلّي عن نفسه، الطاهرُ القلب، النقيُّ الروح رحمة الله عليه. وفي ذلك اللقاء قال المرحوم الشيخ صدر الدين:

  • بعد القبض على طيّب بسبب دفاعه عن حريم التشيّع وتأييده المرحوم آية الله الخميني، قاموا في السجن بتعريضه لأنواع العذاب والأذى والبلاء، وطلبوا

    1. في بعض النسخ« وديًّا»، والوَدِيّ: ما يخرج من أصل النخل فيقطع من محلّه ويغرس في محلّ آخر.( م)
    2. الكَثَر: جمار النخل وهو شحمه الذي في وسط النخلة.( راجع: النهاية: ج 4، ص 152 مادّة كثر).( م)
    3. المصدر نفسه، ص 391؛ المسائل الصاغانية؛ الشيخ المفيد ص 147.

أسرار الملكوت ج۳

34
  • منه أن يعترف كذبًا وبهتانًا- كما هي طريقة التحقيق وأخذ الاعتراف- بأنّه قبض مالًا من المرحوم آية الله الخميني ليثور ضدّ حكومة الشاه ويعمل على مواجهتها، ووعدوه بالحريّة والإفراج عنه وبإغداق المواهب عليه من قبل الشاه عليه إن هو لبّى طلبهم. لكنّ المرحوم طيّب الحاج رضائي استنكف عن ارتكاب هذه التهمة والكذب، ولم يكن مستعدًّا لتلبية هذا الطلب، وفي المقابل كانوا يضاعفون له من التعذيب والإيذاء.

  • في تلك الأوقات، زار أحد مراجع قم مدينة طهران للقيام بالتشاور مع العلماء والسياسيّين، وحلّ ضيفًا في منزل أحد مريديه، وكان العلماء وأصحاب المهَن والتجّار يقصدون ذلك البيت للّقاء به، وقد ذهبنا نحن بدورنا للقائه ولنطرح عليه ما جرى لطيّب، وبعد أن خلا المجلس قلتُ له:

  • لا بدّ أنّكم اطّلعتم على قضيّة طيّب، وأنتم تعلمون أنّ حياته في خطر، ويمكن في أيّة لحظة أن يعمدوا إلى محاكمته وإعدامه، وإن لم تتخّذ خطواتٌ عاجلة، فسيفوت الأوان.

  • فأجاب: إنّ أمره ليس مهمًّا لكي يشغل فكرنا.

  • قلتُ: إنّ هذا الرجل عرّض حياته للخطر فداءً للإسلام وعلماء الدين، فما هذا الكلام مِن أنّ أمره ليس بمهمّ؟! وإن لم نقم بخطوات عاجلة، فمن الذي سيحمل مسؤوليّة دمه؟

  • فقال: لا ينبغي للمرجعيّة أن تُسقِط من شأنها ومنزلتها لأجل رجلٍ سوقيٍّ وضيع، فتشفع وتتوسطّ له عند الشاه!!

  • قلتُ: لقد قام زعماء وعلماء البلاد كلّهم بذلك، فلماذا أنتم تخالفونهم وتمتنعون عن ذلك؟

  • فقال: أنا لا شأن لي بما يفعله زعماء البلاد، ولا يمكنني أن أقوم بأيّ شيءٍ!

أسرار الملكوت ج۳

35
  • لا بدّ من التأمّل والتفكير في هذه الحادثة؛ فهل موقع المرجعيّة ومقامها أهمّ من إراقة دم مسلمٍ بالباطل؟! ثمّ لأيّ يومٍ هي المرجعيّة؟! هل هي لأيّام السلم والأمن والأمان والسكوت؟ أم لأيّام الضيق والاحتقان والشدّة والخوف؟!

  • والمهمّ هو أنّا حين نقارن بين هاتين الحادثتين: حادثة أبي حنيفة وهذه الحادثة، فهل من فارقٍ نجده بينهما؟ لا نجدّ أيّ فرقٍ بينهما، فكلتاهما ترجعان إلى أصلٍ واحدٍ، وإن كانت تلك في مظهر أهل السنّة، وهذه بلباس التشيّع والمرجعيّة.

  • الفرق بين مرجعيّة العامّة والمرجعيّة على وفق رؤية أهل البيت عليهم السلام

  • هناك فارقٌ جوهريّ وأساسيّ ما بين مرجعيّة الشيعة ومرجعيّة العامّة وأهل السنّة، ومنشؤه هو الملاكات والمعطيات التي قدّمتها مدرسة أهل البيت صلوات الله عليهم ومنهج الرسالة.

  • الفارق الأول: الهدف من المرجعية و الإفتاء

  • إنّ ملاك ومعيار الفتوى والحكم في مرجعيّات العامّة- كمرجعيّة أبي حنيفة وأمثاله- هو موافقة المصلحة الدنيويّة ومجاراة الحكومات المعاصرة. وحيث إنّ القصد والداعي للحكم والإفتاء هو إثبات شخصيّة المرجع وأنانيّته، وهو في هذا المقام يسعى لحفظ مصالحه الدنيويّة وصِيته وذياع اسمه والوصول إلى حطام الدنيا؛ فإنّه يسعى إلى صياغة نفسه وفق رغبة الجهاز الحاكم في زمانه، ويبذل وسعه في إرضائه، ولا يدع في سبيل ذلك أيّ نحو من التملّق والمداهنة والمصانعة، ولا مانع لديه من ارتكاب أيّ شنيعٍ، حتّى يبلغ الأمر إلى أن يحكم أمثال شريح القاضي- الذي لا يعرف الله- على إمام زمانه وابن رسول الله صلّى الله عليه وآله بأنّه خارجٌ عن الدين، وأن يفتي يحيى ابن أكثم بسمّ الإمام المعصوم جواد الأئمّة عليه السلام، إلى غير ذلك من أحداث شبيهة ....

  • إنّ مرجعيّة العامّة- وقبل البحث عن مصلحة الناس وعن الحكم الإلهيّ والتكليف الربّاني- تستفسر أولًا عن وجهة نظر الحكّام و ما يميلون إليه، ثمّ تقوم بجرّ الناس إليها مستفيدة في تعزيزها من أداة الدين وأدلّة الشرع، وكم يقع لتحقيق ذلك أن يُصدِر أحدهم حكمًا هذا الأسبوع، ليخالفه في الأسبوع اللاحق!

أسرار الملكوت ج۳

36
  • إنّ الغاية والهدف في مرجعيّة العامّة هي الدنيا، ولا خبر ولا أثر عن الله والآخرة، أما في مرجعيّة الشيعة فالأمر مختلف؛ والشعار الذي ترفعه وتعلنه دائمًا هو أنّ المفتي هو النائب عن رسول الله صلّى الله عليه وآله والممثّل له، وهو يسير مع الناس بسيرة رسول الله والأئمّة الهداة صلوات الله عليهم وينطق بحديثهم.

  • الفارق الثاني: المرجع في المرجعيّة الشيعيّة يرافق الأمّة في الشدة والرخاء، ولا يخاف إلا الله

  • المرجع في المرجعيّة الشيعيّة يرافق الأمّة خطوة بخطوة، في جميع الأحوال من الشدّة والرخاء، ولا يتخلّى عنها أبدًا؛ فرسول الله صلّى الله عليه وآله كان إذا حكم بجهاد الكفّار لا يختار لنفسه الجلوس في المدينة ويرسل المسلمين إلى ساحات القتال، بل كان أشدّ عزيمة على محاربة الكفّار من الجميع، وكان أقرب الناس إليهم.

  • يقول أمير المؤمنين عليه السلام في بيانه لجهاد رسول الله وقتاله الكفّار والمشركين:

  • «كنّا إذا احمرّ البأس، اتّقينا برسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، فلم يكن أحدٌ منّا أقرب إلى العدوّ منه».1

  • أي إنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله كان إذا أفتى بحرب المشركين يسبق الجيش إليهم، ويخوض المعركة في قتالهم قبل الجميع، ولم يكن ليقضيَ أوقاته جانبًا تحت ظلال الأشجار وقرب الأنهار الجارية برفقة الحور والغلمان، ولم يكن يرسل إليهم من هناك بالبيان تلو البيان ليبعث في نفوسهم الحماس مرسلًا إيّاهم قرابين إلى المَذبح.

  • وفي معارك الجمل وصفّين والنهروان، عندما حكم حاكم المسلمين ومرجعهم عليّ بن أبي طالب عليه السلام بقتال القاسطين والمارقين والناكثين، كان كلّ واحد من أبنائه من الحسن والحسين ومحمّد بن الحنفيّة يتولّى قيادة جزء من الجيش، و أمّا الإمام نفسه فقد كان في قلب الجيش.2

    1. نهج البلاغة( عبده)، ج 3، ص 214؛ شرح نهج البلاغة( لابن أبي الحديد)، ج 19، ص 116.
    2. لمزيد من الاطلاع على هذا الموضوع، راجع: الأخبار الطوال، ص 144 إلى 211؛ أنساب الأشراف، ج 2، ص 241( ذيل الكلام عن وقعة الجمل ووقعة صفين ووقعة الخوارج).( م).

أسرار الملكوت ج۳

37
  • وبناءً على ذلك، ففي مرجعيّة الشيعة إذا ما أفتى مرجعٌ بقتال اليهود ومواجهة الصهيونيّة، فلا بد له أن يكون هو بنفسه وشخصه في صدارة المسلمين والمجاهدين متقدّماً بسلاحه في الهجوم، غير خائف من الموت وإصابات الجراح، ولا يختار الموت للآخرين والحياة لنفسه، ولا الجراحات لهم والنعومة لنفسه، ولا النار والقنابل والصواريخ لأبناء الناس، والشاي والقهوة والمكسرات لنفسه؛ كلّ ذلك لأنّ الله لم يميّز بينه وبينهم في حكمه وتكليفه، ولأنّ الموت والحياة بيد الله وليسا بأيدينا نحن! وربّما كان تقدير الله تعالى ومشيئته أن نموت في ساحات القتال بدلًا من أسرة مستشفيات لندن وأميركا!

  • نعم، إنّ رخاء مرجعيّة الشيعة وسرورها هو في رخاء الأمّة وسرورها، وشدّتها وحزنها في شدّة الأمّة وحزنِها وقلقِها وضيقِ حالها. إنّها لا ترى نفسها بعيدة عن الناس ولا يفصلها عنهم شيء، كما أنّها لا ترى في نفسها موجودًا متميّزًا لا مثيل له.

  • إنّ مرجعيّة الشيعة ليست بالتي تجالس الناس في مجالس العزاء فقط، ولا هي بالتي لا ترافقهم في مسيرتهم إلا في مواكب العزاء فحسب، بل هي معهم، وصوتها صوتهم في الفتن والمشكلات، وفي الخلافات وحالات الضيق والشدّة والأذى، غير خائفةٍ من أيّ تهديد أو تخويف.

  • إنّ مرجعيّة الشيعة هي مأوى المظلوم وملجأ المضطرّ ومخبأ المستجير، وهي لا تكتفي بوظيفة النظر والرقابة، ولا تترك الأوضاع إلى كرّ الزمان ومجرياته، ولا تقبع جالسة في الزاوية بكلّ هدوء.

  • إنّها ترى أنّ مصلحتها في مصالح الله وخلقه لا في شيء آخر سوى ذلك، وهي تبذل كامل جهدها في هذا السبيل، فتجدها تصرخ بكلّ قوّة في آذان الظالمين والحكّام المعاندين، وتثير الناس للقيام واستعادة الحقّ الضائع المسحوق، وإزالة الظلم والعدوان والطغيان، وإحقاق الأمن والعدالة والقسط في المجتمع الإسلاميّ، أجل هذه هي مرجعيّة الشيعة!

أسرار الملكوت ج۳

38
  • إنّها لا تقسّم الناس إلى أتباع وغير أتباع، وإلى مقلّد وغير مقلّد، وعندها المريد وغير المريد سواء، والشيخ الكبير والشابّ اليافع سواء، لا تأثير للظاهر المرغوب أو غير المرغوب في حكمها وقضائها، فلا تفرّق بين المقلّدين وغير المقلّدين، ولا بين المقرّبين والأرحام وغيرهم، ولا بين الطالب الحوزويّ والطالب الجامعيّ، وجميع الناس من رجال ونساء وكبار وصغار يخضعون لديها للتقييم على أساس الحقّ لا غير.

  • في مرجعيّة الشيعة تقيّم الأمور على أساس الفطرة والوجدان والعدل، لا على أساس الانتماء الحزبي والانتساب إلى فئة أو حزب خاص.

  • لدى مرجعيّة الشيعة لا خوف إلّا من الله، ولا طريق للترغيب أو الترهيب إليها.

  • الشيخ محمد جواد الأنصاري رضوان الله عليه نموذجاً للعالم الشيعي

  • يقول المرحوم الوالد قدّس سره:

  • عندما هاجم الحلفاء إيران إبّان الحرب العالميّة الثانيّة، أقدم في يوم من الأيّام ضابطان من البريطانيين في همدان على اقتياد امرأةٍ شابّةٍ من الشارع ليقوموا باغتصابها، ومهما كانت تلك المرأة تصرخ وتطلب المساعدة من الناس وتقول: «أنا متزوّجة خلّصوني من أيدي هؤلاء الكلاب!»، لم يكن أحد ليجرؤ على أن يخطو نحوهم ويخلّص تلك العفيفة من أيدي هذين الضابطين العربيدَين.

  • وفي تلك الأثناء كان المرحوم آية الله الأنصاريّ الهمدانيّ رحمة الله عليه يمر بالقرب منهم، فوقع نظره على تلك الجماعة وانتبه إليها فسأل: «ما الخبر؟»

  • قال الناس: ضابطان بريطانيّان في حالة السكر يختطفان امرأة ليزنيا بها، ولا أحد يجرؤ على مساعدتها وتحريرها. حينها أسرع إلى وسط الشارع وهجم على الضابطين، ورغم ضعفه ونحافة جسده، أخذ يضرب بعصاه على رأسيهما حتّى كادا أن ينشقّا. وحين رأى الناس ذلك ثارت الحميّة في قلوبهم وأقبلوا إليه وقالوا له: اذهب أنت، ونحن نتولّى أمرهما. فنجت المرأة من أيديهما.

أسرار الملكوت ج۳

39
  • هذا في حال أنّا نجد الكثير من المعاندين وأهل الضلال يعدّون العرفاء بالله وأولياء الله- بما فيهم المرحوم الأنصاري- من المنزوين الذين لا يعيرون اهتمامًا لشؤون المجتمع.

  • الفارق الثالث: خطاب المرجعية الشيعية ينسجم مع الفطرة ويروي القلوب

  • إنّ مرجعيّة الشيعة هي استمرار لبعثة الأنبياء وإمامة الأئمّة المعصومين عليهم السلام وخلافتهم. ويتعامل المرجع الشيعيّ مع قلوب الناس وأرواحهم، وهذه العلاقة هي التي تسير بهم نحو ملجئهم ومأواهم فترويهم من ذلك المعين وتشبعهم جميعًا. والمرجع الدينيّ في مثل هذه المرجعيّة يخاطب فطرة الناس وضمائرهم، وهم بكلّ رحابة صدر يطرحون عليه ما في مكنون قلوبهم وضمائرهم فإذا هم ينالون الرشاد ويسيرون في سبل التكامل.

  • أمّا في غير هذه المرجعيّة فيلمس الناس عدم الانسجام ما بين الفطرة والعقل والوجدان والشريعة من جهة، وبين الأقوال والأفعال من جهة أخرى، فيتخلّون عن عقائد الدين، وتضعف هممهم عن العمل بمبادئ الشريعة، وبدلًا من أن ينسبوا هذا التنافي والتناقض والتضادّ إلى المرجع المنحرف، فإنّهم ينسبونه إلى الدين والمعتقدات الدينيّة، فينفضوا أيديهم عن الدين والتديّن، ويختموا بخاتم البطلان على كلّ عقيدة؛ فمن يا ترى يتحمّل مسؤوليّة هذه الآثار السيّئة حينئذٍ؟

  • في المرجعيّة الحقّة يرتوي الشيخ الكبير والعالم المجرّب الخبير من منهل المعرفة والإيمان واليقين والحياة بمقدار ما يرتوي الشابّ الحدث الذي لم يخبر الحياة؛ لأنّ كليهما وصلا إلى هذا المنهل بواسطة الفطرة والعقل، وكلاهما يبحث عن ضالّته فيه، وهذا هو السرّ الذي يجعل الأنبياء والمعصومين عليهم السلام مقبولين وموفّقين في دورهم؛ فالنبيّ موسى عليه السلام عندما يرى مظلومًا في يد ظالم يعمل على خلاصه ويدافع عنه بيده1، وعليّ المرتضى عليه السلام تصل آهاته إلى السماء متمنّيًا الموت لسلب خلخال

    1. سورة القصص( 28)، مقطع من الآية 15:( فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ).

أسرار الملكوت ج۳

40
  • من رِجل يهوديّة1؛ ولهذا كان موسى عليه السلام وإلى الأبد مرجعًا وملجأً لليهود، وكان عليّ عليه السلام مأوى للناس ومرجعًا لهم على الدوام.

  • وذلك المرجع الذي يستنكف عن السعي في الإفراج عن طيّب الحاج رضائي- المظلوم والعبد الصالح- محتجًّا بمقام المرجعيّة وموقعيّتها، لو أنّ ابنه ابتلي بذلك البلاء، هل كان سيكرّر نفس هذا الكلام ولا يحرّك ساكنًا في العمل على خلاصه؟! أم أنّه كان يلجأ إلى آلاف الوسائل والوسائط، ويطرق كلّ باب في سبيل ذلك؟!

  • الفارق بين مقام المرجعيّة ومقام الاجتهاد

  • الفارق بين المرجعيّة والاجتهاد هو أنّ المرجع يعلن ويبلّغ فتواه، ويدعو الناس إلى آرائه وفتاويه، وهو بطبعه للرسالة العمليّة ونشره لها يعلن رسميًّا آراءه في المسائل الشخصيّة والاجتماعيّة، ويجعلها في متناول أيدي الناس، ويعدّها منجّزة ومبرئة للذمّة، وسببًا للفلاح والنجاة في الدنيا والآخرة، ويكون هو المتعهّد بحمل مسؤوليّة العمل بها.

  • أمّا في الاجتهاد فالأمر ليس كذلك، فالمجتهد يرجع إلى الأدلّة والمدارك لاستنباط التكليف والحكم الإلهيّ، ويستخرج حكم الله بحسب سعة فهمه وإدراكه ويلتزم به، سواء رجع إليه أحد أم لم يرجع، وسواء قلّده الناس أم لم يقلّدوه، فإنّه لا شأن له بالناس وتقليدهم، غير أنّه لا يجوز له أن يجيب السائل إذا استفتاه بجواب مغايرٍ لما انتهى إليه رأيه ولا أن يرجعه إلى سواه، فإنّ هذا يتنافى مع أصل اجتهاده واستنباطه.

  • ليس دور المرجعيّة هو بيان الأحكام الضروريّة والبديهيّة للدين كوجوب الصلوات الخَمس والخُمسِ والزكاة والحجّ؛ فإنّ هذه مسائل لا تحتاج إلى تقليد، ويمكن لكلّ مكلّف أن يعمل بها ولو بغير الرجوع إلى مجتهد ومرجع، بل دور المرجعيّة هو بيان جزئيّات الأحكام ومصاديق كبرياتها وخصوصيّاتها. إنّ المرجعيّة هي المبيّنةُ لآليات

    1. الكافي، ج 5، ص 4؛ نهج البلاغة( عبده)، ج 1، ص 68:« وقد بلغني أنّ الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة والأخرى المعاهدة فينتزع حجلها وقُلبها ووقلائدها ورعاثها ... فلو أنّ امرءًا مسلمًا مات من بعد هذا أسفًا ما كان به ملومًا بل كان به عندي جديرًا».

أسرار الملكوت ج۳

41
  • التنفيذ والتطبيق الخارجيّ للتكاليف، وهي المعيّنة للمصاديق، وهذا يعني تحمّلها لمسؤوليّة أفعالها وأقوالها في الأحداث والوقائع الفرديّة والاجتماعيّة.

  • ونتناول في المقام إحدى نماذج هذا التناقض والتضادّ، ونسلّط الضوء على نتائجه السلبيّة؛ لكي يكون القرّاء الكرام على علم بأهميّة وخطر هذه المسؤوليّة العظيمة الثقيلة التي تقصم الظهر، ولكي لا يقدم أحدٌ منهم على تحمّلها فيجعل رقبته للناس جسرًا ومعبرًا، وليدركوا عواقب هذه المسؤوليّة ويعوها.

  • فقد زارني ذات يوم في منزلي أحد الأصدقاء الأعزّاء وقصّ لي شيئًا من مشكلاته العائليّة، ومن جملة ما قال: إنّ والد زوجتي لا ينسجم كثيرًا مع ما نحمله من معتقدات ومبادئ، وربّما يسخر منها ويهزأ، وهذا ما أحدث في عائلتنا مشاكل كثيرةً وصار أفراد العائلة يشعرون اتجاهه بالنفور، وحصل بينهم وبينه مشادّات كلاميّة ومخاصمات، إلى أن سارت الأمور شيئًا فشيئًا بنحو تصاعديّ، فأخذ هذا الرجل يسيء الأدب ويتجاسر على الأئمة عليهم السلام، ويتحدّث عنهم بعبارات غير لائقة، وصارت زوجتي لا ترغب في التواصل معه وقطعت علاقتها به، وقد اتصلتْ مؤخرًا بمكتب أحد المراجع واستفتته حول العلاقة معه، فكان الجواب:

  • «إنّ هذا الرجل مرتدّ ونجس، وزوجته محرّمة عليه وقد بانت عنه تلقائيًا، وينبغي أن لا يكون بينكِ أنت وبينه أيّ تواصل، وامنعي أفراد أسرته من التواصل معه أيضًا، ولا بدّ من إبلاغ ذلك إلى كافّة أفراد العائلة».

  • كان ذلك الصديق يقول: وبعد إعلان ذلك ومقاطعة زوجتي لوالدها، ازدادت الأحوال سوءًا، فعندما رأى ذلك الرجل هذه التصرفات، بلغ الحدّ الأقصى في الجرأة والتجاسر، وأبرزَ كلّ ما كان يخفيه في نفسه، ولم يعد لديه أيّ رادع عن ذلك، وها أنا قد أتيت الآن إليكم من قِبَل زوجتي وأولادي مستفسرًا عن حكم الإقدام على إيذائه جسديًّا وضربه؛ علّه يقف عند حدّه؟

  • فقلت له: هل ستلتزم بما أقوله لك بدقّة؟

أسرار الملكوت ج۳

42
  • قال: نعم، أنا وزوجتي سنلتزم بما تقولون.

  • قلت: إنّ اتّهام مسلمٍ بالارتداد ليس بالأمر اليسير، فربّما كان الإنسان أسيرًا لبعض الأوهام والتخيّلات، وصار يشكّك في الدين وبعض العقائد الدينيّة الأصيلة وينكرها من جذورها نتيجةً لشيء من الأحداث الاجتماعيّة والظروف السيّئة التي تخالف العقل والفطرة. إنّ الله تعالى يواجه كلّ إنسان بما يناسب مستوى فهمه وإدراكه وسعته الوجوديّة، ولا يعامل الجميع معاملةً واحدة، ويحدّد حساب كلّ إنسان بما يتناسب مع ما يحمل من الحقائق، وهذا الرجل لم يكن على اطّلاع وافٍ على مسائل الشرع وأحكام الدين إبّان حكم النظام السابق، وبعده كذلك لم تتّضح لديه حقيقة الدين والشريعة وولاية الإمام المعصوم عليه السلام كما هو حقّها، وإضافة إلى ذلك فإنّه لمشاهدته المخالفات التي تضادّ عقلَه بقوّةٍ، وتناقض- بما لا يقبل التأويل- فطرته التي فطره الله عليها، فقد خسر ما بقي لديه من معتقدات ساذجة سطحيّة، فمن هنا، كيف يمكن لنا أن نحكم بكفره وارتداده، ونرى أنّه واجب القتل نجسٌ، ونحكم بانفصاله وبينونته عن زوجته؟! فأيّ حكم وقضاء نحكمه في حقّ هذا المسكين حينئذٍ؟!

  • وإضافة إلى كلّ ذلك، فإنّ التعاطي معه بتلك الطريقة ليس فقط لن يؤدّي إلى تنبيهه وإيقاظه وتذكيره، بل يمكن أن يؤدّي به إلى الجنون والقيام بأعمال خطرة لا يمكن إصلاحها، وحينها من سيكون المسؤول عن كلّ ذلك؟!

  • إنّ هذا الرجل ليس فقط غير مرتدّ، بل هو على ما كان عليه من الإيمان والاعتقاد والرؤية، ولم يتغيّر لديه أيّ شيء، غاية ما في الأمر أنّ هناك حجابًا غطّى على عقلانيّته ومنعه عن الإدراك الصحيح والتقييم الدقيق وتشخيص السقيم من السليم؛ فقل لزوجتك- التي هي ابنته- أنّ عليها أن تعلم أنّه والدُها العطوفُ والمحبُّ كما كان فيما مضى، وأنّ عليها أن تقبّل يده، وتعتذر منه، وينبغي أن يوثّق جميع أفراد العائلة علاقتهم معه، ولا يفكّروا أبدًا بما يقول ويوكلوا أمره إلى ربّه.

  • وبعد مدّة قمت بزيارة هذا الصديق، وقبل أن أستفسر عن أحوال والد زوجته، ابتدأني هو بالحديث وقال: «سيّدنا، لقد نفّذنا في العلاقة معه ما تفضّلتم، وقد كان الأمر في

أسرار الملكوت ج۳

43
  • بدايته غريبًا عليه غير متوقّع في نظره، بحيث ظنّ أنّ هناك غرضًا ما وراء ذلك، ولكن بعد مضيّ مدّة أدرك صدقَ سلوكنا، فغدا نادمًا واعتذر عن كافّة أفعاله وأقواله وتاب، ثمّ إنّه شيئًا فشيئًا عاد إلى عباداته وأخذ يصلّي الصلوات اليوميّة، ولم يعد هناك أثر لتلك الأفعال».

  • فمع بالغ الأسف، قد ابتعد مجتمعنا- ولأسباب معيّنة- عن سيرة الإسلام ومبانيه؛ وقد حلّت القسوة والطغيان مكان الرحمة والعطف، وحلّ الكذب والتملّق مكان الصدق والصفاء، والظلم والخصام مكان العدالة والأخلاق، وتعلّمنا من الكتاب المبين قوله تعالى: (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ)1 ونسينا قوله تعالى: (رُحَماءُ بَيْنَهُمْ)2.3

  • وخلاصة الكلام هي أنّ المرجعيّة الشيعيّة يجب أن تكون مرآةً شفّافةً لسلوك رسول الله والأئمّة المعصومين عليهم الصلاة والسلام4.

  • ذمّ علماء العامّة لأبي حنيفة

  • يقول مالك بن أنس أحد فقهاء أهل السنّة الأربعة:

  • ما ولد في الإسلام مولود أشأم من أبي حنيفة.5

  • ويقول عبد الرحمن بن مهدي:

  • ما أعلم في الإسلام فتنة بعد فتنة الدجّال أعظم من رأي أبي حنيفة.6

  • وكان الأوزاعي يقول مرارًا:

  • عمد أبو حنيفة إلى عرى الإسلام فنقضها عروة عروة.7

  • وعندما وصل نعي أبي حنيفة إلى سفيان الثوريّ قال:

  • الحمد لله الذي أراح المسلمين منه، لقد كان ينقض عرى الإسلام عروة

    1. سورة الفتح( 48)، مقطع من الآية 29.
    2. المصدر السابق.
    3. إن شاء الله وبحول الله وقوّته، هناك كتاب قيد التأليف تحت عنوان ارتداد در اسلام( الارتداد في الإسلام)، ونسأل الله أن يكون من تقدير الله ومشيئته أن يسدّد جهودنا في إتمامه والإسراع في إنجازه، بمنّه وكرمه.
    4. لمزيد من الاطّلاع على شرائط الاجتهاد وخصائص المرجعيّة والفرق بينهما، راجع الخاتمة التي كتبها المؤلّف حفظه الله على كتاب« الدر النضيد في الاجتهاد و التقليد و المرجعية».( م)
    5. تاريخ بغداد، ج 13، ص 401.
    6. المصدر السابق، ص 396.
    7. المصدر السابق، ص 398.

أسرار الملكوت ج۳

44
  • عروة، ما ولد في الإسلام مولود أشأم على أهل الإسلام منه.1

  • وقال محمّد بن إدريس الشافعي أحد فقهاء أهل السنّة الأربعة:

  • نظرتُ في كتبٍ لأصحاب أبي حنيفة فإذا فيها مائة وثلاثون ورقة، فعددت منها ثمانين ورقة خلاف الكتاب والسنّة.2

  • وقال عبد الله بن المبارك:

  • مَن نظر في كتاب الحيل لأبي حنيفة أحلّ ما حرّم الله وحرّم ما أحلّ الله.3

  • وكذلك قال عمر بن قيس:

  • من أراد الحقّ فليأت الكوفة فلينظر ما قال أبو حنيفة وأصحابه، فليخالفهم.4

  • وكذلك ينقل عن أبي بكر بن عيّاش أنّه كان في مجلس له فجاء إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة، فسلّم وجلس، فقال أبو بكر: من هذا؟ فقال: أنا إسماعيل يا أبا بكر، فضرب أبو بكر يده على ركبة إسماعيل ثم قال:

  • كم من فرج حرام أباحه جدّك؟! سوّد الله وجه أبي حنيفة.5

  • وينقل أبو عاصم النبيل أنّه التقى بأبي حنيفة في المسجد الحرام فجرى بينهما كلام، وبعده قال أبو حنيفة له ولمن حوله:

  • انظروا، أنا احتال على الناس منذ كذا وكذا وقد احتال عليّ هذا.6

  • وبعد موته قال بشر بن أبي الأزهر النيسابوري:

  • رأيت في المنام جنازة عليها ثوب أسود، وحولها قسيسين فقلت: جنازة من هذه؟ فقالوا جنازة أبي حنيفة، حدّثت أبا يوسف فقال: لا تحدّث به أحدًا.7

    1. المصدر السابق، ص 398.
    2. المصدر السابق، ص 412.
    3. المصدر السابق، ص 404.
    4. المصدر السابق، ص 408.
    5. المصدر السابق، ص 410.
    6. تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر، ج 24، ص 361.
    7. تاريخ بغداد، ج 13، ص 426.

أسرار الملكوت ج۳

45
  • وفي ختام الكلام المنقول عن أهل السنّة حول هذا الملحد الذي لا دين له نذكر قصّة عن كتاب حياة الحيوان الكبرى:

  • ذكر ابن خلّكان في ترجمته، عن إمام الحرمين عبد الملك بن الشيخ أبي محمد عبد اللّه الجويني، أنّ السلطان المذكور [أي محمود الغزنوي] كان حنفيّ المذهب، و كان مولعًا بعلم الحديث، و كان يُسمع عنده الحديث، و كان يسأل عن معناه، فيجد أكثره موافقًا لمذهب الإمام الشافعي رحمه اللّه تعالى، فجمع فقهاءَ المذهبين، و التمس منهما الكلام في ترجيح أحد المذهبين، فوقع الاتفاق على أن يصلّى بين يديه ركعتان على مذهب الإمام الشافعيّ، ثمّ على مذهب الإمام أبي حنيفة ركعتان، فينظر السلطان إلى ذلك، و يختار الأحسن.

  • فصلّى القفّال المروزيّ بطهارة سابغة، و شرائط معتبرة من الطهارة، و السترة، و استقبال القبلة، و أتى بالأركان و الهيئات، و السنن و الأبعاض و الآداب، على وجه الكمال، و كانت صلاة لا يجوّز الشافعي دونها.

  • ثم صلّى ركعتين على ما يجوّز أبو حنيفة، فلبس جلد كلب كان مدبوغًا، و لطّخ بعضه بالنجاسة، و توضّأ بنبيذ التّمر، و كان ذلك في صميم الصيف، فاجتمع عليه الذباب و البعوض و كان وضوؤه منكسًا منعكسًا، ثم استقبل القبلة، و أحرم بالصلاة من غير نيّة، و كبّر بالفارسيّة، ثم قرأ بها: «دو برگ سبز»1 ثم نقر كنقرات الديك، من غير فصل بينها، و من غير طمأنينة، وتشهّد و ضرط في آخرهما، و خرج من غير نية السلام، و قال: أيّها السلطان هذه صلاة أبي حنيفة! فقال السلطان: لو لم تكن هذه صلاة أبي حنيفة لقتلتك، لأنّ مثل هذه الصلاة لا يجوّزها ذو دين. فأنكرت الحنفيّة أن تكون

    1. وهي ترجمة فارسية لآية 64 من سورة الرحمن:( مُدْهامَّتانِ). وتعني بحسب ما ترجمها هذا المصلّي: ورقتان خضراوتان.( م)

أسرار الملكوت ج۳

46
  • هذه الصلاة جائزة عند أبي حنيفة، فطلب القفّال كتب أبي حنيفة، فأمر السلطان بإحضارها، و أمر نصرانيًّا أن يقرأ كتب المذهبين جميعًا، فوجِدت الصلاة التي صلاها القفّال جائزة عند أبي حنيفة، فأعرض السلطان عن مذهب أبي حنيفة، و تمسك بمذهب الشافعي.1

  • كان ما ذكرناه حول أبي حنيفة- ذلك الزعيم الملحد وعديم الدين لطائفة من أهل السنّة- شيئًا ممّا هو موجود حوله في كتب أهل السنّة، فهم أنفسهم يعدّونه منحرفًا ومحرّفًا لا أباليًّا طالبًا للدنيا ومعاندًا، ومخالفًا لسنّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسيرته، وما صدر عن لسانه المنحوس النجس من أراجيف ومزخرفات في حقّ رسول الله صلّى الله عليه وآله يحكي عن خبث باطنه وضلاله وغوايته.

  • ذمّ علماء الشيعة لأبي حنيفة

  • وأمّا ما هو موجود حوله في مصادر الشيعة فسنشير إلى شيء منه ليكون القرّاء على معرفة بما أحدثه هذا الرجل الأجير الذي يشغل منصب الرئاسة والإمامة العظمى لأهل السنّة، وليطّلعوا على الفساد والدمار الذي سبّبه في الدين وفي سنّة رسول الله صلى الله عليه وآله، وكيف حوّل سير الإسلام عن طريق ولاية أهل بيت العصمة عليهم السلام واتّباع مدرستهم إلى متاهات الهلاك والبوار والجحيم ووادي الشيطان والنفس الأمّارة. وما دامت هذه المدرسة في الوجود فإنّه سيكون مسؤولًا أمام الله عن كلّ الذين انتحلوا نحلته فأضاعوا ما اودع فيهم من استعدادات وقابليّات للتكامل المعنويّ وبلوغ عالم التجرّد، وحلّت مكانها التخيّلات والتوهّمات: (يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَ بِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ).2

  • يقول المرحوم الوالد رضوان الله عليه:

  • كان المرحوم الحدّاد ذات يوم يمرّ إلى جانب قبر أبي حنيفة برفقة بعض أصدقائه، وحين دنا من القبر سألهم: «هذا قبر من؟» قالوا: قبر أبي حنيفة.

    1. حياة الحيوان الكبرى، الدميري، ج 2، ص: 353.
    2. سورة هود( 11)، الآية 98.

أسرار الملكوت ج۳

47
  • قال: «كم كان رجلًا ظلمانيًّا؛ لقد اشتملت النار على كامل قبره وضريحه».

  • والملفت أنّ شبيه هذه الحادثة كان قد وقع له في سوريا في مقام السيّدة زينب الكبرى سلام الله عليها، فقد نقل بعض المعارف أنه:

  • في صباح أحد الأيّام، وبعد زيارة السيّدة زينب عليها السلام خرجنا برفقته من باب صحن حرمها المطهّر، وبعد عدّة خطوات قال سماحته: سمعت أنّ قبر الدكتور علي شريعتي في هذا الجوار، لا بأس أن نذهب إليه وننظر إلى المكان. سرنا وبعد السؤال عن قبره ومساعدة من بعض الناس وصلنا، وفي هذه الأثناء فتح المرحوم الحدّاد رضوان الله عليه باب الغرفة، ووضع قدمه في داخلها وسرعان ما خرج وقال: «كم هو مظلم! كم هو مظلم!».

  • وعن شعيب بن أنس عن بعض أصحاب الإمام الصادق عليه السلام:

  • كنت عند أبي عبد الله عليه السلام إذ دخل عليه غلام كندة فاستفتاه في مسألة فأفتاه فيها، فعرفت الغلام والمسألة، فقدمت الكوفة فدخلت على أبي حنيفة، فإذا ذاك الغلام بعينه يستفتيه في تلك المسألة بعينها، فأفتاه فيها بخلاف ما أفتاه أبو عبد الله عليه السلام، فقمت إليه فقلت: ويلك يا أبا حنيفة إني كنت العام حاجًّا فأتيت أبا عبد الله عليه السلام مسلّمًا عليه، فوجدت هذا الغلام يستفتيه في هذه المسألة بعينها، فأفتاه بخلاف ما أفتيته.

  • فقال [مع كامل الوقاحة]: وما يعلم جعفر بن محمّد؟! أنا أعلم منه؛ أنا لقيت الرّجال وسمعت من أفواههم، وجعفر بن محمّد صحفيّ، فقلت في نفسي: والله لأحجّنَّ ولو حبوًا.

  • قال: فكنت في طلب حجّة فجاءتني حجّة، فحججت فأتيت أبا عبد الله عليه السلام، فحكيت له الكلام، فضحك ثم قال: «عليه لعنة الله، أما في قوله: إني رجل صحفي فقد صدق، قرأت صحف إبراهيم و موسى، فقلت له: ومن له بمثل تلك الصحف؟».

  • قال: فما لبثت أن طرق الباب طارقٌ وكان عنده جماعة من أصحابه فقال

أسرار الملكوت ج۳

48
  • للغلام: انظر من ذا؟ فرجع الغلام فقال: أبو حنيفة. قال: أدخله، فدخل فسلّم على أبي عبد الله عليه السلام فردّ عليه السلام، ثم قال: أصلحك الله أتأذن لي في القعود؟ فأقبل على أصحابه يحدّثهم ولم يلتفت إليه. ثمّ قال الثانية والثالثة فلم يلتفت إليه، فجلس أبو حنيفة من غير إذنه، فلمّا علم أنّه قد جلس التفت إليه فقال: أين أبو حنيفة؟ فقال: هو ذا أصلحك الله.

  • فقال: أنت فقيه أهل العراق؟! قال: نعم. قال: فبما تفتيهم؟ قال: بكتاب الله وسنّة نبيّه. قال: يا أبا حنيفة تعرف كتاب الله حقّ معرفته وتعرف الناسخ والمنسوخ؟ قال: نعم.

  • قال: يا أبا حنيفة ولقد ادّعيت علمًا، ويلك ما جعل الله ذلك إلا عند أهل الكتاب الذين أنزل عليهم، ويلك ولا هو إلا عند الخاص من ذريّة نبيّنا صلّى الله عليه وآله، وما ورّثك الله من كتابه حرفًا، فإن كنت كما تقول- ولست كما تقول- فأخبرني عن قول الله عز وجل: (سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَ أَيَّاماً آمِنِينَ). أين ذلك من الأرض؟ قال: أحسبه ما بين مكّة والمدينة. فالتفت أبو عبد الله عليه السلام إلى أصحابه فقال: تعلمون أنّ الناس يقطع عليهم بين المدينة ومكة فتؤخذ أموالهم ولا يأمنون على أنفسهم ويقتلون؟ قالوا: نعم. قال: فسكت أبو حنيفة.

  • فقال: يا أبا حنيفة أخبرني عن قول الله عزّ وجل: (وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً). أين ذلك من الأرض؟ قال: الكعبة. قال: أفتعلم أنّ الحجّاج بن يوسف حين وضع المنجنيق على ابن الزبير في الكعبة فقتله كان آمناً فيها؟ قال: فسكت، ثم قال: يا أبا حنيفة إذا ورد عليك شيء ليس في كتاب الله ولم تأت به الآثار والسنّة كيف تصنع؟ فقال: أصلحك الله أقيس وأعمل فيه برأيي. قال: يا أبا حنيفة إنّ أوّل من قاس إبليس الملعون، قاس على ربّنا تبارك وتعالى فقال: (أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ). فسكت أبو حنيفة.

  • فقال: يا أبا حنيفة أيّما أرجس البول أو الجنابة؟ فقال: البول. فقال: الناس

أسرار الملكوت ج۳

49
  • يغتسلون من الجنابة ولا يغتسلون من البول، فسكت: فقال: يا أبا حنيفة أيّما أفضل الصلاة أم الصوم؟ قال الصلاة. فقال: فما بال الحائض تقضي صومها ولا تقضي صلاتها؟ فسكت.

  • قال: يا أبا حنيفة أخبرني عن رجل كانت له أمّ ولد وله منها ابنة، وكانت له حرّة لا تلد فزارت الصبيّة بنتُ أمِّ الولد أباها، فقام الرجل بعد فراغه من صلاة الفجر فواقع أهله التي لا تلد وخرج إلى الحمام فأرادت الحرّة أن تكيد أمّ الولد وابنتها عند الرجل، فقامت إليها بحرارة ذلك الماء فوقعت إليها وهي نائمة فعالجتها كما يعالج الرجل المرأة فعلقت، أيّ شيء عندك فيها؟ قال: لا والله ما عندي فيها شيء.

  • فقال: يا أبا حنيفة أخبرني عن رجل كانت له جارية فزوجها من مملوك له وغاب المملوك، فولد له من أهله مولود، وولد للمملوك مولود من أم ولد له فسقط البيت على الجاريتين ومات المولى، من الوارث؟ فقال: جعلت فداك لا والله ما عندي فيها شيء.

  • فقال أبو حنيفة: أصلحك الله إنّ عندنا قوما بالكوفة يزعمون أنك تأمرهم بالبراءة من فلان وفلان، فقال: ويلك يا أبا حنيفة لم يكن هذا معاذ الله، فقال: أصلحك الله إنهم يعظمون الأمر فيهما، قال: فما تأمرني؟ قال: تكتب إليهم، قال: بماذا؟ قال: تسألهم الكف عنهما، قال: لا يطيعوني، قال: بلى أصلحك الله إذا كنت أنت الكاتب وأنا الرسول أطاعوني، قال: يا أبا حنيفة أبيتَ إلّا جهلًا، كم بيني وبين الكوفة من الفراسخ؟ قال: أصلحك الله ما لا يحصى، فقال: كم بيني وبينك؟ قال: لا شيء، قال: أنت دخلت عليّ في منزلي فاستأذنت في الجلوس ثلاث مرّاتٍ فلم آذن لك فجلست بغير إذني خلافًا عليّ، كيف يطيعوني أولئك وهم ثَمَّ وأنا ههنا؟ قال: فقنّع رأسه وخرج وهو يقول: أعلمُ الناس ولم نره عند عالم.

أسرار الملكوت ج۳

50
  • فقال أبو بكر الحضرمي: جعلت فداك الجواب في المسألتين الأولتين؟ فقال: يا أبا بكر (سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَ أَيَّاماً آمِنِينَ)1. فقال: مع قائمنا أهل البيت. وأمّا قوله: (وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً2، فمن بايعه ودخل معه ومسح على يده ودخل في عقد أصحابه كان آمنًا.3)

  • مِن خلال هذه الرواية يدرك المرء مدى عداوة الرجل للإمام الصادق عليه السلام وحقده عليه، ولا شكّ أنّ السبب في لعن الإمام له هو تلك الخصائص النفسيّة القبيحة.

  • وروى الشيخ المفيد:

  • إنّ فضّال بن الحسن بن فضّال الكوفيّ مرّ بأبي حنيفة وهو في جمعٍ كثيرٍ يُملي عليهم شيئًا من فقهه وحديثه، فقال لصاحب كان معه: والله لا أبرح أو أخجِل أبا حنيفة، فدنا منه فسلّم عليه، فردّ وردّ القوم بأجمعهم السلام عليه، فقال: يا أبا حنيفة رحمك الله! إنّ لي أخا يقول: إنّ خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله عليّ بن أبي طالب عليه السلام، وأنا أقول: إن أبا بكر خير الناس وبعده عمر، فما تقول أنت رحمك الله؟ فأطرق مليًّا ثمَّ رفع رأسه، فقال: كفى بمكانهما من رسول الله صلّى الله عليه [وآله] كرمًا وفخرًا، أمَا علمت أنّهما ضجيعاه في قبره، فأيّ حجة أوضح لك من هذه؟!

  • فقال له فضّال: إنّي قد قلت ذلك لأخي، فقال: والله لئن كان الموضع لرسول الله صلّى الله عليه وآله دونهما، فقد ظَلَمَا بدفنهما في موضع ليس لهما فيه حقّ، وإن كان الموضع لهما فوهباه لرسول الله صلى الله عليه وآله، فقد أساءا وما أحسنا إذ رجعا في هبتهما ونكثا عهدهما.

  • فأطرق أبو حنيفة ساعة ثم قال له: لم يكن له ولا لهما خاصة، ولكنّهما نظرا4

  • أسرار الملكوت ؛ ج3 ؛ ص51
    1. سورة سبأ( 34)، ذيل الآية 18.
    2. سورة آل عمران( 3)، مقطع من الآية 97.
    3. بحار الأنوار، ج 2، ص 292- 294.
    4. حسينى طهرانى، سيد محمد محسن، أسرار الملكوت، 3جلد، دار المحجة البيضاء - بيروت - لبنان، چاپ: 1، 1430 ه.ق.

أسرار الملكوت ج۳

51
  • في حقّ عائشة وحفصة فاستحقّا الدفن في ذلك الموضع بحقوق ابنتيهما.

  • فقال فضّال: قد قلت له ذلك، فقال: أنت تعلم أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله مات عن تسع نساء، ونظرنا فإذا لكلّ واحدة منهنّ تسع الثمن، ثمّ نظرنا في تسع الثمن فإذا هو شبرٌ في شبرٍ، فكيف يستحقّ الرجلان أكثر من ذلك؟! وبعد فما بال عائشة وحفصة ترثان رسول الله صلى الله عليه وآله وفاطمة عليها السلام ابنته تمنع الميراث؟! فقال أبو حنيفة: يا قوم! نحُّوه عنّي، فإنّه والله رافضيٌّ خبيث.1

  • لقد كانت عداوة أبي حنيفة وخصومته مع أهل البيت وخصوصًا مع الإمام الصادق عليه السلام إلى حدّ جعلت الإمام يمنع أصحابه من الحديث معه في باب الإمامة، وكذلك في ولاية أمير المؤمنين عليه السلام ويأمرهم بالتقيّة منه، ويحذّرهم من أن يصيبهم منه مكروه، فقد قال الإمام الصادق عليه السلام لحبيب بن نزار بن حيّان الصيرفيّ والذي كان شيعيًّا يسكن الكوفة [وقد جرى بمحضره احتجاج ومناظرة حول حديث الغدير مع أبي حنيفة]:

  • أي حبيب كُفَّ، خالقوا الناس بأخلاقهم وخالفوهم بأعمالكم، فإنّ لكلّ امرئ ما اكتسب وهو يوم القيامة مع من أحب، لا تحملوا الناس عليكم وعلينا (ولا تحرّكوهم ضدّنا و ضدّكم)، وادخلوا في دهماء الناس2، فإنّ لنا أيامًا ودولة يأتي بها الله إذا شاء. فسكت حبيب، فقال عليه السلام: أفهمت يا حبيب؟ لا تخالفوا أمري فتندموا، قال: لن أخالف أمرك.3

  • وتعرف شدّة تقيّة الإمام عليه السلام وخوفه من أبي حنيفة بوضوح من هذه الحادثة، حيث إنّ الإمام عليه السلام يحذّر أصحابه بشدّةٍ وتأكيدٍ عن معارضة أبي حنيفة ومواجهته خوفًا من مكره وأذاه له ولشيعته.

    1. المصدر السابق، ج 31، ص 93.
    2. دهماء الناس: جماعة الناس وكثرتهم.
    3. الأمالي، الشيخ المفيد، ص 26.

أسرار الملكوت ج۳

52
  • وقد عبّر عنه الإمام مرارًا بأنّه رجل معاند، قاسي القلب، أعمى البصيرة، قد انطفأ نور الإيمان في قلبه، ولا سبيل له إلى الهداية والبصيرة؛ فقد جاء في كتاب كنز الفوائد للكراجكي:

  • ذكروا أنّ أبا حنيفة أكل طعامًا مع الإمام الصادق جعفر بن محمّد عليهما السلام، فلمّا رفع الصادق عليه السلام يده من أكله قال: الحمد لله ربّ العالمين، اللهمّ هذا منك ومن رسولك صلّى الله عليه وآله. فقال أبو حنيفة: يا أبا عبد الله جعلت مع الله شريكًا؟! فقال له: ويلك! فإنّ الله يقول في كتابه: (وَ ما نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ)1، ويقول في موضع آخر: (وَ لَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ قالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ رَسُولُهُ)2، فقال أبو حنيفة: والله لكأنّي ما قرأتهما قط من كتاب الله ولا سمعتهما إلّا في هذا الوقت، فقال أبو عبد الله عليه السلام: بلى قد قرأتهما وسمعتهما ولكنّ الله تعالى أنزل فيك وفي أشباهك (أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها)3 وقال: (كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ)4.

  • نعم إنّ من أعمت الأهواء وشهوات النفس وجذبات المناصب والرئاسات الدنيويّة بصره وقلبه وأصمّت أذنه وسدّت جميع منافذ النور وشعشعة الهداية والبهاء عن ضميره، لا يعود لديه مجال للحياة الآخرة واكتساب الفضائل الربانيّة، وبدلًا من ذلك فإنّه يستمرّ في ما تبقّى من أيام حياته الدنيا المعدودة في ظلمات الجهل والشهوة والغفلة والغرور، ويجرّ الآخرين أيضًا خلفه إلى وادي الظلمة والجهل والغرور، ويحرمهم من فيض مراتب التجرّد والقدس، مبطلًا كافّة ثرواتهم الوجوديّة وجاعلًا

    1. سورة التوبة( 9)، مقطع من الآية 74.
    2. سورة التوبة( 9)، الآية 59.
    3. سورة محمّد( 47)، ذيل الآية 14.
    4. سورة المطففين( 83)، الآية 14.

أسرار الملكوت ج۳

53
  • إياها هباءً منثورًا، ليصل به الحال في النهاية إلى أن يقف في مواجهة كلام الوحي ورسولالله صلّى الله عليه وآله راميًا ما ورد من أحاديثه جانبًا ليجعل مكانها آراءه المنحوسة المخزية.

  • يقول يوسف بن أسباط:

  • ردّ أبو حنيفة على رسول الله صلّى الله عليه وسلم أربعمائة حديث أو أكثر، ومنها ما روي عن رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلّم أنّه قال: «للفرس سهمان، وللرجل سهم»1. قال أبو حنيفة: أنا لا أجعل سهم بهيمة أكثر من سهم المؤمن.

  • وأشعر رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلّم وأصحابه البُدن وقال أبو حنيفة: الإشعار مُثلة.

  • وقال صلى الله عليه [وآله] وسلّم: «البيّعان بالخيار ما لم يتفرقا» وقال أبو حنيفة: إذا وجب البيع فلا خيار.

  • وكان النبيّ صلّى الله عليه [وآله] وسلّم يقرع بين نسائه إذا أراد أن يخرج في سفر، وأقرع أصحابه. وقال أبو حنيفة القرعة قمار.

  • وقال أبو حنيفة: لو أدركني النبيّ صلّى الله عليه [وآله] وسلّم وأدركته لأخذ بكثير من قولي.2

  • وهناك قصّة في عداوته وخصومته للولاية وهي قصّة مؤثّرة مليئة بالعبر وتستحقّ الوقوف عندها والتأمّل فيها، وقد ذكرها الشيخ الطوسي في أماليه، و هي قصّة مفيدة لمن كان يعيش في الغفلة والجهالة، فقد روى الشيخ الطوسيّ بسنده المتّصل إلى شريك بن عبد الله القاضي أنّه قال:

  • حضرتُ الأعمش في علّته التي قبض فيها، فبينا أنا عنده إذ دخل عليه ابن

    1. أي أنّه صلّى الله عليه وآله وسلّم جعل نصيب الفارس من الغنائم ضعف نصيب الراجل.( م)
    2. تاريخ بغداد، ج 13، ص 390.

أسرار الملكوت ج۳

54
  • شبرمة وابن أبي ليلى وأبو حنيفة، فسألوه عن حاله، فذكر ضعفًا شديدًا، وذكر ما يتخوّف من خطيئاته، وأدركته رنّة فبكى، فأقبل عليه أبو حنيفة، فقال: يا أبا محمّد، اتّق الله، وانظر لنفسك، فإنّك في آخر يوم من أيّام الدنيا، وأوّل يوم من أيّام الآخرة، وقد كنت تحدّث في عليّ بن أبي طالب بأحاديث، لو رجعت عنها كان خيرًا لك. قال الأعمش: مثل ماذا يا نعمان؟ قال: مثل حديث عباية: «أنا قسيم النار». قال: أو لمثلي تقول يا يهودي؟! أقعدوني .. سنّدوني .. أقعدوني، حدّثني- والذي إليه مصيري- موسى بن طريف، ولم أر أسديًّا كان خيرًا منه، قال: سمعتُ عباية بن ربعي إمام الحيّ، قال: سمعت عليًّا أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: «أنا قسيم النار، أقول هذا وليّي دعيه، وهذا عدوّي خذيه». وحدّثني أبو المتوكّل الناجي، في (زمان) إمرة الحجّاج، وكان يشتم عليًّا (عليه السلام) شتمًا مقذعًا- يعني الحجّاج (لعنه الله)- عن أبي سعيد الخدريّ (رضي الله عنه)، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «إذا كان يوم القيامة يأمر الله (عز وجل) فأقعد أنا وعلي على الصراط، ويقال لنا: أدخلا الجنة من آمن بي وأحبّكما، وأدخلا النار من كفر بي وأبغضكما. قال أبو سعيد: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما آمن بالله من لم يؤمن بي، ولم يؤمن بي من لم يتولّ- أو قال: لم يحبّ- عليًّا، وتلا (أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ)»1.

  • قال فجعل أبو حنيفة إزاره على رأسه، وقال: قوموا بنا، لا يجيئَنا أبو محمّد بأطمّ من هذا. قال الحسن بن سعيد: قال لي شريك بن عبد الله: فما أمسى- يعني الأعمش- حتّى فارق الدنيا (رحمة الله عليه).2

  • بلى، كان ما تقدّم إطلالةً على الحالات الرذيلة والملكات المنحوسة لهذا الرجل الخبيث، وهو المعاند الأوّل لأهل البيت، وعدوّ الحقّ والحقيقة الذي قضى عمرًا كاملًا في الضلالة والإضلال ومحاربة مدرسة أهل البيت صلوات الله عليهم، فدعا الناس إلى

    1. سورة ق( 50)، الآية 24.
    2. الأمالي، الشيخ الطوسي، ص 628- 629.

أسرار الملكوت ج۳

55
  • الغواية والانحراف عن مسير الحقّ، وهو الآن مرجع لطائفة عظيمة من المسلمين غير المطّلعين على شخصيّته وتاريخه.

  • دعم أبي حنيفة لثورات الحسنيين

  • غير أنّ ما يستحقّ التأمّل هو أنّ نفس أبا حنيفة هذا الذي حاز قصب السبق في محاربة التشيّع ومدرسة أهل البيت عليهم السلام، وكان مشارًا إليه بالبنان في الضلالة واللجاجة والإصرار على كتمان الحقّ والعناد في مسألة الولاية، حتّى أمسى آلةً بيد حكّام الجور العبّاسيين الذين استخدموه بقصارى جهدهم للقضاء على مدرسة الولاية وإزالتها؛ انظر إليه كيف قام بالتحالف مع رجالٍ كمحمّد وإبراهيم ابنَي عبد الله المحض، اللذين ثارا على خليفة بغداد، فأقام معهما العلاقات السريّة وكان يبثّ فيهما العزم على المواجهة، ويدعو أهل السنّة بحكم نفوذه الاجتماعيّ بينهم إلى دعم بني الحسن! إنّ أبا حنيفة الذي كان يشعر بالأذى ويتأثّر وتنقلب أحواله بسبب إظهار البراءة من الخلفاء الثلاثة إلى درجة أنّه أمر الإمام الصادق عليه السلام بضرورة منع أصحابه عن سبّ الخلفاء ذوي الفساد والفسق وعيّن له تكليفه في ذلك، هو نفسه يأتي ويقف إلى جانب بني الحسن ويتّحد معهم في الثورة على الخليفة العبّاسيّ، ويدعو الناس إلى العصيان والثورة، ولكنّه يمتنع عن المشاركة بنفسه في المواجهة والحرب مع ذلك الخليفة متذرّعًا بأنّ هناك بعض أموال الناس في أمانته لا بدّ من إ عادتها إلى أصحابها، حتّى انتهى به الأمر إلى أنّ سجنه الخليفة، وبعد أن اطّلع على الرسائل التي كان قد كتبها إلى محمّد بن عبد الله المحض، قتله في السجن ف- (خَسِرَ الدُّنْيا وَ الْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ)1 وانتقل إلى جهنّم ونار الغضب الإلهيّ.

  • بلى، تلك هي عاقبة العناد أمام الإمام عليه السلام وترجيح الأهواء النفسيّة والشيطانيّة على إرادة الإمام ومطلوبه، الأمر الذي لا يجني منه صاحبه سوى الشقاء والنكبة لنفسه ولغيره من الحيارى الجاهلين بمباني الشريعة.2

  • ثانيًا: بعض النتائج المستفادة من دراسة شخصيّة أبي حنيفة

  • 1- خطورة الاكتفاء بالظاهر في تقييم الرجال

    1. سورة الحج( 22)، ذيل الآية 11.
    2. وسيأتي مزيد بيان لهذه المسألة في المجلّدات اللاحقة إن شاء الله.

أسرار الملكوت ج۳

56
  • لقد طال بنا الكلام في توضيح سيرة أبي حنيفة، إلا أنّ أهميّة الموضوع والمطالب التي ترتبط بالرجل قد أجبرت الحقير أن يفصّل للقرّاء، ويسهب في بيان خصوصيّات حياة هذا الرجل ورذائله الأخلاقيّة ومفاسده العقائديّة، وذلك كي لا يقعوا في الحيرة أو التشويش أمام ما قيل أو كتب من مسائل خاطئة في حقّ هذا الشخص المنحرف الذي لا يعرف الله، وحتّى يكون حكمهم على مبانيه الفكريّة والعقائديّة من خلال ميزان العدل والمنطق، وليكونوا بمأمن من غلبة الأحاسيس وحاكميّة الخيالات والأوهام، وليميّزوا بين طريق الحقّ وبين المهالك، وليكتشفوا الانحراف الفكريّ الذي ظهر في هذه المدرسة القويمة ومنهج أهل البيت عليهم السلام، وليقوموا بتصحيح المباني العقائديّة ويعثروا على المحجّة البيضاء.

  • نعم، تلك هي سيرة وطريقة الأشخاص الذين يمتلكون ظاهرًا مزيّنًا خادعًا للعوام، مع باطنٍ شيطانيٍّ سبعيٍّ ملوّثٍ بالهوسِ والأغراضِ النفسيّة، و هو باطنٌ مخفي لا يطّلع أحد على حقيقة أمره إلى أن يسقط القناع عن وجوههم المظلمةِ المشؤومةِ وباطنِهم المدمّر، وذلك مع مرور الأيّام وتبدّل الأحوال والأحداث، فينكشف حينها كيف كانوا طيلة السنوات المتمادية يسوقون الناس نحو أهوائهم ورغباتهم ومشتهياتهم، ولكن مع شيء من التبرير والتظاهر بالإيمان والسير نحو المبادئ والمقاصد الإلهيّة.

  • إنّ الاكتفاء بظواهر الرجال بمثابة قاطع الطريق للقلب والدين و سبب للضلال عن المنهج القويم ومدرسة أهل البيت عليهم السلام، وهو الحدّ الفاصل بين المخالف والمؤالف.

  • وهنا تتّخذ المسألة لنفسها صورة أمر متشابَه وتوقِع في الاشتباه من لا اطّلاع له على تشخيص الملاكات، وربّما لا تتّضح لهم حقيقة الأمر إلا بعد السنوات الطوال، فيقضون عمرهم في الضلال والانحراف ولا يبلغون غايةً.

  • ويكمن سبب هذه الانحرافات- على ما يبدو- في اتّباع منهج التفكير الماديّ في النظر إلى القضايا والأحداث التاريخيّة، ذلك المنهج الذي غفل عن تمحور مباني حقائق الوحي حول أهل البيت عليهم السلام و أنّ المحور الذي ترتكز عليه مباني الدين وأصوله

أسرار الملكوت ج۳

57
  • هوكون هذه الحقائق صادرة من ناحية الولاية والإمامة، مستندة إلى منبع الوحي؛ فبات لا يرى سوى السلوك الظاهريّ الأجوف للأفراد و يقيّمهم على أساسه، ولو كان منهجهم مواجهاً و مخالفًا لسيرة أهل البيت عليهم السلام ومذهبهم.

  • و من الطرائف أنّ بعض خطبائنا وكتّابنا قد ابتلوا بهذا الاشتباه الفادح والخطأ الذي لا يغتفر، في تقييمهم لشخصيّةٍ كشخصيّة أبي حنيفة، فعدّوه في زمرة المجاهدين في الإسلام والثائرين في مقابل الظلم لإحقاق الحقّ، وقلّدوه وسام الشرف، وعدّوه من مفاخر الإسلام، وأفاضوا عليه التمجيد والثناء، لا لشيء سوى لخصومته مع بني العبّاس والمنصور الدوانيقي وتعرّضه للسَّجن وموته فيه. فيا لَلّه من هذا الانحراف الفكريّ، ومن تلك الضلالة والغواية!

  • لا بدّ من الإذعان والاعتراف بأنّ نظر هؤلاء إلى ظاهر أبي حنيفة الخادع وبعض أفعاله وشؤونه في علاقته مع خليفة الجور والحاكم العبّاسيّ الظالم، هو الذي دفعهم إلى هذا الحكم العاجلِ الباطل، غافلين عن أنّ تأييد الإنسان لما يحيط به من أحداث وأشخاص قد ينشأ عن دواعٍ مختلفة وأغراض متنوّعة وأهداف متباينة، لكلّ منها أثره الخاص والفاعل في حياة الإنسان، ولكنّ هذه الأغراض والأهداف غائبة عن أعين الناظرين الغافلين عن باطن المسألة، فتراهم يفسرون تلك الأحداث والتصرفات اعتماداً على معاييرهم الخاطئة، و تجد أنّهم في كثيرٍ من الأحيان يعدّون تلك الأفعال مستحسنةً وداعيةً إلى الفخر والمباهاة.

  • فهل كلّ من حارب ظالمًا وخاصمه هو رجل صالح مستقيم؟! أوَلم يكن الخوارج المنحرفون على خصامٍ مع معاوية وعمرو بن العاص، وكانوا يستنهضون الناس لقتلهما وقدموا أنفسهم قرابين في هذا الطريق؟!

  • يمكن للثورة على الظالمين أن تنشأ من دواعٍ شيطانيّة وأهواء نفسيّة، كما هو الحال في الأحزاب السياسيّة والفرق الضالّة، وخصوصًا رجال السياسية وزعماء الحكومات المشهودة والمعروفة، حيث يواجه كلٌّ منهم الآخر بأنواع الحيل والخدع والمكر

أسرار الملكوت ج۳

58
  • والذرائع التي لا ترتضيها سوى أذهان العوامّ، وربّما استمسك بقواعد الشريعة ومؤيّداتها ليدعوَ الناس إلى نفسه، والحال أنّ كلًّا من طرفي النزاع منغمس في الباطل والضلال، وكلًّا منهما يقدُم أتباعه وأنصاره إلى وادي الضلال والحيرة، ويبعدهم عن طريق الحقّ، ويحجب عنهم نور الهداية.

  • 2- لا قيمة للظاهر إلّا إذا كان في سبيل الواقع (ولاية أهل البيت)

  • إنّ مواجهة حكومة الجور ومحاربة خلفائه وإن كانت تكليفًا إلهيًّا ووظيفة شرعيّة من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ووجوب إقامة العدل وحرمة إبقاء الظلم والعدوان، ولكن لا بدّ أن يكون الهدف الأسنى والمقصد الأعلى لهذه الحركة هو الوصول إلى حاقّ الواقع والحقيقة من ولاية أهل البيت والانقياد التامّ لها بكامل وجودنا ومن أعماق قلوبنا وأسرارنا، فليس للإنسان في هذا المجال من هدفٍ سوى التسليم لمظهر الولاية المتمثّل بالإمام المعصوم عليه السلام وتفويض الاختيار والإرادة إليه، وليس في هذا المسير من غايةٍ سوى تحقيق إرادة الإمام وتنفيذ ما يطلب، وإلّا كانت جميع الجهود والتضحيات وتحمّل القتل والنهب والضغوط والآلام والسجون والإبعاد والتشريد باطلةً وناشئةً من الأهواء النفسيّة والشيطانيّة، ونابعة من الجهل والضلال، وكانت هباء منثورًا مصداقًا للآية الشريفة القائلة: (وَ قَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً)1 أي أنّنا سنجمع كافّة أعمالهم الناشئة من قوى الخيال والوهم، والصادرة عن الأنانيّة والعناد، فنمحوها جميعًا ونُعدِمها كالغبار المتناثر، لا نترك منها عينًا ولا أثرًا.

  • ولإيضاح هذه المسألة المصيريّة ذات الأهميّة الكبرى في الفكر الشيعيّ والتي تبيّن الطريقة التي ينبغي أن تمضي على أساسها الحياة الظاهريّة والمعنويّة، سنعمل على بيان السر في ضرورة الانقياد التامّ لمدرسة أهل البيت عليهم السلام، وسنحاول الكشف عن أبعاد هذه المسألة، آملين أن نغدوَ- بعد إدراك هذه الحقيقة- قادرين على

    1. سورة الفرقان( 25)، الآية 23.

أسرار الملكوت ج۳

59
  • تمييز موارد الانحراف والاعوجاج في الفكر المادّي لأمثال هؤلاء الذي يظهر من خلال أحكامهم على الأحداث التاريخية و العقائدية وتقييمهم لها، فتتّضح لدينا نقاط ضعف بصيرتهم ومعرفتهم أمام الفكر الشيعيّ الناصع الواضح.

  • ما هو محور التشريع بين الفكر المادي والفكر الإلهيّ؟

  • إنّ الهدف الأسمى والمقصد الأعلى في الأديان الإلهيّة هو تكامل الإنسان وبلوغه إلى فعليّة ما لديه من استعداداتٍ وقابليّاتٍ أودعها الله في نفوس البشر، وإنّما أرسل هذا العدد الجمّ من الأنبياء بهدف إيصال الناس إلى هذه الفعليّات، فأقاموا تشريعات لإقامة العدل في المجتمع، ولتقوم الحياة الاجتماعيّة بالقسط وعلى النحو الأكمل، كما أنّهم جاؤوا بتشريعاتٍ أخرى من أجل إقامة علاقةٍ بين العباد وبين ربّهم وربطهم به، بحيث إنّ إهمال أيّ واحدٍ من هذين النوعين من التشريعات أو التسامح في الالتزام بها، سيؤدّي إلى بطلان تلك الغاية وانعدامها.

  • ومن البديهيّ أنّ العلاقة بين هذين النوعين من القوانين هي علاقة القشور باللبّ؛ فإنّ تقنين القوانين الاجتماعيّة، وإن كان من وجهة نظر المشرعين للقوانين الوضعيّة في المجتمعات إنّما يهدف لإيجاد التعايش الاجتماعيّ الآمن، وتأمين رفاهية أكبر، وعناءً أقلّ لأفراد المجتمع في هذه الحياة الدنيا، إلا أنّه من وجهة نظر المشرع الإلهيّ والداعي إلى الله والمربّي في مدرسة التوحيد إنّما يمثّل قنطرةً ومعبرًا إلى ترقّي الروح وتزكية النفس وتربيتها للوصول إلى مقام الفعليّة والتجرّد التام. فالقوانين البشريّة لا تهتمّ بالآخرة والحياة الأبديّة فيها، وإنّما ينحصر إبداعها بإيجاد الأرضيّة المناسبة لتحقيق حسن الجوار و التعايش بين أفراد المجتمع ورفع الموانع التي تواجه ذلك، وفي هذا المجال لا يؤخذ بعين الاعتبار إلا إعداد وسائل الوصول إلى مقاصد الناس في دائرة الحياة الدنيا، وكلّ ما سوى ذلك فهو خارج عن مسؤوليّة القانون والمقنّن؛ فمثلًا يعتبر القتل في القوانين الجزائيّة المعاصرة جرمًا ويحكم القاتل بالإعدام أو بعقاب آخر، إلا أنّ هذا القانون لم يتّخذ أيّ إجراء في حقّ من يشاهد حادثة القتل، لأنّ دائرة اهتمام هذا القانون تنحصر باعتداء شخصٍ على آخر، لا الإحساس الإنساني والرأفة البشريّة

أسرار الملكوت ج۳

60
  • ووحدة النفوس، وهذا القانون يناسب مرتبة هي أدنى من مرتبة الإنسان بما هو إنسان، بل هو أقرب إلى منطق شريعة الغاب.1

  • وعليه، يمكن أن نختصر القاعدة والمعيار في القوانين المعاصرة بكلمة واحدة هي: «عدم التعرّض للأذى من قبل الآخرين وعدم إصابة أحد به من قبلك»، وعلى هذا الأساس يقوم المجتمع ويعبّر عنه بقولهم: «لا تؤذي ولا تؤذى»، وليس في هذا الأصل أثرٌ للمشاعر الإنسانيّة وحسّ الوحدة النوعيّة والرحمة والشفقة والتعاون والرفق والمساعدة، ولو صادف أن شوهد شيء من ذلك فإنّه سيبعث على الاستغراب والتعجّب.

  • أمّا في المجتعات التي تقوم على أساس السنّة الإلهيّة وسيرة القادة الربّانيّين، وفي الحكومات التي تعتمد على تعاليم الوحي، فإنّ المعيار والملاك في القانون الحاكم على العلاقات الاجتماعيّة والفرديّة هو الإنسان بما هو إنسان، مع غضّ النظر عن لونه وثقافته وعرقه وسائر الاختلافات الدنيويّة كالثروة والفقر والمرض والصحّة والشأن الاجتماعيّ.

  • في حكومة الأديان الإلهيّة يُنظر إلى حامل السلاح والأعزل بعين واحدة، ولا يحقّ لمن عنده قوّة وسلطة قدّمها له المجتمع أن يواجه إنسانًا آخر أعزل فيخاطبه بترفّع وخشونة؛ فقد كان حديث أمير المؤمنين عليه السلام ومعاشرته للناس بعد خلافته وتصدّيه للحكم عين خطابه لهم ومعاشرته لهم عندما كان جليس بيته إبّان غصب الخلافة، فقد كان في عهد الخلفاء السابقين يلاطف الناس ويمازحهم وكان الناس يقابلونه بذلك أيضًا، وكذلك كان حاله أيضاً في زمان خلافته وقوّته الظاهريّة والدنيويّة، ولم تتغيّر أحواله ولو بمثقال ذرّة. وهذا هو سر المشروعيّة في الحكومة الإلهيّة.

    1. وسيأتي توضيح هذا الأمر إن شاء الله وبتوفيقه في كتاب الارتداد في الإسلام[ للمؤلّف].

أسرار الملكوت ج۳

61
  • وقد كان المرحوم آية الله الميرزا محمّد تقي الشيرازي أعلى الله مقامه من جملة القلائل الذين لم يكن تبدّل الأحوال والموقعيّات ليغيّر في نفوسهم واعتقادهم شيئًا، وهذه منزلة عظيمة لا ينالها إلا بعض الخواصّ بالتوفيق الإلهيّ.

  • يقول المرحوم الوالد العلامة الطهراني قدّس الله نفسه:

  • في زمان تصدّي الميرزا محمّد تقي الشيرازي للمرجعيّة سأل بعضُ العلماءِ آيةَ الله العارفَ الواصلَ والناسكَ الكاملَ الحاجَّ الشيخَ محمّد البهاري الهمداني- رضوان الله عليه- عن ملكة عدالة الميرزا الشيرازيِّ وطهارة نفسه، واستفسروا منه عن جواز تقليده، فقال: «سأجيبكم قريبًا».

  • وفي إحدى الليالي التي كان يصلّي فيها المرحوم الميرزا صلاة المغرب في صحن الإمام سيّد الشهداء عليه السلام، جاء المرحوم البهاريّ وبسط سجّادته إلى جانب سجّادة الميرزا، وشرع هو بالصلاة قبله، ثمّ كبّر الميرزا لصلاة المغرب وكان الجميع يقتدون به، أما المرحوم الشيخ محمّد، فقد كان يصلّي هذه الصلاة منفرداً. وبعد انتهاء الصلاة قال المرحوم البهاري لهؤلاء الذين سألوه:

  • «لقد كنت مشرفًا على حالاته طوال صلاة المغرب، فلم أر أنّ شيئًا من النقص قد أصاب إحساسه بالربط والعبوديّة والتوجّه إلى الله، ولم يخطر على قلبه طوال مدّة أداء الصلاة أيّ خطور، وهذا يحكي عن صلابة نفسه وانعدام هواه، ولذا يمكنكم أن تقلّدوه».

  •  ** *

أسرار الملكوت ج۳

63
  •  

  •  

  • المجلس الرابع عشر: نظرة تحليليّة على ثورات العلويّين وأهدافها

  •  

  •  

أسرار الملكوت ج۳

65
  •  

  •  

  • بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيْم

  • الحَمْدُ للّه رَبِّ العَالَمِيْن

  • والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى خَيرِ المُرسَلينَ مُحمّدٍ وَآله الطَاهِرين

  • وَلَعْنَةُ الله عَلى أَعْدَائِهِم أَجْمَعِيْن

  •  

  •  

  • أولًا: نظرة تحليليّة لشخصية عمر بن عبد العزيز

  • ينقل جابر بن يزيد الجعفي- أحد أصحاب الإمام الباقر عليه السلام- روايةً عجيبةً يقول فيها:

  • كنّا مع أبي جعفر عليه السّلام فى المسجد، فدخل عمرُ بن عبد العزيز وهو غلام، وعليه ثَوبان مُعَصفَران، فقال أبو جعفر عليه السّلام: «لا تذهبُ الأيّامُ حتّى يملكَها هذا الغلامُ ويستعملَ العدلَ جهرًا والجورَ سرًّا، فإذا مات تبكيه أهلُ الأرض ويلعنه أهلُ السّماء».1

  • الروايات في استحقاقه لعنة أهل السماء

  • وجاء أيضًا في بصائر الدرجات عن عبد الله بن عطاء التميمي أنّه قال:

  • كُنْتُ مَعَ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ (عليهما السلام) فِي الْمَسْجِدِ، فَمَرَّ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَلَيْهِ شِرَاكَا فِضَّةٍ، وكَانَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ [معروفًا بحسن الخلق] وهُوَ شَابٌّ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (عليهما السلام) فَقَالَ: «يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَطَاءٍ، أَتَرَى هَذَا الْمُتْرَفَ إِنَّهُ لَنْ يَمُوتَ حَتَّى يَلِيَ النَّاسَ».

    1. مشارق أنوار اليقين، ص 138.

أسرار الملكوت ج۳

66
  • قَالَ: قُلْتُ هَذَا الْفَاسِقُ؟

  • قَالَ: «نَعَمْ، فَلَا يَلْبَثُ فِيهِمْ إلّا يَسِيرًا حَتَّى يَمُوتَ، فَإِذَا هُوَ مَاتَ لَعَنَهُ أَهْلُ السَّمَاءِ واسْتَغْفَرَ لَهُ أَهْلُ الأَرْضِ».1

  • وقد نُقلت حكايةٌ لطيفة عن هذا الخليفة الأمويّ نرى من المناسب أن نذكرها هنا:

  • محاجّة عالم شيعيّ له في شرعيّة خلافته

  • رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إِلَى عَامِلِهِ بِخُرَاسَانَ [وكان شيعيًّا] أَنْ أَوْفِدْ إِلَيَّ مِنْ عُلَمَاءِ بِلَادِكَ مِائَةَ رَجُلٍ أَسْأَلْهُمْ عَنْ سِيرَتِكَ [في الحكم والإمارة]، فَجَمَعَهُمْ [وكانوا كلّهم من الشيعة] وقَالَ لَهُمْ ذَلِكَ، فَاعْتَذَرُوا وقَالُوا: إِنَّ لَنَا عِيَالًا وأَشْغَالًا لَا يُمْكِنُنَا مُفَارَقَتُه2، وعَدْلُهُ لَا يَقْتَضِي إِجْبَارَنَا، ولَكِنْ قَدْ أَجْمَعْنَا عَلَى رَجُلٍ مِنَّا يَكُونُ عِوَضَنَا عِنْدَهُ ولِسَانَنَا لَدَيْهِ، فَقَوْلُهُ قَوْلُنَا ورَأْيُهُ رَأْيُنَا. فَأَوْفَدَ بِهِ الْعَامِلُ إِلَيْهِ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ سَلَّمَ وجَلَسَ، فَقَالَ لَهُ [أي للخليفة]: أَخْلِ لِيَ الْمَجْلِسَ.

  • فَقَالَ لَهُ [عمر بن عبد العزيز]: ولِمَ ذَلِكَ وأَنْتَ لَا تَخْلُو أَنْ تَقُولَ حَقًّا فَيُصَدِّقُوكَ أَوْ تَقُولَ بَاطِلًا فَيُكَذِّبُوكَ؟

  • فَقَالَ لَهُ [العالم الخراساني]: لَيْسَ مِنْ أَجْلِي أُرِيدُ خُلُوَّ الْمَجْلِسِ، ولَكِنْ مِنْ أَجْلِكَ؛ فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَدُورَ بَيْنَنَا كَلَامٌ تَكْرَهُ سَمَاعَهُ [من قبل الحاضرين].

  • فَأَمَرَ [لخليفة] بِإِخْرَاجِ أَهْلِ الْمَجْلِسِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: قُلْ.

  • فَقَالَ: أَخْبِرْنِي عَنْ هَذَا الأَمْرِ [أي الخلافة] مِنْ أَيْنَ صَارَ إِلَيْكَ؟

  • فَسَكَتَ طَوِيلًا. فَقَالَ لَهُ: إلّا تَقُولُ؟ فَقَالَ: لَا. فَقَالَ: ولِمَ؟

  • فَقَالَ لَهُ: إِنْ قُلْتُ بِنَصٍّ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ كَانَ كَذِبًا، وإِنْ قُلْتُ بِإِجْمَاعِ

    1. بصائر الدرجات، ص 170؛ بحار الأنوار، ج 46، ص 23 و 327.
    2. كذا في الأصل، وفي بعض النسخ المحققة: مفارقتها.( م)

أسرار الملكوت ج۳

67
  • الْمُسْلِمِينَ، قُلْتَ: فَنَحْنُ أَهْلُ بِلَادِ الْمَشْرِقِ ولَمْ نَعْلَمْ بِذَلِكَ ولَمْ نُجْمِعْ عَلَيْهِ، وإِنْ قُلْتُ: بِالْمِيرَاثِ مِنْ آبَائِي، قُلْتَ: بَنُو أَبِيكَ كَثِيرٌ، فَلِمَ تَفَرَّدْتَ أَنْتَ بِهِ دُونَهُمْ؟

  • فَقَالَ لَهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى اعْتِرَافِكَ عَلَى نَفْسِكَ بِالْحَقِّ لِغَيْرِكَ، أَفَأَرْجِعُ إِلَى بِلَادِي؟

  • فَقَالَ: لَا، فَوَ اللَّهِ إِنَّكَ لَوَاعِظٌ قَطُّ [تؤدّي للكلام حقّه وتضع يدك على موضع الداء، فينبغي عليك أن تنصحني].

  • فَقَالَ لَهُ: فَقُلْ مَا عِنْدَكَ بَعْدَ ذَلِكَ [أي بعد هذا الاعتراف الذي صدر منك، ما الذي تُريد منّي أن أنصحك به]؟

  • فَقَالَ لَهُ: رَأَيْتُ أَنَّ مَنْ تَقَدَّمَنِي ظَلَمَ وغَشَمَ وجَارَ واسْتَأْثَرَ بِفَيْءِ الْمُسْلِمِينَ، وعَلِمْتُ مِنْ نَفْسِي أَنِّي لَا أَسْتَحِلُّ ذَلِكَ، وأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ لَا شَيْءَ يَكُونُ أَنْقَصَ وأَخَفَّ عَلَيْهِمْ، فَوَلِيتُ.

  • فَقَالَ لَهُ: أَخْبِرْنِي، لَوْ لَمْ تَلِ هَذَا الأَمْرَ، ووَلِيَهُ غَيْرُكَ وفَعَلَ مَا فَعَلَ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ أَكَانَ يَلْزَمُكَ مِنْ إِثْمِهِ شَيْءٌ؟

  • فَقَالَ [عمر بن عبد العزيز]: لَا.

  • فَقَالَ لَهُ: فَأَرَاكَ قَدْ شَرَيْتَ رَاحَةَ غَيْرِكَ بِتَعَبِكَ وسَلَامَتَهُ بِخَطَرِكَ.

  • فَقَالَ لَهُ: إِنَّكَ لَوَاعِظٌ قَطُّ [ورجلٌ ناصحٌ ولامفرّ ومهرب من كلامك أبدًا].

  • فَقَامَ [ذلك العالم] لِيَخْرُجَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: واللَّهِ، لَقَدْ هَلَكَ أَوَّلُنَا بِأَوَّلِكُمْ وأَوْسَطُنَا بِأَوْسَطِكُمْ، وسَيَهْلِكُ آخِرُنَا بِآخِرِكُمْ، واللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَيْكُمْ وهُوَ حَسْبُنَا ونِعْمَ الْوَكِيلُ.1

  • لقد لهجت ألسنةُ جميع المؤرّخين- من العامّة والخاصّة- بمدح هذا الخليفة الأمويّ والثناء عليه، وأشادوا بعدله وإنصافه ورعايته لحقوق الرعيّة، وقد يعترفون في بعض

    1. بحار الأنوار، ج 46، ص 336.

أسرار الملكوت ج۳

68
  • الأحيان بقلّة الحكّام والمدراء الذين يناظرونه في هذه المناقب والخصائص. ولكن، لماذا ذمّه الإمام عليه السلام في هذه الرواية وجعله موضعًا للعن أهل السماوات؟

  • وبعبارة أخرى نقول: خلافًا لما قام به بعضُ ضعاف العقول وأصحاب الفكر الخاطئ عندما عدّوا شخصًا فاسقًا وفاجرًا- نظير أبي حنيفة- من مفاخر العالم الإسلامي، واعتبروا عدوَّ الإمام المعصوم عليه السلام والمعاند له مجاهدًا في سبيل الله وشهيدًا من شهداء طريق الحقّ ومقارعة الظلم لمجرّد حبسه في سجن المنصور الدوانيقي .. خلافًا لهؤلاء فإنّه من اللازم علينا عدُّ شخصٍ عادل ومنصف نظير عمر بن عبد العزيز- والذي قضى أيّام خلافته وحكمه في إرساء الأمن والعدل- مصداقًا بارزًا للتربية والتزكية الإسلاميّة، ونموذجًا واضحًا للتخلّق بالأخلاق الإلهيّة، وجديرًا بأن يُتّبع ويتأسّى به في عصر الحكومة الإسلاميّة، وعلينا أيضًا أن نكشف للعالمين حقّانيته وأعماله العظيمة، وأن نفخر به على بقيّة الحكّام والسلاطين، وأن نتّخذ من ظهور مثل هذا الشخص في عالم السياسة والحكم سنداً ودليلًا لنا على أفضليّة التعاليم الإسلاميّة وعلوّ شأنها.

  • العلّة في استحقاق عمر بن عبد العزيز اللعن رغم حسن ظاهره

  • ولكنّنا نرى أنّ الإمام عليه السلام جعله مستوجبًا لطرد الله ولعنته، وعدّه ملعونًا ومنبوذًا، وأخرجه من دائرة الحقّ والإنصاف؛ وأنا أسألكم بحقّ: لم ذلك؟

  • أليس عمر بن عبد العزيز هو الذي أوقف ومنع لعن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام، الأمر الذي كان شائعًا في زمان معاوية الملعون ورائجًا في جميع أرجاء العالم الإسلامي كسنّة من السنن المتداولة؟1

  • أفلم يكن هو الذي أرجع فدكًا إلى مالكها الأصليّ الإمامِ الباقر عليه السلام بعدما غصبها الخليفة الأوّل وسلبها من يد فاطمة بنت رسول الله؟

  • إنّ تلك الحادثة المنقولة عن العالم الخراساني في لقائه به تُظهر لنا بوضوح خطأه وتكشف النقاب عن إدانته ببرهان ناصعٍ سدّ جميع أبواب الهرب والفرار أمامه. لقد بيّن له ذلك العالم الشيعيّ بكلّ جلاء أنّ مجرّد الحكم بالعدل والقسط والاهتمام بالرعيّة

    1. لمزيد من الاطّلاع، يراجع: معرفة الإمام، ج 18، ص 355.( م)

أسرار الملكوت ج۳

69
  • والاعتناء بالخلق لا يعدل شروى نقير من دون صدور ترخيص وأمر بذلك من قِبل الله تعالى، والله سبحانه قد نصب الإمام المعصوم عليه السلام ليكون الواسطة بينه وبين خلقه والمتولّي لأمورهم من قبله؛ فنفس تلك الحكومة تعتبر بمثابة غصبٍ لحقّ الإمام في الخلافة وسرقة لولايته وإمارته عليه السلام؛ وهذا بحدّ ذاته هو أكبر ظلم لحقّ الإمام المعصوم وأعظم تعدّ على شأنه ومقامه، كما أنّها تمثّل أكبر ظلمٍ في حقّ الرعيّة والناس أيضاً. وهنا تكمن النقطة المهمّة في المسألة؛ إذ على الرغم من أنّنا لا نرى عمر بن عبد العزيز يُماثل معاوية ويزيد وهارون والمتوكّل في الشقاء والقسوة والتعدّي والطغيان، إلّا أنّ نفس عدم الاعتراف بالحقّ وعدم تسليم كرسيّ الخلافة والحكم لصاحبها الأصلي- إمام ذلك الزمان عليه السلام- هو بذاته ذنب لا يُغتفر ومعصية لا يُتغاضى عنها.

  • إنّ أوّل إشكال يواجه هذا النوع من الحكومات هو غصبها للحُكم وللحقّ القانونيّ والشرعيّ والإلهيّ الثابت للإمام المعصوم عليه السلام في منصب الخلافة؛ إذ إنّ هذا المنصب لا يثبت عن طريق التوافق والإجماع وأغلبية الآراء، بل هو منصب إلهيّ يُنال بالتنصيب والإنشاء لا بالشورى والاستفتاء. إنّ الحكومة والخلافة- بما هي تصرّف للإنسان في مقام التشريع- تُعدّ من آثار ونتائج الإمامة والولاية المطلقة للمعصوم؛ وهي حقيقة تكوينيّة، وليست اعتباريّة وتشريعيّة، ولا تقبل الانفكاك عن التصدّي الظاهريّ والإمساك بأزمّة الأمور على مستوى الفرد والمجتمع. وعلى جميع الناس أن يجعلوا أزمّة أمورهم في يد والي مُلك الولاية، وأن يتفانوا في طاعته والانقياد له، وأن يعتبروا كلامه عين كلام الله، وأوامره ونواهيَه نفس أوامر الله ونواهيه، فلا يتخطَّوها ولو قيد أنملة.

  • إنّ غصب خلافة وصيّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بمجرّد الاستناد إلى دليل واهٍ وعبثيّ كاجتماع الأمّة- مع ما فيه من إيرادات وإشكالات- هو انحراف عن الطريق المستقيم والمنهج القويم المرسوم من قِبل شريعة رسول الله الذي نصب عليًّا المرتضى ووضعه في هذا المنصب بنصّه وتصريحه أنْ: «مَن كُنتُ مَولاهُ فَهَذا عليٌّ مَولاه».

أسرار الملكوت ج۳

70
  • وهذا الانحراف هو أساس كلّ ضلال واعوجاج وانحراف في الأمّة إلى أن يقوم قائم آل محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم، وهو نفسه كان النقطة الأولى التي انطلقت منها جميع الجرائم والفجائع وأعمال الضلال والإضلال.

  • فبأيّ حقّ يسوغ لعمر بن عبد العزيز أن يسلب حقّ الخلافة والحكم من وليّ زمانه ومالك أزمّة أموره وأمور جميع مخلوقات العالم، وبعد ذلك يقنع نفسه ويرضي ضميره بذرائعٍ كإقامة العدل والإنصاف، حافظًا نفسه عن لوم اللائمين وتأنيب النفس اللوّامة بهذه الخيالات الباطلة والتوهّمات التي لا أصل لها؟! أفلا يُعدّ هذا نفسه أكبر ظلمٍ وعدوان وانحراف؟! فقد استحوذ لنفسه على المنصب الذي منحه الله تعالى لوليّ زمانه، وقدّم إرادته الشخصيّة على إرادة إمامه واختياره، فحاله كالذي يسرق مالًا ثمّ يُنفقه على الفقراء؛ فهو لا يثاب على عمله هذا، بل عليه فوق ذلك- بحكم الشرع والقانون- أن يُرجعه إلى مالكه الأصلي، ويتوب من ذنبه، وربّما استحقّ عقوبةً أخرى أيضاً.

  • إنّ غصب حقّ الرعيّة وظلمها من قبل أمثال عمر بن عبد العزيز، لهو حرمانٌ لهم من تلك الحكومة والخلافة الحقّة التي يُمكنها أن تمنح الناس ما فيه خيرُهم وصلاحُهم الحقيقيُّ الذي يرضاه الله تعالى، والذي يؤدّي بهم إلى سعادة الدّارين والفوز والفلاح الأبديّين، وهذا العمل يعد قطعاً لطريق الناس ومنعاً لهم عن الوصول إلى هذه الحكومة والخلافة الإلهيّة التي عيّنها الله تعالى للناس عن طريق وليّه؛ وهذا أعظم ظلم وأكبر جريمة يُمكن أن ترتكب في حقّ الرعيّة والخلائق.

  • مزايا حكومة وليّ الله عن حكومة سواه

  • إنّ حكومة وليّ الله هي حكومة الله على الرعيّة، وليست حكومة الشيطان والأهواء النفسيّة والأذواق الشخصيّة والأوهام الناشئة من العقول العاجزة والإدراكات الناقصة والتخيّلات الموهومة والنفوس الشهوانيّة المنقادة للدنيا الدنيّة، ولو تزيّنت بلباس الشرع والدين، ومزجت بمظاهر الدين الجذّابة التي تأخذ بعيون العوامّ.

أسرار الملكوت ج۳

71
  • إنّ حكومة وليّ الله هي حكومة متن الواقع وعين الصلاح وحقيقة نفس الأمر، وهدفها الوصول إلى كمال النفوس وتربيتها والارتقاء بها في مدارج التجرّد والتوحيد. فأين يُمكننا العثور على ذلك في حكومة أمثال عمر بن عبد العزيز أو غيره؟! ولهذا، نرى بالعيان وقوعَ هذه الحكومات في تعارض جادّ وتناقض حقيقيّ- في بعض الأحيان- مع أحكام الوجدان وقضايا الفطرة الإنسانيّة، فكانت تلجأ للتبرير والتأويل متشبّثةً بشتّى أنواع الحيل والخُدع لرفع الإبهامات والتساؤلات الحقّة الموجّهة إليها، حتّى لا يطّلع الناس على الحقائق المستورة والأحداث المؤثّرة في مجريات الأمور، وتعرض هذه التأويلات على أنّها من الضروريّات والبديهيّات.

  • في حكومة الإمام عليه السلام، يرتكز الأمر والنهي إلى لحاظ حاقّ الواقع والمصلحة الواقعيّة لكلّ واحد من أفراد الرعيّة، ويُتّخذ القرار اعتمادًا على انكشاف العوالم الغيبيّة وشهودها، لا على مطالعة الجرائد والاستماع إلى المذياع والأخبار المعتمِدة على الأذواق الشخصيّة والنظرات السطحيّة الحولاء.

  • وبالتالي، هل يستطيع أحدٌ أن يدّعي إحراز هذه المرتبة والمنزلة سوى الإمام المعصوم عليه السلام أو ذلك الوليّ العارف الكامل المتّصل بعوالم الغيب والذي اتّحدت نفسُه بنفس الإمام الملكوتيّة القدسيّة، فصارت وارداتُه القلبيّة تنزّلًا لرشحات قلبِ الإمام عليه السلام ونفسه؛ فأضحى- بالتالي- فعلُه وقولُه عين فعل الإمام عليه السلام وقوله؟! هيهات!

  • كيف يُمكن لعمر بن عبد العزيز الادّعاءُ أنّ قيامَه العدل والأمن اللذين أرساهما مطابقان لذينك العدل والقسط اللذين يترشّحان ويصدران عن الإمام السجّاد والإمام الباقر عليهما السلام بلا أيّ فارق؟! وعلى أيّ أساس يُمكنه القول أنّ مراعاته لحقوق الرعيّة كانت بحسب نفس المصلحة والملاك اللذين تكشف عنهما وتُجريهما نفس الإمام المعصوم الملكوتيّة؟ إنّ هذه المسألة جديرة بالكثير من التأمّل والتدبّر، كما أنّها تُؤدّي لمنع الإنسان عن الإقدام على كثير من الأمور، وتُجبره على التفكير في التوقّف ورعاية الاحتياط.

أسرار الملكوت ج۳

72
  • ولهذا السبب، يصفه الإمام عليه السلام بأنّه: يُثني عليه الناس ويذرفون الدمع لفقدانه، ولكن تلعنه الملائكة؛ لأنّه كان سببًا في اضمحلال العديد من القابليّات والاستعدادات التي كان يُمكنها أن تصل إلى الفعليّة في ظلّ حكومة الإمام المعصوم عليه السلام وإرشاده، فرحلت عن هذه الدنيا فجّةً غير ناضجة.

  • لقد كان المرحوم الوالد العلّامة الطهراني- قدّس الله سرّه- يقول مرارًا وتكرارًا:

  • إنّ الذي يتصدّى للحكم والزعامة يجب عليه أن يكون إمّا مرتبطًا- بشكلٍ مباشرٍ ومن دون واسطة- بمقام الولاية الكبرى لحضرة الحجّة بن الحسن أرواحُنا لتراب مقدمه الفداء، وأن يكون تحت إشرافه عند الخوض في إدارة الأمور ورتقها وفتقها، وإمّا أن يخضع لتربية وليٍّ عارفٍ كاملٍ وإرشاده، ويُطبّق أوامره بحذافيرها، وإلّا سيكون سقوطه وسقوط الرعيّة في الهلاك والضلالة قطعيًّا ومسلّمًا.

  • إنّ الدليل على صحّة هذا الأمر واضح جدًّا؛ لأنّ أعمالنا ومواقفنا تعتمد على مبادئ تصوّرية وتصديقيّة تتمحور حول مجموعة من الأحاسيس الظاهريّة والانطباعات السطحيّة- نظير الاستماع لنشرات الأخبار وقراءة الجرائد والمجلّات وغيرها- والتي يُؤدّي تركيبُها والتأليفُ بينها إلى نتيجة تكون هي العلّة الكامنة وراء هذه المواقف والأعمال والأوامر والنواهي، هذا مع أنّ واقع الأمر قد يكون مخالفًا لذلك، وقد تكون مبادئنا التصوّرية والتصديقيّة معاكسة تمامًا ومضادّة لما حصل في الواقع، ويكون- بالتالي- ذلك الموقفُ والتصرّفٌ الذي صدر منّا هو على خلاف مصلحة الفرد والمجتمع ومناقضًا بشكل كامل لما فيه نفعهما وصلاحهما؛ وهي مسألة واضحة تمامًا ومكشوفة للجميع.

  • وقد حصلت لكاتب هذه السطور العشرات من المواقف التي كان شهد فيها بعض القضايا والمرافعات تمّ تنميق ظاهرها ببعض الحيل الخدّاعة والمظاهر المكّارة إلى درجةٍ أنّه لولا تدخّل لطف الله تعالى وعنايته الخاصّة، لكنت قد سقطتُ في أفخاخ الأبالسة وشياطين الإنس، وحكمتُ بخلاف الواقع وما أنزل الله، فأستوجب بذلك

أسرار الملكوت ج۳

73
  • سخط الله تعالى وأسبّب الفساد. وهذه المسألة من البداهة بمكان لا يُنكرها إلّا مكابر أو معاند.

  • فانظروا الآن: إذا كان عدم الاطّلاع على الواقع في القضايا الجزئيّة والمرافعات البسيطة، ثمّ الحكم على أساس الفهم المتعارف مفضيًا إلى كلّ هذا الفساد والاختلاف والانحراف، فإلى ماذا سيُؤدّي ذلك في المسائل العامّة نظير الزعامة والحكومة على أمّة كبيرة وإدارة شؤونها الاجتماعيّة، وما هي الفاجعة التي سيستتبعها، والمصيبة التي سيُحلّها بالمجتمع؟!

  • ثانيًا: ثورات العلويّين

  • إنّ عين هذا الإشكال- بنفس قوّته وشدّته- ليَرِد على ثورات العلويّين من أمثال بني الحسن؛ ففي زمان الإمام الصادق عليه السلام، ثار محمد وإبراهيم- ابنا عبد الله المحض- على نظام بني العبّاس والمنصور الدوانيقي بغير إذنٍ من الإمام ولا إجازة، فساقوا معهم طائفةً من الناس، وتسبّبوا بقتل طائفةٍ أخرى. ولم يقتصر الأمر على عدم امتلاكهم لأيّة حجّة من قبل الإمام عليه السلام على عملهم هذا، بل إنّ الإمام عليه السلام حذّرهم من الإقدام عليه، وأخبرهم صريحًا بأنّ الخلافة ليست لهم وأنّهم لن يُحقّقوا غايتهم في الوصول إليها.1

  • ثورة محمّد وإبراهيم ابني عبد الله المحض: سوء النوايا وانعدام البصيرة

  • وقد كانوا يجمعون الناس ويجذبونهم إليهم بالكذب والمكر والحيلة زاعمين أنّ محمّد بن عبد الله المحض هو المهديّ الموعود. وكان أبوهما عبد الله يأخذ البيعة من الناس علنًا لذلك المهديّ المزوّر والمسببّ للفتن، وكان يُهدّد كلّ من يمتنع عن مبايعته بالقتل والإيذاء. وقد وصلت بهم الوقاحة وقلّة الحياء في هذه المسألة إلى درجة أنّهم حبسوا الإمام الصادق عليه السلام في سجن المدينة وحجزوه في مكان إقامة البهائم2؛ لاستنكافه عن مبايعتهم، وهدّدوه بالقتل إذا حلّ الصباح ولم يتراجع عن

    1. انظر مقاتل الطالبيين لأبي الفرج الأصفهاني، ص 141: ثمّ ضرب بيده على كتف عبد الله بن الحسن وقال: إنّها والله ما هي إليك ولا إلى ابنيك ولكنّها لهم[ يشير إلى بني العباس] وإنّ ابنيك لمقتولان.
    2. وتجدر الإشارة إلى أنّ واقعة حبس بني الحسن للإمام الصادق عليه السلام قد وردت في الكافي( ج 1، ص 362) بهذه العبارة:« احبِسوهُ في المَخبأ، وذَلِكَ دارُ ريطَةَ اليومَ». والتي ذكر حولها المعلّق المحترم في التعليقة:« وفي بعض النسخ« رَبطة»؛ قيل ربطة الخيل. كما ذكر المرحوم المجلسي في بحار الأنوار( ج 47، ص 292) مجموعة من الاحتمالات بالنسبة لهذا الحديث، من جملتها أنّه قال:« في بعض النسخ بالباء الموحّدة، أي دارٌ تُربط فيها الخيل»، لكنّه احتمل أيضًا أنّ:« ريطة اسم بنت عبد الله بن محمّد بن الحنفيّة .. أمّ يحيى بن زيد؛ وفي هذه الحالة، يكون الإمام عليه السلام قد حُبس في منزلها».( م)

أسرار الملكوت ج۳

74
  • موقفه فيُبايع محمّدًا وإبراهيم. وقد أوشكت أن تقع تلك الفاجعة العُظمى بقتل إمام الشيعة، لولا تمكّن المنصور الدوانيقي من السيطرة على المدينة، وإخراج الإمام الصادق عليه السلام من السجن والاصطبل المخصصّ للبهائم؛ نعوذ بالله.1

  • إنّ ثورة بني الحسن وإقدامهم على تلك الأعمال مع وجود الإمام المعصوم عليه السلام تُعدّ نقطةً سوداء ستبقى مسطورة في تاريخ حياتهم، ولن يطرأ عليها أيّ تغيير مع مرور الزمان وتعاقب الأحداث.

  • أجل، من كان هؤلاء؟! وما كان الداعي لارتكابهم هذه الجريمة الشنيعة؟! ألم يكن شعارهم هو ادّعاء مقاومة الظلم ومناهضة النظام العبّاسيّ الجائر، ثمّ اتّخذوا ذلك الشعار مبرّرًا لقتل الإمام بالحقّ ووليّ ذلك الزمان الإمام الصادق عليه السلام، وحبسه في سجن المدينة؟!!

  • لقد سوّدت جرائم بني الحسن وجه التاريخ؛ فياللعجب! وياللمصاب الجلل! أيكون ثمنُ إقامة الحكومة والنظام الإسلاميّين هو حبسَ الإمام الصادق عليه السلام وقتلَه؟!

  • والمضحك بعد ذلك هو اعتبار بعض الخطباء أنّ ثورة بني الحسن تعدّ استمرارًا لنهضة كربلاء، وإحياءً لواقعة عاشوراء!!2

  • كار پاكان را قياس از خود مگير***گرچه باشد در نوشتن شير شير

    1. لمزيد من الاطّلاع على ثورة محمّد وإبراهيم ابني عبد الله المحض، راجع: معرفة الإمام، ج 15، ص 186 إلى 295؛ ج 16، ص 224 إلى 228 وص 269 إلى 270؛ ولاية الفقيه في حكومة الإسلام، ج 4، ص 29 إلى ص 51( م).
    2. ده گفتار( عشر مقالات)، الشهيد مطهّري، ص 258؛ مجموعة الآثار، نفسه، ج 25، ص 338.

أسرار الملكوت ج۳

75
  • [يقول: لا تزعم أنّ عملك من قبيل أعمال الصالحين المطهّرين، وإن كان ظاهرهما واحدًا متشابهًا، فإنّ التشابه بينهما لا يعدو التشابه الظاهريّ كما هو في الألفاظ المشتركة مثل كلمة «شير» بالفارسية والتي تدلّ على معنى الأسد ومعنى الحليب معًا].

  • ثورة زيد بن عليّ: حسن النوايا مع ضعف البصيرة عن درجة بصيرة المعصوم

  • وقد ثار زيد بن عليّ بن الحسين عليهما السلام بدوره على النظام الأمويّ بغير أمر من الإمام المعصوم عليه السلام ولا إجازة، وضحّى في النهاية بنفسه في هذا الطريق.

  • سجايا زيد ومرتبته في الأخبار

  • وعلى الرغم من أنّ زيدًا لم يكن كبني الحسن، بل كان حائزًا على درجات عالية في التزكية وتربية النفس والإحاطة بعلوم أهل البيت عليهم السلام، وعلى مراتب من التقوى والطهارة، لكن لا يُمكن مقارنة بصيرته ونظرته للوقائع والحوادث الخارجيّة بعلم الإمام عليه السلام وشهوده. فمع أنّه كان يمتلك نيّةً طاهرةً وضميرًا صافيًا وغيرةً إلهيّة وهمّةً عالية، وكان يُعلن أنّه سيسُلّم زمام الأمور إلى أخيه الإمام الباقر عليه السلام بعد الاستيلاء على الخلافة وقمع خلافة الجور واقتلاعها، إلّا أنّه كان يفتقد قطعًا لتلك البصيرة والرؤية الباطنيّة والإشراف على القضايا والمسائل المستورة التي يطّلع عليها الإمام المعصوم عليه السلام ويراها واضحة وضوحَ الشمس في رائعة النهار. ولهذا، فقد انخدع ببعض الموالين الطمّاعين والأنصار ذوي الإرادة المتزلزلة والمريدين الخوَنة، فاعتمد على وعودهم وبيعتهم، فسقط في فخّ المكر والحيلة الذي نُصب له من قبل حواريّيه. لكنّ الإمام عليه السلام- ولأنّه كان يمتلك عينًا باطنيّة وضميرًا مشرفًا على العالم يُتيحان له الإشراف الشهوديّ التامّ على جميع هذه الأحداث والوقائع- حذّره ومنعه من الإقدام على هذا الأمر.

  • يقول الإمام الباقر عليه السلام لأبي الصبّاح الكناني:

  • «لَئِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ هَذِهِ الْجُدْرَانَ تَحْجُبُ أَبْصَارَنَا كَمَا تَحْجُبُ أَبْصَارَكُمْ، إِذًا لا فَرْقَ بَيْنَنَا وبَيْنَكُمْ».1

    1. بحار الأنوار، ج 46، ص 248.

أسرار الملكوت ج۳

76
  • وهناك رواية منقولة عن رجل يدعى معمرًا يقول فيها:

  • كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عليه السلام، فَجَاءَ زَيْدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عليه السلام، فَأَخَذَ بِعِضَادَتَيِ الْبَابِ [ووقف عنده]، فَقَالَ لَهُ الصَّادِقُ عليه السلام: «يَا عَمِّ، أُعِيذُكَ بِاللَّهِ أَنْ تَكُونَ الْمَصْلُوبَ بِالْكُنَاسَةِ [كناسة الكوفة]».

  • فَقَالَتْ لَهُ أُمُّ زَيْدٍ [والتي كانت حاضرة]: واللَّهِ مَا يَحْمِلُكَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ غَيْرُ الْحَسَدِ لابْنِي.

  • فَقَالَ: «يَا لَيْتَهُ حَسَد، يَا لَيْتَهُ حَسَد، يَا لَيْتَهُ حَسَد» ثُمَّ قَالَ: «حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي عليهما السلام أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ وُلْدِهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ زَيْدٌ يُقْتَلُ بِالْكُوفَةِ ويُصْلَبُ بِالْكنَاسَةِ يُخْرَجُ مِنْ قَبْرِهِ نَبْشًا، تُفَتَّحُ لِرُوحِهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، يَبتَهجُ بِهِ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ، تجعَلُ رُوحُهُ فِي حَوْصَلَةِ طَيْرٍ أَخْضَرَ يَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ يَشَاءُ».1

  • وكما هو واضح، نلاحظ في هذه القصّة عدم رضا الإمام عليه السلام عن فعل زيد، لكنه يعبّر عن ذلك تلويحًا لا تصريحًا. كما تتبيّن من هذا الكلام المراتب والمقامات التي حازها حضرة زيد، وأنّه سيُشمل برحمة الله تعالى ويتنعّم بنعم الجنّة؛ وما هذا إلّا لتوفّره على نيّة طاهرة وضميرٍ صافٍ وهدف إلهي، خلافًا لبني الحسن.

  • ولهذا كان مستوجبًا- هو وأصحابه- لشمول المغفرة والرحمة الإلهيّة؛ مثلما تدلّ عليه الرواية الأخرى بوضوح، حيث يروي جابر بن يزيد الجُعفيّ عن الإمام الباقر عليه السلام عن آبائه أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال:

  • «يا حسينُ، يَخرجُ مِن صُلبِك رَجلٌ يُقالُ لَهُ زَيدٌ، يَتخطَّى هو وأصحابُه يومَ القِيامةِ رِقابَ النّاسِ غُرًّا مُحجَّلينَ يَدخلونَ الجنّةَ بِلا حِسابٍ».2

    1. الأمالي للصدوق، ص 40؛ بحار الأنوار، ج 46، ص 168.
    2. الأمالي للصدوق، ص 330؛ بحار الأنوار، ج 46، ص 170.

أسرار الملكوت ج۳

77
  • وكذلك يروي ابن قولويه قَائلًا:

  • رَوَى بَعْضُ أَصْحَابِنَا قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عليه السلام [والظاهر أنّ هذه القصّة قد حدثت بعد صلاة الصبح وبين الطلوعين]، فَكَانَ إِذَا صَلَّى الْفَجْرَ لَمْ يَتَكَلَّمْ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَجَاؤوهُ يَوْمَ وُلِدَ فِيهِ زَيْدٌ فَبَشَّرُوهُ بِهِ بَعْدَ صَلاةِ الْفَجْرِ، قَالَ فَالْتَفَتَ إِلَى أَصْحَابِهِ وقَالَ: «أَيَّ شَيْءٍ تَرَوْنَ أَنْ أُسَمِّيَ هَذَا الْمَوْلُودَ؟»

  • قَالَ: فَقَالَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ سَمِّهِ كَذَا سَمِّهِ كَذَا. قَالَ: فَقَالَ: «يَا غُلامُ، عَلَيَّ بِالْمُصْحَفِ». قَالَ: فَجَاءُوا بِالْمُصْحَفِ، فَوَضَعَهُ عَلَى حجْرِهِ قَالَ ثُمَّ فَتَحَهُ فَنَظَرَ إِلَى أَوَّلِ حَرْفٍ فِي الْوَرَقَةِ، وإِذَا فِيهِ: (وَ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ (المترفين الذين يؤثرون الراحة) أَجْراً عَظِيماً)1.

  • قَالَ: ثُمَّ طَبَقَهُ ثُمَّ فَتَحَهُ فَنَظَرَ، فَإِذَا فِي أَوَّلِ الْوَرَقَةِ:

  • (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ (والرضوان الأبدي) يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَ يُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ وَ الْقُرْآنِ وَ مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ (و فديتم أرواحكم و أموالكم في سبيله في مقابل جنّة الله و رضوانه) وَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)2.

  • ثُمَّ قَالَ: «هُوَ واللَّهِ زَيْدٌ هُوَ واللَّهِ زَيْدٌ»، فَسُمِّيَ زَيْدًا.3

  • ونُقل عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ أنّه قَالَ:

  • نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله إِلَى زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ فَقَالَ: «الْمَقْتُولُ فِي اللَّهِ والْمَصْلُوبُ فِي أُمَّتِي والْمَظْلُومُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي سَمِيُّ هَذَا»، وأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى زَيْدِ

    1. سورة النساء( 4)، ذيل الآية 95.
    2. سورة التوبة( 9)، الآية 111.
    3. بحار الأنوار، ج 46، ص 191.

أسرار الملكوت ج۳

78
  • ابْنِ حَارِثَةَ فَقَالَ: «ادْنُ مِنِّي يَا زَيْدُ! زَادَكَ اسْمُكَ عِنْدِي حُبًّا فَأَنْتَ سَمِيُّ الْحَبِيبِ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي».1

  • وقَالَ الإمام الصَّادِقُ عليه السلام لأَبِي وَلّادٍ الْكَاهِلِيِّ:

  • «رَأَيْتَ عَمِّي زَيْدًا؟». قَالَ: نَعَمْ، رَأَيْتُهُ مَصْلُوبًا ورَأَيْتُ النَّاسَ بَيْنَ شَامِتٍ حَنِقٍ وبَيْنَ مَحْزُونٍ مُحْتَرِقٍ.

  • فَقَالَ عليه السلام: «أَمَّا الْبَاكِي فَمَعَهُ فِي الْجَنَّةِ، وأَمَّا الشَّامِتُ فَشَرِيكٌ فِي دَمِهِ».2

  • لقد كان هذا قسمًا من الروايات والأخبار الواردة في شأن زيد بن عليّ ومنزلته، وكلّها تحكي عن صفاء باطنه وخلوص نيّته وغيرته الدينيّة وحرّيته في الصدع بالحقّ وإعلانه. ولهذا السبب، فإنّ أجره ومنزلته (هو والذين بلغوا معه هذه المرتبة وووصلوا إلى هذا الأفق) هو الدار الخالدة وغفران الله تعالى ورضوانه وجنّات النعيم. وأمّا الذين بايعوه، ثمّ غدروا به وتركوه وحيدًا، فسينالهم العقاب الأليم.

  • النتائج المستفادة من دراسة شخصيّة زيد وقيامه

  • ولكنّ كلامنا وحديثنا هنا هو في أنّه: هل تكفي مجرّد الحميّة والغيرة الدينيّة وصفاء النفس وخلوص النيّة من أجل تمييز الحقّ عن الباطل وتعيين مسار حركة الإنسان في طريق الحقّ من دون وجود أيّ شكّ أو شبهة؟ أم أنّ ذلك يحتاج إلى امتلاك البصيرة والاطّلاع على المصالح والمفاسد والإشراف عليها؟

  • 1. عدم كفاية الغيرة الدينيّة وصفاء النفس معيارًا للصواب

  • ومن أين لنا أن نعلم بأنّ ما يعتقد هذا الشخص بصحتّه وحقّانيته صحيحٌ وحقّ في الواقع ونفس الأمر، وأنّ ما يراه باطلًا وسقيمًا هو كذلك في الحقيقة والواقع؟!

  • 2. عدم كفاية الثورة على الظالم معيارًا للصواب

  • فلا يوجد من يشكّ في صفاء باطن وصدق طفل ذي اثنتي عشرة سنة أو ثلاث عشرة سنة، ولكن هل يسمح لنا ذلك بأن نسلّمه قيادة طائرة تحمل خمسمائة راكب؟! ونرفع أيدينا عن جميع المعايير والملاكات العقلائيّة لمجرّد صفاء نفسه ولطافة روحه؟! لو قمنا بذلك، لعدّنا الناس والعقلاء مجانين، ولكنّا كذلك فعلًا!

    1. السرائر، ج 3، ص 638؛ بحار الأنوار، ج 46، ص 192.
    2. كشف الغمّة في معرفة الأئمّة، ج 2، ص 204؛ بحار الأنوار، ج 46، ص 193.

أسرار الملكوت ج۳

79
  • وتُصبح المسألة هنا أكثر غموضًا وإبهامًا وعُرضةً للإشكال، إذ مع وجود حقيقةٍ وإمامٍ معصوم كمولانا محمّد بن عليّ الباقر عليهما السلام، واعتراف حضرة زيد بأعلميّته، كيف يُمكنه التجرّؤ على القيام بهذا الأمر الخطير وتحميل نفسه جميع التبعات والنتائج المترتّبة عليه من دون أخذ إذنٍ وترخيص من الإمام عليه السلام؟

  • ولهذا، نرى أنّ الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام لم يستحسنا قيامه بالثورة، ولم يُشجّعا الناس- وكذلك أصحابهما- على المشاركة فيها، بل عمدَا- على العكس من ذلك- إلى إبراز نوع من الكراهة وعدم الرغبة فيها أمامهم.

  • فعَنْ جَابِرٍ قَالَ:

  • سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (الإمام الباقر) عليه السلام يَقُولُ: «لا يَخْرُجُ عَلَى هِشَامٍ (بن عبد الملك) أَحَدٌ إلّا قَتَلَهُ»، فَقُلْنَا لِزَيْدٍ هَذِهِ الْمَقَالَةَ؛ فَقَالَ (زيد): إِنِّي شَهِدْتُ هِشَامًا ورَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وآله وسلّم يُسَبُّ عِنْدَهُ، فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ ولَمْ يُغَيِّرْهُ. فَوَ اللَّهِ لَوْ لَمْ يَكُنْ إلّا أَنَا وآخَرُ لَخَرَجْتُ عَلَيْهِ.1

  • وقد نُقلت في هذا الصدد رواية عن زرارة جاء فيها:

  • قَالَ لِي زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ عليه السلام وأَنَا عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام: مَا تَقُولُ يَا فَتَى فِي رَجُلٍ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ اسْتَنْصَرَكَ؟ فَقُلْتُ: إِنْ كَانَ مَفْرُوضَ الطَّاعَةِ نَصَرْتُهُ، وإِنْ كَانَ غَيْرَ مَفْرُوضِ الطَّاعَةِ فَلِي أَنْ أَفْعَلَ ولِي أَنْ لَا أَفْعَلَ.

  • فَلَمَّا خَرَجَ (من عند الإمام الصادق عليه السلام)، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: «أَخَذْتَهُ واللَّهِ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ ومَا تَرَكْتَ لَهُ مَخْرَجًا»2.

  • وقد حدث نظير هذه القصّة لأحد أصحاب الإمام الصادق عليه السلام مع زيد. يقول إسماعيل بن عبد الخالق:

    1. بحار الأنوار، ج 46، ص 192؛ كشف الغمّة، ج 2، ص 140؛ الكافي، ج 8، ص 395.
    2. بحار الأنوار، ج 46، ص 193؛ مناقب آل أبي طالب، ابن شهر آشوب، ج 1، ص 295.

أسرار الملكوت ج۳

80
  • قِيلَ لِمُؤْمِنِ الطَّاقِ: مَا الَّذِي جَرَى بَيْنَكَ وبَيْنَ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ فِي مَحْضَرِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام؟

  • قَالَ: [كنّا جلوسًا عند الإمام الصادق عليه السلام ف-] قَالَ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: يَا مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ، بَلَغَنِي أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّ فِي آلِ مُحَمَّدٍ إِمَامًا مُفْتَرَضَ الطَّاعَةِ.

  • قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ وكَانَ أَبُوكَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ أَحَدَهُمْ.

  • فَقَالَ: وكَيْفَ [يمكن القبول بهذا الأمر] وقَدْ كَانَ يُؤْتَى بِلُقْمَةٍ وهِيَ حَارَّةٌ فَيُبَرِّدُهَا بِيَدِهِ، ثُمَّ يُلْقِمُنِيهَا؛ أَفَتَرَى أَنَّهُ كَانَ يُشْفِقُ عَلَيَّ مِنْ حَرِّ اللُّقْمَةِ ولا يُشْفِقُ عَلَيَّ مِنْ حَرِّ النَّارِ؟!

  • قَالَ: قُلْتُ لَهُ: كَرِهَ أَنْ يُخْبِرَكَ [بحقيقة المسألة] فَتَكْفُرَ، ولَا يَكُونَ لَهُ فِيكَ الشَّفَاعَةُ، ولا فِيكَ الْمَشِيئَةُ.

  • فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام: «أَخَذْتَهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ومِنْ خَلْفِهِ فَمَا تَرَكْتَ لَهُ مَخْرَجًا».1

  • كما نُقلت حكاية في هذا المجال أيضًا عن أبي الصبّاح الكناني لا يخلو ذكرُها من لطف، حيث يقول:

  • جَاءَنِي سَدِيرٌ، فَقَالَ لِي: إِنَّ زَيْدًا تَبَرَّأَ مِنْكَ. قَالَ [أبو الصبّاح]: فَأَخَذْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي قَالَ [سدير]: وَكَانَ أَبُو الصَّبَّاحِ رَجُلًا ضَارِيًا [مِنطيقًا صريح اللهجة]. قَالَ: فَأَتَيْتُهُ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ وسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا الْحُسَيْنِ،2 بَلَغَنِي أَنَّكَ قُلْتَ: الأَئِمَّةُ [بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم] أَرْبَعَةٌ ثَلَاثَةٌ مَضَوْا، والرَّابِعُ هُوَ الْقَائِمُ.

  • قَالَ زَيْدٌ: هَكَذَا قُلْتُ.

    1. بحار الأنوار، ج 46، ص 193؛ رجال الكشّي، ص 186.
    2. كان زيد بن علي يُكنّى بأبي الحسين.

أسرار الملكوت ج۳

81
  • قَالَ [أبو الصبّاح]: فَقُلْتُ لِزَيْدٍ: هَلْ تَذْكُرُ قَوْلَكَ لِي بِالْمَدِينَةِ فِي حَيَاةِ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام وأَنْتَ تَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَىقَضَى فِي كِتَابِهِ أَنَّهُ (وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً)،1 وإِنَّمَا الأَئِمَّةُ وُلاةُ الدَّمِ [أي دم المظلوم] وأَهْلُ الْبَابِ [أي باب مدينة علم النبيّ]؛ فَهَذَا أَبُو جَعْفَرٍ الإِمَامُ، فَإِنْ حَدَثَ بِهِ حَدَثٌ، فَإِنَّ فِينَا خَلَفًا».

  • وَقَالَ [زيد]- وكَانَ يَسْمَعُ مِنِّي خُطَبَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام-: «وأَنَا أَقُولُ فَلا تُعَلِّمُوهُمْ فَهُمْ أَعْلَمُ مِنْكُمْ»، فَقَالَ لِي: أَمَا تَذْكُرُ هَذَا الْقَوْلَ؟

  • فَقُلْتُ: فَإِنَّ مِنْكُمْ مَنْ هُوَ كَذَلِكَ [أي هو الإمام الآن وأعلم الناس من أهل بيتكم]؟

  • ثُمَّ قَالَ [أبو الصبّاح]: ثُمَّ خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِهِ، فَتَهَيَّأْتُ وهَيَّأْتُ رَاحِلَةً ومَضَيْتُ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام ودَخَلْتُ عَلَيْهِ وقَصَصْتُ عَلَيْهِ مَا جَرَى بَيْنِي وبَيْنَ زَيْدٍ.

  • فَقَالَ [عليه السلام]: «أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ابْتَلَى زَيْدًا، فَخَرَجَ مِنَّا سَيْفَانِ آخَرَانِ، بِأَيِّ شَيْءٍ تَعْرِفُ أَيُّ السُّيُوفِ سَيْفُ الْحَقِّ؟ واللَّهِ مَا هُوَ كَمَا قَالَ، ولَئِنْ خَرَجَ، لَيُقْتَلَنَ».

  • قَالَ [أبو الصبّاح]: فَرَجَعْتُ [من عند الإمام عليه السلام]، فَانْتَهَيْتُ إِلَى الْقَادِسِيَّةِ، فَاسْتَقْبَلَنِي الْخَبَرُ بِقَتْلِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ.2

  • وقد ذكر المرحوم المجلسي- رحمة الله عليه- في ذيل هذه الحكاية بيانًا جميلًا يقول فيه:

  • وحاصل كلامه عليه السلام: أنّ محض الخروج بالسيف مِن كلّ من انتسب

    1. سورة الإسراء( 17)، مقطع من الآية 33.
    2. رجال الكشّي، ص 350؛ بحار الأنوار، ج 46، ص 194.

أسرار الملكوت ج۳

82
  • إلى هذا البيت [النبويّ] ليس دليلًا على حقّيته وأنّه القائم [بأمر الله وشريعته، فقد يكون ذلك الشخص سالكًا طريق الضلالة والهلاك]، بل لا بدّ لذلك [أي لتمييز الحقّ من بين الاثنين] من علامات ودلالات ومعجزات. ولو كان كذلك [ووجب علينا اتّباع كل شخص ينتمي لأهل بيت الرسول ثار بالسيف على نظام الظلم والجور واتّخاذُه كقائد وإمام]، فإذا فُرض أنّه خرج في هذا الزمان رجلان أيضًا [أو أكثر] من أهل هذا البيت بالسيف معارضين له، فكيف يُعرف أيّهم على الحقّ؟ فظهر أنّ الخروج بالسيف فقط ليس علامة للحقّية ولزوم الغلبة ووجوب متابعة الناس له وكونه المهدي والقائم. وفرض السيفين لكثرة الاشتباه؛ فيكون أتمّ في الدلالة على المراد [وبطلان أحدهما أو كليهما].1

  • ويقول راقم هذه السطور: إنّ صحّة كلام الإمام عليه السلام قد تجلّت أمام أعين الناس وأمام أعيننا مرارًا وتكرارًا عبر التاريخ، فقد رأينا بأمّ أعيننا كيف أنّ أولئك الذين يعدّون أنفسهم في شعاراتهم وفيما يعلنونه عن أنفسهم من مقارعي الظلم والفساد والاستكبار، رأينا أنّهم حينما يتقدّم عليهم منافس في هذا الميدان، فإنّ المجابهة مع الخارج تتبدّل إلى نزاع مع المنافس الداخليّ، وإلى سباب وشتائم ومخاصمات ومحاولات لتحطيم المقابل وسحقه، وأنّ حقيقة المسألة تنقلب من تلك الحالة الأولى إلى الحالة الثانية.

  • لقد تجلّى بوضوح أنّ مجرّد الثورة المسلّحة ومحاربة الكفر والظلم- مهما كانت حالة من يصدر عنه ذلك- لا تدلّ أبدًا على استقامة المسير وصحّة الطريق وإتقانه ولا تكشف عن الحقّانية في التصرّفات وإدارة أمور الدولة والرعيّة.

  • ويُؤيّد هذه المسألة ويُؤكّدها ما جرى بين زيد بن عليّ وبين أخيه الإمام الباقر عليه السلام حيث أقام الإمام الحجّةَ عليه، وناقل ذلك هو الإمام الباقر عليه السلام بنفسه حيث رُوي:

    1. بحار الأنوار، ج 46، ص 196.

أسرار الملكوت ج۳

83
  • أنَّ زَيْدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ دَخَلَ عَلَى أبي جعفر محمّد بن عليّ ومَعَهُ كُتُبٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ يَدْعُونَهُ فِيهَا إِلَى أَنْفُسِهِمْ ويُخْبِرُونَهُ بِاجْتِمَاعِهِمْ ويَأْمُرُونَهُ بِالْخُرُوجِ.

  • فَقَالَ لَهُ أَبُو جَعْفَرٍ عليه السلام: «هَذِهِ الْكُتُبُ ابْتِدَاءٌ مِنْهُمْ أَوْ جَوَابُ مَا كَتَبْتَ بِهِ إِلَيْهِمْ وَدَعَوْتَهُمْ إِلَيْهِ [من نصرتك والثورة على نظام الخلافة]؟!».

  • فَقَالَ [زيد]: بَلِ ابْتِدَاءٌ مِنَ الْقَوْمِ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِحَقِّنَا وبِقَرَابَتِنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلّم، ولِمَا يَجِدُونَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِنْ وُجُوبِ مَوَدَّتِنَا وفَرْضِ طَاعَتِنَا، ولِمَا نَحْنُ فِيهِ مِنَ الضِّيقِ والضَّنْكِ والْبَلاءِ.

  • فَقَالَ لَهُ أَبُو جَعْفَرٍ عليه السلام: «إِنَّ الطَّاعَةَ مَفْرُوضَةٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وسُنَّةٌ أَمْضَاهَا فِي الأَوَّلِينَ، وكَذَلِكَ يُجْرِيهَا فِي الآخِرِينَ، والطَّاعَةُ لِوَاحِدٍ مِنَّا والْمَوَدَّةُ لِلْجَمِيعِ [أي لجميع المنتسبين لرسول الله]، وأَمْرُ اللَّهِ يَجْرِي لأَوْلِيَائِه [وهم المعصومون عليهم السلام، فهم وحدهم من يمتلك الأهليّة لمقام الأمر والنهي من قبل الله تعالى] بِحُكْمٍ مَوْصُولٍ وقَضَاءٍ مَفْصُولٍ وحَتْمٍ مَقْضِيٍّ وقَدَرٍ مَقْدُورٍ وأَجَلٍ مُسَمًّى لِوَقْتٍ مَعْلُومٍ؛ فَ- (لا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ)1؛ (إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً)2؛ (فَلا تَعْجَلْ)3؛ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَعْجَلُ لِعَجَلَةِ الْعِبَادِ، ولا تَسْبِقَنَّ اللَّهَ فَتُعْجِزَكَ الْبَلِيَّةُ فَتَصْرَعَكَ!»

  • قَالَ: فَغَضِبَ زَيْدٌ عِنْدَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: لَيْسَ الإِمَامُ مِنَّا مَنْ جَلَسَ فِي بَيْتِهِ، وأَرْخَى سِتْرَهُ، وثَبَّطَ عَنِ الْجِهَادِ، ولَكِنَّ الإِمَامَ مِنَّا مَنْ مَنَعَ حَوْزَتَهُ [عن أن تناله أيدي الأغيار]، وجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ، ودَفَعَ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وذَبَّ عَنْ حَرِيمِهِ.

  • قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ عليه السلام: «هَلْ تَعْرِفُ يَا أَخِي مِنْ نَفْسِكَ شَيْئًا مِمَّا نَسَبْتَهَا إِلَيْهِ فَتَجِيءَ عَلَيْهِ بِشَاهِدٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَوْ حُجَّةٍ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه

    1. سورة الروم( 30)، ذيل الآية 60.
    2. سورة الجاثية( 45)، صدر الآية 19.
    3. سورة مريم( 19)، صدر الآية 84.

أسرار الملكوت ج۳

84
  • وآله وسلّم، أَوْ تَضْرِبَ بِهِ مَثَلًا؟! فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أَحَلَّ حَلالًا وحَرَّمَ حَرَامًا وفَرَضَ فَرَائِضَ وضَرَبَ أَمْثَالًا وسَنَّ سُنَنًا، ولَمْ يَجْعَلِ الإِمَامَ الْقَائِمَ بِأَمْرِهِ فِي شُبْهَةٍ فِيمَا فَرَضَ لَهُ مِنَ الطَّاعَةِ [والتكاليف والمسائل الاجتماعيّة وغيرها؛ لأنّ نفس الشكّ والاشتباه في التكليف مساوٍ للسقوط من مقام الإمامة والولاية، وإنما لم يجعله كذلك منعًا من] أَنْ يَسْبِقَهُ بِأَمْرٍ قَبْلَ مَحَلِّهِ أَوْ يُجَاهِدَ فِيهِ قَبْلَ حُلُولِهِ؛ وقَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ فِي الصَّيْدِ (لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ)1، أَفَقَتْلُ الصَّيْدِ أَعْظَمُ أَمْ قَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ؟ وجَعَلَ لِكُلِّ شَيْءٍ مَحَلّاً، وقَالَ عَزَّ وجَلَ (وَ إِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا)2 وقَالَ عَزَّ وجَلَّ: (لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَ لَا الشَّهْرَ الْحَرامَ)3، فَجَعَلَ الشُّهُورَ عِدَّةً مَعْلُومَةً فَجَعَلَ فِيهَا أَرْبَعَةً حُرُمًا وقَالَ: (فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ)4، ثُمَّ قَالَ تَبَارَكَ وتَعَالَى: (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ)5، فَجَعَلَ لِذَلِكَ مَحَلًا [فحتّى قتال المشركين لا يجوز أن يقوم به الإنسان من تلقاء نفسه وبلا داع أو سبب ومن دون حساب دقيق] وقَالَ: (وَ لا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ)6، فَجَعَلَ لِكُلِّ شَيْءٍ مَحَلّا ولِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابًا؛ فَإِنْ كُنْتَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكَ ويَقِينٍ مِنْ أَمْرِكَ وتِبْيَانٍ مِنْ شَأْنِكَ فَشَأْنَكَ، وإِلّا فَلا تَرُومَنَّ أَمْرًا أَنْتَ مِنْهُ فِي شَكٍّ وشُبْهَةٍ، ولا تَتَعَاطَ زَوَالَ مُلْكٍ لَمْ يَنْقَضِ أُكُلُهُ ولَمْ يَنْقَطِعْ مَدَاهُ ولَمْ يَبْلُغِ الْكِتَابُ أَجَلَهُ. فَلَوْ قَدْ بَلَغَ مَدَاهُ وانْقَطَعَ أُكُلُهُ وبَلَغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ، لانْقَطَعَ الْفَصْلُ وتَتَابُعُ النِّظَامِ

    1. سورة المائدة( 5)، مقطع من الآية 95.
    2. سورة المائدة( 5)، مقطع من الآية 2.
    3. سورة المائدة( 5)، مقطع من الآية 2.
    4. سورة التوبة( 9)، صدر الآية 2.
    5. سورة التوبة( 9)، صدر الآية 5.
    6. سورة البقرة( 2)، مقطع من الآية 235.

أسرار الملكوت ج۳

85
  • [وانقلبت الأحوال وتبدّلت الأوضاع؛ لأنّها ستفقد مواضعها المناسبة ومحالّها المعيّنة] ولأَعْقَبَ اللَّهُ فِي التَّابِعِ والْمَتْبُوعِ الذُّلَّ والصَّغَارَ. أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ إِمَامٍ ضَلَّ عَنْ وَقْتِهِ [وقائد عديم القدرة عن تحديد الزمان المناسب]، فَكَانَ التَّابِعُ فِيهِ أَعْلَمَ مِنَ الْمَتْبُوعِ.

  • أَتُرِيدُ يَا أَخِي أَنْ تُحْيِيَ مِلَّةَ قَوْمٍ قَدْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وعَصَوْا رَسُولَهُ واتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ وادَّعَوُا الْخِلافَةَ بِلا بُرْهَانٍ مِنَ اللَّهِ ولا عَهْدٍ مِنْ رَسُولِهِ؟! أُعِيذُكَ بِاللَّهِ يَا أَخِي أَنْ تَكُونَ غَدًا الْمَصْلُوبَ بِالْكُنَاسَةِ».

  • ثُمَّ ارْفَضَّتْ عَيْنَاهُ وسَالَتْ دُمُوعُهُ ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُ بَيْنَنَا وبَيْنَ مَنْ هَتَكَ سِتْرَنَا وجَحَدَنَا حَقَّنَا وأَفْشَى سِرَّنَا ونَسَبَنَا إِلَى غَيْرِ جَدِّنَا وقَالَ فِينَا مَا لَمْ نَقُلْهُ فِي أَنْفُسِنَا».1

  • 3. الإمام المعصوم هو معيار الصواب

  • ففي هذه الرواية، يقوم الإمام الباقر عليه السلام بكلّ وضوح بتخطئة منهج زيدبن عليّ ومسلكه بغير غموض أو إبهام، ويعدّه مفتقدًا لأيّة حجّة أو برهان من قبل الله تعالى.

  • والنقطة الحسّاسة جدًّا والجديرة بالتأمّل في كلام الإمام عليه السلام هي عدم قدرة غير الإمام المعصوم عليه السلام على تمييز الصلاح من الفساد، والقيام من القعود، والحركة من السكون، والتكلّم من السكوت، ولو صاح بأعلى صوته لآلاف المرّات بأنّه الأعلم من الجميع والأكثر اطّلاعًا على المصالح، وبأنّه لا يوجد من يُضاهيه في المقام والمنزلة.

  • يشير الإمام عليه السلام في هذه القضيّة إلى مسألة دقيقة، وهي أنّ نظام الوجود يطوي مسيرته على أساس نظام خاصّ وتدبير معيّن حسب ما تقتضيه مشيئة الله وتقديره، وليس بمقدور أيّ أحد سوى الإمام المعصوم عليه السلام أن يطّلع على هذا

    1. الكافي، ج 1، ص 356؛ بحار الأنوار، ج 46، ص 203.

أسرار الملكوت ج۳

86
  • التقدير ويعرف ذاك التدبير ويحدّد هذه المشيئة. وبحسب هذا الإشراف والاطّلاع، ستختلف نوعيّة التكاليف وطريقة التصرّفات وشكل الأوامر والنواهي: فقد يأمر اليومَ رجلًا بفعل معيّن، ثمّ يُحذّره في الغد من القيام به، ولو ظلّ ذلك الرجل يُفكّر إلى يوم القيامة، فلن يتمكّن من التعرّف على حكمة هذا الاختلاف وعلّته. أو قد يأمر الإمام رجلًا بفعل معيّن، وينهى آخرَ عن القيام به، مع أنّه قد يبدو في الظاهر أنّه أصلح له وأرجح؛ ممّا يُؤدّي إلى تعجّب الجميع ووقوعهم في الحيرة. ولهذا، كان الكثيرون يعترضون على أفعال الأئمّة عليهم السلام وتصرّفاتهم، وحتّى على أولياء الله تعالى، وقد يُخطّؤونهم ويرَون أنفسهم محقّين في هذه الأحكام.

  • نلاحظ أنّ الأئمّة عليهم السلام كانوا يتعاملون مع الخلفاء والحكّام بأساليب مختلفة؛ ففي بعض المواضع نجدهم يسلكون معهم سبيل اللين واللطف، وفي بعض الأحيان سبيل التهديد والتوبيخ، وفي بعض الموارد ينهجون نهج عدم الاهتمام بشؤونهم، وفي بعض المواطن يتدخّلون في تصرّفاتهم. كما نشاهد أنّهم يُشجّعون في عصر من العصور على إحياء أمر الولاية والبحث والمناظرة مع المخالفين، بينما نراهم في عصور أخرى يأمرون بالتقيّة والتكتّم على الأسرار وعدم التكلّم أمام الملأ العامّ، واجتناب نشر معارف أهل البيت عليهم السلام علنًا وظاهرًا.

  • نرى في خلافة عثمان أنّ الإمام عليه السلام قد نهى مؤكّدًا عن قتله، بينما نراه بعد مقتله يحثّ على القضاء على معاوية والإطاحة بحُكومة الشام.

  • ويُطالعنا صُلح الإمام الحسن عليه السلام بعد شهادة أمير المؤمنين عليه السلام، وكذا السنوات العشرُ من صبر الإمام الحسين عليه السلام وصموده بعد شهادة الإمام الحسن عليه السلام، بينما نرى أنّ نفس هذا الإمام المعصوم يُعلن- بعد موت معاوية- الحرب والجهاد ضدّ يزيد، صادحًا بنداء: «فَمَن كَان يَرجُو لِقَاءَ اللهِ [لقاء معرفة بالنورانيّة والحقيقة والتوحيد]، فَليَرحلْ مَعَنَا [فإنّا راحلون إلى لقائه]»1، وهكذا.

    1. اللهوف، ص 61:« من كان باذلًا فينا مهجتَه ومُوَطّنًا على لقاء الله نفسه، فَليرحل معنا».

أسرار الملكوت ج۳

87
  • وبناءً عليه، كيف يُمكن لنا- ولأمثالنا- تشخيص ما هو الصحيح والأصلح عند تنازع الأحداث وبروز الشبهات وتشابه القضايا، مع ما هي عليه من اختلاف جوهريّ في متن الواقع وحقيقة الأمر، لكي نستطيع بعد ذلك- بضرس قاطع وإرادة متينة وعزمٍ راسخ- أن نُمسك بزمام أنفسنا وزمام المجتمع، ونسوق المؤمنين والشباب البسطاء والأشخاص السذّج والرعيّة التي تفتقد للنضج نحو صلاحها وإلى ما يرضي الله تعالى وإمام زماننا، ونتمكّن بذلك من الخروج من عهدة المسؤوليّة والحساب في يوم القيامة والدار الآخرة؟!

  • ففي الحالة التي نجهر فيها بالكلام، هل ينبغي علينا في الواقع ونفس الأمر أن نتكلّم، أم ينبغي علينا أن نختار السكوت؟! وحينما نلجأ للسكوت والمداراة، هل يجب علينا في الواقع أن نقوم بذلك، أم علينا اللجوء للشدّة والعنف؟! وعندما ندعو الناس للجهاد والحرب، فهل ينبغي في الحقيقة أن يكون الأمر كذلك، أم أنّ التكليف والمصلحة يفرضان علينا في تلك المرحلة العمل بالمداراة والرفق والهدوء؟! فلا مزاح ولا هزال في هذه المسائل، ولا ينبغي أن نمرّ عليها مرور الكرام!

  • لقد ثبت اليوم صدق كلمات الإمام محمّد بن عليّ الباقر عليهما السلام وصارت صحّتها محرزة لدى الجميع كالشمس في رائعة النهار، ولقد اتّضح كلام الإمام المعصوم وعصمته وإعجازه للجميع بشكل واضح، ولقد صارت حقيقة تلك المطالب العالية والراقية متلألئة وظاهرة كالشمس في وسط السماء، إلّا إذا قمنا بنفيها وإنكارها عن عناد وخصومة وتجاهل، ووقفنا في مقام ردعها ودفعها من خلال التوجيهات الواهية والتأويلات النفسانيّة.

  • سأل أحد الزيْديّة (وهم القائلون بإمامة زيْد بن علي بعد الإمام السجّاد عليه السلام) الشيخَ المفيد طالباً للفتنة، فقال:

  • بأيّ شيء استجزت إنكار إمامة زيد؟

  • فقال الشيخ المفيد: إنّك قد ظننت عليّ ظنًّا باطلًا وقولي في زيد لا يخالفني

أسرار الملكوت ج۳

88
  • فيه أحد من الزيديّة.

  • فقال: وما مذهبك فيه؟

  • قال الشيخ: أثبت من إمامته ما تثبته الزيدية وأنفي عنه من ذلك ما تنفيه، وأقول كان إمامًا في العلم والزهد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنفي عنه الإمامة الموجبة لصاحبها العصمة والنصّ والمعجز، فهذا ما لا يخالفني عليه أحد.1

  • وحقيقة الأمر هي ما ذكره، فحيث يكون الإمام المعصوم عليه السلام فلا مكان لغيره، أيًّا يكن ذلك الغير، وهنا بيت القصيد، فحيث يمكن استماع كلام الإمام المعصوم عليه السلام، ويكون حضوره مقدورًا للإنسان، فبأي مجوّز ومسوّغ يستطيع الإنسان أن يخوض بنفسه في المسائل الخطيرة العظيمة كالجهاد وقتال المخالفين، ويضع نفسه ومن ينتسب إليه في معرض الهلاك والاضمحلال؟

  • ذات يوم، قال لي الوالد المرحوم العلّامة الطهراني قدّس الله سرّه:

  • يقال: إنّ «نادر شاه»2 كان يحسن فتح البلدان، ولكنّه لم يكن يحسن إدارتها وحكمها.

    1. المناقب، ابن شهر آشوب، ج 1، ص 260؛ بحار الأنوار، ج 46، ص 190.
    2. نادر شاه أفشار( التركماني) ويعرف كذلك باسم« طهْماسْب قلي خان»( 1698- 1747 م)، شاه إيران من عام 1736 م إلى عام 1747 م، ومؤسس الأسرة الأفشارية التي حكمت إيران. وكان قبل ذلك قائدًا عسكريًّا عبقريًّا لآخر الملوك الصفويين، ويصفه بعض المؤرخين بأنه كان نابليون بلاد الفرس أو الإسكندر الثاني. كان له الفضل في حركة المقاومة العسكرية لتحرير إيران من الاحتلال الأفغاني منطلقًا من مدينة« مشهد»، وبعد نجاحه انتهى به الأمر إلى أن نصب نفسه شاهًا وأخذ اسم نادر شاه..
      يعتبر نادر شاه واحدًا من أكبر الغزاة الفاتحين في تاريخ إيران الحديث حيث قام عام 1737 م بالاستيلاء على أفغانستان وبعض الأجزاء من وسط آسيا، ثمّ قاد حملة( 1738- 1739 م) إلى الهند، تمكن فيها من الاستيلاء على دلهي في 21 آذار 1738، حيث نهب دلهي واستولى على مجوهرات عرش الطاووس.
      انتصر في معاركه ضد الأفغان، والعثمانيين، والروس والمغول. وقد تمثّل خطى الفاتحين العظام من وسط آسيا: جنگيز خان وتيمورلنك، وحاول أن يقلد إنجازاتهم العسكرية وفظاعاتهم أثناء حكمه. لقد جعلت منه انتصاراته أقوى حاكم في الشرق الأوسط ولكن لفترة وجيزة حيث إنّ امبراطوريته ما لبثت أن تفككت بسرعة بعد اغتياله عام 1747.( م)

أسرار الملكوت ج۳

89
  • ويروي أبو بصير عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال:

  • «اتقوا الله [فلا تقدموا على شيء استنادًا إلى رغباتكم الخاصّة]، وعليكم بالطاعة لأئمّتكم، قولوا ما يقولون، واصمُتوا عمّا صمَتوا، فإنّكم في سُلطانِ مَن قال الله تعالى: (وَ إِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ)1 يعني بذلك وُلدَ العبّاس، فاتقوا الله، فإنّكم في هُدْنة، صلّوا في عشائِرهم، واشهدوا جنائزهم، وأدّوا الأمانة إليهم».2

  • ومن المناسب في المقام أن ننقل رواية لطيفة حول شخصيّة أصحاب الأئمّة عليهم السلامّ ومكانتهم؛ فقد نقل في كتاب مناقب ابن شهر آشوب عن المأمون الرقّي، أنّه قال:

  • كنت عند سيّدي الإمام الصادق عليه السلام إذ دخل سهل بن حسن الخراساني فسلّم عليه ثم جلس، فقال له: يا ابن رسول الله، لكم الرأفة والرحمة وأنتم أهل بيت الإمامة، ما الذي يمنعك أن يكون لك حقّ تقعد عنه وأنت تجد من شيعتك مائة ألف يضربون بين يديك بالسيف؟

  • فقال له عليه السلام: «اجلس يا خراساني! رعى الله حقك».

  • ثم قال: «يا حنفية، اسجري التنّور». فسجرته حتى صار كالجمرة وابيض علوه. ثم قال عليه السلام: «يا خراساني، قم فاجلس في التنور».

  • فقال الخراساني: يا سيّدي، يا ابن رسول الله! لا تعذبّني بالنار، أقلني أقالك الله!

  • قال عليه السلام: «قد أقلتك».

  • فبينما نحن كذلك إذ أقبل هارون المكيّ ونعله في سبّابته، فقال: السلام عليك يا ابن رسول الله.

    1. سورة إبراهيم( 14)، ذيل الآية 46.
    2. الأمالي، الشيخ الطوسي، ص 667؛ بحار الأنوار، ج 47، ص 162.

أسرار الملكوت ج۳

90
  • فقال له الإمام الصادق عليه السلام: «ألْق النعل من يدك واجلس في التنور!».

  • قال فألقى النعْل من سبّابته ثم جلس في التنّور. وأقبل الإمام عليه السلام يحدّث الخراساني حديث خراسان حتّى كأنّه شاهد لها، ثمّ قال عليه السلام: «قمْ يا خراسانيّ وانظر ما في التنّور».

  • قال: فقمت إليه فرأيته متربّعًا، فخرج إلينا وسلّم علينا.

  • فقال له الإمام عليه السلام: «كم تجد بخراسان مثل هذا؟»

  • فقلتُ: والله ولا واحدًا.

  • فقال عليه السلام: «لا والله ولا واحدًا، أما إنّا لا نخرج في زمان لا نجد فيه خمسة معاضدين لنا، نحن أعلم بالوقت».1

  • ولذا نرى الإمام الصادق عليه السلام يحذّر عمّه زيدًا من القيام وينهاه عنه مبيّنًا له أنّ الوقت لم يحن بعد لتكون الحكومة والخلافة لأهل البيت.

  • يقول معتب:

  • قرع باب مولاي الإمام الصادق عليه السلام، فخرجت فإذا زيد بن علي، فقال الإمام الصادق عليه السلام لجلسائه: ادخلوا هذا البيت وردوا الباب، ولا يتكلّم منكم أحد، فلما دخل قام إليه فاعتنقا وجلسا طويلًا يتشاوران، ثمّ علا الكلام بينهما، فقال زيد: دع ذا عنك يا جعفر، فو الله لئن لم تمدّ يدك حتى أبايعك أو هذه يدي فبايعني، لأتعبنّك ولأكلفنّك ما لا تطيق؛ فقد تركتَ الجهاد، وأخلدتَ إلى الخفض، وأرخيتَ الستر، واحتويتَ على مال الشرق والغرب!

  • فقال الإمام الصادق عليه السلام: «يرحمك الله يا عَم، يغفر لك الله يا عم، يغفر لك الله يا عم». وزيد يسمعه ويقول: موعدنا (الصُّبْحُ أَ لَيْسَ الصُّبْحُ

    1. المناقب، ابن شهر آشوب، ج 4، ص 237؛ بحار الأنوار، ج 47، ص 123.

أسرار الملكوت ج۳

91
  • بِقَرِيبٍ)1، ومضى فتكلّم الناس في ذلك.

  • فقال الإمام الصادق عليه السلام: «مه، لا تقولوا لعمّي زيد إلّا خيرًا، رحم الله عمّي فلو ظفر لوفّى».

  • فلما كان في السحر قرع الباب، ففتحت له الباب فدخل يشهق ويبكي ويقول: ارحمني يا جعفر يرحمك الله، ارض عنّي يا جعفر رضي الله عنك، اغفر لي يا جعفر غفر الله لك. فقال الإمام الصادق عليه السلام: «غفر الله لك ورحمك ورضي عنك، فما الخبر يا عمّ؟».

  • قال زيد: نمت فرأيت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم داخلًا عليّ، وعن يمينه الحسن وعن يساره الحسين، وفاطمة خلفه وعليّ أمامه، وبيده حربة تلتهب التهابًا كأنّها نار، وهو يقول: «إيهاً يا زيد! آذيت رسول الله في جعفر، والله لئن لم يرحمك ويغفر لك ويرض عنك، لأرميّنك بهذه الحربة، فلأضعها بين كتفيك ثم لأخرجها من صدرك». فانتبهت فزعًا مرعوبًا فصرت إليك، فارحمني يرحمك الله.

  • فقال الإمام الصادق عليه السلام: «رضي الله عنك وغفر الله لك. أوصني فإنّك مقتول مصلوب محروق بالنار». فوصّى زيد بعياله وأولاده وقضاء الدين عنه.2

  • وفي هذا المقام ينقل المرحوم المجلسي أيضًا رواية عن مناقب ابن شهر آشوب حيث يقول:

  • ويروى أنّ زيد بن علي لمّا عزم على البيعة، قال له أبو جعفر عليه السلام: «يا زيد، إنّ مثل القائم من أهل هذا البيت قبل قيام مهديِّهم، مثل فَرخٍ نهض من عُشّه مِن غير أن يستوي جناحاه، فإذا فعل ذلك سقط فأخذه الصبيان

    1. سورة هود( 11)، ذيل الآية 81.
    2. المناقب، ابن شهر آشوب، ج 4، ص 224؛ بحار الأنوار، ج 47، ص 128.

أسرار الملكوت ج۳

92
  • يتلاعبون به، فاتق الله في نفسك أن تكون المصلوب غدا بالكُناسة!» فكان كما قال.1

  • 4. خطأ من ادّعى أنّ النهي عن القيام والخروج في عصر الغيبة متعلّق بمدّعي المهدوية فقط

  • وتخالف هذه الرواية عقيدة من يقول: «إنّ النهي الوارد على لسان الأئمّة عليهم السلام عن الجهاد والخروج قبل قيام الإمام المهدي عجّل الله فرجه الشريف يتعلّق بمدّعي المهدويّة ولا يشمل الثورات التي هي كثورة زيد»، فهذه الرواية تصرّح بالنهي عن الخروج حتّى لغير مدّعي المهدويّة؛ لأنّ محمّدًا وإبراهيم ابني عبد الله المحض كانا من مدّعي المهدويّة التي ورد ذكرها على الألسن وفي الأخبار، أمّا زيد فهو خلافًا لهما لم يدّع المهدويّة قطعًا، بل كان يريد أن يسلّم الخلافة إلى أخيه الإمام الباقر عليه السلام.

  • إذن، لقد قال الإمام عليه السلام في هذه الرواية له صراحةً: إنّ ثورتك لن تأتي بأيّ نتيجة، وإنّك ومن معك ستقتلون جميعًا، وإنّ الحكومة ستستمرّ على حالها ولن يتغيّر شيء أيضًا.

  • كان زيد رجلًا عالمًا وفقيهًا وزاهدًا وعارفًا بالقرآن والأحكام والتكاليف، وكان يتمتّع بصفاء باطن وخلوص نيّة، وكان يشير في أحاديثه التي كانت بينه وبين أخيه الإمام الباقر وابن أخيه الإمام الصادق عليهما السلام إلى ضرورة رفع الظلم، ووجوب القيام ضد الاستبداد، ولزوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإحقاق الحقّ وإماتة الظلم والجور، ومع ذلك كان الإمام عليه السلام يجيبه في تلك الحالة بأنّ جميع ما تذكره لتبرير قيامكم وخروجكم لا يتعلّق بهذا الزمان الحالي، بل يتعلّق بالأرضيّة المناسبة التي سوف تتيسّر فقط في زمان قيام مهديّنا عجّل الله فرجه الشريف. وهذه النكتة جديرة بالتأمّل والتدقيق.

  • إنّ كلام الإمام عليه السلام لم يكن قبل استدلال زيد وأمثال زيد على وجوب دفع الظلم والجور، بل كان بعده؛ وعليه، كيف لنا أن نتجاهل هذه النكتة المهمّة للغاية، ونقوم بحمل هذه الروايات على الخروج والقيام الذي يكون تحت عنوان المهدويّة.

    1. المناقب، ابن شهر آشوب، ج 4، ص 188؛ بحار الأنوار، ج 47، ص 263.

أسرار الملكوت ج۳

93
  • وليست هذه الأخبار بالواحدة أو الاثنتين حتّى يتسنّى لنا أن نخدش في سندها أو دلالتها، كما يقول البعض: «يجب أن نضرب بها عَرْض الحائط؛ لأنّها مخالفة للآيات وللقرآن الكريم!!؟»

  • وستتّضح حقيقة هذا الأمر إذا التفتنا إلى ما طلبه زيد من الإمام الباقر عليه السلام، فقد ورد في عيون أخبار الرضا بسند متّصل إلى أبي نضرة قال:

  • لمّا احتضر أبو جعفر محمّد بن عليّ الباقر عليهما السلام عند الوفاة، دعا بابنه الصادق عليه السلام ليعهد إليه عهدًا، فقال له أخوه زيد بن علي: لو امتثلت فيّ تِمثال الحسن والحسين عليهما السلام [أي في انتقال الإمامة من أخ إلى أخ لا إلى ابن]، لرجوتُ أن لا تكون أتيت منكرًا.

  • فقال له الإمام الباقر عليه السلام:

  • «يا أبا الحسين، إنّ الأمانات ليست بالمثال، ولا العهود بالرسوم، وإنّما هي أمور سابقة عن حجج الله تبارك وتعالى».

  • ثمّ دعا الإمام عليه السلام بجابر بن عبد الله الأنصاري، فقال له: «يا جابر، حدّثنا بما عاينت من الصحيفة الفاطميّة».

  • فقال له جابر: نعم يا أبا جعفر، دخلت على مولاتي فاطمة بنت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لأهنّئها بمولودها الحسين عليه السلام، فإذا بيديها صحيفة بيضاء من درّة، فقلت لها: يا سيّدة النساء! ما هذه الصحيفة التي أراها معك؟

  • قالت: «فيها أسماء الأئمّة من ولدي». قلت لها: ناوليني لأنظر فيها.

  • قالت: «يا جابر، لولا النهي لكنت أفعل، لكنّه قد نهي أن يمسّها إلّا نبيّ أو وصيّ نبيّ أو أهل بيت نبيّ، ولكنّه مأذون لك أن تنظر باطنها من ظاهرها».

  • قال جابر: فإذا أبو القاسم محمّد بن عبد الله المصطفى أمه آمنة، أبو الحسن علي بن أبي طالب المرتضى أمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف، أبو محمّد الحسن بن عليّ البرّ، أبو عبد الله الحسين بن عليّ أمّهما فاطمة ...

أسرار الملكوت ج۳

94
  • إلى أن يصل إلى آخرهم واسمه:

  • أبو القاسم محمّد بن الحسن هو حجة الله القائم، أمّه جارية اسمها نرجس، صلوات الله عليهم أجمعين.1

  • ولكي تكتمل الصورة وتتّضح حقيقة المسألة، لا بدّ أن نعرض هنا لما روي عن الإمام الصادق عليه السلام من كلام حول يحيى بن زيد بن عليّ بعد مقتله؛ فقد روي أنّه:

  • عندما قبَض المتوكّل بن هارون الصحيفة السجاديّة من يحيى بن زيد، وجاء إلى المدينة، ولقي الإمام الصادق عليه السلام، سأل عليه السلام عن أحوال يحيى، فقال: لقد قُتِل، فحزن عليه السلام، ثمّ وضع الصحيفة بين يدي الإمام عليه السلام، وقال عليه السلام: «مَا خَرَجَ وَلَا يَخْرُجُ مِنَّا أَهْلِ الْبَيْتِ إِلَى قِيَامِ قَائِمِنَا أَحَدٌ لِيَدْفَعَ ظُلْمًا أَوْ يُنْعِشَ حَقًّا إلّا اصْطَلَمَتْهُ الْبَلِيَّةُ، وَكَانَ قِيَامُهُ زِيَادَةً فِي مَكْرُوهِنَا وَشِيعَتِنَا».2

  • فقد صرّح الإمام عليه السلام في هذه الرواية بأنّ كلّ من نهض من أهل بيتنا فيما مضى أو سينهض بعدنا إلى قيام الإمام المهديّ، فإنّه لن يجني لنا ولشيعتنا إلّا البلاء وزيادة الفتن والمآسي.

  • ألم يكن زيْد بن عليّ الذي قام قبل ابنه يحيى وقتل في زمان الإمام الصادق عليه السلام من أهل البيت؟! أولم تشمله كلمة الإمام عليه السلام حين قال: «مَا خَرَجَ وَلَا يَخْرُجُ»؟ وبناءً عليه، ألم يوجب قيامه زيادة في البلاء والمآسي للإمام والشيعة؟

  • والنقطة التي لا يمكن إنكارها وغضّ الطرف عنها في هذه الرواية وما يشبهها من روايات، هي أنّها صدرت عن الأئمّة عليهم السلام في خصوص حادثة زيد وابنه يحيى؛ فأنّى لنا أن نقول: هي غير مرتبطة بهم، وأنّها ناظرة لأمثال محمّد وإبراهيم ابنَي عبد الله المحض اللذَين ادّعيا المهدويّة؟!

    1. عيون أخبار الرضا عليه السلام، ج 1، ص 40؛ الإحتجاج، ج 2، ص 373.
    2. الصحيفة السجّاديّة، ص 20 المقدّمة؛ مدينة المعاجز، ج 6، ص 142.

أسرار الملكوت ج۳

95
  • وفي النهاية، أين ذكرت عبارة ادّعاء المهدويّة حتّى حُمِلت عليها؟! هل ادّعى زيد المهدويّة؟ أم هل كان ابنه يحيى مدّعيًا لها؟1

  • 5. ضرورة اتصاف الحاكم بالإشراف على بواطن الأحداث

  • وقد رويت في روضة الكافي وبحار الأنوار رواية ذات صلة بما نحن فيه، يقول فيها الإمام الصادق عليه السلام: «كلّ رايةٍ ترفعُ قبلَ قيامِ القائم فصاحبُها طاغوت يُعبَد من دون الله عزّ وجلّ».2

  • وقد حملها والدنا المرحوم العلّامة الطهراني- رضوان الله عليه- في كتاب «ولاية الفقيه في حكومة الإسلام» على الموارد التي يكون فيها القيام على تقابل وتضادّ مع قيام الإمام المهديّ سلام الله عليه، لا القيام الموافق لنهجه ومسار قيامه سلام الله عليه، ولذا لن تكون هذه الرواية على تناف مع حكومة الإسلام التي تقام على يد حاكم الشرع المطاع المتّقي العادل. رضوان الله عليه.3

  • والخلاصة أنّ هذه الأخبار والروايات الواردة عن المعصومين عليهم السلام تدلّ على وجوب أن يكون للمتولّي والحاكم إشراف باطنيّ على الأحداث والقضايا والمسائل، وأن يتابعها ويتعاطى معها من نافذة عالم الغيب، ومن خلال الاتّصال بالملكوت وعالم الأمر والمشيئة، وأن يتعاطى مع الأحداث في كلّ لحظة وظرف وموقع بما فيه صلاح الأمّة والمجتمع في تلك اللّحظة وفيما بعدها، دون أن يستتبع ذلك عواقب وخيمة وتبعات مكلفة تضرّ بمصالح المجتمع والأمّة، لكي لا يصاب الناس وأتباع هذا المتولّي بردّة فعل فيتنكّرون لكلّ عقيدة وصواب، بعد أن ساروا بدايةً إلى ساحات القتال وميادين الجهاد والمواجهة مع المخالفين والمنحرفين بكلّ رضى، مستبشري الوجوه صادقي النوايا طامحين إلى الآمال والوعود والبشائر، ولئلّا يؤول

    1. للمزيد من الاطلاع على ثورة زيد بن علي راجع: معرفة الإمام، ج 15، ص 178 إلى 284؛ بحار الأنوار، ج 46، ص 174 إلى 185.( م)
    2. الكافي، ج 8، ص 295؛ بحار الأنوار، ج 52، ص 143.
    3. ولاية الفقيه في حكومة الإسلام، ج 4، ص 27 إلى 59.

أسرار الملكوت ج۳

96
  • أمرهم إلى أن يسخروا بالدين وويهزؤا بمذهب التشيّع ومدرسة أهل البيت عليهم السلام ومنهجهم، ولكيلا يقرؤوا الفاتحة على كلّ وعدٍ وبشارةٍ، ويكفروا بالصدق والصفاء، والحقّ والفضيلة؛ لما يرون من مخالفةٍ للوعود، وتبدّل في الأوضاع، ومن المفارقة وعدم الانسجام ما بين الوعود والمشاهدات، ومن الاختلاف ما بين ما بُشّروا به وبين الوقائع الخارجية الملموسة، ومن التضادّ ما بين ما سمعوا من كلمات جميلةٍ مؤثّرةٍ وبين ما يعيشون من صعوبات وبلايا وانحرافات، ومن التناقض بين كلماتٍ مثل: إحقاق الحقّ وإماتة الظلم، إقامة العدالة الفرديّة والاجتماعيّة وتحقيق المدينة الفاضلة، وبين إحياء الظلم والعدوان، وإماتة الحقّ والعدل والتكامل، وسياسة التوسّع الاحتكاريّ، والخيانة والكذب، والغش والتزوير. هذا هو حاصل ومفاد كلام الإمام المعصوم عليه السلام.

  • هكذا كانت الحال في حكومة بني العبّاس، فبأيّ شعار أثاروا الناس على بني أميّة؟! ألم يكونوا يذكّرونهم بالفجائع التي ارتكبها هؤلاء من قتل ونهب وسجن وتعذيب واعتداءٍ وتكالب على الأموال والأنفس؟ ألم يحرّضوا الناس على القيام والقتال ضدّ بني أميّة لقتلهم ابن رسول الله وسمّهم لباقي الأئمّة عليهم السلام؟! ولكن بعد الوصول إلى الخلافة واستقرار الحكومة وصدّ المخالفين واقتلاعهم وقمعهم، ماذا فعلوا بأهل البيت عليهم السلام؟! لقد قاموا بأعمال جعلت الناس يترحمّون ألف مرّة على بني أميّة، ويعتبرونهم ذوي سيرة ناصعة إذا ما قورنوا ببني العبّاس.

  • لأيّ شيء كان ذلك؟ لأنّهم لم يكونوا يتمتّعون بالكفاءة التي تؤهّلهم للتّصدّي للإمارة وحكومة الناس، وهي الاتّصال بالغيب والنهل من منبع الوحي والتشريع والولاية، ولم يرتقوا لأرفع من المستوى المتعارف في مقام التزكية والتربية، ولم يخرجوا من دائرة النفس الأمّارة والأهواء والميول، وغضّوا النظر عمّا ابتلوا به من التعلّقات الدنيويّة والأغراض النفسانيّة التي كانت قد تغلغلت في قلوبهم ونفذت إلى حقائق ضمائرهم وسرائرهم، وسيطرت عليهم من جذورهم إلى أعماقهم، ولكنّهم استصغروا شأنها وتجاوزوا أمرها بكلّ يسر، ولم يكونوا ملتفتين قبل انطلاقتهم إلى أنّهم في نفس الوقت

أسرار الملكوت ج۳

97
  • الذي يدْعون فيه الناس لمواجهة الظلم والعدوان، فإنّ جذور الظلم والعدوان والتعرّض للأعراض مسيطرة على بواطن نفوسهم وضمائرهم وأعماق وجودهم، ولكن لم تكن قد حانت بعدُ الفرصة المناسبة والظروف الخاصّة لإظهارها وإبرازها.

  • لقد كانوا غافلين عن أنّ تحريض الناس ودعوتهم إلى إقامة الحقّ والعدالة وإلى التزكية والتربية والأمن الاجتماعيّ وصلاح نظام المجتمع، يجب أن يصدر ويتحقّق عن نفسٍ طاهرةٍ تحرّرت من التعلّقات، وخرجت من شوائب عالم الكثرة، وصارت متّصلة بعالم الغيب وحريم الملكوت المقدّس، لا من نفوس خبيثة انتهازيّة تلوّثها تعلّقات الدنيا المظلمة، ولكنّهم في بداية الأمر كانوا يخطفون قلوب السذّج والمساكين وأرواحهم، من خلال التظاهر بالصلاح والتواضع، ونكران الذات وحبّ الناس، والإعراض عن الدنيا وزخارفها، ويخدعونهم بظاهرهم المتواضع المشْفِق والطالب للحق، وعندما يستوون على العرش ويستقرّون على أريكة السلطة، يفعلون ما لا يصدر إلّا من الشِمْر ويزيد وسنان! ألم يفعل ذلك بنو العبّاس؟!

  • جميلةٌ هي هذه القصّة التي لا يزال التاريخ يكرّرها، ومع ذلك لم ولن تبلى وتندرس أو يُغْفل عنها أبدًا.

  • إنّ إحقاق الحقّ الذي كان يعتبر في زمانٍ ما من القيم الأساسية، وشعارًا للهاتفين ومحرّكًا لهم، سيتبدّل بعد السيطرة على الحكومة والجلوس على أريكة السلطة إلى شعار منافٍ للقيم ومحرِّف ومضلّ ومخلّ بنظام الخلافة والحكم، يطارَد صاحبُه ويُحبس ويُشتم.

  • إنّ إقامة العدل التي كانت تُعتبر العنوان العريض والسيرة الموعودة قبل الظفر والانتصار على الخصم، ستكون بعد الاستيلاء على السلطة والسيطرة على زمام الأمور أنبذ وأقبح كلام في أدبيّاتهم وثقافتهم التي سيطرت عليها الأنانيّة، وسيُحسب المتحدّث بها شخصًا مُغرضًا ومعاندًا ومحرّضًا للرأي العام، ومُخِلًّا ومفسدًا بنظْم الحياة الاجتماعيّة وسيرها الطبيعي.

  • والصدق والصفاء وحرّيّة الاختيار التي كانت تعدّ في زمانٍ ما أجزاء لا تنفكّ عن المدينة الفاضلة والجنّة الموعودة، صارت الآن- مع تغيّر المتصدّين مائة وثمانين درجة-

أسرار الملكوت ج۳

98
  • ممّا يُتفادى ويُمنع الحديث عنه بشدّة، ويتعرّض من يتحدّث عنها للتعقيب والملاحقة، كلّ ذلك تحت عنوان أنّه: عدم المصلحة في الحديث عنها، وعدم الحاجة إليها، وعدم تقبّل المجتمع وضعف استعداد الأمّة لسماعها.

  • نعم، كان بنو العبّاس وأمثالهم يستفيدون من هذه الكلمات الجميلة والتعابير الجذّابة والكلام البديع والمؤثّر فقط وفقط من أجل التغلّب على الخصم والانتصار عليه، فلا قدّر الله أن يأتي ذلك اليوم الذي يصلون فيه إلى أمنياتهم وأهدافهم في الاستيلاء على الحكومة والعرش والخلافة.

  • هؤلاء قومٌ لم تكن تلك الشعارات والعناوين عندهم إلّا سلّمًا للصعود إلى رغباتهم وميولهم النفسيّة، وبعد الوصول إلى المقصد، وحيث إنّهم لن يستطيعوا أن يتصرّفوا على أساس ذلك الصدق والعدالة الموعودة مع الناس، فسيشرعون مع وعّاظ بلاطهم بتبرير ما يقومون به، وبتأويل وتحريف الحقائق، وبقلب الوقائع والأخبار الواردة عن المعصومين عليهم السلام وكلمات العظماء.

  • ولهذا يقول الإمام: كلّ ثورة أو خطوة في مواجهة الظلم والعدوان إلى ظهور قائمنا فهي محكومة بالهزيمة والهلاك، وستزيد في نكبتنا ومصيبتنا وحزننا! وقد كان أئمّتنا عليهم السلام مبتلين بهذه البليّة والمصيبة في ارتباطهم مع أفراد أهل زمانهم.

  • سخن سربسته گفتى با حريفان***خدا را زين معما پرده بردار 1

  • [يقول: سُقتَ الكلام مجملًا للخصوم ** * كشف الله الستار عن هذي العلوم]

  • 6. الداء الأساس: الاكتفاء بالظواهر وجعلها معيارًا للتقييم، والغفلة عن الباطن

  • إنّ المشكلة الأهمّ والأساس التي يعاني منها كثيرٌ منّا في تفكيرهم حتّى طالت بعض علمائنا أيضاً، هي أنّنا أخذنا ظاهر تكاليف الشريعة وأحكامها، وغفلنا تمام الغفلة عن باطنها ولبّها وحقيقتها. لقد نسَوا أبا حنيفة العدوّ المعاند للإمام الصادق عليه السلام الذي قال له الإمام عليه السلام: «الله تعالى أنزل فيك وفي أشباهك (أَمْ عَلى قُلُوبٍ

    1. ديوان حافظ، غزل 363.

أسرار الملكوت ج۳

99
  • أَقْفالُها) وقال تعالى: (كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ)»1، ولكنّهم يتذكّرون أبا حنيفة الذي ثار على المنصور الدوانيقي وزُجَّ في سجنه، فعدّوه من مفاخر الإسلام!!

  • نحن لا نلتفت إلى صلاح الدين الأيّوبيّ المعادي للشيعة والذي قُتل بأمرٍ منه عشرات الآلاف منهم!! فنمدح صلاح الدين الذي قاتل الصليبيّين وخلّص البلاد الإسلاميّة من قبضتهم، ونثني عليه، ونعدّه من قادة الإسلام الراشدين!!

  • ولا نرى في غصب خلافة مولى المتّقين بالحقّ، والمخالَفة الصريحة لكلام الله وأوامر رسوله، أمرًا ذا بال!! لكنّنا نشيد وننوّه باجتماع جماعة لا أُباليّة لا تعرف الله في سقيفة بني ساعدة، وذلك بذريعة أنّهم أقاموا الديمقراطيّة وأقرّوا مبدأ الحرّيّة في الانتخاب!!

  • كلّ ذلك يرجع إلى أصلٍ ومبدأ واحد هو: الاهتمام بظاهر التكليف والغفلة عن باطنه وأصله وحقيقته، وهذا ما يبدو بوضوحٍ أكثر في القضايا السياسيّة والحركات الاجتماعيّة، وهو أكثر ما يسبّب الشكوك والشبهات لدى السذّج وعديمي البصيرة وقليلي التجربة.

  • وقد ابتُلي زيد وابنه يحيى بهذه الشبهة رغم عظمة مكانتهما وعلوّ منزلتهما، حتّى آل مصيرهما إلى الموت. نعم، إنّ جهاد المخالفين عملٌ مطلوب ولكنّ ليس أيّ جهاد، بل الجهاد الذي يكون بإمضاءٍ ورضىً من الإمام عليه السلام، لا الذي يكون من عند أنفسنا وبتشخيصٍ منّا. إنّ محاربة الظلم أمرٌ ممدوح ومحمود، ولكن ليس في كلّ موطن وموقف، بل في المواطن التي تنال تأييدًا وإمضاءً من الإمام عليه السلام. إنّ الدفاعَ عن الولاية وإبطالَ حجج المخالفين أمرٌ حسن وجيّد جدًا، ولكن ليس في كلّ زمان وبأيّ أسلوب؛ فهذا هشام بن الحكم كان في أحد الأزمنة يناظر المخالفين والمنحرفين كطالبٍ من طلاب مدرسة الإمام الصادق عليه السلام، فيُدينهم ويفحمهم، ولطالما كان الإمام الصادق عليه السلام يثني عليه ويشجّعه، ولكنّه خالف أمر الإمام موسى بن جعفر عليه

    1. كنز الفوائد، ج 2، ص 37؛ بحار الأنوار، ج 10، ص 216.

أسرار الملكوت ج۳

100
  • السلام في زمانه؛ حيث أمره بالسكوت والتقيّة، فاستمرّ في المناظرة؛ ممّا أثار حفيظة النظام العبّاسيّ الحاكم، وأدّى إلى إتعاب وإيذاء أهل البيت وظلمهم، ولأجل ذلك كان قلب إمام ذلك الزمان موسى بن جعفر عليهما السلام يتعرّض للضّغط والأذى بما كسبت يدا هشام، ولم تكن مناظراته مؤيَّدةً وممْضاة من الإمام عليه السلام.

  • يجب أن يقال لهشام وأمثاله: ما هو هدفكم من الدفاع عن الولاية والتشيّع؟ وبأيّة نيّةٍ وغرض تناظرون المخالفين والمعاندين؟ إن كان المراد والمطلوب هو الإحساس بالتفوّق والتميّز والاستعلاء على الناس وتحصيل الشهرة والشعبيّة بينهم والتغلب عليهم في الكلام وفنونه، فأيّة حاجة لكم بالإمام عليه السلام ولماذا تحصّلون كلّ ذلك على حسابه؟! ولمَ تعدّون أنفسكم تابعين ومنقادين ومطيعين له؟ فأنتم لا تطيعون الإمام، بل تتّبعون ميولكم وأهواءكم، غاية الأمر أنّ ذلك يتّخذ صورة الدفاع عن الولاية.

  • وإن كان غرضكم ومقصودكم هو الدفاع عن الولاية وعن الإمام المعصوم عليه السلام، وكان هدفكم من المناظرات إقرار ولايته، وتحكيم إرادته وولايته، وتقديم أمره على جميع الإرادات والأوامر، فكيف تبرّرون مخالفتكم له عليه السلام؟ وكيف يتوافق فعلكم هذا مع نهيه عليه السلام؟

  • نعم، المناظرة حول الولاية والعمل على إثباتها أمرٌ جيّد، ولكن ليس في كلّ المواطن، بل في المواطن التي يرضاها الإمام عليه السلام ويقرّها، دون المناظرة التي تكون من تلقاء أنفسنا والناشئة عن ميولنا ورغباتنا الخاصّة.

  • لذا نرى أنّه كما لن يثمر القيام ضدّ الخلفاء الغاصبين سوى المكاره والشدائد والغموم والمصائب على أهل البيت وشيعتهم كما قال الإمام عليه السلام، فإنّ هذه المناظرات والمجالس المخالفة لرضا الإمام المعصوم عليه السلام ومطلوبه، لن تنتج سوى البلايا والمصاعب والتضييقات على الإمام عليه السلام.

  • ولتوضيح هذه المسألة نشير إلى نقطة أخيرة، نختم بها البحث:1

  • أسرار الملكوت ؛ ج3 ؛ ص101
    1. حسينى طهرانى، سيد محمد محسن، أسرار الملكوت، 3جلد، دار المحجة البيضاء - بيروت - لبنان، چاپ: 1، 1430 ه.ق.

أسرار الملكوت ج۳

101
  • إنّ لجميع الأحكام والتكاليف وما نزل من عند الله في حقّ المكلّفين والمتديّنين بالشريعة الحقّة، جانبان أو جهتان: جهة ظاهريّة، وأخرى باطنيّة؛ فالجهة الظاهريّة هي التي نعبّر عنها بمادّة التكليف، وهي هذه الهيئة الظاهرة التي نراها للأفعال والتصرّفات.

  • توضيح أعمق لداء الاكتفاء بالظاهر، والغفلة عن الباطن (المادية الدينية):

  • وهذه الجهة يمكن أن تكون متشابهة لدى الجميع؛ فالصلاة التي يصلّيها المنافق تشبه صلاة المؤمن من حيث ظاهرها، وربّما تكون صلاة المنافق أرجح وأفضل من هذه الجهة، وكذلك الحجّ الذي يأتي به الفاسق أو الفاجر، هو تمامًا كحجّ المؤمن؛ فيه تلبيةٌ وإحرامٌ وسائر الأجزاء والشرائط، وبعبارة أخرى، لا يُشاهَد في مادّة الحجّ أيّ فارق بينهما.

  • ولا اختلاف بين الجهاد الذي يقوم به مخلصٌ صافي النيّة، وبين جهاد شخصٍ فاسدٍ مريض القلب؛ فكلاهما يحملان السلاح ويهاجمان العدوّ، ومن الممكن أن يخسر كلاهما روحه في المعركة، وهكذا نجد أنّ جميعَ التكاليف ذاتُ مادّة مشتركة بين المكلّفين والممتثلين لها على السواء، بحيث لن يكون بإمكان الإنسان عديم الخبرة أن يدرك كُنهها وباطنها.

  • فالصلاة التي كان يؤدّيها الخليفة الغاصب بعد رسول الله في محراب النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، كانت عين الصلاة التي كان يؤدّيها الوصيّ بالحقّ عليّ المرتضى، فكلتاهما كانتا تتألفان من تكبيرة إحرام وحمد وسورة وركوع وسجود وغير ذلك من أفعال، وكلتاهما مشتركتان ومتشابهتان من حيث مادّة العبادة والتكليف.

  • امتلاك الأفعال لجهتين ظاهريّة لا قيمة لها، وباطنيّة هي المقوّمة لحقيقة الفعل

  • وأمّا الجهة الأخرى، وهي جهتها الباطنيّة والنفسيّة والملكوتيّة، فشأنها شأن الصورة بالنسبة إلى المادّة، و «حقيقة الشيء بصورته لا بمادّته»؛ فالصورة هي التي توجِد حقيقة الشيء وهويّته، ومنها تتولّد الأنواع؛ من جماد ونبات وإنسان وحيوان ....

  • إنّ الحيثيّة الصوريّة للتكاليف والأعمال هي التي تجعل أحدها مقبولًا والآخر مردودًا، ويصير بعضها نورانيًّا والآخر ظلمانيًّا، وتصير إحدى الصلوات صلاةَ رياء، وصلاةٌ أخرى صلاة موحّدين، إحداها من أجل الخداع والأخرى لتحقيق التجرّد والنورانيّة. وكذلك الصيام والحجّ والجهاد ....

أسرار الملكوت ج۳

102
  • فأحدهم يقاتل إحقاقًا للحقّ وترسيخًا للعدل والعدالة وتحكيمًا للولاية، بينما يجاهد آخر فتحًا للبلدان وبسطًا للنفوذ والسلطان، وزيادةً في الأنانيّة والتفرعن.

  • وبناءً عليه، فإنّ الصورة الملكوتيّة لأحد الجهادين هي تحقّق العبوديّة والانقياد التامّ للأوامر الإلهيّة، ونبذ الإرادة والاختيار الشخصيّين، وتسليم الإرادة لإرادة الحقّ، وقبول نتيجة الجهاد سواء كانت لصالحنا أم لصالح الخصم من حيث الظاهر، وعدم تبدّل المشاعر وتغيّرها بين حالتي النصر والهزيمة، كما نشاهد ذلك كلّه في جهاد رسول الله وأمير المؤمنين وصلح الإمام المجتبى عليهم السلام وواقعة كربلاء.

  • بينما الصورة الملكوتيّة للجهاد الآخر هي إبراز الأنانيّة والذاتيّة والتفوّق والاستعلاء والتكبّر وتعزيز المقام الاجتماعيّ والموقعيّة الشخصيّة، مع أنّ ذلك يتّخذ في ظاهره عنوان تبليغ الإسلام وإبادة الظلم والفساد ومقاومة الشرّ، ورفع علم التوحيد والإسلام وحكومة المستضعفين وسحْق الظالمين، وفي النهاية عندما يظفر هذا الشخص بمطلوبه الظاهريّ في بعض المواقف، فإنّه يكاد يطير من شدّة الفرح والبهجة، وتُبرز النفس ذاتها وأنانيّتها بأنواع المظاهر، فحينًا يقدّم نفسه بصورة التواضع ونكران الذات أمام تراب أقدام الفدائيّين الطيّبين، وحينًا يستعمل تعبير «رعاية الله ولطفه» ويجعل نفسه مدينًا للطف الله، وحينًا ينسب هذا الظفر والانتصار إلى مذهبه ودينه المنتصر متقمّصًا شعار «الإسلام يَعلُو ولا يُعلَى عَليه»1. ولكن إذا جاء ذلك اليوم الذي ينتصر فيه الخصمُ المخالف- لا قدّر الله- وسيطرت على هذا الشخص الهزيمة، وصار طعْمة لقوّات العدوّ، فإنّه يُسقط السماء على الأرض، ناثرًا السُّباب والشتائم على فدائيّيه، معتبرًا أنّ ذلك كان بسبب تقصيرهم وتهاونهم وتسويفهم، وعدم ثباتهم ومثابرتهم، وفقدان تبعيّتهم التامّة لأوامره وآرائه.

  • فهو في الخلوة والمجالس الخاصّة، ينثر على جلسائه كلّ سُباب وتوهين، ويحمّل مسؤوليّة ذهاب ماء وجهه لضعفهم وفتورهم ونقصهم، أمّا في العَلَن فيظهر نفسه مطيعًا ومنقادًا لإرادة الله تعالى ومشيئته، ويعتبر نفسه متواضعًا في مقابل تقديره تعالى وإرادته.

    1. من لا يحضره الفقيه، ج 4، ص 334.

أسرار الملكوت ج۳

103
  • كلّ ذلك لأنّ صورة وجوهر هذا الجهاد هي صورة كفْر النفس وظلمتها وأنانيّتها؛ وإلّا فما الفرق بين الهزيمة والنصر أمام إرادة الله ومشيئته؟!

  • إن كان الله تعالى قد قدّر يومًا الفتح والنصر لأمير المؤمنين عليه السلام في حرب الجمل، فقد جعل نصيبه الهزيمة والخسارة في حرب صفّين، وكلاهما سيّان عند الإمام عليه السلام، إلّا أن لهما صورتين ووجهين، فهو في حالة الهزيمة لم يسبّ أنصاره ولم يؤنّبهم ولم يحمّلهم المسؤوليّة، ولا جزاهم على تضحياتهم بكلمات غلاظٍ قباح، بل كان يتفقّد أحوالهم ويطيّب خواطرهم، ويذكّرهم بجزائهم الأخروي، ويبيّن لهم مسير العبوديّة والتوحيد، ويجعلهم راضين فرحين بلطف الله ورعايته، ويضع عنهم أوزار الحرب وأثقال الجهاد بكلماتٍ ونصائح توحيديّة.

  • حقيقة التكاليف وجوهر الأفعال يرجع إلى مدى ارتباطها بالله تعالى

  • إنّ حقيقة التكاليف وجوهرها هو الارتباط والاتصال بين العبد وربّه، وكلّما كان ذلك أعمق وأكثر تنزّهًا عن الأغراض، وأكثر تجرّدًا وتحرّرًا من التعلّقات والكثرات والرغبات الخاصّة، كان ذلك التكليف والعمل أعلى وأرقى وأسرع في صعوده إلى الله.

  • العلامة الطهراني يكشف السر عن (ضربة علي يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين)

  • عندما كان المرحوم العلّامة الوالد- رضوان الله عليه- مقيمًا في طهران في ذاك العهد السابق، كان يقيم في منزله صباحًا مجالسَ لإحياء ذكر ومآثر أهل البيت في أيّام الأعياد وأيّام شهادات المعصومين عليهم السلام. وفي عيدٍ من أعياد الغدير، وبعد الموعظة والمدائح، التفت تاجر محترم- وكان ممّن يتردّدون على العلماء والمراجع وأهل المنبر- إلى المرحوم الوالد وقال له: سماحة السيّد، عندي سؤال يتعلّق بكلام رسول الله لأمير المؤمنين في معركة الخندق، ولقد وجّهته إلى كثيرين، ولكنّي لم أحصل على ما يسكِنُ قلبي، وأريد أن أطرحه عليكم: لقد قال النبيّ الأكرم يوم الخندق في حقّ أمير المؤمنين عليه السلام بعد قتل عمرو بن عبد ودّ: «ضربة علِيّ يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين».1

    1. وردت هذه الرواية بهذه الألفاظ في مشارق أنوار اليقين، ص 196؛ تشريح ومحاكمه در تاريخ آل محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم( عرض ومحاكمة لتاريخ آل محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ص 73؛ المواقف، ص 617؛ السيرة الحلبيّة، ج 2، ص 320؛ ووردت مع اختلاف يسير في كثير من الكتب الأخرى.( م)

أسرار الملكوت ج۳

104
  • قال ذلك الرجل المحترم: إنّ العلّة التي يذكرها الجميع في تفسير هذه العبارة، هي أهميّة ذلك اليوم والخطر الجادّ الذي كان يهدّد الإسلام فيه، ولو لم تكن ضربة أمير المؤمنين عليه السلام في ذلك اليوم لما بقي للإسلام والمسلمين من أثر، وبعبارة أخرى: كانت الحرب حربًا مصيريّة، فجميع عبادات الإنس والجنّ حتّى يوم القيامة مدينةٌ لتلك الضربة في ذلك اليوم.

  • وبالطبع، فإنّه لا إشكال في هذا التوجيه ولا يرِد عليه إيراد، وقد كانت حقيقة الأمر كذلك؛ فقد كان عمرو بن عبد ودّ يعادل في نظرهم ألف مقاتل، وفي الحروب والمعارك التي كانت تنشب بين قبائل العرب، كان القادة يعيّنون أوّلًا ألف مقاتل في مقابل عمرو، ثمّ ينظرون إلى سائر مقاتلي العدوّ من ناحية العدد والعُدّة، ومع أنّه لم يكن في مكّة ولم يكن على ارتباط بقريش ومشركي مكّة، إلّا أنّهم طلبوا منه المشاركة في هذه الحرب المصيريّة، لحَسم أمر رسول الله والإسلام، ولهذا يقال لهذه المعركة معركة الأحزاب أيضًا.

  • أطرق المرحوم الوالد- قدّس سرّه- برأسه مدّة يسيرة، ثمّ قال:

  • المسألة أرفع من ذلك، وهي أرفع بكثير أيضًا، لقد كان أمير المؤمنين في ذلك اليوم بل في كلّ أيّام حياته، في حالة اتّصال دائم بمبدأ الوجود وفي حالة ارتباط محْض بالله تعالى وفناء فيه، بحيث كان كلّ عمل أو تصرّف يصدر عنه يمثّل عين حقيقة الفناء بالحقّ والتعلّق والربط به، ولم يبقَ له شيء من نفسه بحيث يكون لرغبته وإرادته الخاصّة أثر في ذلك العمل ولو مثقال ذرّة واحدة، وكان لديه سواءٌ أن يهويَ سيفُ عمرو بن عبد ودّ على رأسه هو أو أن يهويَ سيفُه على عمرو بن عبد ودّ، ولم يكن يرى من تفاوت بين أن تكون نتيجة الحرب في ذلك اليوم لصالح الإسلام أو تكون انمحاء الإسلام والمسلمين، وهنا موضع الدقّة والتأمّل!

  • كان يرى كلّ شيء بإرادة الله وفي يده وولايته، وحينئذ أيّ أثر سيتركه عليه

أسرار الملكوت ج۳

105
  • تبدّل واقع المعركة؟

  • ألم يكن الناس مشركين قبل ولادة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وبعثته، أوَلم يكن الله ناظرًا ومطّلعًا على أحوالهم وأوضاعهم؟! وهل اختلفت ألوهيّة الله قبل بعثة النبيّ عنها بعد البعثة؟ وهل كان تقدّم وارتقاء الإسلام والمسلمين إلّا بإرادة الله ومشيئته؟ وهل هناك عامل آخر غير إرادة الله له دخالة في هذا التقدّم والتطوّر؟ إذن، ما المشكلة في أن يعيد الله هذه الأمّة إلى ما كانت عليه قبل بعثة رسول الله ورسالته؟ ما المشكلة في ذلك؟!

  • كان العلّامة يقول: عندما قال رسول الله ثلاث مرّات: «من لهذا» الكافر المشرك؟ ولم يكن أحد يجرؤ أن يتحرّك من مكانه، وكان عليّ المرتضى وحده يقوم في كلّ مرّة ويقول: «أنا له يا رسول الله»1، فنحن نتصوّر أنّه كان يعلم باطنًا أنّ عمرو بن عبد ودّ سيُقتَل في النهاية على يده. ولكنّ المسألة لم تكن كذلك؛ فعندما قام أمير المؤمنين عليه السلام وأعلن عن جهوزيّته، لم يكن في مخيّلته ولم يخطر في باله أصلًا أنّ عمْرو بن عبد ودّ سيقتل على يده، فقد كان جاهزًا لقتال هذا الكافر وحسب، وكان احتمالا النّصر والهزيمة في نفس أمير المؤمنين على حدّ سواء وبمستوى واحد، وقد نزل إلى الميدان موطّنًا نفسه على القتل على يد عمرو بن عبد ودّ؛ لأنّه كان يرى كلا الأمرين بيد إرادة الله ومشيئته، كان آنذاك فانيًا في ذات الله تعالى، وفانيًا عن نفسه، لم يكن لديه ميل وإرادة ينطلق منهما ويتحرّك على أساسهما، إذن في تلك الحالة لم يكن عليّ هو الذي يضرب بالسيف، بل إنّ تجلّي ذات الحقّ هو الذي كان يضرب بالسيف ويتقدّم، وأيّة شخصيّة في كلّ عالم الوجود يمكن أن يصدر عنها فعل كهذا وحال كتلك؟!

    1. بحار الأنوار، ج 20، ص 226.

أسرار الملكوت ج۳

106
  • في ذلك اليوم، كان عليّ عليه السلام صرفَ مُجرٍ لمشيئة الله، لا مجريًا لرغبته وإرادته هو، لأنّه لم يكن يمتلك رغبة وإرادة، لذا كان سيفه سيف الحقّ لا سيف البشر، وضربته كانت ضربة الحقّ لا ضربة الإنسان.

  • وبناءً عليه، ليست ضربة عليّ وحدها أرفع من عبادة الإنس والجنّ، بل صلاة عليّ هي أرفع من صلاة الإنس والجنّ، وصيام عليّ، وحجّ عليّ، ونوم عليّ، ويقظة عليّ وكلّ فعل يصدر عن عليّ ...

  • ولكن لأنّ الناس لا يستطيعون أن يفهموا ويدركوا سائر الموارد، فقد أعلن رسول الله أنّ ضربة عليّ في ذلك اليوم هي أرفع وأفضل من عبادة الإنس والجنّ.

  • كانت هذه خلاصة كلام المرحوم الوالد- قدّس سرّه- في يوم عيد الغدير ذاك.

  • تجسّد حقائق القرآن والعبادات في الإمام عليه السلام

  • يقول راقم هذه السطور: من المناسب جدًّا في المقام أن نذكر عين كلمات وعبارات المرحوم الوالد- قدّس سرّه- والتي ألقاها في إحدى ليالي القدر في شهر رمضان المبارك في مسجد القائم في طهران، لكيّ تتّضح وتتبيّن حقيقة المسألة بشكلٍ كاملٍ، ثمّ نذكر بعض النماذج والمصاديق في هذا المجال. يقول المرحوم الوالد:

  • «.... يا أبا جعفر وهل يتكلم القرآن؟ فتبسم، ثم قال: رحم الله الضعفاء من شيعتنا إنهم أهل تسليم، ثم قال: نعم يا سعد والصلاة تتكلم ولها صورة وخلق تأمر وتنهى، قال سعد: فتغير لذلك لوني وقلت: هذا شيء لا أستطيع أتكلم به في الناس! فقال أبو جعفر عليه السلام: وهل الناس إلّا شيعتنا؟ فمن لم يُعرَف بالصلاة فقد أنكر حقنا، ثمّ قال: يا سعد أسمعك كلام القرآن؟ قال سعد: فقلت: بلى صلّى الله عليك، فقال: (إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ لَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ)1 فالنهي كلام، والفحشاء

    1. سورة العنكبوت( 29)، قسم من الآية 45.

أسرار الملكوت ج۳

107
  • والمنكر رجال، ونحن ذكر الله ونحن أكبر1 وهنا تنتهي الرواية.

  • يقدّم المرحوم المجلسيّ رضوان الله عليه بعد ذكره لهذه الرواية بحثًا مفصّلًا في معناها، ويذكر كلامًا في تجسّد القرآن وتكلّمه، وفي كيفيّة حضوره وشهادته ونطقه يوم القيامة، فيبيّن أنّ ذلك يحتمل وجوهًا:

  • الأوّل: أنّ القرآن يلقي معانيه وحقيقته إلى الإنسان على نحوٍ يَفهم منه تلك المعاني؛ فلا يُشترط في الكلام أن يصدر من لسان لحميّ، وأيّ موجود يلقي إلى الإنسان ما يرمي إليه، سيُقال عنه إنّه تكلّم. والأمر على هذه الشاكلة بالنسبة إلى القرآن الكريم والصلاة والزكاة والصوم والحجّ وسائر الأعمال التي تتكلّم مع الإنسان، حيث إنّها تقوم بإلقاء معانيها وحقائقها إلى الإنسان، فيفهم الإنسان تلك الحقائق، وهذا هو المقصود بتكلّم القرآن.

  • الثاني: أنّ القرآن يظهر يوم القيامة في صورته المثاليّة، وتلك الصورة هي مثال حقيقة القرآن، ثمّ إنّ تلك الصورة المثاليّة تتكلّم مع الإنسان؛ فالمتكلّم إذًا هو الصورة المثاليّة المتجسّدة للقرآن في ذلك العالم. كما أنّ الإنسان لو شاء في هذه الدنيا أن يستفيد من القرآن ويكتسب من معانيه وحقائقه، فإنّ الله عزّ وجلّ يمكن أن يجعل له من الروحانيّين والملائكة من حملة القرآن مَن يقوم بتعليم القرآن لذلك الإنسان.

  • فتكلّم القرآن مع الإنسان في هذه الدنيا يحصل من خلال الملائكة أو الروحانيّين، أمّا يوم القيامة فإنّ تجسّد الصورة الواقعيّة للقرآن يتناسب مع ذلك العالم، كما أنّ تكلّمه- بدوره- يتناسب مع ذلك العالم.

  • الثالث: ما أفيض عَلَيّ ببركة الأئمّة الطاهرين وبه ينحلّ كثير من غوامض أخبار المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين. ونذكر لتوضيحه مقدّمتين نستنتج منهما كيفيّة تكلّم القرآن مع الإنسان:

    1. الكافي، ج 2، ص 596، بحار الأنوار، ج 7، ص 319.

أسرار الملكوت ج۳

108
  • المقدّمة الأولى: إنّ الإنسان كما له بدن مادّيّ وجسد يتحرّك بواسطته، وقلب يجري الدم بواسطته في جميع أعضاء الإنسان وشرايينه، فيرى بذلك البدن ويسمع ويحرّك يده، وتشتغل بواسطته أعضاء الإنسان وجوارحه وتقوم بوظائفها الطبيعيّة؛ فإنّ للإنسان- كذلك- معنى وخاصّيّة إن كانت حيّة جعلت إدراكه ومعارفه حيّة، أمّا لو لم تكن تلك الخاصّيّة حيّة، صار الإنسان جمادًا. وتلك الخاصّيّة هي روح الإنسان التي إن قُوِّيت بالأغذية المعنويّة من العلم والمعرفة والعبادة والتوجّه والتدبّر والتفكّر، حاز الإنسان درجة اليقين ومرتبة الإيمان وانكشفت له الحقائق، واطّلع على أسرار العالم، وصارت يده يد الله، وسمعه سمع الله، وعينه عين الله عزّ وجلّ.

  • و في الرواية: «اتَّقُوا فَرَاسَةَ المُؤْمِنِ فَإنَّ المُؤْمِنَ يَنْظُرُ بِنُورِ اللهِ».

  • إنّ المؤمن يرى بنور الله، ويسمع بنور الله، ويتاجر بيد الله، لأنّه أعطى كلّ ما لديه في سبيل الله تعالى، وخرج من حدود الجهات وتخطّى عالم الشهوة، فصار يعلم ويرى بعلم الله سبحانه. وهذه الحال هي التجرّد الذي يحصل للإنسان بواسطة التأمّل والتفكّر والعبادة.

  • فإذًا، كما أنّ للإنسان بدنًا مادّيًّا وقلبًا صنوبريًّا مادّيًّا، بحيث إذا توقّف قلبه عن العمل، مات بدنه وتعفّن؛ فإنّ له- من جهة أخرى- قلبًا معنويًّا وعلمًا مخزونًا إذا نوّره الله بنوره، انبعثت الحياة في روحه، وإن لم ينوّره، صار ميّتًا مهما كان بدن الإنسان حيًّا يقوم بحركاته ونشاطاته الطبيعيّة؛ لذا جاء في الآية القرآنيّة الكريمة: (أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ وَ ما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ)1. ففاقدو الإيمان والذين لا يمتلكون معرفة بالإيمان والتوحيد هم أموات غير أحياء؛ لأنّهم لا يدركون.

  • أو كما جاء: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ)2. أي إنّ الشخصيّة الإنسانيّة

    1. صدر الآية 21، من السورة 16: النحل.
    2. الآية 171، من السورة 2: البقرة.

أسرار الملكوت ج۳

109
  • والخلافة الإلهيّة التي هي مركز الإدراكات فيهم قد استترت لديهم أو ماتت تحت حجاب الرين ودنس الذنوب والشهوة والصفات البهيميّة والشيطانيّة، فصاروا لا يسمعون الحقائق مع أنّ لهم آذانًا، ولا يرون الحقائق مع أنّ لهم أعينًا، ولا ينطقون بالحقائق مع امتلاكهم ألسنة.

  • المقدّمة الثانية: إنّ القرآن ليس تلك النقوش التي يدوّنها الإنسان على الصفحات، ثمّ يحفظ تلك الصفحات بين الدفّتين، فذلك هو القرآن المكتوب؛ إذ إنّ حقيقة القرآن هي معناه، ومعنى القرآن أمر رفيع متعال، ومن هنا فإنّ الذين يتعاملون مع القرآن باستمرار، سيستفيدون من حقيقته ومعناه، كما سيستفيدون من ظاهره.

  • وقد جاء في القرآن الكريم: (بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ).1

  • و بناءً على هاتين المقدّمتين من أنّ المؤمن حين يبلغ مقامَ الإيمان يُحيي الإيمانُ روحه، وأنّ حقيقة القرآن هي معنى القرآن، وأنّ المؤمن عارف بالقرآن، وحقيقة القرآن متجسّدة ومتجليّة في روحه، فإذن ذات المؤمن ستصبح هي القرآن، وقد ورد في الروايات أنّ «المُؤْمِنُ أعْظَمُ حُرْمَةً مِنَ القُرْآنِ والكَعْبَةِ».

  • لماذا؟ لأنّ هذا القرآن هو ورق خُطّت عليه كلمات، كما أنّ الكعبة هي عبارة عن لبن قد بُنِيَ بالطين. فإن تجلّت حقيقة القرآن في روح المؤمن، فإنّ وجوده سيحيى بحياة القرآن ويصبح قرآنًا حقيقيًّا. ولو وصل المؤمن إلى درجة معرفة الله سبحانه، صار وجوده مطافًا، أي صار كعبة. ولا شكّ أنّ حقيقة الكعبة أشرف من هذه الكعبة، كما أنّ حقيقة القرآن أشرف من هذا القرآن.

  • وبناء على هذه المقدّمات يقول: إنّ معاني كثير من الأخبار ستتّضح؛ فلو أنّ مؤمنًا أسلم قياده للقرآن حتّى تجلّت في وجوده جميع مراتب القرآن من

    1. سورة العنكبوت( 29)، الآية 49.

أسرار الملكوت ج۳

110
  • الظاهر والباطن والأخلاق والملكات والتوحيد وعالم المادّة وعالم المعنى، فإن تجلّت فيه هذه الخصوصيّات كافّة، فإنّ هذا المؤمن سيغدو هو حقيقة القرآن.

  • إنّ ذات أمير المؤمنين المقدّسة هي القرآن؛ أي: ما من مرتبة للقرآن في أيّ عالم من العوالم إلّا وقد تجلّت حقيقتها في وجوده، وهو حائز على جميع مقامات القرآن ودرجاته، وهذا هو القرآن الحقيقيّ.

  • وهذا هو الذي سيتحرّك يوم القيامة، فأمير المؤمنين والذي هو صاحب حياة، والذي صار وجوده القرآن هو الذي سيتحرّك يوم القيامة، وسيمرّ بين صفوف المسلمين والملائكة والشهداء، وسيقولون كلّهم: قد كنّا نعرفه، ولكنّه ذو نور وبهاء لا نمتلكهما نحن، لا شكّ أنّه كان أكثر اجتهادًا منّا في الدنيا للوصول إلى حقيقة القرآن. وحقيقة الأمر هي كذلك؛ لأنّ كلّ امرئ من المؤمنين والشهداء كان يريد إيصال نفسه إلى حقيقة القرآن؛ فنحن المسلمون- مثلًا- نسعى بكلّ جهدنا إلى الاقتراب من حقيقة القرآن، وكلّما اقتربنا منه أكثر سعينا إلى زيادة اقترابنا منه والرغبة تعتمل في نفوسنا للوصول إلى مقام القرآن الكامل. أمّا ونحن لم نبلغ بأنفسنا إلى ذلك المدى بعدُ، فإنّ حالة ترقّب وانتظار وضعف ستوجد فينا، حتّى إذا ما التقينا بذلك الإنسان الذي تجلّى القرآن في وجوده وظهر، فإننا من جهة سنقول: إنّنا نعرف هذا وهو ليس بغريب عنّا. ولكنّه يفوقنا حسنًا وجمالًا، وهو أكثر منّا نورًا وبهاءً، لأنّ اجتهاده كان أكثر من اجتهادنا، لقد استطاع هو أن يصل بنفسه إلى حقيقة القرآن أمّا نحن فلم نستطع، ولكنّنا في المقابل نعرفه ولا شكّ أنّ اجتهاده كان أكثر من اجتهادنا، كان قد بلغ درجة جعلته يصل إلى حقيقة القرآن، حتّى تجلّت فيه حقيقة القرآن.

  • ولذلك فإنّ كافّة هذه المحاورات ستتحقّق، وستكون بأجمعها ظهورًا وتجليًّا لتلك الحقيقة التي لا ينفكّ القرآن يقوم ببيانها لنا.

أسرار الملكوت ج۳

111
  • وقد جاء في الرواية أنّ الصلاة تتحرّك، والمراد هو الصلاة الحقيقيّة، أمّا صلاتنا فليست صلاة حقيقيّة، الصلاة الحقيقيّة هي التي ظاهرها وباطنها معراج المؤمن1 و قربان كلّ تقيّ2 إنّها تلك الصلاة التي يعرج فيها المصلّي، والتي لا يلتفت فيها البدنُ والروح والفكر إلى غير الله تعالى. وكما يقف متّجهًا إلى الكعبة، فإنّ الروح تتّجه بدورها إلى كعبة القدس والحرم الإلهيّ. ومثل هذه الصلاة لو تجسّدت في الخارج واتّخذت لنفسها هيئة وصورة ما، لتمثّلت في أميرالمؤمنين عليه أفضل صلوات المصلّين، لأنّه هو الصلاة، ولأنّ صلاته كانت على هذه الكيفيّة، أي أنّ حقيقة الصلاة قد تجسّدت في وجوده.

  • لذا فإنّ تلك الروايات التي وردت في كثير من التفاسير3 والتي تفيد أنْه: «نَحْنُ الصَّلَاةُ» إنّما هي إشارة إلى هذا المعنى، ونحن القرآن هي إشارة إلى هذا المعنى، ونحن الزكاة إشارة إلى هذا المعنى، ونحن الحج إشارة إلى هذا المعنى، ونحن الجهاد إشارة إلى هذا المعنى، لأنّ لهذه الحقائق وجودًا في عوالم متحقّقة وموجودة، وهذه العوالم منطوية في وجود الإنسان الكامل، لأنّ

    1. أنوار الملكوت، ج 1، ص 102:« هذه الجملة ليست برواية، ولم تذكر في أيّ من كتب الشيعة أو السنّة بعنوان الرواية. ويذكرها فقط الملّا محمد كاظم الخراساني في كفاية الأصول في باب الصحيح والأعمّ، بين الآية القرآنيّة:( الصلاة تنهى عن الفحشاء)، ورواية: عمود الدين والصوم جنة من النار، وظاهرها أنهّا رواية، وبالطبع فإنّ هذا اشتباه. ورأيت مؤخّرًا، أنّ المرحوم صدر المتألّهين قد أسند هذه الرواية في تفسير سورة الجمعة، ص 225، من الطبعة الحروفيّة، إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله، وذكرها أيضًا في تفسير سورة الأعلى ص 357 من دون إسنادها إلى رسول الله.[ وقد وردت في مستدرك سفينة البحار، ج 6، ص 343 نقلًا عن العلامة المجلسي في كتاب بيان الإعتقادات]».
    2. أنوار الملكوت، ج 1، ص 101، التعليقة:« ورد في الكافي، ج 3، ص 265، وكذلك في ج 78، بحار الأنوار، طبعة آخوندي، ص 208، أنّه: قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ للصادق عليه السلام: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مَا أَصْبَرَكَ عَلَى الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا نُعْمَانُ! أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الصَّلَاةَ قُرْبَانُ كُلِّ تَقِيٍّ؟! الحديث. وروي أيضًا في تحف العقول، ص 221؛ وفي ج 17، بحار البحار، الكمپاني، ص 132 من تحف العقول عن أمير المؤمنين عليه السلام: الصلاة قربان كلّ تقيّ؛ الحديث:[ الصلاة هي حالة قرب بين الإنسان والله( المعلّق)]»
    3. البرهان في تفسير القرآن، ج 1، ص 52، بحار الأنوار، ج 24، ص 303.

أسرار الملكوت ج۳

112
  • الإنسان أفضل من الملائكة، وليس هناك من موجود يفوق الإنسان شرفًا غير ذات الخالق سبحانه.

  • ومن هنا فإنّ الذي يبلغ بنفسه إلى الكمال بحيث لا يبقى لديه كمال ينتظر حصوله، ولا يبقى لديه أيّة حالة من الضعف، فهذا تمتزج وتقترن حقيقة الإيمان وحقيقة الصلاة وحقيقة القرآن وحقيقة الزكاة مع روحه ودمائه وتصبح قرينًا وتوأمًا لها.

  • و من هنا فالمرحوم المجلسيّ رضوان الله عليه يفسّر الرواية بهذا المعنى: عندما تنطلق حقيقة أمير المؤمنين يوم القيامة يرى المرء أنّ حقيقة الصلاة قد انطلقت، وواقعًا هي حقيقة الصلاة، وحقيقة الزكاة، وحقيقة الصوم، وحقيقة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. أيّ أنّ كلّ نهي عن منكر وكلّ أمر بمعروف في هذه الدنيا هو ذو خصوصيّة معيّنة؛ فهو ينطوي على نوع من التعب والجهد، ومن بين ألف أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، هناك أمر بالمعروف ونهي عن المنكر يبلغ درجة المائة في المائة في انتسابه إلى الله وعدم اختلاطه بأيّة شائبة من شوائب النفس، وحالة الإنسان وروحيّته فيه هي مَلَكة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذا هو مقام الإمام، ذلك المقام الذي لا يمكن تصوّر مقام أعلى منه.

  • وتنحلّ بهذا الكثير من مشكلات الأخبار؛ فكما أنّ هناك روايات تدلّ على أنّ الأئمّة عليهم السلام هم الزكاة، وهم الصلاة والحج والصوم والجهاد والقرآن، هناك روايات دالّة على أنّ أعداءنا هم الفحشاء والمنكر والفساد والظلمات،1 فهي الأخرى سيتّضح معناها بهذا النحو من التحليل والقياس والمقارنة التكوينيّة مع هذه الآيات القرآنيّة المباركة؛ لأنّ الفحشاء تمثّل- في نهاية الأمر- حقيقة قد انتشرت بين الناس بحيث صار

    1. بحار الأنوار، ج 24، ص 303.

أسرار الملكوت ج۳

113
  • بعض الأفراد مصدرًا لها تسري منهم إلى الخارج، وحسب تعبير القرآن: (فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً)1، فهي تستمدّ ظهورها من وجودهم، فهم مركز الفحشاء ومصدر المنكر والظُلمة.2

  • ولاية الإمام تمثل روح العبادة وحقيقة التكاليف

  • وحقّ المطلب هو هذا، والتحقيق الذي تفضّل به المرحوم المجلسي تحقيق في غاية اللطف ...».

  • وحقًّا ينبغي أن يقال: إنّ المرحوم العلّامة الوالد- قدّس سرّه- قد أتمّ المطلب بهذا البيان بما لا مزيد عليه، ولقد وضّح وبرهن لنا بهذا البيان البليغ والرشيق حقيقة كلام الإمام المعصوم عليه السلام وفعله وتصرّفه.

  • إنّ ما وقع فيه الكثيرون من إشكال وإبهام يرجع إلى هذه المسألة؛ فقد خلطوا بين ظواهر الصلاة والصيام والحجّ والجهاد والأمر بالمعروف وغيرها من التكاليف وبين بواطنها وحقائقها، ولم يلتفتوا إلى الولاية التي هي حقيقة هذه الأحكام وجوهرها وروحها، والتي بدونها ستكون جميع تلك الأفعال والتكاليف مجرّد حركات وسكنات لتمثالٍ أو إنسان آلِيّ.

  • يقول البعض: «إنّ الإمام عليه السلام يضحّي بنفسه قربانًا للصلاة والصيام وحكومة الإسلام و ... ويفتدي بنفسه من أجل بقاء النظام والحكومة الإسلاميّة».

  • فيا عجبًا! أيّ نظام هذا وأيّ تكليف؟! أهو النظام الذي غصب خلافة رسول الله؟ والصلاة التي تنعقد على تقابل وتضادّ مع صلاة رسول الله؟ أم الصلاة والنظام اللذين يتولّاهما ويتصدّى لهما الإمام بنفسه؟!

    1. سورة الجن( 72)، مقطع من الآية 15:( وَ أَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً). وسورة التحريم( 66) مقطع من الآية 6 يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَ أَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَ الْحِجارَةُ).
    2. انتهى حاصل كلام المرحوم المجلسي- المأخوذ عن البحار، ج 7، ص 321 إلى 324- مع بعض التوضيح من قبل العلامة الطهراني رضوان الله عليهما، وقد أورده رضوان الله عليه مع اختلاف يسير في كتابه معرفة المعاد، ج 7، ص 218 إلى 223.( م)

أسرار الملكوت ج۳

114
  • هل هو الجهاد الذي يكون قائده خالد بن الوليد بعنوانه قائد الجيش الإسلامي، فيغِير على المسلم الموالي لعليّ ويقتله وهو في صلاته، ثمّ يرتكب ليلًا فاحشة الزنا بالمحصنة مع زوجته1؟! أهذا هو الجهاد الذي يجب على الإمام عليه السلام أن يفدي نفسه من أجله؟! أم أنّه الجهاد الذي يكون الإمام المعصوم هو المتولّي له، ويكون تدبيره وإدارته بإرادته ومشيئته، وحيثما يقول اهجموا يُقدِم الجيش، وحيثما يقول توقّفوا يتوقّف الجيش ولو كان الظفر والنصر محرزًا عنده في تلك اللّحظة.

  • ولكن بعد ما تقدّم من كلمات المرحوم الوالد- قدّس سرّه- صار جليًّا أنّ ثمرة جميع الأحكام وغاية التكاليف هو الوصول إلى مرتبة معرفة الإمام عليه السلام وولايته ومعرفته بالنورانيّة، وأنّ نفس الصلاة والصيام وغيرهما من التكاليف ليست في ظاهرها سوى أشكالٍ وموادّ عديمة القيمة.

  • فعندما يقول الإمام عليه السلام: نحن الصلاة، يعني بها الحقيقة التي صارت متجلّيّة في وجودنا، لا تلك التي تتجلّى في وجود أبي حنيفة وعمر بن عبد العزيز وصلاح الدين الأيّوبي وبني الحسن وأمثالهم.

  • وعندما يقول الإمام عليه السلام: نحن الجهاد، فإنه يعني الجهاد الذي نديره ونقوده «نحن»، لا جهاد أبي حنيفة وقتاله للمنصور، ولا قتال الخوارج لمعاوية ولا قتال بني العبّاس وغيرهم ...، وهكذا هو الحال في سائر الموارد.

  • ونشير في المقام إلى نموذج من جهاد الإمام المعصوم عليه السلام وقتاله ونقوم بمقارنته مع سائر أنواع الجهاد والقتال، لكي تتّضح لنا حقيقة المطالب المتقدّمة، ولكي نفهم جيّدًا وبوضوح ما هو الفارق بين الجهادين.

  • والسبب في اختيارنا الجهاد في مقام التمثيل وبيان المصداق هو أنّ الداعي والغرض من القتال هو الانتصار على الخصْم والتغلّب عليه؛ فلا تكاد تجد مقاتلًا يتّجه

    1. للإطّلاع أكثر حول هذا المطلب يراجع: معرفة الإمام، ج 2، ص 61.( م)

أسرار الملكوت ج۳

115
  • نحو الميدان ولا قائدًا يرسل جنده قاصدَين الهزيمة، وإلّا فلو أردنا الحديث عن صلاة وصيام وحجّ عليّ عليه السلام وسائر أفعاله، فسوف لن يبقى هناك أيّ مجال للمقارنة والتنظير.

  • بعد مقتل عثمان، تذرّع معاوية- وكان حاكمًا على الشام- بطلب الثأر لدم عثمان، واستنكف عن بيعة أمير المؤمنين عليه السلام، ورفع عَلَم الطغيان، وتمرّد على الحكومة المركزيّة؛ فبرّأ أمير المؤمنين عليه السلام نفسه من هذه التهمة في الرسائل التي أرسلها إلى معاوية، وبيّن له فيها أنّك أنت أعلم الناس بظروف مقتل عثمان والأحوال التي اكتنفتها، وأنّك تعلم أنّي لست فقط بريئًا من دمه، بل كنت أنهى الناس عن قتله، ولكنّهم لم يصغوا إلى وصيّتي فقتلوه.1 غير أنّ معاوية بقي مصرًّا على كذبه واتّهامه، ولم يتنازل أبدًا.2

  • معركة صفين وتجلّي حقيقة الجهاد في أمير المؤمنين عليه السلام

  • وبعد أن لم يجد أمير المؤمنين عليه السلام سبيلًا سوى الحرب والإطاحة بعرش معاوية وحكومته الجائرة، شرع بتجهيز الجيش وإعداد العدّة، وخطب خطبًا حماسيّة، وأرسل رسائل لشيوخ القبائل، وسيّر عشرات الآلاف من الجنود بقيادة مالك بن الأشتر النخعيّ باتّجاه مناطق الشام.

  • قطع جيش العراق مئات الكيلومترات ليلتقي بجنود الشام في منطقة تدعى «الرقّة» على نهر الفرات. ولأنّ جيش الشام كان قد وصل أسرع منهم إلى ذلك المكان، فقد تسلّط على نهر الفرات، ومنع من ورود جيش العراق إلى النهر.

  • وهنا نلمس من معاوية أوّل مكْر واحتيال وفعل شيطانيّ في سبيل التغلّب على الخصْم وهزيمة الجيش العراقي، لقد كان يريد أن يستنزف قدرتهم وقوّتهم في أوّل فرصة تسْنح له

    1. انظر هذه المضامين في: نهج البلاغة، ج 3، ص 7، قوله عليه السلام: ولعمري يا معاوية لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدنّي أبرأ الناس من دم عثمان، ولتعلمنّ أنّي كنت في عزلة عنه؛ و بحار الأنوار، ج 33، ص 59، قوله عليه السلام: ثمّ ذكرت ما كان من أمري وأمر عثمان، فلك أن تجاب عن هذه لرحمك منه؛ فأينا كان أعدى له وأهدى إلى مقاتله؟ أمن بذل له نصرته فاستقعده واستكفّه أم من استنصره فتراخى عنه وبث المنون إليه ...؟!( م)
    2. انظر: بحار الأنوار، ج 33 ص 62- 63؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 3، ص 74، وما بعدها، وج 4، ص 20، وما بعدها.( م)

أسرار الملكوت ج۳

116
  • قبل الحرب، وذلك من خلال محاصرتهم بالعطش والحرمان من الماء، ليستسلموا لإرادته ومشيئته.

  • عندما رأى أمير المؤمنين عليه السلام أنّ نصحهم وتذكيرهم لم يعد يجدي نفعًا، أمر جماعة من أصحابه بمهاجمتهم بقيادة سيّد الشهداء عليه السلام؛ ليفتحوا شريعة الفرات أمام جيش العراق؛ وكانت النتيجة أن أجبر جيشُ العراق جيشَ الشام على التراجع بعد هجومه عليه، واستولى على نهر الفرات. وهنا، انعكست القضيّة، ووقع جيش الشام في ضائقة وموقف حرِج.

  • حينها وجد أصحاب الإمام أنفسهم أمام فرصة ذهبيّة فقالوا له: امنعهم الماء يا أمير المؤمنين كما منعوك، ولا تسقهم منه قطرة، واقتلهم بسيوف العطش، وخذهم قبضًا بالأيدي فلا حاجة لك إلى الحرب.

  • فقال: لا والله، لا أكافئهم بمثل فعلهم، أفسحوا لهم عن بعض الشريعة، ففي حد السيف ما يغني إن شاء الله1. فبيّن لهم الإمام عليه السلام أنّهم لو صنعوا ذلك لكانوا مثلهم، وأنّه لا يقاتل إلّا قتال الشرفاء الكرماء الأعزّاء، وأن ليس من فعاله طلب النصر بأيّة وسيلة تتاح، مسلّمًا أمره في ذلك إلى تقدير الله ومشيئته.

  • وفي هذه الأثناء تبدّلت أحوال الإمام عليه السلام، واغرورقت عيناه بالدمع فقيل له: ما يبكيك يا أمير المؤمنين وهذا أول فتح ببركة الحسين عليه السلام؟ فقال: ذكرتُ أنه سيقتل عطشانا بطف كربلا2. إنّه اليوم يفتح لهم شريعة الفرات بعد أن أغلقوها ومنعوا الناس منها، ولكن سيأتي يوم يقوم فيه ابن هذا الرجل بإغلاق شريعة الفرات أمامه وأمام أهل بيته وأصحابه حتّى يضنيَهم الظمأ.

  • فما هذا الذي نراه من أمير المؤمنين عليه السلام في هذه الحادثة؟! وأنّى لعقولنا أن تدرك وتبرّر هذا الموقف؟! إذن، ما الذي حلّ بجميع هذه الخطب والرسائل في الحثّ

    1. شرح نهج البلاغة، ج 1، ص 24؛ و ج 3، ص 331؛ ونحوه ينابيع المودة ج 1، ص 451؛ بحار الأنوار، ج 32، ص 443.
    2. بحار الأنوار، ج 44، ص 266.

أسرار الملكوت ج۳

117
  • والتحريض على إزالة حكومة الشام؟! وأين ذهبت كلّ متاعب الطريق والمشقّات وهجران الحياة والأزواج والأولاد؟! أفهل كانت هناك مخالفة أو معصية يكره الإمام وقوعها؟! لقد أغلقت جماعةٌ شريعة الفرات ظلمًا وعدوانًا ومكرًا وخداعًا؛ لأنّهم لا شكّ أصحاب منهج شيطانيّ، يقودهم معاوية بن أبي سفيان، الرجل الأول في المكر والخداع، فوقفوا في مواجهة الحقّ وجنود الإمام المعصوم عليه السلام والوليّ المطْلق وأغلقوا الماء أمامهم لكي يقضوا عليهم، ولكنّهم فرّوا أذلّاء بعد هجوم أصحاب علي عليه السلام الذين فتحوا الطريق واستولوَا على الشريعة. والآن حيث وقعت الشريعة بيد جيش الولاية والإمامة، لماذا لا يستفاد من هذه الفرصة للوصول إلى الهدف والمراد من دون أن يُقتَل أحد أو يصاب بجراحة، ومن دون أن يفقد المؤمنون أرواحهم في طريق الوصول إلى الهدف؟!

  • لو كنّا نحن قادة الجبهة في هذا الموقع فماذا كنّا سنصنع؟ ألم يكن يسوقنا مقتضى الشرع وحكم العقل والعرف إلى إغلاق شريعة الفرات؟ إذن، ما هو هذا الشرع وما هو العقل والمنطق الذي دفع عليًّا عليه السلام إلى إباحتها لهم من جديد؟! إنّ هذا الأمر لفي غاية الحساسيّة والأهمّية، وجدير بكثير من التأمّل. ولو أنّا كنّا قد وصلنا إلى حقيقة وسرّ هذه المسألة، لما وصلت بنا الحال إلى ما نحن عليه، ولهيّأنا لنا ولغيرنا حياة تختلف عن هذه الحياة التي نعيش.

  • إنّ شريعة عليّ عليه السلام هي شريعة الحريّة، ومنطقه منطق الانعتاق من كلّ قيد ومن كل ربقةٍ سوى ربقة العبوديّة لله تعالى وقيد الانقياد له، فهو لا يفكّر في الهزيمة والنصر، ولا يفكّر في إقامة الحكومة والنظام بأيّ نحو كان، وبأيّة خطّة أو مناورة، وبأيّة وسيلة وكيفيّة، وبأيّة حِيلة وخدعة، ولكنّه ينظر إلى أمر الله وما يريده، وينظر إلى أداء تكليفه دون عاقبة العمل ونتيجته. وهذا هو المائز بين حكومة الإمام المعصوم عليه السلام وبين حكومات الآخرين.

  • لم يكن أمير المؤمنين عليه السلام عند فتح شريعة الفرات يفكّر بجيشه والمحيطين به فحسب، بل كان يفكّر بجيش الشام، بل بجميع عصور التاريخ حتّى انقضاء البشريّة،

أسرار الملكوت ج۳

118
  • وقد علّم الجميع درس الحريّة والانقياد للحقّ، ولو كان ذلك موجبًا للهزيمة الظاهريّة وخسارة اليومين العابريْن اللذين نقضيهما في هذه الدنيا. ولهذا لا يمكن أن يُجعل غير عليّ عليه السلام أنموذجًا وأسْوة في مسيرة الحياة.

  • وترجع هذه المسألة إلى حقيقة اندكاك ذات عليّ عليه السلام في ذات الحقّ، والتي يلزم منها تحقّق الهوهويّة والاتحاد بين صفات عليّ عليه السلام وأفعاله وأقواله وصفات الله تعالى وأفعاله، فكما أنّ الله تعالى هو إله جيش عليّ عليه السلام، فهو إله جيش معاوية أيضًا، وهذه الفكرة تستحقّ المزيد من الاهتمام. إذن، كما أنّ عليًّا عليه السلام هو الإمام على جيشه، فهو كذلك الإمام والزعيم والوليّ وصاحب القرار في جيش معاوية أيضًا، وكما يرعى صلاح وفلاح ورضى الحقّ بالنسبة إلى جيشه، يضع نصب عينيه كذلك صلاح ورضى الحقّ في علاقته مع الجيش المقابل. أمّا معاوية وأمثاله فليسوا كذلك.

  • لم يدرك حقيقة هذا السرّ ولم يكشف الستار عنه سوى المعصومون عليهم السلام وخواصُّ أولياء الله، كما يقول الخواجة حافظ الشيرازي رضوان الله عليه:

  • 1- هر كو نكند فهمي، زان كِلْكِ خيالَ انگيز***نقشش به حرام ار خود، صورتگرِ چينْ باشد

  • 2- جامِ مى وخونِ دلْ، هر يك به كسي دادند***در دائره قسمت، اوضاع چنين باشد

  • 3- در كار گلاب وگِل، حكم ازلى اين بود***كاين شاهد بازارى، وآن پرده نشين باشد

  • 4- آن نيست كه حافظ را، رندى بشُد از خاطر***كاين سابقه پيشين، تا روز پَسين باشد 1

    1. ديوان حافظ، الغزل 236. والمعنى:
      1- ليس كل أحدٍ قادرًا على فهم معاني هذا القلم العجيب المثير للخيال( قلم التقدير)، إذ فهم رسوماته حرامٌ عليه، ولو كان أمهر مصوّري الصين( إشارة إلى رجل صيني ماهر في الرسم كان يدعى ماني). 2- وقد قُسِّمَ كلّ من« كأس الشراب» و« العَناء» بين الناس؛ فكان الأول نصيبًا لبعضهم، بينما كان الثاني قسمة
      آخرين، وهذه هي سنّة القدر في الأرزاق.
      3- وجرى الحكم الأزليّ في ماء الورد والتراب؛ فأصبح أحدهما سيّد السوق، بينما بقي الآخر أسير الحجاب قابعاً خلف الأستار.
      4- وليس« حافظٌ» هو من ينسى سِكر العشق الإلهيّ؛ كيف وقد جرى بذلك القضاء الأزليّ ليبقى إلى الأبد ...؟!

أسرار الملكوت ج۳

119
  • نعم، هؤلاء الأولياء الإلهيّون هم وحدهم القادرون على إدراك حقيقة السرّ المكتوم ومعرفة دور تقدير الحقّ تعالى ومشيئته، ووحدهم القادرون على اتّباعه والتأسّي به.

  • نعم، أمير المؤمنين عليه السلام بعمله هذا لا يعطي درسه لجيشه وللمحيطين به فحسب، ولم يكن يتوجّه إليهم وحدهم أن لا تسيروا في طريق إحقاق الحقّ بالخداع والحيلة والتزوير والغشّ والكذب والكتمان والنفاق والمكْر والسرقة والتظاهر بالزهْد والورع، وأنّ هذا المنهج هو منهج حكومة الشيطان لا حكومة الحقّ والإسلام، بل كان يشقّ طريق الفهم والمعرفة والإدراك والبصيرة واليقظة وانفتاح نوافذ النور والإيمان في قلوب أفراد جيش معاوية بل والأجيال الآتية أيضاً، ولذلك كان عليٌ إماماً للجميع وليس فقط لأهل زمانه، وكانت حجّيّة أفعاله خالدة، ولذلك أيضاً تظلّ أفعاله باقية وحيّة أبدًا، وليست كأفعالنا نحن القائمة بنا والمستندة إلينا في زمان حياتنا فقط، ثمّ لا يبقى لها سند ولا حجّيّة ولا قابليّة لأن يتّأسّى بها ويقتدى بعد أن نمضي، تمامًا كما هو الحال في فتوى المجتهد بالنسبة لمقلّديه في حياته، حيث تسقط تلك الفتاوى بعد موته عن درجة الاعتبار، ويجب على مقلّديه أن يرجعوا إلى مجتهد آخر يكون على قيد الحياة.

  • وقد حدث من أمير المؤمنين عليه السلام نظيرٌ لذلك الموقف مع عمرو بن العاص، فعندما تغلّب الإمام عليه السلام عليه في إحدى أيّام القتال، ولجأ عمْرو إلى ذلك العمل القبيح فرارًا من سيف عليّ عليه السلام، أدار الإمام عليه السلام بوجهه عنه على الفور، وانصرف عن قتله.1

    1. وقعة صفّين، ص 407؛ بحار الأنوار، ج 32، ص 585.

أسرار الملكوت ج۳

120
  • والآن كيف ينبغي أن نقرأ سلوك الإمام ومن أيّ منظار ينبغي أن ننظر إليه؟ هل من منظار أهل السياسة والحكم، أم من منظار أهل الشرع والفقه، أم من خلال الرؤية الملكوتيّة واللاهوتيّة؟

  • إنّه من الوضوح بمكان أنّ حياة جيش معاوية وبقاءه كانت منوطة بتدبير وإدارة ومكر وشيطنة عمرو بن العاص، وهذا أمر لا يعتريه ريب، ولو قُتل في هذه الحرب لكان النصر بلا شكّ من نصيب جيش أمير المؤمنين عليه السلام، ولكان أمر معاوية إلى بوار، ولحكم على حكومة معاوية الظالمة بالهزيمة، ولحلّت حكومة عدل عليّ عليه السلام مكانها، ولكانت جميع هذه القضايا والنتائج والانعكاسات نتيجةً قطعيةً لموت عمرو بن العاص، إلّا أنّ هذا العمل الذي قام به أمير المؤمنين عليه السلام قد جعل جميع هذه النتائج تذهب أدراج الرياح، وبطلت وأحبطت بحسب الظاهر جميع أهداف الإمام، ورجع جيش الكوفة إليها مهزومًا على مستوى الظاهر.

  • عجز مباني غير العرفاء عن فهم مواقف أمير المؤمنين في صفين

  • هذا العمل من وجهة نظر أهل السياسة والسلطة مرفوض ولا يمكن تبريره بأيّ نحوٍ من الأنحاء، لأنّ من الجائز في عالم السياسة وفي فنّ الحكم أن تحقّق الغلبة على الخصم بأيّة وسيلة، وأن تسلك إلى النصر من أيّ طريق ومهما كلّف الثمن، وبشكل عامّ، لقد بُني أصل وأساس السياسات والحكومات على هذه القاعدة الأساسيّة الحيويّة؛ ولكنّنا نلمس هنا مخالفة منهج الإمام عليّ وممشاه عليه السلام لهذا القانون وهذه القاعدة الأساسيّة.

  • وأمّا من وجهة نظر الشرع والفقه الظاهري، فليس يخفى على أحد حكم القضاء على الظلم واقتلاع جذور الفساد والإفساد، ووجوب مقدّمات محو الضلال والإضلال وجوبًا غيريًّا، ولا شكّ أنّ ذلك المصْداق البارز والواضح كفيل بتعلّق الحكم بالوجوب ورفع الحرمة، وخصوصًا في تلك الأجواء السيّئة والقبيحة التي أحاط بها اللعين نفسه. إذن، فلو كنّا نحن وهذا المستوى من الإدراك وهذه المعطيات، لكنّا أقدمنا بلا شكّ على قتله والقضاء عليه.

أسرار الملكوت ج۳

121
  • وأمّا من وجهة نظر أهل البصيرة والمعرفة، فإنّ عمله القبيح في هكذا ظروف يعني الاستسلام وفقدان القوّة والقدرة على التحدّي والقتال، مثل من يقع من يده السيف وتُسلب منه وسيلة الدفاع، ففي هكذا ظروف من المقطوع به أنّ وليًّا مثل أمير المؤمنين عليه السلام سيتوقّف عن قتاله مراعاة لقانون المساواة والعدالة في المعركة. وهذه هي الحالة التي يكون فيها كلّ من الوسيلة والهدف في مسار واحد وفي اتّجاه واحد، وهو إحقاق الحقّ المطلق والصدق المطلق والعدل المطلق والعبوديّة المطلقة، وهذا هو الفرق بين حكومة عليّ عليه السلام وحكومات سائر الحكّام. وهذه المسألة هي التي تدعو أمثال عمرو بن العاص ومعاوية بعد أن ضُرب عليّ عليه السلام إلى البكاء عليه، والتأسّف على فقده1، والآن وبعد مضيّ ألف وأربعمائة عام كذلك، لم يزل المفكّرون والساسة، والزعماء والحكماء، والعرفاء الإلهيّون كافّة- كلٌّ حسب رؤيته وبما يتناسب وموقعه- يقفون أمام عليّ عليه السلام وأناملهم في أفواههم حيرى مستغرقين في عظيم فعاله، كما سيبقون كذلك إلى الأبد.

  • ونحن نلمس مثل تلك الأفعال والمواقف عند سائر الأئمّة عليهم السلام في موارد مختلفة، فعلى سبيل المثال، يتجلّى ذلك بوضوح في موقف سيّد الشهداء عليه السلام مع جيش الحرّ بن يزيد الرياحي حين قدّم إليهم الماء.2

  • ولذلك قام راقم هذه السطور بالتأكيد مرارًا ضمن المحاضرات والمقالات على ضرورة أن يُنظَر إلى واقعة كربلاء على أنّها واقعة صمّمت بتدبيرٍ وإدارةٍ من قبل الإمام المعصوم، ولو كان غيره على رأسها لما قدر على إدارتها وتنظيمها كالإمام المعصوم بحيث تبقى عاشوراء عاشوراء إلى الأبد، حتى لو كان هذا المدير في رتبة ودرجة تالي تلو الإمام عليه السلام.

    1. تذكرة الخواص، ص 113؛ المستطرف في كلّ فنّ مستظرف، ص 150؛ مطالب السئول في مناقب آلالرسول، ص 132؛ تاريخ مدينة دمشق، ج 42، ص 582.
    2. بحار الأنوار، ج 44، ص 376.

أسرار الملكوت ج۳

122
  • ولكن للأسف، وبسبب الغفلة عن هذه المباني والإعراض عن الحقائق الراسخة للإمامة والولاية، شاع في هذه الأيّام إطلاق لقب «الإمام» على أناس ذوي مستوى متاح لكثيرين، ومرتبة متعارفة ومألوفة بين الناس، وأمسى أمثال هؤلاء يقدَّمون للمجتمع على أنّهم «عليّ العصر» و «حسين العصر»، وذلك لمجرّد ملاحظة بعض الظواهر والمظاهر البرّاقة وبالاعتماد على العواطف والمشاعر المثيرة.

  • نعم، عندما صار أبو حنيفة الزنديقُ المعاندُ لأهل البيت عليهم السلام «من مفاخر الإسلام»1، فلماذا يُستبعد جواز إطلاق «حسين العصر» و «عليّ العصر» على مختلف الناس؟!

  • وممّا يؤسف له، أنّ تظهر وتبرز هذه العناوين من قِبل بعض الفضلاء في الكتابات والمحاضرات وعلى المنابر، وتجعل بين أيدي عموم الناس وفي ثقافة التشيّع، والجميع ينظر إليها بعين القبول والرضى!

  • من آثار الاكتفاء بالظاهر إطلاق ألقاب الأئمة وأسمائهم على غير المعصومين عليهم السلام

  • إنّ وصف غير المعصومين بألقاب الإمامة والولاية حرام شرعًا، وسيوجب الغضب والسخط الإلهيّين والغيرة الربوبيّة، وإنّ التعدّي والتجاوز على ناموس عالم الخلقة والغاية القصوى من عالم الوجود وخلق الكائنات يعدّ تعدّيًا على حريم القدس الإلهيّ وجوهر عالم الوجود وتنزّل الذات الربوبيّة في قوالب الذوات المقدّسة للمعصومين عليهم السلام، والله تعالى لن يصفح عن هذا الإجحاف والهتْك.

  • وقد طرح والدنا المرحوم العلامة الطهرانيّ- رضوان الله عليه- هذه المسألة بالتفصيل في المجلّد الثامن عشر من كتابه النفيس معرفة الإمام، فأوضحها خير إيضاح وعلى أتمّ وجه وأكمله.2

    1. اسلام ومقتضيات زمان، ص 104؛ مجموعه آثار شهيد مطهّري، ج 21، ص 81؛ وفي الترجمة العربيّة: الإسلام ومقتضيات العصر؛ ص 71.
    2. انظر: معرفة الإمام، ج 18، ص 166؛ وحول مفهوم الإمام عند الشيعة انظر أيضًا من الكتاب نفسه: ج 1، المجالس من 12 إلى 14( من ص 233 إلى ص 291).

أسرار الملكوت ج۳

123
  • لقد كان عليّ المرتضى عليه السلام شخصًا واحدًا فقط، وكان معصومًا، وسائر الأفراد في أيّ رتبة ومقامٍ كانوا ليسوا بمعصومين ولن يكونوا كذلك. والحسين بن عليّ عليه السلام كان أيضًا شخصًا واحدًا فقط، وإذا تقرّر أن يكون في عالم الوجود أحد مثله وشبيهاً له، فسيكون شخصًا واحدًا فقط وفقط، وهو ولده الذي لا مثيل له ولا نظير، الإمام صاحب العصر والزمان الحجّة بن الحسن المهديّ أرواحنا لتراب مقدمه الفداء وحسب، وأما سائر الأفراد فيُعدّون من شيعته ومواليه.

  • ونحن إذ نصف هؤلاء بهذه الألقاب فلسنا فقط لم نرفع من منزلتهم ودرجة قربهم فحسب، بل سنكون بذلك سببًا في توهينهم وابتعادهم عن رحمة الله، وحرمانهم من فيوضات وألطاف الولاية والإمامة، وهذه المسألة ملموسة ومحسوسة تمامًا عند أهل المعرفة والدراية.

  • نعم وكما يقول الشاعر:

  • 1- اى در رخ تو پيدا انوار پادشاهى***در فكرت تو پنهان صد حكمت الهى

  • 2- جايى كه برق عصيان بر آدم صفى زد***ما را چگونه زيبد دعوى بى گناهى

  • 3- بر اهرمن نتابد انوار اسم اعظم***مُلك آن توست وخاتم، فرماى هرچه خواهى

  • 4- باز ارچه گاه گاهى بر سر نهد كلاهى***مرغان قاف دانند آيين پادشاهى 1

  • نعم، كان أحد الخطباء فيما مضى، يشبّه العصر الراهن- وهو زمان قوّة اليهود وسيطرة الحكومة الصهيونيّة على شؤون العالم، وفرض السلطة والإرادة ومخطّطات

    1. ديوان حافظ، الغزل 484. والمعنى:
      1- يا من تبدو في طلعته كلّ الأنوار المَلَكيّة، أنت من استترت في فكره آلاف الحكم الربانيّة.
      2- وإن كان بريق العصيان أحرق صفو آدم أبي الإنسان، فما بال عوام الناس تزعم صفوًا من الأرجاس؟!
      3- أنوار« الاسم الأعظم» لا تتجلّى للشيطان، فالمُلك أبدًا لله والخاتم رهن الرحمن.
      4- ومع أنّ« الصقر» حينًا، يعتمر تاج المُلْك، لكنّ طيور« قافٍ» تعرف أخلاق المُلْك.*
      *« قاف»: اسم جبل يُرمز فيه إلى المقصد النهائي من سفر السالك، وطيوره هم السلاك الذين وصلوا إليه في قصّة السيمرغ( الثلاثون طائرًا) عند فريد الدين العطار، فهي لا تغترّ بالمدّعين كالصقر وإن لبس في الظاهر تاج الملك، ذلك لأنّها تعرف جيّدًا ماهيّة أخلاق الملوك الحقيقيين ورسومهم وآدابهم.( م)

أسرار الملكوت ج۳

124
  • المستعمرين المشؤومة على الآخرين- بزمان حكومة يزيد ونهضة الإمام سيّد الشهداء عليه السلام ويقول:

  • يجب على الإنسان أن يصبّ اهتمامه على النماذج الحيّة التي يقتدي بها في كلّ زمان؛ ففي هذا الزمان علينا أن نبحث عن مصاديق الحسين المعاصرة، إنّ شِمْر ذلك الزمان قد مات في ذلك الزمان، وانتهى إلى قعر جهنّم، ولكنّ شمر هذا الزمان هو «مُوْشِه دايان»1 وعلينا أن نلتفت إلى هذا الشمر، كما علينا أن نلتفت إلى مصاديق الحسين المتواجدة في هذا الزمان لنقتدي بها، ونستوضح منها منهاج الحياة ومسارها!!2

  • وبالالتفات إلى ما تقدّم من حقائق، يتّضح للعيان كم هو واهٍ وسخيف هذا الكلام؛ لأنّ حسين العصر في زماننا إنّما هو الحقيقة المتجسّدة لسيّد الشهداء، وهي متحقّقة ومنحصرة في الوجود المقدّس لولده الإمام بقيّة الله عجّل الله فرجه الشريف دون سواه، ولا يتصّور وجود شخص ثانٍ حصل على هذه المنزلة وهذا المنصب في عالم الوجود، وإطلاق هذا العنوان على شخص آخر سيكون تجاوزًا وتعدّيًا على الحريم الربوبيّ، وذنبًا لا يغتفر. نعم، لا مانع من إطلاق الشمر على الظالمين والمجرمين ويمكن أن يجعل أولئك في رتبة ومنزلة الشمر اللّعين ويذكروا في مصافّ بعضهم البعض.

  • داء الاكتفاء بالظاهر هو نوع من «المادية الدينية»

  • إنّ خير ما يمكنني أن أعبّر به عن أصحاب هذا النوع من التفكير، هو أنّه نوعٌ من «المادّية الدينيّة»، رغم أنّ هذا التعبير قد يكون عسير الهضم عند كثيرين في بادئ الأمر.

  • إنّ لكلّ تكليف- كما أثبت في محلّه وبرهن عليه- صورةً ظاهرةً وحقيقة خارجيّة واقعيّة نعبّر عنها بالمادّة وبجنس التكليف وبالفعل الخارجيّ للإنسان، ويظهر هذا الجنس أو المادّة كحقيقة مشتركة بين الأفراد في أفعال الإنسان وسلوكه وأقواله، ونحن

    1. كان هذا الرجل قد سبّب مجازر وفجائع كثيرة حين كان وزيرًا للحرب في الكيان الصهيوني.
    2. لمزيد من الاطلاع انظر: مؤلّفات الأستاذ الشهيد مطهّري، ج 3، ص 435؛ وج 24، ص 79.( م)

أسرار الملكوت ج۳

125
  • نلمس تلك الحقيقة ونتحسّسها ونراها بأعيننا. وفي هذه المادّة وهذا الجنس، يمكن أن يكون لجميع الأفراد نوٌع واحدٌ من الظهور والتحقّق الخارجيّ، وإن كانوا هم أنفسهم على مراتب متفاوته ومتضادّة مع بعضها البعض.

  • إنّ صلاتَي أبي بكر وعمر لهما نفس عدد ركعات صلاة سلمان والمقداد، وأجزاء الصلاة متساوية ومتشابهة في كلا الصلاتين. وصومهما أيضًا من ناحية اجتناب المفطرات ومراعاة الشروط واحد، وهكذا هو الحال في الحجّ والزكاة والإنفاق والجهاد وغير ذلك من التكاليف.

  • وأمّا ما يشكّل حقيقة التكليف وفعل الإنسان، وبعبارة أخرى: ما يشكّل صورته وحقيقته النوعيّة فهو جهته الملكوتيّة والروحانيّة أو الظلمانيّة والشيطانيّة، كما ورد في الآية الشريفة: (لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَ لا دِماؤُها وَ لكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ)1.

  • فلحوم هذه الأضاحي ودماؤها لن تكون من نصيب الله، ولكنّ ما يصعد إليه هو خلوص النيّة وصفاء الباطن وجهة العبوديّة، فهي التي تستقبلها عوالم الغيب وتقوم بإمضائها.

  • ولذلك فكما أنّ حقائق الأشياء الخارجيّة إنّما تتقوّم بصورها وحقائقها النوعيّة لا بموادّها وجهاتها الجنسيّة، فكذلك حقائق أفعال الإنسان وأقواله ترجع إلى حقائقها الباطنيّة وصورها النوعيّة لا إلى ظواهرها وحقائقها المتجسّدة في الخارج المحسوس، وإن كان ظهورها متشابهٌ بين مختلف الأفراد.

  • ففي ليلة عاشوراء، كانت صلاة عمر بن سعد وقراءته عين صلاة سيّد الشهداء عليه السلام وقراءته، ولكن أين هذه من تلك؟!

  • وفي حرب صفّين، كان كلا الطرفين المتخاصمين مدّعيًا إحقاق الحقّ والتقرّب إلى الله والقيام بالعدل، ولكن أين ادّعاء معاوية الفارغ التافه والشيطانيّ من ادّعاء عليّ المحقّ؟!

    1. سورة الحجّ( 22)، صدر الآية 37.

أسرار الملكوت ج۳

126
  • وفي حرب النهروان، كان كلا الفريقين من أمير المؤمنين عليه السلام والخوارج، مدّعيًا القيام بالحقّ ومواجهة الظلم وإزالة الفتنة، ولكن كيف كانت حقيقة الأمر؟ هل يمكننا أن نجعل خوارج النهروان في عداد مجاهدي الإسلام والمقاتلين في سبيل الله لمجرّد أنّهم كانوا مخالفين لمعاوية معادين له ولحكومته؟ أم أنّ مقياس الحقّ والباطل هو مدى موافقة عليّ عليه السلام ومخالفته فحسب؟ ولو نظرنا إلى قتالهم لمعاوية وإراقتهم دماءهم في سبيل مواجهته والقضاء عليه، دون أن يكون لنا علم بباطن نيّتهم ومنهجهم وعقيدتهم وعداوتهم لولاية عليّ عليه السلام ومخالفتهم له، فسنعتبرهم من مفاخر الإسلام، وسنتمنّى لهم الفوز والنجاة والفلاح. لماذا؟ لأنّنا نشعر أنّهم في مواجهةٍ وخصومةٍ مع حاكم ظالم وجائر، وهذا المقدار يكفينا!

  • النزعة الماديّة في امتداح فتوحات بني أميّة وقصورهم ومساجدهم

  • في الوقت الحاضر، يعتبر البعض فتوحات بني أميّة وعمارات حكّامهم الفخمة في البلاد الأجنبيّة وبالخصوص في الغرب من مفاخر الإسلام! ويعدّون القصور المحيّرة للعقول والمساجد والأبنية المَلَكيّة من مظاهر ثقافة الإسلام الراقية الرفيعة، ويرون أنّ حضارة الإسلام متجسّدة في بناء هذه الأبنية!1

  • ولكن هل ظهرت وبرزت ثقافة الإسلام وتعاليمه في هذه القصور والمساجد؟ وهل مفهومنا لمباني الإسلام هو الرسومات والنقوش والزخارف والفنون التي استخدمت في باحات هذه الأبنية وجدرانها وسُقُفها؟ هل وضع الأحجار بعضها فوق بعض والاهتمام بالأبواب والجدران وتجصيصها وتزيينها، وبناء الأبنية العالية والصالات الفخمة ناشئ من ثقافة الإسلام؟! أين أوصى الإسلام بهذا النحو من الزينة الباهظة والزخارف الأخّاذة؟!

  • مَن هم الذين حكموا في هذه القصور؟ وكيف كانوا يدبّرون ويديرون شؤون البلاد؟ هل نطلق اسم الثقافة الإسلاميّة والفكر الإسلامي على تلك الزينة الساحرة والصالات المرصّعة بالمرايا والعروش الفخمة؟ أم على الظلم والعدوان والخلاعة والمجون ومجالس الرقص والغناء؟

    1. مجله حوزه( مجلّة الحوزة)، العدد 41، ص 19 إلى 38،( حوار مع الحاجّ الشيخ محمّد واعظ زاده الخراسانيّ).

أسرار الملكوت ج۳

127
  • حقًّا ماذا كان يجري هناك في قصر الحمراء في مدينة غرناطة في إسبانيا والذي هو غاية ما ينظر إليه هؤلاء؟1

  • عظمة الإسلام لا تبرز في ضخامة المعابد بل في قدرته على تربية النفوس وإيصالها إلى الكمال

  • إنّ تشييد الأبنية الفخمة ليس سوى نتيجة لذوق وفنّ أحد المتخصّصين، سواء كان مسلمًا أو غير مسلم، وكم وكم استفادوا في تشييد هكذا أبنية من غير المسلمين!

  • وفضلًا عن ذلك، ألا نجد ذلك العمران بل أفضل وأرفع منه في المجتمعات المسيحيّة واليهوديّة؟! إنّ الأبنية العظيمة والفخمة والمنمّقة والقصور والكنائس في الدول الغربيّة والمسيحيّة تفوق ما في المجتمعات الإسلاميّة عظمةً ودقّةً وهندسة ورسمًا؛ فأين لدينا نظير لتلك التماثيل المنحوتة والمصقولة بأفضل الأحجار الكريمة وبأجمل الطرق والأساليب في فنّ النحْت بما يبْهر العيون ويحيّر العقول؟! قلّما تجد في مجتمع من المجتمعات ما تجده في المجتمع المسيحيّ من لوحات نفيسة جدًّا لأشهر الرسامين والنحّاتين، وما دام الأمر كذلك فما معنى الفخر والمباهاة بعظمة وجمال هذه الفنّيّات؟

  • نعم، ليست قيمة الإسلام وعظمته في بناء القصور الفخمة والمساجد المزيّنة بالرسوم والنقوش المذهّبة الساحرة، فهذا مشهود في مظاهر سائر الأديان أيضًا على نحو أحسن وأكمل، ولكنّ قيمة الإسلام هي في تبديل وتحويل مادّة الجهل والقساوة وعدم الرحمة في وأد البنات البريئة، إلى جوهر للحياة الطيّبة والنفس المطمئنّة والأفق الأعلى في أرفع مراتب العلم والنور والتجرّد.

  • قيمة الإسلام هي في تربية النفوس وتزكيتها والعبور من وادي الكثرة ومهالك النفس الأمّارة والوصول إلى حرم وحريم ذات الإله، لا في صفّ الأحجار والرسم على المباني والقصور وتزيينها!

  • (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ إِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ)2.

    1. لقد زار راقم هذه السطور ذلك المكان عن كثب، وإنّي لأخجل من وصفه وبيان ما فيه!
    2. سورة آل عمران( 3) الآية 164.

أسرار الملكوت ج۳

128
  • قيمة الإسلام هي في تبديل النفس الظلمانيّة المنغمرة في الشهوات والتعلّقات الدنيويّة والأنانيّات، إلى نفس قدسيّة لاهوتيّة. وفي تحقيق الفناء في الذات الإلهيّة المقدّسة، بحيث تغدو تلك النفس مرآة تامّة لجميع أسماء الحقّ تعالى وصفاته، مكتسية بخلعة «بي يُبصر وبي يَسمع»1، وتصير الذات والصفات والأفعال جميعًا مظْهر ذات الحقّ تعالى وصفاته وأفعاله، والمصداق الأتمّ لـ: «أقول للشيء كُنْ فيكون، وتقول للشيء كُنْ فيكون»2. نعم، تلك هي قيمة الإسلام ومدرسة التشيّع وأهل البيت عليهم السلام.

    1. معرفة الله، ج 1، ص 289: وقد بحث الشيخ عزيز الدين النسفيّ هذا الحديث في ثلاثة مواضع من كتاب« الإنسان الكامل»:
      الأوّل: خلال بحثه في العقل ودرجاته، فهو يعتبر أن العقل الأعلى والأرقى موجود لدى مَن تحقّق في شأنه الحديث القدسيّ: كُنْتُ لَهُ سَمْعًا وبَصَرًا ويَدًا ولِسَانًا، بِي يَسْمَعُ وبِي يُبْصِرُ وبِي يَبْطِشُ وبِي يَنْطِقُ.
      الثاني: خلال بحثه في المشكاة، فهو يطنب في الشرح حتى يصل إلى هذا الحديث.
      الثالث: خلال بحثه في لقاء الله، يستشهد بهذا الحديث.*
      *.« الإنسان الكامل» للنسفيّ، بتصحيح ومقدّمة فرانسوا ماريجان موله، طبعة تابان، سنة 1341، الصفحات: 136 و 285 و 305 على التوالي. قال بخصوص الموضع الثالث ما هذا ترجمته:
      « يا أيّها الدرويش! لن يكون بإمكان السالك معرفة أيّ شيء ورؤيته كما هو ما لم يتشرّف بلقاء الله. وليس للسالك شغل شاغل غير معرفة الله ورؤيته، ومعرفة صفاته ورؤيتها. فمَن لم ير الله ولم يعرف صفاته فهو كمَن جاء( إلى الدنيا) أعمى وخرج( منها) أعمى. فإذا وصل السالك إلى نور الله فقد خلّف وراءه كلّ الرياضات والمجاهدات الصعبة، ووصل إلى المقام الذي يقول عنه الله: كُنْتُ لَهُ سَمْعًا وبَصَرًا ويَدًا ولِسَانًا، وبِي يَسْمَعُ وبِي يُبْصِرُ وبِي يَبْطِشُ وبِي يَنْطِقُ. وكذا فقد وصل إلى المقام الذي قال عنه رسول الله عليه السلام: اتَّقُوا فَرَاسَةَ المُؤْمِنِ، فَإنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللهِ. وعند وصول السالك إلى نور الله فهو حينئذٍ سائر في طريق نور الله. فقد كان حتى تلك اللحظة سائرًا في طريق نور العقل؛ وهو ذا عمل العقل قد انتهى؛ وهو الآن سائر في طريق نور الله. ويسير طورًا في طريق نور الله حيث تزال كلّ الحُجُب النورانيّة والظلمانيّة من أمام السالك، فيرى الأخير الله ويعرفه. إذن فلا يمكن رؤية نور الله أو معرفته إلّا بنور منه أيضًا».
    2. معرفة الله، ج 2، ص 86، التعليقة:
      لقد ورد في الحديث القدسيّ عن العلّام الخلّاق أنّه قال:« عَبْدِي أطِعْنِي أجْعَلْكَ مِثْلِي! أنَا حَيّ لَا أمُوتُ، أجْعَلُكَ حَيًّا لَا تَمُوتُ! أنَا غَنِيّ لَا أفْتَقِرُ، أجْعَلُكَ غَنِيَّا لَا تَفْتَقِرُ! أنَا مَهْمَا أشَاءُ يَكُونُ، أجْعَلُكَ مَهْمَا تَشَاءُ يَكُونُ!».
      وروى كعب الأحبار هذا الحديث بالصيغة التالية:« يَابْنَ آدَمَ! أنَا غَنِيّ لَا أفْتَقِرُ، أطِعْنِي فِيمَا أمَرْتُكَ أجْعَلْكَ غَنِيَّا لَا تَفْتَقِرُ! يَابْنَ آدَمَ، أنَا حَيّ لَا أمُوتُ؛ أطِعْنِي فِيمَا أمَرْتُكَ أجْعَلْكَ حَيَّا لَا تَمُوتُ! أنَا أقُولُ لِلشَّيءِ كُنْ فَيَكُونُ؛ أطِعْنِي فِيمَا أمَرْتُكَ تَقُولُ لِلشَّيءِ كُنْ فَيَكُونُ!»(« كلمة الله» ص 140؛ وذكر في ص 536 الكُتب التالية كمصادر للحديث: كتاب« عدّة الداعي» لأحمد بن فهد الحلّيّ عن كعب الأحبار، وكتاب« مشارق أنوار اليقين» للحافظ رجب البرسيّ، وكتاب« إرشاد القلوب» للحسن بن محمّد الديلميّ).
      ويقول في الصفحة 143: ورد في الحديث القدسيّ:« إنَّ لِلَّهِ عِبَادًا أطَاعُوهُ فِيمَا أرَادَ فَأطَاعَهُمْ فِيمَا أرَادُوا، يَقُولُونَ لِلشَّيءِ كُنْ فَيَكُونُ».( و في ص 537 نسب مصدره إلى كتاب« مشارق أنوار اليقين» للحافظ رجب البرسيّ).

أسرار الملكوت ج۳

129
  • ويبيّن الله تعالى قيمة الإسلام هذه في آية أخرى أيضًا حيث يقول:

  • (وَ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً).1

  • أما سائر الأديان والمسيحيّة على الخصوص، فهي ترى أنّ بناء المعابد المرتفعة وتزيينها بأنواع الزينة والنقوش هو مظْهرٌ للسلطة وهيمنة القيّمين على المعابد، ومن هنا تجد كلّ أمّة تبذل غاية جهدها لتحقيق أقصى درجة من العظمة والجلال والأبّهة الأخّاذة. وتكشف كنيسة البابا الفخمة في مدينة الفاتيكان بوضوح عن هذه الفكرة وهذا النحو من التفكير، وهو ملموس كذلك في الكنائس الكبيرة في كلّ مدينة (الكاتدرائيات)2، وهكذا هو الحال في صومعات ومعابد سائر الأديان ومعابد الأوثان. ولكن لمَ كان الأمر كذلك؟ وما الذي يدفعهم ليقوموا بهكذا أعمال حتّى غدت كلّ طائفة تتنافس في مضاعفة مظاهر العظمة متفاخرة على أمثالها وأقرانها؟

  • وفي زماننا هذا بُنيت كنسية في إحدى الدول الإفريقيّة يقال: إنّها تفوق في مساحتها كنيسة «سانت بيتر» في الفاتيكان- والتي هي أفخم وأعظم كنيسة في العالم- بعدّة أمتار مربّعة، ويقال: إن باني الكنسية كان يقول: «أريد أن أبني معبدًا أعظم من جميع معابد العالم بما فيها كنسية الروم».3

  • إنّ سرّ ذلك هو أنّ أرباب هذه المعابد وبسبب بعْدهم وخلوّهم من ثقافة التوحيد والعرفان وحقيقة العبوديّة والاتصال بالمبدأ السرمديّ، ليس لهم نصيب من ظهور مرتبة التوحيد والخضوع في مقام العبوديّة أمام مقام الربوبيّة، ولهذا لا يمكنهم إيجاد جاذبيّة بين الناس ليسوقوهم ويجذبوهم بواسطتها إلى الله تعالى، فهم يستخدمون هذه الخدعة والحيلة ليشدّوا الناس والزائرين باتّجاه العظمة المجازيّة والرفْعة الظاهريّة

    1. سورة آل عمران( 3)، جزء من الآية 103.
    2. .Cathedral
    3. تقع هذه الكنيسة في مدينة ياماسوكرو(Yamouss oukro )، وقد زرت تلك الكنيسة وصادف أن كان ذلك في يوم الأحد أثناء أدائهم لطقوسهم الدينيّة.

أسرار الملكوت ج۳

130
  • والبهرجة الدنيويّة، وتراهم يجعلون منصّتهم في مكان أعلى من مستوى جلوس الحاضرين لكي يجعلوا أعين الظاهريين وإحساساتهم وتوهّماتهم تحت تسلّطهم وهيمنتهم بواسطة الرفعة الظاهريّة والمنزلة الرفيعة، وليرغموا الناس على نوع من العبوديّة والخشوع والخضوع أمامهم، ويكسبوا الرفعة والأبّهة والسيطرة المختلقة والكاذبة من خلال حقن التخيّلات والتوهّمات.

  • والسؤال الذي يطرح الآن هو: ألسنا نحن كذلك؟ أوليست أعمالنا وأقوالنا وطريقة سلوكنا واقعة في سبيل تحقيق هكذا أهداف؟ أوليست المجالس والمراسم والاعتبارات الشكليّة والمبالغ الطائلة الخياليّة التي تنفق لأجل ذلك .. أليس كلّ ذلك من أجل تلك الرفعة والشأن والمقام الموهوم والناشيء عن الأوهام النفسيّة.

  • إنَّ الرِّفعة والعزَّة والكبرياء مختصة في الدين الإسلامي بذات الله، وليس لغيره سبيل إلى الاتصاف بها: (إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً)1.

  • بناءً على هذا فإنَّ الخضوع والخشوع والعبودية يجب أن تكون لله وحده، ويجب ألّا يكون لسواه من شوائب الكثرة والأغيار نصيب من الخطور في ذهن الإنسان؛ ولا يحقّ للإنسان أن يُعظِّم أحدًا مقابل الحقّ أو أن يُقيم له وزنًا كائنًا من كان.

  • لذا نرى أنّ التفاوت بين تعليمات الدين الإسلاميّ بشأن بناء المساجد وبين ما هو متداول بيننا اليوم هو كالتفاوت بين السماء والأرض.

  • يجب أن يكون المسجد وفقًا للمعايير الإسلامية خاليًا من الألوان والنقوش، وألّا يتجاوز ارتفاع جدرانه قدر قامة إنسان؛ وإذا ما دعت الحاجة إلى بناء سقف للوقاية من حرارة الشمس أو المطر والثلوج، فيجب أن يكون هذا السقف من الخشب وأغصان الأشجار وفقًا للقول النبويّ: «عَريشٌ كعَريشِ مُوسَى»2. لأنَّه في المسجد والمعبد،

    1. سورة يونس( 10)، مقطع من الآية 65.
    2. الكافي، ج 3، ص 296.

أسرار الملكوت ج۳

131
  • يجب أن يكون ذهن الإنسان وفكره واهتمامه متّجهًا نحو الله، لا نحو الأبواب والجدران والنقوش والفسيفساء والذهب المغلِّف لها والسقوف العالية الفاخرة. ويجب أن يتمّ أداء الصلاة في حال من الانقطاع والذكر لمبدأ الوجود، فكيف يمكن للمصلّي استحصال حضور القلب في صلاته في هكذا مساجد وحسينيّات لكل واحد منها شأن وحكاية في فنّ العمارة والبناء، والتي تدور بينها المنافسة في التفوّق على غيرها في هكذا مظاهر دنيوية؟!

  • كان المرحوم والدنا- قدّس الله سرّه- يقول ولمرات عديدة: «لو كان الأمر لي لهدّمت هذا المحراب (محراب مسجد القائم في طهران) بالمعول»، مع أنّه لم يكن على حال يصلح لأن يقارن فيها مع ما عليه سائر المساجد والحسينيّات من التزيين بالفسيفساء والذّهب، ولم يكن على تلك الفخامة والأُبّهه.

  • يجب أن تتجلّى في المساجد التي تُبنى وفقًا لمبادئ الدين الإسلامي حقيقةُ التوحيد وعظمة الحقّ وكبرياؤه فقط لا غير، وهذا لا ينسجم مع تزيّين الأبواب والجدران.

  • إنّ مصدر كلّ هذه الأخطاء هو رسوخ النزعة الماديّة الدينيّة والنظرة الظاهريّة للأمور وطغيان التخيّلات والتوهّمات والابتعاد عن الحقائق النورانيّة لمذهب التشيّع والعرفان. فيجب أن يتبدّل هذا النحو من التفكير ليحلَّ محله ذلك الأفق الشامخ والراقي للسنّة النبويّة وسيرة ومنهاج أهل البيت عليهم السلام.

  • خلاصة المجلس الرابع عشر: معيار صواب الأقوال والأفعال هو تطابقها مع موازين الولاية

  • إنَّ حقيقة الشريعة والدين من وجهة نظر المتشرِّع العالِم بالشريعة والمُطَّلع على الولاية والعالِم بالتوحيد والحقائق الملكوتيّة، هي تعلّق القلب وتمسّك النفس وارتباط روح الإنسان بولاية وروح الإمام المعصوم عليه السلام، لا غير. فإذا ما تهجَّدتَ الليل حتّى الصباح، وصمتَ نهارك حتّى الليل، ولم تضع سيفك في غمده مقاتلًا الكفّار والظالمين ألف سنةٍ دون أن يكون ذلك بقصد الاتباع والانقياد لوليّ الحقّ، فسوف لن

أسرار الملكوت ج۳

132
  • يكون لكلّ ذلك من قيمة عند الله، وسوف لن يسوقك إلى التجرّد والتوحيد قيد شعرة، وستُمضي عمرك حتّى آخره أسيرًا لأهوائك وتخيّلاتك وأوهامك النفسيّة1.

  • فمن من وجهة نظر هؤلاء القصيري النظر، يكفي أن يخرج أحدهم على معاوية أو أن يقف بوجه المنصور الدوانيقيّ- كما هو الحال مع أبي حنيفة المعاند الذي لا دين له- حتّى يكون عمله صحيحًا ويُعدَّ من مفاخر الإسلام؛ غير مبالين بموقفه تجاه الإمام عليه السلام وهل هو من خصومه وأعدائه أم لا.

  • و لهذا السبب تجد أنّ أمثال هؤلاء إذا ما صادفوا في حياتهم وقوع أحداث وقضايا من هذا القبيل، فإنَّهم ينجذبون إليها وتتعلّق أفئدتهم بها دون تحرٍّ عن الأسرار والخفايا والحقائق الكامنة وراءها، فيدافعون عنها بتمام وجودهم، ويقومون بالترويج لها وتبريرها، ولا يتحمّلون الاستماع إلى الانتقاد والمناقشة في محتواها، ويصفون هذه الأحداث على أنَّها تجلّي إرادة الحق وظهور مشيئته في إقامة نظام العدل والتوحيد؛ في الوقت الذي يحرمون فيه أنفسهم من إدراك حقيقة وواقع الأمر ويقطعون علاقتهم بمصدر النور ومعرفة كنه الأشياء ويغمضون أعينهم عن رؤية خفايا وأسرار هذه القضايا، ويمنعون أنفسهم حظّ الاستنارة من أنوار العرفاء بالله والأولياء الإلهيّين، الذين يعملون على إنارة وفتح أعين العقل والقلب، وإزاحة الستار عن الحقائق المغطّاة والأسرار الخفيّة لهذه الأحداث، فيُغادرون هذا العالم إلى العالم الآخر قبل أن تنضج ثمار وجودهم، وبدون الفوز بتحقيق الهدف المنشود، في حالة من اليأس والأسف على ما فاتهم من رأسمالهم الذي ذهب أدراج الرياح وعمرهم الذي ذهب هباءً، وهكذا يغادرون هذا العالم ليرَوا كيف سيحاسبهم الله ويعاملهم!

    1. من لا يحضره الفقيه، ج 2، ص 245: وروي عن أبي حمزة الثمالي قال:« قال لنا علي بن الحسين عليهما السلام: أي البقاع أفضل؟ فقلنا: الله ورسوله وابن رسوله أعلم، فقال: أما أفضل البقاع ما بين الركن والمقام، ولو أن رجلا عُمّر ما عُمّر نوح عليه السلام في قومه- ألف سنة إلا خمسين عامًا- يصوم النهار ويقوم الليل في ذلك المكان ثم لقي الله عز وجل بغير ولايتنا لم ينفعه ذلك شيئًا».( م)

أسرار الملكوت ج۳

133
  • عاشق شو ار نه روزى كار جهان سرآيد***ناخوانده درس مقصود از كارگاه هستى 1

  • [يقول: كنْ عاشقًا؛ وإلّا فسينتهي أمر العالَم يومًا دون أن تُدرِك الغاية مِن خلْقِ عالَم الوجود].

  • إنَّ هؤلاء ينظرون إلى هذه الأحداث وإلى قادتها بعين الظاهر والذي يمثّل مادّة فعلهم الظاهرة، غافلين عن نوايا وأهداف هذه الأحداث وزعمائها، فهم يجعلون أساس التقييم هو ظاهر تصرّفاتهم وأفعالهم الجاذبة لعوامّ الناس، غير مطّلعين على حقائق الأقوال والأفعال، فيبتلون بتلك النزعة الماديّة الدينيّة التي تحدّثنا عنها آنفًا، حارمين أنفسهم والآخرين من الوصول إلى حقيقة الأمر وواقعه؛ «ضلّوا وأضلّوا».2

  • ولذا نراهم وبعد مرور فترة من الزمن وبروز بعض القضايا بسبب تقلّبات الأحداث وانكشاف بعض الأسرار المخفيّة والتعرّف على كنه النفوس وبواطن النوايا المبيّتة، يتأوّهون ويتأسّفون على عمرهم الذي ذهب أدراج الرياح وجهودهم التي ذهبت هدرًا ومحاولاتهم غير المثمرة، وينتحبون وينادون بنداء (يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ)3؛ ولكن ما الفائدة من ذلك بعد أن فات الأوان، ولم يعد يمكن إزالة التبعات وجبران الخسائر والعواقب الناجمة عن الجهل والضلالة.

  • يعترف الحقير ويُقِر بأنَّه: لولا ما قام به الوالد المعظّم روحي فداه من ألطاف وإرشادات، وتنويرٍ للأفكار، وبيانٍ للحقائق والأسرار، وكشفٍ عن بعض الخفايا؛ لكنت ابتُليتُ بما ابتُليَ به الآخرون، من الوقوع في تلك الورطة وذاك الفخ. والآن بعد أن مضى من عمري ما مضى، وإذ صرت ميمّمًا وجهي شطر رحمة ربّي الودود وغفرانه، أشكر الله المنّان وأسجد سجدة شكر وعبوديّة لِلُطفه غير المتناهي على ما مَنَّ به عَليَّ، حيث قيّض لي هكذا عبداً صالحاً ومطيعًا لله ومنقادًا لأوامره وتكاليفه، قد اتّحدَ قلبه وسِرّه مع قلب وسِرّ حقيقة الولاية صاحب الأمر أرواحنا فداه، وتحقّقَ بحقيقته، وكانت

    1. ديوان حافظ، الغزل 438.
    2. الكافي، ج 1، ص 184.
    3. سورة الزمر( 39)، مقطع من الآية 56.

أسرار الملكوت ج۳

134
  • الأنوار الربوبيّة تُضيء وتفيض على نفسه المستنيرة على الدوام، فأخذ بيدي بفضل هدايته وإرشاده فلم أقع في فخاخ شياطين هذا الزمان وقطّاع طرقه، وتمكنت من تمييّز الطريق السويّ من الهاوية، والجادة من العقبة، والمحجّة اللائحة من الأودية الموحشة المُخيفة، وأشكره تعالى أنّي التزمت بهذا الطريق والمنهاج الذي تعلّمته من أولياء الله، وأنّي دعوت الآخرين إلى السير عليه، وأدّيت تلك الأمانة التي كنت أشعر بثقلها والتي نتجت عن قضاء عمري في صحبة العرفاء بالله، أدّيتها إلى أهلها وسلّمتها لهم؛ والحمد لله أوّلًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا وهو بكل شيءٍ عليم، (وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً* يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَ الظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً)1.

  • إنَّ رعاية حريم أهل البيت هو حفظ للمذهب ورعاية له، ومذهب الإنسان هو شرفه؛ فمراعاة حدود وحُرمة أهل البيت هي مراعاةٌ لحريم النفس وشرفها، والعكس بالعكس.

  • إنَّ فخر الشيعيّ يكمن في كيفيّة مراعاته واحترامه لمكانة زعماء الدين وحاملي لواء مدرسة التشيّع، وهم الأئمة الهداة المعصومون عليهم السلام، في مجموع ثقافته ومحاوراته وكلماته وأفعاله، وأن يحفظ لهم درجتهم ومنزلتهم في استخدامه. للمصطلحات والألفاظ، وأن لا يسمح لأحد بالورود في حريمهم ومنزلتهم ودرجاتهم؛ وأن لا يحطّ من مكانتهم الرفيعة التي يختصّ بيانها والكشف عنها بالحقّ سبحانه، فلا يهبط بها إلى الدرجات السفلى لنفوس الناس العاديّين المختلطة بالأوهام والأهواء؛ فيكون بذلك قد سمح بالتجاوز والتعدّي على شرفه الشخصيّ، ولم يراع حرمته، ولم يحفظ حدوده.

  • إنَّ ثورة زيد بن علي ويحيى بن زيد، وإن كانت ثورة وجهادًا ضدّ الكفار والظّلمة، وكانت بنِيّة صادقة وضمير مخلص، إلّا أنَّها لم تكن بإذنٍ وترخيصٍ من وليّ ذلك الزمان

    1. سورة الإنسان( 76)، الآيتان 30- 31.

أسرار الملكوت ج۳

135
  • والإمام المعصوم عليه السلام، ولم تكن بإمضاءٍ منه ولا برضى قلبه، رغم أنّه لم يصدر في الظاهر تشديد أو منع صريح وقاطع من قبل المعصومين عليهم السلام بهذا الشأن. فبناءً على هذا، لو كنّا في عصرهم وكنّا متواجدين معهم، فما هو التكليف الذي كنا نراه يترتّب علينا تجاههما وتجاه قيامهما؟ الأمر واضح جدًا، فتكليفنا هو طاعة الإمام الباقر والإمام الصادق عليهما السلام، لا أيّ رجل آخر أيًّا كان، وحساب الآخرين على الله لا علينا.

  • إنّ واجبنا هو طاعة الإمام، فلو أنّ الإمام قال لنا: شاركوا في جيش زيد وانصروه، فسيكون تكليفنا المشاركة في جيش زيد آنذاك؛ فإذا ما قُتلنا، فسنُحسب في عِداد الشهداء ونُعدُّ من الموالين للإمام المعصوم عليه السلام، ولو قال عليه السلام لنا: لا شأن لكم به؛ أو أنَّه: سوف لن يترتب على المشاركة أيّ أثر، فعندها سيكون واجبنا وتكليفنا هو التوقّف وعدم المشاركة في هذا القتال وتلك الحرب. تلك هي السنّة المستمرة على مرّ التاريخ، وما كان الله ليحرم عباده من الهداية والإرشاد إلى الواقع أبدًا.

  • وأما محمّد وإبراهيم أبناء عبد الله المحض اللذين ثارا على الخليفة العبّاسيّ المنصور الدوانيقي، فلا شكّ أنّ ثورتهما كانت ثورة جائرة؛ لأنَّهما كانا يهدفان إلى السيطرة على السلطة وتنحية الإمام المعصوم جانبًا، حتّى إنَّهما لم يتورّعا عن الظلّم والتعدّي على الإمام وإلقائه في السجن لتحقيق هدفهم؛ وكان من المحتمل أن يقوموا بقتل الإمام لولا تغلّب المنصور عليهم. ففي هكذا حالة، فعلى الرغم من وقوفهم بوجه سلطة بني العبّاس الطاغوتيّة، إلّا أنَّهم هم أنفسهم لم يكونوا منزَّهين عن الغواية والضلال، ولم تكن سيرتهم سيرة الصالحين كزيد بن عليّ.

  • وزبدة الكلام أنَّ المعيار في صواب الأقوال والأفعال في مدرسة التشيّع هو مدى تطابقها مع موازين الإمامة والولاية، وهذه هي حقيقة الفعل والسلوك الإنساني وصورته وجوهره، أمّا ظاهره المتمثّل بموادّ الأحكام وأشكال التكاليف، سواءً كانت صلاةً أو صومًا أو خمسًا أو جهادًا أو حجًا أو غير ذلك فهو لا يساوي لدى ساحة العزَّ الربوبيّ مثقال ذرّة، وقيمة هذه الأفعال إنّما هي منوطة بحقيقتها ولبَّها وباطنها.

أسرار الملكوت ج۳

136
  • وعلى هذا فإنّ أولئك الجهلاء الذين كانوا يعدّون سقيفة بني ساعدة من مفاخر الإسلام أو الذين كانوا يعتبرون العصر الأموي هو العصر الذهبي وعصر ازدهار الحكومة الإسلاميّة، قد وقعوا في خطأ وانحراف كبيرين، وقد ابتلوا بداء النزعة المادية الدينيّة ذاك وأصيبوا بمرض النظرة الظاهريّة للفتوحات والمعارك والحروب، وإنهم لمسؤولون أمام المذهب والتاريخ.

  • إنّ ما تمّ ذكره إلى الآن هو عرضٌ مختصر لشيء من الثقافة الشيعية بشأن استخدام المصطلحات والتعابير وضرورة رعاية الضوابط في استخدام الألقاب وعدم التفريط بمبادئ التشيّع، وضرورة الابتعاد عن المبالغة والإفراط وتجاوز الحدود والحُرمات في الكلام. ولا ريب أنّه لم يتمّ هنا أداء حقّ الموضوع كما ينبغي، وهذا مجمل من تفاصيل لا تقتضيها طبيعة الكتاب. وقد نقل الحقير كافّة هذه المطالب من كلمات وكتابات ومنهج وسيرة العلامة الوالد قدّس الله سرّه، ولم أضف من عندي بمقدار ذّرة، وراعيت الأمانة في النقل جهد الإمكان. فبناءً على هذا يستطيع القرّاء المحترمون اعتبار هذه المواضيع على أنَّها آراء ومعتقدات ومبادئ ذلك العارف الربانيّ بدون زيادة أو نقصان؛ (وَ اللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ).1

  • نعود الآن لاستكمال بحوث الجزء الثاني وإكمال مواضيعه المتعلقة بوليّ الله والعارف بالله، حيث تمّ بيان ذلك من الناحيتين الثبوتيّة والإثباتيّة، وطرحت- بشكل أو بآخر- بعض المسائل حول شأنه وشخصيّته.

    1. سورة البروج( 58)، الآية 20.

أسرار الملكوت ج۳

137
  •  

  •  

  • المجلس الخامس عشر: وظيفة السالك إلى الله عند وجود الوصيّ الظاهريّ

  •  

  •  

أسرار الملكوت ج۳

139
  •  

  •  

  • بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيْم

  • الحَمْدُ للّه رَبِّ العَالَمِيْن

  • والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى خَيرِ المُرسَلينَ مُحمّدٍ وَآله الطَاهِرين

  • وَلَعْنَةُ الله عَلى أَعْدَائِهِم أَجْمَعِيْن

  •  

  •  

  • الإشارة إلى ما تقدّم في المجلّد الثاني حول حجيّة أفعال وأقوال ولي الله، والأجواء التي أثارها

  • تقدّم مجملًا في الجزء الثاني من الكتاب أنَّ حقيقة العارف بالله وهويّته هي هجران النفس بكافة ما فيها من مراتب الكثرة، سواء منها ما يتعلق بمنازل الوهم والخيال، أو العوالم الروحانيّة، وأنّ حقيقته هي الخروج من الإنيّة والأنانيّة، والانمحاء والفناء في الذات الإلهيّة المقدّسة، حيث يكون من الطبيعيّ في هذا المقام أن يكتسب الحياة والبقاء- بسرّه وقلبه ونفسه وفعله وفكره- من تلك الذات التي هي مبدأ التوحيد ومنشؤه ومنبعه، وأن يصبح كلّ ما يصدر عنه ناشئًا من رشحات وأنوار عالم القُدس، ويغدوَ سمعُه وبصرُه ولسانُه سمعَ الله وبصرَه ولسانَه؛ ولهذا سيكون لكلامه حجيّة ذاتيّة، لأنَّ الكلام هو أحد الآثار المترشّحة عن النفس وملكاتها، في حين أنّ هذه النفس صارت متّحدة مع نفس صاحب الولاية الإلهيّة الكبرى، ونفس صاحب هذه الولاية هي التي تقوم بإظهار هذا الأثر من نافذة نفس العارف؛ وبهذا يكون منهاجه وسيرته سنّة يمكن الاعتماد عليها واتباعها، كما بيّن ذلك المرحوم العلّامة الوالد- قدّس سرّه- في كتابه «الروح المجرّد».1

    1. الروح المجرد، ص 205. وسيصدر للمؤلّف قريبًا إن شاء الله كتاب بعنوان:« سيرة الصالحين» حول موضوع حجيّة أفعال وأقوال أولياء الله.

أسرار الملكوت ج۳

140
  • ورغم أنّه تمّ السعي في الجزء الثاني من الكتاب إلى بيان المطالب بعبارات مألوفة وألفاظ سهلة الفهم قدر الامكان، ورغم أنّه قد جرى تنزيلها من درجتها العالية وأفقها الأعلى إلى مفاهيم ومصاديق مأنوسة بما لا يضرّ بأصل الفكرة؛ ولكنّ ومع كلّ هذا- ولأسباب كانت جارية دائمًا على طول التاريخ وسوف تستمرّ في المستقبل أيضًا- أنِفَتها طباع الكثيرين، وارتفعت الألسن والأقلام بالانتقاد والاعتراض من كل حدبٍ وصوبٍ ومن فئات مختلفة؛ وظهرت كلمات تكشف عن عدم التأمّل الكافي وعدم البحث والتدقيق في هذا المجال؛ وشرعت كلّ جماعة بما يتناسب مع أحوالها وأجوائها، بانتقاد جانب من جوانب المواضيع المطروحة في ذلك الكتاب، وربّما كانت في كثير من الموارد مختلطة بدواعٍ نفسانيّة وأوهام دنيويّة ومصالحَ شخصيّة، فأزاحوا بذلك الستار عن خفايا ضمائرهم ومكنونات صدورهم. وقد حفَّزوا بعملهم هذا الآخرين على التفكّر والتدبّر في المضامين والآفاق العالية لهذا السِفر القويم، وشاؤوا أم أبوا، ومن حيث لا يشعرون، فقد أصبحت مواضيعه ومضامينه في متناول عقول الآخرين وموردًا لاستقبال من كان غافلًا عنها. ولله الحمد وله المنّة.

  • 1- من نه آن رندم كه ترك شاهد و ساغر كنم***محتسب داند كه من اين كارها كمتر كنم

  • 2- من كه عيب توبه كاران كرده باشم بارها***توبه از مى وقت گل ديوانه باشم گر كنم

  • 3- عشق دردانه است و من غواص و دريا ميكده***سر فرو بردم در آنجا تا كجا سر بركنم

  • 4- لاله ساغر گير و نرگس مست و بر ما نام فسق***داورى دارم بسى يا رب كه را داور كنم

  • 5- عهد و پيمان فلك را نيست چندان اعتبار***عهد با پيمانه بندم، شرط با ساغر كنم

أسرار الملكوت ج۳

141
  • 6- من كه دارم در گدايى گنج سلطانى به دست***كى طمع در گردش گردون دون پرور كنم 1

  • ومهما يكن الأمر، فما جاء في الجزء الثاني من كتاب أسرار الملكوت ليس إلّا نبذة يسيرة مما علق في خاطري وانتقش في ضميري من المراتب الوجودية لأولياء الله والعوالم الربوبية للعرفاء بالله، ثمّ جرى بعد ذلك على قلم هذا الأقلّ، ونشر بحول الله وقوته، وإلّا فإنَّ ما هو مدوَّن ومحفوظ لدى الحقير من كلمات وعبارات العظماء في هذه المسألة غير قابل للبيان والطرح مع الخواصّ، فما بالك بالعوام؟! وكما قال المرحوم الوالد- قدّس سرّه- للحقير بعد تأليف كتاب الروح المجرّد:

  • إنَّ ما ذكرته في هذا الكتاب، لا يمثّل عُشرًا من أعشار ما يجب قوله في وصف ذلك العارف بالله؛ فهو أعلى وأسمى من أن ينعت أو يوصف. وكيف يمكنني أن أُخبِر عن ذلك الأفق الأعلى وتلك الدرجة التي لا حدّ لها ولا اسم ولا رسم؟! و اللبيب من الإشارة يفهم.

  • تكليف الإنسان عند عدم وصوله إلى الوليّ الكامل

  • أما الآن فنشرع في دراسة وبيان هذه المسألة: ما هو- في نظر العقل والشرع- تكليف الإنسان وواجبه عند عدم إمكان الوصول إلى الوليّ الكامل والعارف بالله وتسليم زمام الأمور إليه والانقياد لأوامره ونواهيه وإرادته؟ وما هو الطريق والمسير

    1. ديوان حافظ، أبيات من الغزل 351. والمعنى:
      1- لست أنا ذاك الثمل الذي يهجر المحبوب وكأس العشق، والصابرون وحدهم يعلمون أنّني قلّما أفعل ذلك.
      2- فأنا الذي كثيرًا ما عبتُ على التائبين توتبهم، فلو أنّني تبت عن الشراب والعشق في موسم الورد( موسم العشق) لكنت مجنونًا.
      3- والعشق درّة يتيمة وأنا الغوّاص والحانة هي البحر، وقد غصتُ فيه ولا أدري أين سيكون خروجي.
      4- تلك زهرة شقائق النعمان مشهورة بكأسها، وهذه زهرة النرجس معروفة بسُكْرها، وبي وحدي ألصق لقب الفسق، فما أكثر القضايا التي أريد فيها التحكيم يا ربّ، فإلى من أحتكم؟!
      5- بما أنَّه لا يمكن الاعتماد كثيرًا على عهود الزمان ومواثيقه، لذا فإنّني سأعقد العهد مع الكأس والميثاق مع القدح.
      6- وأنا الذي فزت بفقري ومسكنتي بكنز المُلك والسلطان، متى أطمع بالزمان الذي يربّي أهل الهوان.

أسرار الملكوت ج۳

142
  • الذي يجب اختياره في حالة فقدان هكذا دليل ومُرشد؟ هل يجب علينا بمجرّد عدم التمكن من الوصول إلى العارف الخبير أن نعطّل نظام الشرع والتكليف ونتخلّى عن تحمّل المسؤوليّة والواجب، قانعين بمجرّد أداء الواجبات وترك المحرّمات المعروفة، عاملين بما يراه القائل بأنَّ: «التكليف في عصر الغَيبة هو هذا التقليد في الأمور الظاهريّة، ومراعاة المسائل الشرعيّة والأحكام ضمن إطار هذه المرجعيّات المتعارفة الظاهريّة»، أم أنَّ الأمر أكبر وأدقّ من ذلك بكثير؟

  • المقدّمة الثانية: انحصار هدف السالك بتحصيل المعرفة بغير حدّ ومهما كان مصدرها

  • لا شك أنَّ أفعال الإنسان وأقواله في مختلف أمور حياته الشخصيّة والاجتماعيّة يجب أن تكون مبنيّةً على أساس الحجّة العقليّة والإلزام الشرعي، وأن تكون الملاكات العقليّة والنقليّة نصب عينيه في كل مكان وعلى كل مستوى؛ (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ).1

  • وتقول الآية الشريفة الأخرى حول أفعال الإنسان وسلوكه: (فَبَشِّرْ عِبادِ* الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَ أُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ)2.

  • المقدّمة الأولى: ضرورة الاستناد إلى العقل والنقل في كافة شؤون الحياة

  • ونشاهد بوضوح في قصة موسى والخضر عليهما السلام كيف يطلب موسى من الله العلم والرشد، فيهديه إلى الخضر: (قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً)3

  • ففي هذه الآية يطلب موسى من الخضر أن يسمح له بمرافقته ومجالسته ليعلّمه من ذلك العلم الذي وهبه الله له، ليكون ذلك باعثًا على تكامله ورُقيّه، وفتح آفاق جديدة من المعرفة أمامه فيما يتعلّق باختلاف المقادير وتفاوت ظهور إرادة الله ومشيئته، هذا على الرغم من أنّ موسى كان من الأنبياء أولي العزم، وكان صاحب كتاب وشريعة،

    1. سورة الأنفال( 8)، جزء من الآية 42.
    2. سورة الزمر( 39)، نهاية الآية 17 والآية 18.
    3. سورة الكهف( 18)، الآية 66.

أسرار الملكوت ج۳

143
  • وكان مأمورًا بالتبليغ. وهذا الأمر دليل على أنّ ملاك الحقّانية والواقعية في نظام الخلقة والتربية والتزكية الربوبيّ إنّما هو حيثية الانكشاف والانطباق على «نفس الأمر» النابع من مصدر العلم، ومبدأ العلم الربوبيّ الأزليّ، والجاري والمفاض في قوالب عالم الإمكان ومظاهر عالم الكثرة؛ وليس لأحد أيّة قدرة أو قوّة من عند نفسه بحيث يتسنّى له أن يقدّم شيئًا في هذا الميدان، سواء كان المطلوب منه نبيًا أو غير نبيّ، وسواء كان الطالب من الأنبياء أو إنسانًا عاديًا، بلا فرق في ذلك.

  • ومن الملفت أنَّ موسى عليه السلام كان قد طلب ذلك في الوقت الذي كان فيه من الأنبياء أولي العزم، وكان صاحب شريعة وكتاب، وكان المنفِّذ للشريعة والأحكام الإلهيّة وكان موضع نزول الوحي والملائكة المقرّبين، ومع كلّ هذا كان يطلب من الله الرّشد والصلاح واستكمال العلم والمعرفة.

  • لقد كنت جالسًا يومًا لدى العارف الكامل الحاج السيّد هاشم الحدّاد- رضوان الله عليه- وجرى الحديث عن قصة موسى والخضر عليهما السلام، وأنَّه يُستفاد من الآية أنّ الخضر كان أعلى درجة ومقامًا من موسى؛ وذلك لأنّه طلب منه التعليم والإرشاد، فقال المرحوم الحدّاد رضوان الله عليه:

  • كلّا، ليس الأمر كذلك، فموسى كان من الأنبياء أولي العزم، وكان صاحب كتاب وشريعة، وكان الخضر في ذلك الزمان تابعًا لشريعة موسى ودينه ومنهاجه، فكيف يمكن والحال هذه أن يتصوّر أنَّ الخضر كان أعلى مقامًا من موسى؟! ليس الأمر كذلك.

  • ولكن لمّا كان موسى عليه السلام صاحب شريعة وكتاب وقانون وتكليف؛ فإنَّ حقيقة وجوده ونفسه وقلبه صارت متّحدةً مع تلك الدرجة من الإرادة والمشيئة الإلهيّة، وليس في نفسه وقلبه وضميره غير ذلك أبدًا، ولا يحضره سواه، وكان يرى تجلّي وظهور الإرادة والمشيئة الإلهيّة في عالم الكثرة مبنيًّا على مجرّد رعاية التكاليف الظاهريّة والأحكام العامة؛ وكان يقوم بإدارة الأمور بين

أسرار الملكوت ج۳

144
  • الناس على هذا الأساس.

  • كان موسى عليه السلام ينظر إلى مقام مشيئة الحقّ وإرادته على أنَّه على منوالٍ واحد، وكان إدراكه مبنيًا على أنَّ تطبيق النظام الاجتماعي والتربية والتدبير يجب أن يكون على أساس المعادلات الظاهريّة المتداولة، والتي لابدَّ أن تكون متوافقةً مع شريعته، وأنَّ كلّ ظاهرة وحادثة خارجة عن هذا الإطار هي مخالفة لإرادة الله ورضاه ومشيئته ويجب منعها، ولو كان فاعلها رجلًا صالحًا ومطيعًا لله، ولو كان من الأنبياء والأولياء. ولو كان موسى عليه السلام في عصر الإمام الصادق علية السلام، وشاهد طاعة هارون المكيّ لأمر الإمام، لاعترض على الإمام بنفس تلك الطريقة؛ فقد روى ابن شهراشوب في المناقب أنّه:

  • «حدّث إبراهيم، عن أبي حمزة، عن مأمون الرقيّ قال: كنت عند سيدي الصادق عليه السلام إذ دخل سهل بن الحسن الخراسانيّ فسلم عليه ثم جلس فقال له: يا ابن رسول الله، لكم الرأفة والرحمة، وأنتم أهل بيت الإمامة؛ ما الذي يمنعك أن يكون لك حقّ تقعد عنه؟ وأنت تجد من شيعتك مائة ألف يضربون بين يديك بالسيف!؟

  • فقال له عليه السلام: اجلس يا خراسانيّ رعى الله حقك، ثم قال: يا حنفية، أسجري التنور. فسجرته حتى صار كالجمرة وابيض علوّه، ثم قال: يا خراسانيّ، قم فاجلس في التنور.

  • فقال الخراسانيّ: يا سيدي يا ابن رسول الله، لا تعذبني بالنار، أقلني أقالك الله.

  • قال: قد أقلتك.

  • فبينما نحن كذلك إذ أقبل هارون المكيّ، ونعله في سبابته فقال: السلام عليك يا ابن رسول الله.

  • فقال له الصادق عليه السلام: ألق النعل من يدك، واجلس في التنور.

أسرار الملكوت ج۳

145
  • قال: فألقى النعل من سبابته ثمّ جلس في التنور، وأقبل الإمام عليه السلام يحدّث الخراسانيّ حديث خراسان حتّى كأنّه شاهد لها، ثمّ قال: قم يا خراسانيّ وانظر ما في التنور. قال: فقمت إليه فرأيته متربعًا، فخرج إلينا وسلّم علينا. فقال له الإمام عليه السلام: كم تجد بخراسان مثل هذا؟ فقال: والله، ولا واحدًا.

  • فقال عليه السلام: أما إنّا في زمان لا نجد فيه خمسة معاضدين لنا، نحن أعلم بالوقت»1.

  • فحقيقة المسألة هي أنَّ موسى عليه السلام وبواسطة تجلّي بعض أسماء الحقّ وصفاته، يستطيع السير والسلوك في تلك الحدود والآفاق وعوالم الوجود، وأنَّ إدراكه لبقيّة الأسماء والصفات سيكون ناقصًا، لأنَّه فاقد لذلك الشمول وتلك السعة التي تمكّنه من إدراك بقية التجليّات في مظاهر الوجود والشعور بها ولمسها.

  • أما الخضر فرغم عدم امتلاكه لسعة موسى وشموليّته، إلّا أنَّه كان متقدّمًا عليه في تجلّي بعض الأسماء والصفات؛ ولذا فإنّ نفسه وقلبه وفكره وتصميمه وإرادته وفعله قد تبلورت وتعيّنت على أساس هذا التجلّي والظهور، وهذا التعيّن لم يستطع موسى عليه السلام الوصول إليه والتوافق معه بأيّ وجه من الوجوه؛ ولذا اتخذ موقف الاعتراض والانتقاد وغضب على الخضر بشدّة وقبَّح فعله؛ في الوقت الذي كان يعلم فيه بأنَّه هو ذلك العالم الذي كان قد طلب من الله أن يدلَّه عليه ويوفّقه للتعلّم والرشد والتكامل على يديه.

  • كان المرحوم الحدّاد- قدّس الله سرّه- يقول:

  • و عندما اتّضحت هذه الحقيقة والأحداث التي حصلت بينهما، أدرك موسى عليه السلام بأنَّ مسألة تجلّي ذات الله على النفوس البشرية ليست مقيّدة بحدود

    1. مناقب آل ابي طالب، ابن شهر آشوب، ج 4، ص 237؛ بحار ألأنوار، ج 47، ص 123.

أسرار الملكوت ج۳

146
  • نفسه وقلبه وضميره هو فقط، بل إنَّ الأمر أكبر من ذلك بكثير، وأنَّ تجلّي الحقّ في المظاهر المختلفة خارجٌ عن حدود فهمنا وإدراكنا وشعورنا؛ وكم هنالك من الأسرار والألغاز التي لا تُدركها أفكارنا وقلوبنا ولا تستطيع الوصول إلى كُنهها. ولقد كانت هذه الحوادث بالطبع من أجل تكامل موسى عليه السلام وفتحِ آفاقٍ جديدة من المعرفة وانكشاف الحقائق له، وبهذه الطريقة قد حصل له ذلك بالفعل، وتحقّق هدفه.

  • هذا ما تفضل به السيّد الحدّاد- رضوان الله عليه- بشأن قصة موسى والخضر عليهما السلام.

  • بناءً على هذا، فإنّ هدف سالك طريق الله وغايته هي تحصيل العلم والمعرفة فقط، وذلك هو المحور الأساس في جميع تصرّفاته وميوله وقراراته؛ وعلى ضوء ذلك فهو لا يعرف حدًا، ولا يتصور خطًا أحمر، ولا يضع حاجزًا في طريقه، ولا يُقيم وزنًا لأيّ اعتبار، ولا يعطي أذنًا صاغية لما يسمعه من أيّ أحمق وجاهل؛ فقد نُقل عن المرحوم الوالد- رضوان الله عليه- أنَّه عندما كان يدرس في النجف الأشرف، قام اثنان من فضلاء قم- كان أحدهم من أقربائه- بكتابة رسالة إلى والدته يحذّرانها فيها من عواقب علاقته بالمرحوم آية الله الأنصاريّ الهمدانيّ قدّس الله سرّه، ويطلبان منها منع ولدها من الارتباط بذلك الرجل الإلهيّ والتتلمذ على يديه، وإبلاغه عدم رضاها عن تلك العلاقة. وعند اطّلاع المرحوم الوالد على هذا الأمر، أرسل إليهما عدة حبّات من الجوز، وطلب منهما الانشغال بها ريثما يجد الفرصة المناسبة للتفكّر والتدبّر في تلك الرسالة1. وتجدر الإشارة إلى أنَّ الشخص الآخر الذي لم يكن من أقاربه، أصبح في أواخر عمره من مُحبيّ السيّد الحدّاد، وكان يأتي يوم الخميس من كل أسبوع من النجف إلى كربلاء للاستنارة والاستفادة من المحضر النورانيّ للأستاذ ثم يعود إلى النجف. رحمة الله عليه.

    1. لمزيد من الاطّلاع عن نهج وسيرة المرحوم العلّامة الطهرانيّ- رضوان الله عليه- في فترة إقامته في النجف الأشرف، راجع: مقالة سرّالفتوح في الردّ على معراج الروح.( م)

أسرار الملكوت ج۳

147
  • نعم إنّ تحصيل المعرفة والعلم والكمال بحدّ ذاته هو الهدف البديهيّ والأساسيّ لكلّ إنسان، في أيّ درجة ومرحلة من درجات ومراحل العلم والإدراك كان؛ وحتّى رسول الله صلّى الله عليه وآله كان يقول في دعائه: «ربّ زِدني فيك تحيّراً».1 أيّ ربِّ زد حيرتي في الدرجات المطلقة واللّامتناهية لأسمائك وصفاتك.

  • المقدّمة الثالثة: انقسام الناس إلى أربعة أقسام وضرورة رجوع الجاهل إلى الخبير

  • وقد روي عن بعض الصادقين عليهم السلام رواية بهذا الشأن تقسّم الناس إلى أربعة أقسام، حيث يقول:

  • «رَجُلٌ يَعْلَمُ ويَعْلَمُ أَنَّهُ يَعْلَمُ، فَذَاكَ مُرشِدٌ عَالِمٌ فَاتَّبِعُوهُ، وَرَجُلٌ يَعْلَمُ وَلا يَعْلَمُ أَنَّهُ يَعْلَمُ، فَذَاكَ غَافِلٌ فَأيقِظوهُ، وَرَجُلٌ لا يَعْلَمُ ويَعْلَمُ أَنَّهُ لا يَعْلَمُ، فَذَاكَ جَاهِلٌ فَعَلِّمُوهُ، وَرَجُلٌ لا يَعْلَمُ وَيَعْلَمُ أَنَّهُ يَعْلَمُ، فَذَاكَ ضالٌّ فَأرْشِدُوهُ».2

  • فالقسم الأول: هم العالِمون العارفون بالأمور والقضايا والشبهات، وهم يُقرّون بمعرفتهم ويقينهم وشهودهم؛ فهؤلاء مؤهّلون للقيادة والإرشاد والهداية؛ فاخضعوا لهم، ولا تعصوا أوامرهم.

  • والقسم الثاني: هم الذين لهم اطّلاع ما على القضايا والقواعد والمباني، والذين حصلت لهم معرفة إجمالية وتصوّر ذهني عن السبل وآليات طيّها ومختلف ما يرتبط بها من مسائل، ولكنّ هذه المعرفة وهذا التصوّر لم يصلا إلى درجة اليقين القطعيّ والاطمئنان القلبيّ، ولم تنجلِ الشكوك والشبهات والتردّدات عن نفوسهم؛ فهم يعيشون هكذا في حالة من الارتباك والحيرة. فهؤلاء عليكم أن تعملوا من خلال المجالسة والتذكير المستمر على توضيح بعض التصوّرات لهم، وشرح بعض المعلومات لكي تنتقل من مرحلة التصوّر الذهني وتستقر في قلوبهم وضمائرهم، فيصلوا إلى مرحلة اليقين والتصديق بما كانوا يعتقدونه، لكي يعملوا بموجبه، ولا يدعوا تلك الأمور تذهب عليهم عبثًا وسُدىً وهباءً.

    1. الفتوحات المكيّة، ج 1، ص 271 و 272؛ وج 2، ص 545؛ فصوص الحِكم، ص 73؛ شرح الأسماء الحسنى، ملّا هادي السبزواريّ، ص 535؛ مرصاد العباد، ص 326.
    2. عوالى اللّآلئ، ج 4، ص 79؛ بحار الأنوار، ج 1، ص 195.

أسرار الملكوت ج۳

148
  • يقول الحقير: هناك كثيرون من هذا القبيل في المجتمع، فمع امتلاكهم للمعلومات الكافية عن المسائل الاجتماعيّة وغيرها، إلّا أنَّهم وبفعل ظهور بعض الأحداث والشبهات، فكأنّ ستارةً تسدل على معلوماتهم، ويمنعهم ذلك من اتخاذ القرار القطعي في مختلف القضايا، ويسلب عنهم توفيق الخروج من الجهل والسير في طريق الحقّ.

  • ففي معركة الجمل، وقبل بدء القتال، جاء رجل من جيش أمير المؤمنين عليه السلام إليه، وقال: «أدركني يا علي فقد هلكت، وأكاد أفقد ديني ويقيني».

  • لقد كانت معركة الجمل معركةً لم يشهد التاريخ لها نظيرًا حتّى ذلك الحين، وهي تستحقّ منّا التأمّل في زواياها وخفاياها وذلك من أهمّ وأوجب واجباتنا الدينيّة والاجتماعية؛ لتتّضح لدينا حقيقة ما يجري في زماننا من الأحداث الاجتماعية، وعلى كلّ إنسان أن يقوم بدارسة دقيقة عميقة لهذه الواقعة النادرة جدًا والتي حصلت بعد رحلة رسول الله ليتعلّم منها الدروس ويجعلها مصباح هداية له في حياته الدنيا وطريق سعادته إلى الآخرة.

  • ففي أحد أطراف هذه الحرب، كان يقف أمير المؤمنين عليه السلام الإمام المعصوم، وواجب الطاعة، وخليفة رسول الله، وحاكم زمانه بين المسلمين الذي لم تكن فضائله ومناقبه خافيةً على أحد، والروايات والأحاديث التي سمعها عامة الناس من لسان رسول الله بشأنه تسدّ الطريق على أيّة وسوسة وشبهة. هذا من جهة، ومن الجهة الأخرى فإنَّ ما كانوا قد رأوه بأنفسهم من معجزاته وتصرّفاته وأقواله، لم يكن ليدع مجالًا للحاجة إلى تأييد وتأكيد أمر ولايته وحكومته؛ كما أنَّ الشواهد والقرائن الحاليّة لم تكن تترك مجالًا للشكّ في صحة مُدّعاه.

  • وأما الطرف الآخر من الجبهة، فقد كان يُدار من قبل أشخاص مثل الزبير1 وطلحة وعائشة. ولم تكن سوابق طلحة والزبير في الحروب مع المشركين وبالأخصّ

    1. بعد مقتل الزبير على يد أحد افراد جيش أمير المؤمنين عليه السلام، تأثّر الإمام كثيرًا ووبَّخ قاتله بشدة، وعندما وقع بصره على سيف الزبير قال:« سيفٌ طالما جلا الكرب عن( وجه) رسول الله صلى الله عليه وآله». ويُقال: إنَّ هذا السيف محفوظ الآن في أحد متاحف اسطنبول.

أسرار الملكوت ج۳

149
  • في معركة أُحد خافية على أحد1، وكان هؤلاء من الذين لم يبايعوا أبا بكر وتحصَّنوا في بيت أمير المؤمنين بعد ارتحال رسول الله. وعلى أيّة حال، فقد كانت شخصية هؤلاء قد أوجدت تساؤلًا وإبهامًا وتشكيكًا للكثيرين بشأن هذه الحرب.

  • فلمّا التجأ هذا الشخص في مثل هذه الظروف إلى أمير المؤمنين وطلب منه الإنقاذ، قال له أمير المؤمنين:

  • «إنَّكَ لَمَلْبوسٌ عَلَيْكَ، لا يُعْرَف الْحَقَّ بِأقْدارِ الرِّجالِ، اعْرِفِ الْحَقَّ تَعْرِفْ أهْلَهُ، واعْرِفِ الْباطِلَ تَعْرِفْ أهْلَهُ»2.

  • يقول عليه السلام له: إنَّ الأمر قد التبس عليك ومنعك من إدراك كنه وباطن القضيّة، وسدَّ عليك الطريق؛ فالحقّ لا يمكن أن يُقاس بشخصيّات الأفراد وشؤونهم ومواقعهم؛ فهو أعلى وأرفع من ذلك، ولا يمكن أن يُعرف بالشأنية الاجتماعيّة والموقعيّات الاعتباريّة للأفراد؛ فعليك أوّلًا أن تعرف الحقّ لكي تتمكّن من معرفة أهله بعد ذلك. وكذلك هو الحال مع الباطل، فاعرفه أولًا كي يتّضح لك من هم أهله.

  • فالطريف هنا أنَّ هذا الرجل ورغم ما كان لديه من معلومات عن أمير المؤمنين ومعرفة بشخصيّته، كان في غفلة وحيرة وشكّ من أمره، حتّى أيقظه الإمام، ودلَّه على مسألة حيوية دقيقة، وكشفَ له الأمر الحسّاس في القضيّة، فظهر ذلك الحقّ الكامن وأزاح الستار عن نفسه، بعد أن كان مستورًا مخفيًا في وجوده، وبعد أن كان عاجزاً عن معاينته لانسلاب قدرة التمييز منه بسبب الشبهات والظروف وبقيّة القرائن المحيطة بالقضيّة.

  • أما القسم الثالث فهم الذين لا يعلمون، وهم عالمون بجهلهم وبحاجتهم إلى التعليم والتربية، فعلّموهم وأخرجوهم من جهلهم.

    1. معرفة الإمام، ج 9، ص 65، نقلًا عن مروج الذهب، ج 2، ص 372:« سيفٌ طالما جَلا الكَربَ عن( وجه) رسول الله صلى الله عليه وآله، لكنّه الحَينُ ومصارعُ السُوء، وقاتل ابن صفيّة في النار».
    2. أنساب الأشراف، للبلاذري، ج 2، ص 23.

أسرار الملكوت ج۳

150
  • ويمكن تشبيه هذا القسم بالكثيرين من أفراد جيش معاوية في حرب صفين، فبواسطة بُعدهم عن المدينة المنوّرة، وكذلك بواسطة إلقاء الشبهات من قبل معاوية، لم يكن بإمكانهم الوصول إلى واقع الأمر والحقيقة في القضايا والحوادث الاجتماعية، ولم يكن لديهم علم بما وقع في المدينة؛ إلى درجة أنهم كانوا يتساءلون متعجّبين عند سماعهم خبر استشهاد أمير المؤمنين في محراب مسجد الكوفة: «وهل كان علي يُصلي حتّى قُتل في محراب المسجد؟!».

  • وأما القسم الرابع فلا هم من العلماء والخبراء بالقضايا، ولا هم يرون أنفسهم من الجهلاء، بل يرون أنَّ عندهم العلم والخبرة والبصيرة بجميع المسائل والمواضيع، وكأنَّه لا توجد قضيّة أو مشكلة في العالم لا يمكن لهم حلَّها، ولا معضلة لدى القوم لا يمكنهم فكّ عقدتها بواسطة علمهم ودرايتهم وتدبيرهم. وهؤلاء من الضالين الذين هم في أمسّ الحاجة إلى الإرشاد والتنبيه.

  • نرى في هذه الرواية أنَّ الإمام عليه السلام يرى أنَّ واجب الغافل والجاهل هو الرجوع إلى العالم الخبير واتباعه.

  • ويروي في محاسن البرقيّ عن محمّد بن النعمان عن الإمام الصادق عليه السلام أنَّه قال: «لا يَسَعُ النّاس حَتَّى يَسألُوا أو يَتفقَّهُوا».1

  • يقول المرحوم العلّامة محمّد تقي المجلسيّ- رحمة الله عليه- في رسالة تشويق السالكين:

  • يقول سيّد المحدّثين وأفضل المجتهدين زين الملّة والدّين العاملي الذي يرجع إليه سند الحديث لأكثر العلماء المعاصرين، بل جميعهم؛ ويعمل الجميع وفقًا لفتاويه، في كتاب منية المريد:

  • «وللعالم في تقصيره في العمل- بعد أخذه بظواهر الشريعة، واستعمال ما دوَّنه الفقهاء من الصلاة والصيام والدعاء وتلاوة القرآن وغيرها من العبادات-2

  • أسرار الملكوت ؛ ج3 ؛ ص151
    1. المحاسن، ج 1، ص 225.
    2. حسينى طهرانى، سيد محمد محسن، أسرار الملكوت، 3جلد، دار المحجة البيضاء - بيروت - لبنان، چاپ: 1، 1430 ه.ق.

أسرار الملكوت ج۳

151
  • ضروب أخر (أي أنّ العالم عليه واجبات أخرى غير الأمور المذكورة في الكتب الرسمية، فإن أهملها فهو مقصّر)؛ فإنَّ الأعمال الواجبة عليه، فضلًا عن غير الواجبة، غير منحصرة فيما ذُكر، بل (إنّ بعض الأعمال التي لم تذكر في الكتب الرسمية فهي) من الخارج عن الأبواب التي رتَّبها الفقهاء ما هو أهمّ، ومعرفته أوجب والمطالبة به والمناقشة عليه أعظم، وهو تطهير النفس عن الرذائل الخلقية: من الكبر والرياء والحسد والحقد، وغيرها من الرذائل المُهلكات، مما هو مقرّر في علوم تختص به، ... وهي تكليفات لا توجد في كتاب البيوع والإجارات وغيرها من كتب الفقه، بل لا بدَّ من الرجوع فيها إلى علماء الحقيقة العاملين، وكتبهم المدوَّنة في ذلك.» ويقول: «وما أعظم اغترار العالم بالله تعالى في رضاه بالعلوم الرسميّة، وإغفاله إصلاح نفسه وإرضاء ربه تبارك وتعالى».

  • حتّى يصل إلى القول:

  • ومن أحسّ في نفسه بهذه الصفات المُهلكة، فالواجب عليه طلب علاجها من أرباب القلوب، فإن لم يجدهم، فمن كتبهم المصنّفة في ذلك. وإن كان كلا الأمرين قد امتحى أثره، وذهب مخبره، ولم يبق إلّا خبره، ويسأل الله المعونة والتوفيق. فإن عجز عن ذلك، فالواجب عليه الانفراد والعزلة، وطلب الخمول والمدافعة مهما سُئل، إلّا أن يحصل على شريطة التعلّم والعلم.1

  • يقول أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة:

  • «النَّاسُ ثَلاثَةٌ: فَعَالِمٌ رَبّانِيّ، وَمُتَعَلِّمٌ عَلى سَبيلِ نَجَاةٍ، وَهَمَجٌ رَعَاعٌ أتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ، يَميلُونَ مَع كُلِّ رِيحٍ، لَمْ يَسْتَضيئُوا بِنُورِ الْعِلْمِ، وَلَمْ يَلْجَأوا إلى رُكْنٍ وَثِيقٍ».2

  • فالقسم الأول يمثّله العالم والعارف بالله، وهو العالم الذي أزيح الستار من أمام عينيه، نتيجةً لاتصال قلبه بمنبع الحياة والعلم والذات الأزليّة، وفتحت عين قلبه وسرّه

    1. تشويق السّالكين، ص 12؛ منية المريد، ص 154- 155.
    2. نهج البلاغة( محمد عبده)، ج 4، ص 117.

أسرار الملكوت ج۳

152
  • على حقائق عالم الوجود، وحصل له علم حضوريّ وشهوديّ بما يجهله غيره، لذا لا يستطيع أحدٌ خداعه عن طريق نقل الأخبار الكاذبة والأمور المفتعلة والشائعات، وحَرفِه عن مُدركاته.

  • والقسم الثاني يمثّله طلاب العلم والمعرفة، وهم الذين يشقُّون الطريق نحو المعرفة والكشف الشهوديّ ويَفِدون على منبع النور والبقاء، بفضل هداية وإرشاد ذلك العالم الربانيّ.

  • والقسم الثالث والأخير هم الحمقى والبُلْه الذين يتحرّكون كالذباب مع الريح أينما ذهبت، ويتّبعون كل ناعق، لم تستضيء أرواحهم ونفوسهم بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى مسندٍ وثيق، لذا فهم يتّبعون شخصًا لفترة من الزمن عن عمىً وضلال، وبعد انقضاء عهده يتّبعون آخر، وهكذا إلى نهاية أعمارهم، ثمَّ يأوون إلى قبورهم ويُسرعون إلى العالم الآخر بيدٍ خاليةٍ وعمرٍ ضائعٍ وندامةٍ لا علاج لها وخسرانٍ أبديّ.

  • نتائج المقدّمات:

  • 1. الملاك في تحصيل العلم هو الوصول إلى منبعه و ليس الطريق إليه

  • 2. الإنسان الكامل هو الأولى بالرجوع مع وجوده

  • اتّضح مما تقدّم أنَّ الملاك في تحصيل العلم وكسب المعرفة هو التمكّن من الوصول إلى منبع العلم، ولا يشترط في ذلك مصداق معيّن ومسير محدّد، وأيّ مصدر أو مصداق يمكنه أن يوصل السالك إلى ذلك الهدف سيكون ممدوحًا عقلًا ونقلًا ويمكن الاستفادة منه.

  • من نگويم خدمت زاهد گزين يا مى فروش***هر كه حالت خوش كند در خدمتش چالاك باش 1

  • [يقول: لا أقول اقتصر على طاعة الزاهد أو صاحب الحانة بل كل من يعمل على تحسين حالك فأطعه].

  • وبطبيعة الحال، فإنَّه وفقًا لهذا الملاك وهذا القانون يحتلّ الشخص الكامل والعارف الواصل المرتبة الأولى والأرجح، ويأتي بقية الأشخاص في الرُتب الأدنى؛

    1. ديوان مجذوب علي شاه، ص 153.

أسرار الملكوت ج۳

153
  • فمع وجود هكذا شخص يكون الرجوع إلى الآخرين بمثابة اللغو والعبث والاقتصار على الفائدة الأقل؛ كما هو الحال مع وجود الإمام المعصوم عليه السلام، فلا معنى للرجوع إلى غيره، إلّا إذا كان ذلك بإشارة من الإمام عليه السلام بذلك.

  • 3. عند عدم توفّر الإنسان الكامل ينبغي الرجوع إلى الخبير وصيًّا كان أو غيره

  • فبناءً على هذا وبحكم العقل ودلالة النقل، في حالة عدم تمكّن السالك من الوصول إلى الإنسان الكامل، على السالك لأجل معرفة الطريق المستقيم وكسب البصيرة في الأمور الاجتماعيّة والشخصيّة، أن يرجع إلى الخبير والمطّلع على خفايا وأسرار هذا الطريق وهذه المدرسة من أجل الاستفاضة والاهتداء، وعليه اغتنام الفرصة لمرافقته ومجالسته والاستنارة والاستفادة القصوى من توضيحاته وإرشاداته، سواءً كان هذا الخبير هو الوصيّ الظاهريّ للأستاذ والعارف الكامل والوليّ الإلهي، أم كان خبيرًا آخر سواه.

  • مسائل تتعلّق بالوصي الظاهري

  • يقول المرحوم السيّد العلّامة- رضوان الله عليه- في كتاب «الروح المجرّد» بشأن الأستاذ العام والظاهر:

  • الوصيّ الظاهر هو الذي يجعله الأستاذ وصيّه أمام الملأ العامّ، فيكتب بذلك ويمُضيه ويعلنه. وحسب ذوق المرحوم القاضي الذي كان عالمًا جامعًا ومجتهدًا وحائزًا للرياستين في العلوم الظاهريّة والباطنيّة، فإنّ على الوصيّ حتمًا أن يحوز العلوم الظاهريّة من الفقه والأصول والتفسير والحديث والحكمة والعرفان النظريّ؛ منعًا لانكسار سدّ الشريعة ولئلّا يكون هناك خطّان ومنهجان.

  • أ. الفوارق بين الوصيّ الظاهري والباطني ببيان العلامة الطهراني رضوان الله عليه

  • وهذا هو المبدأ الذي كان المرحوم القاضي يعتمده كثيرًا؛ فكان يحسب للشريعة الغرّاء حسابها بدقّة كبيرة، وكان بنفسه رجلًا متشرّعًا بتمام المعنى، ومعتقدًا بأنّ الشريعة هي السبيل لإدراك الحقائق العرفانيّة والتوحيديّة. وكان جادًّا في هذا الأمر، بحيث لم يكن ليفوته أبسط سُنّة وعمل مستحبّ، حتّى قال بعض المعاندين: إنّ هذه الدرجة من الزهد والإتيان بالأعمال المستحبّة التي يقوم بها القاضي لا تنبع من الإخلاص، بل إنّه يحاول إظهار نفسه بهذا الشكل

أسرار الملكوت ج۳

154
  • وبهذه الشمائل والأوصاف؛ فهو رجل صوفيّ محض لا يعير لمثل هذه الأمور اهتمامًا!

  • وعلى هذا الأساس، فقد كان للمرحوم القاضي التفات إلى العلوم الظاهريّة، أمّا الأمر الآخر فهو أنّ العالِم الدارس لا يمكن لأحد خداعه.

  • ولو صار أساس تعيين الوصيّ من غير العلماء أمرًا رائجًا ومعهودًا، فما أحرى أن يدّعي المعرفة كثيرٌ من الشياطين فيجرّون الخلق إلى اتّباعهم ويسقطون البسطاء السذّج في حبائلهم بحيث يستحيل إقناعهم بعد ذلك بخطئهم بأيّ دليلٍ أو منطق.

  • ومن ثمّ فقد اختار المرحوم القاضي من بين تلامذته الحاجّ الشيخ عبّاس، الذي كان رجلًا عالمًا مجرّدًا عن هوى النفس، وقد عانى الآلام والمشاقّ والمحن؛ فحفظ جلالَ ومقام ومكانة المرحوم الأستاذ القاضي على أكمل وجهٍ وأتمّه.

  • أمّا وصيّ الباطن فهو الذي أكمل باطنه بكمالات الأستاذ، فصار يمتلك معرفة شهوديّة وقدرة قياديّة باطنيّة وسرّيّة، على الرغم من أنّ الأستاذ لم يقدّمه للآخرين ولم يُذِع أمره؛ وذلك لأنّه يمتلك في الباطن السيطرة على النفوس شاءت أم أبت، وهو يهدي التلامذة إلى أمر الله، ويراقب طريقهم وسلوكهم ويتولّى رعايتهم.

  • وصيّ الظاهر يعمل في الظاهر بمقتضى وصايته، أمّا وصيّ الباطن فيعمل في الباطن؛ فإنْ عملا سويًّا كالتوأم، ظهرت منافع لا تعدّ ولا تحصى وتفتّحت ورود بديعة رائعة من براعم بستان التوحيد.

  • إنّ وصيّ الظاهر يقبل الأفراد الطالبين للسلوك، ووصيّ الباطن ينتقي منهم وينتخب؛ لذا فلو انكشف نفاق الأفراد الذين خضعوا لتربية وصيّ الظاهر مدّة، فإنّ وصيّ الباطن لن يقبلهم منذ البداية، ومن ثمّ فإنّهم سيفقدون رغبتهم وحماسهم بعد حين فيرجعون، أو أنّهم يلجؤون إلى العناد لا سمح الله.

  • أمّا التلامذة الحقيقيّون فسيقوم بأمر هدايتهم وإرشادهم عن طريق الباطن،

أسرار الملكوت ج۳

155
  • فيتعرّفون- باعتبارهم أهل رغبة صادقة ونيّة حسنة- على وصيّ الباطن وينهلون من تعاليمه.

  • وعليه، وبهذا البيان فإنّ أستاذ الظاهر وأستاذ الباطن موجودان معًا، يؤيِّد أحدهما الآخر ويدعمه. وهما يتحمّلان جزءًا كبيرًا من مسؤوليّة تقدّم التلاميذ وإيصالهم إلى المقصد الأصليّ. وينبغي حتمًا في هذه الحال أن لا يقع خلاف بين أستاذَي الظاهر والباطن، لأنّ الاختلاف دليل على عدم صحة الطريق.1

  • وبهذا البيان تتّضح جيّدًا منزلة الأستاذ الظاهريّ ووصيّ الظاهر:

  • ب. مزايا الوصيّ الظاهري

  • 1. حفظ حرمة ومكانة وليّه

  • فأوّلًا: إنَّ وصيّ الظاهر يجب أن يكون شخصًا قادرًا على الحفاظ على حرمة وليِّه وشأنه وشخصيّته ومكانته بأحسن وجه وأتمّه، وألّا يتسبب- بما يقوم به من أعمال وأقوال وإرشادات- بإيجاد أقلّ خدشة وصدمة في منزلة ومكانة أستاذه، حيث إنَّ هذا الأمر سيكون مشهودًا بشكل واضح من خلال حديثه وكيفيّة أفكاره وعلاقاته وميوله وتدبيراته، أو على أقلّ تقدير فإنَّ ذلك سوف لن يخفى على أهل الفنِّ والخبرة.

  • قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «مَا أَضْمَرَ أَحَدكم شَيْئًا إلّا وأظَهَرَه الله على صَفَحَاتِ وَجْهِهِ وفَلَتَاتِ لِسَانِهِ».2

  • يذهب أحد الأشخاص من أهل الفضل والدراية ممّن تربطهم بالحقير أواصر المودّة والمحبّة للقاء شخصٍ يدَّعي وصاية وخلافة ولاية أحد العرفاء بالله والأولياء الإلهيين، وذلك عند زيارته لإيران يومًا، حيث يدور في ذلك المجلس حديث بين الحاضرين، وبعد خروج ذلك الشخص من المجلس يقول:

  • يسعى فلان في حديثه كثيرًا لإظهار نفسه على أنه مجرّدٌ عن الهوى وعن النفس، ولكن يبدو أنَّه مبتلى بنفس تلك المعضلات والمشاكل التي ابتلينا نحن بها.

  • و كذلك سمعت عن آخرين أنّهم قالوا بعد لقائهم ببعض المتصدّين:

    1. الروح المجرّد، ص 472.
    2. بحار الأنوار، ج 65، ص 316.

أسرار الملكوت ج۳

156
  • إذا كانت الوصاية والتصدّي لمنصب الأولياء الإلهيين هو هذا الذي نشاهده الآن، فلتُقرأ الفاتحة على العرفان والسلوك إلى الله!

  • إنّ هذا الكلام بديهيّ جدًا وواضح، إذ إنَّ أفعال وأقوال وليّ الله نابعة من ملكاته وما تتّصف به ذاته المقدّسة من سجايا وصفات، فهو لا يستطيع ولا يتمكّن من التصرّف بخلاف مقتضيات ذاته ونفسه المطهّرة، وقوله وفعله ناشئان ومنبعثان عن طهارة سرّه وصفاء قلبه وضميره؛ وهو الذي تجذب ترشّحات ذاته المصفّاةِ والمطهّرةِ الإنسانَ إلى عالم القدس والطهارة؛ فهو ليس من أهل الرياء والتظاهر والتواضع المفتعل والتحايل والمجاملة، وليس بحاجة لخفض صوته وطأطأة رأسه والتبسّم المفتعل، إنَّه ليس بحاجة إلى الخضوع وإظهار التواضع الكاذب؛ ولا يبالي بما إذا كان لكلامه وقع في نفس المُخاطب أم لم يكن؛ وليس بصدد جمع الأتباع الأغبياء كالأنعام من أولئك الذين يقبّلون الأيدي والأرجل. إنَّه حرٌ، لا يخفض صوته عند حديثه رياءً ولا يتظاهر بالتواضع المُخادع. ويجهر بكلامه بألف درجة من الحريّة والتحرّر بشكل شفّاف وواضح بدون ستر، و هو لا يتكلّم اليوم بكلام لينكره غدًا، ولا يعطي اليوم أمرًا ليبطله في اليوم التالي، ولا يطرح مع البعض في السرّ أمرًا لا تكون لديه القدرة والشجاعة على إفشائه في العلن لأنّه سيتسبّب في فضيحته وكشف احتياله على الملأ وظهور خداعه ومكره.

  • انظروا إلى المرحوم الحدّاد، كيف يكون موقفه من أقرب وأفضل تلامذته السلوكيّين، وهو المرحوم العلّامة الطهرانيّ، وكيف يتحدث عن علاقته معه، وكيف أنَّه وعلى الفرض المستبعد بل المُحال، لو جاء اليوم الذي يقطع فيه هذا التلميذُ- الذي هو محلّ أسراره- علاقةَ الرفاقة والتّتلمذ معه وينفصل عنه، لما تأثّر لذلك أدنى تأثّر أبدًا، ولما تسرّب الخوف إلى نفسه، ولما تراجع عن طريقه ومنهاجه التوحيديّ مثقال ذرّة، فهو يُوكل جميع أموره إلى الله تعالى.

  • قال المرحوم الوالد- رضوان الله عليه- في كتاب «الروح المجرّد» حول هذا الموضوع:

  • ولقد زعزعت شائعات هذين الشخصين الكثيرين؛ فوصل بعضهم إلى

أسرار الملكوت ج۳

157
  • حيث لا مجال له للعودة، وظلّ البعض متحيّرًا ضالًّا يتخبّط في شكّه إلى آخر عمره؛ أمّا البعض الآخر فقد انكشف لهم بأنّها لم تكن إلّا دعايات شيطانيّة، وإنّ الحدّاد هو روح الولاية كما أنّه روح التوحيد، وإنّ التوحيد عين الولاية لا انفكاك بينهما ولا افتراق.

  • هذا وقد حصلت هذه الأمور بأجمعها بينما كان الحقير يتواجد في طهران دون أن يكون لديّ أدنى علمٍ بها، فقال بعض الأصدقاء لسماحة السيّد في أواخر الأمر وقد صادف أوان تشرّفي للذهاب للزيارة: نخشى أن تسبّب العلاقة والمودّة الشديدة بين السيّد محمّد الحسين مع الحاجّ هادي الأبهريّ والذي كان من الزوّار وكانوا قد أثّروا عليه وشوّشوا بشدّة ذهنه البسيط النورانيّ غير الملوّث، في انصراف السيّد محمّد الحسين، الذي سيقدم من طهران، عنك بدوره.

  • فكان جواب سماحة السيّد: «السيّد محمّد الحسين؟! أبدًا أبدًا؛ فهو كالجبل، وأنّى له أن يتزلزل؟»

  • ثمّ استدرك على الفور وقال: «وافرض أنّه انصرف عنّي هو الآخر، وأنّه لم يبق معي أحد، فإنّ لي الله، إنّ إلهي معي، ولو خلا جميع العالم من شخص واحد يقبل كلامي»1.

  • نعم، هذا هو طريق الأولياء ومسير أهل التوحيد؛ فلو لم تكن هنالك أيّة أمارة وقرينة ودليل وحجّة على علوّ مقام ودرجات السيّد الحدّاد في التوحيد والتجرّد سوى هذه القضيّة، فإنَّها تكفينا للاستدلال على صحة طريقه ومنهجه.

  • بناءً على هذا، لا يستطيع الإنسان الذي يدّعي وصاية العارف بالله أن يضع قدمه مكان أولياء الحق، ويجعل نفسه ضمن أصحاب الكشف والشهود، مع ابتلائه بالأنانيّة

    1. الروح المجرّد، ص 540.

أسرار الملكوت ج۳

158
  • والاستبداد، وطرحه لذوقه الخاصّ، وإطلاقه العنان للغرائز الشهوانيّة والتنعّم والتلذّذ بدون انضباط، وعدم تحمّل الانتقاد والنصيحة ورفض الآخرين له.

  • 2. تنصيب الوصيّ الظاهري يحتاج إلى إعلان واضح من الولي الإلهي

  • ثانيًا: كما جاء في عبارة المرحوم العلّامة، فإنَّ تنصيب الوصيّ الظاهري يجب أن يقترن بإعلان ذلك على الملأ من قبل وليّ الله مع تثبيت ذلك كتابة ومشافهة، بحيث يعرفه الجميع بهذه الصفة؛ إذ إنَّ مقام الإثبات بحاجة إلى مُثبِت، والحجّة التنزيليّة والاعتبارية بحاجة إلى مُنزِّل ومُعتبِر.

  • ونظير هذا الموضوع ما كان يحصل عندما كان رسول الله يُعيّن بعض الصحابة لقيادة الجيش في حروبه مع الكفار. فمن البديهيّ أنَّ أوامرهم كانت تكتسب الحجيّة بواسطة تعيينهم لهذه المسؤوليّة من قبل رسول الله، وتنتهي حجيّة كلامهم وأوامرهم لبقية الأفراد مع انتهاء مهمّتهم، ويعودون كسائر الأفراد في مستوىً واحد ليس لهم مزيّة وترجيح على سواهم.

  • ج. إطاعة الوصي الظاهري مشروطة بعدم مخالفة الأحكام الإلهية

  • وعلاوة على ذلك، فإنَّ إطاعتهم ومتابعتهم تكون مشروطة بعدم مخالفتهم الأحكامَ الإلهيّة والتكاليف الشرعيّة، وإلّا كانت أوامرهم ونواهيهم غير مُلزمة وساقطة عن الحجيّة. لذا نرى أنّ أمير المؤمنين عليه السلام كان يقول في هذا الشأن: «أطيعوا أمرَه ما أطاع الله»1؛ وإذا رأيتموه قد تجاوز الحدود الشرعيّة وأخذ يتصرّف وفقًا لأذواقه وأفكاره الشخصيّة خلافًا للموازين الشرعيّة، فلا يجوز لكم طاعته؛ وإذا أطعتموه فستكونون من الآثمين.

  • وكان أمير المؤمنين يعترض على فِعال أمثال هؤلاء ويتبرّأ منها في مثل هكذا مواقف؛ ولم يكن يترك انتقاد عمّاله تحت ذريعة أنّ ذلك قد يتسبّب في إضعاف الحكومة أو من أجل مصلحة النظام الإسلاميّ، وأنّ ذلك قد يؤدي إلى الحطّ من شؤون الرسالة.

  • بناءً على هذا، فإنَّ الملاك في حجيّة تعليمات الوصيّ الظاهري هو تأييد وتسديد وإمضاء العارف ووليّ الله؛ وفي هذه الحالة من الممكن أن يخطئ الوصيّ في بعض آرائه

    1. الجمل، الشيخ المفيد، ص 424.

أسرار الملكوت ج۳

159
  • وأفكاره؛ ولكنّه لمّا كان الوصيَّ الظاهريّ لم يصل بعد إلى مقام العارف الكامل والسالك الواصل بحيث يحصل له كشف شهودي وشهود حسيّ وعينيّ للحقائق والمصالح الواقعيّة كما هي، لذا فإنَّه يجب على سالك سبيل الله والباحث عن طريق الحقّ والمعرفة مراعاة جانب الاحتياط والحزم، وعليه الالتزام بهذا الجانب بشكل أكبر في المواقف التي يكون فيها هو نفسه مُطّلعًا وخبيرًا.

  • سألت المرحوم آية الله الوالد- قدّس سرّه- ذات يوم: ما هو رأيكم في نهي المرحوم الحاج الشيخ عبّاس هاتف القوچاني- رحمة الله عليه- لذلك الشخص المحترم والمعروف والذي كان ينوي المشاركة في ترميم الحرم المطهّر لأمير المؤمنين عليه السلام كعامل من العمّال؟

  • وكان المرحوم العلّامة قد ذكر هذه القصة في كتاب الروح المجرّد كما يلي:

  • وشرْحُ ذلك أنَّ هذا الرجل المعروف والذي يمتلك بحقّ صفاءً ونزاهة وعشقًا لأهل بيت الولاية، ولا يزال بحمد الله على قيد الحياة. والذي قَدِم إلى النجف الأشرف للتشرّف بالزيارة، كان قد قال للفقيد السعيد آية الله الحاجّ الشيخ عبّاس: «أرغب في أن أرتدي يومًا ملابس العمل وأندسَّ بين العمّال الذين نصبوا السقائل ويعملون في ترميم وتبييض جدران أروقة الصحن وتزيينها بالمرايا فأعمل معهم من الصبح إلى غروب الشمس». فنهاه آية الله الحاجّ الشيخ عبّاس والذي كان الوصيّ الرسميّ للمرحوم القاضي في أمر الطريقة والأخلاق والسلوك إلى الله عن هذا العمل وقال له: «أنت رجل معروف ومشهور، ومهما أخفيت هذا العمل الجميل والحسن فسينكشف أمره في النهاية ويصبح حديث الألسن، ولربّما كان الغرور والعجب الذي سيتداخلك من هذا العمل أكثر ضررًا ممّا يعود عليك منه. وأرى أنّه من الأنسب، بدلًا من نيّتك الخيرة الحسنة هذه، أن تأتي معنا إلى كربلاء ماشيًا فهذه أيّام الزيارة الخاصّة للنصف من شعبان! فلن يعرف أحد بهذا الأمر، وإذا ما عرف به أحد فسوف لن يكون مدعاة لإثارة الضجّة مثل ذلك العمل، ولن

أسرار الملكوت ج۳

160
  • تصحبه العواقب الروحيّة الوخيمة لك».

  • فاقتنع ذلك الرجل المحترم بهذا الكلام واستعدّ للسفر إلى كربلاء مشيًا على الأقدام ...1

  • فقال الحقير للمرحوم الوالد: لو كنتم مكان المرحوم الحاج الشيخ عبّاس القوچاني، هل كنت ستمنعونه من عمل ذلك؟

  • فتبسَّم ولم يقل شيئًا!

  • لقد حصلت قضيّة مشابهة لتلك القصة للمرحوم الوالد- قدّس سرّه- في عصر المرحوم آية الله الأنصاريّ الهمدانيّ- رحمة الله عليه- لا يخلو ذكرها من الّلطف، وخصوصًا للسالكين إلى الله ورافضي التعلّقات الدنيوية والاعتبارات الوهميّة؛ فقد كان المرحوم الوالد- رضوان الله عليه- يقول:

  • كان رفقاء المرحوم الأنصاريّ- رضوان الله عليه- يأتون في زمان حياته من مناطق مختلفة إلى همدان بغرض الإفادة من وجوده، وكان نزولهم في الغالب في بيته، وكان يقوم بواجب الضيافة بكلّ لطف وبهجة وسعة صدرٍ وبشاشة وجهٍ كالأب العطوف الرحيم، وكان يقوم بتهيئة مستلزمات الضيافة بنفسه، ومهما كان أصدقاؤه ومحبّوه يصرّون على رفع عبء توفير الطعام وغيره عن كاهله، لم يكن يرضى بذلك أبدًا؛ وكان يقوم نهارًا بالذهاب إلى السوق على الرغم من ضعف بنيته التي كانت عبارة عن مجموعة عظام ليس إلّا، وكان يقوم بتوفير الفاكهة والموادّ الغذائيّة لرفقائه، كان يقوم بذلك بكل كتمان وتخفّ.

  • ومن الجدير بالذكر أنَّ تصرّف المرحوم الأنصاريّ هذا لم يكن مع أصدقائه ورفقائه فقط، بل كان يتصّرف مع المحتاجين والغرباء بنفس هذا الأسلوب، فقد تعلَّم هذه السنّة الحميدة من مولاه ومقتداه مولى الموالي أمير المؤمنين عليه السلام وسائر الأئمة الطاهرين.

    1. الروح المجرّد، ص 23.

أسرار الملكوت ج۳

161
  • يقول المرحوم الوالد:

  • في أحد أيام الشتاء الشديدة البرد، وحيث كان الثلج يتساقط بغزارة في همدان، رأى أحد مريدي الشيخ الأنصاري هذا الشيخ حاملًا كيسًا كبيرًا على كتفه، ماشيًا وسط الثلوج إلى خارج مدينة همدان، فتقدّم منه وسلّم عليه وقال: «ما هذا الكيس الكبير الثقيل الذي تحمله على كتفك وتذهب به إلى خارج المدينة؟»

  • فقال الشيخ: «مع نزول الثلج الغزير، انقطع اتصال القرى المجاورة لهمدان بالمدينة، فقمت بتهيئة مقدار من الخبز لإيصاله إلى إحدى تلك القرى». حينها يقول له ذلك الشخص: «هل تسمح لي بحمله والذهاب معك»، فلم يقبل منه ذلك، فقال: «فاسمح لي بمرافقتك إذًا، لأنَّه من الممكن أن يُداهمك خطر ما في هذه الصحراء وهذا الثلج الغزير». فلم يقبل بذلك أيضًا وودَّعه ومضى.

  • وهكذا كان دأبه في الأمور المتعلّقة بالبيت، فإنَّه لم يكن يُحمِّل أحدًا عبء القيام بذلك، ولم يكن يطلب من أحد القيام بالترميم.

  • وكان في بيته بئر، وكان على الرفقاء نزح الماء منه لتجديد الوضوء، وذلك بواسطة مضخّة الماء اليدويّة، حيث كانت هي الأداة المستخدمة لرفع الماء من البئر في ذلك الزمان، وكانت هذه المضخّة تتعطل عن العمل في الكثير من الأحيان مما كان يُسبِّب مشاكل للرفقاء ويضطرّهم إلى استخدام الدلو لنزح الماء من البئر.

  • يقول المرحوم الوالد:

  • رأيت أنَّ الأمور لا يمكن أن تستمرّ على هذا المنوال، ولابدَّ من التفكير بطريقة لحلَّ هذه المشكلة، فقلت في نفسي: إنَّ حلّ المشكلة يكمن في نصب مضخّة غاطسة في البئر. وبدون طرح الموضوع مع المرحوم الشيخ الأنصاريّ، ذهبت إلى منطقة في همدان تدعى «چاپار خانه» حيث كانت تُباع اللوازم والأدوات الميكانيكيّة. فلفت نظري أحد المتاجر، فدخلت ورأيت رجلًا

أسرار الملكوت ج۳

162
  • قويّ البنية ذا شوارب كثيفة ينبئ مظهره عن موقعيّة متميّزة له بين أقرانه من أهل السوق، كان يجلس خلف مكتب وحوله جماعة يستمعون إلى كلامه. لم يعبأ بي كثيرًا عند دخولي، بل وكأنه انزعج لرؤيتي بعض الشيء، فجلست جانبًا وكنت أستمع إلى كلامه. وبعد مضيّ فترة من الزمن التفت إليّ قائلًا: هل لك حاجة أيها السيّد؟

  • فشرحت له المشكلة باختصار وأشرت ضمن كلامي إلى بعض النواحي الفنيّة، فعَرف بأنّني من ذوي الخبرة ببعض الأمور الفنيّة والتخصّصيّة، فظهر التغيّر على وجهه وانشرحت أساريره تدريجيًا، ثمّ نهض من مكانه وتقدّم نحوي وقال: أنا خادم لك أيها السيّد، أنا غلام لك، فمهما تأمر، فسوف أنفّذ أمرك و أطيع، واحتضنني وعانقني معانقة شديدة.

  • ثمّ قال: يجب عليّ معاينة المكان عن قرب كي أستطيع اتخاذ ما يلزم بشأن المحرّك ومكان نصبه. فاتفقنا على موعدٍ بعد الظهر، وعُدتُ أنا إلى بيت المرحوم الأنصاري.

  • فجاء الرجل بعد الظهر، وألقى نظرة على المكان وقال: إنَّ البئر بحاجة إلى أن يحفر عدّة أمتار أُخرى كي لا يسبب العطب للمحرّك، وقال: عندما يمسي البئر جاهزًا، أخبروني كي آتي برفقة المعدّات.

  • بعد ذهاب الشخص، بحثنا عن حفّار آبار حتّى وجدنا أحدهم فقال: أنا مستعدّ للعمل ولكنَّ العامل الذي يعمل معي مسافر الآن ولا يوجد معي من يرفع التراب إلى السطح. فقلت له: ليس هنالك مشكلة، أنت تنجز عملك، وسأقوم أنا برفع التراب. فنظر إليّ الرجل وقال: أيها السيّد، وهل كنت تعمل في السابق كحفّار للآبار؟

  • فقلت: لا، ولكنّني في النهاية أتقن القيام بدور العامل، وسيساعدنا الأصدقاء. وفي النهاية استطعت اقناعه، فجلب البكرة التي يستخدمها في الحفر ليلًا لكي نبدأ عملنا في الصباح الباكر. وفي الصباح جاء الحفّار ونصب البكرة وعلَّمنا

أسرار الملكوت ج۳

163
  • كيفيّة العمل ونزل إلى البئر.

  • فبدأنا العمل بمعيّة المرحوم الحاج الشيخ حسنعلي نجابت الشيرازيّ الذي كان قد قَدِم إلى همدان لزيارة الشيخ الأنصاريّ أيضًا، فرفعنا الكيس الأوّل من التراب وقمنا بإفراغه خارج المنزل على حافّة الطريق، وواصلنا عملنا؛ ولقد كنّا في حالة من السعادة والسرور والابتهاج والنشوة والعشق والوجد بحيث أنّنا لم نكن نشعر بما نقوم به من أعمال؛ ولم نكن نفكّر في أنّه ماذا سيحلّ بهذا الرجل لو حدث خطأ وسقط كيس التراب على رأسه؛ وذلك أنّنا لم تكن لدينا تجربة سابقة في هذا الميدان؟! وكان المارّة ينظرون إلينا، وكان بعضهم يتعجّب لهذا المنظر، بينما كان البعض الآخر يضحك ويسخر منّا ويتفوّه ببعض العبارات.

  • وكان المرحوم الأنصاريّ يتفقّدنا أحيانا، وكان يُمدّ أرواحنا بالقوّة ببسماته وضحكاته.

  • و استمرّ بنا الأمر كذلك حتّى اكتمل حفر البئر إلى العمق المطلوب، فأبلغنا الشخص المذكور الذي ينصب المضخّة الغاطسة، فتعاونّا حتّى تمّ نصب المضخّة في البئر.

  • د. اختيار وليّ الله للوصي الظاهري يخضع لملاكات عديدة، وليس الملاك هو أفضليته على باقي التلاميذ

  • يجب الانتباه هنا إلى هذه المسألة، وهي أنَّ وليّ الله عندما يعيّن الوصيّ الظاهريّ فإنّه قطعاً يأخذ بعض المصالح والملاكات بعين الاعتبار، وهو في كثير من الأحيان لا يعلم التلامذة وبقية الأفراد بهذه الملاكات، فوليّ الله أدرى بما يفعل وهو ملتفت إلى ما يأخذه من المبرّرات بعين الاعتبار بشأن اختياره للوصيّ الظاهريّ.

  • والدليل على ذلك أنَّه كان من بين تلامذة المرحوم القاضيّ- رضوان الله عليه- من هم أفضل من المرحوم القوچاني من عدة جهات قطعًا، من أمثال المرحوم العلّامة الطباطبائي وأخيه المعظّم المرحوم آية الله السيّد محمّد حسن الإلهيّ، وآخرين غيرهم، ولكنَّ المرحوم القاضي اختار آية الله القوچاني، لذا لا يوجد أيّ إلزامٍ بالرجوع إلى الوصيّ الظاهريّ، بل هو طريقٌ إلى الله كما هو حال الكثير غيره من الأفراد.

أسرار الملكوت ج۳

164
  • والملفت للنظر أنَّه في ذات الوقت الذي كان فيه المرحوم الوالد مشغولًا بالتهذيب والتزكية والتعلّم وأخذ الأوراد والأذكار من العلّامة الطباطبائيّ في قم، كان المرحوم العلّامة الطباطبائي يذكر ولمرات عديدة وصاية المرحوم القوچاني ولم يقل أبدًا للمرحوم الوالد: عليك أن ترجع إليه وأن تأخذ التعليمات والأذكار منه حضوريًا أو بالمراسلة، بل إنَّه كان يُعطي المرحوم الوالد التعليمات السلوكيّة والأذكار، وكان يُشير إلى المسائل ودقائق الأمور وكيفيّة السلوك إلى الله، ولا تزال كتاباته التي كان يكتبها في ذلك الزمان محفوظة في المجلّدات المخطوطة للمرحوم العلّامة، وقد كانت المراسلات بين المرحوم الوالد والعلّامة الطباطبائيّ مستمرّة حتّى بعد هجرة المرحوم الوالد إلى النجف الأشرف أيضًا، وكانت هذه الرسائل تتضمّن وصايا بعنوان تعليمات سلوكيّة؛ أي أنَّه في ذات الوقت الذي كان فيه المرحوم الوالد يتلقّى الإرشادات والبرامج السلوكيّة من المرحوم القوچاني، كان يستفيض من العلّامة الطباطبائي ويأخذ منه الإرشادات ويعمل بها أيضًا.1

  • وفي أواخر حياة المرحوم الوالد وفي إحدى الليالي، طرح الحقيرُ عليه هذا السؤال: لقد تعرّفنا إلى حدٍّ ما على حالات وخصوصيّات المرحوم القوچاني، ونعلم أنَّه رجل صادق ومجرّد عن الهوى، فهل هذا المقدار كافٍ لرجوعكم إليه ووضع نفسكم تحت تربيته وإرشاده؟!

  • فتأمَّل المرحوم الوالد وقال:

  • إنّني رجعت إليه وفقًا لأمر العلّامة الطباطبائي، وفي الحقيقة كان رجوعي إليه في ظلّ الاتّصال بالعلّامة الطباطبائي وتحت إرشاده؛ وكنت طيلة إقامتي في النجف تحت نظر وهداية وإرشاد العلّامة الطباطبائي، إلى أن ارتبطتُ بالمرحوم الحدّاد.

    1. للاطّلاع على هذه الرسائل والإرشادات راجع: كتاب« مطلع أنوار»( فارسي)، ج 2، ص 205 إلى 215.( م)

أسرار الملكوت ج۳

165
  • وممّا يؤيّد هذا الأمر أنَّ تمجيد ووصف المرحوم الوالد للعلّامة الطباطبائيّ والمرحوم القوچاني وبقيّة تلامذة القاضيّ، هو بنفسه حاكٍ عن تفاوت واختلاف درجاتهم؛ فقد كان المرحوم الوالد يُعبِّر عن العلّامة الطباطبائي أحيانًا بهذا التعبير:

  • هو إنسان لا تذكر الملائكة اسمه بغير وضوءٍ!1 وإنَّ قدرَ ومنزلة العلّامة تُعرف في الملأ الأعلى، لا في الكرة الأرضيّة وبين أصدقائه ومُحبّيه.

  • و لكنَّه كان يُعبِّر عن المرحوم القوچاني بهذا التعبير فقط:

  • إنَّه رجل صادق، وهو نفسه كان يقول: «ليس لديّ شيء، وأنا أتعجَّب كيف جعلني المرحوم القاضيّ وصيًّا له؟!».

  • ه. السبب في الرجوع إلى الوصي الظاهري هو كونه أحد الطرق إلى الواقع

  • فعلى هذا الأساس، ليس رجوع الأفراد إلى الوصيّ الظاهريّ بمعنى الإلزام بالاستمرار في اتّباعه والاستفادة منه، بل هو وسيلة إلى جانب بقيّة الوسائل، وطريقٌ إلى جانب بقيّة الطرق، ولربمّا كانت بقيّة الطرق والوسائل أقوى وأكثر بصيرة وخبرة في شؤون السلوك وأموره الدقيقة الخفية.

  • ويُلاحظ هنا أنَّ الرجوع إلى الوصيّ الظاهريّ موافق لذلك القانون والأصل والميزان المذكور فيما تقدّم من أنَّه ليس هناك حدٌّ ولا قيدٌ ولا مانعٌ أمام الوصول إلى درجة المعرفة، والذي هو بحدّ ذاته قانون عقليّ وفطريّ واعتقاديّ ورد التصريح به في النصوص الدينيّة أيضًا.

  • ووفقًا لهذا المبدأ، قال المرحوم القوچاني للمرحوم الوالد عندما تشرّف المرحوم آية الله الأنصاريّ الهمدانيّ بزيارة النجف: «من الآن فصاعدًا، فلتكن تحت إشراف المرحوم الأنصاريّ وتربيته»؛ ومنذ ذلك الحين أمسى المرحوم العلّامة يتّبع تعليمات المرحوم الأنصاريّ، وهذا الأمر واضح بشكل جيّد في مراسلاته معه.2

    1. حريم القدس، ص 112.
    2. للاطلاع على هذه المراسلات، راجع: كتاب« مطلع أنوار»( فارسي)، ج 2، ص 331.( م)

أسرار الملكوت ج۳

166
  • كان المرحوم الوالد- رضوان الله عليه- ينظر إلى جميع هؤلاء العظماء بنظرة مرآتيّة وطريقيّة، وكان يجعل كل فرد في موضعه المناسب، حتّى أنَّه كان يأخذ بعض المسائل عن بعض تلامذة المرحوم القاضيّ، في حين أنّ ذلك الشخص كان قد وقع في أواخر عمره بالضلال والانحراف.

  • نعم، كانت سيرة وطريقة المرحوم الوالد مبنيّةً على كلام أمير المؤمنين الرفيع حيث قال عليه السلام: «انظُر إلى ما قالَ، ولا تَنظُر إلى مَنْ قال».1 أي: انظر إلى الكلام الحكيم، ولا تنظر إلى قائله نظرةً استقلاليّة وموضوعيّة.

  • أو ما يقوله في مكان آخر: «الحِكمَةُ ضالَّةُ المُؤمِن».2

  • فضالّة المؤمن وما يبحث عنه دائمًا، إنَّما هو حقائق عالم الوجود، والآداب التي تُوصل الإنسان إلى تلك الحقائق، وتجعله يتخلّق بتلك الأخلاق.

  • ذات يومٍ، قال المرحوم الوالد- قدّس سرّه- للحقير:

  • هل تذهب إلى منزل آية الله الحاج السيّد رضا بهاء الدينيّ؟

  • فقلت: لا، نادرًا ما أزوره.

  • فقال: عليك أن تذهب لزيارته حتمًا، وأن تستفيد من محضره، إنَّه رجل مؤمن، ومن الممكن أن تكون مُدرَكاته مفيدة لك، فتنتفع بها.

  • وقد حصل هذا الأمر عندما كنت تحت تعليم وتربية المرحوم الوالد من حيث الظاهر، وكنت أعتبره وليًّا من أولياء الله وأعتقد بذلك.

  • و. عدم تقييد الاستفادة من أيّ أحد إلّا بتسبيبه الضرر

  • وأُعلن هنا بكلّ صراحة: بصفتي ابنًا للمرحوم العلّامة، وأكثر الناس اطّلاعًا على المعايير والمباني التي كان يعتمدها ذلك العظيم، وأكثرهم معايشةً لسيرته وسلوكه ومنهج تفكيره وأسلوبه في التربية والتعليم، أنّني لم أسمع طيلة حياتي أنّه منع أحدًا- ولو

    1. غرر الحِكم، ص 58؛ فرج المهموم، ص 220، وفي حديث أهل الكمال:« أنظُر إلى ما قالَ ولا تَنظُر إلى مَنْ قال».
    2. الكافي، ج 8، ص 167.

أسرار الملكوت ج۳

167
  • لمرّةٍ واحدة- من الاستفادة من محضر أحد، اللهمّ إلّا أن يكون الارتباط به مضرًّا بالإنسان.

  • ففي يوم من الأيّام، ذهب أحد الأقرباء- وكان شخصًا ساذجًا وتنقصه التجربة- إلى مجلس في طهران لأحد الأشخاص المعروفين والمشهورين، وقد كان يذكر ذلك المجلس بكلّ خيرٍ وصفاء ومن خلال استعمال كلمات جميلة. وعندما أنهى كلامه، التفت إليه المرحوم الوالد قائلًا: «إن شاركت في ذلك المجلس مرّة أخرى، لأقطعنّ علاقتي بك!».

  • وقد كان ذلك الرجل الذي منع المرحومُ الوالدُ عن المشاركة في مجالسه هو نفس ذلك المُنكر للأستاذ وللحاجة إلى التربية السلوكيّة، وكان يجتذب الناس ويوقعهم في الانحراف بحديثه وكلامه الساحر! ولهذا قام المرحوم الوالد بتحذير ذلك الشخص من المشاركة في مجالسه، إلى درجة أنّه قال له في أحد الأيّام: «عندما يطرق سمعي أنّ أحداً قد ذهب إلى ذلك الشخص، يرتجف بدني، وأقول: لقد انتهى أمره!».

  • ومن جملة الشواهد على أنّ منهج المرحوم الوالد- قدّس سرّه- وسيرته كانا يبتنيان على الوصول إلى المعرفة واكتساب البصيرة من دون أيّ حدّ أو قيد، أمرُه لطلّاب العلوم الدينيّة الذي جاء فيه: «بإمكان الطلّاب- في سبيل كسب العلم وتحصيل المعرفة- أن يذهبوا إلى أيّ مكان يُناسبهم بغير استئذاني أو أخذ إجازتي، ولا يحتاجون إلى سؤالي عن ذلك».

  • وكم من مرّة قال لتلامذته ومحبّيه: «على الإنسان أن يغتنم صحبة الأعاظم، وأن يُشنّف سمعه ويُعطّر روحه بكلّ كلام حكيم، مهما كان الشخص الذي صدر منه».

  • ومن المعروف أنّه كان يوصي العديد من الأشخاص بأن يحظوا بشرف الحضور عند العلّامة الطباطبائي. كما أنّ الحضور عند الأفاضل من أهل العلم والصلاح يعتبر من المباني الملازمة لسلوكه العملي، إلى درجة أنّه كان يحثّ أصدقاءه على المشاركة في المجالس التي يعقدها في مسجده ويدعو إليها بعض الوعّاظ وخطباء المنابر، ويُشجّعهم على الاستفادة من المطالب التي كان يُلقيها أولئك الوعّاظ، مع أنّهم قد لا يكونون على

أسرار الملكوت ج۳

168
  • اطّلاع كافٍ بالمباني السلوكيّة والعرفانيّة، أو قد يكونون من الذين ينحون مسلكًا ومشربًا مخالفًا.

  • نعم، كما ذكرنا سابقًا، على الإنسان أن يسلك- في تحصيل العلم والمعرفة- الطريق الذي لا يوقعه في الضرر؛ فما أكثر الشياطين المتظاهرين بالخير، والوحوش الذين يسرقون القلب والدين، وقطّاع الطرق الذين لا معرفة لهم بالله ورسوله، وما أكثر أشباه أبي سفيان الذين يتظاهرون بمظهر سلمان، والحاملين لصفات معاوية متظاهرين بصفات عليّ عليه السلام، ويتربّصون بالأشخاص السذّج الفاقدين للبصيرة، ويسعون إلى خداعهم وغوايتهم من خلال الظهور بالمظهر الخدّاع والسلوك المتواضع والوجه البشوش والكلام الفتّان.

  • و من هنا، فعلى الشخص الذي يسلك طريق الله تعالى أن يظلّ متيقظًا بشكل تامّ، ويستعمل حارسًا ومراقبًا على سمعه وبصره وقلبه؛ فلا يُصغي إلى أيّ كلام، ولا يُلقي بنظره إلى أيّ مظهر خدّاع، ولا يبيع قلبه ودينه لأيّ سلوك ونهج، كما هو المرويّ عن الإمام الباقر عليه السلام أنّ المراد من الآية الشريفة (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ)1: فلينظر إلى علمه الذي يأخذه عمّن يأخذه2.

  • وهذه من الأمور الواضحة والبيّنة التي واجهتنا كثيرًا وعايشناها لمرّات عديدة طيلة حياتنا.

  • أثر النفوس بعضها على بعض في تغيير المعتقدات، و مسألة الإقامة في بلاد الكفر نموذجاً

  • ومن بين المسائل التي ينبغي على السالك خصوصًا مراعاتُها والالتفات إليها مسألة تأثّر النفوس بعضها ببعض وحصول الارتباط النفسيّ والروحيّ؛ وهي مسألة حازت على اهتمام بالغ من قِبل العظماء والمربّين للنفوس وأولياء الله تعالى، بنحوٍ نستطيع معه القول أنّها تُعدّ إحدى المسائل السلوكيّة والعرفانيّة القليلة التي حظيت بهذه الدرجة من اهتمام أرباب السلوك والتزكية.

    1. سورة عبس( 80)، الآية 24.
    2. الكافي، ج 1، ص 50.

أسرار الملكوت ج۳

169
  • إنّ التعلّقات والتمايلات النفسية التي يعيشها هذا الإنسان هي إحدى العلل المُعِدّة التي تُساهم في كيفيّة تكوّن أفكار الإنسان وآرائه، وكذلك الأجواءُ والأحداث والوقائع التي تُحيط به، وإنّ تأثير هذه الارتباطات والظروف في تكوين فكر الإنسان وحكمه على الأمور هو بنحوٍ قد يغفل معه الإنسان نفسه عن كيفيّة هذا التأثير و لا ينتبه إليه أبدًا؛ أي أنّ النفس الإنسانيّة وبسبب محبّتها لشخص من الأشخاص وميلها إليه تبدأ- شيئًا فشيئًا ومن حيث لا تشعر، وبالموازاة مع الازدياد التدريجي للمحبّة- في التغيير والتحوّل على مستوى أفكارها، وتتبدّل نظرتها لذلك الشخص وآرائه وعقائده والوقائع والأحداث المرتبطة به، وحتّى لمبانيه وموازينه الشرعيّة والاعتقاديّة .. وهنا مكمن الخطر!

  • وقد كشف لنا الحقّ تعالى عن هذه الحقيقة في قصّة نبيّ الله موسى والخضر حيث قال عزّ و جلّ: (فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ قالَ أَ قَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً)1. (وَ أَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَ كُفْراً* فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَ أَقْرَبَ رُحْماً)2.

  • فقد سار النبيّ موسى برفقة الخضر إلى أن وجدا غلامًا يافعًا، فأمسك الخضر فجأةً بذلك الغلام وقتله وتركه ملقى على الأرض، فلم يحتمل نبيّ الله موسى هذا الموقف وصاح قائلًا: ما الذي تفعله؟ لماذا سلبت الحياة من طفلٍ بريء لم يرتكب أيّ ذنب أو جرم؟ لقد ارتكبت عملًا قبيحًا جدًّا!

  • وفي مقام بيان تفسير فعله وبيان سببه قال الخضر: اعلم أنّ قتلي لهذا الغلام لم يكن عن لغو وعبث؛ فلو كبُر هذا الغلام وبلغ سنّ الرشد والتكامل، فإنّه سينحرف بأبويه المؤمنَين الموحّدين عن الطريق، وسيجرّهما نحو الكفر والطغيان، أي إنّه بسبب ميول

    1. سورة الكهف( 18)، الآية 74.
    2. سورة الكهف( 18)، الآيتان 80 و 81.

أسرار الملكوت ج۳

170
  • الغلام الإلحاديّة والمضادّة للتوحيد، وبسبب إظهاره للفسق والفجور، فإنّ الوالدين سيقعان تحت تأثير العواطف الأبويّة، فينحرفان شيئًا فشيئًا عن الصراط المستقيم ويستجيبان لرغبات ابنهما، وبدلًا عن نهيه وطرده، سيبدآن بدورهما بالانحراف التدريجيّ نحو رغباته وأفكاره وطبائعه، إلى أن يبلغ بهما الحدّ إلى أن يدوسا فجأةً على جميع المعتقدات والمباني الدينيّة والشرعيّة، ويستبدلا التوحيد والإيمان بالكفر والشرك. ولهذا، أردنا قتله، وسيُعطيهما الله تعالى- بدلًا عنه- ولدًا أصلح وأطهر تقرّ به أعينهما ويجلب لهما البركة وخير الدنيا والآخرة.

  • ففي هذه الآية الشريفة، يُعلن الحقّ تعالى بشكل واضح وصريح أنّ العلاقة الأبويّة ستُفضي في المستقبل إلى حدوث تغيير في عقائد الأبوين وإيمانهما، ملقيةً بهما في أتون الكفر والشرك.

  • وتُعدّ مسألة السقوط في الإدمان عن طريق مصاحبة المدمنين ومرافقتهم أبرز وأبسط نموذج لهذا الأمر. فالارتباط القلبي للإنسان يُهيّئ الأرضيّة للوساوس الشيطانيّة وإغواءات المجرمين والأشرار، إلى أن يسقط هذا الإنسان- شيئًا فشيئًا- في فخّ الإدمان الخطير، وقس على ذلك بقيّة الأمور الفاسدة وغير المشروعة.

  • ومن هنا، حُرّمت الإقامة والعيش في بلاد الكفر، على الرغم من أنّ الإنسان قد يبذل اهتمامًا بالغًا بأداء الصلاة والصيام والمشاركة في المجالس، ظنًّا منه أنّه لم ينقطع عن الحضور في إحياء الشعائر والمناسبات الدينية؛ والسرّ في ذلك هو أنّ نفس التواجد في أجواء الكفر والعيش وسط المجتمع الكافر يُفضي بروح الإنسان ونفسه- بسبب ضعف نورانيّة البيئة- إلى التقليل التدريجيّ من ارتباطها بالمبدأ الأعلى؛ فيبدأ هذا الإنسان- من دون أن يشعر بالتغيير الذي يحصل في داخله- في الأفول والسقوط بشكل دائم، فيفقد هويّته ويُضيّع ثروته الوجوديّة التي تتشكّل من حيثيّة الارتباط بالحقّ تعالى. وفي نهاية الأمر وبعد مرور مدّة من الزمان، نجد أن هذا الإنسان قد تغيّر أسلوب تفكيره تبعاً للتغيّر الذي طرأ على صفاته وملكاته وتعلّقاته. فنراه يُفكّر- من دون أن يشعر بأيّ تغيير

أسرار الملكوت ج۳

171
  • في داخله- بطريقةٍ مختلفة، فلا وجود لتلك الاستقامة والصمود والثبات في الأفكار والمباني والاعتقادات، ولا مكان في نفسه لتلك الغيرة والحميّة الدينيّة، فقد تمّ استبدال تلك الصلابة والثبات بنوع من الليونة والخضوع والغفلة والإهمال والتساهل؛ فيصير هذا الإنسان محكومًا بالاستدراج بمقتضى هذه الآية الشريفة: (فَذَرْنِي وَ مَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ* وَ أُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ).1

  • و الأمر الملفت هو أنّ لهذا الأمر أثرًا بالغًا حتّى في المسائل الفقهيّة واجتهادات الفقيه واستنباطاته الشرعيّة، وبعبارة أخرى: إنّ تلك الحالة من الشعور بالارتباط بمبدأ الوحي والتعلّق بمنبع التنزيل، تتشكّل على أساسها مُدركات الفقيه في المسائل المختلفة، أما في الأجواء الخالية من المعنويّة والروحانيّة وبسبب حالة الانسلاخ والانقطاع عن مبدأ التشريع ذاك، فإنّ المدركات ستتشكّل بصورة مادّية ظاهريّة لا روح فيها.

  • فما أكثر الأشخاص الذين كانوا قبل إقامتهم وتوطّنهم في بلاد الكفر من ذوي العقائد والأفكار الصحيحة والصالحة إلى حدٍّ ما، لكنْ ما إن أقاموا وتوطّنوا في هذه البلاد حتّى طرأت تغييرات كبيرة على أفكارهم وعقائدهم.2

  • ومن عجائب الدهر أنّ بعض هؤلاء السادة أطلق على بلاد الكفر كإنجلترا اسم أمّ العالم الإسلامي! فيا للعجب كم يحتاج الإنسان أن يبلغ به الانحطاط الفكري والاعتقادي، حتّى يمكنه أن يتفوّه بمثل هذه الأباطيل ويكتبها! أفهل يجتمع الإسلام مع الكفر؟! وهل للاستعمار المكّار المحتال رغبة بالإيمان بالمبدأ والمعاد وانسجام مع الاعتقاد بهما؟! إنّ هؤلاء لا يعلمون- ولن يعلموا- أنّ هذه الأرضيّة والمجالات التي يفتحها الاستعمار البريطاني القديم أمام نشر المذاهب المختلفة- ومن جملتها

    1. سورة القلم( 68)، الآيتان 44 و 45.
    2. سيأتي الحديث عن هذا الموضوع بشكل مفصّل في الأجزاء اللاحقة إن شاء الله.

أسرار الملكوت ج۳

172
  • الإسلام- والدعوة لها ليست لأجل تحصيل رضا الله ورسوله، ولا لأجل حماية الديمقراطيّة والحريّة في إظهار الأديان الإلهيّة وإبرازها، ولا لأجل الدفاع عن سمعة بلادهم وكسب التأييد والجاه لها، بل هو لأجل الاطّلاع- أكثر فأكثر- على أفكار الناس وعقائدهم، ورسم المخطّطات المشؤومة والشيطانيّة في سبيل تحريف الأسس العقائديّة لشعوب العالم، والسيطرة على أزمّة أمور البلدان من خلال تغيير أفكار زعماء الأمم والمذاهب وعقائدهم؛ وهذه مسألة غفل الجميع عنها، فاعتبروا أنّ تلك البلاد هي مهد الحضارة وازدهار الأفكار المذهبيّة والاجتماعيّة.

  • لقد كان المرحوم الوالد العلّامة الطهراني- قدّس سرّه- يقول مرارًا وتكرارًا:

  • إنّ جميع فتن العالم والبرامج المشؤومة الموضوعة ضدّ المذاهب والأمم يُخطَّط لها في بريطانيا، وإذا كان العالم بأجمعه يقول: الموت لأمريكا، فإنّي أقول: الموت لبريطانيا!

  • وكان أستاذه في الأخلاق والعرفان المرحوم السيّد هاشم الحدّاد- قدّس سرّه- يقول بدوره:

  • جميع القرارات والمخطّطات التي توضع لإدارة الدول والبلدان في العالم هي من إنشاء بريطانيا، وحتّى التغيّرات والتحوّلات التي تحدث في الاتّحاد السوفياتي هي تابعةٌ للقرار البريطاني.

  • والحاصل أنّ مسألة تبدّل النفس وتغيّر ميولها ورغباتها بسبب الظروف الاجتماعيّة والارتباط بالرفيق ليست موضعًا للشكّ أو الشبهة، وما أكثر الموارد التي يصادفها الإنسان طيلة حياته، حيث يرى كيف أنّ شخصًا معيّنًا كانت له ميول خاصّة وتفكير معيّن، ولكن ما إن طرأ تغيير في علاقته بمحيطه وبالناس من حوله وبالظروف المختلفة التي تحيط به، حتّى حدث تغيير جوهريّ في ميوله وأفكاره، وصار يحكم بخلاف كلّ ما كان يحكم به في السابق، وصار يكره كلّ ما كان يميل إليه في الماضي، مع أنّه لم تتسرّب إلى ذهنه أو قلبه أيّة معلومات مخالفة لما سبق، بل هو نفس ذلك الشخص السابق.

أسرار الملكوت ج۳

173
  • نتيجة المجلس: الواجب عند فقدان الولي هو الرجوع إلى الخبير، والوصيّ الظاهريّ أحد الطرق

  • ونستنتج من جميع ما تقدّم أنّه ليس هناك أيّ إلزام بالرجوع إلى الوصيّ الظاهريّ، حيث لم يرجع أحدٌ من تلامذة المرحوم القاضي- قدّس سرّه- بعد وفاته إلى المرحوم القوچاني، ولم يأخذوا عنه أيّ ذكرٍ أو برنامج، مع أنّ هؤلاء التلامذة لم يكونوا قد وصلوا إلى مرتبة الكمال، ولم يكونوا طوَوا بعدُ الأسفار السلوكيّة الأربعة، وكانوا بأجمعهم- سوى المرحوم الحدّاد رضوان الله عليه- محتاجين ومفتقرين إلى إكمال التربية والتزكية. وعلاوةً على ذلك، فإنّ أغلب تلامذة المرحوم القاضي كانوا متفوّقين من عدّة جهات على المرحوم القوچاني، وفي هذه الحالة، سيكون رجوعهم إليه من قبيل رجوع الأعلم إلى العالم؛ وهي مسألة باطلة ومرفوضة عقلًا ونقلًا.

  • إنّه من المهمّ جدًّا الالتفات والانتباه إلى أنّ الوصيّ الظاهريّ هو مجرّد مرشد ودليل على الطريق لا أكثر، فلا امتياز له عن بقيّة الخُبراء وأهل البصيرة في المعرفة بطريق الله وبيان الموانع والمعدّات والإرشاد إلى الهدف المنشود. وبعبارة أخرى، إنّ إرشادات الوصيّ الظاهريّ وجهوده في الهداية وكلماته وتوجيهاته ومنهجه وسلوكه، تتّصف بأنها طريقيّة إرشاديّة لا موضوعيّة مولويّة.

  • وبناءً عليه، يخطئ من يقول: «ينبغي في طريق الله أن تؤخذ البرامج والأذكار من نافذة واحدة ومن أستاذ واحد ومن جهة واحدة، والرجوع إلى شخصين أو أكثر يؤدّي إلى وقوع القلب في الشكّ والحيرة والضلال». فقد ساق هذا القائل كلامه مساق اللغو والعبث، وحصل على نتيجة خاطئة بخلطه في الموضوع بين مسألتين مختلفتين ومتفاوتتين:

  • فمسألة أنّ السالك لا ينبغي عليه أخذ دستور وبرنامج للذكر من شخصين تتعلّق بوليّ الله والعارف الكامل والسالك الواصل، لا بالوصيّ الظاهر.

  • والشاهد على ذلك أنّ المرحوم الوالد- قدّس سرّه- كان يستفيد مدّة إقامته في النجف من أوامر وإرشادات المرحوم العلّامة الطباطبائي، في نفس الوقت الذي كان يستفيض من المرحوم آية الله الأنصاري الهمداني ومن المرحوم آية الله السيّد جمال

أسرار الملكوت ج۳

174
  • الدين الكلبايكاني وأيضًا من المرحوم القوچاني والبعض الآخر من تلامذة المرحوم القاضي. هذا دون أن توجد أيّة منافاة بين هذه العلاقات والارتباطات، أو معارضة بين هذه المجالسات والمصاحبات والإرشادات.

  • بل إنّ هذا الحقير يُمكنه الادّعاء أنّ المرحوم الوالد كان في تلك الفترة التي كان يتردّد فيها على المرحوم القوچاني يتفوّق عليه علميًّا من عدّة نواح، ويفوقه في كثير من الدقائق والرقائق العرفانيّة والسلوكيّة، مع أنّه- وكما أشرنا إليه سابقًا- لو كان هذا الرجوع رجوعًا حقيقيًّا وواقعيًّا، فإنّه سيكون من قبيل رجوع الأعلم إلى العالم، وهو باطل ومرفوض.

  • والأمر نفسه يُقال بالنسبة لتلامذة المرحوم السيّد أحمد الكربلائي السلوكيّين، ومن جملتهم المرحوم آية الله السيّد جمال الدين الگلپايگاني، فمتى كانوا يرجعون إلى وصيّه الظاهريّ المرحوم السيّد أبي القاسم اللواساني؟

  • وعليه، فإنّ ما يطرحه البعض من أنّ: «الوصيّ الظاهريّ هو أبرز وأفضل شخص بعد الوليّ الكامل وينبغي الرجوع إليه حتمًا» هو كلام لا أساس له، وحتّى مع وجود وصيّ ظاهر لعارفٍ من العرفاء بالله، يُمكن للإنسان أن يرجع إلى بقيّة مريديه وتلامذته، بل وحتّى إلى غير المرتبطين به، وينهل من فيوضاتهم. وبشكل عامّ، فإنّ نظرة العرفان والتوحيد حول هذه المسألة هي نظرة واسعة الأفق وفي أعلى مستوى من الانشراح والسعة؛ ففي هذه النظرة يُعدّ ظهور الحقّ تعالى في المظاهر المختلفة والمرايا المتعدّدة عامًّا وشاملًا، وغير منحصر في مظهر أو تعيّن خاصّين، ولهذا لم يستنكف نبيّ الله سليمان عن الاستماع لنصيحة النملة والطائر. وبهذا تفترق مدرسة العرفان والتوحيد عن بقيّة المدارس والنحل.

  • ففي مدرسة العرفان، لا يوجد أيّ حدٍّ لاكتساب العلم والمعرفة، ولا أيّ قيد للاستفادة والاستفاضة من الفيوضات الإلهيّة، ولا أيّ حصر في معاشرة الناس ورجوعهم لأولي الأبصار وخبراء هذا الطريق، فكما يُمكن لسالك طريق المعرفة

أسرار الملكوت ج۳

175
  • مراجعة الوصيّ الظاهر، يُمكنه أيضًا الاستفادة من بقيّة الأشخاص؛ كما كان دأب المرحوم الوالد- قدّس سرّه- طوال فترة سيره وسلوكه قبل لقائه بأستاذه ومرشده الربّاني حضرة السيّد هاشم الحدّاد قدّس سرّه، حيث كان يستنبط العديد من النكات والدقائق من لقائه واتّصاله بالجميع، ويعمل على تنفيذها؛ وهذا ما كان يُشير إليه مرارًا وتكرارًا ويذكره لتلامذته ويأمرهم به.

  • وما أكثر الموارد التي كان يُنقل فيها عن شخص من الأشخاص مطلبٌ مهمّ وبديع وطريف في محضر المرحوم الحدّاد، فكان يقول للمحيطين به: «دوّنوا هذه المسألة واعملوا بها»، أو في أحيانٍ أخرى كان يُقرأ فيها حديث أو شعر لطيف أمامه، فيقول: «احفظوا هذا الحديث أو الشعر». وقد يُطرح أحيانًا أحدُ البرامج العمليّة، فيقول: «اعملوا بهذا البرنامج».

  •  ** *

أسرار الملكوت ج۳

177
  •  

  •  

  • المجلس السادس عشر: وظيفة السالك إلى الله عند عدم وجود الوصيّ الظاهري

  •  

  •  

أسرار الملكوت ج۳

179
  •  

  •  

  • بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيْم

  • الحَمْدُ للّه رَبِّ العَالَمِيْن

  • والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى خَيرِ المُرسَلينَ مُحمّدٍ وَآله الطَاهِرين

  • وَلَعْنَةُ الله عَلى أَعْدَائِهِم أَجْمَعِيْن

  •  

  •  

  • تمهيد في تلخيص ما تقدّم

  • كان الكلام حتّى الآن حول وظيفة تلامذة العارف بالله الذي ارتحل وترك وصيًا ظاهريًا، بل شمل كلامنا حتى غير تلامذة هذا العارف؛ حيث توصّلنا إلى أنّ الوصيّ الظاهر شخص صالح ومتميّز وذو نفس صافية غير ملوّثة، بالإضافة إلى أنّه إنسان صادق وخبير برموز وأسرار ومسائل السلوك، ويُمكن لكلّ شخص- عند الحاجة إليه والتعرّف عليه- الاستفادة منه والأخذ عنه، كما يُمكنه أيضًا الاستفادة من بقيّة الأشخاص؛ فلا شيء يُلزم بالرجوع إلى الوصيّ الظاهر إذا لم تستدع الحاجة إليه لا عقلًا ولا شرعًا ولا طريقةً.

  • حقائق حول فتنة ادّعاء الوصاية بعد العلامة الطهراني رضوان الله عليه

  • كثرة ادعاء الوصاية بعد وفاته رضوان الله عليه

  • لكن يبقى الكلام حول الحالة التي لا يوجد فيها وصيّ ظاهر، كما بدا ظاهرًا للعيان بعد وفاة المرحوم العلّامة الوالد قدّس سرّه، حيث سقط القناع عن وجوه المدّعين لوصاية ذلك الوليّ الإلهيّ وخلافته، وصار كذبهم واضحًا كالشمس في رائعة النهار.

أسرار الملكوت ج۳

180
  • فمن العجائب أن قامَ كثيرون بعد وفاة المرحوم العلّامة الوالد- قدّس سرّه العزيز- وفي مناطق مختلفة، بادّعاء الوصاية السلوكيّة وخلافة الطريق، ساعين بمختلف الحيل المزوّرة الخدّاعة، والنسب الكاذبة الباطلة إلى وضع رداء كبرياء التجرّد والتوحيد- الذي لا يليق ولا يجدر إلّا بذلك المحبوب- على قامتهم النحيفة الضعيفة والعليلة المريضة، وإلى التربّع على مسند ذلك العارف الإلهي واحتلال مكانته، والتصدّي للأمر والنهي ومسائل الذكر والفكر والإرشاد، وإلى الجلوس في المقام العرشيّ المحروس بالملائكة لذلك الحريم القدّوسي والساحة السبّوحية، غافلين عن قول القائل:

  • اى مگس عرصه سيمرغ نه جولانگه تست***عِرض خود مى برى وزحمت ما مىدارى 1

  • [يقول: أيّتها الذبابة لا تساوي نفسك بطائر السيمرغ، فإنّ ذلك يوجب لنفسك الهتك ولنا المتاعب].

  • وعلى حدّ قول الخواجة حافظ الشيرازي رحمة الله عليه:

  • 1- نه هر كه چهره برافروخت دلبرى داند***نه هر كه آينه سازد سكندرى داند

  • 2- نه هر كه طرف كُلَه كج نهاد وتند نشست***كلاه دارى وآيين سرورى داند

  • 3- هزار نقطة بينش ز خال تست مرا***كه قدر گوهر يكدانه جوهرى داند

  • 4- غلام همّت آن رِند عافيت سوزم***كه در گدا صفتى كيمياگرى داند

    1. ديوان حافظ الشيرازي، الغزل 452.

أسرار الملكوت ج۳

181
  • 5- هزار نكته باريكتر ز مو اينجاست***نه هر كه سر بتراشد قلندرى داند

  • 6- در آب ديد خود غرقه ام چه چاره كنم***كه در محيط نه هر كسى شناورى داند

  • 7- ز شعر دلكش حافظ كسي شود آگاه***كه لطف نكته وسرِّ سخنورى داند 1

  • نعم:

  • ز شعر دلكش حافظ كسى شود آگاه***كه لطف نكته وسِرِّ سخنورى داند 2

  • [يقول: ولن يعرف شِعر «حافظ» الأخّاذ بالقلوب إلّا من وقف على سرّ الكلام ولطف النكات].

  • أجل، لقد تصوّر أولئك المدّعون كذبًا أنّه بقضاء بعض الأيّام في صحبة ذلك العزيز، وبالاستفادة من بعض دقائق كلماته وطرائف وظرائف بياناته، والحديث عن بعض الخواطر والذكريات والقصص المرتبطة به، وتقضية المجالس بهذا النوع من الكلام، وبتشويق المحيطين بهم وترغيبهم بهذه الخطابات سينتهي الأمر، هيهات!

    1. والمعنى:
      1- لا يمكن لكلّ من حسُن وجهه أن يأسر قلب العاشق، وليس كلّ من صنع المرايا سيكون كالإسكندر في فتوحاته( باعتبار أنّ الاسكندر كانت له مرآة ينظر منها قبل الشروع بالحرب).
      2- ولا كلّ من أمال قلنسوته على رأسه( كناية عن الرئاسة والوجاهة) وجلس في الصدارة، يُجيد فنّ الحكم وأمور الرئاسة.
      3- إنّ مجال رؤيتي هي دائرة خالك؛ لأنّ الذي يعرف قدر الجوهرة النادرة هو الجواهري فقط.
      4- أنا عبدٌ لهمّة الماهر الذي لا يكترث بعافيته، وهو وإن كان مستجديًا وفقيرًا في ظاهره لكنّه يعرف علم الكيمياء.
      5- تكمن ههنا ألف لطيفة ولطيفة هي أدقّ من الشعرة؛ وليس كلّ من حلق رأسه صار يعرف سيرة الدراويش وسلوكهم.
      6- أرى نفسي غارقًا في دموعي، فما الحيلة؟ فليس كلّ من هو في المحيط يُحسن السباحة.
      7- ولن يعرف شِعر« حافظ» الأخّاذ بالقلوب إلّا من وقف على سرّ الكلام ولطف النكات.
    2. هذا آخر بيت من الشعر السابق.

أسرار الملكوت ج۳

182
  • واللطيف في الأمر، أنّ ذلك المعيار الآنف ذكره حول مسألة الاستفادة من أيّ خبير وبصير وسالك للطريق واكتساب الفيض منه، وحول مسألة فتح الطريق وعدم انحصار الفيض في مجرى ومظهر خاصّ- والذي يلزم منها انشراح الصدر وانفتاح الطريق ونورانيّة النفس- قد وقع معكوسًا من الذين ادّعوا وصاية المرحوم الوالد، فكلّ من لم ينضوِ في حزبهم ويدخلْ تحت لوائهم ويُطأطئْ رأسه تعظيمًا وتسليمًا لساحتهم سيجدُ نفسه مطرودًا ومنكوبًا ومخذولًا ومُبعدًا عن دائرة رفقتهم وصحبتهم، ولو كان من أقرب أحبّة المرحوم العلّامة الوالد- قدّس سرّه- وتلامذته، ومطّلعًا على أسراره ورموزه، ومعدودًا من أخصّ حواريّيه. فما أعجبها من وصاية وإرشاد تضرب هكذا بسوط الظلم والقهر والجور حتّى أقرب أصحاب ذلك العزيز والأوفياء له، وتحرمهم من نعمة مرافقة الأحبّة والارتباط بهم!!

  • وفي هذا المقام، ينبغي القول بكلّ صراحة: إنّ الفتنة التي حصلت بعد وفاة المرحوم الأنصاري الهمداني- رحمة الله عليه- وذكرها المرحوم الوالد- قدّس سرّه- في كتاب الروح المجرّد، وعلى الرغم من كلّ تفاصيلها والأمور الشيطانيّة التي جرت فيها، ما هي إلّا جزء يسير من تلك الفتنة التي وقعت بعد ارتحال المرحوم الوالد؛ حيث دخل الشيطان اللعين هذه المعركة، مستعملًا جميع الحِيل والوسائط والوسائل ومستخدمًا مختلف مراتب الإغواء وقطع الطريق. ولم يكتف بإركاس القلوب، بل عمد أيضًا إلى قلب الأفكار والآراء وتغيير الملاكات والمعايير بشكل تام.

  • وقد كانت المنامات الكاذبة والمكاشفات الباطلة والمختلَقة ونقل الأقوال المفتَراة ومساهمة التخيّلات والتوهّمات في تثبيت الوصاية الخياليّة والوهميّة الباطلة جزءًا يسيرًا من الانحراف والفتنة التي سقط فيها بعض تلامذة ذلك العظيم بعد وفاته، فعدلت بهم عن طريق الحقّ ومنهج الصدق، وساقتهم إلى الضلال والهلاك، وألقت بهم في أتون الفساد والإفساد والضياع.

أسرار الملكوت ج۳

183
  • حركة الإصلاح التي قام بها المصنّف

  • ولمّا كان الحقير يرى بطلان مسير هؤلاء الأشخاص وكذب مبانيهم واشتعال أنانيّاتهم ونفسانيّاتهم ووضوحها وضوح النهار، فقد نهض لإصلاح الأمور وتصحيحها، وعقد العديد من الجلسات مع مختلف الأشخاص للبحث والمحاججة والاستدلال، طالبًا من مدّعي الوصاية تقديم الأدلّة والشواهد، ومعلنًا بصراحة: أن لا تتصوّروا بأنّ الإيمان بالآخرة والخوف منها والاشتياق لاكتساب الفيوضات هي أمور منحصرة بكم وحدكم، وأنّه لا نصيب ولا حظّ لسائر الناس منها! فنحن أيضًا نؤمن بنفس هذه الاعتقادات والملاكات، ولدينا خوف وخشية من الآخرة. وهي إن لم تكن لدينا أكثر من الآخرين، فليست بأقلّ. كما لدينا شوق للقاء حضرة الحقّ واكتساب الفضيلة والوصول لمنزل المحبوب؛ فإن كانت ثمّة وصاية فتفضّلوا على بركة الله واطرحوها لكي نطّلع عليها نحن أيضًا! إذ كيف يُمكن أن أكون ابنًا لذلك العارف الإلهي، وواقفًا- نسبيًّا- على شؤونه وأموره وقضاياه بما فيه الكفاية، ومطّلعًا على أسراره ورموزه وحركاته وسكناته، دون أن يحصل لي علم بهذه المسألة؟! والحال أن اطّلاعي على أسراره إن لم يكن أكثر من الآخرين فليس بأقلّ منهم، فأيّ سرّ مكنون هذا الذي غاب عن جميع أبناء المرحوم الوالد وأقربائه وأصدقائه وتلامذته في حياته، ثم بعد وفاته اطّلع عليه الجميع فجأةً، باستثنائنا مع ثلّة أخرى من محبّيه؟!

  • نعم، هناك شخص واحد فقط ادّعى أنّه سأل الوالد المعظّم في حياته عمّن يرجع إليه بعد وفاته، فقال له: ارجع إلى فلان. فمع فرض صحّة هذه القضيّة ودلالتها على الرجوع، أنّى لها أن تدلّ على الوصاية الظاهريّة؟ علاوةً على أنّ نفس ذلك الشخص تراجع عن كلامه بعد ذلك وقال: «لقد كانت مسألةً شخصيّة ولا علاقة لها بسائر الناس».

  • والشاهد على هذه الدعوى أنّ العديد من الأصدقاء والأرحام قالوا لي بعد وفاة المرحوم الوالد قدّس سرّه: لقد سألنا والدكم أنّه لو قدّر الله تعالى وطرأت حادثة ما، فإلى من نرجع بعدكم؟ فقال: إلى فلان.

أسرار الملكوت ج۳

184
  • ولمّا نقلوا لي هذا الكلام، قلت لهم: لا دلالة لهذه المسألة ولا إشارة لها على الوصاية للحقير، وإذا سعيتم إلى إفشاء هذا الأمر، فسأعمل على تكذيبه ومواجهته، وإذا كنتم ترون أنفسكم مكلّفين بطاعتي والانقياد لي، فأنا آمركم بألّا تُحدّثوا أحدًا أو تتكلّموا بهذه المسألة.

  • ردّة فعل مدّعي الوصاية

  • لم يُثمر كلام هذا الحقير واحتجاجاته في بطلان وصاية المدّعين كذبًا أيّة نتيجة، وفي مقابل هذه البيانات المتقنة والبرهانيّة، لم يجد هؤلاء بدًّا من اختيار السكوت وعدم الكلام، لكنّهم في السرّ والخفاء كانوا يعملون بشكل دائم على إصدار أحكامهم المولويّة بالطرد والإبعاد وعدم إلقاء السلام وقطع العلاقة، من دون أن يتنازلوا قيد أنملة عن ذلك النهج الشيطاني والمسار الباطل، فكانوا بذلك مصداقًا تامًّا وبارزًا للآية الشريفة: (اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ).1

  • ولم يعُد للكلام الحقّ والنصائح المشفقة أيّ أثر أو مفعول، إذ أغلقوا جميع الطرق التي تصل آذانهم بقلوبهم وضمائرهم. والطريف أنّهم عدّوا اطّلاع الحقير وعلميّته أكبر سدّ ومانع له للوصول إلى الحقّ والاعتراف بالوصاية الجعليّة لأولئك السادة، فكانوا يُظهرون تأسّفهم وتأثّرهم لوقوعي في الهلاك والانحراف. وعلى الإنسان أن يستعيذ بالله جادًّا من كلّ هذه الحماقة وعدم الفهم والضلال!

  • لقد حكموا على أصدقاء هذا الحقير ورفقائه بالكفر والارتداد والنفاق، واعتبروا أنّ السلام عليهم موجب لتكدّر النفس وظلمة القلب، نعوذ بالله.

  • وهذه ليست مجرّد حكايات وخيالات واهية، بل هي وقائع ملموسة ومحسوسة ومن المشاهَدات الخارجيّة التي حصلت واقعًا. ولهذا السبب، فإنّها تدعو للاعتبار والتنبّه والتذكّر. وينبغي علينا أن ننظر إلى هذه المسائل على الدوام، ونستعيذ بالله تعالى من الابتلاء بها، ونكون يقظين حتّى لا نسقط- لا سمح الله- في نفس هذه المصائب والضلالات والأقدار.

    1. سورة المجادلة( 58)، صدر الآية 19.

أسرار الملكوت ج۳

185
  • يقول المرحوم الوالد- رضوان الله عليه- في كتاب «الروح المجرّد»:

  • ولقد حصل للحقير حتّى الآن مرّات عديدة لم يَقبل فيها كلاميَ المحقَّ ولو شخص واحد، فكنتُ أختار العزلة عن الجمع الكثير الذي أرتبط بكلّ فرد منهم بالعلاقات العائليّة المديدة أو بعلاقات الصحبة والرفقة، وكان هذا المورد أهمّها.1

  • ويُمكن لهذا الحقير الادّعاء أيضًا أنّ أحدًا لم يستوعب كلاميَ المحقَّ حول هذه المسألة والفتنة التي وقعت بعد وفاة المرحوم الوالد، وقد حمل على الأغراض النفسانيّة والتوهّمات الشيطانيّة. ففوّضت أمري- أيضًا- للحيّ القيّوم والربّ الودود العطوف، ووكلت إليه أمر عباده، وكففت عن الكلام والاحتجاج، وانشغلت بأعمالي ومآلي.

  • الآثار الإيجابية للفتنة على المصنّف

  • والجدير بالذكر أنّني طيلة حياتي كنت أفكّر مرارًا وتكرارًا في هذه المسألة؛ وهي أنّه كيف يُمكن لنا تصوّر أنّ المسلمين في صدر الإسلام الذين كانوا يرون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم ويُشاهدونه حضوريًّا، وكانوا مطّلعين على كلّ تلك التوصيات والبيانات التي ذكرها في حقّ أمير المؤمنين عليه السلام، وآخرها حادثة غدير خمّ وما جرى فيها، بل وحتّى تذكير رسول الله بولاية عليّ بن أبي طالب ووصايته في مسجد المدينة قبل يوم واحد من ارتحاله .. كيف يمكن لنا أن نتصوّر أنهم سيغضّون الطرف عن جميع هذه الكلمات والتوصيات بعد وفاته صلى الله عليه وآله وسلّم ويتّبعون أشخاصاً آخرين؟! فأيّ صنف من المسلمين كان هؤلاء حتى عمدوا- قبل أن يجفّ كفن رسول الله- إلى التمرّد على أوامره، وأشاحوا النظر عن جميع وصاياه، وتعاملوا مع أوامره وكأنّها لم تكن؟! فأيّ مسلمين هؤلاء وأيّة ديانة وشريعة هذه التي كانت عندهم؟!

  • وطالما ذكرت بنفسي هذه المسألة لمرّات عديدة طوال أيّام حياتي للأصدقاء ومن على منبر الخطابة، فكنت لا أُخفي تعجّبي وحيرتي من هذه القضيّة وهذا اللغز.

    1. الروح المجرّد، ص 63.

أسرار الملكوت ج۳

186
  • وكأنّ حقيقة هذه المسألة كانت مكنونة في وجودي على شكل سؤال مبهم وبدون جواب، فلم أتمكّن أبدًا من إرضاء وجداني وضميري بأيّ تبرير أو تأويل، ولم أكن قادرًا على إزاحة الستار عن هذا اللغز والمعضلة الصعبة، والكشف عن سرّ هذه الحادثة.

  • وأمّا الآن، فبإمكاني القول بأنّه: لا وجود بعد الآن في نفسي لمثل هذا اللغز وهذه المعضلة وهذا السؤال المبهم، حيث كشفت لي الوقائع التاريخيّة عن وجهها ومكنونها الحقيقي، فلا وجود عندي بعدُ لأيّ ستر مستور. وقد كان للفتنة والقضايا التي واجهتها وعايشتها وشاهدتها بالعيان بعد وفاة المرحوم الوالد دور أساسيّ وكبير جدًّا في حلّ هذا اللغز الذي عشته لعشرات السنين من عمري، فلم يبق لديّ أيّ مجال للتساؤل عن تلك الوقائع والقضايا التي نطالعها في الكتب، وما جرى مع صحابة رسول الله بعد وفاته صلى الله عليه وآله وسلّم، بل صارت واضحة وجليّة بشكل كامل.

  • فإذا كان تلامذة المرحوم العلّامة الوالد- قدّس سرّه- ومحبّوه مع ما يمتلكونه من سوابق وحالات، ومع قربهم ودنوّهم منه قد سقطوا في فخّ الأبالسة من الجنّ والإنس إلى درجةٍ لم يتركوا معها أيّ معبر لنفوذ الحقّ إلى قلوبهم وضمائرهم، فصاروا مصداقًا كاملًا وتامًّا للآية الشريفة: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ)1، فما الذي يُمكننا أن نتوقّعه من المسلمين في عصر الرسول بمختلف أطيافهم وطبقاتهم؟!

  • وإنّني أعترف أنّ الفتنة التي حصلت بعد وفاة المرحوم الوالد قد تركت أثرًا عجيبًا ومُدهشًا على رؤيتي الكونيّة، ولهذا عليّ أن أشكر الله تعالى على هذه النعمة التي أنعم بها عليّ، وعلى ما أفشاه إليّ من مباني العرفان ولطائفه الدقيقة والعميقة، فأخرجني من مرحلة البساطة والسذاجة والجهالة، وأظهر لي حقيقة الدنيا الدنيّة وعالم الشهوات والكثرات والنفسانيّات والتوهّمات بكلّ وضوح وجلاء؛ فلله الحمد وله الشكر، إنّه هو الموفّق والمعين.

    1. سورة البقرة( 2)، ذيل الآية 171.

أسرار الملكوت ج۳

187
  • أجل، وعلى حدّ قول الخواجة حافظ الشيرازي رحمة الله عليه:

  • 1- ز دست كوته خود زير بارم***كه از بالابلندان شرمسارم

  • 2- مگر زنجير مويى گيردم دست***وگرنه سر به شيدايى برآرم

  • 3- ز چشم من بپرس احوال گردون***كه شب تا روز اختر مى شمارم

  • 4- به آن شكرانه مى بوسم لب جام***كه كرد آگه ز راز روزگارم

  • 5- من از بازوى خود دارم بسى شكر***كه زور مردم آزارى ندارم

  • 6- اگر گفتم دعاى مى فروشان***چه باشد حقّ نعمت مى گزارم

  • 7- تو از خاكم نخواهى برگرفتن***به جاى اشك اگر گوهر ببارم

  • 8- مكن عيبم به خون خوردن در اين دشت***كه كارآموز آهوى تتارم

  • 9- مِيى خوردم من از ميخانه عشق***كه هشيارى وبيدارى ندارم

  • 10- سرى دارم چو حافظ مست ليكن***به لطف آن سرى اميدوارم 1

  • لقد قلت مرارًا وتكرارً أنّه لو بقي المرحوم الوالد- قدّس سرّه- على قيد الحياة إلى الآن، وبقينا ننعم بصحبته وحضوره، لما أثّر ذلك في تبدّل حالتي النفسيّة وكشف الحقائق إلى هذا الحدّ الذي فعله فقدانُه حيث أدّى إلى ظهور تلك الفتنة الغريبة، والتي

    1. ديوان حافظ، الغزل 326، مع اختلاف يسير، والمعنى:
      1- أرهقني إفلاسي وفقري، وأغرقني الحياء من الحبيب( لأنّني لا أستطيع تحقيق رغباته).
      2- لتشملْني عنايته بلطفٍ أو أبقى حائرًا دون قرار.
      3- فسل عينيَّ عن حال السماء؛ فقد أسهرتُ ليليَ والنجومَ.
      4- وها أنا لاثم للكأس شكرًا؛ فقد أنباني أسرارَ الزمان.
      5- وأشكر ساعدي شكرًا جزيلًا، لعجزيَ عن إيذاء الأنام.
      6- فهل عار إن أدعو شَكُورًا لبائع خمرة كم قد سقاني؟! أليس الحسنُ بالحسنى يجازى؟!( المراد من بائع الخمر أرباب القلوب الذين لا يتصنّعون الزهد والتقوى أو الشيخ والمرشد).
      7- وأما أنت يا أيها اللاحي فلستَ بمانحي أيّ اعتبار، ولو بدّلتُ دمعيَ باللآلي.
      8- أقِلَّ اللومَ عن طيّي الصحاري( كناية عن تحمّل المشاقّ الصعبة في الطريق)، فإنّي ابنٌ للظبي التتاري( الذي يُبدَّل دمُه مسكًا).
      9- سقاني العشق من كأس طهور فأذهب كلّ وعي أو شعور.
      10- ومع أنّي ثملت ثمال حافظ، فآمالي عظام بالعظيم.

أسرار الملكوت ج۳

188
  • تمكّنتْ من تغيير رؤيتي كلّيًا وتبديل تصوّري عن أحوال الدهر وأبنائه، وإبراز حقيقة هذه الدنيا الدنيّة وبواطن الكثرات والعلاقات والاجتماعات والصداقات، وإظهار حقيقة أولئك الجهّال الذين يظهرون بمظهر الأصدقاء، وحقيقة نظرة الأشخاص الذين يُحيطون بي.

  • لقد كان السبب في كل تلك العلاقات والمودّة واللطف والابتسامات التي رآها الحقير في زمان المرحوم الوالد هو الانتساب إليه، وكنّا نخال أنّ هذا النوع من التعاطي كان متوجّهًا إلينا بالخصوص، فكنا نأنس لهذا اللطف وتلك المحبّة، معتقدين أنّها ستستمرّ بعد وفاته وارتحاله، وأنّنا سنبقى أسرى لطف هؤلاء المحبين ومودّتهم على الدوام.

  • ولكن وفاة ذلك العظيم قلبت جميع هذه الحسابات، فأظهر الناس بواطنَهم، ورفع الستار عن قلوبهم وضمائرهم المنافقة، وصارت سيرتهم الخفّية واضحةً للعيان كوضوح وجوههم الكريهة المشوّهة، فانكشفت تلك الأحقاد البدريّة والحُنينيّة المخزونة في بواطنهم. وبما أنّهم وجدوا الميدان خاليًا من أيّ حارس أو محافظ كالمرحوم الوالد، فقد عمدوا إلى بذل كلّ جهودهم في المكر والاحتيال والخداع، لجَعْل بقيّة الناس تحت سيطرة أنفاسهم المسمومة ونفوسهم المشؤومة. فلم يعد هناك أيّ أثر لأبّهة ذلك العارف الشهير وهيمنته، وصارت الآفاق التي يُحلّق فيها طائر السيمرغ مسرحًا لضعاف العقول والفاسدين والمفسدين، وأصبح الذين كان هذا الحقير واسطةً لإيصال هداياهم وتحفهم إلى المرحوم الوالد في زمان حياته هم الذين يثيرون هذه البلابل والقلاقل ويُحرّكونها.

  • إنّ السفينة التي كانت تخوض- بركّابها وربّانها- عباب البحر والمحيط بهداية ذلك الوليّ الإلهيّ وإرشاده في كلّ تناغم وانسجام، قد أُصيبت بعواصف الفتن المخيفة وأمواج الغواية الهدّامة، فتعرّضت لدمار كبير، وصارت قطعًا بعدما اصطدمت بالصخور والأمواج العاتية، فلا أثر بعدُ لتلك الصلابة والاستقامة والاستواء.

أسرار الملكوت ج۳

189
  • وفي المسائل الاجتماعيّة والمواقف الحسّاسة، انمحى كلّ أثر لمنهج المرحوم الوالد وطريقه، وبلغ الأمر إلى حدّ الافتضاح! ومع كلّ ذلك، فقد سعى الحقير في العديد من الموارد، وفي مختلف الأوقات لإيصال وجهات نظره إلى أسماع هؤلاء الأشخاص من خلال الرسائل، وعمدتُ من باب (وَ ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ)1 إلى إبلاغ الحقيقة وإتمام الحجّة، خصوصًا بالنسبة للأحداث والقضايا التي شهدتها الأعوام الأخيرة. لكنّني لم أجد أذنًا صاغيةً لهذه الكلمات والنصائح، وقوبلت بأسلوب معاكس تمامًا، فما كان عليّ إلّا أن أصرف النظر عن إرسال الرسائل، مستحضرًا الآية الشريفة التي تقول:

  • (أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها).2

  • «أي: أفلا يتوجّه هؤلاء الأشخاص للآيات القرآنيّة، ويتدبّرون في تلك المعاني والحقائق ويتأمّلون فيها، أم أنّ قلوبهم وضمائرهم قد خُتمت بالأقفال، فلم يعودوا يمتلكون أيّة قدرة واستطاعة على إدراك الحقائق».

  • لكن مع كلّ ذلك، فقد تركت هذه الأحداث- كما ذكرت سابقًا- أثرًا إيجابيًّا جدًّا وبنّاءً على نفسي ورؤيتي؛ تمثّل في الوصول إلى الحقيقة الوجوديّة والحيثيّة الربطيّة والإدراك الصحيح للمعنى الحرفي للوجود الإنساني؛ فالمعاملة السيّئة التي عاملني بها بعض الأشخاص وعومل بها المنتسبون إليّ أيضًا من قبل المنتسبين إلى المرحوم الوالد، دفعتني لإعادة النظر في مسألة تعلّقي وارتباطي بمبدأ الوجود ومنبعه، والتدقيق أكثر في مكانتي المناسبة وسط هذا المحيط المتلاطم واللامتناهي، فأدركت أنّ تمام ذوات عالم الوجود- بجميع صفاتها وملكاتها الفاضلة والحسنة- نابعة بأجمعها من تلك الذات الحيّة والقيّومية والسرمديّة، فلا حظّ لغيرها في عالم الوجود من أيّة ذرّة من هذه الصفات والكمالات.

    1. سورة النور( 24)، ذيل الآية 54.
    2. سورة محمد( 47)، الآية 24.

أسرار الملكوت ج۳

190
  • أجل، فقد انهارت دفعةً واحدة تلك العزّة والمكانة التي كنت أشعر بها في نفسي أيّام حياة المرحوم الوالد، وظهرت العزّة لله تعالى (إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً)1. وتبدّل فجأةً ذلك المجد والجاه والمقام الذي كان يصدر في تلك الأيّام من حركاتي وسكناتي بعزٍّ، إلى ذلّة ومسكنة ورفض وزجر ونفور، كما قال سبحانه: (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ)2.

  • وتحوّل فجأةً كلّ ذلك المديح والثناء والإطراء إلى ضدّه، بل إلى نقيضه، إلى حدّ لم يستطع الأشخاص الخارجون عن هذه الدائرة تصوّره أو التصديق به. حينئذٍ، دقّ جرس الإنذار من قبل الملإ الأعلى أن: (وَ ما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ)3.

  • وتبدّلت تلك المحبّة والألفة والتزاور إلى خصومة وعداوة وشقاق وتهمة وكذب، كما يحدّثنا الله أنه هو الذي ألّف بين قلوبهم4. فاتّضح في الأخير أنّ ذلك الأنس وتلك الألفة لم يكونا ذاتيّين لنا ومرتبطين بشخصنا، بل كانا مرحليّين معارين، منحهما الله تعالى لنا في برهة من الزمان، ثمّ استردّهما بعد ذلك.

  • أجل، لقد قدّر الله تعالى بلطفه وعنايته لهذا الحقير أن يطّلع- من خلال وقوع هذه الحوادث والفتن العمياء- على تفاهة العالم الذي يعيش فيه عبّاد الدنيا، وأن يقف على حقيقة عالم الشهوات والكثرات والأنانيات بمختلف مظاهره ومسالكه، وأن يُميّز الحقائق عن المجازات والأوهام، وأن يكتشف المحبّة والمودّة المجازيّة الخدّاعة التي يتلبّس بها أهل المكر والتزوير وأرباب السياسة والمصالح الدنيويّة، وأن يعلم ويُدرك ويلمس بالوجدان أنّ السعادة والفلاح لا تتيسّر بمجرّد قضاء بعض الأيّام في محضر

    1. سورة يونس( 10)، مقطع من الآية 65.
    2. سورة غافر( 40)، ذيل الآية 16.
    3. سورة النحل( 16)، صدر الآية 53.
    4. في سورة الأنفال( 8)، مقطعان من الآيتين 61- 62:( هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَ بِالْمُؤْمِنِينَ وَ أَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ).

أسرار الملكوت ج۳

191
  • عظيم من العظماء، وأنّ الصحبة المستمرّة لأولياء الله تعالى لن تستتبع أيّة نتيجة من دون عمل، وأنّ المشاركة في مجالس الذكر ومناسبات الأئمّة عليهم السلام لن تُثمر أيّ شيء من دون الوصول إلى عمق طريق العرفاء بالله وحقيقة منهجهم، وأنّ التردّد على أولياء الله والارتباط بهم ومرافقتهم في السفر والحضر وعقد اللقاءات الخاصّة بهم والاستماع إلى كلماتهم العذبة والاطّلاع أحيانًا على بعض الأسرار والرموز، لن يُفيد شيئًا في شفاء آلامه وأسقامه.

  • كما أدركت بشكل كامل أنّ الانتساب إلى أولياء الله تعالى من دون العمل بأوامرهم والتغلغل في جذور وأعماق مبانيهم وأفكارهم لن يجرّ على الإنسان إلّا الوبال والخسران وعِظم المسؤوليّة وزيادة الضرر.

  • يقول تعالى: (يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَ قُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفاً* وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَ لا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى وَ أَقِمْنَ الصَّلاةَ وَ آتِينَ الزَّكاةَ وَ أَطِعْنَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ ...)1.

  • «أي: يا نساء النبي! إنّ شخصيّتكنّ ومنزلتكنّ ليست كمنزلة بقيّة النساء، فإذا اتقيتنّ الله فأجركنّ أعظم، ولهذا عليكنّ ألّا ترقّقن أصواتكنّ عند الكلام؛ لأنّ ذلك سيُؤدّي إلى إثارة المرضى والملوّثين، وعليكنّ أن تتحدّثن مع الناس بكلام حسن ومناسب لكي تحافظن بأعمالكنّ على منزلة الرسول وشخصيّته.

  • كما ينبغي عليكنّ البقاء في منازلكنّ، وعدم الخروج منها بدون سبب وغاية، وألّا تُبرزن أنفسكنّ أمام الناس متجمّلات بالذهب والحليّ والزينة غير اللائقة، وعليكنّ بمراعاة الحجاب والعفاف على الدوام، وإقامة الصلاة وأداء زكاة أموالكنّ (وأن تلتزمن كبقيّة الناس بالأحكام والتكاليف ولا تقلن: نحن زوجات رسول الله، فلا يجب علينا أداء أيّ حكم أو تكليف). وأطعن الله

    1. سورة الأحزاب( 33)، الآية 32 وصدر الآية 33.

أسرار الملكوت ج۳

192
  • ورسوله».

  • في هذه الآيات، ألقى الله تعالى على نساء الرسول مسؤولية أكبر من بقيّة الناس؛ فبنفس المستوى من القرب- الذي تحقّق لهنّ بانتسابهنّ إلى رسول الله وارتباطهنّ به- سيتعرّضن للسخط والغضب والقهر والطرد من رحمة الله عند التمرّد وعصيان الأوامر الإلهيّة وإظهار العناد وإبراز الأنانيّة والوقوف في وجه الأحكام والتكاليف والأوامر الإلهيّة. وتصدق هذه المسألة وتنطبق بشكل كامل أيضًا على المنتسبين لأي عارف من العرفاء بالله تعالى أو ولي من أوليائه.

  • فعلى أبناء ولي الله- أو العارف به- وأزواجه وأقربائه أن يعلموا بأنّه ستتوجّه إليهم مسؤولية أكثر من بقيّة الناس بسبب هذا القرب والانتساب، وعليهم أن يكونوا مستعدّين لتحمّل هذه المسؤوليّة.

  • فهذا الانتساب سيكون سببًا- شاؤوا أم أبوا- في أن تختلف نظرة الناس إليهم وعلاقتهم بهم، وقد يُؤدّي- لا قدّر الله- إظهارُ الأذواق الشخصيّة والآراء الفرديّة المعجونة بالدوافع النفسانيّة والميول أو الأحقاد إلى تعرّض مصير شخص معيّن وطريقه إلى أخطار وأضرار بالغة لا يُمكن جبرانها.

  • فجميع الفتن التي حصلت بعد وفاة عثمان في خلافة أمير المؤمنين عليه السلام وحكومته، واكتوى بنارها عليه السلام ولا يزال المسلمون يكتوون إلى اليوم، قد نتجت عن تمرّد زوجة رسول الله عائشة على حكم الله تعالى وتكليفه. فبدلًا من قعودها في بيتها وعدم تدخّلها في أمر خلافة أمير المؤمنين وحكومته، خرجت من منزلها متّهمةً خليفة رسول الله ووصيّه عليًّا المرتضى بقتل عثمان، ومرسلةً بالرسائل إلى زعماء القبائل للتحريض ضدّ نظام الخلافة العلويّة، ومستفيدةً من منزلتها ومكانتها وانتسابها لرسول الله لكسر شوكة أمير المؤمنين عليه السلام وسلطته، وملقيةً بالناس في أتون الهلاك. وهكذا أدّت هذه القضية إلى حرب صفّين أيضاً إلى أن بلغ الأمر إلى شهادة أمير المؤمنين عليه السلام.

أسرار الملكوت ج۳

193
  • تنبيه حول طلاق عائشة من رسول الله بعد وفاته، وكيفيّة تفسير ذلك فقهيًّا

  • وتجدر الإشارة إلى أنّ رسول الله أوصى أمير المؤمنين عليه السلام أن يا أبا الحسن أيتهنّ عصت الله و خرجت عن حكمه من بعدي فلك أن تطلّقها، فتفقد بذلك شرف لقب أم المؤمنين؛ فقد ذكر في مناقب ابن شهر آشوب، الجزء الأوّل، الصفحة 396 ما يلي:

  • «الأَصْبَغُ بْنُ نُبَاتَةَ قَالَ: بَعَثَ عَلِيٌّ عليه السلام يَوْمَ الْجَمَلِ إِلَى عَائِشَةَ، ارْجِعِي وإِلّا تَكَلَّمْتُ بِكَلامٍ تَبْرَءِينَ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ. وقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لِلْحَسَنِ: «اذْهَبْ إِلَى فُلانَةَ فَقُلْ لَهَا قَالَ لَكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ والَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ والنَّوَى وبَرَأَ النَّسَمَةَ لَئِنْ لَمْ تَرْحَلِي السَّاعَةَ لأَبْعَثَنَّ إِلَيْك بِمَا تَعْلَمِينَ».

  • فَلَمَّا أَخْبَرَهَا الْحَسَنُ بِمَا قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، قَامَتْ ثُمَّ قَالَتْ: «رَحِّلُونِي!» فَقَالَتْ لَهَا امْرَأَةٌ مِنَ الْمَهَالِبَةِ: «أَتَاكِ ابْنُ عَبَّاسٍ شَيْخُ بَنِي هَاشِمٍ وحَاوَرْتِيهِ وخَرَجَ مِنْ عِنْدِكِ مُغْضَبًا وأَتَاكِ غُلامٌ فَأَقْلَعْتِ؟»

  • قَالَتْ: «إِنَّ هَذَا الْغُلامَ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مُقْلَتَيْ رَسُولِ اللَّهِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا الْغُلامِ، وقَدْ بَعَثَ إِلَيَّ بِمَا عَلِمْتُ».

  • قَالَتْ: «فَأَسْأَلُكِ بِحَقِّ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْكِ إلّا أَخْبَرْتِنَا بِالَّذِي بَعَثَ إِلَيْكِ».

  • قَالَتْ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ جَعَلَ طَلاقَ نِسَائِهِ بِيَدِ عَلِيٍّ، فَمَنْ طَلَّقَهَا فِي الدُّنْيَا بَانَتْ مِنْهُ فِي الآخِرَة».

  • وفِي رِوَايَةٍ: كَانَ النَّبِيُّ يَقْسِمُ نَفْلًا فِي أَصْحَابِهِ فَسَأَلْنَاهُ أَنْ يُعْطِيَنَا مِنْهُ شَيْئًا وأَلْحَحْنَا عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ. فَلامَنَا عَلِيٌّ فَقَالَ: «حَسْبُكُنَّ مَا أَضْجَرْتُنَّ رَسُولَ اللَّهِ!» فَتَجَهَّمْنَاهُ، فَغَضِبَ النَّبِيُّ مِمَّا اسْتَقْبَلْنَا بِهِ عَلِيًّا، ثُمَّ قَالَ: «يَا عَلِيُّ، إِنِّي قَدْ جَعَلْتُ طَلَاقَهُنَّ إِلَيْكَ، فَمَنْ طَلَّقْتَهَا مِنْهُنَّ فَهِيَ بَائنة» ولَمْ يُوَقِّتِ النَّبِيُّ فِي ذَلِكِ وَقْتًا فِي حَيَاةٍ ولا مَوْتٍ، فَهِيَ تِلْكَ الْكَلِمَةُ فَأَخَافُ أَنْ أَبِينَ مِنْ رَسُولِ اللَّه».1

    1. المناقب، ابن شهر آشوب، ج 1، ص 396؛ بحار الأنوار، ج 38، ص 75.

أسرار الملكوت ج۳

194
  • وجاء في خبر آخر:

  • فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلّم: «يَا أَبَا الْحَسَنِ، إِنَّ هَذَا الشَّرَفَ بَاقٍ لَهُنَّ مَا دُمْنَ لِلَّهِ عَلَى الطَّاعَةِ، فَأَيَّتُهُنَّ عَصَتِ اللَّهَ بَعْدِي بِالْخُرُوجِ عَلَيْكَ فَأَطْلِقْ لَهَا فِي الأَزْوَاجِ وأَسْقِطْهَا مِنْ شَرَفِ أُمُومَةِ الْمُؤْمِنِين».1

  • والملفت أنّ هذا الأمر، وإن لم يحصل على يدي أمير المؤمنين عليه السلام، لكنّه حصل في عصر إمامة سيّد الشهداء عليه السلام وزعامته. فبواسطة الطلاق الذي أجراه الإمام الحسين عليه السلام، سقطت زوجيّة هذه المرأة لرسول الله، ولم يعُد عنوان أمّ المؤمنين منطبقًا عليها.

  • فقد ورد في إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات، وكذلك في إثبات الوصيّة ما يلي:

  • ورُوي أنَّ الحسينَ عليه السّلام بعدَ ما فعلَت عائشةُ، يعني: مَنع الحسين عليه السّلام من دفن الحسن عند جَدّه [وارتكبت تلك الجريمة والفاجعة وأمرت برمي البدن المطهّر للإمام عليه السلام بالسهام، حيث روي أنّ السهام غُرزت في بدنه] وجَّه إليها بطلاقها [وقال لها: لن تكوني بعد الآن زوجةً لرسول الله]، وكان رسولُ الله صلّى الله عليه وآله وسلّم جَعل طلاقَ أزواجه من بعده إلى أمير المؤمنين، وجَعله أميرُ المؤمنين إلى الحسن، وجعله الحسنُ إلى الحسين، وقال رسولُ الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «إنّ في نِسائي مَن لا تَراني يومَ القيامَةِ [أي سوف لن تكون محرمًا بالنسبة إليه]، وهي الَّتي يُطلّقها الأوصياءُ بعدي».2

  • ومن الجدير بالذكر أنّ هذه المسألة تتّكئ على أصل فقهي هو عبارة عن بقاء عقد النكاح بعد وفاة الزوج؛ إذ إنّ عقد الزواج لا يرتبط ببدني الزوجين وجسديهما فقط، بل

    1. كمال الدين وتمام النعمة، ص 459؛ بحار الأنوار، ج 38، ص 89.
    2. إثبات الهداة، ج 2، ص 135؛ إثبات الوصيّة، ص 160.

أسرار الملكوت ج۳

195
  • بروحيهما ونفسيهما، فيبقى هذا الارتباط والتعلّق حتّى بعد وفاة الزوج، ولا ينحلّ إلّا إذا رغبت الزوجة في الزواج بشخص آخر، حيث ستنفسخ في هذه الحالة تلك العلاقة ويبطل عقد الزواج السابق. وعليه، فإنّ عدّة الوفاة التي ينبغي على المرأة مراعاتها لمدّة أربعة أشهر وعشرة أيّام، إنّما جعلت لاحترام الزوج؛ ولهذا، إذا توفّي الزوج في مكان بعيد عن زوجته ومرّت مدّة طويلة على هذه الحادثة، ثمّ بلغ الزوجة بعد ذلك خبر وفاة زوجها، فعليها أن تبدأ عدّتها من حين وصول الخبر إليها، وليس من حين وفاة الزوج. وهذا القانون سارٍ وجارٍ على جميع الناس، عدا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، فحتّى زوجات الأئمّة عليهم السلام بإمكانهنّ الزواج من شخص آخر بعد شهادة أزواجهنّ، ولا يُستثنى من هذه القاعدة إلّا الرسول الأكرم؛ أي أنّ علاقة الزوجيّة وعقد الزواج لا يقبلان الفسخ والبطلان بعد وفاة رسول الله، وما دامت زوجة الرسول حيّة، فهي في حباله، وهي محرومة من رؤيته الظاهريّة فقط؛ نظير المرأة التي تعيش في مدينة وزوجها يعيش في مدينة أخرى، أو التي تُسافر عنه أو يُسافر هو عنها لعدّة أيّام، فهل سيبطل زواج المرأة بمجرّد سفرها أو سفر زوجها عنها، وبالتالي ينبغي إعادة إجراء عقد الزواج مرّة أخرى؟!

  • ونفس هذه المسألة تصدق في حقّ الناس العاديّين أيضًا؛ بمعنى أنّه لو افترضنا أنّ رجلًا توفّي عن زوجته، فإنّه لا يقع انفصال زوجي وانفساخ في عقد النكاح بين الطرفين بمجرّد حصول تلك الوفاة، وستبقى تلك المرأة زوجةً لذلك الرجل المتوفّى على الدوام؛ ومن هنا، إذا تعلّقت روح الرجل ببدنه وعادت له الحياة مرّة أخرى، فإنّه لا يحتاج لإجراء عقد الزواج مجدّدًا. وتوجد العديد من الشواهد على حدوث هذه المسألة، نظير تعرّض أحد الأشخاص لحالة موت تامّ، ثمّ رجوع الروح لبدنه بعد ذلك. وأنا بنفسي على علم ببعض الموارد التي حصل فيها موت قطعي ووفاة حقيقيّة لأحد الأشخاص، بحيث أنّ بدنه صار باردًا، وظهرت عليه جميع علامات الموت الحقيقي، لكنّ روحه رجعت لجسده بعد مرور ساعة أو بضعة دقائق. فإذا كان الأمر بهذا الشكل،

أسرار الملكوت ج۳

196
  • فما هو الفرق بين بضعة دقائق وبضعة سنوات؟ فهل من فارق- والحال هذه- بين ساعتين وبين مدّة أطول؟! بل هما سيّان.

  • ومن هنا، إذا تمّت إعادة روح أحد الأشخاص إلى بدنه وجسمه المادّي- سواءً حصل ذلك من تلقاء نفسه أو بواسطة معجزة من الرسول أو الإمام عليه السلام أو عن طريق وليّ من أولياء الله تعالى- فإنّ زوجيّة ذلك الشخص وعقد النكاح الذي جرى بينه وبين زوجته سيُحافظ على قوّته في جميع هذه الحالات، ولن تستدعي الحاجة لإجراء وإنشاء عقد جديد.

  • والحالة الوحيدة التي يبطل فيها عقد الزواج هي حينما ترغب المرأة بالزواج مجدّدًا، حيث ستنتفي بهذه الطريقة العلاقةُ التي كانت تربطها بالزوج الأوّل؛ تمامًا مثل الحالة التي يُقرّر فيها الطرفان- في زمان حياتهما- الانفصال عن بعضهما البعض بالطلاق، فتنتفي بذلك العلاقة الزوجيّة القائمة بينهما، ويكونان بحاجة لإجراء عقدٍ جديد من أجل إعادة الزوجيّة.

  • أجل، يختلف الأمر بالنسبة لرسول الله فقط، حيث لا تستطيع زوجاته الزواج من شخص آخر بعد وفاته؛ لأنّ بقاء علاقة الزواج برسول الله ستحجزهنّ عن انتخاب زوج آخر؛ ولهذا السبب يحرم عليهنّ التزوّج بشخص آخر، ويصدق عليهنّ عنوان أمّهات المؤمنين، وتبقى حرمتهنّ ومنزلتهنّ وشرف زواجهنّ برسول الله محفوظًا إلى أن يتوفّاهنّ الله، فلا يحقّ لأحد انتهاك هذه الحرمة أو التعدّي عليها.

  • وأمّا فيما يخصّ عائشة، فبما أنّ سيّد الشهداء عليه السلام قد أسقط- بسلطته الولائيّة- زوجيّتها برسول الله، وأجرى طلاقها، فإنّها لم تعُد زوجةً لرسول الله، وفقدت تلك الحرمة والمنزلة، وصار إطلاق أمّ المؤمنين عليها بدعةً وحرامًا.

  • تهيئة المرحوم العلامة المصنّفَ لتلقّي الفتنة

  • ولا تفوت الإشارة إلى أنّ المرحوم الوالد قدّس سرّه- في ضمن سعيه للكشف عن الحقائق وبواطن هذا العالم المادّي، وعن سيرة أهل الدنيا عديمي المروءة وسنّتهم، وفي سبيل تبصرة القلب والفكر بما يدور ويجول في الأطراف- قد هيّأ الحقير لهذه

أسرار الملكوت ج۳

197
  • الأحداث ونبّهه على هذه القضايا المستقبلية بتنبيه مصيريّ قبل وفاته بشهور، وقد صدر منه تحذيرٌ جادّ لي بخصوص نظرة الحقير إلى العلاقة مع الرفقاء والإخوان.

  • ولا يخفى أنّ المرحوم الوالد قام لمرّات عديدة خلال مدّة إقامتي بمشهد بإطلاعي- كنايةً وحتّى تصريحًا- على بعض المسائل المرتبطة بعلاقتي بالناس وبرفقائه، وبكيفيّة هذه العلاقة وحدودها، فكان ذلك يُثير في كلّ مرّة تعجّبي ودهشتي، غير أنّ ما قام به في هذه المرّة اتّخذ شكلًا آخر.

  • عندما كان الحقير مقيمًا في مشهد، كنت مكلّفًا في أكثر أيّام أعياد المعصومين عليهم السلام ووفياتهم باعتلاء المنبر في منزل المرحوم الوالد- قدّس سرّه- كما كنتُ في أيام محرم وصفر أعتلي المنبر في منازل الأصدقاء لمدّة عشرة أيّام بأمره أيضًا. بل حتّى في السنوات الثلاث الأخيرة من عمر المرحوم الوالد- والتي هاجرت فيها إلى قم بأمره وبدستور منه فحُرمت من توفيق الحضور في الاحتفالات والمجالس التي كانت تُعقد في بيته- كان يأمرني عبر اتّصال هاتفي أو رسالة مكتوبة بالتشرّف بزيارة العتبة المقدّسة للإمام الرضا- عليه آلاف التحيّة والثناء- من أجل الخطابة واعتلاء المنبر لمدّة عشرة أيّام في محرّم أو صفر. لقد ارتحل المرحوم الوالد إلى دار الخُلد وعالم الأنس والقرار في التاسع من صفر سنة 1416 هجريّة قمريّة، بينما حصلت هذه المسألة في أواخر شهر صفر من السنة السابقة، أي في العام 1415 هجري قمري.

  • وفي يوم من تلك الأيّام العشرة من شهر صفر، كنت ألقي المحاضرات في منزل أحد أصدقاء ذلك الزمان، وكنت أتحدّث عن ضرورة اتّباع الإنسان لسنّة وليّ الله وأوامره ولو لم تكن منسجمةً مع مذاقه وسليقته، وموافقةً لأفكاره واستنتاجاته الشخصيّة. وكانت من عادة المرحوم الوالد في السنوات الأخيرة من حياته أن يُشارك في يوم واحد فقط من الأيّام العشرة التي كانت تُعقد فيها مراسم العزاء ومجالس الخطابة، ومن باب الصدفة، فقد كان الحديث عن النقطة الحسّاسة التي شكّلت منعطفًا هامًّا في كلامي في نفس اليوم الذي حضر فيه، وكان الأصدقاء والمستمعون في قلق

أسرار الملكوت ج۳

198
  • وانتظار للنتيجة التي سيُختم بها البحث والكلام الذي مرّ في الأيّام السابقة، خصوصًا مع حضور الأستاذ في ذلك اليوم.

  • وبكلّ جرأةٍ وصراحة، تعرّضت لتتمّة كلامي، وختمت حديثي بهذه المسألة، وهي: أنّ فعلَ وليّ الله وكلامَه حجّةٌ على الإنسان، وإذا ما أمر وليّ الله الإنسانَ بأداء فعل معيّن، فإنّ القيام بذلك الفعل يُعدّ واجبًا، وعند نهيه وتحذيره من الإتيان بعمل من الأعمال، سيعتبر ارتكاب ذلك العمل حرامًا ومبغوضًا من طرف الحضرة الأحديّة، حتّى لو كان الإنسان متيقّنًا من فعله وقاطعًا به؛ فإنّه لا ينبغي للإنسان رغم قطعه أن يتردّد أو يتباطأ ولو للحظة واحدة في أداء ما أمر به وليّ الله أو ترك ما نهاه عنه، كما لا ينبغي أن يخطر في ذهن الإنسان ونفسه أيّ تصوّر مخالف، وإذا ما حصل ذلك، فعليه أن يقتلعه بالتعوّذ والاستغفار، محافظًا على صفحة قلبه نقيّة وصافية من أجل تلقّي أوامر الأستاذ ودساتيره.

  • وأمّا إذا كان من المقرّر أن يتحدّث ولي الله والعارف الكامل اليومَ بكلام معيّن، ثمّ يندم عليه ويتراجع عنه في اليوم اللاحق أو بعد مرور شهر أو سنة، ويُصدر أمرًا مخالفًا للأمر الذي أصدره في السنة الماضية، فإنّني- أنا المتكلّم- لن أبقى هنا وسأسلك طريقًا ومسارًا آخر.

  • وقد كان كلام هذا الحقير على درجة من الصرامة والإحكام أدهشتْ جميع الناس والمستمعين وحيّرتْهم وأذهلتْهم، وكان المرحوم الوالد مطرقاً برأسه إلى الأسفل منتبهًا إلى المسائل التي كان يطرحها هذا الحقير. وبعد نهاية الخُطبة ورجوعي إلى المنزل، كان المرحوم الوالد واقفًا في إيوان المنزل، فقال لي وقبل أن يبدّل ملابسه:

  • يا سيّد محمد محسن، أيّها الدرويش، طيّب الله أنفاسك!

  • ثمّ تابع كلامه قائلًا:

  • إنّني أُصغي إلى حديثك كلّ يوم عن طريق الشريط والمسجّل .. كلامك جيّد جدًّا ومناسب، لكن يوجد فيه إشكال وعليه إيراد، وهو: أنّه ينبغي عليك أن

أسرار الملكوت ج۳

199
  • تطرح المطالب والمسائل بشكل عامّ وكلّي، وعليك أن تُلقي كلامك للمخاطبين في قوالب وجُمل وعبارات كلّية، فلا تتنزّل بكلامك كثيرًا إلى درجة يصير معها مصداقُه واضحًا وجليًّا للجميع، ويتبيّن للسامعين الشخصُ المقصود من خلال ضمّ الضمائم وطرح القرائن والشواهد.

  • فقلت له: يا سيّدي العزيز! إذا لم أتحدّث بهذه الطريقة وأطرح المسألة بشكل واضح، فسيميلون بكلامي يمينًا وشمالًا، وسيعملون على تأويله وتحريفه، فيلقون بأنفسهم في هذا الطريق وفي ذاك، ولن أصل إلى أيّة نتيجة من كلامي وسيذهب سعيي هدرًا.

  • فقال لي:

  • يا سيّد محمد محسن، ألقِ كلامك وحديثك بشكل عامّ وكلّي، ولا علاقة لك بالمراد والمقصود الذي سيحمل عليه المخاطبون كلامك، واعلم: أنّ الذي ينبغي أن يفهم ويريد أن يفهم، سيفهم مرادك من الكلام ولو بيّنته بشكلٍ كلّي، وسيحصل على الفائدة المرجوّة. وأمّا إذا لم يرد أن يفهم، فلو أظهرت له مصداق ذلك الكلام وبيّنته له بشكل صريح لآلاف المرّات، فإنّه- مع ذلك- سيحمله على رغباته ولن يهتمّ بما تقول.

  • يا سيدّ محمد محسن، اهتمّ بنفسك وأشغالك. إنّ هذه الجماعة التي تُشاهدها إنّما تُريدك لإنارة محافلها وإضفاء الحرارة على مجالسها، ولهذا السبب يأتون بك إلى هذه المحافل، فشأنك في ذلك شأن الشمعة يطلبها الناس للاستفادة من نورها وحرارتها لإنارة مجالسهم وتدفئتها،، لكن في هذه الأثناء سيضيع عمرك وتذهب ثروتك الوجوديّة أدراج الرياح، وتبقى يداك فارغتين من الوصول إلى مرادك وهدفك المنشود.

  • ثمّ ذكر- وبكلّ صرامة- تلك العبارة التي لن أنساها أبدًا:

  • إنّ جميع هؤلاء الأشخاص الذين تراهم يُحيطون بنا ليسوا إلّا غثاءً كغثاء السيل

أسرار الملكوت ج۳

200
  • وهم بمثابة السواد الذي يكثّر عدد الجيش ليس إلا!

  • ثمّ قال وهو يُحرّك أصابع إحدى يديه:

  • ما عدا نزرٍ قليل من الأشخاص فقط، هم كالجبل الراسخ.

  • رحمة الله عليه رحمةً واسعةً.

  • لقد زعزع هذا الحديث أفكاري وتصوّراتي إلى درجة أنّني بقيت أُفكّر فيه لمدّة طويلة جدًّا، ساعيًا للوصول إلى لبّه وحقيقته وجدانًا وعقلًا، لا تعبّدًا فقط، إلى أن أدركت- بعد مرور سنة تقريبًا على هذا الأمر وبعد ارتحاله وظهور تلك الفتن والانحرافات من بعده- مقصودَه ومراده من ذلك الكلام، وفهمت السبب والهدف الذي من أجله ذكر هذه المسألة لي قبل وفاته و سعى أن يفهّمني إياها، وعرفت ما هي الحوادث والوقائع التي كان يُريد الكشف عنها.

  • الغرض من ذكر هذه الأحداث

  • إنّ المسائل والقضايا التي تعرضنا لها لم تكن لمجرّد بيان الخواطر والذكريات ونقل القصص والحكايات عن الماضي، ولم تنشأ من أغراض ومطامع نفسانيّة، بل هي إنذار وتذكير لسلّاك الطريق والوالهين والمغرمين بجمال المعبود كي يقفوا على أسرار هذا الطريق ورموزه، ولا يستهينوا بالدساتير السلوكيّة ومسائل السير والسلوك، ولكي يُسلّموا لما أشار إليه العظماء وما ذكّروا به في طيّات كلماتهم ومصنّفاتهم، ويستمعوا بأرواحهم وقلوبهم للحقائق المطروحة، وليعلموا أنّ هذا العمر إنّما هو عارية ستُسترجع في يوم من الأيّام، وأنّ كتاب أعمالنا سيُطوى في آخر لحظات حياتنا، ولن يعود هناك أيّ مجال للعودة والقضاء.

  • فماذا حصل للذين كانوا يرون لنا مقامًا ومنزلةً في زمان المرحوم الوالد، ويعتقدون بذلك، فصاروا يروننا فجأةً في أسفل دركات الجحيم، رغم أنّ العهد لم يطُل بعد، حتّى أنّهم لم يكلّفوا أنفسهم عناء الاتّصال ولو بالهاتف من أجل تجديد العهود السابقة وإحياء الذكريات الغابرة، وأصبحوا يعتبرون أنّ الحديث معنا موجب لتكدّر النفس وللضلالة والغواية؟!1

  • أسرار الملكوت ؛ ج3 ؛ ص201
    1. حسينى طهرانى، سيد محمد محسن، أسرار الملكوت، 3جلد، دار المحجة البيضاء - بيروت - لبنان، چاپ: 1، 1430 ه.ق.

أسرار الملكوت ج۳

201
  • أفهل وقفوا مع أنفسهم لحدّ الآن ليروا هل غيّرنا قبلتنا، أم أظهرنا قرآناً آخر، أم تبدّل اعتقادنا بالمبدأ والمعاد؟!

  • أجل، فمن خلال الحوادث والوقائع التي طرأت بعد وفاة المرحوم الوالد- قدّس سرّه- استحضرت بشكل كامل القضايا والمسائل التي حدثت بعد وفاة رسول الله، ووقفت على تلك الحقيقة وذلك السرّ المكتوم، الذي ظلّ غامضًا ومكنونًا في نفسي وضميري لسنوات متمادية، وبلغت إلى حقيقة وكنه عالم الاعتبار والمجاز، ووصلت إلى مبدئيّة التوحيد وواقعيّة: «لا مؤثّرَ في الوجود إلّا الله»1، ووقفت على حقيقة بيت الشعر الذي كان يردّده علينا المرحوم الوالد مرارًا وتكرارًا:

  • تنها تويى تنها تويى در گوشه تنهاييم***تنها تو مى خواهى مرا با اين همه رسواييم

  • [يقول: أنت فقط، أنت فقط المؤنس لوحدتي ** * أنت فقط تَقبَلني رغم خزيي وعاري].

  • ووصلت- بمقدار سعتي الوجوديّة- إلى معنى وحقيقة مناجاة سيّد الساجدين التي يقول فيها:

  • «إِلَهِي مَنْ ذَا الَّذِي ذَاقَ حَلاوَةَ مَحَبَّتِكَ فَرَامَ مِنْكَ بَدَلًا، ومَنْ ذَا الَّذِي أَنِسَ بِقُرْبِكَ فَابْتَغَى عَنْكَ حِوَلًا، إِلَهِي فَاجْعَلْنَا مِمَّنِ اصْطَفَيْتَهُ لِقُرْبِكَ ووَلايَتِكَ، وأَخْلَصْتَهُ لِوُدِّكَ ومَحَبَّتِكَ، وشَوَّقْتَهُ إِلَى لِقَائِكَ، ورَضَّيْتَهُ بِقَضَائِكَ، ومَنَحْتَهُ بِالنَّظَرِ إِلَى وَجْهِك ...».2

  • لقد كنت أعتقد بأنّ ما يُحكى عن العرفاء وأولياء الله المتقدّمين، وتلك الأحداث التي جرت على تلامذتهم والمحيطين بهم لن تجريَ على المرحوم الوالد، وأنّه لا معنى

    1. معرفة الله، ج 1، 245:« لا تُشير هذه العبارة إلى روايةٍ ما، ولكنّها كلام لبعض الحكماء مشتقّ من الآيات والروايات والأدلّة البرهانيّة العقليّة المتقنة».
    2. بحار الأنوار، ج 91، ص 148.

أسرار الملكوت ج۳

202
  • لحصول تلك القضايا المؤلمة مع تدبير ذلك الرجل العظيم واقتداره وأسلوبه في التربية والإرشاد، غافلًا عن أنّ هذا الاعتقاد والتصوّر لا يعدو كونه خيالًا ووهمًا، وأنّ بطلان هذا النوع من الفكر واضح وبيّن، بينما كنت أنا غافلًا عن ذلك تمامًا.

  • أفلم تحدث مثل هذه المسائل والابتلاءات في زمن الأئمّة عليهم السلام؟ وإلّا فمن أيّ شيء نشأت مسألة غربة ثامن الأئمّة عليه السلام؟ وكيف حصلت تلك القضايا التي حصلت بين بني الحسن والإمام الصادق عليه السلام والتي مرّ ذكر طرف منها؟

  • لقد كنت أتصوّر في ذلك الزمان أنّ جميع ذلك الكلام وتلك الجلسات والمؤلّفات، وجميع هذه اللقاءات الخاصّة وذلك الوعظ والإرشاد والتربية لن يُبقي أيّ مجال للانحراف والاعوجاج والفتنة، لكنّ ذلك- وللأسف- كان مجرّد خيال باطل وتصوّر عبثي وفارغ ليس إلّا.

  • وقد اتّضح من خلال هذه الأحداث بشكل جليّ معنى الآية الشريفة:

  • (إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَ إِمَّا كَفُوراً).1

  • «لقد بيّنا للإنسان الطريق القويم والصراط المستقيم؛ فقد يكون شاكرًا- من خلال طاعته وانقياده- لنعمة الهداية والإرشاد، فيدخل في زمرة المفلحين، وقد يبرز في مقام الرفض والمواجهة ويكفر بالنعمة بإنكاره واستكباره وتمرّده وأنانيّته؛ فيدخل في جملة الخاسرين والبائسين».

  • وصار معلومًا لديّ أنّ الله تعالى لا يُجامل أحدًا وليس له مع أحد قرابة، وأنّ نظام التربية موضوع على أُسس وضوابط، ولا يخضع للعلاقات والروابط، وأنّ غيرة التوحيد لا تفسح المجال لل- «غير» للورود إلى عرصة الوجود، فلا فرق بالنسبة لساحة العزّ الربوبي بين بلال الحبشي وبين ابن الإمام المعصوم عليه السلام، وقد يولد لأشقى شخص في العالم- نظير أبي بكر- ابنٌ مثل محمد يكون فخرًا للشيعة ومن حواريّي أمير

    1. سورة الإنسان( 76)، الآية 3.

أسرار الملكوت ج۳

203
  • المؤمنين، وقد يولد لأفضل شخص في العصر- نظير الإمام علي بن محمد الهادي عليهما السلام- ابنٌ مثل جعفر.

  • وهنا ينبغي على كلّ إنسان أن يُعفّر وجهه في تراب العبوديّة، ويُسلّم زمام أموره طرًّا لربّه، ويتخلّى عن أنانيّته وترفّعه ومحاولة إبراز وجوده وذوقه، ولا يشغل باله بهوى أحد غير هوى معبوده، ويعلم أنّ جميع ما يجري في هذه الدنيا يخضع لحساب دقيق، فلا عبث ولا لغو في البين.

  • وظيفة السالك في حالة عدم وجود وصيّ ظاهري

  • ولنرجع إلى المطلب الأساسِ وحديثِنا عن أنّ ولي الله إذا ارتحل عن هذا العالم ولم يكن له أيّ وصي ظاهر- نظير قضيّة المرحوم العلّامة الطهراني قدّس سرّه- فما هو الطريق الذي ينبغي على الناس أن يسلكوه، وما هو البرنامج الذي عليهم أن يضعوه نصب أعينهم، والمنهج الذي عليهم أن يتمسّكوا به؟

  • في أحد الأيّام، جاء أحد علماء النجف إلى المرحوم القاضي، والتمس منه أن يعطيَه ذكرًا ووردًا ودستورًا للسلوك إلى الله تعالى، فقال له المرحوم القاضي:

  • أنت رجل عالم وذو معرفة، ولك اطّلاع على المسائل الأخلاقيّة والأمور المستحبّة الواردة في الروايات والأخبار، كما أنّك واقف على نصائح الأئمّة عليهم السلام، فأخبرني الآن: هل عملت بكلّ ما علمته من الأخبار والروايات حتّى أزيدك اطّلاعًا وعلمًا، وأخبرك بما خفي عنك؟

  • لقد وضع المرحوم القاضي يده على موضع الداء بشكل دقيق، ونبّهه إلى لبّ الكلام وجوهره؛ وهو أنّ الملاك في حركة كلّ شخص وسيره نحو الله تعالى يكمن في العمل بمقتضى علمه ومعرفته واطّلاعه، وأنّ جميع مسائل السير والسلوك تدور حول هذا الأمر، وأنّ حركة السالك من دون الالتفات إلى هذه المسألة لا تعدو كونها مجرّد خيالٍ ووهم.

  • أوّلًا: العمل بما يعلم من التكاليف

  • إنّ أغلب الناس يتصوّرون أنّ معنى السير والسلوك هو أن يرجع الإنسان إلى وليّ من أولياء الله تعالى ويضع نفسه تحت ولايته وإشرافه، ويكون موضعًا لاهتمامه وعنايته ورضاه.

أسرار الملكوت ج۳

204
  • وبحسب هذه الثقافة، فبمجرّد أن يرجع الإنسان إلى عارفٍ واصل، ويرضى هذا العارف بتحمّل أمور تربيته، فإنّ هذا الإنسان يظنّ أنّ الأمر قد انتهى بالنسبة إليه، وأنّه يستطيع القيام بكلّ ما يحلو له في هذا العالم، وكما يُقال: أنّه ضمن الجنّة والرضوان، فلا يُمكن لأحد أن يتجرّأ عليه في الدنيا والآخرة.

  • إنّ هذا الطراز من التفكير خاطئ وباطل تمامًا، وكلّ من يعتقد بهذا الأمر، سيقضي عمره في ضياع وبطالة، وسيرحل في نهاية الأمر إلى عالم الآخرة بيدٍ فارغة، لاطمًا على رأسه لانصرام عمره.

  • لو كان من المقرّر أن يصلُح حال الإنسان وينتهي أمره بمجرّد الرجوع إلى وليّ الله من دون القيام بالبرامج والدساتير (التي ترتبط بنسبة تسعين بالمائة بالأمور والأعمال الخارجيّة واليوميّة، وبنسبة عشرة من المائة فقط بالعبادات والأذكار والأوراد)، فإنّ أقرباء ذلك الوليّ وعائلته سيكونون في غنىً عن الهداية والإرشاد وأداء التكاليف بطريق أولى، وسيكفيهم الانتساب إليه في أمورهم الدنيويّة والأخرويّة.

  • تنبيه حول حقيقة التكاليف وكيفيّة الانقياد لها

  • إنّ الأحكام والتكاليف- التي تعلّقت بنفس رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في قالب أوامر شرعيّة- موضوعةٌ على أساس ملاكات واقعيّة ونفس أمريّة، وهذه الملاكات باقيةٌ على منجّزيتها وداعويّتها إلى يوم القيامة، كما أنّ حيثيّتها هي حيثيّة الكشف والطريقيّة ولن يطرأ على ذلك أيّ تغيير أبدًا؛ فالكذب حرام؛ لأنّه- علاوةً على مفاسده النفسيّة والاجتماعيّة- يُخالف الواقع ويقع في مقابل الحقيقة ونفس الأمر، ولهذا السبب يكون مرفوضًا ومذمومًا. فلا يختلف الأمر في الكذب عند الله تعالى بين أن يكون المكذوب عليه طفلًا ذا ثلاث سنوات، أو يكون الكذب على خادم المنزل أو يكون على إمام الزمان عليه السلام، لكنّنا نرى- قطعًا- أنّ الكذب على إمام الزمان هو عمل قبيح وشنيع، بينما لا نعير أهمّية كبيرة للكذب على الخادم، وقد نعدّ الكذب على الطفل الصغير أمرًا عاديًا ومتعارفًا!

أسرار الملكوت ج۳

205
  • إنّ قبح الكذب وكدورته لا علاقة لهما بمستوى المخاطب واختلاف منزلته، بل يرتبطان بنفس الكذب، أي يرجعان إلى الحديث بما يُخالف الواقع. فهذه الكدورة وهذا القبح يتركان أثرًا بليغًا وعميقًا في نفس الكذّاب يُؤدّي إلى حجب نفسه وقلبه عن إدراك الحقائق، وسوق فهمه وإدراكه- عند مواجهته للأمور- نحو الباطل، والانعطاف بحكمه دائمًا نحو الخطأ؛ وهنا يكمن الخطر الكبير للكذب.

  • فإذا تمكّن شخص ما من الامتناع عن الكذب على الطفل والخادم، فإنّه يكون قد أتى بما يستحقّ المدح، وأمّا إذا كان لا يقوم بذلك إلّا مع الإمام عليه السلام لأنّه في الكذب على إمام الزمان عليه السلام سينكشف أمره ويصير موضعًا لحديث الخاصّ والعامّ، وتسقط منزلته ومكانته، فلن يكون قد أتى بعمل مهمّ يستحقّ المدح، ولم يقم بسابقة حسنة؛ لأنّ الامتناع عن الكذب في مثل هذا المورد كان لأجل مصلحة نفسانيّة، وليس بسبب انطباق النفس على حاقّ الواقع ونفس الأمر. وفي هذه الحالة، سيرجع ذلك الشخص لممارسة الكذب عند ارتفاع المحذور، ولن يستنكف عن النطق بالخلاف. وأمّا إذا كان الامتناع عن الكذب لأجل انطباق النفس على متن الواقع وتشكّلها به، فإنّ تأثير هذا الامتناع سيكون عبارة عن تحوّل النفس وتبدّلها واستعدادها لاكتساب نور الله تعالى وفيضه ورحمته. إنّ أبواب قلب الكذّاب وضميرِه قد أغلقت بشكل كامل، وتبدّلت ملامح وجهه وعيونه، وصارت أحواله شيطانيّة، مع أنّه قد يكون متلبّسًا في الظاهر بزيّ أهل الصلاح، ويُشارك في المجالس ويحضر التكايا، ويعمد إلى إقامة مجالس التبليغ والذكر.

  • وعليه، إذا جاء يومٌ وصارت الأهمّية التي يوليها الإنسان للمواظبة على الصدق أمام طفلٍ صغيرٍ تُعادل في الدرجة والمقدار تلك الأهمّية التي يُوليها لمراعاة الصدق واجتناب الكذب أمام الإمام عليه السلام، فإنّه بإمكاننا حينئذٍ أن نحتمل وجود شعاعٍ وبارقة أمل في ذلك الإنسان للسير والحركة نحو أفق المعرفة.

أسرار الملكوت ج۳

206
  • لقد جاءني يومًا رجل، وبعد أن استعرض مجموعة من المسائل عن أحواله النفسيّة، وأنّه كان يبحث منذ مدّة طويلة عن شخص خبير وضليع بهذا الطريق، التمس منّي إرشاده والأخذ بيده، فكنت كلّما أظهرت له رفضي وعدم أهلّيتي لهذه المسألة، كلّما ازداد إصرارًا وإلحاحًا في طلبه، فقلت له في الأخير: متى ما شعرت بأنّ اهتمامك واستعجالك بأداء دين من الديون يفوق اهتمامك بأخذه، فإنّه يُمكن حينئذٍ الاعتماد عليك! وإلّا فلا تُضيّع وقتك من دون فائدة، ولا تورّطنا نحن أيضًا وتشغل أوقاتنا.

  • ومن هنا، إذا ركّز الإنسان همّه في طاعته للإمام عليه السلام على جنبة الإمامة والعلم والإشراف، ووقع تحت تأثير جانب الهيمنة والسيطرة الولائيّة وأبّهة المقام، وامتثل لأوامره باعتبار هذه المسائل، فلن يحصل على فائدة كبيرة. فطاعة الإمام عليه السلام والانقياد له ينبغي أن تكون لأجل حقّانية كلامه، لا بسبب امتلاكه لمقام عرشي رفيع.

  • فإن كان لكلام الإمام عليه السلام حجّية تجعل الإنسان يستند إليه، فذلك لأنّه عين كلام الله تعالى ومرتبة نازلة من إرادة الحقّ في نفسه المستنيرة والمنيرة، وليس لأجل إتيانه بالمعجزات وامتلاكه للولاية الكلّية والهيمنة الكلّية. إنّ جميع هذه الأمور والمسائل تعود لشخص الإمام عليه السلام، وأمّا ما ينفعنا ويعود إلينا نحن، فهو حقّانية كلام المعصوم وواقعيّته التي تدفعنا لاتّباعه وطاعته والانقياد له بشكل كامل، فلا يُمكن لأيّ شخص آخر أن يُشاركه في هذه المرتبة والمنزلة.

  • لذا على السالك أن يمتنع عن الكذب لأنّه كذب، وليس لكون رسول الله أو الإمام عليهما السلام أو الأستاذ الكامل والعارف الواصل قد أمر بذلك، وعليه أن يراعي الحقّ لكونه حقًّا. وينبغي ردّ الأمانة لصاحبها لأجل نفس الأمانة وحقيقتها، وليس بسبب تأكيد الدين على ذلك، وهكذا ...

  • وبعبارة أكثر صراحة ووضوحًا: حتّى لو لم يكن هناك قيامة ولا جنّة ولا نار، فعلى السالك مراعاة الصدق في جميع الأمور، وكذا ينبغي له أن ينظر في بقيّة التكاليف أيضاً إلى حقيقة هذه التكاليف وحاقّها، لا إلى الأجر أو العقاب الأخرويّين.

أسرار الملكوت ج۳

207
  • وعليه، يُمكننا الإعلان بضرس قاطع، أنّ الوسيلة والواسطة الوحيدة اللازمة والضروريّة للسير والحركة نحو الذات الإلهيّة المقدّسة تكمن في: «الإخلاص في النيّة وإعمال الهمّة والعمل بمقتضى الإدراك والفهم البشريّين»، سواءً وفّق السالك للقاء ولي الله والعارف به وتشرّف برؤيته، أم لم يُحالفه التوفيق لذلك؛ إذ يُعدّ التوفيق للقاء ولي الله خارجًا عن عهدته. ولو كان الوصول إلى مرتبة الشهود وسلطان المعرفة متوقّفًا على لقاء العارف الواصل وصحبته، فسيكون ذلك ظلمًا في حقّ هذا السالك، (وَ ما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ)1.

  • فوائد مستقاة من آية (وَمَن يَخْرُجُ مِنْ بَيتِهِ مُهَاجِرًا ...)

  • ومن هنا، حينما كان يُشاهد المرحوم الحدّاد- قدّس سرّه- بعض الأشخاص الصلحاء والقديرين، كان يقول:

  • مع أنّ فلانًا لم يأخذ دستورًا ولم يعمل وفق برنامج، غير أنّه يُعدّ سالكًا.

  • وفي مقابل هذا الصنف من الأشخاص، كان يقول عن الأشخاص الذين لا يعرفون من السلوك إلّا الحضور في جلسات الذكر ولقاء أولياء الله تعالى والتردّد عليهم، من دون أن تصل إلى مشامّهم أيّ رائحة عن حقيقة طريق الوصول إلى آفاق المعرفة:

  • إنّهم لا يمتلكون من السلوك إلّا اسمه، ولا يترك الحضور في محافل الأنس أيّ أثر في نفوسهم وقلوبهم، ويقتصرون على تسلية النفس بنوع من أنواع التلذّذ النفساني الذي يحصلون عليه من قراءة الأشعار أو العزاء أو ذكر مصائب أهل البيت أو نقل القصص والحكايات عن العظماء، فيعملون على تقضية أوقاتهم بهذا النحو.

  • وتُصرّح بهذه المسألة الآيةُ الشريفة التي يقول فيها الحقّ تعالى: (وَ مَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ).2

    1. سورة فصّلت( 41)، ذيل الآية 46.
    2. سورة النساء( 4)، مقطع من الآية 100.

أسرار الملكوت ج۳

208
  • فمن خرج من بيته ومنزله قاصدًا الهجرة نحو ذات الحقّ تعالى ورسوله، وترك الدنيا لأهلها، فحلّ به الموت في وسط الطريق، فإنّ أجره وثوابه محفوظان عند الله تعالى.

  • ويُستفاد من الآية الكريمة- بدليل ثبوت الأجر عند الموت- ثبوت الأجر أيضًا عند عدم الموت مع الوصول إلى الرسول وطاعته، كما تدلّ عليه العديد من الشواهد والمؤيّدات الموجودة في هذا الإطار. وعليه، فإنّ الأجر المترتّب في هذه الآية على الهجرة إلى الله ورسوله في حالة عدم الموت هو نفس الله تعالى ورسوله؛ لأنّ الآية الكريمة جعلت الغاية والهدف من الهجرة هو الله ورسوله، لا درجات الجنّة ومراتبها والنعم الغيبيّة. وعليه، فإن كان الهدف والمراد من أمر من الأمور هو الله ورسوله، فإنّ ثوابه سيكون أيضًا هو الله رسوله، وليس شيئًا آخر.

  • ومن باب المثال، إذا خرج طبيب من منزله متوجّهًا إلى عيادته الطبّية، وكانت نيّته وقصده جمعَ الأموال وتكديس متاع الدنيا، فإنّ أجره وثوابه سيكون نفس ذلك المقدار من المال والمتاع الذي حصّله في نهاية عمله وممارسته للطبّ، لا شيئًا آخر؛ وأمّا إذا أقدم على هذا العمل من أجل خدمة الناس وكسب رضا الله تعالى وشكرانًا لنعمه، وكان يتوجّه لعيادته إرضاءً لخالقه من دون الاهتمام بنقصان دخله أو زيادته، وكان يعمد إلى إعانة المحتاجين، ولا يُميّز بين المرضى بمختلف مستوياتهم وطبقاتهم، بل ينظر إليهم بنظرة واحدة، وكان يمنح المرضى الهدوء والأمن والاطمئنان، فإنّ أجره وثوابه في هذه الحالة لن يقتصر على المال والمتاع الدنيوي، بل سيكون هو رضوان الله تعالى وبوارق الجمال والأنوار المتلألئة من العالم العلوي، وانشراح الصدر وبصيرة القلب.

  • وعلى نفس هذا المنوال، إذا كان هدف طالب العلم والعالم الديني- حين انهماكه في الدراسة والتحصيل- هو اكتساب المعارف الإلهيّة والأحكام الشرعيّة والخوض في المسائل والعلوم المتعارفة من أجل نيل الشهرة واهتمام الناس، وإظهارهم المحبّة له، وتوسيع سلطته، وحشد المؤيّدين، وبسط النفوذ، وامتلاك شخصيّة مؤثّرة، والحصول على المكانة والقوّة الاجتماعيّة؛ فإنّ أجره وقدره سينحصران في نفس تلك المناصب

أسرار الملكوت ج۳

209
  • لدنيويّة، والمتاع الدنيوي الزائل، والتمتّع من جيفة الدنيا ومن الشهوات، (ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ).1

  • وقد تمّت الإشارة إلى هذه المسألة في الآية الشريفة التي تقول: (مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً* وَ مَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَ سَعى لَها سَعْيَها وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً* كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَ هَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَ ما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً).2

  • فمن كان يرغب في الدنيا ويعمل لتحصيلها، فإنّنا نُحقّق له رغبته سريعًا عاجلًا، ولكن بشرط أن تتعلّق مشيئتنا وإرادتنا بإنجاز ذلك؛ فتحقيق هذه الرغبة غير خارج عن إرادتنا وقدرتنا ومشيئتنا، وليس كلّ من أراد شيئًا ورغب فيه، كان علينا تحقيقه من دون داعٍ ولا سبب. ولكن بعد ترك هذا الإنسان للدنيا وهجرته إلى عالم الآخرة، سنجعل جزاءه جهنّم ونيران الجحيم؛ لما كان عليه من استكبار وتمرّد، وسنطرده من رحمتنا ولطفنا ونُبعده عنهما، وأمّا الذي حصر سعيه واهتمامه بالدار الآخرة وتحصيل رضانا، وبذل جهده في هذا المجال، وكان مؤمنًا بالمباني والمعتقدات الدينيّة، فلن يذهب سعيه هباءً منثورًا، وسيكون موضعًا لتقديرنا وعنايتنا، فكلا الفريقين، سواءً الذين يعملون للدنيا وعبادتها، أو الذين ينظرون إليها كمعبر للآخرة وتحصيل رضا الله تعالى سيحصلون على عطائنا ونعمنا، وسيستفيدون من عوننا ومساعدتنا، ولن يُحرم أحدٌ من فيضنا وعطائنا.

  • وهذه الآية تُعلن بصراحة أنّ أجر كلّ إنسان وجزاءه على عمله هو نفس ذلك القصد والهدف الذي يبذل جهده وسعيه من أجله.

  • وعليه، فإنّ أجر وجزاء الهجرة إلى الله ورسوله- والذي يعني الخروج من العالم الحيواني ورفض جميع التعلّقات والإعراض عن كلّ الكثرات وطرح جميع التوهّمات والتخيّلات- سيكون لقاء الله تعالى بالنورانيّة والوفود إلى حريم القدس بصفة الجمال

    1. سورة البقرة( 2)، مقطع من الآية 102.
    2. سورة الإسراء( 17)، الآيات 18 إلى 20.

أسرار الملكوت ج۳

210
  • ومشاهدة الذات الربوبيّة الأبديّة من خلال الفناء الذاتي فيها. وحسب نفس هذه الملاك، فإنّ من لم يحظ بلقاء الله تعالى في هذه الدنيا وأنشبت المنيّة فيه أظفارها- بما هي أمر خارج عن إرادة الإنسان واختياره- فسيحصل على نفس الأجر الذي هو لقاء الله، وسيتشرّف بذلك في الدار الآخرة، وسيحظى بتوفيق زيارة المحبوب؛ لأنّه وطبقًا للآية الشريفة: (وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ).1

  • تصويب ما نقل عن المرحوم العلامة في تفسير آية: (وَمَن يَخْرُجُ مِنْ بَيتِهِ ...)

  • والجدير بالذكر أنّ بعض الكتب عمدت إلى نقل رأيٍ من آراء المرحوم العلّامة الوالد، ولكن ينبغي أن نتعرّض له بشيء من التوضيح؛ فقد كان المرحوم الوالد فيما مضى يتمسّك بآية: (وَ مَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ ...)2 لإثبات ضرورة تحقّق لقاء الله تعالى ولو في حالة عدم كفاية العمر وحلول الأجل، وكما ذكرنا سابقًا، فإنّه كان يقول: إذا خطا سالكُ طريقِ الله في طريق السير والسلوك بقدمٍ راسخة وهمّة عالية وعزمٍ متين وعمل صالح، وقام بمراعاة البرامج السلوكيّة وأدائها، وأعرض عن عوالم التخيّلات والتوهّمات، وصار كلّ همّه مبذولًا في الوصول إلى مقامِ ذاتِ ذي الكبرياء، لكنّه لم يحظ بتوفيق لقاء الله في الدنيا بسبب الموت، فإنّ الله تعالى لن يُضيع أجره، وسينعم عليه بهذا اللقاء في الآخرة، وهو وعدٌ مبرمٌ ومحتوم من قبل الله تعالى قَطَعَه لعباده المخلِصين؛ وعليه، فلا داعيَ للقلق والاضطراب من قبل سلّاك طريق الله، بل ينبغي لهم أن يعملوا على الاستفادة من كلّ لحظة من لحظات حياتهم في سبيل الوصول إلى المرتبة القُصوى بعينٍ قريرة وبالٍ فارغ ونفسٍ مطمئنّة ويقينٍ بالهدف والمقصد، وسوف لن يُضيّعوا الفرصة على أنفسهم .. هذا هو المعنى والمطلب الذي كان يقصده حضرة الوالد في الماضي.

  • غير أنّه ادُّعي في هذا الكتاب أنّ المرحوم الوالد بدّل رأيه في أواخر عمره، وأنّه كان يقول: إنّ الآية لا تدلّ على لقاء الله تعالى عند الموت كأجر على الهجرة من عالم

    1. سورة المائدة( 5)، ذيل الآية 50.
    2. سورة النساء( 4)، مقطع من الآية 100.

أسرار الملكوت ج۳

211
  • الدنيا وعالم التوهمّات، بل اقتصرت على ترتيب أجرٍ ما وثوابٍ ما على هذه الحركة والهجرة، وأمّا ما هو هذا الأجر والثواب، فلا علم لنا به، ولا تحتوي الآية على أيّة إشارة أيضًا إلى هذا المعنى.1

  • وفي هذا الكلام مواضع للشكّ والإشكال لأنّه:

  • أوّلًا: وكما تقدّم، فإنّ الأجر والثواب يتعلّقان دائمًا بالأمور الاختياريّة، دون الأمور غير الاختياريّة. فمن باب المثال، إذا قدّم أحدٌ هديّةً إلى صديقه أو زميله في العمل، فلا يُقال بأنّ هذه الهدية هي أجر وثواب على الصداقة، بل سينطبق عليها عنوان الهديّة والهبة. وأمّا إذا كانت هذه العطيّة بإزاء عمل أُسديَ للإنسان، فإنّها ستُعدّ بمثابة أجر. وعليه، إذا خطا السالك في الطريق ووصل إلى لقاء الله تعالى بواسطة أمر غير اختياري مثل الحياة ودوام العمر، فلن يُطلق على هذا اللقاء عنوان الأجر والثواب، وإذا حرم نفس هذا السالك من رؤية المحبوب ولقائه لطروّ أمرٍ غير اختياري- نظير الموت والانتقال إلى العالم الآخر- فسوف يكون لقاء الله تعالى متعلّقًا هنا بأمر غير اختياري؛ وهذا محال ومرفوض من وجهة نظر المباني والأصول الشرعيّة؛ و هو ما تصرّح به آيات القرآن الكريم.

  • ثانيًا: هذا الكلام لا ينسجم مع عدل الله تعالى ورأفته؛ لأنّه ليس هناك أيّ اختلاف في الموضوع في كلا الطرفين، وذلك السالك الذي يدركه الموت هو في حالة سير مع توفيره لجميع شروط السلوك؛ فلا فرق في الموضوع بين كلا طرفي المسألة، والله تعالى يقول: (وَ ما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ).2

  • ثالثًا: إذا كان من المقرّر أن يُغلَق طريق السالك نحو الذات الإلهيّة بواسطة الموت، وأن يكون التشرّف بلقاء الله تعالى متوقّفًا على الإرادة والمشيئة الإلهيّة بحيث

    1. نور مجرّد( فارسي)، ص 371.
    2. سورة فصّلت( 41)، ذيل الآية 46.

أسرار الملكوت ج۳

212
  • أنّها قد توفّقه لذلك وقد لا تُوفّقه، فينبغي أن تجري هذه القاعدة أيضًا بعينها فيمن يُعمّر طويلًا ولا يُدركه الموت بسرعة مع قيامه بمقتضيات السير والسلوك بما يفي ويكفي؛ وعليه فلا ضرورة أبدًا لأن يصل إلى مقام المعرفة وكشف الحجب، بل المسألة تتعلّق بإرادة الله تعالى ورغبته، لا بسعيه ومجهوده، وعلى حدّ قول الخواجة حافظ الشيرازي:

  • گرچه وصالش نه به كوشش دهند***هر قدر اى دل كه توانى بكوش 1

  • [يقول: مع أنّ وصال المحبوب لا يتيّسر حصولُه بالسعي، لكن عليك أيّها القلب أن تبذل قُصارى جهدك في ذلك].

  • وعليه، إذا كان السالك المتحرّك- الذي سدّ الموتُ الطريق أمامه- سيحصل على أجرٍ غير لقاء الله تعالى، فإنّ أجر السالك الذي يعمّر طويلًا- وبحسب نفس هذه الملازمة- لن يكون بالضرورة هو لقاء الله تعالى، بل سيكون وصوله في هذه الحالة أيضًا معلّقًا على إرادة الله ومشيئته؛ وبالتالي، فما الفارق الذي ينبغي أن نميّز به بين هاتين الحالتين، بحيث تُؤدّي إحداهما إلى القرب ووصال المحبوب والأخرى إلى الخيبة والإحباط والحرمان من وصال المعشوق؟!

  • رابعًا: هذه المسألة في حدّ ذاتها ليست من المسائل التي يمكن أن يكون للإنسان وخصوصًا للعارف الكامل والسالك الواصل رأيٌ فيها في زمان معيّن، ثمّ يكون له رأي مخالف في زمان آخر. نعم، في بعض الأحيان، كان المرحوم الوالد قدّس سرّه- وقد كنت شاهدًا بنفسي على ذلك- يطرح مطلبًا معيّنًا كفاتحة للبحث، أو على نحو الشبهة والتشكيك، أو لأجل الحثّ والترغيب على البحث والتباحث، غير أنّ طرح ذلك المطلب لم يكن يعني أنّه يُمثّل رأيه الأخير ونظرته الثاقبة، حيث كنّا نكتشف فيما بعد أنّ رأيه مختلف تمامًا عن كيفيّة طرحه للمسألة.

  • وهنا، ينبّه الحقير على أنّ العديد من الأقوال الباطلة والفاسدة قد نُسبت إلى المرحوم العلّامة الوالد بعد وفاته، ونظرًا لكون هذا الحقير قد أمضى سنوات طويلة

    1. ديوان حافظ، الغزل 296.

أسرار الملكوت ج۳

213
  • بصحبته والجلوس معه والتحدّث إليه، فإنّني أستطيع القول بضرس قاطع: إنّني لن أقبل بعد الآن بأيّ كلام يتعلّق بالمرحوم الوالد مهما كان الذي صدر منه، وسأعمل على مقارنة ذلك الكلام بالمعايير والملاكات المتوفّرة لديّ، وحينئذٍ سأقبله أو أردّه؛ ويدخل في جملة ذلك الكلامُ الذي تحدّثنا عنه سابقًا.

  • ففي يوم من الأيّام، كنت جالسًا عنده برفقة جماعة، فقام بطرح مسألة معيّنة، وبعد أن خرجنا من المجلس، رأيت بكمال التعجّب أنّ بعض الأشخاص ينقلون كلامًا معاكسًا تمامًا لما قاله!

  • وعليه، كيف يُمكننا- بالنظر إلى هذا الأمر- الاستنادُ إلى ما يُنقل عن المرحوم الوالد من أقوال والتمسّك بها؟ ولقد كنّا نُشاهد جليًّا وقوع هذا الارتباك بعد وفاة ذلك العظيم بين المحيطين به والمنتسبين إليه، وكلما كنّا نقول وننادي بأنّ هذه المطالب والأقوال التي تُنسب إليه كلّها كذب وبهتان، لم يكن أحد يُصغي أو يلتفت إلينا، إلى أن وقعت جميع تلك المصائب والكوارث والمخالفات، فاكتشف العديد من الأشخاص أنّهم كانوا قد خُدعوا، وأنّ تلك المطالب التي نُسبت إلى ذلك العظيم كانت كذبًا وبهتانًا.

  • ومن هنا، فإنّني أقول بضرسٍ قاطع: إنّ رأي المرحوم الوالد حول هذه الآية الشريفة لم يطرأ عليه أيّ تغيير، وبقيَ على ما كان عليه.

  • ثانيًا: الاستفادة من كافّة الفرص وأهل الصلاح والسداد

  • ثمّ إنّه يُعلم من كلّ ما ذُكر أنّه في حالة عدم وجود وصيّ باطني وولي كامل إلهي، لا يلزم أن يكون الرجوع حصرًا إلى الوصيّ الظاهر أو غيره، بل بإمكان السالك الرجوع إلى أيّ شخص يرى فيه الصلاح والسداد من أجل اكتساب الفيض منه، سواءً كان الوصيّ الظاهر موجودًا- نظير ما حصل مع بعض الأولياء في السابق كالمرحوم القاضي والمرحوم السيّد أحمد الكربلائي- أو غير موجود؛ كما هو الحال مع المرحوم البهاري والمرحوم الأنصاري والمرحوم الحاج الميرزا جواد الملكي التبريزي والمرحوم الشيخ الملّا حسين قلي الهمداني والمرحوم العلّامة الطهراني، الذين لم يكن لهم قطعًا وصيّ ظاهر ونفوا بأنفسهم هذا الأمر.

أسرار الملكوت ج۳

214
  • فكما أنّ المرحوم الوالد- قدّس سرّه- كان يستفيد من الحضور عند المرحوم العلّامة الطباطبائي- قدّس سرّه- في نفس الوقت الذي كان يحضر عند بعض الأعاظم من أهل المعرفة، نظير المرحوم الحاجّ الشيخ عبّاس الطهراني، والمرحوم السيّد جمال الدين الگلبايگاني والشيخ عبّاس هاتف والمرحوم السيّد عبد الهادي الشيرازي والمرحوم الأنصاري الهمداني، ويستفيد منهم- وقد ذكر بنفسه هذا الأمر للناس عدّة مرّات خلال أيّام حياته- إلى أن حطّ الرحال في أواخر إقامته بالنجف الأشرف عند الأستاذ الحقيقي والواقعي والأتمّ والكامل الأكمل سماحة السيّد الحدّاد- رضوان الله عليه- وعلى حدّ قوله: وصل إلى مقصوده ومطلوبه. وكان يقول: «لقد كان الحدّاد يُمثّل بالنسبة لي كلّ شيء، وعندما وصلت إلى الحدّاد، تمكّنت من الوصول إلى كلّ شيء».1

  • تصويب ما قيل من ان السيد الحداد لم يكن استاذا للمرحوم العلامه بل رفيقا

  • ومن عجائب ما قيل وكتب، ما ذكر في بعض الكتب من أنّ: المرحوم الوالد- رضوان الله عليه- لم يكن تلميذًا للمرحوم الحدّاد- قدّس سرّه- بل كانا رفيقين وصديقين، ولم تكن علاقة التلمذة و الإرادة التي تكون قائمة بين الأستاذ والتلميذ متحقّقة بينهما! وتمّ إيراد بعض الشواهد على هذا الأمر، من بينها أنّ المرحوم الحدّاد كان يجمع شعيرات من لحية المرحوم الوالد لأجل التبرّك، وأنّه كان يُصاب بالغمّ والحزن كثيرًا عند مفارقة المرحوم الوالد إلى درجة أنّ الدموع كانت تنهمر من عيونه كالأمطار، وكان يمتنع عن الأكل والحديث مع الناس لمدّة أسبوع بعد ذهاب المرحوم الوالد، وأمثال ذلك ....2

  • غير أنّ هذا الكلام على درجة من الوهن والبطلان، بحيث لا يحتاج إلى النقد والبيان؛ فمن ذا الذي يقرأ كتاب «الروح المجرّد» ولا يطّلع على عمق وظرائف ورقائق علاقة الأستاذ والتلميذ القائمة بينهما؟! والسؤال هو: إذا كان المرحوم الوالد يرغب

    1. لمزيد من الاطّلاع، راجع: الشمس المنيرة، من ص 67 إلى ص 84؛ ومطلع انوار، ج 2.( م) ..
    2. نور مجرّد( فارسي)، ص 274.

أسرار الملكوت ج۳

215
  • - على حدّ زعم هؤلاء الأشخاص- في تصنيف كتاب يُخصّصه لأستاذه ومرشده ومربّيه ومزكّيه، ويستعمل فيه أرقى المضامين وأحسن العبارات والكلمات، فهل يُمكن أن يخطر بباله تأليف كتاب يكون أحسن وأفصح من هذا الكتاب لأجل بيان وجده وعشقه وحيرته تجاه أستاذه؟!

  • لقد كان المرحوم الوالد رضوان الله عليه- روحي له الفداء- يذكر مرارًا العلّامةَ الطباطبائي في العلن والخفاء بصفته أستاذًا ومربيّاً أخلاقياً ومرشداً سلوكياً له، و التعابير التي كان يعبّر بها عنه كان محيّرة و عجيبة واقعاً.

  • ففي أحد الأيّام، قال لي المرحوم الوالد:

  • بعد مجيئي إلى قمّ وارتباطي بمختلف العلماء واطّلاعي على العديد من المسائل، لو لم أكن قد التقيت بالمرحوم العلّامة الطباطبائي- رحمة الله عليه- لكنت قد تخلّيت قطعًا ويقينًا عن دراسة العلوم الإسلاميّة ورجعت إلى طهران، غير أنّ ارتباطي بهذا الرجل العظيم وتردّدي عليه لم يُؤدّ فقط إلى محو الشبهات والتشكيكات من ذهني وضميري، بل زادني تصميمًا وثباتًا في العزم والهمّة على إكمال المسير.

  • حينئذٍ، تعالوا وقارنوا بين المطالب والعبارات المستخدمة في كتاب الشمس الساطعة النفيس وبين نظيرتها المستعملة في كتاب «الروح المجرّد» الشريف، وانظروا إلى أيّ حدّ يصل الفرق في المسألة!

  • بعد وفاة المرحوم العلّامة الطباطبائي رحمة الله عليه، أحضرت للمرحوم الوالد- قدّس سرّه- شريطًا سُجّلت فيه قراءته لسورة مريم بعنوان هديّة وتُحفة من التحف النفيسة، ففرح بهذه الهديّة وابتهج وأولع بها وقال: «لقد قدّمت لي أحسن هديّة». وكانت تمضي الأيّام وأنا أشاهده بنفسي يضع ذلك الشريط في جهاز التسجيل ويستمع إليه، فتغرورق عيناه بالدموع. وقد كنت متواجدًا عنده في إحدى الليالي، وكانت هناك صورتان موضوعتان أمامنا في الغرفة: إحداهما للمرحوم الحدّاد والأخرى للعلّامة الطباطبائي

أسرار الملكوت ج۳

216
  • - رحمة الله عليهما-، فالتفتُّ إليه قائلًا: «سيّدي العزيز، إنّ أحوال كلّ منهما ومستواه الروحيّ وآفاقه المعرفيّة وسعته الوجوديّة واضحة من خلال هاتين الصورتين، وتظهر أفضليّة حضرة الحدّاد على المرحوم العلّامة الطباطبائي وعلوّ درجاته بشكل جليّ». فقال لي: «ما الذي تقوله يا سيّد محسن؟ إنّ الحدّاد أسدٌ، فانظر لترى ما الخبر!».

  • ولقد كنت حاضرًا في ذلك المجلس الذي جمع فيه المرحوم الحدّاد شعيرات من لحية المرحوم الوالد، ولكن علينا أن نرى ما هي الحادثة التي سبقت ذلك؟

  • فقبل نصف ساعة تقريبًا من ذلك، التفت المرحوم الوالد- قدّس سرّه- إلى المرحوم الحدّاد وقال:

  • لو كان هذا الكوب مملوًّا دمًا، وأمرتني أن أشربه، لشربته من دون أدنى تأمّل أو تردّد.

  • وبعد مرور فترة من الزمان على خروج الوالد من الغرفة لكي يُجدّد وضوءه، نظر إلينا المرحوم السيّد الحدّاد وقال:

  • انظروا إلى والدكم هذا؛ كم هو عظيم ومتواضع، وانظروا إلى ما يقول لي. إنّه يقول: لو كان هذا الكوب مملوًّا دمًا، وأمرتني أن أشربه، لشربته من دون تردّد.

  • وبعد عودة المرحوم الوالد، قام الحقير بحلاقة رأسه وقصّ شيء من لحيته؛ وكان الشعر مُلقى على قطعة قماش، وإذا بالمرحوم الحدّاد يدخل ويأخذ معه الشعر، ثم يضعه في رف داخل خزانة في الغرفة المجاورة.

  • يقول الحقير هنا بشكل جازمٍ وبكل يقين: إنَّ كلام المرحوم الوالد هذا لم يكن أبدًا تظاهرًا ولا تواضعًا؛ لأنَّه لم يكن من أهل المجاملات، بل كلامه منبعث من حاقّ الواقع ونابع من سويداء قلبه وضميره، وكان هذا هو عين اعتقاده بذلك الوليّ الإلهي؛ كما يجب علينا نحن أيضًا أن يكون لدينا هكذا اعتقاد و مبنى في علاقتنا بالعارف الكامل ووليّ الله.

أسرار الملكوت ج۳

217
  • ولكن ما يجب الالتفات إليه هنا هو: هل سُمعَ يومًا كلام كهذا من المرحوم الحدّاد تجاه المرحوم الوالد؟

  • كان المرحوم الوالد يقول مرارًا وتكرارًا: «إنَّني أرى نفسي صفرًا في مقابل الحدّاد»؛ فهل سمع أحدٌ حتّى الآن أنّ المرحومَ الحدّاد صرَّح بشيءٍ كهذا بشأن علاقته بالمرحوم الوالد؟!

  • كان المرحوم الوالد يُنفّذ تعليمات المرحوم الحدّاد حرفيًا، كما شاهدنا ذلك بأنفسنا على مدى عُمرنا، وكانت هذه التعليمات تتغيّر بين الفترة والأخرى، حتّى إنَّه كان يطرح المواضيع في بعض الأحيان بلهجة الآمر، وكان المرحوم الوالد يستمع إليه بإمعان؛ فهل حصل يومًا أن وجّهَ المرحوم الوالد نصيحةً أو أمرًا أو أصدر تعليمات من منطلق الآمر إلى المرحوم الحدّاد؟!

  • كان المرحوم الوالد في المسائل العبادية والاشتغال بالأذكار والأوراد ملتزمًا تمامًا بأوامر ودستورات المرحوم الحدّاد؛ وهذا ما كنّا شاهدين عليه؛ فهل سُمع أو شُوهد خلال مدة علاقة المرحوم الوالد بالمرحوم الحدّاد- البالغة ثمانية وعشرين عامًا بالتمام- أنَّه أعطى المرحوم الحدّاد أمرًا بالعمل بذكرٍ أو وردٍ أو طلب منه الإتيان بعبادة خاصة؟

  • فأيّ لغو وعبث هذا الذي يصدر من أفواه وأقلام هؤلاء دون مراعاةٍ للمسؤوليّة والالّتزام؟ وما هو هدفهم من ذلك؟ هل يقصدون رفع مقام المرحوم الوالد أو الحطّ من منزلة المرحوم الحدّاد؟! يكفي لإثبات رفعة منزلة المرحوم الوالد ما قاله المرحوم الحدّاد للحقير:

  • يا سيّد محمّد محسن، كل ما هو عندي فقد منحته لوالدك السيّد محمّد الحسين؛ فكلامه كلامي، وفعله فعلي، وأمره ونهيه أمري ونهيّي.1

  • نعم، لو شبّهنا علاقته بأستاذه الحدّاد بعلاقة أمير المؤمنين عليه السلام برسول الله، لم نكن قد بالغنا في الأمر.

    1. لمزيد من الاطلاع حول هذا الموضوع، راجع: مطلع أنوار( فارسي)، ج 2، ص 137.( م)

أسرار الملكوت ج۳

218
  • فالحديث عن شخصية رسول الله ونفسه المطهرة وأمير المؤمنين عليهما السلام هو على هذا المنوال. فمن جانب نشاهد تربية وتزكية أمير المؤمنين عليه السلام منذ سنّ الطفولة في حضن النبي، وكلامَه حين قال: «كُنْتُ أَتَّبِعُهُ اتِّبَاعَ الْفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّهِ»1.

  • وفي هذا المجال يقول عليه السلام مفصِّلًا:

  • ولَقَدْ قَرَنَ اللَّهُ بِهِ صلّى الله عليه وآله مِنْ لَدُنْ أَنْ كَانَ فَطِيمًا أَعْظَمَ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَتِهِ يَسْلُكُ بِهِ طَرِيقَ الْمَكَارِمِ وَمَحَاسِنَ أَخْلَاقِ الْعَالَمِ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ. وَلَقَدْ كُنْتُ أَتَّبِعُهُ اتِّبَاعَ الْفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّهِ يَرْفَعُ لِي فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَخْلَاقِهِ عَلَمًا وَيَأْمُرُنِي بِالِاقْتِدَاءِ بِهِ. وَلَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَةٍ بِحِرَاءَ فَأَرَاهُ وَلَا يَرَاهُ غَيْرِي. وَلَمْ يَجْمَعْ بَيْتٌ وَاحِدٌ يَوْمَئِذٍ فِي الْإِسْلَامِ غَيْرَ رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وآله وَخَدِيجَةَ وَأَنَا ثَالِثُهُمَا أَرَى نُورَ الْوَحْيِ وَالرِّسَالَةِ، وَأَشُمُّ رِيحَ النُّبُوَّةِ، وَلَقَدْ سَمِعْتُ رَنَّةَ الشَّيْطَانِ حِينَ نَزَلَ الْوَحْيُ عَلَيْهِ صلّى الله عليه وآله، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا هَذِهِ الرَّنَّةُ؟ فَقَالَ: «هَذَا الشَّيْطَانُ أَيِسَ مِنْ عِبَادَتِهِ. إِنَّكَ تَسْمَعُ مَا أَسْمَعُ وَتَرَى مَا أَرَى، إلّا أَنَّكَ لَسْتَ بِنَبِيٍّ وَلَكِنَّكَ وَزِيرٌ، وَإِنَّكَ لَعَلَى خَيْرٍ».2

  • نلاحظ هنا بأنَّه مع إدراك أمير المؤمنين للوحي، ومع ملازمته لرسول الله، ومع أنَّ آثار الوحي كانت تفيض على نفسه، إلّا أنَّه كان يعتبر نفسه تابعًا ومطيعًا ومؤتمرًا بأمر رسول الله، ويعبّر عن علاقته برسول الله بهذه الكلمات، ولا تنافيَ بين هاتين الحالتين.

  • قال أحد الأحبار من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام له يومًا: هل أنت نبيٌّ يا علي؟ فقال عليه السلام: «وَيلَكَ، إنَّما أنا عَبدٌ مِن عَبيدِ مُحَمَّد»3، مع أنّ هناك تعابير صدرت من النبيّ الأكرم بشأن عليّ؛ بحيث يتصوّر الإنسان أنّهما متساويان؛ كما يقول

    1. نهج البلاغة( محمّد عبده)، ج 2، ص 157.
    2. نفس المصدر.
    3. الكافي، ج 1، ص 89.

أسرار الملكوت ج۳

219
  • تعالى في الآية الشريفة الخاصة بالمباهلة: (وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ)1؛ أيّ ندعو أنفسنا إلى هذا المحفل، حيث إنَّ المقصود هو عليّ بن أبي طالب قطعًا.

  • أو أحاديث المعرفة الواردة بهذا المضمون، وكلّها عن رسول الله وبقية الأئمة عليهم السلام؛ حيث تجعل معرفة الله منحصرة في معرفة النبيّ وعليّ، ومعرفة النبيّ مُنحصرة في معرفة الله وعليّ، ومعرفة عليّ مُنحصرة في معرفة الله ومعرفته.2

  • ولكن مع كل تلك النعوت، فلا شك في أنّ أمير المؤمنين عليه السلام كان التلميذ الخاصّ لرسول الله، وأنَّ كلّ ما لديه هو من فيض نفسه المطهّرة. ومع ذلك كان يرى رسول الله أخًا له! وهذا ليس بالأمر المستغرب! فما المانع من كون أخي الإنسان مُعلمًا وأستاذًا ومربيًا له؟ وما المانع من أن ينعت المرحوم الحدّاد المرحوم الوالد- قدّس سرّه- بنعوت راقية مثل سيّد الطائفتين، في نفس الوقت الذي يكون فيه هذا الظهور الإلهي هو تلميذه وثمرة جهود تربيته وتزكيته؟! أين التنافي في ذلك؟!

  • والشاهد على ذلك هو أنَّ الحقير سمع من الكثير من تلامذة المرحوم العلّامة أنَّهم كانوا يقولون بأنّهم كانوا قد سمعوا من المرحوم العلّامة ولمرّات عديدة في زمان حياته أنَّه كان يقول لهم: «إنَّ علاقتنا مع بعضنا هي علاقة رفاقة، لا علاقة أستاذ وتلميذ؛ ولو كنتم تعرفون قدر ومستوى هذه الرفاقة لما احتجتم معها إلى ألقابٍ وتعابيرٍ أخرى». وكان يقول ذلك بكلّ صدقٍ وبساطةٍ وصفاء؛ بحيث لا يبقى معه مجال للشك في أنَّه كان يرى نفسه رفيقًا وصديقًا لأولئك الأشخاص لا أستاذًا ومرشدًا لهم، هذا مع بقاء تلك المكانة المولويّة والإرشادية والأبّهة والهيمنة والسيطرة والولاية بنحو أتمّ وأكمل، دون أن يسمح أحد لنفسه بالتجرّؤ على تجاوز تعليماته أو مخالفة أوامره.

    1. سورة آل عمران( 3)، جزء من الآية 61.
    2. مدينة المعاجز، ج 2، ص 439؛ تأويل الآيات، ص 145 و 227؛ مستدرك سفينة البحار، ج 7، ص 182. وهو قول رسول الله صلى الله عليه وآله:« يا علي ما عرف الله إلا أنا وأنت، ولا عرفني إلا الله وأنت، ولا عرفك إلا الله وأنا».( م).

أسرار الملكوت ج۳

220
  • وهذا المقام في نفس العارف هو أقصى درجات المعرفة وإحساس الوحدة وإدراك كُنه التوحيد في مستويات الكثرة، ولو كان الأمر بخلاف ذلك، فلا بد من التشكيك في وصول السالك إلى حقيقة الوحدة.

  • بالطبع، فإنَّ طرح هذه القضايا الباطلة ناشئ عن انعدام بصيرة مَنْ طرحها وعدم معرفته بحقيقة الجمع بين عالم الوحدة وعالم الكثرة، ولو كان للمرء أدنى اطلاع على مبادئ وقواعد درجات التوحيد والأسماء والصفات، لما تفوّه بهكذا كلام، ولما تجاوز حدّه ووضع قدمه في حرم العرفاء الإلهيّين وأولياء الله بدون طهارة السرّ، ولما تدخّل في شؤونهم، كما قيل: «سرزده داخل مشو، ميكده حمّام نيست».1

  • [يقول: لا تدخل بدون إذن، فهذه حانة لا حمّام، فرعاية حُرمة الشيخ واجبة على الجميع].

  • إنَّ التحدّث عن أولياء الله يستلزم معرفةً واطلاعًا وتخصّصًا في هذا المجال؛ فمن لا يمتلك تلك المؤهّلات، فعليه أن يخوض في أمور أخرى، ولا يفضح نفسه بلا طائل؛ فما من أحدٍ ينتظر منه البحث في هكذا مواضيع.

  • بعد ارتحال المرحوم الوالد- قدّس سرّه- أصبحت الساحة ملائمة لطرح الأذواق والأوهام والتخيّلات الباطلة، وأصبح كلّ مؤهّلٍ وغير مؤهّلٍ يطرح كل ما يجول في خاطره، وما ينسجه ذهنه الفاسد وعقله الناقص وقلبه المريض من بحوث علمية وتفسير للحقائق العرفانية وتعريف وليّ الله والعارف بالله، دون أن يكون هناك من يقف بوجه هذا الهذيان.

  • ولما رأى الحقير بأنَّ الخطر كبير ومن الممكن أن يؤدّيَ إلى كارثة، ومن أجل التنبيه والتذكير وإتمام الحُجة، فقد ارتقيتُ المنبر في النصف من شعبان في منزل المرحوم الوالد

    1. أمثال وحكم، دهخدا، ج 2، ص 964:
      سرزده داخل مشو، ميكده حمّام نيست--حرمت پيرمغان بر همه كس واجب است( م)
      --

أسرار الملكوت ج۳

221
  • - قدّس سرّه- وقلت في ذلك اليوم: إنَّ الخوض في مسألة الولاية وطرح هكذا مباحث والدخول في هذا الحرم هو فوق طاقتنا ومستوانا العلمي؛ ولا ينبغي الحديث عنه بدون معرفة كافية وإلمام بأطراف الموضوع؛ لأنَّ ذلك يؤدّي إلى ضلالة الأشخاص البسطاء وفاقدي الخبرة وانخداعهم وانحرافهم.

  • وقلت: إنَّ والدنا المرحوم- قدّس سرّه- تتلمذ في قم على يدي العارف والحكيم المشهور المرحوم العلّامة الطباطبائي- قدّس سرّه- لمدّة سبع سنوات في المجالين العلمي والعملي؛ وتزوّد إلى أقصى حدّ ممكن من فيوضاته وأنفاسه وبركاته العلميّة. ثمّ سافر إلى النجف واستفاد لمدّة سبع سنوات من الوجود المبارك للعلماء الإلهيّين: المرحوم السيّد جمال الدّين الگلبايگانيّ والشيخ عباس هاتف القوچاني وآية الله الأنصاريّ الهمدانيّ. وبعد عودته إلى طهران اشتغل- ولمدّة إحدى عشرة سنة- وبشكل دائم بتزكية وتهذيب النفس تحت إشراف العارف المشهور والموحّد الفريد الحاج السيّد هاشم الحدّاد قدّس سرّه. ومع كلّ ما ذكرنا، فإنَّه وبعد عودته من كربلاء المقدّسة واستفادته واستفاضته من وجود المرحوم الحدّاد، جرى حديث بينه وبين أحد رفاقه وأصدقائه السابقين حول أحوال المرحوم الحدّاد، فقال:

  • لقد رأيت في سفري هذا من السيّد (المرحوم الحدّاد) أمرًا لا سابقة لي به؛ وعندما نقلت جزءًا يسيرًا من كثير من كثير من كثير مما شاهدته إلى أحد مخضرمي ساحة السلوك والمعرفة وقدامى وادي التوحيد والتجرّد، ظلَّ ولمدة أسبوع مذهولًا وحائرًا، ولم يكن يعلم ماذا يفعل.1

  • أي إنَّ المرحوم الوالد- قدّس سرّه- وبعد خمسة وعشرين سنة من السير والسلوك والحركة والارتقاء في منازل المعرفة، لم يكن مُلمًّا بمقام ودرجة العارف الكامل والوليّ الإلهيّ؛ فكيف لك أن تأتي وتتحدث هكذا وبهذه الجرأة والتهوّر عن موضوع الولاية ووليّ الله وتبدي- كخبير- وجهة نظرك فيه؟!

    1. لمزيد من الاطلاع حول هذا الموضوع، راجع: أسرار الملكوت، ج 2، ص 136.( م)

أسرار الملكوت ج۳

222
  • للأسف الشديد، هناك من ليس لديه الحدّ الأدنى من المعرفة والاطّلاع على مبادئ العرفان والتوحيد، يشتغل بتدوين سيرة العرفاء الإلهيّين وتأريخ حياتهم، ويكتب فيها مطالب ركيكة ومسائل باطلة لا أصل لها، ويضعها في متناول أيدي الناس والمتعطّشين لهذا النوع من المعارف والحقائق، فيُضلّهم بها. فأيّة ضرورة تفرض عليه أن يتجاسر بهذا الشكل، وأن يدخل إلى حرم ناموس الله وخلاصة عالم الخلق؛ أي أولياء الله؟! وينسج أباطيل وخزعبلات يضمّنها قصصًا ومذكراتٍ ممزوجةً بفهمه الخاطئ، ليُضلّ بها الناس ويشوه بها سيرة أولياء الله، دون أن يعكس للناس حقيقة ما كان عليه الأولياء وما هم عليه؟!

  • طريقان لمضاعفة الاستفادة من كافة الفرص: تحصيل العلم ومرافقة خبير

  • خلاصة الكلام فيما ينبغي على السالك عند عدم تمكّنه من الوصول إلى وليّ كامل هو كالتالي: إنَّ على الإنسان الاستفادة من كلّ فرصةٍ وأرضيّةٍ لكسب العلم والاطّلاع على قواعد وأصول السير إلى الله؛ وعليه زيادة سعيه لنيل هذا الهدف بطريقين:

  • الاول: تحصيل العلم و الالمام بالمبانى و المعايير الاساسية

  • أ. الدقة في اختيار مرجع التقليد

  • الطريق الأول: الإلمام بمبادئ السير والسلوك، والاطلاع على ضروريات الأمور التي تُعينه في طي الطريق نحو التجرّد.

  • والطريق الثاني: مرافقة وملازمة رفيق وصديق له خبرة لا بأس بها بطبيعة الطريق وخصوصيّاته وتفاصيله ومنعطفاته.

  • أما الحديث في الجانب الأول، فهو يتمحور حول تحصيل العلم والمعرفة بالمعايير والأمور الضروريّة والأساسيّة للسير والسلوك إلى الله.

  • وفي طليعة الأمور وفي أول خطوة يخطوها السالك، عليه التفكير بموضوع التقليد، وأخذ الأحكام من المجتهد والفقيه الأعلم والخبير المطّلع على قواعد الفقه الحقيقي والأصيل، المتّخذ من نفس وروح الولاية.

  • إنَّ موضوع التقليد من أخطر وأكثر الأمور الحياتيّة التي على السالك التقيّد بها؛ ولا يمكن تصوّره على أنَّه أمر بسيط وسطحي، وأنّه يمكن التعبّد بأيّة رسالة عملية يُوصى بها. وعليه ألّا يتّبع ويطيع أيّ شخص لمجرّد وجود من يُروّج له؛ ويُسلّم قلبه وروحه إلى كلّ مُدّعٍ للفقه والفقاهة ويصغي إليه.

أسرار الملكوت ج۳

223
  • على السالك الالتفات إلى أنَّ ما يُؤثّر في نفسه وقلبه، وما يُخرجه من الكثرات ويسوقه إلى عالم التجرّد والتوحيد، ويفتح له آفاق المعرفة والبصيرة؛ هو الصورة والحقيقة الملكوتية والمثالية للعبادات والأعمال التي يأتي بها الإنسان في ليله ونهاره.

  • ففيما يخصّ الصلاة مثلًا، نرى أنّ طبيعة تلك الصلاة وكيفية أدائها والنيّة والهدف من قراءة الآيات والأذكار وحالة التخاطب مع الله فيها، لها تأثير مباشر على تشكّل الصورة الملكوتية للصلاة في نفس الإنسان وقلبه. و من هنا، فلو كان للمجتهد ومرجع التقليد طريقة ورأي خاصّ في كيفيّة أداء الصلاة لا يتوافق مع طريقة وسنّة رسول الله، فلن يكون لتلك الصلاة تأثير على نفس الإنسان، بل ستكون بمثابة حركات عبثيّة تشبه تلك التي يقوم بها الإنسان الآلي، ولن يترتّب على الإتيان بها أيّة فائدة، ولن تترك هذه الفريضة الأساسيّة التي ورد التأكيد عليها أيّ أثر على نفس الإنسان، وهكذا الأمر بالنسبة في بقية العبادات؛ كالحجّ والصوم والمعاملات وغيرها ...

  • لذا فلو كان أستاذ السلوك والوليّ الإلهيّ مجتهدًا وصاحب فتوى، فإنَّ الرجوع إلى غيره سيكون باطلًا؛ لأنَّه سيكون رجوعًا إلى المرجوح وغير الأعلم.

  • والعجيب أنَّ بعض تلامذة المرحوم القاضيّ- قدّس سرّه- في حياته، كانوا يُقلّدون المرحوم السيّد أبو الحسن الإصفهانيّ رحمة الله عليه؛ وكانوا يطلبون منه مماشاتهم في مواضع تباين الفتوى واختلافها.1 وإلى الآن لم أجد في نفسي حلًا لهذا الموضوع، ولم أتمكن من العثور على أيّ تبريرٍ لصحّة هذا العمل وكونه مُجزيًا.2

    1. لمزيد من الاطلاع على هذا الموضوع، يراجع كتاب الشمس الساطعة، ص 26، و الجزء الثاني من هذا الكتاب( أسرار الملكوت) ص 386.( م)
    2. سأقوم بتوضيح وتفصيل هذا الموضوع في حاشية رسالة الاجتهاد والتقليد للمرحوم العلّامة الوالد إن شاء الله وبحوله وقوته.
      [ تجدر الإشارة إلى أنّه تمّ تأليف هذا الجزء الثالث من كتاب أسرار الملكوت قبل أن يُنشر كتاب« الدر النضيد في الاجتهاد والتقليد والمرجعية» الذي أشار إليه المصنّف حفظه الله، ولذا فقد آثرنا الحفاظ على تعبير المصنّف حفظه الله هنا. وبحمد الله فإنّ الكتاب الذي أشار إليه المصنّف قد تمّ تأليفه وترجمته إلى العربية، كما أنّه قد طبع بالعربية والفارسية،. وقد بحث المصنّف موضوع( تأثير نورانيّة النفس وصفاء الباطن على استنباط الأحكام) في الكتاب المذكور في تعليقته ص 66، كما تعرّض لهذه المسألة في خاتمته المهمّة على الكتاب المذكور، ص 335.( م)].

أسرار الملكوت ج۳

224
  • ولذا فعلى السالك أن يعلم بأنَّ معنى التقليد هو تسليم زمام العمل والأمور الشخصيّة والاجتماعيّة والعباديّة وجعلها بيد شخص آخر، وهذا الأخير هو الذي يسوق الإنسان وفقًا لما يحوزه من فكر وعقل وذوق وفهم.

  • التقى أحد أصدقائنا يومًا أثناء سفر حجّه في المسجد الحرام بشخصٍ فاضلٍ و يعتبر من المعروفين إلى حدّ ما، فقدّم له بعض النصائح، ومن جملة ما قاله:

  • إنَّ أفضل الأعمال وأحسن العبادات في هذا السفر، هو أن تضبطوا مخارج الحروف عند قراءة الأدعية والأذكار؛ وعليكم بالدقّة المتناهية بتلفّظ الحروف والكلمات بشكل صحيح!!

  • و الآن فانظروا بأنفسكم؛ هل يبقى مع هذه النصيحة والإرشاد حالٌ وحضور قلبٍ للحاج والمعتمر؟! وكيف ستكون طبيعة حجّه وصلاته وطوافه وسعيه وأعماله في جميع المواقف؟ وكيف ستمضي؟

  • ولذا على السالك أن يسعى بكلّ جهده أن يكون المستوى العلمي للمرجِع الذي يختاره للتقليد، وإحاطته بالمبادئ الأصيلة للدين المبين والشرع الحنيف متقاربًا مع خطّ ومنهج أهل البيت والعرفاء بالله والأولياء الإلهيّين؛ لكي لا تحصل له مشاكل في كيفيّة القيام بالمناسك والعبادات والمعاملات؛ وحتى لا يحصل تضادّ وتعارض بين فتاوى مرجعه وبين معايير السلوك ومبادئ السير إلى الله.

  • كان المرحوم الحدّاد- قدّس سرّه- يقول:

  • قبل تقليدي للسيّد محمّد حسين، كنت أُقلِّد المرحوم الحاج الميرزا هادي الغرويّ التبريزيّ، وهو رجل قدير وصالح وورِع وذو قلب طاهر، وكان متواضعًا وخاشعًا أمام العرفاء والأولياء الإلهيّين؛ وكان دائمًا يذكرهم بالخير ويثني عليهم. ولكن بعد حصول العلاقة والرفاقة بالسيّد محمّد حسين غيّرتُ مرجع تقليدي.

  • كما كان المرحوم الوالد- قدّس سرّه- يقول:

  • كنا جالسين يومًا عند المرحوم الحدّاد مع عدد من الرفقاء والأحبّة؛ ودار

أسرار الملكوت ج۳

225
  • الحديث عن كراهية تسخين الماء بواسطة حرارة الشمس. فقال المرحوم الحدّاد: «لقد وضعنا إناءً على سطح الدار ليسخن ماؤه بحرارة الشمس». فقال المرحوم الوالد: الظاهر أنَّ طريقة التسخين هذه مكروهة. فأمر المرحوم الحدّاد أحد أبنائه على الفور بالذهاب والإتيان به.

  • هذا نموذج من العمل المتقن والمحكم والمتطابق مع الأصول والقواعد. واللّطيف أنَّ هذا يحصل في حالٍ يقول فيه المرحوم الوالد له وبكل صراحة: «لو كان هنا قدح مملوء بالدّم وأمرتني بشربه، لشربته على الفور».

  • والعجيب أنَّ الكثير من تلامذة المرحوم الوالد الخاضعين لتربيته وتعليمه، كانوا لا يزالون- إلى أواخر حياته- على تقليد مرجعهم السابق، ولم يعدِلوا بتقليدهم إليه، غير ملتفتين إلى أنَّ تقليد شخص آخر قد يؤدّي إلى تضادٍّ وتناقضٍ في العمل وفي الأمور الظاهريّة، إضافةً إلى أنَّ الشخص المُقلِّد يكون دائمًا في نفسه وقلبه وفكره وضميره تابعًا لمرجعه ومقلّده، ويكون قلبه وضميره مرتبطًا بقلب وضمير مرجعه؛ فتنطبع مواصفات ذلك المرجع وخصوصياته في نفسه وضميره، وهذا الانطباع سيكون مانعًا دون حلول الروح المعنوية وملكات وخصال المرجع الصالح والمؤهّل في المُقلِّد، وبالتالي حرمانه من حصول التغيّير في نفسه، وحاجزًا يمنع تبادل الفيض والبركة بينهما؛ كما هو الحال في الأواني المرتبطة؛ لأنَّ ذهنه وفكره مشغول بشخص آخر، فيكون بذلك قد أغلق نافذة قلبه عن أن يرِدها شيء من الطرف الآخر.

  • يجب على السالك في اختياره للمرجع أن يضع كلام وتوجيه الإمام الصادق عليه السلام نصب عينيه دائمًا، حيث قال: «فَأمَّا مَنْ كَانَ مِنَ الْفُقَهَاءِ صَائِنًا لِنَفْسِهِ، حَافِظًا لِدِينِهِ، مُخَالِفًا على هَوَاهُ، مُطِيعًا لأمْرِ مَوْلَاهُ، فَلِلْعَوَامِّ أنْ يُقَلِّدُوهُ».1

  • فكلّ من استطاع من الفقهاء وعلماء الدين أن يزجر نفسه الأمارة ويمنعها من السعي نحو الهوى والهوس، ويكون حافظًا لدين الله كما هو، ومتغلّبًا على أهوائه النفسية وأمياله

    1. الاحتجاج، ج 2، ص 458؛ وسائل الشّيعة، ج 27، ص 131.

أسرار الملكوت ج۳

226
  • الشيطانية ووساوس نفسه الأمارة ومخالفًا لها، ويكون ثابتًا وراسخًا في انقياده وإطاعته لأوامر مولاه؛ بحيث صار الانقياد والطاعة ملكة عنده لا حالًا فقط .. فعند ذلك ينبغي على العوام أن يقلّدوه ويتّبعوه.

  • ولا ضرورة لأن يكون المرجع معروفًا ومشهورًا، بل يجب أن يكون حائزًا على شروط المرجعيّة والتقليد1؛ وإن كان يعيش في قرية نائية بعيدًا عن الأضواء، ولا يعرفه أحد ولم تكن له خطبٌ وأحاديثٌ متداولة على ألسنة الناس.

  • طبعًا تجدر الإشارة هنا إلى أنَّ مثل هؤلاء الأشخاص يبتعدون دائمًا عن الصيت والشهرة، ولا يسعون للحصول على الصدارة والجاه والأبّهة، ويتجنّبون التصدّي، ويعتبرون الشهرة وكثرة الشعبيّة منافية لعلاقتهم وتعلّقهم بالله تعالى، ويرجّحون الانزواء والخلوة على مُستتبعات الظهور، ويتنفّرون جدًا من إبراز أنفسهم وإثبات أعلميّتهم؛ و من أمثلة ذلك القصّة الغريبة و المحيّرة التي نقلها المرحوم العلّامة الوالد عن المرحوم السيّد أحمد الكربلائيّ رضوان الله عليهما في مقدّمة كتاب التوحيد العلمي والعيني.2

  • على السالك أن يعلم بأنَّ للتقوى والابتعاد عن الأهواء النفسانية- والتي استولت اليوم وللأسف على جميع طبقات المجتمع- أثرًا لا يمكن إنكاره على كيفية إدراك الشريعة وفهم دين الله. لذا فلا ينبغي الاكتفاء بسماع رأي شخص أو أكثر عند التصميم على اختيار المرجع، بل على الإنسان أن يتفحّص بنفسه وبشكل كامل حالات وخصال ذلك المرجع والملكات الروحية التي يتمتّع بها، وأن يرافقه لفترة من الزمن ويراقب ردود فعله في الظروف المختلفة، ويحيط بمستوى ثبات واستقامة فكره ونفسه في الظروف المختلفة والحالات المتناقضة.

    1. تجدر الإشارة إلى أنّ المؤلّف المحترم حفظه الله قد خصّص خاتمة كتاب« الدرّ النضيد في الاجتهاد والتقليد و المرجعية» لبيان شرائط الاجتهاد و واجبات المجتهد، و شرائط المرجعية و الزعامة و مسائلها.( م)
    2. توحيد علميّ وعينيّ( فارسي)، ص 17 إلى 26.

أسرار الملكوت ج۳

227
  • وعند عدم تمكّن السالك من الوصول إلى الفقيه الوليّ والعارف بالله وبأمر الله، فعليه الرجوع إلى مرجعٍ يكون على الأقل سائرًا على خطّ ونهج العرفاء بالله. ففي هذه الحالة يكون قلب هذا الفقيه أكثر قابليةً لنزول البوارق الإلهيّة التي ترفع الشبهات والإبهامات.

  • كان المرحوم الوالد- قدّس سرّه- يقول:

  • بعد وفاة المرحوم السيّد عبد الهادي الشيرازيّ- رحمة الله عليه- كنت أُوصي بالرجوع في التقليد إلى المرحوم آية الله السيّد محمّد هادي الميلانيّ رحمة الله عليه، وبعد وفاة المرحوم الميلانيّ لم أُوص بالرجوع إلى أيّ شخص آخر.

  • طبعًا كان يقصد بذلك المراجع المعروفين والمشهورين والمتصدّين للفتوى، وإلّا فإنَّ أمثال المرحوم العلّامة الطباطبائي خارج عن موضوع البحث أساسًا.

  • كان المرحوم الوالد يذكر المرحوم آية الله السيّد عبد الهادي الشيرازيّ بخير ويمجّده، ويصفهُ بصاحب النفس الطّاهرة والقلب البعيد عن الهوى والنيّة الصادقة، وكان يقول:

  • كان المرحوم السيّد عبد الهادي كثير الخضوع والتواضع تجاه العرفاء الإلهيّين، وكان يذكرهم دائمًا بالعظمة والرفعة.

  • وكان (المرحوم السيّد عبد الهادي الشيرازيّ) يقول:

  • «كلّما كنت أقرأ صفحة من تفسير سورة البقرة للمرحوم المسجد شاهيّ الإصفهانيّ في المساء، كانت تنتابني حالة لم أستطع معها النوم حتّى الصباح».

  • وقد كان السيّد عبد الهادي الشيرازيّ قد طهّر بيته من الأشخاص غير الصالحين وغير الّلائقين؛ ولم يكن يسمح لأحد بالتدخّل في شؤونه، أو أن ينقل إليه أمرًا باطلًا بشكل أو بآخر، أو أن يتوسّط للآخرين عنده، أو أن يجرّه إلى ممشاه القرين بالهوى والهوس. حتّى أنَّه طرد أقرب أفراد عائلته من

أسرار الملكوت ج۳

228
  • بيته ومكتبه نتيجة تدخّلهم في بعض الأمور، ولم يسمح لهم بالعودة إلى المنزل بعد ذلك.

  • ب. تعلّم مبادئ السير والسلوك

  • من هنا يجب على السالك أن يتّبع هذا النوع من المراجع والمجتهدين، وأن يقبل تقليد هذا الصنف من الأشخاص.

  • لقد استهين اليوم بموضوع التقليد؛ فلم يعد المقلِّدون يعطون موضوع تشخيص المرجع والمجتهد الصالح والجامع للشرائط ذلك المقدار من التحرّي والدقّة والاهتمام الذي كان يُعطى له سابقًا، فهم يختارون مرجعهم بأسهل وأيسر الطرق، والتي غالبًا ما تكون مصحوبةً بالإعلان والترويج لذلك المرجع من قبل مؤسسة ما، أو عبر عدد من الأفراد من غير ذوي الخبرة والمعرفة، فيُسلّموه بذلك دنياهم وآخرتهم، غير واعين لما يُضيعون بالمجّان من فرصٍ ورأس مالٍ غير قابل للتعويض.

  • فعلى السالك أن يعلم بأنَّ برنامج الحياة اليومي سواءً كان في المجال الشخصي أو الاجتماعي أو العبادي، هو عبارة عن رأس مالٍ لعبور النفس وتبدّل قابليتها إلى الفعليّة؛ فإذا ما كان هذا البرنامج خاطئًا، فلن يكون للعمل بموجبه أيّة نتيجة إيجابية، بل سيُغادر الإنسان هذه الدنيا بيدٍ خالية، ولن يقبل الله منه عُذرًا؛ لأنَّه لم يكن يُحقّق ويتحرّى بما فيه الكفاية بشأن موضوع التقليد واختيار المرجع المناسب.

  • وبناءً على هذا، فخلاصة الكلام، أنَّه لا ينبغي للسالك أن يكتفي بمجرّد كلام وترويج عدد من الأشخاص أو جهة ما أو أفراد معروفين يكون احتمال رعايتهم للمصالح الدنيوية في هذا الترويج مرجّحًا على احتمال طلب رضا الله. فلا يمكنه الاستماع لكلامهم ومتابعتهم، بل عليه أن ينظر إلى مرضاة الله، ويعلم أنَّه سيأتي يوم تخمد فيه جلجلة هذه الشائعات، وعندها سوف يحثو التراب على رأسه، ويدعو بالعويل على عمره الذي ذهب هباءً.

  • بعد انتهاء السالك من موضوع التقليد، عليه أن يشرع بقراءة مبادئ وقواعد وقوانين الطريق والمقصد، وعليه الاستفادة في هذا المجال من كتب العظماء من أهل المعرفة؛ فلما

أسرار الملكوت ج۳

229
  • كانت الغاية الأساسية والداعي لسير السالك هو الوصول إلى مقام شهود ومعرفة ذات الحقّ تعالى، فبطبيعة الحال لا بدَّ أن يكون لديه اطلاع كافٍ على مواصفات وطبيعة الهدف والغاية من جهة، ومعرفة وافية بالمعتقدات الدينيّة من جهة الأخرى؛ وذلك لكي تتحقّق له نتيجتان وفائدتان:

  • نتيجتا تعلّم مبادئ السير والسلوك

  • النتيجة الأولى لتعلم مبادئ السير والسلوك: زيادة الشوق

  • الأولى: هي أنَّه باطّلاعه الكافي على طبيعة الهدف والغاية من السير وتعرّفه على مستلزمات المسير، سوف يزداد شوقه ورغبته ويقوى اهتمامه بالحركة باتّجاه الهدف الأصلي؛ وسيكون له دور في منع الفشل والتراخي وسيطرة حالة الإحباط واللّامبالاة، وستطبع حلاوة ولذّة لقاء المحبوب أثرها باستمرار على قلب السالك وروحه وفكره وعقله وميوله النفسية، وستفتح أمامه الطرق، ويطّلع على أسرار المسير، ويعمل على تقويم علاقته بعائلته وأصدقائه وأقاربه وسائر أفراد المجتمع. وبهذا سيطّلع بنفسه على الكثير من الأمور وسيكون مستغنيًا عن أيّ شيء آخر. وهذا الأمر مشهود بشكل أكبر لطلّاب العلوم الدينيّة بالخصوص، باعتبار أنّهم على تماسٍّ مع أحاديث مذهب التشيّع ومدرسة أهل البيت عليهم السلام وآثارها وتأريخها ومعتقداتها.

  • وكم هو مستحسن عند العزم على قراءة كتاب أو الاطلاع على موضوع، أن يستفاد في ذلك من كتب العرفاء بالله وبأمر الله؛ وهم العلماء الربانيّون، وما دام لدى الإنسان فرصة للقراءة، فعليه استثمارها في المطالعة والتدبّر في كلمات هؤلاء العظماء، وألّا يصرفها في مطالعة كتب الآخرين، وإن كانوا من علماء الظاهر.

  • وعلى السالك أن يكون حذرًا للغاية في هذا الأمر، إذ إنَّ الروح المعنوية للكاتب وملكاته النفسية ستنتقل في الواقع إلى القارئ عند قراءته لكتابه. فإن كان الكاتب إنسانًا صالحًا وتقيّا، يلمس القارئ في نفسه النور والانبساط والبهجة، وإن كان فاسدًا منغمرًا في الكثرات والشهوات والأنانيّات، فسوف يلمس القارئ في نفسه حتمًا الضِّيق والانقباض والانصراف عن العبادة والتوجّه إلى الله، إلّا أنّ ذلك كثيرًا ما يحصل في نفسه بشكل تدريجيّ، ولكن يمكنه الحذر من ذلك؛ بأن يقوم بين الفينة والأخرى بمقارنة حاله بما كان عليه سابقًا، كي يتنبّه إلى الخطر قبل استفحاله.

أسرار الملكوت ج۳

230
  • فعندما كان المرحوم الوالد- قدّس سرّه- يقوم بالصلاة والوعظ والإرشاد، وكان يقيم المجالس صباح الجمعة في مسجد القائم عليه السلام في طهران، ظهر في ذلك الوقت رجل غير معمّم يقوم بإلقاء الخطب في مجال المعتقدات الشيعيّة في حسينيات طهران، وكان خطيبًا بليغًا ومتكلّمًا بارعًا، كأنّ في كلامه وخطبه سحرًا، فتأثّر الكثير من عوامّ الناس وجهلتهم بشكلٍ كبير بخطبه وسحر كلامه، وبالأخصّ الشباب منهم، والحال أنّه لم يكن لديه أيّ علم عن المواضيع الدينية وتعاليم الإسلام، بل كانت معلوماته في هذا المجال بمستوى الصفر، لذا فقد ترك تأثيرًا سلبيًا جدًّا وهدّامًا في نفوس الناس والشباب وفي معتقداتهم الدينيّة.

  • حتّى إنَّ الكثير من علماء الدين المعروفين لم يتفطّنوا إلى إضلاله وانحرافه وإفساده في بادئ الأمر؛ فكانوا يمدحونه ويمجّدونه؛ وكانوا يعتقدون بأنَّ خطبه تمثّل مفتاحًا لحلّ مشاكل الشباب، وأنَّ أفكاره منوِّرة لأوضاع وأحوال ذلك العصر، وكانوا يعدّون خطاباته كالبلسم والدواء لأرواح الشباب ونفوسهم في ذلك العصر. ولكن وبعد مضيّ مدّة، أدرك الجميع حجم الخطأ الذي وقعوا فيه، وكيف تمّ استغفال جميع مؤيديه والمروِّجين له.

  • في تلك الفترة كان المرحوم الوالد يُقيم صباح كلّ يوم جمعة مجلسًا يطرح فيه العلوم والمعارف الإسلامية في مسجد القائم، وكانت مجالس مفيدة جدًا ومشوِّقة وعالية المضامين. وكان يحضر ويستفيد من هذه المجالس العموميّة جميع شرائح المجتمع من الأقارب والطلاب والجامعيّين وغيرهم، حتّى إنَّ بعضهم كان يقول: «ينبغي أن يتمعّن ويتمّ التفكير في كلّ مجلس من مجالس أيام الجمعة لمدّة شهر كامل، وأن يعمل على تحليلها جملة جملة».

  • والغريب أنَّ هذا الشخص الذي كان قد تفوَّه بهذا الكلام قام مع بعض الأشخاص الآخرين بالذهاب إلى مجالس ومحاضرات ذلك الشخص المذكور؛ وأخذت حالة الرغبة والميل إلى تلك المجالس تتبدّل عندهم إلى حالة عشق وهيام ووَله، وكان ذلك يُشاهد في حديثهم وسيماهم بشكل واضح.

أسرار الملكوت ج۳

231
  • ومع ازدياد رغبتهم وتعلّقهم بخطب ذلك الشخص، انخفض معدّل مشاركتهم في مجالس صباح الجمعة، على الرغم من عدم وجود تداخل في مواعيد المجلسين، ولكنّ هذه المحبّة و التمايل لذلك الشخص هي التي كانت تحرمهم من الاستفاضة من مجالس المرحوم الوالد؛ ثمّ وصل الأمر إلى انقطاعهم الكامل عن مجالس المرحوم الوالد، بل تثاقلوا وانقطعوا حتّى عن حضور المجالس الخاصّة واللقاءات الشخصيّة به، وهذه نتيجة طبيعيّة لمطالعة المقالات أو الاستماع إلى الخطابات، والأشدّ والأخطر من ذلك هو حضور مجالس ذاك الرجل ومشاهدته.

  • وبناءً على هذا يجب على السالك التدقيق والمراقبة الشديدة؛ إذ قد يتضمّن حديث شخص ما أو مقالة له نوايا خبيثة ومقاصد ملوّثة وأهداف مُضلّة، وقد يقع القارئ تحت تأثير عباراتها الجذّابة وكلماتها المؤثّرة، إن لم يكن من أصحاب الخبرة والتشخيص. وعندها سيكون الخلاص من هذه الورطة صعبًا وشاقًا ومُكلفًا جدًا.

  • النتيجة الثانية لتعلم مبادئ السير والسلوك: دفع الشبهات

  • وأما النتيجة الثانية من مطالعة آثار العظماء فهي رفع العقبات ومواجهة الإبهامات والتشكيكات ووسوسة الخنّاسين والشبهات التي يُلقيها الأبالسة والشياطين وقطّاع الطرق. ومما لا شكّ فيه أنَّ الشيطان كان منذ عصر آدم إلى النبيّ الخاتم وما بعده يتربّص بالإنسان من أجل إغوائه وخداعه وصرفه عن مسير الحقّ؛ وهو يقوم بهذا التضليل عن طريق الوساوس النفسانيّة والإلقاءات البشريّة، وبذلك يصير هؤلاء الأشخاص بمثابة أدواتٍ وآلاتٍ بيد الشيطان، وإن ظهروا بمظهرٍ بشريّ وتزيَّوا بزيٍّ إنسانيّ.

  • لذا يقول القرآن الكريم بشأن شياطين الإنس:

  • (وَ كَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَ الْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَ ما يَفْتَرُونَ* وَ لِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَ لِيَرْضَوْهُ وَ لِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ).1

    1. سورة الأنعام( 6)، الآية 112 و 113.

أسرار الملكوت ج۳

232
  • ذرّه ذرّه كاندر اين ارض وسماست***جنس خود را همچو كاه وكهرباست 1

  • [يقول: ما من ذرّة في الأرض أو في السماء إلا وتجذب أشباهها كما تجذب القشَّ الكهرباء].

  • نوريان مر نوريان را جاذبند***ناريان مر ناريان را طالبند 2

  • [يقول: [يقول: أهل النور يجذبون أمثالهم من أهل النور، وأهل النار يطلبون أمثالهم من أهل النار].

  • ولهذا ترى هؤلاء يستسيغون حديث الشيطان ويبتهجون بكلامه المُضلّ ويقترفون المعاصي والأعمال غير اللّائقة. ويجب الانتباه إلى أنَّ إطلاق اسم الشيطان على بني آدم هو إطلاق حقيقيّ وواقعي وليس إطلاقًا مجازيًا؛ لأنَّ الإنسان بارتكابه للمعاصي يفقد وبشكل تدريجي ذلك النور والبهاء والمعنويّة التي أودعها الله في نفسه وروحه من أجل هدايته وإنارة الطريق له في الظّلمات والشكوك والشبهات، لتحلّ الظّلمة والقساوة والحقد والحسد وسائر الرذائل الأخلاقية بشكل تدريجي محلّ تلك الصفات والملكات الحسنة، وتستولي هذه الصفات تمامًا على القلب وكلّ نوافذه. وبذلك يصير هذا الإنسان مظهرًا ومصداقًا للشيطان- لا ممثلًا له أو وكيلًا عنه- فيعمل على إغواء بني البشر؛ كما أنَّ عكس هذا الأمر صحيحٌ أيضًا، وسيتم توضيح ذلك بشكل وافٍ في الأجزاء القادمة إن شاء الله.

  • فبناءً على هذا، ينبغي على الإنسان أن يكون متنبّهًا إلى أنَّه بسماعه لكلام هكذا أفراد، أو قراءة كتاباتهم؛ فإنَّه في واقع الأمر يستمع كلام الشيطان نفسه ويقرأ مقالته!

  • لذا كان المرحوم الأنصاري- قدّس سرّه- يقول:

  • إن الدّارسين لعلوم أهل البيت عليهم السلام أقل عرضةً لمخاطر وإغواءات الشيطان إلّا إذا كانوا هم أنفسهم معرضين عن الالتزام بالمباني والأصول وغير راغبين بالعمل على تطبيقها.

  • إنَّ تلبيس الشيطان يعترض طريق السالك بأشكال مختلفة وطرق متفاوتة، وعلى السالك أن يتسلّح بسلاح الفكر وبقوّة الدليل والبرهان من أجل القضاء على ذلك

    1. المثنوي المعنوي، الجزء السادس.
    2. نفس المصدر، الجزء الثاني.

أسرار الملكوت ج۳

233
  • التّلبيس ومحو آثاره؛ وألّا يكتفي بمجرد تحقّق حالة الشوق لديه والرغبة والإقبال على السلوك؛ لأنَّ هذه الحالات ليست ثابتة، بل هي معرَّضة للتغييّر لأسباب مختلفة؛ فقد تتراجع أحيانًا وتشتدّ في أحيانٍ أُخرى. لذا فإذا ما حصل لسببٍ ما فتور في شوق الإنسان ورغبته في سلوك طريق الله والوصول إلى الهدف، فإنَّ تلك الوساوس والتشكيكات قد تأخذ مأخذها من نفس الإنسان وتقلِّل من تعلّق السالك بطريقه وهدفه، وربّما توقفه عن السير لا سمح الله، وهذه مسألة في غاية الخطورة وعلى درجة كبيرة من الأهمية، قلّما يُلتفت إليها.

  • إنَّ المُتصوَّر في هذه الأيام، هو أنَّ كل من وضع قدمه في طريق السير والسلوك، فما عليه إلّا أن يزيد من عشقه ورغبته، دون الأخذ بنظر الاعتبار الهدف الذي يبتغيه، ودون المبالاة بما تؤول إليه أفعاله وتصرّفاته؛ ودون أن يضع نُصب عينيه بأنَّه إذا كانت محبة الله وعشقه للهدف المطلوب- والمتمثّل بكسب سلطان المعرفة- من الأمور الضروريّة في حركة السالك، فإنَّ الاطلاع على قواعد السير والسلوك والتبصّر بدقائق وظرائف الطريق يكون أوجب وأهم بأضعافٍ مضاعفة؛ لأنَّ المتكفّل بحفظ الإنسان من الوساوس والتشكيكات والأوهام الشيطانيّة هو القدرة العلميّة واستقامة البرهان والمنطق، وإلّا فالرغبة ستكون في يومٍ ثمّ تنعدم في آخر.

  • إنَّ ما يُحفِّز السالك على الاستيقاظ في ليالي الشتاء الباردة وتحريم لذّة النوم على نفسه، وما يدعوه إلى المناجاة والابتهال إلى الله في جوف الليل، ليس مجرّد عشقه ومحبته لله وللهدف الذي ينشده، بل لمعرفته بما ستؤول إليه عاقبته، وبسبب قدرته على التمييّز بين صالح الأمور وفاسدها، ولعلمه بما سيحصل في الحياة الأخرى، وما سيكون عليه مصيره من الفلاح الأبديّ أو الخُسران الذي لا يزول، وما سيواجهه من خطوب جليلة. ولو كان المُحفِّز هو مجرّد العشق لله، فإنَّ هذا العشق في كثير من الأوقات قد يفتر في نفسه و يبهت لونه، و في هذه الحالات يصبح نهوض السالك فيها من فراشه ليقضي وقته بالتهجّد والمناجاة أمرًا صعباً.

أسرار الملكوت ج۳

234
  • ولو لم يكن السالك مُسلّحًا بسلاح العلم والمعرفة بالطريق وكيفية سلوكه، فإنّ المخالفين للعرفان ولأولياء الله بالمرصاد، يقطعون عليه طريقه بظاهرهم الأنيق وباطنهم السُّفياني.

  • إنَّ النّفس الإنسانية بطبيعتها تنْشدُّ إلى أيّ عمل تقوم به في بادئ الأمر، فتمارسه بكلّ شوقٍ ورغبة، ولكن بعد مرور مدّة، وما إن تواجه شيئًا من المشقّة فيه يتراجع شوقها واهتمامها شيئًا فشيئًا، ويكون استمرارها في إنجاز العمل لدواع عقلائيّة وفكرية فقط، وإذا ما انتفى ذلك الداعي والحافز، فإنها ستترك ذلك العمل من فورها وتشتغل بغيره.

  • وهذا ما يحصل للسالك أيضًا في بداية سلوكه، إذ إنَّ تصوّره عن السير والسلوك هو الحصول على حالٍ آخر وانكشاف آفاق جديدة من المعرفة والشهود، والوصول إلى مقامات رفيعة والتمكّن من الإتيان بخوارق العادات؛ ولكنَّه وبعد مضيّ فترة من الزمان ومع عدم تحقّق ما كان يصبو إليه، وعدم حصوله على تلك الحالات والمقامات والشهود من جانب، ومع عدم ملائمة الالتزام بتعليمات السلوك والأوامر والنواهي لطبيعة النفس البشريّة من الجانب الآخر، تحصل لديه وبشكل تدريجيّ حالة فتورٍ وتنقص تلك الرغبة وذلك الشوق، ويبدأ ينظر إلى السير والسلوك على أنَّه مقيّدٌ لتصرّفاته، فيصير إتيانه للأعمال بالإكراه ولا يجد في نفسه الرغبة بالاستمرار بها، ثمّ ينتهي به الأمر بعد مدّة من الزمان إلى ترك السلوك كليّاً. كما يقول الخواجة حافظ الشيرازي:

  • 1- ألا يا أيّها الساقي أدر كأساً وناولها***كه عشق آسان نمود اوّل ولى افتاد مشكل ها

  • 2- به بوى نافه اى كآخر صبا زان طرّه بگشايد***ز تاب جعد مشكينش چه خون افتاد در دلها

أسرار الملكوت ج۳

235
  • 3- شب تاريك وبيم موج وگردابى چنين هايل***كجا دانند حال ما سبكباران ساحل ها 1

  • نستعرض هنا قضيّة كشاهد لما ذكرنا لتكون بمثابة تنبيهٍ وتذكيرٍ لسالكي طريق الله؛ وذلك حتى يراعوا الدّقة والتدبّر الكافي في الأمور وعدم المرور عليها دون مبالاة؛ وليعلموا أنّ:

  • هزار دام به هر گام اين بيابان است***كه از هزار هزاران يكى از آن نرهد

  • [يقول: عند كلّ خطوة يخطوها قاطع هذه الصحراء ألف فخٍ، فلا ينجو من بين آلاف الآلاف رجلٌ واحدٌ].

  • بعد وفاة المرحوم الوالد- قدّس سرّه- وعلى إثر ارتباط أحد رفقائنا وأعزّائنا- والذي كان ملازمًا للمرحوم الوالد لسنوات عديدة- ببعض الأشخاص وظهور بعض الحالات والتصرّفات الخارقة للعادة لديه، أصبح وبشكل عام معتقدًا بصحّة مدركاته، وأخذ هذا الاعتقاد يترسّخ في نفسه تدريجيًّا، إلى حدٍّ صار معه يتخيّل حقّانيّة ما يشاهده من ظهورات وتجلّيات نفسه وينظر إليها بقدسيّة واحترام، بل وأصبح واقعًا تحت تأثير هذه الإلقاءات و التجلّيات خصوصًا وأنَّ ظهور وتمثّل الأولياء الإلهيّين، وبالخصوص الخمسة أهل الكساء، كان مشهودًا وملموسًا له في هذه القضيّة، وهذا ممّا زاد في شدّة اعتقاده وعطشه وتعلّقه بالأمر. والغريب هو دعوته للآخرين لتصديق وتقبّل مدركاته، وكان يمتعض ويتكدّر ويتذمّر من عدم تقبّل بعض أصدقائه لها.

  • ولمّا اطّلع الحقير على هذه المسألة، رأيت بأنَّ هذه المدركات لا تنسجم مع ما بين أيدينا من القواعد والأمور ولا يمكن الاعتماد عليها، ولكن بما أنّ هذا الرفيق كان

    1. ديوان حافظ، الغزل الأول، المعنى:
      1- ألا يا أيّها السّاقي أدر كأسا وناولها، فقد بدا لي العشق سهلًا أوّل الأمر، ولكن لم يمض وقت حتّى ظهرت مشكلاته.
      2- أدر أيها الساقي الكأس، فقد لامست مشامّنا رائحة سرّة المسك، تلك التي داعبها نسيم الصبا ففكّ منها بعد جهد جهيد خصلة، فكَمْ يعتصر القلبُ ألمًا لطيّات شعرها ذاك الأسود المجعّد؟!.
      3- الليل داج، والخوف من الأمواج والإعصار هائل هائل، فأنّى لسكان السواحل المُخفّين أن يعلموا بحالنا؟!

أسرار الملكوت ج۳

236
  • يشاهد ويلمس بنفسه بعض تلك النتائج، فكان يصعب عليه تقبّل نصائح وتحذيرات الحقير، ويمكن أن يقال بأنّه كان يتلقّى تلك النصائح و التحذيرات بشيءٍ من الشكّ والتردّد، ومع أنّه كان يراعي الاحترام في التعامل معي إلّا أنّه لم يكن يُرتّب أثرًا. وهكذا استمرت هذه اللقاءات والمحادثات بيننا، حتّى قال لي في إحدى اللّيالي:

  • عندما وفقّت أخيرًا للتشرّف بلقاء أمير المؤمنين عليه السّلام قال لي: «من الآن فصاعدًا لا تُلقّبني بلقب أمير المؤمنين، ويكفي أن تقول لي عليّ بن أبي طالب» وقد قال لي ذلك الحكم والتكليف بكلّ صرامة.

  • ما إن سمع الحقير منه ذلك حتّى قلت له: يا فلان، لو فرضنا أنّني لم أكن حتّى هذه اللّحظة جازمًا ببطلان هذه المشاهدات والمدركات، إلّا أنّني الآن لم يبقَ لديّ أيّ شك في أنَّ ذلك تمثّلٌ للشيطان، ولا علاقة له بالأئمة عليهم السّلام؛ إذ إنَّ لقب أمير المؤمنين منزّل عليه من الله ولا يستطيع عليه السّلام نفيه عن نفسه.

  • فقال لي ذلك الرفيق: «قد يكون ذلك من باب التواضع وكسر النفس».

  • فقال الحقير: لا سبيل للتواضع في الأحكام والتكاليف الإلهيّة؛ لأنَّ هذا الإعطاء لم يكُن بطلبٍ وتمنّ من أمير المؤمنين حتّى يستطيع نفيه عن نفسه تواضعًا؛ وإنَّ هذا اللقب محرَّمٌ حتّى على سائر الأئمة عليهم السّلام، فما بالك بعامّة الناس؟! وعليك أن تأخذ هذا الأمر بجديّة وتعلم أنَّ هذه الأرواح التي تظهر لك بصورة الخمسة أهل الكساء، وتُلقي إليك التعليمات والأوامر والنواهي هي كلّها من الشياطين والأبالسة ليس إلّا، وإنَّه لم يحصل لحدّ هذه اللحظة أيّ خطر، ولكنّني قلق من احتمال حصول أمرٍ ما مستقبلًا!

  • لم يمضِ على هذه المحاورة مزيد من الوقت، حتّى تلقّى هذا الرفيق أمرًا من الشيطان بفسخ عقد زواجٍ بين شخصين، وإجراء الطلاق قبل الزفاف، ووجوب تزويج الفتاة من شخص آخر، ولمّا كان لتلك الفتاة ثقة عالية بذلك الرفيق، فقد طرحت الموضوع على زوجها مُظهرةً الأسف والتأثّر الشديد، وأخبرته بتصميمها الجادّ على الابتعاد عنه؛ فانفعل ذلك الشابّ- الذي لم يكن على علمٍ بشيء من ذلك، والذي لم يمض

أسرار الملكوت ج۳

237
  • زمان على عقده- وفقد توازنه، ولولا أن منّ الله عليه وألقى السكينة في قلبه، لتسبّب بإلحاق الأذى بذلك الرفيق ولحصلت فتنة غريبة.

  • ولكنّ اللّطف والعناية الإلهية تدخّلت وغيّرت المسألة، فأرسل الحقير إلى تلك الفتاة أنّك زوجة لذلك الشاب من الناحية الشرعية والقانونيّة، ولا سند ولا صحّة لهذا الأمر الذي جاءكم، وبذلك تمّ فضّ النزاع.

  • ههنا تنبّه ذلك الرفيق وعلِمَ أنَّ كلّ تلك المشاهدات والزيارات والأوامر والنواهي لم تكن إلا استعراضاً من قبل الشيطان قام بها لخديعته وإغوائه.1

  • لقد حصلت لبعض الناس بعد ارتحال الوالد- رضوان الله عليه- نفس هذه القضايا والمكاشفات الشيطانيّة، ولكن بظاهر مبرَّر ومغرٍ. وقد تفطّن الحقير إلى أنَّ الشيطان قد أقدم مرّة أخرى على الانتقام، فاستغلَّ فقدان المرحوم الوالد ووجد الفرصة مناسبة للإغواء والإفساد وإهلاك النفوس. ولكنّه وبناءً على ما رفدَنَا به الأولياء الإلهيّون من القواعد والملاكات السلوكيّة والعرفانيّة، فقد كان واضحًا لدينا بأنَّ كلّ هذه المسرحيّات والألعاب السحريّة لم تكن سوى مكر وإغواء شيطاني، ولا بُدَّ من التصدّي لها.

  • بناءً على هذا، فقد تبيّن بأنَّ اطِّلاع السالك على القواعد السلوكيّة له أثرٌ لا ريب فيه في مواجهة ومحاربة شيطنة الشياطين والمشككّين والغاوين، وهذا أمر لا يجب إغفاله؛ لأنَّ الإمام والوليّ لا يكونان مع الإنسان دائمًا ليتسنّى الرجوع إليهما عند حصول كلّ شبهة، وقد يحصل أن تكون- في هذه الفترة ولحين استيضاح الأمر- سهام الشيطان المسمومة قد فعلت فعلها وقضت على السالك.

  • وقد كان المرحوم الوالد- رضوان الله عليه- يوصي مؤكّدًا بضرورة ولزوم مطالعة مؤلّفاته للاطّلاع على أهداف وغايات السير والسلوك إلى الله واستحصال البصيرة في هذا

    1. انتشر قبل فترة في قم فيلم أثّر على الكثير من الناس فجعلهم يقعون تحت تأثير أمور وقوى معنويّة وروحيّة، ويعرض فيه طفلًا صغيرًا على أنَّه مسخّر تحت هيمنة الولاية. وعندما شاهد الحقير ذلك الفيلم، تفطّنت إلى أنَّ الشيطان قد توسّل هنا بنفس الأسلوب الذي يتشبث به في حَرْف وتدمير نفوس السالكين؛ حيث إنَّ الحالات والحركات التي يقوم بها الطفل ليس لها بُعْدٌ معنوي وروحي بأيّ شكلٍ من الأشكال.

أسرار الملكوت ج۳

238
  • الطريق والتعرّف على معوّقاته وزواجره. ولا ينبغي للسالك توريط نفسه بوضع قدمه في هذا الطريق بهدف الوصول إلى المقصد الأعلى وآفاق المعرفة دون الاطلاع على ما جاء في هذه المؤلّفات. كما أنَّه يعتبر الاستعجال في طيِّ هذا الطريق بدون المعرفة الكافية بأصول ومعتقدات مذهب التشيّع المذكورة في مؤلّفاته من الأمور الضارّة للسالك، وكان يقول:

  • ليس من الضروري أبدًا الاستعجال في الشروع بالسير والسلوك؛ إذ إنَّ الأمر الأهمّ هو الفهم.

  • ومن المعلوم أنَّه لم يأتِ في هذا العصر عارفٌ كامل كالمرحوم الوالد- قدّس سرّه- كشف المستور عن حقائق مدرسة الحقّ ببيان بسيط وقابل لفهم عامّة الناس، ومهّد السبيل لسالكي طريق الله؛ إذ إنَّه بإلقائه للمواعظ والخطب وتأليفه للكتب وبيانه لأسرار ودقائق السير والسلوك؛ لم يترك صغيرةً وكبيرةً إلّا وتناولها، ويمكن الادّعاء وبكلّ تأكيد بأنَّ مطالعة آثاره تفتح الطريق للسائرين إلى الله وتعرّفهم على معوّقات السلوك.

  • ج. تعلّم مبادئ السير والسلوك

  • أهمية تعلم مبادئ السير والسلوك

  • والأمر الآخر المرتبط بمطالعات السالك، هو قراءة تاريخ العرفاء وسيرة الأولياء الإلهيين؛ إذ إنَّها تسبّب انبساط النفس وتبعث بارقة الأمل في نفس السالك وتلهب في قلبه الشوق والرغبة للسير إلى الله، وتجعل قلبه ونفسه نضِرَين متيقّظَين، خصوصًا وأنَّ الاطلاع على كلمات وإشارات ونصائح العظماء مع مطالعة سيرة حياتهم تعطّر روح السالك، كما أنَّ عطر عباراتهم ونصائحهم تصفّي روحه وقلبه. كما يقول أمير المؤمنين عليه السلام:

  • «إنَّ هذه القلوب تملُّ كما تملُّ الأبدان، فابتغوا لها طرائف الحكم»1.

  • أو كما قيل:

    1. نهج البلاغة( عبده)، ج 4، ص 146؛ بحار الأنوار، ج 1، ص 182.

أسرار الملكوت ج۳

239
  • «عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة»1.

  • إنَّ هكذا التأثير و الخصوصية تحصل عند مطالعة ما يُكتب عنهم، أو قراءة كلماتهم المفعمة بالحكمة، وكذلك تحصل عندما يدور حديث بين شخصين أو أكثر بهذا الشأن.

  • يحصل أحيانًا أن يكون لعبارةٍ أو جملةٍ واحدةٍ لأحد العظماء من الوقع في النفس والقلب ما قد يغيّر حياة الإنسان ومصيره.

  • كان معروف الكرخيّ من العرفاء الشامخين والأولياء الإلهيين في عصر ثامن الحجج عليّ بن موسى الرّضا عليه السلام2؛ وكان من حواريّيه وخواصّ تلامذته، كما يقول العلّامة الحلّي رحمة الله عليه:

  • مَعْرُوفٌ الكَرْخِيّ أسْلَمَ على يَدَي الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَكَانَ بَوَّابَ دَارِهِ إلى أنْ مَات رَحِمَهُ الله.3

  • وجاء في تذكرة الأولياء:

  • قال محمّد بن الحسين رحمه الله: رأيتُ معروفًا الكرخيّ في المنام، فقلت له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي، فقلتُ: بزُهدك ووَرعِك؟ فقال: لا، بل بقبول موعظة ابن السَّمّاك عندما كنت مارًّا بالكوفة. إذ قال:

  • «منْ أقبلَ على الله تعالى بقلبهِ، أقبلَ الله تعالى برحمتهِ عليه، وأقبلَ بوجوه الخلق إليه»، فوقع كلامه في قلبي، وأقبلت على الله تعالى وتركت جميع ما كنت عليه إلّا خدمة مولاي عليّ بن موسى الرّضا وذكرتُ هذا الكلام لمولاي، فقال: «تكفيك هذه الموعظة إن اتّعظت!»4

    1. بحار الأنوار، ج 90، ص 348؛ رياض السالكين في شرح صحيفة سيد الساجدين، ج 5، ص 121.
    2. لمزيد من الاطلاع على أحوال معروف الكرخيّ، راجع: معرفة الإمام، ج 16، ص 83؛ ومطلع أنوار( فارسي)، ج 3، ص 121.( م)
    3. شرح تجريد الاعتقاد، ص 249.
    4. تذكرة الأولياء، ص 245.

أسرار الملكوت ج۳

240
  • لمّا كانت قلوب الأولياء الإلهيين وضمائرهم متّصلة، بل مندكّة في العوالم الربوبيّة، فإنَّ البوارق الربوبيّة والإلهامات التي تَرِدُ على قلوبهم تنعكس على أقوالهم وأفعالهم ومؤلّفاتهم، بدون أن تتدخّل فيها الأهواء النفسانيّة وبدون أن تتلوّث بالأغراض الشيطانيّة والمصالح الدنيويّة والشخصيّة، بل تصل إلى مخاطبيهم والآخرين بنفس هذه الدرجة من الخلوص والصفاء والطهارة، وتبقى بهذه الكيفيّة غير فاقدة لصفائها ونقائها، ولهذا يمكن للإنسان الاعتماد عليها والوثوق بصحّتها وصدقها وواقعيّتها.

  • ولهذا السبب نقل في مصباح الشريعة تلك الرواية المدهشة عن الإمام الصادق عليه السلام حيث يقول:

  • «لَا تَحِلُّ الفُتْيَا لِمَنْ لَا يَسْتَفْتِي مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ بِصَفَاءِ سِرِّهِ؛ وإخْلَاصِ عَمَلِهِ وعَلَانِيَتِهِ وبُرْهَانٍ مِنْ رَبِّهِ».12

  • فالإمام الصادق عليه السلام يريد في حديثه هذا أن يبيّن عدم جواز التصدّي للمرجعيّة وإصدار الفتاوى لمن لم يحصل له اتّصال مع الله بسرّه وسويداء قلبه وأعماق نفسه؛ بحيث يأتي بالأحكام والتكاليف من الإلهامات الغيبيّة والبوارق الربوبيّة ونفحات الذات اللامتناهية على قلبه وضميره، والتي تؤدّي إلى الخلوص في العمل- لا أن يحصّلها من خلال الكتب والمدارك والأدلّة الموجودة- وأنّه لا يجوز ذلك لمن لم يحصّل تلك الأحكام من نفس الصقع الربوبيّ على نحو البرهان والحجّة القاطعة التي لا تقبل التشكيك والتردّد والظنّ؛ سواء في أموره الشخصيّة وفي خلواته، أم في أموره الاجتماعيّة والعلن .. فمن لم يكن كذلك لا يحقّ له أن يجلس في مقام الفتوى، وأن يدعوَ الناس إليه ويتصدّى لمقام المرجعيّة والتقليد، ويجعل آراءه وفتاويه مجزئة وكافية ومبرئة لذمّة المقلّدين.

    1. مصباح الشريعة، ص 16، باب 6؛ بحار الأنوار، ج 2، ص 120.
    2. لمزيد من الاطلاع على هذا الموضوع، راجع: ولاية الفقيه في الحكومة الإسلامية، ج 3، ص 3. وخاتمة كتاب الدرّ النضيد في الاجتهاد والتقليد( م)

أسرار الملكوت ج۳

241
  • وهذا هو السر المشار إليه في بيانات وكتابات ومؤلفات العرفاء بالله. إنَّ منشأ كلمات وأفعال أولياء الله ليس الهوى والهوس حتّى يقوموا بتغيير فتاويهم باستمرار بدواعي المصالح الدنيويّة وما تتطلّبه السياسة، بل هو النور والبوارق الإلهيّة النازلة على قلوبهم من عالم القدس الذي يعكسونه على مخاطبيهم غير عابئين بقبولهم له أو ردّهم إيّاه، حيث قال تعالى: (وَ ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ)1.

  • وعلى هذا الأساس فإنَّ الأمر المهمّ للغاية في كلمات وخطب أولياء الله هو أنَّ كلامهم الحقّ وحديثهم الصادق وفعلهم الصائب منبعث من ذات وحاقّ نفسهم المتّصلة بالمبدأ و من قلبهم المرتبط بالله تعالى؛ بعكس أحاديث وكلمات الآخرين، حتّى لو كانت صحيحةً وصائبةً.

  • بناء على هذا، فإذا ما أراد السالك أن يستمع موضوعًا صادقًا وكلامًا حقًا، فعليه أن يستمع إلى ذلك من عبارات العرفاء بالله لا غيرهم، ما دام ذلك ممكنًا، وإذا أراد أن يتّخذ لنفسه منهجًا يسير عليه، فعليه أن يستنبط ذلك من بين كلمات الأولياء ومن آثار العرفاء الإلهيّين.2

  • إنَّ الاستماع إلى أقوال العرفاء ومطالعة آثارهم يجلي الروح ويُطهّر القلب، ويُزيح عنه الرّين ويُقلّل من تعلّق الإنسان بالدّنيا وزخارفها، ويفتح نوافذ القلب لاستقبال نفحات عالم الانس، ويفتح الفكر ويُنيره بأنوار الجمال، ويُوضّح الطريق للسالك ويُمهّده رافعاً الشبهات والدعايات المغرضة والشائعات والأمور السياسية والاجتماعية، ويكون سدًّا بوجه خداع الآخرين وإغوائهم، ويحفظه من سطوة شياطين الإنس والجن.

  • بعد ارتحال المرحوم الوالد- رحمة الله عليه- قال بعض تلامذته:

  • لا حاجة لنا للارتباط بأحد، فإنَّ ما بين أيدينا من آثار المرحوم العلّامة وما

    1. سورة النور( 24)، ذيل الآية 54.
    2. قال أحد الأساتذة الجامعيين في الفلسفة، وهو كاتب معروف، لأحد أصدقائنا:« نحن لا نعرف السرّ الكامن في مؤلفات العلّامة الطهراني، إذ إنَّه عندما يقرأ الإنسان تلك الكتب يجد أنَّها تستقر في قلبه ونفسه، والحال أننا قرأنا تلك المواضيع من قبل وذكرناها في مؤلفاتنا؛ إلّا إنَّه ليس لها ذلك التأثير على القارئ».

أسرار الملكوت ج۳

242
  • حصلنا عليه في فترة ملازمتنا إياه يكفينا في مواصلة حركتنا في السير والسلوك.

  • وهم بذلك قد ساروا على نفس النهج المذموم لتلك المجموعة من تلامذة المرحوم الأنصاريّ الهمداني- رضوان الله عليه- والذي ذكره المرحوم الوالد في كتاب الروح المجرّد؛ إذ قالوا بأنَّه لا حاجة لنا إلى أستاذ بعد المرحوم الأنصاري، وأنَّ روحه مشرفة ومسيطرة علينا وعلى أفعالنا. ولكنّ هذا المنطق منطقٌ خاطئ؛ لأنَّ النفس الإنسانيّة وإن حصل لها إشراف واطّلاع على بعض الأمور، إلّا إنَّها ما دامت لم تصل إلى مقام الثبات والاطمئنان والاستقرار بعد، فإنَّها لا تستطيع بمفردها أن تستنقذ نفسها عند وقوعها في خضمّ الشكوك والشبهات والتعلّقات المختلفة؛ ولا تستطيع تشخيص المسير الصحيح من السقيم، ولا معرفة المجاز من الحقيقة، ولا التمييز بين الاعتبار والتوهّم والتخيّل وبين واقع الأمر. لذا فقد شوهد كيف انحرف هؤلاء الأفراد وسلكوا طريق الضلالة وابتلوا بسوء عاقبة هذا النهج.

  • بناء على هذا فعلى السالك المبادرة إلى قراءة الكتب الأخلاقية، كالكتاب الشريف بحر المعارف للمولى عبد الصمد الهمداني- رحمة الله عليه- وجامع السعادات للمرحوم النراقي، وكذلك الكتاب الشريف معراج السّعادة وسائر الكتب الأخلاقية للعلماء الرّبانيين والأولياء الإلهيين. ولا يتصوّر أنَّ مجرد العمل بالأذكار والأوراد سيوصله إلى المقصد، دون الحاجة معه إلى التعلّم.

  • د. ضرورة مطالعة أشعار الأولياء

  • وعلى السالك ألّا يغفل كذلك عن قراءة أشعار الأولياء الإلهيين من أجل إنعاش القلب وانبساط الروح والاستفادة من طريقة وممشى العرفاء الإلهيين.

  • إنَّ مطالعة الديوان الفريد والدُّرّة النادرة لمولانا جلال الدّين الرومي البلخي- أعلى الله مقامه- يعتبر من أوجب الواجبات لسالكي طريق الله1، وكل سالك لا يوفّق لمطالعة هذا البحر الموّاج والتدقيق والتأمل فيه يُصاب بالخسران العظيم والندم على الحرمان من

    1. يعرف ديوانه رحمه الله باسم« المثنوي».

أسرار الملكوت ج۳

243
  • تلك النِعم والعنايات الخاصة. كما إنَّه لا حاجة للتأكيد والإصرار على قراءة ديوان حافظ الشيرازي وابن الفارض، وكذلك سائر العرفاء بالله مثل شمس المغربي وبابا طاهر العريان والشيخ محمود الشبستري وغيرهم.

  • إنَّ قراءة أشعار العرفاء، علاوة على ما تتضمّنه من جانب التربية والتعليم والدلالة على الطريق وتبييّن معوقاته وتوضيح منازل السير، فإنَّها تبعث على انبساط القلب وطراوة الروح وإنعاش النفس. وعلى السالك أن يقرأ في كل يوم مقدارًا من أشعار هؤلاء الأولياء والعرفاء، وعليه التّدبر والتّأمل والتعمّق في معانيها وما تتضمّنه من حقائق؛ كما عليه أن يسعى قدر الإمكان إلى العمل بما جاء فيها من تعليمات وبرامج، دون الاكتفاء بمجرّد قراءة الأشعار والابتهاج والتلذّذ بها.

  • كان الحقير يُشاهد المرحوم الوالد- قدّس سرّه- ولمرات عديدة يطالع ديوان المرحوم الميرزا حبيب الله الخراساني- رحمة الله عليه- في أوقات فراغه، وكان يأمر بعض تلامذته بين الفترة والأخرى بقراءة تلك الأشعار له بلحنٍ جميل.

  • كما كان يأمر القرّاء من ذوي الصوت الجميل بقراءة أشعار حافظ الشيرازي ومولانا شمس المغربي والحاج الميرزا حبيب الله الخراساني وفؤاد الكرماني ونيّر التبريزي وغيرهم في مجالس الذكر والورد والاحتفالات في المناسبات المختلفة؛ وذلك لتعطير تلك المجالس وبثّ السرور فيها وإنعاش القلوب وريّ ظمأ الأرواح.

  • وكان المرحوم الحدّاد- رضوان الله عليه- يقرأ في مجالسه وبصوت ساحر أشعار حافظ الشيرازي وبابا طاهر العريان وشمس المغربي ومولانا جلال الدّين محمّد البلخي وابن الفارض المصري، بحيث ينجذب ويذوب الحاضرون بجمال صوته الملكوتي؛ وكان يبدو وكأنَّه هو الذي يطوي الآن تلك العوالم وينقل ما يراه هناك من قضايا إلى الحاضرين، وكان ولههُ وابتهاجهُ بحقائق ومعاني تلك الأشعار غير قابلٍ للوصف، حيث كانت البهجة والسرور والعشق والحرارة تُحيط بشراشر وجوده وأعضاء بدنه، كما كان الحماس والانجذاب يشاهَد في كل ذرّة من ذرّات بدنه، وكان يقوم أحيانًا بتوضيح وتفسير بعض الأبيات أيضًا.

أسرار الملكوت ج۳

244
  • كان المرحوم الوالد- قدّس سرّه- يستمع في الكثير من اللّيالي بعد عودته من المسجد إلى الأشعار والأدعية التي كانت قد سُجّلت بأصوات أصدقائه، ويبقى هكذا صامتًا متفكرًا ومتدبِّرًا في معانيها ولطائفها ودقائقها إلى مقدارٍ من الليل. وكان يوصي تلامذته بعدم إهمال قراءة الأشعار بصوتهم في الخلوة والهدوء؛ وألّا يحرموا أنفسهم من فوائد هذه النّعمة واللّطف الإلهي.

  • يقول المرحوم القاضي قدّس سرّه:

  • إنّ من يحفظ أشعار تائية ابن الفارض ويداوم على قراءتها، فمن المستحيل ألّا يتوقّد العشق والمحبة الإلهية في قلبه وضميره، وألّا تسوقه للحركة إلى ذات الله.1

  • ويقول المرحوم الحدّاد رضوان الله عليه:

  • قال المرحوم القاضي: «لقد قرأت كتاب المثنوي المعنوي ثمان مرّات، وفي كل مرةٍ كان ينكشف لي أمر لم أكن أعرفه من قبل»2.

  • وقال المرحوم الوالد:

  • بينما كان المرحوم الشيخ الملّا حسين قلي الهمداني مارّا في أحد الشوارع؛ إذ وقع بصره على مجموعة من الشبّان مجتمعين حول بعضهم ومشغولين باللّهو واللّعب وعزف الموسيقى والضرب على آلات الطرب. فذهب المرحوم الشيخ نحوهم وقال: «هل تسمحون لي بالانضمام إليكم؟»، فقبلوا ذلك وقالوا: تفضّل، ولكن ما نحن عليه لا يتناسب مع وضعك. فقال المرحوم الشيخ: «لا بأس بذلك، فلنجلس مع بعضنا ولنقرأ الشعر»، فقالوا إذا كان الأمر كذلك، فلتقرأ أنت الشعر وعلينا العزف والإيقاع.

  • فقال المرحوم الشيخ: «حسنًا جدًا» وبدأ بقراءة أشعار الإمام الهادي عليه

    1. مطلع أنوار( فارسي)، ج 2، ص 117.
    2. نفس المصدر؛ أفق الوحي( فارسي)، ص 410 و 670؛ حريم القدس، ص 23.

أسرار الملكوت ج۳

245
  • السلام في مجلس المتوكّل العبّاسي، عندما دعاه إلى مجلس شراب الخمر وطلب من الإمام أن يشرب كأسًا، فقال الإمام: «ما خامرت لحمي ودمي قط! وإنا أهل بيت ما خامرت لحومنا ودماءنا ساعة قط فأعفني».

  • فقال المتوكّل: فإذا لم تشرب من كأسنا فأنشدني شعرًا ليكتسب مجلسنا الحيوية، بينما نشتغل نحن بالأكل والاستمرار بشرب الخمر.

  • فأنشده الإمام الهادي عليه السلام بداهة، فقال:

  • باتوا على قلل الأجبال تحرسهم***غلب الرجال فلم تنفعهم القلل

  • واستُنزلوا بعد عزّ من معاقلهم***وأسكنوا حفرًا يا بئسما نزلوا

  • ناداهم صارخٌ من بعد دفنهم***أين الأساور والتيجان والحلل؟

  • أين الوجوه التي كانت منعّمة***من دونها تُضرب الأستار والكلل؟

  • فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم***تلك الوجوه عليها الدود تقتتل!

  • قد طال ما أكلوا دهراً وقد شربوا***وأصبحوا اليوم بعد الأكل قد أكلوا 1

  • وعندما انتهى الإمام من قراءة الشعر، بكى المتوكّل وكسَّرَ كؤوس الشراب واعتذر من الإمام وأعاده.

  • بدأ المرحوم الشيخ بقراءة هذه الأبيات كذلك، وبدأ الشبّان بعزف الموسيقى، ولكن لم تمض سوى لحظات حتى ألقوا آلات الموسيقى إلى الأرض وانهمرت الدموع من أعينهم، وعند انتهاء الشيخ من قراءة الشعر، نهضوا جميعًا وكسّروا آلات الطرب والّلهو ووقعوا على يدَي المرحوم الشيخ ورجلَيه يقبّلونها وأصبحوا من خواصّ تلامذته السلوكيين.2

  • أجل، إنّ الحديث يطول عن قراءة أهل المعرفة وإنشادهم وسماعهم للأشعار الجميلة الأخّاذة ذات المضامين الرفيعة في المعارف الإلهية والأخلاق، ولقد كان

    1. بحار الأنوار، ج 50، ص 211؛ الديوان المنسوب إلى أمير المؤمنين عليه السلام، ص 321.
    2. مطلع أنوار( فارسي)، ج 3، ص 44.

أسرار الملكوت ج۳

246
  • المرحوم الوالد المعظّم- قدّس سرّه- يؤكّد على ذلك كثيرًا، وكان يقرأ في كثير من الأوقات في الخلوة أشعار المغربيّ ومولانا جلال الدّين الروميّ وحافظ الشيرازيّ بصوتٍ عذبٍ، كما كان يقرأ الكثير من الغزليّات عن ظهر قلب.

  • الثاني: رفيق الطريق الخبير و شريك المسير الصالح

  • تمّ إلى هنا الحديث بإجمال عن كيفيّة مطالعة السالك وتعرّفه على موازين وأصول السير والسلوك، وسنتوسّع في الحديث عن هذه المواضيع في الأجزاء القادمة بحول الله وقوّته، وسيكون لنا حديثٌ حيثما كان السياق مناسبًا.

  • أ. أهميّة الرفيق الصالح

  • وأما الأمر الآخر الشديد الأهميّة والذي يجب على السالك أن يوليَه اهتمامه البالغ؛ فهو رفيق الطريق وشريك المسير والصاحب الملائم، حيث يهتمّ كافة الأولياء الإلهيون وأهل التربية والمعرفة بذلك ويؤكّدون عليه كثيرًا.

  • إنَّ رفيق الطريق في السير والسلوك أهمّ للسالك من قُوتِ يومه، وأوجب له من أيّ شيء آخر. وإنَّ أهمّية هذا الأمر لا تكمن في مسائل الأنس والألفة ورفع الضجر؛ بل هي لغرض الهداية والإرشاد عند تعرّضه للشُبهات والأمور المبهمة؛ فالرفيق هو ذلك الشخص الذي يتابع أمور صديقه بشكل مستمر، ويُنبّهه عند الشبهات ويدلّه ويهديه إلى الطريق الصحيح. كما قال بعض الحكماء: «صَديقُكَ مَنْ صَدَقكَ لا مَنْ صَدَّقكَ».1

  • على السالك أن يحصر علاقته بغير السالكين بحدود الأمور الضروريّة وما تقتضيه شؤون الحياة اليوميّة؛ وأن يصبَّ جلّ اهتمامه على علاقته وأُنسه وأُلفته برفيق طريقه، أي الذي يشاطره العمل بموازين السلوك، والملتزم بأسس المعرفة، والذي يحثه دائمًا على السير في طريق الآخرة وتحصيل رضا الله، والذي تكون مجالسته باعثة على الانبساط والنشاط وطمأنينة النفس والروح، والذي يحذّره من الدنيا وزخارفها، ويبدّد طمعه في

    1. لم يتم العثور على هذه العبارة في كتب الروايات، ولكنّها ذكرت في كشكول الشيخ البهائي، ج 1، ص 136؛ وج 3، ص 1؛ وفي الكثير من الكتب نقلًا عن الحكماء.( م)

أسرار الملكوت ج۳

247
  • الماديّات والأمور الاعتباريّة والتوهّمات والتخيّلات، وأن يجعله محرم أسراره، ويستمدّ العون من روحه ونفسه في طيّ الطريق.

  • إنَّ للرفيق من الأهميّة والتأثير الكبيرين بحيث قال العظماء: «الرَّفيقُ ثُمَّ الطَّريق»1.

  • ويقول أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة:

  • «أعجز الناس من عجز عن اكتساب الإخوان، وأعجز منه من ضيّع من ظفر به منهم».2

  • يجب أن يكون الهدف من وراء اختيار الرفيق هو طيّ الطريق والسلوك إلى الله لا غير، وألّا يضمَّ إلى ذلك أيّ قصد آخر. وإذا ما أضمر الرفيق في نفسه هدفًا آخر من قبيل المال، الوجاهة، الشهرة، كسب المعاش والشغل وسائر الأمور الدنيوية، فإنَّ الله سيجعل ذلك وبالًا عليه وسببًا للفضيحة والذلّة.

  • لذا يجب أن يكون غرض السالك في اختياره للرفيق هو الله لا منزلة ومكانة ذلك الرفيق؛ لأنَّ هكذا علاقات تليق بالأمور الاجتماعيّة والارتباطات بين الدنيويّين والماديّين من عامة الناس.

  • إنَّ الرفيق في ارتباطه بالله، يجعل رفاقه دائمًا شركاء وملازمين ومصاحبين له؛ فإذا ما ناله فيض من الله، فسيكون لهم نصيب منه. فعند دعائه تتحقّق الاستجابة بحقّ رفيقه، وعند زيارته يُسجَّلُ لرفيقه ثواب زيارةٍ، وعند تصدّقه يُحسَبُ لرفيقه مثلها؛ وهكذا ....

  • ب. صفات الرفيق الذي ينبغي اتّخاذه

  • بناءً على ما تمّ ذكره، فإنَّ الرفيق هو ليس من يُضفي على نفسه اسم السالك، ويعدّ نفسه في المجالس والمحافل تلميذًا لهذه المدرسة وتابعًا لها، بل هو الملتزم بمبادئ

    1. نقل الشيخ المفيد هذه العبارة عن لقمان الحكيم في الاختصاص، ص 336؛ ولكنّها نُقلت عن الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم في محاسن البرقي، ج 2، ص 357؛ وبحار الأنوار، ج 73، ص 267.( م)
    2. نهج البلاغة( عبده)، ج 4، ص 140.

أسرار الملكوت ج۳

248
  • وأُسس السير والسلوك، الذي يكون قد اجتاز الامتحانات في المواقف المختلفة والظروف المتنوعة، وتكون علاقته مع الآخرين مبنيّة فقط على أساسٍ إلهيّ لا غير.

  • ولهذا قال العظماء:

  • إنَّ سلوك طريق الله بمعيّة رفيق موافق يكون أكثر سهولةً وتمهيدًا من سلوكه بدون صديق ورفيق مصاحب.

  • فعلى السالك أن ينتخب له أصدقاء من الذين لديهم الدافع للسير والحركة إلى الله والذين يعدّون أنفسهم من أتباع هذا المسير والنهج، بحيث تكون مجالستهم باعثةً على نشاط الروح وانبساط القلب، وموجدةً للحماس والعشق والشوق إلى الله.

  • لا ينبغي أن يكون رفيق السالك من أهل الشكّ والوسوسة وسوء الظن، ولا يكون ذا نظرة سلبية للأمور؛ لأنّ مجالسة هكذا أشخاص تكون باعثة على الّلامبالاة والإحباط والسأم.

  • بل على العكس، عليه من خلال إيجابيّته وبثّه روح النشاط والأمل ووجهه الباسم الودود، أن يبعث على تثبيت الأقدام والاستقامة في المسير وبثّ الطمأنينة في القلب، وأن ينظر إلى الأشخاص بحسن الظّن، وألّا يُظهر اليأس وفقدان الأمل في الحوادث الواقعة، وألّا يجعل الآخرين يتشاءمون وييأسون ويُحبطون من مآل السير وعاقبته، وألّا يُحمّلهم تبعات تقصير الآخرين، وألّا يجعل توقّف البعض أو انحرافهم حكمًا عامًّا شاملًا للجميع؛ بل عليه أن ينظر إلى الأمور بنظرة إيجابية، وأن يبادر دائمًا بالحديث عن الأحداث المشوّقة والباعثة للأمل.

  • على السالك أن ينتخب رفيقًا للأُنس والمجالسة والحديث يكون مهتمًّا دائمًا بمنع تسلّل الشبهات ورفعها عند حصولها وتوضيح الإبهامات، ويعمل على جلاء الحزن والغمّ عن وجه رفيقه بكلماته وتصرفاته الجذّابة، ويكون ممن لا يُحمّل رفيقه مشاكله ولا يُعيق سيره.

أسرار الملكوت ج۳

249
  • وعلى السالك ألّا يكتفي في مجال اختيار الرفيق بمجرّد ما يُبديه من ابتسامات وتواضع وكسر للنفس وودٍّ مرحليٍّ سريع الزوال وإظهار للمودّة والمحبّة؛ لأنَّ هذه الأمور قد تتغيّر عاجلًا أم آجلًا إثر تذبذبات الأحداث والظروف المختلفة، ممّا يجعل الإنسان يقع في حيرة ودهشة وإحباط؛ بل عليه الفحص عن مستوى فهمه وإدراكه وبصيرته، ومقدار رسوخ ونفوذ أُسس ومبادئ السير والسلوك في قلبه، وانعكاسها على تصرّفاته، وعليه أن يُوكل أمره إلى الله في كلّ الأحوال، ويستمدّ منه وحده، ويعلم أنّه هو وحده الذي سيدومُ له، كما يقول في الآية الشريفة: (كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ)1

  • إلى هنا نصل إلى نهاية الجزء الثالث من كتاب أسرار الملكوت، ونأمل أن نقدّم إلى أتباع مدرسة التوحيد بالحق مزيدًا من البيان والتوضيح حول هذه المواضيع في الأجزاء القادمة حسبما يقتضيه المقام، وما تَوفيقُنا إلّا بِاللهِ عليهِ تَوكَّلتُ وإليهِ أُنيب.

  • مدينة قم الطيّبة، ليلة الخامس والعشرين من جمادي الثاني لسنة 1433 للهجرة

  • وأنا الرّاجي عفوَ ربّهِ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ

    1. سورة القصص( 28)، جزء من الآية 88.