5

ضرورة النبوّة في تفسير الميزان (3)

قصّة نوح والشريعة الأولى

15
مشاهدة المتن

المؤلّفالهیئة العلمیة لموقع مدرسة الوحي

القسم العقائد

المجموعةبحوث من تفسير الميزان، البحوث الكلاميّة

العدد التسلسلي5

مقالات مجموعة (6 مقالة)

التوضيح

كيف يضمن الإنسان كماله وسعادته مع ما تؤدّيه إليه فطرته من النزاع والاختلاف؟ وهل يكفي العقل العمليّ لضبط بوصلة المجتمع والحدّ من الاختلافات، أم أنه يدعو بطبعه إلى الانتفاع والاستغلال؟ وكيف يقتضي الكمال التكوينيّ والعناية الإلهيّة إنقاذ البشريّة من نزاعاتها؟ ألا يحتاج البشر إلى طريق يستند إلى التشريع الغيبيّ لرفع الخصومة ورسم منهج الاستقامة؟ يجيب العلاّمة الطباطبائي رضوان الله عليه عن ذلك لإثبات ضرورة النبوّة والحاجة إليها.

/۵
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

ضرورة النبوّة في تفسير الميزان (۳) - قصّة نوح والشريعة الأولى

1
  •  

  • هو العليم

  •  

  • ضرورة النبوّة في تفسير الميزان (٣)

  • قصّة نوح والشريعة الأولى

  •  

  • بحوث من تفسير الميزان، البحوث الكلاميّة، أبحاث النبوّة، البحث الخامس 

  •  

  • إعداد: الهيئة العلميّة في مدرسة الوحي

  •  

  • المصدر: تفسير الميزان ج۱۰

  •  

  •  

ضرورة النبوّة في تفسير الميزان (۳) - قصّة نوح والشريعة الأولى

2
  •  

  •  

  • بسم الله الرحمن الرحيم

  • الحمد للّه ربّ العالمين 

  • وصلّى الله على سيّدنا ونبيّنا محمّد وعلى آله الطيّبين الطاهرين

  • ولعنة الله على أعدائهم أجميعن إلى قيام يوم الدين

  •  

  • ‌ 

  • [بعد تفسير الآيات حول قصّة نوح عليه السلام في سورة هود، عقد المرحوم العلاّمة مجموعة من البحوث التاريخيّة والفلسفيّة والكلاميّة والاجتماعيّة، والقرآنيّة، اقتُطع منها ما يرتبط بضرورة النبوّة:]

  • قصّة نوح والشريعة الأولى 

  • كان الناس بعد آدم (عليه السلام) يعيشون أمّة واحدة على بساطة و سذاجة، و هم على الفطرة الإنسانيّة حتّى فشا فيهم روح الاستكبار و آل إلى استعلاء البعض على البعض تدريجيًّا و اتخاذ بعضهم بعضًا أربابًا، و هذه هي النواة الأصلية التي لو نشأت و اخضرّت و أينعت لم تثمر إلا دين الوثنيّة و الاختلاف الشديد بين الطبقات الاجتماعيّة باستخدام القويّ للضعيف، و استرقاق العزيز و استدراره للذليل، وحدوث المنازعات و المشاجرات بين الناس.

  • فشاع في زمن نوح (عليه السلام) الفساد في الأرض، و أعرض الناس عن دين التوحيد و عن سنة العدل الاجتماعي و أقبلوا على عبادة الأصنام، و قد سمى الله سبحانه منها ودا و سواعا و يغوث ويعوق و نسرا (سورة نوح) 

  • و تباعدت الطبقات فصار الأقوياء بالأموال و الأولاد يضيعون حقوق الضعفاء، و الجبابرة يستضعفون من دونهم و يحكمون عليهم بما تهواه أنفسهم (الأعراف هود نوح) .

  • فبعث الله نوحًا (عليه السلام) و أرسله إليهم بالكتاب و الشريعة يدعوهم إلى توحيد الله سبحانه و خلع الأنداد و المساواة فيما بينهم (البقرة آية ٢١٣) بالتبشير و الإنذار.۱

  • النبوّة حاجة واقعيّة

  • إنّ النبوّة إنما ظهرت في المجتمع الإنساني عن حاجة واقعيّة إليها و رابطة حقيقيّة بين الناس و بين ربّهم، و هي تعتمد على حقيقة تكوينيّة لا اعتباريّة جزافيّة.

  • النبوّة والقانون الإلهي في تكميل المخلوقات 

  • فإنّ من القوانين الحقيقيّة الحاكمة في نظام الكون ناموس تكميل الأنواع و هدايتها إلى غاياتها الوجوديّة، و قد قال تعالى: ﴿اَلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَ اَلَّذِي قَدَّرَ فَهَدى ﴾٢ و قال‌ ﴿اَلَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْ‌ءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾٣. فكلّ نوع من أنواع الكون متوجه منذ أول تكوّنه إلى كمال وجوده و غاية خلقه الذي فيه خيره و سعادته، و النوع الإنساني أحد هذه الأنواع غير مستثنى من بينها فله كمال و سعادة يسير إليها و يتوجّه نحوها أفراده فرادى و مجتمعين.

    1.  تفسير الميزان ج۱۰، ص ٢٤۸.
    2. سورة الأعلى، الآية ٣.
    3. سورة طه، الآية ٥٠.

ضرورة النبوّة في تفسير الميزان (۳) - قصّة نوح والشريعة الأولى

3
  • لماذا يحتاج الإنسان في كماله إلى قوّة خارجة عنه؟

  • و من الضروري عندنا أنّ هذا الكمال لا يتمّ للإنسان وحده لوفور حوائجه الحيوية و كثرة الأعمال التي يجب أن يقوم بها لأجل رفعها، فالعقل العمليّ الذي يبعثه إلى الاستفادة من كلّ ما يمكنه الاستفادة منه واستخدام الجماد و أصناف النبات و الحيوان في سبيل منافعه يبعثه إلى الانتفاع بأعمال غيره من بني نوعه.

  • غير أنّ الأفراد أمثال و في كلّ واحد منهم من العقل العمليّ و الشعور الخاصّ الإنسانيّ ما في الآخر، ويبعثه من الانتفاع إلى مثل ما يبعث إليه الآخرَ ما عنده من العقل العمليّ، و اضطرّهم ذلك إلى الاجتماع التعاونيّ بأن يعمل الكلّ للكلّ، و ينتفع من عمل الغير بمثل ما ينتفع الغير من عمله، فيتسخّر كلّ لغيره بمقدار ما يسخّره، كما قال تعال ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي اَلْحَيَاةِ اَلدُّنْيَا وَ رَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا﴾۱.

  • الإنسان مدنيّ بالطبع مضطرّ للمجتمع

  • و هذا الذي ذكرناه من بناء الإنسان على الاجتماع التعاونيّ اضطراريّ له، ألزمه عليه حاجة الحياة وقوّة الرقباء، فهو في الحقيقة مدنيّ تعاوني بالطبع الثاني٢، و إلا فطبعه الأوليّ أن ينتفع بكلّ ما يتيسّر له الانتفاع حتّى أعمال أبناء نوعه، و لذلك مهما قوي الإنسان و استغنى و استضعف غيره عدا عليه و أخذ يسترقّ الناس و يستثمرهم من غير عوض، قال تعالى: ﴿إِنَّ اَلْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾٣ و قال ﴿إِنَّ اَلْإِنْسَانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اِسْتَغْنى إِنَّ إلى رَبِّكَ اَلرُّجْعى ﴾٤.

  • حاجة المجتمع إلى قوانين

  • و من الضروري أن الاجتماع التعاوني بين الأفراد لا يتم إلا بقوانين تحكم فيه و حفّاظ تقوم به٥، و هذا مما استمرّت سيرة النوع عليه، فما من مجتمع من المجتمعات الإنسانيّة كاملاً كان أو ناقصًا، راقيًا كان أو منحطًّا إلا و يجري فيه رسوم و سنن جريانًا كليًّا أو أكثريًّا، و التاريخ و التجربة و المشاهدة أعدل شاهد في تصديقه و هذه الرسوم و السنن ـ و إن شئت فسمّها القوانين ـ هي موادّ و قضايا فكريّة تطبّق عليها أعمال الناس تطبيقًا كليًّا أو أكثريًّا في المجتمع، فينتج سعادتهم حقيقة أو ظنًّا، فهي أمور متخلّلة بين كمال الإنسان و نقصه، و أشياء متوسّطة بين الإنسان و هو في أول نشأته و بينه و هو مستكمل في حياته عائش في مجتمعه تهدي الإنسان إلى غاية وجوده فافهم ذلك.

    1. سورة الزخرف، الآية ٣٢.
    2.  انظر تفصيل ذلك في تفسير الميزان ج٢ ص ۱۱۷. والبحث المنتخب تحت عنوان: كيف بدأت حياة الإنسان الاجتماعيّة؟ 
    3. سورة إبراهيم، الآية ٣٤.
    4. سورة العلق، الآية ٨.
    5. هكذا كانت: بقوانين يحكم فيها و حفاظ تقوم بها. (م)

ضرورة النبوّة في تفسير الميزان (۳) - قصّة نوح والشريعة الأولى

4
  • النتيجة: ضرورة هداية الإنسان إلى كماله

  • و قد عُلِم أنّ من الواجب في عناية الله أن يهدي الإنسان إلى سعادة حياته و كمال وجوده على حدّ ما يهدي سائر الأنواع إليه، فكما هداه بواجب عنايته من طريق الخلقة و الفطرة إلى ما فيه خيره و سعادته، و هو الذي يبعثه إليه نظام الكون و الجهازات التي جهّز بها إلى أن يشعر بما فيه نفعه و يميّز خيره من شره وسعادته من شقائه كما قال تعالى: ﴿وَ نَفْسٍ وَ مَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَ تَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَ قَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾۱، يهديه بواجب عنايته إلى أصول و قوانين اعتقاديّة و عمليّة يتمّ له بتطبيق شئون حياته عليها كماله و سعادته، فإنّ العناية الإلهيّة بتكميل الأنواع بما يناسب نوع وجودها توجب هذا النوع من الهداية كما توجب الهداية التكوينيّة المحضة.

  • لماذا لا يكفي العقل لهداية الإنسان؟ 

  • و لا يكفي في ذلك ما جهّز به الإنسان من العقل ـ و هو هاهنا العمليّ منه ـ فإنّ العقل كما سمعت يبعث نحو الاستخدام و يدعو إلى الاختلاف، و من المحال أن يفعل شي‌ء من القوى الفعاّلة فعلين متقابلين، ويفيدَ أثرين متناقضين، على أنّ المتخلّفين من هذه القوانين و المجرمين بأنواع الجرائم المفسدة للمجتمع كلّهم عقلاء ممتّعون بمتاع العقل مجهّزون به.

  • فظهر أنّ هناك طريقًا آخر لتعليم الإنسان شريعة الحقّ و منهج الكمال و السعادة غير طريق التفكّر والتعقّل و هو طريق الوحي، و هو نوع تكليم إلهيّ يعلم الإنسان ما يفوز بالعمل به و الاعتقاد له في حياته الدنيويّة و الأخرويّة.

  • شبهة حول ضرورة النبوّة: عصيان الناس للنبوّة كعصيانهم العقل وعدم تأثّرهم بالوحي

  • فإن قلت: الأمر سواء؛ فإنّ شرْعَ النبوة لم يأت بأزيد مما لو كان العقل لأتى به؛ فإنّ العالم الإنسانيّ لم يخضع لشرائع الأنبياء كما لم يصغ إلى نداء العقل، و لم يقدر الوحي أن يدير المجتمع الإنسانيّ و يُركبه صراط الحقّ فما هي الحاجة إليه؟! 

  • قلت: لهذا البحث جهتان: 

  • ـ جهة أنّ العناية الإلهيّة من واجبها أن تهدي المجتمع الإنسانيّ إلى تعاليم تسعده و تكمّله لو عمل بها وهي الهداية بالوحي و لا يكفي فيها العقل.

    1. سورة الشمس، الآية١٠.

ضرورة النبوّة في تفسير الميزان (۳) - قصّة نوح والشريعة الأولى

5
  • ـ وجهة أنّ الواقع في الخارج و المتحقّق بالفعل ما هو؟ 

  • و إنما نبحث في المقام من الجهة الأولى دون الثانية، و لا يضرّ بها أنّ هذه الطريقة لم تجر بين الناس إلى هذه الغاية إلا قليلاً. و ذلك كما أنّ العناية الإلهيّة تهدي أنواع النبات و الحيوان إلى كمال خلقها و غاية وجودها، و مع ذلك يسقط أكثر أفراد كلّ نوع دون الوصول إلى غايته النوعيّة، و يفسد و يموت قبل البلوغ إلى عمره الطبيعي.

  • و بالجملة فطريق النبوّة مما لا مناص منه في تربية النوع بالنظر إلى العناية الإلهيّة، و إلا لم تتمّ الحجة بمجرّد العقل، لأنّ له شغلاً غير الشغل، و هو دعوة الإنسان إلى ما فيه صلاح نفسه، و لو دعاه إلى شي‌ء من صلاح النوع فإنّما يدعوه إليه بما فيه صلاح نفسه، فافهم ذلك و أحسن التدبّر في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إلى نُوحٍ وَ اَلنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَ أَوْحَيْنَا إلى إِبْرَاهِيمَ وَ إِسْمَاعِيلَ وَ إِسْحَاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ اَلْأَسْبَاطِ وَ عِيسى وَ أَيُّوبَ وَ يُونُسَ وَ هَارُونَ وَ سُلَيْمَانَ وَ آتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً وَ رُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَ رُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَ كَلَّمَ اَللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اَللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ اَلرُّسُلِ وَ كَانَ اَللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾۱.

  • فمن الواجب في العناية أن ينزل الله على المجتمع الإنسانيّ دينًا يدينون به و شريعة يأخذون بها في حياتهم الاجتماعيّة، دون أن يخصّ بها قومًا و يترك الآخرين سدى لا عناية بهم، و لازمه الضروريّ أن يكون أوّل شريعة نزلت عليهم شريعة عامّة.

  • و قد أخبر الله سبحانه عن هذه الشريعة بقوله عزّ من قائل: ﴿كَانَ اَلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اَللَّهُ اَلنَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ وَ أَنْزَلَ مَعَهُمُ اَلْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ اَلنَّاسِ فِيمَا اِخْتَلَفُوا فِيهِ﴾٢، فبيّن أنّ الناس كانوا أول ما نشؤوا و تكاثروا على فطرة ساذجة لا يظهر فيهم أثر الاختلافات و المنازعات الحيويّة، ثمّ ظهر فيهم الاختلافات؛ فبعث الله الأنبياء بشريعة و كتاب يحكم بينهم بالحقّ فيما اختلفوا فيه، و يحسم مادة الخصومة و النزاع.٣

    1. سورة النساء، الآية ١٦٥.
    2. سورة البقرة، الآية ٢١٣.
    3.  تفسير الميزان، ج۱۰، ص ٢٦۰ ـ ٢٦٣. وراجع تفصيل الكلام في هذه آية كان الناس أمّة واحدة... في: تفسير الميزان، ج‌٢، ص: ۱۱٢ فما بعد والبحوث المنتخبة تحت عناوين: 
      ۱ـ ضرورة النبوّة في تفسير الميزان (۱)
      ٢ـ ضرورة النبوّة في تفسير الميزان (٢)
      ٣ـ كيف بدأت حياة الإنسان الاجتماعيّة؟
      ٤ـ النزاع الاجتماعيّ الأوّل (كيف عالجه الله؟)
      ٥ـ سبع حقائق حول الدين والمجتمع
      ٦ـ هل أثّرت النبوّة في المجتمعات؟
      ملاحظة: هذه المقالة مقتبسة من كتاب "تفسير الميزان" للعلامة الطباطبائي (رضوان الله عليه). وقد قامت الهيئة العلمية في "مدرسة الوحي" بتحقيق النص ضمن حدود تصحيح الأخطاء الإملائية والنحوية، وإضافة العناوين أو تعديل الموجود منها (سواء من المصنّف أو المحققين) بهدف التوضيح. كما شمل العمل ترتيب الفقرات بحسب الأفكار، وإضافة هوامش توضيحية لبعض المفردات أو الأفكار الغامضة، مع الحفاظ التام على أصل المتن والإشارة الدقيقة إلى مصدره؛ وذلك لتسهيل الاستفادة من هذا السفر القيّم، واستخراج جواهره، وتسليط الضوء عليها.