المؤلّفالهیئة العلمیة لموقع مدرسة الوحي
القسم العقائد
التاريخ 1448/02/25
التوضيح
لماذا لا تلبّى بعض طلبات المتوسّلين بالإمام مع قدرته على تلبيتها؟ وماذا علينا أن نطلب من الإمام عند زيارته؟ متى يلبّي الإمام طلب الزائر؟ هل الإمام مستقلّ في ذلك؟
تجيب هذه المقالة عن تلك الأسئلة على لسان سماحة السيّد هاشم الحدّاد بتقرير وبيان العلاّمة الطهراني رضوان الله عليهما في الروح المجرّد.
هو العليم
استجابة الدعاء وكرامات الإمام الرضا (قصّة شفاء أعمى)
لماذا لا تلبّى بعض التوسّلات؟
إعداد: الهيئة العلميّة في مدرسة الوحي
المصدر: كتاب الروح المجرّد للعلاّمة الطهراني
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد للّه ربّ العالمين
وصلّى الله على سيّدنا ونبيّنا محمّد وعلى آله الطيّبين الطاهرين
واللعنة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين
[أوضح العلاّمة الطهراني رضوان الله عليه في كتابه الروح المجرّد كلام سماحة السيّد هاشم الحدّاد حول بعض الجوانب التي ترتبط بزيارة الأئمّة والإمام الرضا عليه وعليهم السلام واتصافه بغوث الأمّة وما يتوقّعه الزائر منه، وحقيقة الولاية وكيفيّة صدور المعجزة عن الإمام وأثبت أنّ جميع المخلوقات معجزات للإمام عليه السلام۱، عقد بحثًا مفصّلاً حول العلّة في عدم تحقّق بعض طلبات الزائرين رغم قدرة الإمام على تلبيتها، كما ذكر بعض الكرامات التي عاصرها ننقل أهمّها في هذه المقتطفات]
لماذا لا تلبّى بعض طلبات الناس من قبل الإمام؟
إنّ عمل أولياء الله هو عمل الحقّ، فهم قادرون على القيام بجميع الأعمال من شفاء المرضى وإحياء الموتى و إظهار المعجزات و الكرامات و خوارق العادات و التصرّف في موادّ الطبيعة و القيام بالأعمال التي لا تنسجم أبداً مع العقل التجريبيّ الحسّيّ.
لكنّ النكتة المهمّة هنا، أنّهم لا يصدر عنهم عمل غير صحيح، و لا يفعلون ما يخالف الحكمة والمصلحة، و لا يخطون خطوة في إلحاق الضرر و الأذى بالبشر، و ذلك لأنّهم بالفرض اسم الله؛ و الله لا يفعل شيئاً عبثاً و لغواً و لهواً. إنّ عمل أولياء الله الحقيقيّين من اللطافة و الدقّة و الظرافة و فقدان الاسم و الأثر و الظهور، بالقدر الذي يحصل أحياناً بدون أن يعلموا هم أنفسهم بأفعالهم، فهم يفعلون ذلك لكنّ نفوسهم و مُثُلهم تفتقد الاطِّلاع على ذلك. و لو حدثَ أن قطّعت وليّ الله إرباً إرباً، أو فصلت مفاصله واحدة واحدة، و لو سلختَ جلده عن بدنه حال حياته، لما فعل شيئاً خلاف رضا الله سبحانه.
و لذلك نرى أنّ الأئمّة الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين، مع هذه السعة في العظمة والامتداد في القدرة الروحيّة و التكوينيّة، لا يستجيبون لجميع طلبات الناس و أدعيتهم، و ذلك لعدّة أسباب:
الأوّل: إنّ أغلب أدعية الناس غير جادّة، و لا تصدر من أعماق قلوبهم. فما أكثر أدعية الناس التي تصدر للعادة و التقليد و الاستناد على الأسباب الظاهريّة و الاعتماد على الامور الاعتباريّة، و في هذه الحال فإنّ حقيقة الدعاء لا تنبع من ضمائرهم و قلوبهم؛ و لو لا ذلك فإنّ هذه الأدعية و الرغبات كانت ستستجاب في حال الاضطرار و الانقطاع الكامل.
﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَ يَكْشِفُ السُّوءَ﴾.۱
الثاني: إنّ الأدعية تنصبّ غالباً على المنافع الشخصيّة مع الإعراض عن المنافع العامّة. أي أنّ الشخص الذي يدعو، يطلب لنفسه شيئاً خاصّاً لو استجيب له فيه لاستلزم ذلك سلب ذلك الشيء منه.
فقد يتوسّل امرؤ بالإمام مثلًا فيدعو بإصرار من أجل أن يرتفع عنه ظلم جاره، مع أنّه نفسه يُلحق في بيته و باستمرار ظلماً أشدّ بزوجته لا يعلم عنه أحد شيئاً؛ فإن استجاب الله دعاءه بحقّ جاره فأهلكه، فإنّه سيكون قد ألحق الظلم و الحيف بامرأة هذا الظالم، و ذلك لأنّ ظلمه لزوجته سيدوم. و لو استجاب الله بشأن جميع الظَّلَمة بمقتضى سعة أسمائه الجلاليّة لتوجّب من ذلك أن يهلك في الوهلة الاولى نفس هذا الرجل، لأنّه يظلم امرأته في بيته!
لكنّ الإنسان يُحسن الظنّ بنفسه دوماً فلا يعد ظلمه قبيحاً، بل لا يرى ظلمه ظلماً و تعدّياً، وحينذاك يدعو لرفع ظلم الغير. و من ثمّ فإنّ أمثال هذه الأدعية لا تستجاب لأنّ مآلها هلاك جميع الظلمة من جملتهم نفس الداعي.
أغلب طلبات الناس، بخلاف مصالحهم الحقيقيّة
الثالث: إنّ أدعية الناس هي غالباً خلاف مصلحتهم، أي إنّهم يطلبون وفق فكرهم و تعقّلهم شيئاً و يلحّون في طلبه، فإن استجيب لهم فيه كان فيه ضررهم. لكنّهم -باعتبار وقوعهم في ستار الحجاب و عدم اطِّلاعهم على الأسرار- يتخيّلون في الغالب منفعتهم. و لذا فإنّ الناس غافلون عن المصالح و المفاسد المعنويّة و الحقيقيّة و يتصوّرون المصلحة و المفسدة على أساس الإفراط في الشهوة و التمتّع باللذائذ الدنيويّة الخسيسة، و اكتناز المال و الثروة و ما أشبه ذلك، سواء أدّى ذلك إلى استقرار بالهم أم إلى تعكيره، و سواء أبقي ذلك على تحرّر روحهم أم لم يبقِ، و سواء أتعبَ ذلك نفوسهم أم لم يتعبها؛ و بشكل عامّ سواء زاد ذلك في درجتهم و مقامهم العلمي و قربهم من الله سبحانه أم لم يزد؛ في حين أنّ هذا النمط من التفكير خلاف صالحهم. فكم من ملعقة من الحلويات اللذيذة كانت باعثاً على ايجاد السمّ القاتل في أبدانهم! و كم ساقتهم زيادة الثروة و اكتناز الذهب إلى الطغيان و التمرّد! و ما أكثر ما دعتهم صحّة مزاجهم و عافيتهم إلى الغفلة و المرح و الفخر! و ما أكثر ما دعتهم قدرتهم البدنيّة و البطوليّة إلى تمريغ منافسهم في التراب، و أدخلتْ إلى نفوسهم
العُجب و الغرور! و أمثال ذلك كثير. فهم سيكونون حينذاك قد جَنَوْا منفعة قليلة و مؤقّتة أعقبتهم مضرّة كثيرة و دائمة دون أن يعلموا بذلك. و عند ذلك يذهب هؤلاء المساكين إلى اللهو و اللعب، و يسمّرون أنظارهم على اللذّات الفانية لا يتعدّونها، جاهلين بالتعب و النَّصَب و التداعي الروحيّ الذي لحقهم.
ماذا نطلب من الإمام الرضا؟
كان سماحة السيّد الحدّاد قدّس الله سرّه يقول: أرى الناس في جميع المشاهد المشرّفة يُلصقون أنفسهم بالضريح و يضرعون باكين بالدعاء فيقولون: أضفْ خرقة إلى خرق لباسنا المتهرّئ ليصبح أثقل. وليس هناك مَن يقول: خذ هذه الخرقة منّي ليخفّ كاهلي و ليصبح ردائي أبسط و ألطف و أرقّ!
إنّ حاجات الناس تنصبّ غالباً على الأمور المادّيّة و لو كانت مشروعة، كأداء دَين، أو الحصول على رأس مال للتجارة و الكسب، و شراء بيت، و الزواج من فتاة، و شفاء مريض، و القيام باستضافة الناس و إطعامهم في شهر رمضان و أمثال ذلك. و هذه الامور جيّدة لو أدّت إلى قرب الإنسان وتجرّده، لا إلى زيادة شخصيّته و أنانيّته و تقوية وجوده. لأنّ تقوية الوجود هذه ستؤدّي إلى ثقل النفس وبُعدها عن سبيل الله، لا إلى خفّة النفس و انبساطها و قربها.
إنّ العمل الصالح للبشر و صلاحه الحقيقيّ هو الذي يؤدّي إلى قُربه من الله تعالى و إلى تحرير نفسه، سواء اقترن بالمنفعة الطبعيّة و الطبيعيّة أم لم يقترن.
و بعبارةٍ أخرى فإنّ مجموعة الإنسان ليست كمجموعة الحيوان و النبات و الجماد ليلحظ فيها البدن فقط، بل إنّ الإنسان يمتلك نفساً ناطقة و قابليّة للارتقاء إلى أعلى علّيّين. فإن قَصَرَ عنايته على البدن وأبهج بذلك نفسه، فقد أصابه الضرر و أيّما ضرر! فهو قد باع حقيقة وجوده و ثمرة حياته بثمن بخس، و بقي محروماً في ميدان اللهو الدنيويّ. و لو أراد الأئمّة عليهم السلام في مثل هذه الافتراضات أن يقضوا حاجات الجميع و يستجيبوا لجميع الأدعية لكانوا قد ساروا خلاف مصالحهم.
إنّ الأئمّة هم مصلحو عالم البشريّة، فهم في حكم الطبيب الذي يصف للمريض الأغذية و الأدوية المُرَّة أحياناً، و يجري له العمليّة الجراحيّة و التزريق، و ينصحه بالامتناع عن بعض الأغذية، و يداويه بالجوع أحياناً اخرى. أمّا العقلاء فيُدركون ذلك و لا يتمرّدون على تعاليم الطبيب، و أمّا الجهلة و عبدة الشهوات أو الأطفال الذين لا كافل لهم، فلا يُعيرون ذلك اذناً صاغية، و يقومون من ثمّ بحفر قبورهم بأيديهم.
ثواب المتوسّلين وقضاء حاجاتهم عند المصلحة
و بالطبع فإنّ نفس الالتجاء و الدعاء يمتلك المحبوبيّة، و هؤلاء المتوسّلون و الداعون يحصلون على أجر معنويّ، و يحسّون ببهجة و نشاط و صفاء في هذه العتبات المشرّفة و يتمتّعون بلذّة الدنيا و العبادة. و نحن نشاهد أحياناً أنّ حاجاتهم تقضى حين تقتضي المصلحة ذلك، فيشفي المرضى المشرفين على الموت و العميان و المشلولون، فيعودون إلى أوطانهم و قد نالوا مرادهم و قضيت حاجاتهم.۱
كثرة كرامات مشهد الإمام الرضا عليه السلام
أمّا بالنسبة لقضاء حوائج الناس من قِبَلِ الإمام الرضا عليه السلام فلا يتّسع له الحصر و العدّ، و الحقير يعرف بعض الأرامنة في طهران من الذين كانوا ينذرون للإمام الرضا عليه السلام لقضاء حوائجهم و يذهبون إلى مشهد المقدّسة فيصحبون معهم سجّادة أو رأساً من الغنم أو قطعة من الذهب، لأداء نذرهم.
يقول المرحوم المحدِّث القمّيّ: يقول المؤلّف: لقد ذُكرت في كتب المعجزات و خاصّة كتاب «عيون أخبار الرضا عليه السلام» تأليف الشيخ الصدوق عليه الرحمة كرامات و معجزات كثيرة للروضة المقدّسة الرضويّة على مشرّفها السلام، لا مجال لذكرها في المقام، على أنّ المعجزات و الكرامات التي تظهر في كلّ زمان هي بالقدر الذي يغني عن نقل الوقايع السابقة.٢
شفاء ثلاث مقعدات
و أقول أيضاً: و لا ينبغي أن تستبعد هذا الأمر، فتلك المعجزات و الكرامات التي ظهرت من هذه المشاهد المشرّفة و وصلت حدّ التواتر هي أكثر من أن تُحصى. و لقد حصل في شهر شوّال السابق، لسنة ألف و ثلاثمائة و ثلاث و أربعين (هجريّة قمريّة) أن أشفى ثامن الأئمّة الهداة و ضامن الامّة العصاة مولانا أبو الحسن عليّ بن موسى الرضا صلوات الله عليه في الحرم المطهّر ثلاث نساء مقعدات بالشلل و غيره، كان الأطبّاء قد عجزوا عن علاجهنّ. و هذه المعجزات لذلك القبر المطهّر قد بانت وظهرت للملأ ناصعة كالشمس في السماء الصاحية، و كان من شأنها انفتاح بوّابة النجف الأشرف أمام أعراب البادية. و لقد كانت هذه القضيّة من الوضوح و الاشتهار بحيث صادق عليها الأطبّاء الذين كانوا قد اطّلعوا على مرض هؤلاء النسوة بالرغم من تبيّنهم للأمر و دقّتهم المتناهية فيه، بل إنّ بعضهم كتب مصادقته على شفائهنّ، و لو لا مراعاة الاختصار و ضيق المجال لنقلنا قصّتهن بالتفصيل. وَ لَقَدْ أجَادَ شَيْخُنَا الحُرُّ العَامِليّ في ارْجُوَزتِهِ:
| وَ مَا بَدَا مِنْ بَرَكَاتِ مَشْهَدِهْ | *** | في كُلِّ يَوْمٍ أمْسُهُ مِثْلُ غَدِهْ |
| وَ كَشِفَاءِ العُمْيِ وَ المْرضَى بِهِ | *** | إجَابَةُ الدُّعَاءِ في أعْتَابِهِ۱ |
و كان من دأب الحقير في جميع كتاباتي أن أنقل ما رأيته بنفسي، أو ما ذكره لي بعض الثقات المعروفين والمشهورين بلا واسطة، لا أن أذكر ما سبق أن دوّنه السابقون شكر الله مساعيهم في كتبهم ودفاترهم؛ و بعبارة أخرى فقد اعتمدتُ الدراية و المشاهدة لا الرواية و المحاكاة. لذا فقد رغبت هنا في نقل قضيّتَين فقط من معجزات الإمام الرضا عليه السلام حصلتا لبعض أقاربنا القريبين، و قضيّتَين سمعتهما من الثقات الأعلام و الأعاظم من الآيات و الرجال. و أمّا القضيّتان المتعلّقتان بالأقرباء، فاعرض عن ذكر إحداهما باعتبار أنّها وقعت لشخص لا يزال بحمد الله و منّته على قيد الحياة، و أكتفي بذكر حكاية حال الشخص الآخر الذي انتقل إلى رحمة الله تعالى.
معجزة الإمام الرضا عليه السلام في شفاء شابّ أعمى
لقد كان أحد أرحامنا القريبين شابّاً وسيماً و ناجحاً، يفيض قوّةً و نشاطاً، و كان يتّجر في السوق، و حدث أن ابتلي فجأة بمرض في إحدى عينيه فَقَدَ على أثره القدرة على الإبصار. و مرّت الأيّام دون أن تتحسّن حاله، فراجع الأطبّاء السابقين المعروفين في طهران، مثل الدكتور حسن العلويّ، و الدكتور لشكري، و الدكتور محسن زاده، و الدكتور ضرّابي و أمثالهم، فاتّفقت كلمتهم على أنّ العِرق الموجود في أدنى نقطة من العين و الذي يغذيّ العين بالدم، قد سدّت مجراه بقعة دمويّة متخثّرة نجمت من انقباض العرق و انبساطه، و هكذا فقد انقطعت الرابطة الحيويّة للعين في التغذية الدمويّة، و هي جلطة في العين لا علاج لها و لا عمليّة جراحيّة، و قالوا له: إنّك لو ذهبتَ إلى جميع أقطار العالم فإنّ الأمر لن يتغيّر عمّا قلنا لك، إلّا أنّ هناك احتمالًا ضعيفاً جدّاً و هو: أن تتحرّك هذه البقعة من مكانها بواسطة تسييل الدم و تقليل كثافته.
لذا فقد منعوا هذا الشخص من تناول الأغذية التي تزيد كثافة الدم، كالبيض و السمن و اللحم الأحمر و أمثالها، و أعطوه أقراصاً لتسييل الدم استعملها بانتظام مدّةً بدون أيّة فائدة.
ثمّ ظهرت لديه تدريجيّاً عوارض أخرى:
الأوّل: أنّ العين صارت تفقد حالتها العاديّة الأولى، فصارت تنقبض و تتجمّع، و أخذت الأملاح تغطّي أطراف الأهداب؛ لقد كانت عينه تموت. و كان الأطبّاء قد قالوا باحتمال سريان هذا المرض إلى العين الاخرى، حيث بدأت أعراض هذا المرض و آثاره تظهر على العين الاخرى.
الثاني: إنّ انخفاض كثافة الدم و سيلانه بشكل غير عاديّ كان قد أدّى إلى ظهور نزيف دمويّ تحت اللثّة.
و الثالث: إنّه صار يصاب بحالات تشنّج و رجفة، فكان يرتجف طوال اليوم، و بدنه يتشنّج بشدّة لخمس دقائق و لعشر دقائق و لنصف ساعة أحياناً.
و هكذا فقد تداعى هذا الشابّ القويّ الثريّ متهالكاً في البيت، لا قوّة له، و كان بيته (بيت والده في ذلك الوقت) يضجّ بأصوات بكاء الأقارب
و الأرحام ليلًا و نهاراً، فيرتفع نحيبهم حتّى يسمعه الجيران. و كان أقاربه و أرحامه يذهبون باستمرار لرؤيته، فكان مجلسهم أشبه بمجلس العزاء، لا تجفّ فيه دموع الواردين و لا أصحاب المنزل جميعاً.
و لقد انهارت معنويّات هذا الشابّ بسبب هذه الأعراض، فلم يعد يستطيع أن يصمّم على شيء أو يختار شيئاً، فكان يذهب حيثما أخذوه و يقبل ما يفعلونه به، و كان متزوّجاً و له أطفال.
ثمّ عزم الأفراد المحيطون به آنذاك على إرساله إلى إسبانيا أو إلى النمسا، فقد كان في هذين البلدين طبيبان عالميّان مشهوران في أمراض العيون. ثمّ رجّحوا بعد التشاور إرساله إلى النمسا، و عملوا على تهيئة جواز سفر له بسرعة، فأرسلوه من طهران إلى لندن بالطائرة بصحبة أحد الشباب الإيرانيّين الذين يدرسون هناك، إلى النمسا، و كانوا قد أخذوا موعداً من ذلك الطبيب.
و لو أمكنكم أن تتخيّلوا كيف نُقل هذا الشابّ إلى مطار «مهرآباد» طهران ذلك اليوم و قد جاء أبوه العجوز و أقاربه و معارفه و أصدقاؤه لتوديعه، و حاله في ضعفه و مرضه و عجزه عن صعود سلّم الطائرة، لأمكنكم حقّاً تصوّر عظمة معجزة الإمام الرضا عليه السلام ممّا يصعب بيانه.
يصل الشابّ إلى لندن، ثمّ يذهب بعد أيّام إلى النمسا فيرقد في أشْهَر مستشفيات العيون هناك تحت مراقبة ذلك الطبيب، لكنّه يقول هو الآخر: لا فائدة من إجراء عمليّة جراحيّة. ثمّ لجأوا إلى استخدام الأجهزة التي تنتزع العين فكانوا يقومون بصبّ الأدوية في قعرها في محاولة لإزالة تلك البقعة الدمويّة بعمليّات أشبه بالعمليّات الفيزياويّة منها إلى العمليّات الكيمياويّة و الدوائيّة، و لكن دون جدوى.
و مرّ شهران كاملان قضاهما ذلك الشابّ هناك دون أيّة نتيجة، على أنّ مرضاً آخر اضيف إلى عينه، فلقد دارت حدقة العين في مكانها فصار سوادها إلى الداخل و بياضها إلى الخارج!
و كان الطبيب يقول: إنّ كلّ ما يمكننا عمله بالمعالجة الطويلة هو أن نعيد العين إلى وضعها الأوّل، أمّا الإبصار و عودة النور فذلك من المحال بالنسبة لي. و هذه الأحداث نقلها الشابّ لي بعد عودته. و أنقل هنا نصّ كلامه، لبيان ما جرى له:
يقول الشابّ: كان جميع العاملات في تلك المستشفى من الراهبات النصارى اللواتي تركن الدنيا، و قد رققن لحالي، و لكن ما الذي كان بإمكان اولئك المسكينات أن يفعلن؟! كلّا، لم يكن باليد من حيلة.
حتّى كانت ليلة ذهب فيها الشخص الذي كان يرافقني إلى لندن لقضاء أعماله الخاصّة ليعود فيعدّ مستلزمات عودتي. فنهضتُ ليلًا و صلّيت كثيراً، ثمّ قلت: يَا عَلِيّ بْنَ مُوسَى الرِّضَا! اشهدك أنّي كنت أتوسّل إليك في المهمّات و اكْثِرُ من زيارتك. و لو كان أمري بيدي لما جعلتُهم يأتون بي إلى مدينة المسيحيّين و الكفّار هذه؛ و لجئتك حتماً فقبّلتُ أعتابك و أخذت حاجتي منك.
أنت الذي فعلت بي كذا! و أنت الذي فعلت بي كذا! و أنت و أنت... و هكذا عدّدتُ الحوائج التي عجز عنها الجميع فقضاها الإمام لي، و غرقتُ في البكاء. و قلتُ له:
لقد عُلِّمنا نحن الشيعة أنّ الإمام المعصوم يستوي لديه الموت و الحياة، و يستوي لديه شرق الأرض و غربها، فأنا الآن أرى نفسي كأنّي واقف في حرمك المبارك و أندبك أن تهب لعيني شفاءها! قلتُ هذا ثمّ رقدت و نمت نوماً مريحاً لساعات، ثمّ شاهدت قرب طلوع الفجر الإمام الرضا عليه السلام في عالم الرؤيا، لكأنّ حقيقة الإمام و روحه كانت تنزل و تهبط شيئاً فشيئاً من عوالم الملكوت و الحُجب التي لا توصف، حتّى وقف بجانبي ببدنه و جسمه الخارجيّ و في يده لوحة كُتبت عليها سطور خضراء تتوهّج بالنور، فأعطاني تلك اللوحة و قال لي: اقرأ!
فشرعت بالقراءة، ثمّ استيقظت بعد أن قرأت منها شيئاً فوجدت أنّ عيني قد عادت إلى حالتها الطبيعيّة و أنّها تبصر بشكل كامل!
ثمّ نهضتُ للصلاة فصلّيتُ في ظلام الليل، ثمّ صلّيتُ صلاة الصبح و عُدت إلى سريري، و صمّمت في نفسي أن لا أبوح بشيء أبداً.
و يبدو أنّه قد اشير عليه في عالم الرؤيا بأنّ هذا من الأسرار فلا تُظهِرْ شيئاً، و كان ذلك المرحوم يقول: لقد بُحتُ بهذا السرّ، حتّى أنّي أطلعتُ عليه بعض الرفقاء و الأصدقاء العاديّين، و لم يكن لي أن أفعل ذلك؛ و كان يُظهر الندم على ذلك.
و في موعد الفطور جاءت الممرّضات لغسل العين فعجبن من الأمر و أعلمنَ الأطبّاء بذلك، و من ثمّ فقد انتهى الأمر إلى ذلك الطبيب المعروف فجاء و فحص عيني؛ فكانت كلمتهم جميعاً متّفقة:
أنّ هذا أمر خارق للعادة! هذه معجزة للمسيح! هذه معجزة! هذه معجزة!
و لم أنبس ببنت شفة و قلتُ في نفسي: نعم، هي معجزة، و لكن لُاستاذ المسيح و معلّمه و سيّده.
و قد نقل الحقير، بعد مرور ثلاثين عاماً تفاصيل هذه الواقعة، إلى الصديق العزيز الكريم: الدكتور السيّد حميد السجّاديّ وفّقه الله تعالى و هو من أطبّاء العيون المعروفين في العالم، فقال: هذا صحيح! و كما تصفون فإنّ هذا المرض لا يمكن علاجه في العالم، و لا يمكن أن يكون لشفائه علّة إلّا المعجزة.
ثمّ أضاف: كان أحد مرضانا الرجال قد تجمّع في قزحيّة عينه ماء، و كنّا قد أعطيناه موعداً في يوم معيّن لإجراء عمليّة جراحيّة، لكنّه جاء قبل العمليّة فقال: لقد ذهبتُ عند مولاي الإمام الرضا عليه السلام و أخذتُ منه شفائي. فأعدنا فحص عينه و معاينتها، فرأينا أن لا أثر لماء القزحيّة على الإطلاق!
و كان الدكتور يقول: يمكن أحياناً أن يزول ماء القزحيّة تلقائيّاً، و لكنّ ذلك يحصل خلال مدّة طويلة، و لم يكن قد سبق لي أن شاهدتُ أنّ ماء القزحيّة يزول في عدّة أيّام، لذا فلم يكن ذلك إلّا معجزة لثامن الأئمّة عليه السلام.۱