13

بدء الدعوة العلنية، ومعنى السنّة، وبعضٌ من سنن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)

2
مشاهدة المتن

المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني

القسممباني الإسلام

المجموعةمحطات من السيرة النبويّة

/۲٩
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

بدء الدعوة العلنية، ومعنى السنّة، وبعضٌ من سنن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)

1
  •  

  • هو العليم

  •  

  • بدء الدعوة العلنية، ومعنى السنّة، وبعضٌ من سنن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)

  •  

  • طرح مباني الإسلام - – محطات من السيرة النبوية - المحاضرة الثالثة عشر

  •  

  • (ترجمة مؤقتة بمساعدة الذكاء الصناعي: تُرجمت هذه المحاضرة بمساعدة الذكاء الاصطناعي باستخدام أفضل الأدوات المتاحة، وحرِصنا على تحقيق أعلى جودة ممكنة. ومع ذلك، فهي ترجمة مؤقّتة سنعمل على مراجعتها لاحقًا لضمان دقتها الكاملة. إذا وَجدْتَ أيّ ملاحظة، نرجو إبلاغنا بها للمساهمة في تحسين المحتوى.)

  •  

  • محاضرة القاها

  • آية الله الحاج السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ 

  • قدّس سرّه

  •  

  •  

بدء الدعوة العلنية، ومعنى السنّة، وبعضٌ من سنن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)

2
  •  

  •  

  • أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

  • بسم الله الرحمن الرحيم

  • الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا ونبيّنا

  • وحبيب قلوبنا وطبيب نفوسنا أبي القاسم المصطفى محمّد

  • وعلى آله الطيّبين الطاهرين المعصومين المكرّمين

  • واللعنة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين

  •  

  •  

  • قال الله تعالى في محكم كتابه ومبرم خطابه:

  • ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾۱

  • بدء دعوة النبيّ الأكرم العلنية

  • ارتأيت اليوم أن يكون هناك حديثٌ موجزٌ، بمقدار درسٍ واحدٍ فقط، حول أخلاق النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وسلوكه، وتقديم توضيحٍ مختصرٍ لبعض المسائل، لنعود بعدها إلى تاريخ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) نفسه.

  • بشكلٍ عام، تُعدّ معرفة تاريخ النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) من أوجب الضروريات؛ ولا يقتصر هذا الأمر على أهل العلم، بل يجب على كلّ مسلمٍ وكلّ شيعيٍّ وكلّ مَن يتّبع نهج الأئمة (عليهم السلام) أن يعرف تاريخ حياتهم، وطريقتهم في الآداب والمعاشرة، وحياتهم داخل المنزل، أو تواصلهم خارجه، ليتمكّن من رسم منهجٍ لنفسه.

  • كيفيّة تبليغ النبيّ في بداية الدعوة العلنية للإسلام

  • عندما تقرّر أن يطرح النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله) دعوته بشكلٍ علنيّ، كان يستغلّ بطبيعة الحال كلّ فرصةٍ لهذه الدعوة. وقد ورد في الروايات والتاريخ أنّ النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله) كان يتواجد غالب الأوقات في المسجد الحرام، ويقف في مكانٍ مرتفعٍ -يعلو عن سطح الأرض بحوالي المتر أو نصف المتر- ويقرأ آيات القرآن بصوتٍ جهوريٍّ تقريبًا، ويدعو الناس إلى الإسلام.

  • وكذلك كان (صلّى الله عليه وآله) يذهب إلى سوق عكاظ -حيث كان الناس يتوافدون من كلّ أطراف الجزيرة العربية ونواحيها ويجتمعون في ذلك السوق- لكي يسمع هؤلاء الوافدون من أماكن أخرى هذه الأفكار، وعندما يعودون إلى مدنهم، ينقلونها لأقوامهم وقبائلهم قائلين: «لقد حدث كذا وكذا، وكان هناك شخصٌ يقول كذا وكذا، وقد جاء حديثًا ولم نسمع أو نرَ مثله من قبل!». فقد كان هذا السوق بحدّ ذاته مكانًا مناسبًا للتبليغ، وكان النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله) يستفيد من هذه الجوانب بشكلٍ جيّدٍ جدًّا.٢

    1. سورة الأحزاب، الآية ٢۱.
    2.  مناقب آل أبي طالب عليهم السلام، ج ۱، ص ٤٦ ـ ٦٥؛ الإصابة، ج ٢، ص ٣٩۰.

بدء الدعوة العلنية، ومعنى السنّة، وبعضٌ من سنن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)

3
  • إعلان النبيّ عن بلوغ سعادة الدنيا والآخرة بالشهادة الحقيقيّة بـ «لا إله إلا الله»

  • تشرّف (صلّى الله عليه وآله) يومًا بالمسجد الحرام، وارتقى حِجر إسماعيل -الذي يرتفع عن الأرض بحوالي المتر ونيّف- وشرع بدعوة الناس. فجاءت قريش والموكّلون ببيت الله الحرام واجتمعوا حوله (صلّى الله عليه وآله)؛ فبدأ (صلّى الله عليه وآله) وقال:

  • «أَدْعُوكُمْ إِلَى طَرِيقٍ وَنَهْجٍ إِنْ سَلَكْتُمُوهُ، وَإِلَى كَلِمَةٍ إِنْ عَمِلْتُمْ بِهَا، دَانَتْ لَكُمْ بِهَا الْعَرَبُ وَالْعَجَمُ (ونلتم السيادة والقيادة عليها جميعًا)!».

  • ففرحوا بذلك كثيرًا وابتهجوا بأن يتعلّم الإنسان كلمةً يستطيع بها السيطرة على كلّ شرق العالم وغربه! فالإنسان تابعٌ للهوى والشهوات!

  • فقالوا: «يا محمّد، ما هي تلك الكلمة؟» فقال:

  • «شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَهُ!»؛ فإنّ سعادة الدنيا والآخرة تكمن في هذه الشهادة بـ «لا إله إلّا الله»!۱

  • ومن المؤكّد أنّ ما كان يرمي إليه النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله) لم يكن مجرّد هذه الشهادة الظاهرية؛ لأنّ جميع المسلمين اليوم ينطقون بهذه الشهادة. فقرابة ثلاثة أرباع المسلمين في العالم هم من أهل التسنّن والعامّة، وحالهم بيّنٌ ومعروف؛ وأمّا بقيّة المسلمين وهم الشيعة، فلو حسبنا ونظرنا كم شخصًا منهم يشهد شهادةً حقيقية، أي أن يشهد وجوده بـ «لا إله إلّا الله»، لوجدنا أنّ هؤلاء الشيعة لا يقلّون شأنًا عن العامّة! وحينما نضيّق الدائرة، يصبح الأمر دقيقًا وحسّاسًا للغاية، وكما يُقال في المثل المضروب: «سيبقى عليٌّ وحوضه!».

  • فمقصود النبيّ (صلّى الله عليه وآله) هو الشهادة الباطنية بـ «لا إله إلّا الله»؛ أي تحقّق التوحيد في وجود الإنسان، أي أن يصبح وجود الإنسان متحقّقًا بالتوحيد؛ هذا هو معنى كلام النبيّ (صلّى الله عليه وآله).

  • موقف النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله) تجاه إنكار المشركين ومعارضتهم للدعوة إلى التوحيد

  • وما إن تفوّه النبيّ (صلّى الله عليه وآله) بهذا الكلام، حتّى بدؤوا فجأةً بالهمهمة والصياح قائلين:

  • «ألم تتخلّ بعد عن هذه الأحاديث وتريد القضاء على آلهتنا؟!».

  • ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾٢ (سورة ص، الآية ٥)؛ «(لدينا ثلاثمائة وستّون صنمًا) فهل تقول أن نقضي على كلّ هذه الأصنام ونميل إلى إلهٍ واحدٍ فقط؟!». وشرعوا في قول أمورٍ من هذا القبيل!

    1.  تفسير القمّي، ج ۱، ص ٣۷٩.
    2. سورة ص، الآية ٥.

بدء الدعوة العلنية، ومعنى السنّة، وبعضٌ من سنن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)

4
  • فجاء المشركون إلى أبي طالبٍ، عمّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، وقالوا له:

  • «لقد عاد ابن أخيك إلى أفعاله! وكأنّه يخرج إلينا بين الحين والآخر ليثير هذه الزوبعة مناديًا: "تعالوا نحو الله واتركوا الأصنام!" إن كان يريد مالًا، جمعنا له من أموالنا حتّى يكون أكثر رجال قريش مالًا؛ وإن كان يريد الزواج، زوّجناه بأفضل النساء!».

  • (فماذا يريد من الدنيا بعد ذلك؟! سنزوّجه بأجمل النساء ونجعله أثرى الجميع!) فالإنسان بعد ذلك لن يعود له مطلبٌ أو شأنٌ في هذه الدنيا؛ لأنّ الدنيا ليست سوى هذه الأمور وتدور حول هذه المسائل!

  • فذهب أبو طالبٍ إلى النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله) وعرض عليه قائلًا:

  • «إنّهم يقولون: "سنجعلك ثريًّا إلى هذا الحدّ، ونعطيك كلّ ما تريد، وفي المقابل، تخلّ عن آلهتنا هذه والأصنام التي صنعناها! فلدينا ثلاثمائة وستّون صنمًا، فكيف نتخلّى عنها؟!"».

  • أي: هذه الأصنام المعشّشة في أدمغتنا، لا تلك الأصنام الخارجية! لأنّ التخلّي عن الصنم الخارجيّ أمرٌ ممكن؛ أمّا هذا الصنم الذي تغلغل ورسخ في الدماغ، فلا يزول بسهولة!

  • فقال (صلّى الله عليه وآله):

  • «لَوْ وَضَعُوا الشَّمْسَ فِي يَمِينِي، وَالْقَمَرَ فِي شِمَالِي، عَلَى أَنْ أَتْرُكَ هَذَا الْأَمْرَ مَا تَرَكْتُهُ، حَتَّى يُظْهِرَهُ اللَهُ أَوْ أَهْلِكَ!».

  • دعم أبي طالبٍ لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) في مواجهة مؤامرات المشركين

  • فجاء أبو طالبٍ إليهم وقال: «إنّ ابن أخي هذا لن يتخلّى عن مبدئه ومدرسته!».

  • فبدؤوا يجادلون أبا طالبٍ قائلين:

  • «إنّ محمّدًا هذا كغيره ولا فرق بينه وبين البقيّة؛ فتنحّ أنت جانبًا لكي نُصفّي حسابنا مع ابن أخيك هذا! وخذ عمارة بن الوليد لتتبنّاه بدلًا منه، فهو شابٌ في غاية الوسامة واللطافة، ومشهورٌ جدًّا في أوساط العرب! وسنحسم أمر ابن أخيك، وإن كنت تريد ابن أخٍ، فخذ هذا الشابّ مكانه!».

  • فقال أبو طالبٍ:

  • «عجبًا! أأعطيكم ابني لتقتلوه، وأُربّي لكم ابنكم؟! هل هذا حكمٌ منصفٌ حقًّا؟!».۱

  • أسباب نفور مشركي مكّة من الإقرار بالتوحيد

  • على أيّ أساسٍ كان يقوم أمرهم وحول ماذا كان يدور؟ لماذا كانوا ينفرون من قول «لا إله إلّا الله»؟ يرجع الأمر إلى سببين:

    1.  تفسير القمّي، ج ۱، ص ٣۷٩؛ ج ٢، ص ٢٢۸؛ شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج ۱٤، ص ٥٤؛ إعلام الورى، ج ۱، ص ۱۰۷.

بدء الدعوة العلنية، ومعنى السنّة، وبعضٌ من سنن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)

5
  • السبب الأوّل: التعارض بين تعلّقات الإنسان الدنيويّة والإقرار بكلمة التوحيد

  • السبب الأوّل هو: أنّ المشركين كانوا على علمٍ بمنهج النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ومبدئه، وكانوا يعلمون أنّ كلمة «لا إله إلّا الله» تأتي لتسلب من الإنسان كلّ زوائد وجوده وتُبيدها جميعًا؛ أي أنّها تسلبه دنياه، وتسلبه الرئاسة، وتسلبه المحبّات الدنيويّة، لأنّ هذه الأمور لا تنسجم مع «لا إله إلّا الله»!

  • وبالطبع، المراد هو كلمة «لا إله إلّا الله» الحقيقيّة؛ لا كلمة «لا إله إلّا الله» المزيّفة، التي تنسجم مع كلّ هذه الأمور، بل وتؤيّدها أيضًا! فبهذه الكلمة المزيّفة قطعوا رأس سيّد الشهداء (عليه السلام)، وبها ضربوا أمير المؤمنين (عليه السلام) بالسيف على أمّ رأسه!

  • أمّا «لا إله إلّا الله» الحقيقيّة، فإنّها تقضي على تلك الخصائص والزوائد في وجود الإنسان واحدةً تلو الأخرى.

  • فالمحبّة الموضوعيّة والاستقلاليّة للزوجة والأبناء لا تتوافق مع «لا إله إلّا الله»؛ ففي الموضع الذي يوجد فيه التوحيد، لا معنى لمحبّة الغير! والمحبّة للمال والدنيا لا تتوافق مع «لا إله إلّا الله»! ومحبّة الإنسان لنفسه لا تتوافق مع «لا إله إلّا الله»!

  • يُقال له: «تعال وجاهد وقُتل وافقد حياتك!»، حسنًا، هذا لا يتوافق مع محبّته لنفسه إذن!

  • والخلاصة أنّ «لا إله إلّا الله» إكسيرٌ لا يقتصر دوره على الكيمياء وتحويل المعدن، بل إنّه يصهر ذلك المعدن بحيث لا يُبقي له أيّ وجودٍ!

  • فلا تقتصر هذه الكلمة على جانب اللطف والرعونة واللين؛ بل إنّ لجملة «لا إله إلّا الله» خاصيّةً تُحرق بدايةً ذلك المعدن بأكمله، وعندما تُخرجه من هيكله الأوّليّ، تعيده وتُحوّله إلى ذهبٍ!

  • السبب الثاني: التبعيّة العمياء للآباء والأجداد

  • السبب الثاني هو: أنّهم لم يكونوا قادرين على التخلّي عن تلك المسائل بناءً على الأوهام والخيالات التي كانوا يتّبعونها بشكلٍ تقليديٍّ أعمى! فهم لا يعلمون فقط أنّهم سيفقدون السيادة والقيادة على بيت الله والقوم والعشيرة وأمثال ذلك، بل إنّ المانع الآخر الذي يحول دون قبولهم للإسلام، هو مسألة التقليد!

  • التقليد يعني أن يتلقّى الإنسان مسألةً في ذهنه من السلف، ويتّبعها دون تفكيرٍ أو تأمّلٍ فيها؛ هذا هو التقليد.

بدء الدعوة العلنية، ومعنى السنّة، وبعضٌ من سنن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)

6
  • إنّ أولئك الذين يعارضون «لا إله إلّا الله» اليوم، يعارضونها جميعًا بناءً على التقليد. وأولئك الذين يخشون من قبول مسألةٍ ما أو فكرةٍ ما والسعي خلفها وإدراكها، فإنّ خشيتهم جميعًا مبنيّةٌ على التقليد؛ لأنّ فلانًا قال هذا الكلام، فلا ينبغي إذن الخوض فيه وتتبّعه! أي يجب علينا أن نُغمض أعيننا ونكفّ تفكيرنا عن التطرّق لهذه المسألة؛ وهذا هو التقليد.

  • لزوم اتّباع المنهج التحقيقيّ المبنيّ على العلم واليقين

  • كان المرحوم السيد البروجرديّ ـ رضوان الله عليه ـ شخصيّةً محترمةً جدًّا، وصادقةً، وأمينةً، وكان عالمًا حقيقيًّا يعمل لله، وكان يعمل لله بمقدار ما يبلغه فكره وعقله؛ وكانت مكانته العلميّة محرزةً وبارزةً جدًّا لدى الجميع.

  • كان دائمًا ما يذكّر بمسألةٍ جيّدةٍ جدًّا في الدرس ويقول مرارًا: « لا تكونّن عظمة الفقهاء سدًا أمام بحوث الطلاب وتحقيقاتهم!».۱

  • على سبيل المثال: إنّ قول الشيخ الطوسيّ لهذه المسألة، أو نقل العلّامة لها، أو ذكر المرحوم المحقّق لها في كتابه الفلاني، لا ينبغي أن يكون سببًا يمنعكم من التفكير في هذه المسألة بأنفسكم! كلّا، فربّما تحقّقون أنتم في هذه المسألة وتصل أفكاركم إلى خلافها ويكون الحقّ معكم؛ فما الإشكال في ذلك؟! إنّ المكانة العلميّة والتقوى والطهارة لهؤلاء العظماء محفوظةٌ في موضعها، ولكنّ التحقيق والخوض في مسألةٍ علميّةٍ منفصلٌ عن هذه الأمور ويجب أن يُبحث في موضعه.

  • هذا المنهج هو المنهج التحقيقيّ. وفي يوم القيامة، سيسألون الإنسان: «ما هو المنهج الذي اتّبعته في حياتك؟».

  • ولا يقتصر هذا الأمر علينا نحن طلاّب العلم، بل ينطبق على الجميع، إذ يجب عليهم أن يتّخذوا منهجًا حرًّا ومستقلًّا في الحياة، بما يتناسب مع أفكارهم وقدراتهم، ليكون مسلكهم ومنهاجهم؛ ولن يُقبل منهم عذرهم بمجرّد قولهم: إنّنا لسنا علماء وأمثال ذلك.

  • إنّ هؤلاء الذين يعارضون اليوم التوحيد ووحدة الوجود وأمثال ذلك، لا يعتمدون في معارضتهم على العلم واليقين والإدراك، بل كلّ ذلك مبنيٌّ على التقليد: «بما أنّ العالم الفلانيّ بمكانته وجلالته كان يعارض وحدة الوجود، فنحن إذن لا يمكننا الموافقة عليها! وبما أنّ السيّد الفلانيّ بمكانته وعمامته ولحيته المعروفة كان يعارض مسألة التوحيد، فلا يمكننا إذن فعل هذا الآن!».

    1. لمزيد من الاطلاع، يرجى الرجوع إلى رسالة الاجتهاد والتقليد، ص ٣٤٣؛ أفق الوحي، ص ٣۸۸ (النسخة الفارسية).

بدء الدعوة العلنية، ومعنى السنّة، وبعضٌ من سنن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)

7
  • وعلى الرغم من أنّهم لا يصرّحون بذلك علنًا، إلّا أنّهم في قرارة أنفسهم لا يستطيعون تصوّر إمكانيّة التدقيق في هذه المسألة بمعزلٍ عن أفهام أولئك وأفكارهم؛ وهذا ما يُسمّى بالتقليد!

  • التأسّي بسنّة النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله) للتخلّص من التقليد

  • التأسّي بسنّة النبيّ الأكرم يعني أن يخرج الإنسان من التقليد ويرى ماذا كان يفعل النبيّ! فليقل كلّ من يشاء ما يشاء؛ فما شأني أنا؟! فلينظر ماذا كان يفعل الأئمة (عليهم السلام)! وليدع كلّ شخصٍ يقول ما يحلو له! هذا هو التأسّي بسنّة النبيّ (صلّى الله عليه وآله)؛ أي التأسّي بالحقيقة.

  • إنّ الشيء الوحيد الذي لا يمكننا أن نجد فيه أيّ خدشةٍ أو خللٍ هو أفعال النبيّ (صلّى الله عليه وآله) والمعصومين الثلاثة عشر الآخرين فحسب، والسلام! ونحن نلتجئ إلى هذا الأمر ونأخذ به.

  • والكلام هنا هو أنّه لو كانت هناك حقيقةٌ أخرى غير هذا الأمر قد تكشّفت لنا، لما كان هناك مجالٌ للشكّ والتردّد في لزوم الميل إليها واتّباعها؛ ولكنّ الكلام هو أنّ ما قيل لنا ويقبله عقلنا ينحصر فقط في المعصومين الأربعة عشر (عليهم السلام)، ويجب علينا أن نراجع تاريخهم لنرى ماذا كانوا يفعلون.

  • وبناءً على ذلك، يقول أمير المؤمنين (عليه السلام):

  • «وَاقْتَدُوا بِهَدْيِ نَبِيِّكُمْ فَإِنَّهُ أَفْضَلُ الْهَدْيِ، وَاسْتَنُّوا بِسُنَّتِهِ فَإِنَّهَا أَهْدَى السُّنَنِ»۱.

  • «إذا أردت أن تسلك سبيل الهداية، فانظر ماذا كان يفعل النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، وافعل مثل فعله! وإذا أردت أن تتأسّى بسنّةٍ، فتأسّ بسنّة النبيّ (صلّى الله عليه وآله)؛ لأنّها من أفضل السنن!».

  • وقد جاء في الآية القرآنية:

  • ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾٢

  • «إذا أراد شخصٌ الوصول إلى هذا الهدف، وبلوغ مقام الوصل وآخر مرتبةٍ من مراتب الكمال، وكان يرجو الله تعالى ويرجو آثار الله ومظاهره المتمثّلة في النعيم والجنة ونِعَم الربّ وأمثال ذلك، فيجب عليه أن يتأسّى بسنّة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ويتبعها!».

  • كيفيّة التأسّي بالسنّة

  •  

  • حقيقة معنى السنّة

  • الآن، ما هي السنّة وما هي الأمور التي يُطلق عليها سنّةٌ حتّى يتمكّن الإنسان من التأسّي بها؟ هل كلّ فعلٍ كان يفعله النبيّ (صلّى الله عليه وآله) يُعدّ سنّة؟ وهل يُطلق على كلّ عملٍ وكلّ جزئيّةٍ من الجزئيّات التي كان يقوم بها (صلّى الله عليه وآله) اسم السنّة؟ أم أنّ للسنّة معنًى آخر؟

    1. نهج البلاغة (صبحي صالح)، ص ۱٦٣، الخطبة ۱۱۰.
    2. سورة الأحزاب، الآية ٢۱.

بدء الدعوة العلنية، ومعنى السنّة، وبعضٌ من سنن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)

8
  • السنّة تعني ذلك المنهج الذي يتّخذه الشخص كقيمةٍ ومعيارٍ في حياته؛ فهذا ما يُسمّى بالسنّة. أمّا العمل الجزئيّ الفلانيّ الذي يقوم به شخصٌ ما، فليس بسنّةٍ ولا يُطلق عليه سنّة؛ فعلى سبيل المثال، إذا كان شخصٌ يحبّ الطعام الفلانيّ، فهذه ليست سنّته.

  • لزوم التأسّي بسيرة جميع المعصومين (عليهم السلام) وسنّتهم

  • لا شكّ في أنّ مسألة الاهتمام بالسنّة لا تقتصر ولا تنحصر في وجود النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله) وحده. فهل معنى الاهتمام بأفعال النبيّ (صلّى الله عليه وآله) والتأسّي بها هو أن نُهمل أفعال الأئمة (عليهم السلام) وأقوالهم؟! بالطبع ليس الأمر كذلك!

  • فالأئمة (عليهم السلام) اثنا عشر، ومع السيدة الزهراء (عليها السلام) -التي هي أفضل من الأئمة (عليهم السلام) باستثناء أمير المؤمنين،۱ لأنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) أشرف وأفضل من السيدة الزهراء٢- والنبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله) يصبح عددهم أربعة عشر؛ فالتأسّي بمنهج النبيّ (صلّى الله عليه وآله) لا يعني أبدًا الغفلة عن أولئك الثلاثة عشر!

  • بل إنّ النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله) والمعصومين الثلاثة عشر الآخرين، والذين يبلغ عددهم الإجماليّ أربعة عشر، يجب أن يكونوا جميعًا أسوةً وقدوةً للإنسان؛ هذه المجموعة فقط. فلا ينبغي أن نقول: لنتّبع النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وحده ولا نتّبع الإمام الصادق (عليه السلام)! ولا أن نقول: لنتابع أمير المؤمنين (عليه السلام) ولا نتابع الإمام المجتبى (عليه السلام)! ولا أن نقول: لنتّبع سيّد الشهداء (عليه السلام) في الأعمال والأفعال، ولا نتّبع الإمام الحسن أو الإمام السجّاد (عليهما السلام)! كلّ هذا خطأٌ وشركٌ.

  • كيفيّة التأسّي بالسنّة وتطبيقها بحسب الظروف والخصائص

  • بعبارةٍ أخرى، التأسّي بسنّة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) يعني التأسّي بما وضعه النبيّ (صلّى الله عليه وآله) في الشريعة كحكمٍ وكقاعدةٍ كلّيّة؛ فهذا ما يُسمّى بالتأسّي بالسنّة. على سبيل المثال:

  • «وَقِّرُوا كِبَارَكُمْ، وَارْحَمُوا صِغَارَكُمْ»٣؛ «عظّموا كباركم، وارحموا من هم دونكم واعتنوا بهم، وإذا كانت لديهم حاجةٌ فاقضوها».

  • الآن، ما هو التعظيم؟ وما هو الإكرام؟ إنّ الإكرام يختلف بحسب الظروف والخصائص لكلّ قومٍ وبحسب خصائص الفرد نفسه وظروفه؛ فلا يمكننا وضع قانونٍ كلّيٍّ للإكرام.

    1.  أطيب البيان في تفسير القرآن، ج ۱٣، ص ٢٢٥: الشاهد على هذا المعنى ما قاله الإمام العسكري عليه السلام: «نحن حججُ اللَه علىٰ خلقه، وجدّتُنا فاطمةُ حجّةُ الله علینا».
    2.  الكافي، ج ۱، ص ٢٢٩:
      «عَنْ بُرَيْدِ بْنِ مُعَاوِيَةَ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ): ﴿قُلْ كَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [سورة الرعد: ٤٣]؛ قَالَ: «إِيَّانَا عَنَى، وَعَلِيٌّ أَوَّلُنَا وَأَفْضَلُنَا وَخَيْرُنَا بَعْدَ النَّبِيّ».
      الكافي، ج ٤، ص ٥۸۰: 
      عَنْ يُونُسَ [عَنْ] أَبِي وَهْبٍ القَصْرِيِّ [عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) أَنَّهُ] قَالَ: «اعْلَمْ أَنَّ أَمِيرَ الـمُؤْمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ) أَفْضَلُ عِنْدَ اللهِ مِنَ الأَئِمَّةِ كُلِّهِمْ، وَلَهُ ثَوَابُ أَعْمَالِهِمْ، وَعَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ فُضِّلُوا».
    3.  الأمالي، الشيخ الصدوق، ص ٩٤.

بدء الدعوة العلنية، ومعنى السنّة، وبعضٌ من سنن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)

9
  • على سبيل المثال: إذا أراد الإنسان أن يقدّم هديّةً لشخصيّةٍ عظيمة، فعليه أن يرى ما يحبّه ذلك الشخص؛ ولا ينبغي له أن يقدّم هديّةً تزعجه وتسوءه، حتّى وإن كانت هذه الهديّة مدعاةً للفرح والسرور لشخصٍ آخر. أو في مجال المعاشرة، إذا أراد الإنسان إكرام شخصٍ وتعظيمه، فعليه أوّلًا أن يرى ما هو نوع التعظيم الذي يفضّله.

  • وبالطبع، يكون التعظيم إذا لم يَرِدْ في الشرع حكمٌ يخالف ذلك التعظيم. فقد توجد في بعض الأمم قواعد وتقاليد تخالف الشرع؛ ونحن لا نتحدّث عن هذا الأمر، فهذا موضوعٌ آخر، ووظيفة العالم هي تبيان تلك الأعمال والسنن التي تسير في القبائل والأقوام على خلاف الشرع.

  • لزوم التمسّك بالسنن الإسلاميّة وتجنّب السنن الموهومة والجاهليّة

  • إنّ الكثير من العادات والتقاليد المتداولة بين الأقوام والملل المختلفة مبنيّةٌ على الأوهام؛ فمثلًا، لتعظيم الميّت اليوم، يقولون: أيّها السادة قفوا! فيقفون دقيقةً واحدةً ويلزمون الصمت! وهذا من الآداب المتعلّقة بالنصارى؛ أمّا في الإسلام، فلا يوجد لدينا وقوفٌ وصمتٌ، بل لدينا جلوسٌ وترحّمٌ وقراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والفاتحة و... .

  • والآن، إذا ضحّينا بهذا الأدب الإسلاميّ وأردنا استبداله بأدبٍ أجنبيّ، فهذا خطأٌ. وكذلك جلب الزهور للمتوفّى وأمثال ذلك، فهو خلاف الإسلام.

  • يجب أن تُجعل المقبرة مَعْبَرًا ومحلًّا للاعتبار؛ لا أن يضع الإنسان فيها زهورًا لا توجد حتّى في الشوارع! وأن يُحوّلوها أساسًا إلى حديقةٍ ومكانٍ للتنزّه والترفيه! كلّ هذا مخالفٌ للشرع!

  • يجب أن يكون القبر بحيث إذا ذهب إليه الإنسان، تذكّر الآخرة واتّعظ.۱

  • كان النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله) يذهب على الأقلّ مرّتين في الأسبوع إلى مقبرة بقيع الغرقد٢ -التي كانت آنذاك خارج المدينة ويفصلها عنها جدار- وكان يستغفر للمؤمنين والمؤمنات المدفونين هناك ويقرأ الفاتحة لأهل القبور؛٣ وكان (صلّى الله عليه وآله) نفسه يوصي المؤمنين بالذهاب إلى هناك وقراءة الفاتحة.٤

  • يمكنكم قراءة الفاتحة من داخل منازلكم أيضًا؛ ولكنّ مقصد النبيّ (صلّى الله عليه وآله) هو أن تقوموا وتذهبوا إلى المقبرة لتنظروا وتروا أنّه بعد يومين سيأتي دوركم! أي أنّني أنا المتحدّث الذي أتحدّث الآن في مجلس عزاء فلان، سأتوفّى بعد يومين وسيعقدون لي مجلسًا ويقرؤون القرآن، وسيعتلي أحدهم المنبر ليتحدّث عنّي!

    1. يرجى الرجوع إلى معرفة المعاد، ج ۱، ص ٢۰۸؛ الأربعين في التراث الشيعي، ص ۱٢۸.
    2.  الصحاح، الجوهري، ج ٢، ص ٥۱۷: «الغَرقَدُ: شجرٌ؛ وبقيع الغَرقَد: مَقبَرَةٌ بالمدينة».
    3.  صحيح مسلم، ج ٣، ص ٦٣.
    4.  تنبيه الخواطر ونزهة النواظر (مجموعة ورّام)، ج ۱، ص ٢۸۸:
      «قالَ رَسولُ‌ اللَهِ صلّى الله عليه وآله: زُورُوا مَوتاكم وصَلّوا عَلَيهِم وسَلِّموا عَلَيهِم، فَإنّ لَكُم فیيِم عِبرةً».

بدء الدعوة العلنية، ومعنى السنّة، وبعضٌ من سنن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)

10
  • فمقصود النبيّ (صلّى الله عليه وآله) هو أن تبقى مسألة الموت حاضرةً دائمًا أمام عين الإنسان، وهذه أفضل عبرة.

  • أمّا إذا حوّلنا هذا المكان إلى متنزّهٍ ومحلٍّ للأشجار والسرو والزهور وما شابه، فهذا يخالف السيرة ويخالف تعاليم الإسلام! إنّ تعظيم الميّت والمتوفّى لا يكون بذكر ألقابه واعتباراته وتزيين قبره بالزهور؛ بل إنّ التعظيم يكون بقراءة الفاتحة له، وإقامة المجالس لروحه، والاستغفار له.

  • معيار تمييز سنّة أهل البيت عليهم السلام عن أمورهم الشخصيّة

  • يجب على الإنسان في كلّ مكانٍ أن يرى ما إذا كان الحكم الذي يُنفّذ هناك متوافقًا مع الشرع أم لا. هذا أمرٌ.

  • ومن جهةٍ أخرى، فإنّ القول بأنّه: «لنتّبع العمل الفلانيّ الذي يقوم به النبيّ (صلّى الله عليه وآله)!»، ليس بصحيحٍ، وليس هذا هو التأسّي!

  • على سبيل المثال: كان النبيّ (صلّى الله عليه وآله) يرتدي الملابس بهذه الكيفيّة، فهل يحقّ لي الآن أن أقول: يجب علينا أن نرتدي الملابس بهذه الكيفيّة أيضًا؟! حسنًا، لماذا لم يكن الأئمة (عليهم السلام) يرتدونها هكذا؟! ومن هو أحقّ من الأئمة (عليهم السلام) بالعمل بسنّة النبيّ (صلّى الله عليه وآله)؟! فلماذا لم يكونوا يرتدون ملابسهم بتلك الطريقة؟! فهل نأخذ نحن بطريقة ارتداء النبيّ (صلّى الله عليه وآله) لملابسه ونترك سنّة الأئمة (عليهم السلام)؟! لماذا؟! هل نأخذ بسنّة الأئمة (عليهم السلام) ونترك سنّة النبيّ (صلّى الله عليه وآله)؟! لماذا؟! فهذا هو الذي يسبّب الاختلاف ويبعث على التردّد.

  • على سبيل المثال: نقول إنّ الإمام الصادق عليه السلام كان يحبّ السكر كثيرًا،۱ وكان بعض من يعلم بذلك يأتي لزيارته ويُحضر له السكر كهديّة. أمّا الإمام الباقر والإمام الرضا عليهما السلام فلم يكونا كذلك، ولم يكن النبيّ كذلك؛ ولو كانوا كذلك، لورَد ذلك في التاريخ.

  • مثالٌ آخر: كان أمير المؤمنين عليه السلام يمازح الناس كثيرًا، وقد ورد ذلك في الرواية.٢ فمن كثرة مزاحه، عاب عليه عمر وقال: «فِيهِ دُعَابَةٌ!»٣ والدعابة تعني كثرة المزاح. أمّا النبيّ فكان قليل المزاح؛ كان النبي الأكرم يمازح٤، ولكن ليس كأمير المؤمنين عليه السلام. والآن، بأيّهما نأخذ نحن؟! هذه إحدى المسائل المهمّة جدًّا التي كنت أنوي طرحها.

    1. المحاسن، ج ٢، ص ٥۰۰.
    2.  تقريب المعارف، ص ٣٤٩.
    3.  شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج ٦، ص ٣٢٦.
    4.  بحار الأنوار، ج ۱٦، ص ٢٩٤ ـ ٢٩٩.

بدء الدعوة العلنية، ومعنى السنّة، وبعضٌ من سنن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)

11
  • مثالٌ آخر: كان النبيّ الأكرم يرتدي الحذاء الفلاني، فهل نقول نحن أيضًا: يجب أن نرتدي الحذاء الفلاني؟! لا يمكن ذلك! أو أنّ الإمام الفلاني لم يكن يرتدي هذا، وكانت طريقة لباسه مختلفة، وربّما كان لباس النبيّ بشكلٍ آخر.

  • تأثير الشاكلة والخصائص النفسانيّة والظاهريّة للمعصومين عليهم السلام في بعض أفعالهم

  • بشكلٍ كليّ، إنّ قدرًا من الأفعال والتصرّفات التي يقوم بها الإنسان يعود إلى شاكلته. فقد كان لكلّ إمامٍ من الأئمة شاكلةٌ خاصّةٌ به؛ أي كانت لهم خصائص نفسانيّةٌ تميّزهم عن غيرهم. فأمير المؤمنين كان يختلف عن الإمام الحسن عليهما السلام، والإمام المجتبى كان يختلف عن سيّد الشهداء عليهما السلام، والإمام السجّاد كان يختلف عن الإمام المجتبى عليهما السلام؛ ونحن نرى هذا الأمر بوضوحٍ في تصرّفاتهم وأفعالهم.

  • فقسمٌ من الأفعال يعود إلى خصائصهم النفسانيّة وشاكلتهم،۱ وهو ما نلمسه في طريقة دعاء الأئمة عليهم السلام ومناجاتهم وتهجّدهم؛ وقسمٌ من الأفعال يعود إلى الخصائص الظاهريّة والقوى البدنيّة للإمام عليه السلام نفسه، وإلى هذه المسائل ترجع بعض أفعال الأئمة عليهم السلام.

  • أي افترضوا: أنّ الإمام (عليه السلام) يشتهي الآن أن يأكل الطعام الفلانيّ، فهل أقول أنا أيضًا: بما أنّ الإمام يأكل هذا الطعام الآن، فسأذهب أنا أيضًا لآكله؟! لعلّ هذا الطعام يضرّك الآن ولا يناسبك، وربّما تمرض إن أكلته! فالإمام (عليه السلام) معافًى الآن ويمكنه تناول هذا الطعام، أمّا أنا فمريضٌ الآن ومحموم، وإن تناولت الخلّ فسأموت! فهل إذا تناول الإمام (عليه السلام) الخلّ مع طعامه، يجب علينا نحن أيضًا أن نتناوله؟! الأمر ليس كذلك!

  • أو افترضوا: أنّ المصلحة تقتضي أن يذهب الإمام (عليه السلام) الآن إلى المكان الفلانيّ؛ فهل لأنّ الإمام ذهب إلى هناك، يجب عليّ أن أذهب أنا أيضًا؟! كلّا، فقد لا يكون ذهابك صحيحًا! الإمام (عليه السلام) ذهب إلى منزل فلان، حسنًا سأذهب أنا أيضًا! لعلّ ذهابك ليس من المصلحة!

  • أو افترضوا: أنّ الإمام عليه السلام يستريح في الساعة الفلانيّة من النهار وينام بين الساعة الثانية والثالثة بعد الظهر؛ فما شأني أنا؟! أنا أشعر بالنعاس وأريد أن أنام قبل الظهر!

    1. لمزيد من الاطلاع، يرجى الرجوع إلى كتاب معرفة الإمام، ج ۱٥، ص ٢٤٤-٢٥٣.

بدء الدعوة العلنية، ومعنى السنّة، وبعضٌ من سنن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)

12
  • بالطبع، في بعض الأحيان يردنا نهيٌ في الروايات عن النوم في تلك الساعة والأمر بالنوم في ساعةٍ أخرى،۱ فهذا موضوعٌ آخر؛ ولكنّ الكلام هو أنّنا نتعامل مع أفعال الإمام (عليه السلام) بهاتين العينين الظاهريّتين وبمشاعرنا! هذا هو الأمر.

  • تأثير ظروف الزمان والمكان في بعض أعمال أهل البيت عليهم السلام

  • إنّ جانبًا من تصرّفات الإمام وأفعاله يعود إلى ظروف الزمان والمكان، وتلك الظروف هي تقتضي أن يقوم الإمام بهذا العمل؛ والآن لا يمكنني التأسّي به ولا يمكن أن أقول: بما أنّ الإمام كان يفعل هذا في تلك الظروف، فيجب عليّ أنا أيضًا أن أقوم به الآن!

  • ولذا، لا يمكننا أن نتّبع جزئيّات هذه الأعمال كسنّةٍ وكمنهج، وأن نُعلن أنّ العمل الفلانيّ للإمام أو العمل الفلانيّ للنبيّ هو سنّة.

  • إنّ الأئمة أنفسهم يبيّنون الأفعال التي يجب أن تروّج وتنتشر بين المسلمين.

  • على سبيل المثال: مسألة «مهر السنّة»، فما يُقال اليوم من أنّ: «مهر السنّة كان يبلغ هذا المقدار في ذلك الزمان، وكان يكفي لشراء منزلٍ!» كلّ هذه الأمور باطلةٌ وعاريةٌ عن الصحّة. مهر السنّة كان يعادل ثمن درع، هذا كلّ ما في الأمر! وماذا كان يبلغ ثمن الدرع؟! لنفترض أنّه كان باهظًا جدًّا، فربّما يعادل خمسين ألف تومان أو مائة ألف تومان، ولا تتجاوز قيمته ذلك!

  • علاوةً على ذلك، فقد صُرّح في الروايات نفسها بأنّ مهر السنّة هو أيسر المهور وأقلّها،٢ وقد جعله النبيّ (صلّى الله عليه وآله) سنّة.٣ وهناك رواياتٌ عديدةٌ في هذا الباب. ففي كتاب المحاسن للبرقيّ عن الإمام موسى بن جعفر (عليهما السلام) أنّه قال:

  • «جَعَلَ النَّبِيُّ الأكرم مَهْرَ السُّنَّةِ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ (خمسمائة مثقال شرعيّ) لِتَكُونَ سُنَّةً لِأُمَّتِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».٤

  • هذا ما يُسمّى بالسنّة. فلو لم يكن سنّةً، لكان بوسع النبيّ (صلّى الله عليه وآله) نفسه أن يقول: «هذا الأمر يخصّ هذا الزمان، أمّا لاحقًا فلا يلزمكم اتّباع هذا، ويمكنكم زيادة المهور!».

  • تمييز سنّة المعصومين (عليهم السلام) بواسطة تصريح الروايات المبيّنة للسنّة

  • أحيانًا يؤكّد الأئمة عليهم السلام أو النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله على أنّ هذا الفعل الذي أقوم به هو سنّة؛

    1. على سبيل المثال: من لا يحضره الفقيه، ج ۱، ص ٥۰٢:
      «قالَ الباقِرُ علیه السّلام: النّومُ أوّلَ النّهارِ خُرقٌ، والقائِلةُ نِعمةٌ، والنّومُ بَعدَ العَصرِ حُمقٌ، والنّومُ بَینَ العِشاءَینِ یَحرِمُ الرِّزقَ».
    2.  الامالي، الشيخ الطوسي، ص ٢٥۷؛ من لا يحضره الفقيه، ج ٣، ص ٤۰۱.
    3.  مطلع أنوار، ج ۷، ص ٢٩٦، ٣٤۰:
      «مهرالسنّه عبارت می‌باشد از: پانصد درهم شرعی، معادل با سیصد و پنجاه مثقال شرعی و معادل با دویست و شصت و دو و نیم مثقال صیرفی از نقرۀ مسکوک؛ مهری که معادل با قیمت فروش زره مولا امیرالمؤمنین علی علیه السّلام بود، که با فروش زره توسّط سلمان فارسی، رسول اکرم صلّی الله علیه و آله و سلّم بر آن، پیوند عقد زواج بضعۀ مطهّرۀ خود، شفیعۀ روز جزاء، سیّدۀ نساء، فاطمۀ زهرا سلام الله علیها را استوار نمود و بر این منهج راستین، مهریۀ بانوان امّت خویش را سنّت نمود.»
      [الترجمة: مهر السنّة عبارة عن: خمسمائة درهم شرعيّ، ويعادل ثلاثمائة وخمسين مثقالاً شرعيّاً، أي ما يوازي مائتين واثنين وستّين مثقالاً صيرفيّاً ونصف المثقال من الفضّة المسكوكة؛ وهو المهر الذي عادل ثمن بيع درع مولانا أمير المؤمنين عليّ عليه السّلام، حيث تمّ بيع الدّرع على يد سلمان الفارسيّ، فعقد به رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم زواج بضعته الطّاهرة، شفيعة يوم الجزاء، سيّدة النّساء، فاطمة الزّهراء سلام الله عليها، وسنّ على هذا المنهج القويم صداق نساء أمّته. (المحقق)ِِ].
    4. المحاسن، ج ٢، ص ٣۱٣.

بدء الدعوة العلنية، ومعنى السنّة، وبعضٌ من سنن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)

13
  • فقد قال النبيّ الأكرم:

  • ۱. «أُمِرْتُ أَنْ أَجْلِسَ عَلَى الْأَرْضِ وَآكُلَ».۱ (على الأرض، لا على الأرائك والكراسي والموائد!).

  • ٢. «أُمِرْتُ أَنْ أَجْلِسَ مَعَ الْعَبِيدِ عَلَى مَائِدَةٍ وَاحِدَةٍ».٢ (لا أن أقسم المائدة إلى مائدتين وثلاث، وأمدّ موائد مختلفة بحسب درجات ومراتب السادة!).

  • ٣. «أُمِرْتُ أَلَّا أَجْلِسَ فِي مَكَانٍ مُرْتَفِعٍ» (لأنّ المكان المرتفع للأكابر والمتكبّرين) «وَأَنَا أَجْلِسُ عَلَى الْأَرْضِ كَغَيْرِي!».٣

  • ٤. «أُمِرْتُ أَلَّا أَضَعَ إِحْدَى رِجْلَيَّ عَلَى الْأُخْرَى عِنْدَ الْجُلُوسِ، فَإِنَّهَا جِلْسَةُ الْمُتَكَبِّرِينَ!».٤

  • ٥. «أُمِرْتُ أَنْ أَجْعَلَ مُهُورَ النِّسَاءِ مَهْرَ السُّنَّةِ،٥ وَأَنْ أُقَلِّلَهَا!».

  • كلّ هذه الأمور وردت بعبارة «أُمِرتُ» أو «كُلِّفتُ»؛ فلماذا؟ لكي يتأسّى الآخرون بسنّتي ويقتدوا بها؛ فهذه تصبح سنّةً عندما يُصرّح النبيّ أو الإمام نفسه قائلًا إنّ هذه الأعمال التي أقوم بها، أو هذه الأفعال التي يجب القيام بها، يجب أن تُقبل كسنّةٍ في المجتمع! فهذه إذن هي السنّة. وهذه إحدى الصور.

  • تمييز سنّة المعصومين (عليهم السلام) بواسطة الاستنباط من منهجهم وطريقتهم

  • الصورة الثانية هي: بما أنّه يجب علينا أن نجعل سلوك جميع الأئمة عليهم السلام سنّةً ونتأمّل فيه، لا أن نأخذ بسلوك أحدهم ونترك الآخر؛ ولذا، فإنّ ما يُستفاد من التأسّي بالسنّة هو التأسّي بالفكر، وليس التأسّي بالعمل.

  • التأسّي بسنّة النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله) يعني التأسّي بالمنهج، والتأسّي بالمعيار والقيمة، والتأسّي بتلك الحقائق الكلّيّة التي تتّخذ في كلّ ظرفٍ، وفي كلّ زمانٍ ومكانٍ، وفي كلّ الحدود، مصداقًا من المصاديق، ولا تنحصر في مصداقٍ واحد.

  • ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾٦؛ يعني: تأسّوا بمنهج النبيّ وانظروا ما كان منهجه.

  • لاحظوا كيف كان النبيّ (صلّى الله عليه وآله) في ارتداء ملابسه

  • وكيف كان في تناوله للطعام

  • وكيف كان في ذهابه وإيابه

  • وكيف كان يتحدّث في معاشرته للناس

  • وكيف كان في تعامله مع عائلته

  • وما هو المنهج الذي كان يتّبعه في أحاديثه وتواصله مع الناس، ثمّ نضمّ ذلك إلى منهج الأئمة؛ ومن مجموع هذه الدراسة ونتيجة هذا البحث، يتبيّن لنا مبدأٌ كلّيٌّ ومعيارٌ شامل يمكننا تطبيقه في ظروفنا الخاصّة.

  • لزوم لحاظ ظروف الزمان والمكان عند الاهتمام بالأمور الشخصيّة والأعمال الجزئيّة للأئمة المعصومين (عليهم السلام)

    1. الأمالي، الشيخ الطوسي، ص ٥٣۱؛ مناقب آل أبي طالب عليهم السلام، ج ۱، ص ۱٤٦.
    2.  الأمالي، الشيخ الصدوق، ص ۷٢.
    3.  المصدر السابق، ص ٣٩٣؛ مناقب آل أبي طالب، ج ۱، ص ۱٤٦.
    4.  صحيح مسلم، ج ٦، ص ۱٥٤؛ الكافي، ج ٦، ص ٢۷٢.
    5. المحاسن، ج ٢، ص ٣۱٣.
    6. سورة الأحزاب، الآية: ٢۱.

بدء الدعوة العلنية، ومعنى السنّة، وبعضٌ من سنن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)

14
  • قال البعض: «يجب أن نعمل بسنّة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) حتّى في أعمالنا الجزئيّة»، والحال أنّ سنّة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ليست كذلك.

  • سأذكر أمرًا على سبيل المثال:

  • كان النبيّ الأكرم يرتدي النعلين، وقد ورد في الروايات: «النَّعْلُ الصَّفْرَاءُ حَسَنَةٌ وَمُسْتَحَبَّةٌ، وَتَزِيدُ فِي الرِّزْقِ»۱ وأمثال هذه الرواية؛٢ ولكن هل يجب أن يكون ارتداء النعلين الذي كان يرتديه النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أصلًا كلّيًّا في جميع الأطوار والظروف؟

  • كلّا، فهذا مرتبطٌ بالمدينة المنوّرة ومختصٌّ بتلك الظروف وذلك الزمان، أمّا في ظروفٍ أخرى، فلا يمكن ارتداء النعلين؛ ففي فصل الشتاء مثلًا، عندما تتراكم الثلوج بمقدار مترٍ، لم يعد النعل مستحبًّا؛ بل إنّك ستمرض وتموت! أو في الأماكن التي يتجمّع فيها نصف مترٍ من الطين والماء، لا يمكنك ارتداء النعلين، فسوف تبتلّ وتُصاب بنزلة بردٍ والروماتيزم!

  • نعم، إن توفّرت الظروف المناسبة من حيث الطقس والمناخ وغيرها من الأمور، فإنّ ارتداء النعلين أمرٌ مستحسن.

  • ولكن هل يجوز لنا تعميم هذا الأمر وفرضه على جميع الناس في كلّ الظروف والأزمنة؟ ليس الأمر كذلك؛ فهناك كانت ظروفٌ معيّنة، وهنا ظروفٌ أخرى، ولا علاقة لأحدهما بالآخر.٣

  • إنّ فهم ما هو مستحبٌّ وما هو سنّةٌ، يتطلّب بحثًا وتأمّلًا.

  • ألم يكن بصر الناس يضعف في ذلك الزمان؟ فهل كانوا يرتدون النظّارات حينها؟! فهل يجوز لنا أن نقول: بما أنّ بصرهم كان يضعف في ذلك الزمان ولم يكونوا يرتدون النظّارات، فلا ينبغي لنا أن نرتديها أيضًا!

  • لكلّ زمانٍ ومكانٍ ظروفٌ خاصّة، ويجب علينا تطبيق تلك المبادئ الكلّيّة في ظروفنا وفي حدودنا؛ وهذا هو جوهر الأمر!

  • جاء ضيفٌ إلى منزل الإمام الصادق (عليه السلام). وفي ذلك الزمان كان هناك نوعٌ خاصٌّ من الخبز يشبه الخبز المحلّى والمخبوزات بالزيت في يومنا هذا، ويبدو أنّ سعره كان أغلى من الحدّ المتعارف. فاستضافوا هذا الضيف وقدّموا له هذا الخبز والحلوى.

  • فقال له أحد أصحابه الفضوليّين: «يا ابن رسول الله، لو اقتصدت قليلًا في إنفاق أموالك ولم تُسرف، لظلّ وضعك معتدلًا دائمًا!».

  • هكذا كانوا يعرفون الإمام! ونحن أيضًا كذلك ولا نختلف عنهم! فنحن نُشكل قائلين: «لو فعلت كذا لكان أفضل، ولو قمت بكذا لكان أحسن!».

    1.  تفسير العيّاشي، ج ۱، ص ٤۷.
    2. يرجى الرجوع إلى وسائل الشيعة، ج ٥، ص ٦٩.
    3. الكافي، ج ٦، ص ٤٦٦:
      «عَن داوُدَ الرَّقّيّ قالَ: خَرَجتُ مَعَ أبي‌ عَبدِ اللهِ عليه السّلام إلى ينبُعَ، فَلَمّا خَرَجَ رَأيتُ عَلَيهِ خُفًّا أحمَرَ، فَقُلتُ لَهُ: جُعِلتُ فِدَاكَ! ما هٰذا الخُفُّ الأحمَرُ الَّذي أراهُ عَلَيك؟ فَقَالَ: خُفٌّ اتَّخَذتُهُ لِلسَّفَر، وهُوَ أبقى عَلَى الطّينِ والمَطَرِ وأحمَلُ لَهُ. قُلتُ: فَأتَّخِذُها وألبَسُها؟ قَالَ: أمّا في السَّفَرِ فَنَعَم، وأمّا في الحَضَرِ فَلا تَعدِلَنَّ بِالسَّوَادِ شَيئًا».

بدء الدعوة العلنية، ومعنى السنّة، وبعضٌ من سنن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)

15
  • فقال:

  • «تَدْبِيرُنَا تَدْبِيرُ اللَهِ؛ إِنْ وَسَّعَ عَلَيْنَا فِي أَمْوَالِنَا وَسَّعْنَا، وَإِنْ قَتَّرَ أَنْفَقْنَا بِقَدْرِ مَا عِنْدَنَا!».۱

  • تأثير ظروف الزمان في اختلاف حياة أهل البيت عليهم السلام عن بعضهم البعض

  • لقد كانت حياة أمير المؤمنين عليه السلام -بصفته إمامًا- تسير على نمطٍ خاصّ، في حين أنّ حياة الإمام الحسين عليه السلام كانت مختلفة!

  • كان أمير المؤمنين (عليه السلام) إمامًا ويعيش في ظروفٍ وأوضاعٍ اجتماعيّةٍ قاسية؛ فقد قال (عليه السلام) في رسالته إلى عثمان بن حنيف، وذلك في الوقت الذي كان فيه الوضع الاقتصاديّ للمجتمع لا يزال في مستوى منخفضٍ ومتردٍّ:

  • «أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَأْمُومٍ إِمَامًا يَقْتَدِي بِهِ وَيَسْتَضِيءُ بِنُورِ عِلْمِهِ؛ أَلَا وَإِنَّ إِمَامَكُمْ قَدِ اكْتَفَى مِنْ دُنْيَاهُ بِطِمْرَيْهِ، وَمِنْ طُعْمِهِ بِقُرْصَيْهِ»٢.

  • يقول (عليه السلام): أنا أميرٌ وأنت أمير، والإمارة تقتضي أن تكون هكذا. ولو لم يكن عثمان بن حنيف أميرًا، لما خاطبه الإمام (عليه السلام) بهذا الأسلوب.

  • فعندما يكون شخصٌ حاكمًا على الناس، يجب عليه أن يكيّف نفسه مع تلك الظروف، وهذه الظروف تقتضي أن يعيش بهذه الطريقة الخاصّة.

  • يقول (عليه السلام) لعثمان بن حنيف: «أنا إمامٌ وأنت مأموم، فانظر إليّ كيف أعيش!».

  • لكنّ هذه الظروف تغيّرت في عهد سيّد الشهداء (عليه السلام)، وتغيّرت في عهد الإمام السجّاد (عليه السلام)، وتغيّرت في عهد الإمام الصادق والإمام الباقر (عليهما السلام)، فأصبح الوضع المعيشيّ مختلفًا تمامًا.

  • فلا ينبغي لنا أن نقول: بما أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يعيش بتلك الطريقة، فيجب علينا نحن أيضًا أن نعيش بتلك الطريقة حتّى قيام الساعة!

  • كلّا، ليس الأمر كذلك؛ بل يجب على الإنسان أن يعمل بما يتناسب مع ظروف الزمان والمكان، دون أن يكون هناك إسرافٌ أو تبذير. وكان هذا هو منهج الأئمة (عليهم السلام).

  • فهل يجب علينا أن ننظر فقط إلى عهد النبيّ (صلّى الله عليه وآله) حينما كانوا يقسمون التمرة إلى نصفين أو أربعة أقسام ويطعمونها لأصحاب الصُفّة؛٣ لنغلق إذن جميع أبواب الرزق في وجوهنا ونقسم التمرة الواحدة إلى نصفين: تأكل أنت نصفها، وآكل أنا النصف الآخر!

  • أو أن ننظر إلى نوع الطعام في عهد أمير المؤمنين (عليه السلام)؟ كلّا، فالأمر يختلف؛ فقد كان هذا مختلفًا في عهد بقيّة الأئمة (عليهم السلام)، ولا يمكننا فعل ذلك اليوم.

    1.  المحاسن، ج ٢، ص ٤۰۰.
    2.  نهج البلاغة (صبحي صالح)، ص ٤۱۷، الخطبة ٤٥.
    3.  تاريخ مدينة دمشق، ج ٦۷، ص ٣۱٩.

بدء الدعوة العلنية، ومعنى السنّة، وبعضٌ من سنن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)

16
  • ففي كلّ زمانٍ يُعمل بطريقةٍ ما، وفي كلّ ظرفٍ يُعمل بنحوٍ خاصّ.

  • لذا، يجب علينا أن نستنبط معيارًا كلّيًّا من تاريخ الأئمة (عليهم السلام) وسنّتهم، لنشرع بعدها في العمل والتطبيق؛ منتها شريطة أن نتأمّل في تاريخهم وذهابهم وإيابهم ومعاشرتهم لكي يتّضح لنا ذلك المبدأ الكلّيّ.

  • بعضٌ من سنن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)

  • لقد دوّنت هنا بضعة أمورٍ لأطرحها عليكم بشكلٍ عابر. وبالطبع، سأقدّم توضيحًا موجزًا في بعض الموارد -التي سأحدّدها-.

  • ينقل الإمام الحسن (عليه السلام) أوصاف النبيّ (صلّى الله عليه وآله) عن خاله «هند»؛ وهذه الرواية -التي تتضمّن أمورًا متفرّقةً في أوصاف النبيّ (صلّى الله عليه وآله)- قد نُقلت في كتاب بحار الأنوار في المجلّدات المتعلّقة بتاريخ النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله).۱

  • السنّة الأولى: المبادرة بالسلام

  • أوّلًا: كان النبيّ يُبادر دائمًا بالسلام؛٢ إلّا أنّه لم يكن يسلّم على الشابّات. يقول أمير المؤمنين (عليه السلام):

  • «لَا أُسَلِّمُ عَلَى الشَّابَّةِ؛ لِأَنِّي إِذَا رَدَّتْ عَلَيَّ السَّلَامَ، أَخْشَى أَنْ يَدْخُلَ قَلْبِي شَيْءٌ يَكُونُ الْإِثْمُ فِيهِ أَكْبَرَ مِنَ الْأَجْرِ فِي السَّلَامِ!».٣

  • نعم، إلى هذا الحدّ كان (عليه السلام) يحتاط في التعامل مع النساء! ومن هو الذي يقول هذا؟ إنّه أمير المؤمنين (عليه السلام)! ولتَقِس على هذا المُجمل ما سواه!

  • السنّة الثانية: الصمت والسكوت الدائم

  • ثانيًا: كان النبيّ طويل السكوت؛ فقد كان السكوت هو الحاكم دائمًا على منهجه، إلّا إذا سأله أحدٌ عن شيء.٤

  • السنّة الثالثة: التفكّر الدائم

  • ثالثًا: كان دائم الفكر؛ فمن يراه يلاحظ أنّه غارقٌ في التفكّر دائمًا؛ وبماذا يفكّر؟ هو أعلم بذلك!

  • السنّة الرابعة: تجنّب الكلام غير الضروريّ وفي غير محلّه

  • رابعًا: «لَا يَتَكَلَّمُ فِي غَيْرِ حَاجَةٍ». لم يكن يتحدّث إلّا لحاجةٍ تدعو لذلك.

  • إنّ كثرة الكلام تُفرغ الإنسان من محتواه. للإنسان وزنٌ ورزانة، ولديه رصيدٌ ووقار؛ وخاصّةً أولئك الذين يسيرون ويخطون في طريق التعالي، يجب عليهم الانتباه جيّدًا لهذا الأمر.

  • يظنّ البعض أنّه إذا ذهب إلى مكانٍ ولم يتحدّث، فكأنّ هذا المجلس فارغ، ومجلسه لا نفع فيه ولا طائل منه! فهو يجلس مع صديقه، ويحاول بشتّى الطرق أن يفتح بابًا للحديث؛ حسنًا، لا تتحدّث، واجلس بصمت، فهل يُطالبك أحدٌ بشيء؟! أو هل إذا لم تقل هذا الكلام، سيقع مكروهٌ أو تحدث مشكلة؟!

    1.  بحار الأنوار، ج ۱٦، ص ۱٤۸، نقلًا عن عيون أخبار الرضا عليه السّلام، ج ۱، ص ٣۱٦.
    2.  عيون أخبار الرضا عليه السلا، ج ۱، ص ٣۱۷.
    3.  الكافي، ج ٢، ص ٦٤۸:
      «عَن رِبعیّ بنِ عَبدِاللهِ عَن أبی‌عَبدِاللهِ علیه السّلامُ قالَ: ”کانَ رَسولُ‌ اللهِ صلّی الله علیه وآله یُسَلِّمُ عَلَی النِّساءِ ویَردُدنَ عَلَیهِ السّلامَ، وکانَ أمیرُالمُؤمِنینَ علیه السّلامُ یُسَلِّمُ عَلَی النِّساءِ وکانَ یَکرَهُ أن یُسَلِّمَ عَلَی الشّابّةِ مِنهُنّ ویَقولُ: أتَخَوَّفُ أن یُعجِبَنی صَوتُها فَیَدخُلَ عَلَیَّ أکثَرُ مِمّا أطلُبُ مِنَ الأجرِ!».
    4.  عيون أخبار الرضا عليه السلام، ج ۱، ص ٣۱۷.

بدء الدعوة العلنية، ومعنى السنّة، وبعضٌ من سنن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)

17
  • مجرّد الكلام، حتّى وإن لم يكن تهمةً أو غيبة -مع أنّ الغيبة والتهمة تحدث غالبًا في هذه الأحاديث- يُنقص من رصيد الإنسان ويُذهب وقاره!

  • هل رأيتم كيف يتّسم بعض الأشخاص بالرزانة والوقار؟ فعندما تنظر إلى وجوههم، تشعر بوجود رصيدٍ وغنىً في كيانهم. وهذا الوقار نابعٌ من صمتهم. أمّا أولئك الثرثارون، حتّى وإن كانوا أشخاصًا طيّبين، فإنّ كثرة كلامهم تجعلك تراهم كأنّهم لا يملكون شيئًا في جعبتهم، وكأنّهم فارغون ولا يوجد في كيانهم شيء.

  • الحديث يُشبه تلك الثلمة والثقب في كيسٍ، والذي يُسرّب شيئًا فشيئًا ما في الكيس من رصيد. فالذين يُكثرون الكلام، تقلّ الواردات الإلهيّة على قلوبهم بشكلٍ كبير.۱

  • السنّة الخامسة: عدم مدح الطعام أو ذمّه

  • خامسًا: كان النبيّ عندما يأكل الطعام، لا يمدحه ولا يذمّه.٢ فلا يقول: «لماذا طعامك سيّئ!» ولا يقول: «لماذا طعامك جيّد!». كان يأكل طعامه ثمّ ينهض وينصرف.

  • لأنّه لو قال: «طعامك جيّدٌ جدًّا»، لوجب عليه أن يُثني هذا الثناء في كلّ مكان؛ ولو نسي في مكانٍ ما أو قلّل من ثنائه، لتبادر فورًا إلى ذهن صاحب البيت: «لقد أثنى النبيّ كثيرًا في ذلك المجلس، لكنّه أثنى بهذا المقدار في مجلسنا!»، وهذا ممّا يبعث على إحراجه.

  • بل إنّ بعض المدح والذمّ قد يجرّ إلى الحرمة والإثم!

  • أرى في بعض المجالس أنّ شخصًا قد تعب كثيرًا وأعدّ طعامًا على قدر استطاعته، لكنّه يُذمّ بعد ذلك، وهذا الذمّ يُسبّب له الانزعاج؛ وهذا النوع من الذمّ والانتقاد حرامٌ! فقراءة صلاة الليل والذكر والورد لا توصل الإنسان إلى مبتغاه؛ بل ترك المحرّمات هو الذي يُوصل الإنسان إلى هدفه!

  • أحيانًا يكون الشخص صديقًا ومقرّبًا، فيجلس شخصان ويتحدّثان معًا، وهنا لا نقول إنّ هذا جائزٌ تمامًا؛ بل إنّ هذا أيضًا ليس من منهج النبيّ (صلّى الله عليه وآله). أنا لا أريد أن أتحدّث من عندي؛ بل نقول: على فرض أنّك أردت التنازل في موردٍ ما، فليكن ذلك مع شخصٍ لا تكلّف بينك وبينه، بحيث لو ذممته وانتقدته بألف انتقاد، لما استاء وانزعج.

  • أمّا أن تجلس على مائدةٍ تضمّ أفرادًا تستحي من بعضهم، وتنتقد الطعام قائلًا: «كان الأجدر بك أن تطبخ الطعام الفلانيّ بدلًا من هذا!»، فهذا حرامٌ شرعًا!

    1.  رسالة لبّ اللباب، ص ۱٢٦:
      الثالث عشر: الصمت؛ وهو على قسمين: سكوت عامّ ومضاف، وسكوت خاصّ ومطلق. فالسكوت العامّ والمضاف عبارة عن حفظ اللسان من التكلم بالقدر الزائد عن الضرورة مع الناس، فيجب على السالك أن يكتفي بقدر الضرورة، وبأقلّ ما يمكن. وهذا الصمت لازم في جميع مراحل السلوك، وفي كلّ الأوقات، بل يمكن القول بأنه ممدوح في مطلق الأحوال. ويشير إلى هذا الصمت قوله عليه السلام: إنَّ شِيعَتَنَا الخرْسُ‌، وأيضاً ما نقل عن الصادق عليه‌ السلام في «مصباح الشريعة»: الصَّمْتُ شِعَارُ المحِبِّينَ، وَفِيهِ رِضَا الرَّبِّ، وَهُوَ مِنْ أخْلَاقِ الأنْبِيَاءِ وَشِعَارِ الأصْفِيَاءِ. وفي حديث البزنطيّ عن الإمام الرضا عليه‌ السلام: الصَّمْتُ بَابٌ مِنْ أبْوَابِ الحكْمَةِ، وَإنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى كُلِّ خَيْرٍ. القسم الثاني. السكوت الخاصّ والمطلق، وهو عبارة عن حفظ اللسان من التكلم مع الناس حين الاشتغال بالأذكار الكلاميّة الحصريّة، وفي غيرها غير مستحسن.
    2.  عيون أخبار الرضا عليه السلام، ج ۱، ص ٣۱۷.

بدء الدعوة العلنية، ومعنى السنّة، وبعضٌ من سنن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)

18
  • الوجه الآخر للحرمة هو أنّ في هذا استخفافًا بنعمة الله!

  • فما الفرق بين أن تكون نعمة الله أرزًا أو خبزًا؟!

  • أوّلًا: فائدة الخبز تفوق فائدة الأرز. وعلاوةً على ذلك، فإنّ نِعَم الله لا فرق بينها، وأنت بهذا تستخفّ بنعمة الله؛ لأنّ معنى ذمّ الطعام هو: «لماذا لم تطبخ الطعام الفلانيّ؟!» وهذا خطأٌ أن يقول الإنسان: «أريد هذه النعمة ولا أريد تلك! لماذا أحضرت هذه ولم تحضر تلك!». فهذه هي الآداب التي يجب على المسلم أن يتأدّب بها.

  • السنّة السادسة: معاشرة الناس مع التوجّه القلبيّ لله

  • سادسًا: كان النبيّ الأكرم يخالط الناس ويعاشرهم، لكنّه كان يحذرهم؛۱ أي كان يُجالس الناس، لكنّه لم يكن يسلّمهم قلبه، بل كان فكره وذهنه في مكانٍ آخر، مع أنّه كان يجلس ويقوم ويسلّم. كان النبيّ (صلّى الله عليه وآله) يؤدّي الآداب والأمور المتعارفة.

  • السنّة السابعة: عدم الخوف والوجل في إظهار الحقّ

  • سابعًا: لم يكن (صلّى الله عليه وآله) يخاف من أحدٍ في إظهار الحقّ مهما كانت العواقب؛ كان يصدع بالحقّ مهما كان. فالحقّ يجب أن يُقال، حتّى وإن لم يتقبّله الحاضرون حينها؛ فهو يمضي ويقوله لشخصٍ آخر، ويكفي أن يتقبّله ذلك الشخص.

  • السنّة الثامنة: المصلحون في المجتمع هم أفضل الناس عند رسول الله (صلّى الله عليه وآله)

  • ثامنًا: إنّ أفضل الناس عند النبيّ (صلّى الله عليه وآله) هو من ينصح الناس، ويذكّرهم بعيوبهم، ويقول ما يخطر بباله. كان النبيّ (صلّى الله عليه وآله) يحبّ هؤلاء الأشخاص كثيرًا، فهؤلاء هم من يُصلحون المجتمع؛ لا أولئك الذين يبرّرون كلّ ما يرونه ويؤوّلونه ثمّ يغضّون الطرف عنه. فأنصح الناس للمسلمين كانوا أحبّ الناس إلى النبيّ (صلّى الله عليه وآله).

  • السنّة التاسعة: حُسن معاشرته (صلّى الله عليه وآله) للناس وعدم ترفّعه عليهم

  • تاسعًا: لم يكن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) جافًّا في حديثه مع الناس. ولم يكن يضع لنفسه حسابًا وكتابًا يُميّزه عن الآخرين، بل كان كأحدهم؛ لدرجة أنّ من يفد عليه لأوّل مرّةٍ، ويدخل المسجد، لم يكن ليعرفه، فكان يسأل: «أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ؟» فيُشير الناس إليه (صلّى الله عليه وآله)!٢

    1.  المصدر نفسه، ص ٣۱۸.
    2.  صحيح البخاري، ج ۱، ص ٢٣؛ قصص الأنبياء، الراوندي، ص ٢٩٥؛ الدرّ النظيم، ص ۱٤٤.

بدء الدعوة العلنية، ومعنى السنّة، وبعضٌ من سنن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)

19
  • السنّة العاشرة: المزاح مع الناس بالحقّ

  • عاشرًا: كان النبيّ يمازح الناس. وقد ورد في الرواية:

  • أنّ الإمام الصادق عليه السلام سأل أحد أصحابه: «أَتُمَازِحُونَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا؟».

  • فقال الرجل: «وهل المزاح أمرٌ محمود؟!».

  • فقال: «لَوْ لَمْ يَكُنِ الْمِزَاحُ مَحْمُودًا، لَمَا مَاَزحَ النَّبِيُّ!».۱

  • ولكنّه المزاح بالحقّ، والمزاح الذي لا يُهدر كرامة المؤمن وعِرضه؛ هكذا كان يمازح النبيّ.٢ فإن كان المزاح سيُؤدّي إلى إهدار كرامة المؤمن، فهذا العمل حرام؛ والحرام حرام!

  • وفي روايةٍ أخرى عن النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله):

  • «كَانَ يُداعِبُ أَصْحَابَهُ».

  • فسأل الراوي الإمام: «هل هذه هي طريقة النبيّ؟».

  • فقال عليه السلام:

  • «نَعَمْ، هَكَذَا كَانَ؛ وَلَكِنَّ مُزَاحَ النَّبِيِّ الْأَكْرَمِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) لَيْسَ كَالْمُزَاحِ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى هَتْكِ حُرْمَةِ الْمُؤْمِنِ أَوْ إِرَاقَةِ مَاءِ وَجْهِهِ».٣

  • هكذا كانت سنّة النبيّ الأكرم؛ أي أنّه بالنظر إلى خصائص النبيّ، يتبيّن أنّه يجب التصرّف بين الناس بهذه الطريقة. ولذا نرى أنّ الأئمة عليهم السلام أيضًا قد سلكوا هذا النهج.

  • السنّة الحادية عشرة: الاهتمام بالمظهر الخارجيّ للشعر واللباس

  • الحادي عشر: الأمر الذي أردت التذكير به ضمن الحديث، هو ما يتعلّق بحالة شعر رأس النبيّ. لقد سألني حوالي خمسين شخصًا عن هذا الأمر، وأردت أن أوضّحه بطريقةٍ علميّة، لا بطريقةٍ تعبّديّة، لنتحدّث حوله قليلًا ويتّضح الأمر إلى حدٍّ ما.

  • تُنقل روايةٌ في كتاب «مكارم الأخلاق» حول النبيّ الأكرم وتقول:

  • «كَانَ [رَسُولُ اللَهِ صَلَّى اللَهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ] يَنْظُرُ فِي الْمِرْآةِ، وَيُرَجِّلُ جُمَّتَهُ، وَيَتَمَشَّطُ، وَرُبَّمَا نَظَرَ فِي الْمَاءِ وَسَوَّى جُمَّتَهُ فِيهِ. وَلَقَدْ كَانَ يَتَجَمَّلُ لِأَصْحَابِهِ، فَضْلًا عَلَى تَجَمُّلِهِ لِأَهْلِهِ... فَقَالَ:" إِنَّ اللَهَ يُحِبُّ مِنْ عَبْدِهِ إِذَا خَرَجَ إِلَى إِخْوَانِهِ أَنْ يَتَهَيَّأَ لَهُمْ وَيَتَجَمَّلَ"».٤

  • كان للنبيّ شعر رأس، ولم يكن يحلّقه: «وَيُرَجِّلُ جُمَّتَهُ»؛ «الجُمّة» هو الشعر الذي يكثر في الرأس، وكان النبيّ يُمشّط شعره.

  • «وَرُبَّمَا نَظَرَ فِي الْمَاءِ وَسَوَّى جُمَّتَهُ فِيهِ»؛ «فإن لم يجد مرآة، كان ينظر في الماء ويُمشّط شعر رأسه ويُصلحه».

  • يُصلحه ويُرتّبه، لا أنّه كان يحلّقه.

  • «وَلَقَدْ كَانَ يَتَجَمَّلُ لِأَصْحَابِهِ»؛ «لقد كان يتزيّن ويتجمّل لأصحابه!».

  • «يَتَجَمَّل»: أي كان يجعله جميلًا. فلم يكن يخرج بمظهرٍ فوضويٍّ وغير مهندم. هكذا كان فعل النبيّ؛ وهذا ما يُسمّى بالسنّة.

    1. الكافي، ج ٢، ص ٦٦٣.
    2.  مستدرك الوسائل، ج ۸، ص ٤۰۸.
    3. الكافي، ج ٢، ص ٦٦٣؛ مستدرك الوسائل، ج ۸، ص ٤۰۸.
    4.  مكارم الأخلاق، ص ٣٤.

بدء الدعوة العلنية، ومعنى السنّة، وبعضٌ من سنن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)

20
  • «فَضْلًا عَلَى تَجَمُّلِهِ لِأَهْلِهِ»؛ «ناهيك عن أنّه كان يتزيّن لأهل بيته».

  • وبالمناسبة، توجد في هذا الصدد روايةٌ عن الإمام الباقر عليه السلام:

  • دخل عليه السلام يومًا مجلسًا، فرأى الراوي أنّ الإمام عليه السلام يرتدي ملابس في غاية الأناقة، وقد اعتنى بشعر رأسه ووجهه كثيرًا؛ فتعجّب وقال: «يا ابن رسول الله، أنت وهذه الأمور؟! أي أنّك تاركٌ للدنيا، وهذه الأمور تليق بنا نحن الشباب!».

  • فقال (عليه السلام): «إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ»۱ لقد تزينت لنسائي!

  • وفي يومٍ آخر، كان (عليه السلام) يرتدي لباسًا من صوف، فقال: «وَلَكِنِ انْظُرْ، إِنَّنِي أَرْتَدِي هَذَا اللِّبَاسَ لِرَبِّي وَلِلْعِبَادَةِ؛ فَهَذَا لِنَفْسِي، وَذَاكَ لِنِسَائِي!».٢

  • إنّ تعاليم الإسلام توجب على الإنسان أن يختار في كلّ ظرفٍ ما يتناسب معه، هذا هو التكليف؛ وهكذا كان النبيّ (صلّى الله عليه وآله) نفسه. فهناك خصائص ومسائل يجب أخذها بعين الاعتبار؛ فلا ينبغي لنا أن نقول: بما أنّنا دخلنا في هذا الطريق، فلنترك إذن كلّ شيء!

  • فالله لم يخلق الجميع أمثالنا، بل خلق كلّ شخصٍ بخصائص مُعيّنة، وجمع بين خاصيّتين متضادّتين جنبًا إلى جنب؛ ويجب مراعاة هذه الخصائص، وإلّا لاختلّ كلّ شيء.

  • وكما ورد في الكثير من الروايات:

  • «يَجِبُ عَلَى النِّسَاءِ أَنْ يَتَزَيَّنَّ لِأَزْوَاجِهِنَّ!».٣

  • وفي روايةٍ أخرى بلهجةٍ شديدة، يقول (عليه السلام):

  • «إِذَا لَمْ تَتَزَيَّنِ الْمَرْأَةُ لِزَوْجِهَا، وَاسْتَاءَ الرَّجُلُ مِنْ ذَلِكَ، لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ».٤

  • وكذلك يجب على الرجل أن يكون في منزله بحيث لا تنفر منه عائلته وتشمئزّ منه؛٥ فهذا هو منهج الإسلام وتعاليمه، والنبيّ (صلّى الله عليه وآله) نفسه كان يفعل ذلك.

  • ويأتي في تتمّة رواية «مكارم الأخلاق»:

  • «فَقَالَ: إِنَّ اللَهَ يُحِبُّ مِنْ عَبْدِهِ إِذَا خَرَجَ إِلَى إِخْوَانِهِ أَنْ يَتَهَيَّأَ لَهُمْ وَيَتَجَمَّلَ».٦

  • «قال (صلّى الله عليه وآله): إنّ الله يحبّ أن يتجمّل العبد ويُهندم مظهره وشكله عندما يخرج للقاء إخوانه المؤمنين».

  • أي ألّا يكون مُشعثًا وغير مهندم، ويجب مراعاة آداب المعاشرة هذه التي نمتلكها.

  • والسؤال الذي طُرح عليّ -وهو يتعلّق أكثر بأهل العلم ويعود إليهم- هو: هل إطالة شعر الرأس سنّةٌ أم لا؟

  • إنّ ما سأطرحه عليكم الآن يستند إلى مسألةٍ علميّة؛ وليس مسألةً تعبّديّة، فتلك تُبحث في موضعها.

    1.  الكافي، ج ٦، ص ٤٣۸.
    2.  المصدر نفسه، ص ٤٤٦ و٤٤۸.
    3. من جملة [المصادر]: الكافي، ج ٥، ص ٥۰۸؛ نهج الفصاحة، ص ۱٩۰.
    4.  الكافي، ج ٥، ص ٥۰۸؛ نهج الفصاحة، ص ۱٩۰.
    5.  مكارم الأخلاق، ص ۸۰ و۸۱.
    6.  المصدر نفسه، ص ٣٥.

بدء الدعوة العلنية، ومعنى السنّة، وبعضٌ من سنن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)

21
  • لدينا هنا رواياتٌ مختلفة، وبحسب ما تتبّعته واستنتجته من سيرة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام)، فإنّ السنّة في عهدهم (عليهم السلام) وعهد النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله) كانت ترك الشعر وإطالته.

  • سيرة النبيّ وأهل البيت (عليهم السلام) في إطالة شعر الرأس

  • جميع الذين نقلوا الأوصاف الظاهريّة للنبيّ (صلّى الله عليه وآله) قالوا: «كَانَ شَعْرُ رَأْسِ النَّبِيِّ طَوِيلًا».

  • إلّا أنّ هذه الروايات تختلف فيما بينها:

  • ۱. فبعضها يقول: «كَانَ النَّبِيُّ يُطِيلُ شَعْرَ رَأْسِهِ، حَتَّى إِنَّهُ كَانَ يَتَجَاوَزُ أُذُنَيْهِ».

  • ٢. وهناك روايةٌ عن عائشة تقول: «كَانَ النَّبِيُّ يُطِيلُ شَعْرَ رَأْسِهِ فَيَبْلُغُ أُذُنَيْهِ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَتَجَاوَزُهُمَا».

  • ٣. وينقل جابر بن عبد الله الأنصاريّ روايةً يقول فيها: «كَانَ شَعْرُ رَأْسِ النَّبِيِّ طَوِيلًا».۱

  • ٤. وعندما يصف أنس بن مالك تاريخ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) للأصحاب، يقول: «كَانَ شَعْرُ رَأْسِ النَّبِيِّ طَوِيلًا دَائِمًا؛ وَلَمْ يَكُنْ شَعْرُ رَأْسِهِ أَبْيَضَ، كَلَّا، بَلْ حَتَّى فِي أَوَاخِرِ عُمُرِهِ لَمْ يَكُنْ فِي رَأْسِهِ أَكْثَرُ مِنْ عَشْرَةٍ إِلَى خَمْسَةَ عَشَرَ شَعْرَةً بَيْضَاءَ».٢

  • هذه من خصائص النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، وبقيّة الأئمة لم يكونوا كذلك؛ فمثلًا، ابيضّ شعر رأس أمير المؤمنين عليه السلام،٣ وكذلك سيّد الشهداء (عليه السلام)؛ أمّا النبيّ (صلّى الله عليه وآله) فلم يبيضّ شعر رأسه، وحتّى في لحيته كان الشيب قليلًا، وكانت هذه من خصائصه.

  • أمّا سيّد الشهداء (عليه السلام) فلم يكن كذلك، فقد ابيضّت لحيته مبكّرًا، ولذا كان يُخضّبها، تارةً بالحنّاء وتارةً باللّون الأسود.٤

  • كلّ هذا واردٌ في التاريخ، ومن المُسلّم به أنّ النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله) كان يُطيل شعر رأسه قطعًا حتّى آخر عمره.٥

  • وقد نُقل نفس هذا المنهج عن الأئمة (عليهم السلام) أيضًا:

  • كان شعر رأس الإمام السجّاد (عليه السلام) طويلًا. فيقول طاووس اليماني في الرواية التي ينقلها عن الإمام السجّاد (عليه السلام): «رَأَيْتُ شَابًّا جَاءَ وَتَعَلَّقَ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، وَهُوَ يَبْكِي، وَكَانَ شَعْرُ رَأْسِهِ كَذَا وَكَذَا».

  • وعندما يصف الأصمعي حالات الإمام السجّاد عليه السلام وتلك الأحاديث المفصّلة وأدعيته وأشعاره وابتهاله وبكاءه وسجوده، يقول في سياق بيانه لخصائصه: «كَانَ شَعْرُ رَأْسِهِ كَذَا وَكَذَا».٦

    1.  الجعفريات، ص ٢٢.
    2.  مناقب آل أبي طالب عليهم السلام، ج ۱، ص ۱٥۸.
    3.  الغارات، ج ۱، ص ۱۰۰ و۱۰٢؛ كشف الغمة، ج ۱، ص ۷٥.
    4.  الكافي، ج ٦، ص ٤۸۱.
    5.  دلائل النبوة، البيهقي، ج ۱، ص ٢٢٩.
    6. لمزيد من الاطلاع حول رواية طاووس اليماني، يرجى الرجوع إلى مناقب آل أبي طالب عليهم السلام، ج ٤، ص ۱٥۱؛ كشف الغمّة، ج ٢، ص ۱۰۸.

بدء الدعوة العلنية، ومعنى السنّة، وبعضٌ من سنن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)

22
  • وكذلك الإمام الرضا (عليه السلام)؛۱

  • وكذلك الإمام الجواد (عليه السلام)؛٢

  • وكذلك الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)؛

  • وكذلك إمام الزمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)؛٣

  • هؤلاء العظماء كانوا من الأئمة الذين يُطيلون شعر رؤوسهم. لقد كانت إطالة شعر الرأس أمرًا رائجًا ومتداولًا وكانوا يفعلون ذلك.

  • وفي موارد قليلةٍ أيضًا نُقل أنّ: الشخص الفلانيّ جاء إلى الإمام الصادق (عليه السلام) فرأى أنّه قد حلق رأسه، ولكنّ هذا لم يكن دائمًا.

  • وما يُستفاد بشكلٍ عامٍّ من الروايات والتاريخ هو أنّ: منهج الأئمة (عليهم السلام) وسيرتهم كانت على إطالة شعر رؤوسهم.

  • هذا ما توصّلتُ إليه، والعلم عند الله!

  • أمّا ما ورد في الرواية من أنّ: «سُنَّةُ الْأَنْبِيَاءِ هِيَ الْحَلْقُ»٤، فهذا لا يعني أنّها سنّةٌ دائمة؛ فلو كانت سنّة الأنبياء الدائمة هي الحلق، فلماذا لم يتبعها الأئمة أنفسهم؟!

  • في تاريخ عاشورا، حول عليّ الأكبر، وأبي الفضل العبّاس، والقاسم (عليهم السلام) وغيرهم ممّن نزلوا إلى الميدان، عندما كان واصفو كربلاء ينقلون هيئتهم الظاهريّة، كانوا يقولون: «رَأَيْنَا شَابًّا لَهُ شَعْرٌ كَذَا، وَهَيْئَةٌ كَذَا».٥

  • هكذا كانوا؛ فشُبّانهم كانوا هكذا، وكبار السنّ من الأئمة (عليهم السلام) كانوا هكذا أيضًا.

  • علّة لزوم تقصير شعر الرأس في الوقت الحاضر

  • إذن، يجب معرفة هذا الأمر وهو: أنّ حلق شعر الرأس ليس بسنّة، بل العكس هو الصحيح، فترك الشعر وإطالته هو السنّة؛

  • لكنّ الكلام هو أنّه بالنظر إلى خصائص وظروف كلّ زمان، يختلف ذلك المعيار.

  • فلا ينبغي لنا أن نقول إنّ حلق الشعر سنّة؛ لأنّ السنّة تخالف ذلك، وهذه هي الكتب وهذه هي الروايات!

  • أمّا في هذه الظروف، فإنّ إطالة الشعر لأهل العلم أمرٌ مستهجنٌ ومُعيبٌ، وليس بصحيح.

  • وربّما لو كان الأئمة أنفسهم في هذا الزمان وعاشوا ظروفنا الحاليّة، لحلقوا شعر رؤوسهم؛ هذا أمرٌ آخر. أمّا أن نقول: «حلق شعر الرأس هو سنّة»، فنحن نرى خلاف هذا في الكتب، والأمر ليس كذلك.

  • في هذه الظروف، لا يصحّ إطالة الشعر، وخاصّةً لأهل العلم؛ فيجب على أهل العلم تقصير شعر رؤوسهم.

  • اليوم، ومع الوضع الحاليّ والفساد المنتشر والتدّاخل والعلاقات الاجتماعيّة الحاليّة والتعرّض لأنظار الجميع، عندما ينظر الناس إلى فردٍ من أهل العلم، يجب أن يتذكّروا الله ومسائل يوم القيامة والأمور الروحيّة؛ ولذا، لا يصحّ أن يشغلهم الانتباه إلى مظهره عن التوجّه لتلك المسائل. فبناءً على الظروف الحاليّة، لا ينبغي إطالة شعر الرأس، بل يجب تخفيفه.

    1.  مناقب آل أبي طالب عليهم السلام، ج ٤، ص ۱٥۰.
    2.  مكارم الأخلاق، ص ۷٢.
    3. الاحتجاج، ج ٢، ص ٤٦٢.
    4.  الكافي، ج ٥، ص ٥٦۷؛ تحف العقول، ص ٤٤٢.
    5. لمزيد من الاطلاع حول هذه الأمور، يرجى الرجوع إلى مقاتل الطالبين، ص ٩٣؛ الإرشاد، ج٢، ص ۱۰۷.

بدء الدعوة العلنية، ومعنى السنّة، وبعضٌ من سنن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)

23
  • بالطبع لا يُقصد بذلك حلقه بالكامل، بل إلى حدٍّ متعارفٍ ومقبول، أي الحدّ الذي يمكن للإنسان نفسه أن يدركه ويحدّده.

  • ولكنّ الكلام هو: هل يجوز لنا أن نقول إنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) كان كذلك أيضًا؟ هذا يُعدّ تبريرًا (تأويلًا)!

  • كلّا، لم يكن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) كذلك، ولم يقل شخصٌ واحدٌ ممّن نقلوا خصائص النبيّ (صلّى الله عليه وآله) إنّه كان يحلّق شعر رأسه.

  • لدينا كلّ هذه الروايات، ولم يقل شخصٌ واحدٌ حتّى أنّه رأى الإمام السجّاد (عليه السلام) حالقًا لشعر رأسه، بل إنّ نقل جميع الأشخاص يخالف ذلك.

  • فإذا كانت إطالة الشعر سنّةً، فإنّ حلقه ليس بسنّة.

  • أمّا فهم هذه المسألة وبيانها فهو أمرٌ آخر ومختلف. نحن يجب أن نبيّن كيف كان النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، ولا ينبغي لنا إخفاء الحقيقة، فإخفاؤها خطأ.

  • لدينا في الرواية: «إِرْسَالُ اللِّحْيَةِ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينَ وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ».۱

  • وفي الموضع الذي ترد فيه عبارة «مستحبٌّ» في الرواية، فهذا يُعدّ سنّة.

  • أن يُطيل الإنسان لحيته، ولكن ليس بالقدر الذي تبلغ فيه ما تشاء؛ بل تجوز إطالة اللحية بالقدر المتعارف فقط!٢ وكذلك يجب إطالة شعر الرأس، ولكن ليس في هذه الظروف، فهذه الظروف تفرض علينا معيارًا يجب أن نعمل وفقه.

  • أمّا إذا أردنا تأويل تاريخ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وتاريخ الأئمة (عليهم السلام) بناءً على قضايانا المعاصرة، فهذا خلاف الحقيقة.

  • فإذا قمتُ أنا باقتطاع جزءٍ من تاريخ النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، وجاء آخر واقتطع جزءًا من نقطةٍ أخرى، فما الفرق إذن؟

  • أن أقول بناءً على ظروفي ونواياي ومصالحي: لا ينبغي بيان هذا الجزء من تاريخ النبيّ (صلّى الله عليه وآله)! فسيقول هو أيضًا: لا ينبغي بيان ذاك الجزء! وهذا هو سبب شقاء وبؤس المسلمين!

  • إنّما أذكر هذه المسألة لكي تزول جميع موارد الشبهة. فقد جاءني حوالي خمسين شخصًا وتحدّثوا معي قائلين: لماذا يجب علينا أن نحلّق شعر رؤوسنا؟

  • إنّني أوضّح هذا الأمر لكي يكون مسار الإنسان هذا عن بصيرةٍ ورؤية، ولا يظنّ أنّه مجرّد مسألةٍ تعبّديّة؛ كلّا، بل إنّ هذه المسألة نابعةٌ من حقيقة، أي أنّه لا ينبغي لنا كغيرنا أن نترك شَعرًا طويلًا (زُلفًا) وما شابه، لأنّ ظروف الزمان تقتضي أن نكون هكذا الآن.

    1.  من لا يحضره الفقيه، ج ۱، ص ۱٣۰.
    2.  الكافي، ج ٦، ص ٤۸٦.

بدء الدعوة العلنية، ومعنى السنّة، وبعضٌ من سنن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)

24
  • أمّا الآن فليفعل كلّ شخصٍ ما يشاء.

  • حرمة تغيير السنن القطعية بناءً على المصالح الموهومة ومسائل حقوق الإنسان الغربية

  • يجب أن يُقال التاريخ (كما هو)؛ فإذا لم أنقل التاريخ بناءً على مصالحي الشخصيّة، فسيقوم شخصٌ آخر أيضًا بنقل جزءٍ من التاريخ وفقًا لمصالحه.

  • يقوم ذلك الشخص بترجمة رواية أمير المؤمنين (عليه السلام) ووصيّته للإمام الحسن (عليه السلام) في (حاضِرَيْن)، وعندما يصل إلى الأمور المتعلّقة بالنساء كقوله: «وَلَا تُشَاوِرِ النِّسَاءَ»۱، يحذف كلّ تلك المسائل ويقول: «بيان هذه المطالب في هذا الزمان لا يقتضيه الحال!».

  • هذه خيانة، وهذا تحريف! يجب بيان كلّ شيء؛ فلماذا تحذف؟!

  • إذا كانت هذه المطالب لا تتناسب مع هذا الزمان، فبيّن دليلك وتبريرك، لنرى ما إذا كان في ذلك التبرير وجاهةٌ أم لا، وهل تفهم المعنى بشكلٍ صحيح أم خاطئ؛ هذا أمرٌ آخر. المسألة المطروحة حاليًّا هي أنّهم حتّى الآية القرآنية: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾٢ يطرحونها جانبًا!

  • وكلّ هذه القضايا بسبب مسألة حقوق الإنسان.

  • فهم يقولون اليوم:

  • «الناس لا يستطيعون تقبّل هذا! ومصالح حقوق الإنسان لا تسمح بإيراد هذه الأحكام الإسلامية المتعلّقة بالنساء، كأن يكون إرث المرأة نصف إرث الرجل».

  • يقولون:

  • «لقد شكّل الرجل والمرأة معًا حياةً مشتركة؛ فلماذا إذن يكون إرث المرأة نصف إرث الرجل؟! ولماذا ترث المرأة نصف ما يرثه الرجل؟!».

  • فنقول: «لأنّ الرجل يُنفق على المرأة!».٣

  • فيقولون:

  • «حسنًا جدًّا، ضعوا إذن استثناءً هنا وقولوا: في الحالة التي يُنفق فيها الرجل على المرأة، يرث الضعف؛ أمّا عندما يعمل كلاهما معًا، فيرثان بالتساوي؛ أو في الحالة التي تُنفق فيها المرأة على الرجل، فيجب أن ترث المرأة ضِعف الرجل!».

  • حسنًا، يبدو هذا الكلام جميلًا ومنطقيًّا للوهلة الأولى. ومسائل حقوق الإنسان من هذا القبيل.

  • ولماذا تكون ديّة المرأة نصف ديّة الرجل؟ فهنا لم تعد المسألة متعلّقةً بالنفقات وما شابه، بل هذه المسألة تتعلّق بالوريث ولا تخصّ المرأة نفسها؛ فإذا قُتلت امرأة، يجب على وريثها أن يتقاضى ديّتها، والميّت نفسه لا يناله شيء، فحسنًا إذن، إذا كان وريثها رجلًا فيجب أن يتقاضى النصف أيضًا.

  • هذه المسائل والمطالب أدّت إلى أن يأتي بعض المثقّفين الذين لا دين لهم ويُبدّلوا الدين ويُغيّروه، ويأوّلوه وفقًا لمنهجهم ومسلكهم.

    1.  نهج البلاغة (صبحي صالح)، ص ٤۰٥؛ الخطبة ٣۱.
    2. سورة النساء، الآية ٣٤.
    3. وسائل الشيعة، ج ٢٦، ص ٩٤ و٩٥:
      «عَن مُحَمَّدِ بنِ سِنانٍ، أنَّ الرِّضا عليه السّلام كتَبَ إلَيهِ فيما كتَبَ مِن جَوابِ مَسائِلِهِ: عِلَّةُ إعطاءِ النِّساءِ نِصفَ ما يُعطَى الرِّجالُ مِن الميراثِ: لأنَّ المَرأةَ إذا تَزَوَّجَت أخَذَت والرَّجُلَ يُعطِى، فلذلك وُفِّرَ عَلَى الرِّجالِ؛ وعِلَّةٌ أُخرى في إعطاءِ الذَّكرِ مِثلَيّ ما تُعطَى الأُنثَى: لِأنَّ الأُنثَى في عيالِ الذَّكرِ إنِ احتاجَت وعليهِ أن يعولَها وعَلَيهِ نَفَقَتُها، ولَيسَ عَلَى المَرأةِ أن تَعولَ الرَّجُلَ ولا تُؤخَذُ بِنَفَقَتِهِ إنِ احتاجَ، فَوُفِّرَ عَلَى الرِّجالِ لذلك، وذَلِك قَولُ اللهِ عَزّ َوَجَلَّ﴿ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَهُ بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ وَبِمَآ أَنفَقُواْ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡ﴾».

بدء الدعوة العلنية، ومعنى السنّة، وبعضٌ من سنن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)

25
  • هذه المسائل جعلت البعض يقولون:

  • «في يومنا هذا، زالت قضايا ذلك الزمان وتغيّرت الأيّام، ويجب علينا أن نصنع قضايا جديدة من الصفر ونُرسّي أساسًا جديدًا من الأساس!».

  • يجب علينا أن نبيّن بطلاقةٍ وحُريّة ما يتعلّق بتاريخ الأئمة (عليهم السلام)، ويجب أن تتّضح الأمور بجلائها.

  • أذكر أنّنا كنّا في مجلسٍ وكان أحد أقربائنا حاضرًا هناك، فاعترض على المطالب الواردة في كتاب (معرفة المعاد) وقال:

  • «يا سيّدي، لماذا نقلت في كتابك قضيّة أنّ سيّد الشهداء (عليه السلام) قد تنظّف في صبيحة يوم عاشوراء، ونظائر هذه المطالب؟

  • إيراد هذه المطالب غير مناسب ولا ضرورة له؛ وذلك:

  • أوّلًا: من غير المعلوم أنّه كان يوجد هذا المقدار من الماء في تلك الليلة؛ ففي الوقت الذي لم يكن فيه ماء شربٍ للأطفال، هل يقومون بالتنظّف؟!

  • ثانيًا: ليس من الجيّد ذكر هذه المسائل، لأنّ الناس لا يحبّون هذه المطالب، لذا من الأفضل للإنسان ألّا يتفوّه بهذا الكلام!».

  • فأجابه (المرحوم العلامة الطهراني):

  • «أوّلًا: لا يُشترط أن يكون التنظّف بالضرورة بماء الشرب؛ بل من الممكن أنّه كان يتوفّر لديهم ماءٌ هناك، سواءً كان متّسخًا أو غير ذلك.

  • وقد ورد في التاريخ: «أنّهم ذهبوا في ليلة عاشوراء (أي بعد منتصف الليل) وجلبوا الماء».

  • وعلاوةً على ذلك، حتّى تنظّف سيّد الشهداء (عليه السلام) يجب أن يُذكر، لكي يعلم الناس أنّه في ليلة عاشوراء، ومع عِلم الإمام (عليه السلام) بأنّهم سيقتلونه غدًا، لكنّه بهذا الفعل يريد أن يقول إنّه يولي هذه المسألة اهتمامًا بالغًا وعنايةً شديدة، لدرجة أنّه يريد أن يلقى الله من الناحية الظاهريّة بشكلٍ يكون فيه قد عمل وفقًا للأمر والشرع تمامًا؛ هذا ما أراد الإمام (عليه السلام) إيصاله».

  • التكليف هو هكذا؛ أمّا أن نذكر شيئًا ونُخفي شيئًا آخر، فهذا خطأ. التاريخ يجب أن يُبيّن؛ ولكن عند بيان التاريخ، يجب أن تتّضح معايير ذلك الزمان ومدى مطابقتها لهذا الزمان تمامًا!

  • الآن اتّضحت القضيّة بأنّ مسألة إطالة الشعر كانت مسألةً متّبعة، فجميع الأئمة (عليهم السلام) ومنهم النبيّ (صلّى الله عليه وآله) كانت لهم شعورٌ.

  • وفي رأيي أنّ هذه كانت سنّة، فإطالة الشعر من السنّة أساسًا، وربّما تتغيّر هذه المسألة في عصر ظهور إمام الزمان فيُطيل الجميع شعورهم، وهذا ليس بمستبعد، كباقي الأحكام؛

بدء الدعوة العلنية، ومعنى السنّة، وبعضٌ من سنن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)

26
  • ولكن في هذه الظروف وفي هذه الوضعيّة، وبالنظر إلى المعايير التي بين أيدينا، يجب على الإنسان أن يُقصّر شعر رأسه إلى حدٍّ متعارف، حتّى لا يُشكّل انطباع الناس ورؤيتهم لعالِم الدّين عائقًا يمنعهم من بلوغ الحقائق.

  • مانعيّة المشاعر في مقابل إدراك الحقائق وإتيان التعاليم الإسلاميّة

  • هذه مسألةٌ دقيقةٌ وحسّاسةٌ جدًّا، وكنتُ أنوي أن أُخصّص يومًا خلال هذا العَشْر (أيام محرّم) للحديث عن مسألة المشاعر هذه، وكيف أنّ هذه المشاعر بالذات تُصبح سببًا يُعيقنا عن إدراك الحقيقة؛ ولذا، نحن مُضطرّون للتغاضي عن بعض المسائل.

  • إنّها مسألةٌ دقيقةٌ جدًّا أن نرى كيف أنّ المشاعر والعلاقات مع الناس تتسبّب في إعاقتنا عن تطبيق المنهج الإسلاميّ والمنهج العمليّ كما ينبغي!

  • وهذا لن يُحلّ ولن يتحقّق إلّا على يد إمام الزمان (عليه السلام)، وهو وحده القادر على إنجاز هذا العمل.

  • أضرب لكم مثالًا: أنتم مطّلعون الآن على وضع الحرم وقبّة حرم الإمام الرضا (عليه السلام)، وما يُنفق هناك من أموال وما يوجد فيه من ذهبٍ وتذهيبٍ وما شابه.

  • فهل يجب أن يكون قبر الإمام (عليه السلام) مكسوًّا بالذهب؟! وهل لا يصحّ أن تكون القبّة بلا ذهب؟!

  • في الواقع، إذا كان الأمر يتعلّق بالروحانيّة، فإنّ نورانيّة ذلك المكان وطهارته من دون هذه المصوغات الذهبيّة وتلك القضايا ستكون أعظم وأفضل بكثير.

  • فنحن لا نريد أن نُضفي رونقًا على الإمام (عليه السلام) بالذهب والتذهيب!

  • فالذين زاروا سابقًا قبر ذلك العارف الشهير، بابا طاهر، في همدان ورأوا مقامه -وأنا أيضًا زرتُه مرّةً أو مرّتين في صغري- يعلمون أنّ ذلك الصفاء وتلك الروحانيّة والنورانيّة التي كانت موجودةً في ذلك الزمان، أين هي الآن من الوضع الحاليّ؟!

  • اذهبوا الآن وانظروا أيّ ورودٍ، وأيّ رخام، وأيّ خصائص، وأيّ قبّةٍ ومقامٍ بنوه له!

  • نعم، ينجذب الناس أكثر، لكن ماذا عن الخواص؟! أين يمكن أن نجد الآن تلك الروحانيّة التي كانت موجودةً حينها؟!

  • نحن لا ندعو أبدًا لنكون مثل أولئك الوهابيّين الذين جاؤوا ودمّروا قبور الأئمة (عليهم السلام) وساووها بالأرض؛ كلّا، فالأماكن المتبّركة وقبور الأئمة (عليهم السلام) يجب أن يكون لها بناءٌ ومقام، حتّى يُحفظ الناس الذين يأتون للزيارة هناك من أشعة الشمس وغيرها.

بدء الدعوة العلنية، ومعنى السنّة، وبعضٌ من سنن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)

27
  • فهذه الأماكن هي ملجأٌ وملاذٌ ومأوى للناس، والناس الذين يأتون إلى هناك لا يمكنهم الزيارة في المطر وتحت تلك الظروف الفوضويّة وغير الملائمة، فبالنهاية يجب أن يكون هناك مكانٌ يجلس فيه الزوّار ويقرؤون الدعاء ويُصلّون، ويجب أن يكون هذا المكان واسعًا ومُسقّفًا؛ كلّ هذه المطالب صحيحة، ولكن ما علاقة التذهيب والزخرفة بحرم الأئمة (عليهم السلام)؟!

  • كلّ هذا يُعدّ إسرافًا، وهذه مسألةٌ أخرى.

  • ولكن لنفترض أنّنا قُلنا الآن إنّه يجب هدم قبّة الإمام الرضا (عليه السلام)؛ هل تعلمون أيّ ضجّةٍ ستثور؟

  • سيقولون: لقد أصبح هؤلاء وهّابيّين، لقد صاروا بلا دين، إنّهم أعداءٌ لولاية الأئمة (عليهم السلام)، وما إلى ذلك.

  • لذا يجب أن يبقى الأمر على هذه الكيفيّة.

  • وبالمناسبة، لدينا روايةٌ في هذا الصدد عن الإمام الباقر (عليه السلام) يأمر فيها أصحابه:

  • «اِذْهَبُوا الْآنَ وَصَلُّوا فِي هَذِهِ الْمَسَاجِدِ كَمَا هِيَ؛۱ وَلَكِنْ عِنْدَمَا يَقُومُ قَائِمُنَا (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، سَيَهْدِمُ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ وَيُعِيدُ بِنَاءَهَا عَلَى النَّهْجِ الْإِسْلَامِيِّ».٢

  • هذا العمل هو عمل الإمام (عليه السلام) وليس عملنا!

  • فلو أردتُ أن أذكر لكم نظائر هذه القضيّة، لوجدنا موارد كثيرةً لا نستطيع فيها القيام بعملٍ ما بسبب تواصلنا مع هؤلاء الناس.

  • ولذا، يجب الاحتفاظ بهذا المطلب؛ لأنّ الإنسان لو أراد أن يغيّر تركيبة الأمور، لضاعت تلك الحقيقة أيضًا، ولانصرف الناس من هنا تمامًا!

  • لذا، ومن أجل المحافظة على تلك الحقيقة، يجب على الإنسان أن يتساهل.

  • فكان النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله) يقول: «اِفْعَلُوا هَذَا!». فإن لم يفعلوا، لم يكن النبيّ يُتابع الأمر. وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: «صَلُّوا بِهَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ؛ فَهَكَذَا كَانَتِ السُّنَّةُ!». لكنّه لم يُتابع الأمر، وعندما جاؤوا وقالوا: «نَحْنُ نُرِيدُ أَنْ نَعْمَلَ بِسُنَّةِ عُمَرَ!»، قال (عليه السلام): «اِعْمَلُوا بِهَا!»٣. كان (عليه السلام) يُداري الناس. هذه المداراة هي أمرٌ، وفهم المطلب هو أمرٌ آخر؛ نحن يجب أن نفهم المطلب، ثمّ نرى كيف نُداري.

  • تأثير الحالات المعنويّة للإنسان في المزاح أو تركه

  • لذا نرى أنّ دأب النبيّ والأئمة عليهم السلام كان المزاح والمداعبة، فكانوا يتحدّثون مع الناس ويضحكون، ولم يكونوا عبوسين أو متعالين، ولم يكن لهم حسابٌ وكتابٌ منعزلٌ عن الناس، بل كانوا يقولون ويضحكون ويفرحون!

    1.  الكافي، ج ٣، ص ٣۷٢.
    2.  تفسير نور الثقلين، ج ٣، ص ٥۰٩:
      «و رَوَیٰ أبو بَصیرٍ عَن أبی‌ جَعفَرٍ علیه السّلامُ قالَ: إذا قامَ القائِمُ علیه السّلامُ سارَ إلَی الکوفةِ و هَدَمَ فیها أربَعَ مَساجِدَ و لَم یَبقَ مَسجِدٌ عَلیٰ وَجهِ الأرضِ لَهُ شُرَفٌ إلّا هَدَمَها و جَعَلَها جَمّاءَ.».
    3.  تهذيب الأحكام، ج ٣، ص ۷۰؛ تفسير العيّاشي، ج ۱، ص ٢۷٥.

بدء الدعوة العلنية، ومعنى السنّة، وبعضٌ من سنن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)

28
  • ولكن هذا المزاح هنا يجب ألّا يؤدّي إلى هتك حرمة المؤمن؛ فهذا حرام.

  • كلّ شخصٍ يعمل وفقًا لشاكلته؛ فهناك شخصٌ صاحب حال ولا يمزح كثيرًا بل يكون منشغلًا بحاله، وشخصٌ ليس بصاحب حالٍ فيمزح، وشخصٌ من أهل الصلاة، وآخر من أهل الدعاء، و... 

  • تفاوت حالات أصحاب سيّد الشهداء عليه السلام في ليلة عاشوراء، رغم اتّحادهم في الهدف والمسار

  • في ليلة عاشوراء، كانت حالات أصحاب سيّد الشهداء (عليه السلام) تختلف؛ فأحدهم كان يمزح، والآخر كان يصلّي، وآخر كان يبكي، ولم يكن لأيٍّ منهم شأنٌ بالآخر.

  • كان بُرَير يمزح؛ فقالوا له: لماذا تمزح؟ فقال: غدًا سنكون في أحضان الحور العين!۱ ولم يكن يقول ذلك كحقيقة، بل كان يمزح!

  • يُنقل بعض أصحاب المنابر هذا المطلب وكأنّه أمرٌ غير مستحسن، ثمّ يقولون: «أنت بين يدي سيّد الشهداء وتفكّر في الحور العين؟!».

  • كلّا، لقد كان يمزح!

  • نحن أيضًا نتحدّث بمثل هذا الكلام! فيقول أحدهم: لقد صبرنا حتّى الآن، ولكن لم نحصل على شيء، ولم يكن لنا حظٌّ في هذه الدنيا، فعلى الأقلّ لنَمُت بين يدي الإمام الحسين لنرى ما سنحصل عليه هناك!

  • فقد كان رجلًا مسنًّا، وكما يُقال: التمنّي ليس عيبًا للشباب! حسنًا، لقد كان يمزح.

  • ومن جهةٍ أخرى، كان مسلم بن عوسجة يبكي، ويبتهل، ويصلّي. هذا له شأنه، وذاك له شأنه؛ وكان كلاهما يمتلكان هدفًا واحدًا ومسارًا واحدًا!

  • لذا يجمع الإمام الحسين (عليه السلام) الجميع في ليلة عاشوراء ويقول:

  • «إِنِّي لَا أَعْلَمُ أَصْحَابًا أَوْفَى وَلَا خَيْرًا مِنْ أَصْحَابِي»؛ «أنا لا أعرف أصحابًا أوفى وأفضل وخيرًا منكم!».

  • وعندما يتوجّه الإمام (عليه السلام) إلى الأصحاب ويقول لهم:

  • «أَلَا وَإِنِّي قَدْ أَذِنْتُ لَكُمْ، فَانْطَلِقُوا جَمِيعًا فِي حِلٍّ! لَيْسَ عَلَيْكُمْ مِنِّي ذِمَامٌ! هَذَا اللَّيْلُ قَدْ غَشِيَكُمْ فَاتَّخِذُوهُ جَمَلًا!».٢

  • «لقد أسقطت عهدي عنكم، وجعلتكم في حِلّ! فالليل مظلم ولا أحد ينتبه ولا أحد يرى، فاذهبوا من هنا!».

  • عندها نهضوا واحدًا تلو الآخر وتحدّثوا وقالوا:

  • «لو كان لدي ألف روح، لقدمتها فداءً لك! ولو أحياني الله مرة أخرى، لما ترددت!».٣

  • أبو الفضل العباس، القاسم، مسلم بن عوسجة، حبيب بن مظاهر، زهير بن القين (عليهم السلام)، من كانوا هؤلاء جميعًا؟

    1.  واقعة الطف، ص ٢۰٢، التعليقة؛ نفس المهموم، ص ٢۱٥.
    2.  الإرشاد، ج ٢، ص ٩۱.
    3.  المصدر نفسه؛ إعلام الورى، ج ۱، ص ٤٥٥.

بدء الدعوة العلنية، ومعنى السنّة، وبعضٌ من سنن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)

29
  • كانوا رجالًا ينهلون من مَنبعٍ ومشربٍ واحدٍ ويأخذون المعارف منه.

  • ونقرأ في يوم عاشوراء: «كَانُوا يَتَسَابَقُونَ، وَلَمْ يَكُونُوا يُرِيدُونَ الْبَقَاءَ!»۱ وكان سيّد الشهداء (عليه السلام) يمسكهم.

  • وعندما كانوا يتقدّمون لمواجهة الجيش ويرون أنّ القتال قد طال قليلًا، كان ينفد صبرهم، فكانوا يخلعون دروعهم كعابس بن شبيب الشاكري!٢ لقد كان هؤلاء يعشقون الإمام الحسين لدرجة أنّه ورد في حقّهم:

  • «لَا يَمَسُّونَ أَلَمَ الْحَدِيدِ!»؛٣ «لم يكونوا يشعرون بألم الرماح والسيوف أصلًا!».

  • نزل عابس إلى ساحة القتال، وتقدّم وقاتل قليلًا -سواءً كان العدو يهابه ويتجنّبه لشجاعته، أو لأنّه كان رجلًا مسنًّا- فنفد صبره وخلع درعه!٤

  • الكلمات النورانيّة لسيّد الشهداء عليه السلام في اللحظات الأخيرة في حزن فراق الأصحاب

  • في موقفٍ ما، قال سيّد الشهداء عليه السلام: «إِنِّي لَا أَعْلَمُ أَصْحَابًا أَوْفَى وَلَا خَيْرًا مِنْ أَصْحَابِي»٥. وفي موقفٍ آخر، عندما سقطت جميع تلك الأجساد على الأرض، جاء (عليه السلام) وألقى نظرةً فرأى أنّه لم يعد هناك أخٌ ولا أصحاب؛

  • فذكرهم عليه السلام هناك أيضًا ونادى:

  • «يَا مُسْلِمَ بْنَ عَقِيلٍ! وَيَا هَانِئَ بْنَ عُرْوَةَ! يَا حَبِيبَ بْنَ مُظَاهِرٍ! يَا مُسْلِمَ بْنَ عَوْسَجَةَ! يَا بُرَيْرُ! يَا زُهَيْرُ! مَا لِي أُنَادِيكُمْ فَلَا تُجِيبُونِي؟! وَأَدْعُوكُمْ فَلَا تَسْمَعُونِي؟!»

  • «ما خطبكم وابن نبيّكم يناديكم فلا تجيبونه؟! يدعوكم فكأنّكم لا تسمعون!».

  • «أَأَنْتُمْ نِيَامٌ أَرْجُوكُمْ تَنْتَبِهُونَ؛ أَمْ زَالَتْ مَوَدَّتُكُمْ عَنْ إِمَامِكُمْ فَلَا تَنْصُرُونَهُ؟!»

  • «هل غفوتُم فأرجو يقظتكم؟ أم رفعتم أيديكم عن ولايتنا ومحبّتنا فلا تنصروننا؟!».

  • «فَهَذِهِ نِسَاءُ الرَّسُولِ لِفَقْدِكُمْ قَدْ عَلَاهُنَّ النُّحُولُ!».

  • «ألا تنظرون ولا ترون ذرّية النبيّ هذه؟ ألا ترون نساء نبيّكم اللواتي اعتراهنّ الضعف والنحول بفقدكم وسُلِبْنَ سندهنّ!».

  • «فَقُومُوا عَنْ نَوْمَتِكُمْ، أَيُّهَا الْكِرَامُ، وَادْفَعُوا عَنْ حَرَمِ الرَّسُولِ الطُّغَاةَ اللِّئَامَ!»٦و۷

  •  

  • وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا آلَ مُحَمَّدٍ أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُون. 

  • ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾

  • باسمك اللهمّ وندعوك ونُقسم عليك ونرجوك، 

  • بحقّ محمّدٍ وأهل بيته الأطهار، يا الله يا الله يا الله...

  •  

    1.  اللهوف، ص ۱۱٢.
    2.  واقعة الطف، ص ٢٣۷.
    3.  الخرائج والجرائح، ج ٢، ص ۸٤۸:
      «عَن جابِرٍ عَن أبی‌ جَعفَرٍ عليه السّلام قالَ: قالَ الحسينُ بنُ عَلّي عليهما السّلامُ لِأصحابِهِ قَبلَ أن يُقتَلَ: إنّ رَسولَ ‌اللهِ صلّى الله عليه وآله وسلّم قالَ: یا بُنَیّ، إنّکَ سَتُساقُ إلَی العِراقِ، و هی أرضٌ قَدِ التَقیٰ بِها النّبیّونَ و أوصیاءُ النّبیّینَ، و هی أرضٌ تُدعیٰ عَمورًا و إنّکَ تُستَشهَدُ بِها و یُستَشهَدُ مَعَکَ جَماعةٌ مِن أصحابِکَ لا یَجِدونَ [خ ل: لا یذوقون] ألَمَ مَسِّ الحَدیدِ!“ و تَلا: ”﴿قُلۡنَا يَٰنَارُ كُونِي بَرۡدٗا وَسَلَٰمًا عَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ﴾تَکونُ الحربُ علیکَ و علیهِم بَردًا و سَلامًا!“ فابشِروا، فَوَ‌اللهِ لَئِن قَتَلونا فإنّا نَرِدُ عَلیٰ نَبیِّنا!.»
      سورة الأنبياء، الآية ٦٩.
    4.  واقعة الطف، ص ٢٣۷؛ مقتل الحسين عليه السلام، ج٢، ص ٢۷.
    5. الإرشاد، ج ٢، ص ٩۱.
    6. أنوار الملكوت، ج ۱، ص ٢۰۷، التعليقة ۱.
    7. أنوار الملكوت، ج ۱، ص ٢۰۷، نقلًا عن كلمات الإمام الحسين عليه السلام، ص ٤۸٤؛ وناسخ التواريخ، ج ٢، ص ٣٣۷، مجلد حالات سيد الشهداء عليه السلام، بقدرٍ من الاختلاف.