المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني
القسممباني الإسلام
المجموعةمحطات من السيرة النبويّة
هو العليم
بدء الدعوة العلنيّة للنبيّ الأكرم بإنذار عشيرته وأقوامه
طرح مباني الإسلام - – محطات من السيرة النبوية - المحاضرة الثانية عشر
(ترجمة مؤقتة بمساعدة الذكاء الصناعي: تُرجمت هذه المحاضرة بمساعدة الذكاء الاصطناعي باستخدام أفضل الأدوات المتاحة، وحرِصنا على تحقيق أعلى جودة ممكنة. ومع ذلك، فهي ترجمة مؤقّتة سنعمل على مراجعتها لاحقًا لضمان دقتها الكاملة. إذا وَجدْتَ أيّ ملاحظة، نرجو إبلاغنا بها للمساهمة في تحسين المحتوى.)
إلقاء:
آية الله الحاج السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ
قدّس سرّه
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على سيّدنا ونبيّنا
وحبيب قلوبنا وطبيب نفوسنا أبي القاسم المصطفى محمّد
وعلى آله الطيّبين الطاهرين المعصومين المكرّمين
واللعنة على أعدائهم أجمعين
قال الله في كتابه: ﴿وَأَنذِرۡ عَشِيرَتَكَ ٱلۡأَقۡرَبِينَ * وَٱخۡفِضۡ جَنَاحَكَ لِمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾.۱
الهداية الاختصاصيّة لكلّ سالك بناءً على شاكلته الخاصّة
تتمّةً للموضوع الذي طُرح البارحة، حيث نوقشت الهداية الاختصاصيّة والشخصيّة للنبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله، فقد وصل بنا الكلام إلى أنّه كلّ من أراد التحرّك في مسار الحقيقة، فإنّ الله تعالى يقدّر له الهداية. بناءً على هذا، فإنّ الأشخاص الذين جعلوا وجهتهم وهدفهم التحرّك نحو المراتب الكماليّة، وبواسطة الارتباط بنفس الوليّ والأستاذ، فإنّ ميلهم وتوجّههم الفكريّ في الحوادث والمسائل المختلفة ينعطف نحو ميل الأستاذ ونيّته.
على الرغم من أنّه قد يحدث في بعض الموارد، وفي فترة خاصّة وموقعيّة معيّنة، ومن أجل دفع بعض الخلل والنواقص الموجودة في نفس الإنسان، وبواسطة التربية التي يعلم الوليّ نفسه كيفيّتها بشكل أفضل، أن تُترك زمام الأمور على عاتق الإنسان نفسه، وتطرأ مسائل غير التي يتوقّعها، لكي يلفتوا انتباهنا إلى ذلك الخلل وتلك النواقص النفسيّة فينا، ويقولوا: «إنّ حالك هو على هذا النحو؛ فلو أُلقي الحبل على غاربه، لانتهى بك المطاف إلى هذا الحال وهذا المآل!». ولكن بعد انقضاء هذه المرحلة وهذه الفترة، يعود مسار العمل مجدّدًا ليجري وفقًا لذلك المسار المنشود.
إنّ هذه المسألة دقيقة جدًّا، وهي أنّ لكلّ شخص ارتباطًا خاصًّا بأستاذه، وهذا الارتباط لا يُعدّ مِلاكًا لعمل الآخرين؛ ولكلّ شخص ارتباطه الخاصّ بالباري عزّ وجلّ بناءً على الخصوصيّات والشاكلة التي يمتلكها: «الطُّرقُ إلَى اللَهِ بِعَدَدِ أَنفاسِ الخَلائِقِ».٢ ولا يمكن أن يكون هذا النحو من الارتباط مِلاكًا ومعيارًا للآخرين! فإذا مال شخص في نفسه نحو جهة معيّنة، حتّى لو رأى هذا الأمر من قِبل الوليّ، فلا يمكنه أن يرويه للآخرين، ولا يمكن للآخرين أيضًا أن يتّخذوا هذا النحو من الارتباط موردًا للعمل. ولا يمكن لهذا الشخص أن يملي عمله هذا على الآخرين أو يبيّنه لهم، إلّا في حال وصوله، من حيث الاتّصال، إلى مقام الجامعيّة الذي يجعله مطّلعًا على جميع زوايا الأمر، وعالمًا بكافّة خصوصيّات القضيّة والمسألة؛ وإلّا فلا يمكنه ذلك. فربّما يتجلّى ويظهر نحو الارتباط القائم بين التلميذ والأستاذ، في مجال ومسألة واحدة، بأنحاء مختلفة، وتكون جميعها صحيحة ومنطبقة على المسار وعلى خصوصيّاتهم؛ ولذا نقول: إنّ عمل شخص ما، ليس مِلاكًا لعمل شخص آخر.
لزوم الاتّباع التامّ للأستاذ بسبب عدم اطّلاع الإنسان على أسرار المسائل وزواياها
وبسبب مسألة عدم الجامعيّة هذه وعدم الاطّلاع على الزوايا، فمن الممكن أن يرى الإنسان بحسب الظاهر أنّ الطريق الذي سلكه طريق صحيح، بل وقد يحصل له العِلم بذلك؛ ولكن نظرًا لأنّ تلك الخصوصيّات والأسرار والزوايا خافية على الإنسان، فإنّ ردّ الفعل الذي يُبديه والمسار الذي يختاره، سيتخلّله نواقص وخلل، بسبب عدم الاطّلاع على الزوايا الكامنة في تلك القضيّة. فمثلًا يتوهّم أنّ العمل الذي يقوم به صحيح، وربّما يقوم بذلك العمل بناءً على أمر الوليّ أيضًا؛ ولكنّ كيفيّة اختيار المسار، ومقدار الحركة في تلك المسألة زيادةً ونقصانًا، وبعض الزوايا والخصوصيّات الموجودة فيها، تؤدّي إلى التخطّي والانحراف عن ذلك النهج والهدف المنشود للوليّ، فيتخبّط الأمر ذات اليمين وذات اليسار.
إنّ المجتهد لديه جزمٌ في الطريق الذي يختاره، ويعمل بناءً على المسائل التي وضعها الشرع بين يديه بحسب الظاهر، ويعتبر عمله منطبقًا على الشرع أيضًا؛ ولكنّ الكلام هو هنا: بالنسبة للأشخاص الذين يسعون لتحقيق أهداف أسمى، ويريدون أن يضعوا السعادة والحياة الأبديّة نصب أعينهم، فإنّ الاعتماد على ما يستند إليه الآخرون يُعدّ قليلًا؛ وبالنسبة لهم، فإنّ التوجّه إلى ما يتوجّه إليه الآخرون يُعدّ ناقصًا.
كيفيّة أخذ المرحوم «جولا» بِيَد آية الله السيّد عليّ الشوشتريّ
المرحوم آية الله السيّد عليّ الشوشتريّ هو أحد كبار الأولياء وعلماء الإماميّة.۱ وكان من كبار المجتهدين المشهورين في حوزة النجف، حيث هاجر من مسقط رأسه «شوشتر» إلى النجف للدراسة، وعاد بإجازات اجتهاد متعدّدة إلى مسقط رأسه وموطنه الأصليّ «شوشتر»، وانشغل بالمرجعيّة والقضاء والإفتاء. يُنقل أنّه:
طُرق باب منزل المرحوم الشوشتريّ ذات ليلة، فذهبت زوجته وعادت قائلة: «لقد جاء شخص متسوّل!».
فقال: «اذهبي واسأليه ما اسمه؟».
ـ فقالت: «يقول إنّه الملّا قلي جولا».
ـ قال: «وما حاجته؟».
ـ قالت: «يقول إنّ لي حاجة مع السيّد!».
كان قد مضى شطرٌ من الليل، فقال: «إنّ من له حاجة مع السيّد، لا يأتي في الساعة العاشرة أو الحادية عشرة ليلًا! من له حاجة مع السيّد يأتي في وقت لا يزاحمه فيه!».
فقالت الزوجة: «يقول إنّ لي حاجة ضروريّة مع السيّد».
ـ قال: «حسنًا جدًّا، قولي له أن يأتي غدًا!».
ـ قالت: «يا سيّدي، هذا الرجل له حاجة معك، فلماذا تردّه؟! انظر ماذا يقول!».
فقال المرحوم الشوشتريّ: «بما أنّكِ أنتِ من يريد ذلك وتتنازلين عن حقّكِ، فاخرجي إذن من الغرفة!».
دخل ذلك الشخص وجلس جانبًا؛ فقال له المرحوم الشوشتريّ: «ما حاجتك؟».
فقال: «لقد جئت لأقول لك: إنّ هذا الطريق الذي تسلكه هو طريق جهنّم!» قال هذا وانصرف.
والآن، السيّد عليّ الشوشتريّ، هذا الرجل بهذه العظمة، والمجتهد المشهور، ومن التلامذة الخواصّ لصاحب الجواهر والشيخ مرتضى الأنصاريّ، مع كلّ هذه المقامات، يُقال له: «إنّ هذا الطريق الذي تسلكه هو طريق جهنّم!».
عادت زوجته وسألته: «من كان هذا الشخص؟!».
فقال: «يبدو أنّه قد أصابه شيء من الجنون وفقد عقله! لم يكن شيئًا، ولم يكن الأمر مهمًّا».
بعد ثمانية أيّام، طُرق الباب مجدّدًا في الليل، فجاءت زوجته وقالت: «لقد جاء نفس ذلك الرجل الرثّ الثياب!».
فقال: «يبدو أنّه كلّما هاج جنونه يأتي إلينا! دعيه يدخل، ليتحدّث قليلًا حتّى نرى ما هو الموضوع».
تفضّل بالدخول، فقال المرحوم الشوشتريّ: «ما هو أمرك؟».
فقال: «ألم أقل لك إنّ الطريق الذي تسلكه هو طريق جهنّم؟! إنّ هذا الحكم الذي أمضيته وحكمت به اليوم بشهادة الثقات والعدول، لصالح هؤلاء وضدّ فلان، هو حكم باطل! القضيّة هي أنّ هناك عقدًا وحجّة وقف قد حظيت بتوقيع العلماء والموثّقين المحترمين، وهذه [حجّة الوقف] مدفونة الآن في الصندوق الفلانيّ، في المكان الفلانيّ تحت التراب؛ وهذا الحكم الذي أصدرته مخالف للواقع!». قال هذا وودّعه وانصرف.
سألته زوجته: «ماذا كانت القصّة؟»، فقال: «لقد ذكر فكرة جعلتني أغوص في التفكير!».
لم ينم [المرحوم الشوشتريّ] حتّى الصباح؛ وفي الصباح عندما ذهب إلى الدرس، توجه مع بعض خواصّه وذهبوا إلى ذلك المكان المخصوص، فحفروا الأرض ووجدوا صندوقًا، ورأوا حجّة الوقف هناك. عندئذٍ شعر ذلك المدّعي وهؤلاء العدول والثقات بالخزي والخجل؛ فصحّح ذلك الحكم وأمضاه.
بعد مرور ثمانية أيّام على هذه الحادثة (ويبدو أنّ برنامجه مع السيّد عليّ كان يتمّ كلّ ثمانية أيّام)، جاء [جولا] مجدّدًا وجلس في الداخل. فنهض السيّد عليّ احترامًا له، وأجلسه بعزّ واحترام، وقال: «ماذا تأمرون الآن؟ ما هو الأمر المبارك؟ وما هي المسألة؟».
فقال: «الآن وقد أدركت أنّ جنوننا لا يهيج، فبِع جميع أثاثك وارتحل واذهب إلى النجف! واعمل بهذه التعليمات حتّى ألقاك هناك».
فباع جميع أمتعته، وارتحل متوجّهًا إلى النجف. وبقي هناك، حتّى ذهب يومًا إلى مقبرة «وادي السلام» لقراءة الفاتحة، فرأى الملّا قلي جولا هناك، فالتقيا، فأعطاه تعليمات جديدة وقال: «يجب أن أذهب الآن، ويجب أن أموت اليوم في شوشتر! في أمان الله!»، ثمّ تحرّك ومضى.۱
وقد بلغ المرحوم السيّد عليّ الشوشتريّ أيضًا مقامات عالية جدًّا بفضل عمله بتعليماته؛ فعلاوة على تلك المسائل التي تُذكر بحسب الظاهر، من أنّه تصدّى للتدريس وتفرّد به بعد المرحوم الشيخ الأنصاريّ،٢ فقد وصل إلى مقامات، وهو نفسه من كان أستاذًا للمرحوم الآخوند الملّا حسين قلي الهمدانيّ.
كلّ هذه المسائل تعود إلى أنّه رغم احتمال حصول اليقين للإنسان بأمر ما من الناحية الظاهريّة، إلّا أنّ خصوصيّات المسألة وزواياها خفيّة عن ناظريه، ولا يمكنه معالجتها كما ينبغي ويليق؛ فهذا الأمر لا يضطلع به إلّا الوليّ، الذي يقوده ـ عبر ما يُلقيه إليه، ومن خلال اتّصاله بنفس التلميذ ـ في نفس الطريق المنشود له. وبالطبع فإنّ الموضوع المتعلّق بهذه القضيّة واسع جدًّا، وتناول خصوصيّاته وجوانبه يحتاج إلى وقت طويل، ويُحتمل أن نشير إلى هذه المواضيع مجدّدًا في الأفكار التي ستُطرح في الأيّام القادمة، بحسب ما يقتضيه الزمان والمكان.
بدء الدعوة العلنيّة للنبيّ الأكرم بنزول الآية: ﴿وَأَنذِر عَشِيرَتَكَ ٱلأَقرَبِينَ﴾
بلغ النبيّ الأكرم مقام الرسالة والبعثة في سنّ الأربعين. وكان هناك فاصل زمنيّ يمتدّ لعدّة سنوات بين بلوغه مقام البعثة ووقت الإبلاغ للناس. وتختلف الروايات في هذا الشأن بين ثلاث إلى خمس سنوات؛ فقد ورد في معظم الروايات:
«كان النبيّ يُخفي دعوته لمدّة ثلاث سنوات، ولم يكن يلازمه صلّى الله عليه وآله أيّ شخص آخر سوى أمير المؤمنين عليه السلام وحضرة خديجة عليها السلام».٣
وجاء في رواية أخرى: «وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ مُسْتَخْفِيًا بِأَمْرِهِ خَمْسَ سِنِينَ يَكْتُمُهُ ».٤
وفي رواية أخرى، ذُكر زيد بن حارثة أيضًا مع النبيّ الأكرم.٥
وورد في روايات أخرى لأهل التسنّن أنّه: «في ذلك الوقت كان أبو بكر أيضًا من ضمنهم وملازمًا للنبيّ»٦، ولكن يبدو أنّ رواية أهل التسنّن غير صحيحة، وكان زيد بن حارثة وأمير المؤمنين عليه السلام وحضرة خديجة وحدهم من يصلّون مع النبيّ.
إلّا أنّ المشركين في تلك الأيّام لم يتعرّضوا له صلّى الله عليه وآله؛ فعندما كان يأتي إلى المسجد الحرام، كانت الأصنام في مكانها، وكانت جماعة تأتي وتعبد الأصنام، وكان النبيّ أيضًا يدخل المسجد الحرام مع أمير المؤمنين وحضرة خديجة ويصلّون. فكان المشركون يقولون: «نحن لا ندري ماذا يفعل هذا؟!».
كان النبيّ يصلّي في المسجد الحرام قبل البعثة أيضًا،۱ وكان المشركون يعرفون سلوك النبيّ وكلماته؛ ولذا كانت مسألة البعثة ومسألة الوحي أمرًا عاديًّا بالنسبة لهم، ولم تكن قضيّة تزاحم أعمالهم وبرامجهم كثيرًا حتّى يتصدّوا لها ويعارضوها، ولهذا لم يتعرّضوا له، إلى أن نزلت الآية: ﴿وَأَنذِرۡ عَشِيرَتَكَ ٱلۡأَقۡرَبِينَ﴾٢. وعندما نزلت هذه الآية وجاء في إثرها الأمر بأن:
معارضة المشركين وكبار قريش للنبيّ الأكرم بعد بدء الدعوة العلنيّة
﴿فَٱصۡدَعۡ بِمَا تُؤۡمَرُ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡمُشۡرِكِينَ * إِنَّا كَفَيۡنَٰكَ ٱلۡمُسۡتَهۡزِءِينَ﴾٣ ومن هنا بدأت مصائب النبيّ ومشاكله!
طالما أنّ الإنسان يعتنق فكرًا ومذهبًا ولا يُلحق ضررًا بأحد، فلن يتعرّض له أحد؛ ولكن بمجرّد أن تُطرح مسألة التبليغ والإفصاح عمّا في الضمير، والتبشير بالمذهب والهدف، ويرى [المعارضون] أنّ الناس بدأوا يجتمعون تدريجيًّا ويتبعون قضيّة وأمرًا ما، فإنّهم يفتحون أعينهم وآذانهم ليعرفوا ما هو الأمر؟! وما هذه الجماعة؟! وما هذه الحسابات؟! لقد كانت هذه [المسألة] قائمة منذ القِدَم، فالدول والحكّام والخلفاء لم يكونوا يتعرّضون لمن كان منشغلًا بشأنه الخاصّ؛ ولكن بمجرّد أن يتجمّع الأفراد حوله، كانوا يشعرون بالخطر على أنفسهم ويقفون في مقام المعارضة.
وقد بدأت هذه القضيّة مع النبيّ الأكرم أيضًا. فعندما كان النبيّ يدخل المسجد الحرام، غيّر أسلوبه؛ فكان يجلس ويتحدّث مع هذا الشخص، ويتحدّث مع ذاك، ويطرح فكرة هنا، وفكرة أخرى هناك، وبدأ تدريجيًّا يبيّن المواضيع لمن يأتي إليه، ممّا أثار استغرابهم في هذا الشأن! وهنا أسلم بعض الأفراد شيئًا فشيئًا ومالوا إليه صلّى الله عليه وآله.
بدأ كبار قريش يستشعرون الخطر شيئًا فشيئًا، قائلين: إنّ محمّدًا هذا الذي لم يكن معه حتّى الآن سواه وعليٌّ وخديجة، ما بال آخرين قد بدأوا ينضمّون إليه ويسيرون معه؟!
ولماذا يرافقه بضعة أشخاص؛ مرافقة من محض إرادة، وليست مجرّد مرافقة عاديّة وظاهريّة خالية من الاهتمام؟! إنّ هذه التحرّكات شغلت أذهان زعماء قريش تدريجيًّا، فبدأوا يتهامسون متسائلين عن حقيقة الأمر وماهيّة القضيّة؟! وفي مثل هذه الموقعيّة تنزل الآية: ﴿وَأَنذِرۡ عَشِيرَتَكَ ٱلۡأَقۡرَبِينَ﴾!٤
سيرة النبيّ الأكرم والأولياء الإلهيّين في إبلاغ الأوامر الوحيانيّة لأنفسهم وللمقرّبين منهم ثمّ للآخرين
يقول الأمر الإلهيّ: «يا نبيّنا، إن أردت إبلاغ دين الإسلام، فابدأ أوّلًا بأقاربك وذويك!». والقاعدة تقضي بذلك أيضًا، أي أن تدعوا زوجاتكم وأبناءكم أوّلًا، ثمّ تتوجّهوا إلى الآخرين:
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَأَهۡلِيكُمۡ نَارٗا﴾۱.
فإذا أراد شخص ما أن يتبنّى فكرًا وهدفًا، فمن أولى من زوجته وأبنائه باتّباع هذا الهدف؟!
كان أمير المؤمنين عليه السلام يخوض الحروب، وكان أوّل من يُرسلهم إلى العدوّ في هذه الحروب هم أبناؤه؛ ففي معركتي الجمل وصفّين، كان الإمام الحسن عليه السلام حامل لواء الميمنة، وسيّد الشهداء عليه السلام حامل لواء الميسرة، وكان محمّد بن الحنفيّة وهو عليه السلام في قلب الجيش.٢ وكان الناس يرون أيضًا أنّ عليًّا هذا هو القائد بنفسه، لم يترك أبناءه في الدار ويأمر الناس بالنهوض والذهاب للقتال! بل انطلق هو وأبناؤه في المقدّمة، يتلقّون السهام والرماح والسيوف، وحين يعودون يراهم جميع الناس؛ ولذا كان الناس ينهضون ويندفعون للقتال.
أو أنّه: عندما كان ينزل حكم متعلّق بالتهجّد وصلاة الليل، وكذلك سائر الأحكام الإسلاميّة، كان أوّل من يُبلّغ بهذا الحكم هو بيت أمير المؤمنين عليه السلام؛ فكان النبيّ صلّى الله عليه وآله يأتي صباحًا ويقول: «يا عزيزتي فاطمة ويا عليّ، قوما بهذه الأعمال! تصدّقا! وصلّيا!». فكان المخاطب الأوّل للنبيّ في إبلاغ الخطاب الوحيانيّ، هم عشيرته الأقربون: أمير المؤمنين وابنته فاطمة الزهراء والحسنان، ثمّ كان يُبلّغ الخواصّ في المرحلة التالية، وبعد ذلك تأخذ المسألة طابع العموميّة.
إنّ هذا الأسلوب هو أسلوب عقلائيّ وفطريّ، وهو أسلوب شرعيّ وفقًا لأمر الباري عزّ وجلّ: ﴿وَأَنذِرۡ عَشِيرَتَكَ ٱلۡأَقۡرَبِينَ﴾.
وهذا الأسلوب أوقع في النفوس، أي أنّه يترك أثرًا أبلغ في القلوب. فمجرّد البيان النظريّ للمسألة لا يمكنه أن يدفع الإنسان نحو الاتّباع؛ بل يجب أن يقترن البيان بعمل الإنسان نفسه، لكي يتمكّن المرء من تلقّي هذه المسألة. إنّ فهم الأمر وتلقّيه هما أمران مختلفان، وقد يتفاوتان. فقبول الشيء ومعرفته مسألتان مختلفتان؛ فالإنسان يعرف الكثير من الأمور لكنّه لا يستطيع قبولها، والقبول أمر آخر.
بدء مصائب ومعاناة أمير المؤمنين وحضرة خديجة مع انطلاق الدعوة العلنيّة
عندما نزلت هذه الآية، قال النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله لأمير المؤمنين عليه السلام: «يجب علينا أن نبدأ! يا عليّ، شمّر عن ساعديك، فقد حان وقت الانطلاق والمناداة بالدعوة!». توجد صعاب كثيرة في هذا الطريق: ستُرمى رؤوسنا بالحجارة، وسيُسلّطون علينا الصبيان ليطاردوننا، وأذى الأراذل والأوباش [بانتظارنا]، وسيطاردوننا ويضطروننا للفرار إلى الجبال، وسيرموننا بالحجارة ويشقّون جباهنا، وسيُلقون علينا روث الحيوانات، ويذرّون الرماد على رؤوسنا، وسيحاصروننا لثلاث سنوات۱ أو لأربع٢ ـ بناءً على رواية أخرى ـ في الشِعب في مكان ضيّق جدًّا، ثمّ أوضاع الهجرة والتشرد والذهاب إلى المدينة، وأذى المنافقين، والحروب، وضربة سيف عبد ودّ على رأسك و...، فهلمّ ولنبدأ!
كلّ هذه المصائب مذكورة في التاريخ،٣ وكان أمير المؤمنين يعلمها جميعًا. وإن شاء الله بمشيئة الله، إذا وصلنا في الدروس القادمة إلى هجرة النبيّ الأكرم، فسنبيّن منهج أمير المؤمنين وموقفه وما ذكره الآخرون حول كيفيّة نومه في ذلك المكان تلك الليلة، وكيف كان حاله عليه السلام أساسًا.٤ كلّ هذا من أجل: ﴿فَٱصۡدَعۡ بِمَا تُؤۡمَرُ﴾؛ أي لا تجلس في بيتك، بل انهض وانطلق! وهذا الأمر، يحمل في طيّاته هذه المسائل أيضًا!
نحن نكتفي بالكلام فقط، وتسعد قلوبنا بأنّنا على الأقلّ نتحدّث عن ذلك؛ ونحن منذ البداية صفيّنا حسابنا معكم وقلنا: لا تنظروا إلينا، بل انظروا إلى كلامنا! أنا على يقين من المواضيع التي أقولها. مهما حاولتم وأيّا ما فعلتم، فإنّ الأمور هي هذه فحسب؛ والسلام!
«اُنظُرْ إلَى مَا قَالَ ولَا تَنظُر إلَى مَن قَالَ».٥
لقد قيل لنا: «قُل!»، ونحن نقول؛ فلا تنظروا إليّ، بل انظروا إلى كلامي. يقول أمير المؤمنين عليه السلام: «خُذِ الحِكمَةَ ولَو مِن أَهلِ النِّفاقِ»٦
ونحن لسنا بأرفع شأنًا من المنافق! ولكن يمكنني أن أطمئنكم بهذا القدر، وهو أنّني لا أخون في نقل الأفكار والمواضيع.
الخلاصة، شمّر أمير المؤمنين عن ساعديه! فكان أمير المؤمنين في كفّة، وحضرة خديجة في كفّة أخرى!
إنّ قضيّة حضرة خديجة لا يعلمها أحد، ولا يُعرف حقًّا حجم التضحيات التي قدّمتها! ويُصاب الإنسان بالذهول حقًّا ممّا قامت به هذه المرأة! فماذا فعلت حضرة خديجة حتّى ظلّ النبيّ يذكرها دائمًا حتّى آخر أيّام حياته، وكان يذبح الشياه ويتصدّق عن حضرة خديجة ويُعطي المال للفقراء؟!۷ كانت بقيّة النساء يَرَيْنَ هذه الأمور فيشعرن بالاستفزاز؛ فكانت عائشة تأتي وتعترض!۸ فماذا كان النبيّ صلّى الله عليه وآله سيقول لهنّ حينها؟! كان صلّى الله عليه وآله يقول:
«ماذا تفهمن أنتنّ؟! في ذلك الوقت الذي تركتموني فيه وحيدًا، وقفت هي معي بمفردها! وفي ذلك الوقت الذي أدرتنّ لي ظهوركنّ جميعًا، بذلت هي كلّ عمرها وكلّ أموالها وكلّ روحها من أجلي!».۱
هل تعلمون ماذا كانت تفعل؟ كانوا يرمون النبيّ بالحجارة من خلف الجدار، ولم يكن عددهم واحدًا، بل كان يجتمع أربعون شخصًا خلف الجدار؛ ولم يكونوا يرمونه بالحصى، بل بالحجارة! رزقكم الله التشرّف بالحجّ! عندما تذهبون لرمي الجمرات، وبمجرّد أن تتقدّموا قليلًا، ستُصيب رؤوسكم حجارة كبيرة تؤدّي إلى نزيف الدم. كان المشركون يرمون بحجارة كبيرة جدًّا، لدرجة أنّ بعضها كان ربّما مُتلفًا [ومميتًا]؛ وحينها كانت حضرة خديجة تأتي وحيدةً بمفردها ـ لأنّ أمير المؤمنين لم يكن حاضرًا وكان قد ذهب لقضاء حاجة ـ وتقف أمام النبيّ، ولم تكن تملك أيّ وسيلة لاتّقاء هذه الحجارة، فكانت جميع الحجارة تُصيب حضرة خديجة!٢ أيّ امرأة تفعل هذا، ومن يمكنه القيام بمثل هذا العمل؟! وأيّ رجل يمتلك القدرة على تقديم مثل هذه التضحية؟!
[أمّا نحن فماذا؟!] يكفي ألّا نسبّب المتاعب، ولا حاجة لأن يصل خيرنا إلى أحد!
دعوة النبيّ لأقوامه وعشيرته وإبلاغ رسالته وإعلان استخلاف أمير المؤمنين وخلافته
يقول النبيّ لأمير المؤمنين عليه السلام:
«اذهب وادعُ أبناء عبد المطّلب!».
فدُعي حوالي أربعين شخصًا من أبناء عبد المطّلب إلى منزل النبيّ؛ وما شاء الله، كان كلّ واحد منهم بطلًا مغوارًا! وكان كلّ واحد منهم يمثّل قامة بحدّ ذاته، وله اعتباره وشخصيّته. ثمّ قال صلّى الله عليه وآله: «اشترِ كتف شاة، ووعاءً من اللبن، ومقدارًا من الخبز (رغيفًا أو رغيفين)!».
فهيأها عليه السلام. فأخذ النبيّ الأكرم مقدارًا من لحم الكتف، وقطّعه بأسنانه الشريفة، ثمّ نثره في وعاء الطعام. وكان هؤلاء الأربعون يراقبون المشهد؛ وهذا بطبيعة الحال له بركته! فأكل هؤلاء الأربعون جميعًا؛ يقول أمير المؤمنين: «ولم يبدُ النقصان إلّا في موضع أيديهم من حيث كانوا يأخذون الطعام!».
وما إن رأى أبو لهب ـ ذلك العدوّ اللدود للنبيّ وللإسلام ـ هذه المسألة، حتّى قال: «يا له من ساحر عجيب هذا الرجل! سَحَرَكُم واللَهِ؛ لقد كان يعلم سبب دعوتهم، وكان يدرك الأمر!
وبعد بضعة أيّام، أمر النبيّ أمير المؤمنين مجدّدًا أن يقول لهم: «تعالوا، فالنبيّ له حاجة معكم؛ ولكن هذه المرّة اصبروا قليلًا وانظروا ماذا يقول!». أيزعجكم أن تذهبوا إلى مكان وتأكلوا طعامًا؟! لقد قدّم لكم طعامًا شهيًّا، أعطاكم خبزًا ولحمًا فأكلتم، وشربتم اللبن أيضًا، وشبعتم جميعًا! ألم تشبع بطونكم؟! هل بقيتم جياعًا؟! كان كلّ واحد منهم يأكل خروفًا كاملًا، ليس خروفًا كبيرًا، ولكنّهم كانوا يأكلون جديًا! ويُتبعونه بوعاء من اللبن!۱
فذهب أمير المؤمنين عليه السلام مجدّدًا ودعا هؤلاء الأربعين فجاءوا، وتكرّرت نفس المسألة الأولى. ثمّ نهض النبيّ وتوجّه إليهم وقال: «سأطرح عليكم أمرًا، فزِنوه بعقولكم! ألم تجدوني صادقًا في أفعالي حتّى الآن؟! ألم أكن أمينًا؟! هل رأيتم منّي أيّ مخالفة؟! لقد بُعثت من قِبل الله لأدعوكم إلى كلمةٍ، إن قبلتموها، سادت لكم القيادة والولاية على العرب والعجم كافّة! وهي الشهادة بـ «لا إله إلّا اللَه»؛ فإن قبلتموها، أفلحتم. أَيُّكُم يُوَازِرُنِي عَلَى أَن يَكُونَ أَخِي وَوَصِيِّي وَوَارِثِي وَخَلِيفَتِي مِن بَعدِي؟!
فلم ينهض أحد! وكان أمير المؤمنين عليه السلام في ذلك الوقت يبلغ من العمر عشر سنوات؛ وهو بنفسه يقول: «كنت أصغرهم سنًّا وأنحفهم، ولم يكن أحد يعيرني اهتمامًا. فنهضت وقلت: يا رسول الله، أنا مستعدّ لأبايعك على أن أعينك في هذا المسار!».
فقال صلّى الله عليه وآله: «اجلس!».
«وكرّرها صلّى الله عليه وآله مرّة أخرى، فنهضت وكرّرت نفس المطلب. وفي المرّة الثالثة قال النبيّ صلّى الله عليه وآله: إِنَّ هَذَا أَخِي وَوَصِيِّي وَخَلِيفَتِي فِيكُم، فَاسمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا!»٢.
أسرار ونكات إعلان وصاية أمير المؤمنين في سياق إنذار العشيرة
تحتوي هذه العبارة على نكات كثيرة! فالنبيّ لم يعر الاعتبارات الاجتماعيّة أيّ اهتمام أصلًا، ولم يكترث بما إذا كانوا يفهمون الآن أم لا، بل كان يهمّه أن أفهم أنا هذا الكلام في مثل هذا اليوم! ولذا فقد سخروا جميعًا! ففي الظاهر، يُعدّ قول هذا الأمر وبيان هذا الكلام لأربعين من الكبار وأصحاب العشائر أمرًا مثيرًا للسخرية جدًّا؛ ولذا ورد في التاريخ أنّه:
«فَقَامَ القَومُ يَضحَكُونَ وَيَقُولُونَ لِأَبِي طَالِبٍ: قَد أَمَرَكَ أَن تَسمَعَ لِعَلِيٍّ وَتُطِيعَ»٣.
حقًّا لم يكن أولئك الحمقى يفهمون! لكنّ النبيّ لا يعنيه عدم فهمهم، بل يريد إيصال هذه المسألة إلى مسامع من يفهم؛ هذا هو غرض النبيّ! وذلك الأمر وتلك المسألة هي: لم يكن أمير المؤمنين حينها في العاشرة من عمره، بل كان أمير المؤمنين حينها ابن مائة عام وابن ألف عام! لقد كان أمير المؤمنين في ذلك الوقت حقيقةً وواقعًا! يريد النبيّ إيصال هذه الفكرة؛ سواء شاؤوا أن يفهموا أم أبوا. ومن المسلّم به ألّا يفهم أحد؛ ولذا سخروا وقالوا: «انظروا، بعد أربعين عامًا رأينا فيها هذا [رسول الله]، يجيء الآن ليقول: تعالوا واتبعوا هذا الطفل ذا العشر سنوات!». ماذا كانوا يفهمون؟! لم يكن هؤلاء الجهلة يدركون شيئًا!
خيانة الطبريّ ومحمّد حسين هيكل في تحريف قضيّة الإنذار
لقد حرّف الطبريّ هذه الرواية في تفسيره؛ فقد ذكر عبارة «وَخَلِيفَتِي فِيكُم» في «تاريخ الطبريّ»،۱ ولكنّه نقل هذه القضيّة في «تفسير الطبريّ» على هذا النحو، فقال إنّ النبيّ قال: «أَيُّكُم يُوَازِرُنِي عَلَى هَذَا الأَمرِ، عَلَى أَن يَكُونَ أَخِي وَكَذَا وَكَذَا؟»، وقال في موضع آخر أيضًا: «إِنَّ هَذَا أَخِي وَكَذَا وَكَذَا!».٢
توجّه النبيّ الأكرم وعنايته في ذكر عناوين الأفراد وجميع تفاصيل المواضيع
إنّ النبيّ يمتلك نظرًا وتوجّهًا تجاه العناوين التي يوردها، ولا ينطق عن الهوى؛ فقد طرح النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله هذا العنوان كحقيقة. لم يكن النبيّ الأكرم في مقام الحديث والخطابة، بل كان يريد أن يقول: عليٌّ أخي! وعليٌّ وارث علمي! وعليٌّ من بعدي خليفتي عليكم!
لقد كان النبيّ الأكرم يمتلك نظرًا وقصدًا في كلّ واحد من هذه العناوين، ثمّ يأتي هؤلاء المحرّفون، وبخيانتهم للتاريخ وللأمم وللأجيال التي تأتي من بعدهم، ليحرّفوا الحقائق التاريخيّة.
لمحمّد حسين هيكل كتاب بعنوان «حياة محمّد»، وقد نقل في الطبعة الأولى من كتابه هذه الرواية كما نقلها «تاريخ الطبريّ». وفي أثناء حياته، أُعيدت طباعة كتاب «حياة محمّد» هذا، فجاء وحذف عبارة: «خَلِيفَتِي مِن بَعدِي»، ووضع مكانها عبارة: «أَيُّكُم يُوَازِرُنِي عَلَى أَن يَكُونَ أَخِي وَكَذَا وَكَذَا».٣
كاتبٌ حرٌّ ومستقلّ، ينتمي إلى أمّة تدّعي الحرّيّة وتعتبر نفسها أشرف أقوام العرب ورائدة مدرسة الحرّيّة والاستقلال! فأين الحرّيّة في هذا؟! وأين الاستقلال في هذا؟! أليست هذه خيانة؟! أليس هذا تحريفًا؟! أليس هذا تضليلًا للناس؟! لو كنتم تؤمنون وتعتقدون بفكركم ومذهبكم، فما الذي كان يخيفكم من سرد الحقائق والمسائل؟! فما لم يكن لدى الإنسان ما يخفيه، فما الذي يخشاه من بيان الحقيقة؟!
لزوم بيان كافّة الحقائق وحفظ الأمانة والدقّة في نقل المسائل
يجب علينا أن نتوخّى الدقّة البالغة في ذكر العناوين والأوصاف، وأن نبيّنها كما تنطبق على الواقع دون زيادة أو نقصان من عندنا! ولا ينبغي لنا إبداء الرأي من عندنا عند سرد المسائل والمواضيع! لقد أراد النبيّ أن يبيّن هذا العنوان للناس منذ بداية البعثة ومنذ انطلاق رسالته العامّة؛ فيأتون حينها ويمنعونه ويحولون دون ذلك! [فيقولون]: يا رسول الله، نحن نقبلك إلى الحدّ الذي لا يتعارض مع رياستنا وسياستنا؛ فإذا تعارض، سنحذف كلامك! نقبل أفكارك إلى الحدّ الذي لا يمسّ بمصالحنا؛ فإذا مسّها، سنحذف كلامك!
إنّ مذهب التشيّع مذهبٌ حرّ! لا يخشى أحدًا، ولا يحتاج إلى مديح أو نقد في غير محلّه لأحد!
يُنقل أنّه: بدأ أحد العلماء في إحدى المدن بابتكار خواصّ من عنده للقرآن وتلفيق الروايات؛ فبدأ باختلاق ۱۱٤ رواية لخواصّ القرآن من سورة الحمد إلى سورة الناس!
فسأله أحد العلماء: «إنّني لم أرَ هذه الروايات التي تنقلها في أيّ مكان!».
فقال: «لقد رأيت أنّ الناس لا يقرأون القرآن، فقلت لعلّ الناس ينتبهون بهذه الوسيلة إلى خصوصيّات القرآن وآثاره ويُقبلون على قراءته!».۱
إنّ هذا حرام! وهو تضليل للناس وتدمير للقيم والمعايير! هذا من قبيل طرح أمر من عند الذات. فلماذا يسعى الإنسان للتحريف؟! حسنًا، فليأتِ وليبيّن أصل الموضوع!
لزوم الدقّة في ذكر عناوين الأشخاص وألقابهم
أتذكّر أنّني كنت هذا العام في طهران، وفي أحد الأيّام وبينما كنت جالسًا وأستمع إلى مواضيع يطرحها أحد الأشخاص، رأيته ينقل فكرة عنّي؛ وكانت الفكرة على النحو التالي: في مثل هذا الوقت من العام الماضي، كنّا نتحدّث يومًا مع آية الله العلامة الوالد —أدام الله ظلّه— فجرّنا النقاش إلى كتاب «المثنويّ»، وأنّه كتاب دقيق ومهمّ جدًّا. فقلت له: «في كلّ مرّة كنت أقرأ فيها المثنويّ، كان يتبادر إلى ذهني معنًى جديد من حكاياته وأشعاره!».
فقال لي: «فاكتب عنّي هذه الفكرة إذن! لقد سمعت من المرحوم الحاج السيّد هاشم الحدّاد ـ رضوان الله عليه ـ أنّه كان يقول: سمعت من المرحوم القاضي ـ رضوان الله عليه ـ أنّه قال: «لقد طالعت كتاب المثنويّ ثماني مرّات، وفي كلّ مرّة كان يتبادر إلى ذهني معنًى يختلف عن المعنى السابق!».٢
كنّا قد طرحنا هذه الفكرة على ذلك الشخص، فطرحها هو على المنبر؛ إلّا أنّه قال خطأً: «سماحة السيّد!». ثمّ أدرك أنّه لا، بل كانت هذه هي الفكرة التي طرحتها أنا عليه، ولذا قال: «سماحة السيّد الحاضر في المجلس!»، وكان يقصدني أنا البائس المسكين!
انتهى الكلام ووصل إلى ختامه، فنزل من المنبر، وبدأ منبري؛ فالتفتّ إليه وقلت: «يا سيّدي، لديّ إشكال على كلامك، لقد قلت لي: «سماحة السيّد!»، وأنا لست «سماحة السيّد»! «سماحة السيّد» ليس سوى شخص واحد وهذا اللقب له؛ فلماذا نسبت هذا اللقب إليّ؟! أنا الآن في موقعيّة معيّنة وأمتلك مجموعة من المعلومات والخصوصيّات المعيّنة، وأعرف نفسي جيّدًا وأعرف من أكون، وأنا أدرى بذلك منك، ولا أريد أن أدّعي القداسة، ولا أن أُخدع بالمديح! بكلّ صراحة وحرّيّة واستقلاليّة! لست سماحة السيّد ولا عبيد السيّد وما شابه ذلك، ولا حاجة لي بلقب ثقة الإسلام أو حجّة الإسلام أو آية الله العظمى، ولا بأيّ ألقاب أرفع من ذلك؛ أنا مجرّد طالب علم! وإذا أردت أن تبدي احترامًا كبيرًا لي، فقل: «تحدّث السيّد محسن»، أو من الأفضل أن تستخدم صيغة الجمع، أو تقول: «قال السيّد محسن»؛ وليس «تفضّل بالقول»، فما معنى «تفضّل بالقول»؟! ناهيك عن استخدام «سماحته» و«سماحة السيّد» والارتقاء في الألقاب! نحن لا نرتضي هذه الأقوال. فهذه الألقاب تتسبّب في الخطأ والالتباس وتخدع الإنسان. إنّ لقب «سماحة السيّد» خاصّ بفرد معيّن، وليس لي! ليس لي أبدًا! يجب علينا أن نحذر ونحتاط كثيرًا في كلامنا؛ فإذا قلنا: «تفضّل فلان بالقول»، فلنقل للآخرين أيضًا: «تفضّل بالقول»؛ لا أن نقول لشخص دائمًا: «تفضّل بالقول»، بينما عند النقل عن الآخرين نقول: «قال السيّد فلان»؛ فإمّا أن نقول للجميع: «تفضّل السيّد فلان بالقول»، أو نقول: «قال السيّد فلان»، فما الفرق بين بعضنا البعض؟!
أضرار الاستخدام غير الصحيح للعناوين الخاصّة بالأئمّة وألقاب العظماء لسائر الأفراد
هذه مسائل قد وقعت وأنا أرويها لكم؛ وكما بيّنت لكم سابقًا، فإنّ هدفي من استعراض تاريخ النبيّ هو تطبيق ذلك التاريخ في طريقنا ومنهجنا؛ هذا هو الهدف.
على سبيل المثال، قال المرحوم العلّامة الطهرانيّ: «إذا كان الشخص لا يرتدي العمامة، فقولوا له: «ميرزا»، واذكروا اسمه أيضًا، ولا تقولوا ميرزا فقط؛ بل قولوا مثلًا: الميرزا عليّ، بالإضافة إلى عنوان أو لقب عائليّ. وإذا كان يرتدي العمامة، فقولوا: شيخ، واذكروا اسمه أيضًا».
أمّا أن تقولوا: قال الشيخ كذا، وقال السيّد كذا؛ وأن يكون لقب «الشيخ» و«السيّد» حكرًا على شخص واحد فقط، فهذا خطأ، وليس هذا هو رأي المرحوم العلّامة الطهرانيّ. بل يجب ذكر الاسم: الشيخ عليّ أصغر كمثال!
إنّ تخصيص عنوان ولقب بشخص واحد، يؤدّي تدريجيًّا إلى تشويه الأفكار وتشويشها، ولن نتمكّن من إيقاف ذلك، وستؤدّي هذه القضيّة شيئًا فشيئًا إلى الانقسام، وستختار كلّ مجموعة شخصًا لنفسها؛ وكلٌّ يذهب في طريق!
عندما نقول إنّ لقب «الإمام» مخصوص بالأئمّة عليهم السلام، فإنّما كنّا نخشى من هذا الخطر بعينه، فالخطر يكمن هنا! إنّ عنوان «الإمام» يقتصر على الإمام المعصوم فقط! فحينئذٍ يستخدم أحدهم هذا اللقب ويسير خلفه جميع الناس! إنّ هذه المسألة تعود إلى هذه القضيّة عينها.
لقد رأينا هذا العام في مكّة أنّهم يطبعون بيانات من قِبل البعثة، ويعلّقون في قافلتنا ومبنياتنا نفسها أحاديث للنبيّ الأكرم: قال النبيّ الأكرم: افعلوا كذا في الحجّ! افعلوا كذا في الطواف! وليكن توجّهكم على هذا النحو، وما شابه ذلك؛ وكُتب بجانبه أيضًا: تفضّل فلان بالقول: افعلوا كذا! بنفس العنوان وبنفس اللقب؛ وكُتب أسفل منه: يقول الإمام السجّاد عليه السلام كذا! هل أدركتم إلى أين تصل القضيّة؟ تصل إلى حدّ أن يصبح الإمام السجّاد دون ذلك العنوان وينزل مرتبة!
من الذي يمكنه أن يخصّ نفسه بهذا اللقب؟ إنّه من تكون موقعيّته، موقعيّة الإمام المعصوم عليه السلام، ولا يمكن لأيّ شخص آخر سوى الأئمّة الاثني عشر عليهم السلام ذلك! إنّ مسؤوليّة الفرد تقتضي منه، عندما يشعر بأنّ أفرادًا جهلة يحدِثون انشقاقًا وانحرافًا في الدين، أن يلتفت إلى المسألة ويأتي للتنبيه والتحذير.
بما أنّني أبيّن هذه الأفكار، فلا يمكنني أن أضع نفسي في مكان النبيّ؛ فأنا لست معصومًا، وكلامي هو كلام بشر، ويحتمل فيه الخطأ والزلل والانحراف. كلام مَن يشبه كلام النبيّ؟ كلام أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة، وكلمات سيّد الشهداء عليه السلام؛ يمكننا القول إنّ هذه الكلمات هي كلمات نبويّة وتشبه كلام النبيّ؛ وكلمات الإمام السجّاد عليه السلام نبويّة، وكلمات الإمام الباقر، والإمام الصادق، وموسى بن جعفر، والإمام الجواد عليهم السلام، كلّها كلمات نبويّة؛ أمّا بقيّة الناس، فلا أبدًا!
وإذا قلت فكرة وكانت هي نفس فكرتهم، فهذا يُنسب إليهم؛ وكأنّني آتي بهذه الأفكار التي أعرضها وأنسبها إلى نفسي! كلا، بل أقول لكم الآن بكلّ صراحة ووضوح، لكي لا تقولوا إنّني لم أقل، وأُعلن أيضًا أنّ كلّ فكرة صحيحة وواقعيّة قلتها لكم، فقد أخذتها من المرحوم العلّامة الطهرانيّ! وكلّ فكرة خاطئة قلتها، فهي من عندي! أنا أعرف نفسي، وعندما أكون عارفًا بنفسي، فلماذا آتي وأنسب الأمور إليها؟! ولا حاجة لي بذلك أيضًا! أنا أعلم الآن في أيّ موقعيّة أكون وكيف هو حالي؛ فلماذا يأتي شخص ليمدحني أو ينتقدني؟! نحن أناس عاديّون، مثلنا مثل الآخرين ولا نختلف عنهم في شيء، بل نحن أدنى مرتبة! فكيف نكون مثل الآخرين؟! كلّ فكرة واقعيّة وحقيقيّة وصحيحة سمعتموها منّي أو ستسمعونها لاحقًا، فاعلموا أنّني أخذتها من المرحوم العلّامة الطهرانيّ؛ وكلّ فكرة كان فيها خطأ واشتباه وانحراف، فهذه الفكرة من عندي. وهنا أكون قد صفّيت حسابي معكم!
حرمة كتمان الوقائع والحقائق
هذه القضيّة نفسها تتعلّق بالآخرين أيضًا؛ فإذا قلت فكرة واقعيّة، فتلك الفكرة تعود للنبيّ والإمام وليست لي؛ وإذا نقلت قصّة شيّقة، فتلك القصّة تعود لمن كُتبت في الكتب، وما شأني أنا بها؟! فماذا فهمت أنا بنفسي؟ وما هو استنتاجي؟ وما هو فكري؟ وأيّة سياسة وتدبير وتأمّل كنت ولا أزال أمتلكه؟ هذا هو الأمر! ولذا فإنّ هذه المسائل تؤدّي إلى ضلال جماعة وعدم تمكّنهم من تمييز الطريق. فعلى المرء أن يقول كلامًا صحيحًا حين يتحدّث. ويجب على هؤلاء أن يعلموا أنّه ما لم يدرك الأفراد المسائل الحقيقيّة والواقعيّة، فإنّ المسؤوليّة تقع على عاتقهم أنفسهم.
يقول أمير المؤمنين عليه السلام:
«لَا خَيرَ فِي الصَّمتِ عَنِ الحُكمِ، كَمَا أَنَّهُ لَا خَيرَ فِي القَولِ بِالجَهلِ».۱ «إذا رأى الإنسان في مكان ما فكرة وواقعيّة وحكمة، فلا ينبغي له أن يكتمها بل يجب عليه أن يبيّنها؛ وكذلك الكلام الصادر عن جهل، لا خير فيه ولا ينبغي أن يُقال!».
ذمّ بيان المسائل بناءً على تقليد أفكار الآخرين وعقائدهم دون الحصول على العلم والاطّلاع اللازم
هل يمكنني من خلال التواصل لمدة يومين مع شخص ما أن أعرفه؟! وهل يمكنني أن أتفوّه بكلّ ما يخطر على بالي هكذا دون أن أشعر بأيّة مسؤوليّة حيال ذلك؟! هذا خطأ فادح! فعليهم أن يجيبوا عن كلّ هذا! فعندما لا يعلم المرء، يتأمّل. فأين الاحتياط إذن؟ يقولون: يا سيّدي، كيف هي القضيّة الفلانيّة؟ قل: لا أعلم يا سيّدي، لا أعرف! فعدم المعرفة ليس ذنبًا!
كنت في شهر رمضان قبل بضع سنوات أمارس التبليغ في إحدى المدن. وكان يوم السابع من شهر تير۱، ولم أكن منتبهًا أصلًا، وكنت أخطب على المنبر. ورأى الإمام الراتب للمسجد أنّنا نُشرف على إنهاء الموضوع، ولم نتحدّث بشيء ولم نقل كلمة عن هذه المسألة والأحداث التي وقعت في ذلك اليوم؛ فكتب ورقة وسلّمها لشخص صعد المنبر وأعطاني إيّاها. فنظرنا إليها ورأينا أنّه كتب: «من المناسب اليوم، بمناسبة هذا التاريخ، أن تقدّم أنت أيضًا تذكيرًا وتتحدّث عن المسائل التي حدثت في مثل هذا اليوم!». قاصدًا حادثة التفجير والانهيار الذي وقع في ذلك المبنى، حيث توفّي سبعون ونيّف من الأشخاص ـ إذ قالوا: اثنان وسبعون، ولكنّه وصل إلى خمسة أو ستّة وسبعين شخصًا ـ نسأل الله إن شاء الله أن يعفو عنهم ويغفر لهم جميعًا ويُسكنهم في جنّات الخلد!
فرأيت أنّني لا أعرف أيًّا منهم؛ فماذا أقول الآن؟ أنا لا أعرف السيّد بهشتيّ أصلًا، ولم أجلس معه في جلسة واحدة حتّى الآن، ولم أتحدّث إليه؛ بل حدث لقاء مختصر جدًّا من بعيد ولمرّة واحدة فقط. وأنا لا علم لي بأيّ من الأفراد الذين قُتلوا هنا؛ فماذا يمكنني أن أقول الآن؟! وبالطبع، كنت أعرف شخصين من هؤلاء الأفراد:
الأوّل: كان الدكتور السيّد رضا پاك نجاد، الذي أرسل كتابه اوّلین دانشگاه و آخرین پیامبر٢ للمرحوم العلّامة الطهرانيّ. وكنت على تواصل وارتباط معه عن قُرب، وكنّا نتحدّث؛ وفي إحدى السنوات جاء إلى طهران، وتحدّثنا معه في عدّة جلسات، وكنت أعرفه، ولكن ليس كثيرًا بالطبع. وكنت قد سمعت عنه أمورًا من بعيد أيضًا. لقد كان شخصًا معروفًا بالتقوى والإيثار في جميع أرجاء محافظة يزد! كان لديه عيادة، وكانت عيادته تكتظّ بالناس وتزدحم؛ لأنّه أوّلًا كان يأخذ من كلّ شخص أيّ مبلغ يعطيه إيّاه، ولم يكن يأخذ ممّن لا يملك المال، وإذا كان حال المريض أسوأ، كان يعطيه ثمن الدواء أيضًا، وإذا كان أسوأ من ذلك، كان يعطيه الأموال التي كسبها في عيادته في ذلك اليوم! ويُقال: إنّه في العادة لم يكن في جيبه شيء عندما يخرج من العيادة ليلًا! لقد كان إنسانًا من هذا الطراز، وهذا كان منهجه!
والآن، لمّا كنت أعرفه وأطّلع على خصوصيّاته، فماذا يجب عليّ أن أفعل؟ يجب أن أخبر الناس! من واجبي أن أقول: يا أعزّائي، من بين هؤلاء، يوجد مثل هؤلاء الأفراد أيضًا!
الثاني: كان المرحوم السيّد فخر الدين رحيميّ، الذي كان يحظى بمكانة ممتازة جدًّا في خرّم آباد ولرستان وتلك الأنحاء. وكنّا نعرفه نحن وأصدقاؤنا الأقدمون أيضًا. كان إنسانًا طيّبًا جدًّا، ومتهجّدًا، وكان عمله خالصًا لله، وكان في حدود دائرته وسعته وبمقدار ما كان بوسعه القيام به، شخصًا منظّمًا ومنزّهًا.
فقلت: إنّني لا أعرف أيّ شخص آخر؛ وبالطبع قلت: إنّ جهود المرحوم بهشتيّ في صياغة الدستور ليست خافية أو مستترة على أحد.
نزلنا من المنبر، فجاء شخص وجلس هناك وقال: «يا سيّدي، أنت لم تؤدّ حقّ الموضوع!». قلت: «حول أيّ موضوع؟». قال: «حول هذا الشخص وفلان والألقاب و... !». فقلت: «يا سيّدي، اذهب أنت وأدّي حقّه! هذا هو المنبر وهذا هو المكبّر! وأنا سأجلس وأستمع. هل أقول ما لا أعلمه؟! هل تطلب منّي ذلك؟! لست من أهل هذا الأمر! أنت يمكنك البيان، فتفضّل! وإذا كنت تريد عمامة أيضًا، سأضعها على رأسك لتصعد وتتحدّث لساعتين أو ثلاث ساعات! ولن يمنعك أحد من ذلك!». ثمّ قلت: «علاوة على ذلك، إن لم أؤدّي أنا الحقّ، فالحمد لله توجد كلّ هذه الصحف والمجلّات وكلّ هذه الإذاعات والوسائل، فهم يؤدّون الحقّ، ولم يعد لنا مكان! أنا لا أستطيع أن أبيّن شيئًا لا أعلمه! لا أستطيع!».
لماذا يتفوّه الإنسان بكلام يوقفه الله بسببه يوم القيامة ويسأله: هل كنت تعلم ولديك خبر بذلك أم لا؟! يجب أن يكون المرء حرًّا! إلى متى سنقلّد ونمضي في طريقنا هكذا بخطى عمياء؟! يجب على الإنسان أن يسعى وراء الحقيقة في كلّ زمان وموقعيّة. إنّ تقليد الأسلاف والسير بناءً على الهوى، يُبقي الإنسان مقلّدًا حتّى آخر عمره. وحينئذٍ، عندما يوشك الإنسان على مفارقة الدنيا في أواخر عمره، يرى أنّ يديه خاويتان! نأمل ألّا يصل بنا الحال إلى أن نقول في الأيّام الأخيرة من حياتنا: يا ليتنا، لقد كنّا مخطئين طوال هذا الوقت!
فعندما نمتلك مصباحًا أمامنا، وقد أضاء لنا ذلك المصباح الطريق، فلا ينبغي لنا بعد ذلك أن نميل ذات اليمين وذات الشمال.
| نَامِ أَحمَد نَامِ جُملَه أَنبِيَاست | *** | چُونكِه صَد آمَد نِوَد هَم پِيشِ مَاست.۱ |
[يقول:
اسم أحمد هو اسم جميع الأنبياء، فمتى ما جاءت المائة كانت التسعون لدينا أيضًا]
---
| برُو بِه كَارِ خُود أَي وَاعِظ، أِين چِه فَريَاد است | *** | مَرَا فُتَادِه دِل أَز رَه، تُو رَا چِه أُفتَادِه است |
| بِه كَام تَأ نَرَسَانَد مَرَا لَبَش چُون نَاي | *** | نَصِيحَت هَمِه عَألَم بِه گُوشِ مَن بَاد است |
| گِدَاي كُوي تُو أَز هَشت خُلد مُستَغنِي است | *** | أَسِيرِ عِشق تُو أَز هَر دُو عَألَم آزَاد است ٢ |
[يقول:
امضِ إلى شأنك أيّها الواعظ، فما هذا الصراخ؛ لقد ضلّ قلبي عن الطريق، فما الذي دهاك أنت
ما لم تبلغني شفتاه المرام كالناي، فنصيحة العالَم بأسره في أذني كالهباء
إنّ متسوّل دربك في غنى عن الجنان الثماني، وأسير عشقك حرّ من كلا العالَمين].
براءة الشيطان من جميع أتباعه يوم القيامة
حتّى لو جاء العالَم بأسره ليؤذيك، فاتركهم جميعًا ولا تبالِ بهم! وإلّا فعندما يحين يوم القيامة، سيقولون: هل أجبرناك على ذلك؟ كان بإمكانك ألّا تأتي! والشيطان نفسه الذي هو رئيسهم جميعًا، سيقول: وما شأني أنا! فقد ورد في الرواية: «عندما يحين يوم القيامة، يضعون منبرًا للشيطان فيصعد عليه، ويجلس الأوّلون والآخرون ليستمعوا لحديثه! (فلا يوجد منبر يوم القيامة يحظى بجمهور كمنبر الشيطان! ورئيس هؤلاء جميعًا هو هذا الشيطان نفسه!) ويقول وفقًا للآية القرآنيّة الكريمة: ﴿فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوٓاْ أَنفُسَكُم﴾٣؛ «وما شأني أنا؟ هل أجبرتكم على شيء؟! لقد وسوست لكم فقط، وكان بإمكانكم ألّا تستمعوا لي!»».٤
وهناك تتعالى صرخات التحسّر؛ وهناك يقول: ﴿يَٰحَسۡرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنۢبِ ٱللَهِ﴾.٥
والآن بما أنّ القضيّة على هذا النحو، فلا نخدعنّ أنفسنا ولا نرعِ أسماعنا لقول هذا وذاك! فلو كان سيأتي يوم القيامة ليشفع ويأخذ بأيدينا ويقبل الله شفاعته، لكان الأمر هيّنًا! ولكنّه هو نفسه غارق في مشاكله!
حضور النبيّ في أرض كربلاء وإتيانه بقبضة من ترابها
كان النبيّ الأكرم جالسًا في منزل حضرة الزهراء ـ عليها السلام ـ وكان قد انتابه عليه الصلاة والسلام حالة من السرور والبهجة جرّاء هذه الموقعيّة وهذا الجمع المكوّن من حضرة الزهراء وأمير المؤمنين والحسنين عليهم السلام، وما يفيضه الله من عنايات على هذا الجمع، فكان يضحك ويمازحهم! وفجأة، رأى أمير المؤمنين وحضرة الزهراء أنّ النبيّ قد غاب عن الأنظار! وبعد مضيّ فترة، عاد النبيّ إلى مكانه؛ ولكن أيّ عودة! كان رأسه ووجهه مغبرّين بالكامل! وآثار الغبار والتراب ظاهرة على ثيابه! وكانت عيناه صلّى الله عليه وآله حمراوين من شدّة البكاء، وكان يبكي باستمرار.
فسألوه: «يا رسول الله، أين ذهبت؟ وماذا حدث؟».
فقال صلّى الله عليه وآله: «لقد كنت مبتهجًا بالعنايات والألطاف التي منّ بها الله على هذا الجمع وعلينا نحن الخمسة، وبالبركات التي تتحقّق بواسطتكم، فإذا بجبرئيل قد أتى فجأة وعرض قائلًا: «يا رسول الله، هل أنت فرح ومبتهج بهذا الجمع، في حين أنّك لا تعلم أنّ أمّتك هذه ستقتل ولدك الحسين وتستشهده؟!»». «لقد أخذني جبرئيل إلى كربلاء، وأراني مشهد مقتل الحسين هناك. وأنا آتي الآن من كربلاء، وقد جلبت معي هذا التراب من كربلاء أيضًا!».۱
تحوّل تراب كربلاء إلى دم عند أمّ سلمة يوم عاشوراء
وتمضي الأيّام على هذه الحادثة، فيعطي النبيّ هذا التراب لسيّد الشهداء عليه السلام، ويودعه سيّد الشهداء لدى أمّ سلمة في قصّة طويلة مفصّلة.٢
وفي عصر يوم عاشوراء، يرى أهل المدينة فجأة أنّ صوت النواح يتعالى من منزل أمّ سلمة؛ حيث خرجت إلى باحة المنزل، تلطم على رأسها، وترفع صوتها بالبكاء وتقول: «لقد رأيت النبيّ الآن في المنام، وكان صوته صلّى الله عليه وآله يعلو بالبكاء وهو يقول: «يا أمّ سلمة، لقد استشهد ولدي الآن، لقد استشهد حسيني الآن!».٣
مناجاة حضرة زينب في المقتل، وتأثيرات شهادة حضرة سيّد الشهداء في أجواء كربلاء
يقول الراوي: «عندما استشهد سيّد الشهداء عليه السلام، غطّت سحابة سوداء جميع الأجواء فجأة وثار الغبار،٤ وكأنّ زلزالًا كان على وشك الحدوث، وقد اضطرب العالَم بأسره!».٥
ويقول الراوي: «لن أنسى حضرة زينب حينها، وهي تركض نحو المقتل حاسرة الرأس وحافية القدمين، تلطم على رأسها باستمرار وترفع صوتها قائلة: «وَا مُحَمَّدَاه! وَا عَلِيَّاه! هَذَا حُسَينٌ مَجزُوزُ الرَّأسِ مِن القَفَا؛ [«يا جدّاه! انظر كيف يقتلون ولدك!»] مَسلُوبُ العِمَامَةِ وَالرِّدَاءِ، بِنَفسِي مَن لَهُ الهُمُومُ حَتَّى قَضَى، بِنَفسِي مَن هُوَ العَطشَانُ حَتَّى مَضَى، بِنَفسِي مَن شَيبَتُهُ تَقطُرُ بِالدِّمَاءِ! يَا مُحَمَّدَاه! هَذَا حُسَينُكَ بِالعَرَاءِ، تَسفِي عَلَيهِ الصَّبَا!».۱
﴿وَسَيَعۡلَمُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ أَيَّ مُنقَلَبٖ يَنقَلِبُونَ﴾.
بِاسمِكَ اللَهُمَّ وَنَدعُوكَ وَنُقسِمُ عَلَيكَ وَنَرجُوكَ
بحقِّ مُحَمَّدٍ وَأَهلِ بَيتِهِ الأَطهَارِ
يَا الله يَا الله يَا الله...
***