8

تناسب المعرفة مع ميزان الاتحاد والمعيّة الروحيّة

2
مشاهدة المتن

المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني

القسمدعاء أبي حمزة الثمالي

المجموعةسنه 1418

جلسات المجموعة(11 جلسة)

التوضيح

ما هو شرط المعرفة الحقيقية؟ لماذا يقصر الناس عن إدراك حقيقة الأولياء؟ ما هي فلسفة الجهاد في الإسلام وهل هي إكراه في الدين؟
يجيب سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهراني في هذه المحاضرة عن تلك الأسئلة، من خلال حديثه حول فقرة بك عرفتك وأنت دللتني عليك من دعاء أبي حمزة الثمالي.

/۱٤
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

تناسب المعرفة مع ميزان الاتحاد والمعيّة الروحيّة

1
  •  

  • هوالعلیم

  •  

  • تناسب المعرفة مع ميزان الاتحاد والمعيّة الروحيّة

  •  

  • شرح دعاء أبي حمزة الثمالي - سنة ۱٤۱۸ هـ - الجلسة الثامنة

  •  

  • محاضرة القاها

  • آية الله الحاج السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ

  • قدّس الله سره

  •  

  •  

تناسب المعرفة مع ميزان الاتحاد والمعيّة الروحيّة

2
  •  

  •  

  • أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

  • بسم الله الرحمن الرحيم

  • الحمد لله ربّ العالمين

  • وصلّى الله على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين

  • واللعنة الأبديّة الأزليّة على أعدائهم ومخالفيهم 

  • ومنكري فضائلهم أجمعين، إلى يوم الدين

  •  

  •  

  • معرفتك بالناس تتناسب مع مستوى الوحدة معهم

  • «بِكَ عَرَفتُكَ وأنتَ دَلَلتَني عَلَيكَ ودَعَوتَني إلَيكَ، ولولا أنتَ لم أدرِ ما أنتَ».۱

  • ذُكر في المجلس السابق أنّ الوحدة لازمة للعرفان والمعرفة بأيّ شيء. والمقصود بالعرفان ليس هذا العرفان الإلهيّ فحسب، بل العرفان بمعناه الواسع، أي المعرفة، حتّى لو كان للإنسان عرفان ومعرفة بصديقه. هذه المعرفة لا تتحقّق أبدًا بدون وحدة؛ فما دامت الاثنينيّة والغيريّة باقيتين، لا تحصل المعرفة.

  • وبيّنتُ أنّه ما دام الاثنان لم يريا بعضهما، فلا معرفة لهما ببعضهما؛ فهذه المعرفة تحصل للأفراد عندما يقتربون من بعضهم ويأنسون ببعضهم. فإذا كان الإنسان في هذا الطرف من الأرض وآخر في الطرف الآخر، فلا معرفة لهما ببعضهما ولا خبر لهما عن بعضهما أصلاً.

  • هذه الأمور التي أطرحها عليكم الآن، هي المعنى الشريف لهذه الفقرة المباركة من دعاء الإمام السجّاد عليه السلام، والتي يُطرح فيها «برهان الصدّيقين» بشكل آخر؛ وإن كانا ليسا غير مرتبطين ببعضهما، وهذا ما يؤخذ بنظر الاعتبار هنا. وطبعًا، إذا وفّق الله تعالى، سأبيّن المزيد في الليالي القادمة.

  • بعض هؤلاء التجّار يكونون في طرف والواسطة التي يتعاملون معها في الطرف الآخر من الأرض، ويقضون عمرًا في الأخذ والعطاء والتعامل التجاريّ مع بعضهم، لكنّهم لم يروا بعضهم أبدًا. أي لو وقفوا أمام بعضهم لما عرفوا بعضهم، لأنّهم كانوا يتحدّثون عبر الهاتف فقط؛ هذا يرسل البضاعة من هنا، وذاك يرسل البضاعة لذاك من الطرف الآخر للأرض. كلّ معرفة هؤلاء تنحصر فقط في المكالمة الهاتفيّة، ولا يملكون معرفة أخرى، مثلًا كيف هو شكله؟ وكيف هي هيأته؟ وما هي خصوصيّاته؟ لا يعلمون وليس لديهم خبر أصلاً.

  • بعد ذلك يأتي هؤلاء ويقتربون من بعضهم ويأنسون ببعضهم ويطّلعون على أحوال بعضهم، مَن هو هذا؟ ما هي عائلته؟ مَن هم أبوه وأمّه وأجداده؟ هذه كلّها معرفة. وللمعرفة مراتب، وهذه أدنى مراتب المعرفة. وحين يأنسون ببعضهم أكثر شيئًا ما ويطّلعون على خصوصيّات بعضهم، فمثلًا هل هذا بخيل أم جواد وكريم؟ هل هو بشوش وحسن الخلق أم سيّء الخلق ومنقبض جدًّا؟ هل فكره جيّد أم فكره قاصر؟ وحالاته النفسيّة والروحيّة هي كذا وكذا؛ فتتّضح لهم هذه الخصوصيّات شيئًا فشيئًا بواسطة الارتباط.

    1. مصباح المتهجّد، ج ٢، ص ٥٨٢، فقرة من دعاء أبي حمزة الثمالي.

تناسب المعرفة مع ميزان الاتحاد والمعيّة الروحيّة

3
  • المعرفة تتناسب مع السعة الوجوديّة للعارف

  • ولكنّ النكتة الموجودة هنا والتي يجب أخذها بعين الاعتبار هي: أنّ المعرفة التي يحصّلها هذان تجاه بعضهما، تكون بناءً على تلك القوى والاستعداد والتفكّر والبصيرة التي يمتلكها كلّ واحد منهما عن الآخر. فعلى سبيل المثال، الطفل الذي يأتي إلى هنا، مُدركاته هي مجرّد مدركات الطفولة والصبا، ولا يمكنه أبدًا أن يطّلع على مدركات وخصوصيّات وأحوال إنسان كبير يمتلك العلوم والتجربة والصفات؛ لأنّ وعاءه وسعته الوجوديّة محدودة، وخصوصيّات هذا الطفل هي خصوصيّات لا تسمح له بإدراك ما هو أكبر من سعته الفكريّة وسعة صدره.

  • عندما يأنس شخص بصديق، فإنّه يطّلع على أحواله وخصوصيّاته في حدود أفكاره هو، لا أكثر؛ أي أنّنا نقول إنّ هذا قد حاز هذه المرتبة من العرفان والمعرفة بذاك بمقدار ما حصل من وحدة بين ما يملكه هو من السعة والقابليّة وبين ما هو موجود في وجود ذاك.

  • عدم فهم الناس لكيفيّة جود وعطاء أولياء الله

  • على سبيل المثال، يأتي إنسان ويأنس ويُصاحب حاتم الطائي الذي هو جواد وكريم جدًّا. ولأنّ معنى الجود والكرم كامن وموجود في وجود هذا المصاحب، فإنّه يحصل على اطّلاع ومعرفة بجود حاتم الطائي وكرمه؛ ولكنّ الكلام في أنّه يكتسب معرفة بحاتم الطائي بالمقدار الذي يملك هو فيه القابليّة والاستيعاب للإدراك.

  • فمن الممكن أن يمارس حاتم هذا نوعًا من الجود والعطاء لا يطّلع عليه هذا الرجل ولا يفهمه أصلاً؛ لأنّ هذا الرجل ليس في تلك السعة ليفهم هذه المطالب. هذا الرجل يرى معنى الجود والكرم في «الإعطاء» ويجده فيه؛ على سبيل المثال أن يُعطي قطعة السكّر هذه لهذا. أمّا أن يأخذ حاتم الطائي السكّر منه، فلا يراه جودًا، بل يراه خلاف الجود؛ في حين لو وصل الإنسان إلى هذه النكتة، لأدرك أنّه ربّما يكون أخذ السكّر من أحد أصعب بكثير من إعطاء السكّر، وأنّ عُشر الجود والكرم الموجود في القبض والأخذ لا يوجد في «الإعطاء».

  • لأنّه يسير في أفق ومراحل لا يريد فيها أصلاً أن يتحدّث أو يتواصل مع شخص في تلك المراتب والمراحل، ويريد أن يكون دائمًا في نفسه، ومتوجهًا دائمًا لنفسه ولأحواله. فهذا الإنسان يسير هناك، ثمّ يُنزّل نفسه ويقوم للتحدّث والمؤانسة مع مختلف الأفراد وينشغل بالمعاشرة والمراودة. هذه المعاشرة والمراودة هي عبارة عن ذلك العطاء الذي يقدّمه للناس، ويضع نفسه في اختيار الأفراد وفي متناولهم ليأتوا ويستفيدوا منه وينتفعوا ويتمتّعوا؛ والأولياء هكذا.

تناسب المعرفة مع ميزان الاتحاد والمعيّة الروحيّة

4
  • ومن جهة أخرى، بما أنّ هذا الانتفاع والتمتّع والنصيب لا يتيسّر للأفراد بدون البذل والإنفاق والإيثار، فإنّ هذا الرجل مضطرّ لأن يوصلهم إلى مطالب ونصيب عن طريق تكليفهم بالإيثار وتطليفهم بالإنفاق، وهو في قبال هذا الإنفاق والإيثار الذي يقومون به يمنحهم الجود. الجود هو تلك الإفاضات التي يقوم بها، وتلك النعمة التي يقسّمها، وتلك الحركة التي تحصل لهم بواسطة هذا الجانب الجلاليّ.

  • الآن أسألكم: هل بالنسبة لمثل هذا الفرد، إعطاء المال لهؤلاء الأفراد أسهل أم الأخذ منهم؟! ذاك الإعطاء أسهل بمائة مرّة! إعطاء المال ليس شيئًا ولا مشقّة فيه؛ يقول: «تفضّل يا سيّد، هذه مائة ألف تومان أو هذا المليون لك، خذه واذهب».

  • كان أحد الأفراد في محضر السيّد الحدّاد رضوان الله عليه وقد غضب عليه السيّد ـ وهو انفسه الذي ذكر المرحوم الوالد العلامة اسمه في كتاب «الروح المجرّد» ـ، وكان المرحوم الوالد يرسل له كلّ شهر مبلغًا من إيران كمساعدة؛ ولم يكن يعلم بهذه القضيّة أحد غير واحد أو اثنين من الوسطاء، مثل الحاج عبد الجليل ـ حفظه الله ـ الموجود الآن في الكويت، وحتّى نحن لم نكن نعلم بذلك في ذلك الوقت.

  • بعد أن أصبح هذا الشخص مغضوبًا عليه من قِبل السيّد الحدّاد، قال ذلك الوسيط: «سيّدنا، هل تأذنون أن لا نعطيه هذا المبلغ الذي يرسله السيّد محمّد الحسين من طهران بعد الآن؟». فقال رضوان الله عليه: «أنا لا أريد أن يُقطع رزق أحد بسببي؛ لا يا عزيزي، ادفعوا له!». هو من تلك الجهة قَطَع (العلاقة الروحيّة)، ولكن من هذه الجهة يقول: «لماذا يُقطع رزقه؟! ما دام السيّد محمّد الحسين يرسل المال، فأعطوه إيّاه». هذه الحركة هي حركة الأولياء! الأولياء يتعاملون هكذا، ويجب علينا أن نتعلّم.

  • في النهاية، السلوك ـ هذه السين، واللام، والواو، والكاف ـ له معنى ومفهوم. هل هو مجرّد لقلقة لسان أم أنّه معنى يجب أن يوفّق الله الإنسان له لكي يعمل به؟!

  • إعطاء المال والإنفاق ليس شيئًا كبيرًا وليس مهمًّا؛ الصعوبة تكمن هنا، حيث يأتون ولأجل إيصال نفع لإنسان ما، يجبرونه على الإنفاق ويأخذون منه. هؤلاء العباد لا ينفقون على أنفسهم، بل يعطون لهذا وذاك. يأخذون من هذا وهو مسرور لأنّه أنفق؛ وهذا الوليّ وهذا العظيم يتقبّل منّة إنفاق الأفراد على نفسه ولا ينبس ببنت شفة. هذه المسألة مهمّة! يقول: «لا بأس، امنُن أنت عليّ بأنّك أنفقت!». وذاك يمنّ أيضًا قائلاً: «ذهبت وقدّمت للسيّد خمسمائة ألف تومان! ذهبت وخدمت السيّد بكذا وأخذته إلى المكان الفلاني!».

تناسب المعرفة مع ميزان الاتحاد والمعيّة الروحيّة

5
  • المواضيع التي كتبها المرحوم الوالد العلامة في «الروح المجرّد»، شرحها وبيانها هو هذا الذي أذكره. كانوا يأتون ويأخذون السيّد الحدّاد الذي كان طعامه الخبز والخضار، ويأخذونه إلى الكاظمين ويمدّون الموائد الملوّنة، وكانوا فرحين بأنّهم دعوا السيّد الحدّاد. وهو الذي لا طاقة لديه أصلاً ليتكلّم مع واحد ولا قدرة لديه لهذه الأمور، يريد أن يقول: «يا عزيزي، إذا أردتم خيري، دعوني أجلس في مكاني مرتاحًا!».

  • لكنّه لا يقول هذا، ولأجل أن يصل نفع لهؤلاء، يأتي ويتحمّل بنفسه منّة الذهاب إلى الكاظمين والجلوس على الموائد الملوّنة والضيافة، ويتحمّل وقوع زوجته وأطفاله في الضيق والعسر، لكي يحصّل هؤلاء شيئًا ولكي يصل هؤلاء إلى نعمة. هذا أيضًا قسم من الجود. إذن الجود الذي هو الكرم والعطاء، له صور مختلفة.

  • فلو جلس إنسان في خدمة السيّد الحدّاد، ففي الوقت الذي يمدّ فيه السيّد يده في جيبه ويعطي خمسة تومانات لفقير، يقول الجالس: «هذا السيّد ليس بخيلاً، هذا السيّد أنفق». أمّا في الوقت الذي يقول السيّد للطرف المقابل: «يا عزيزي، تعال وادفع خمسين ألف تومان»، فإنّه لا يرى هذا جودًا؛ لأنّ سعته محدودة، وأفكاره محدودة، ومعرفته محدودة. هنا لا يمكن لأحد أن يدرك مقام الأولياء!

  • ولأنّ هذه المعرفة محدودة، فإنّ محدوديّة المعرفة هذه توجب أن يطّلع هذا الإنسان بمقدار واحد بالمائة، واحد بالألف، واحد بالمليون، واحد بالمليار، من ذلك الجانب من جود وعطاء عظيمٍ مثل السيّد الحدّاد، ويغفل عن ٩٩٩ منها. متى يفهم؟ حينما يظهر هذا الحال الذي للسيّد الحدّاد في هذا الرجل أيضًا؛ حينها فقط سيفهم ما هو هذا العمل الذي قام به السيّد.

  • نحن نقترب خطوة بخطوة من معنى «بِكَ عَرَفتُكَ». وطبعًا، لا يزال لدينا عمل معكم؛ نتقدّم ببطء، أو كما يقول العرب «شويّ شويّ»، حتّى إذا أردنا في النهاية أن نقول شيئًا، فلا تخافوا!

  • شدّة حرص رسول الله على هداية البشر

  • أسر النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله في معركة بدر عددًا من كفّار قريش؛ وكان من بينهم العبّاس عمّ النبيّ. كانوا قد ربطوهم بالحبال لكي لا يهربوا. وبينما كان النبيّ يمرّ ويمشي، كان يضحك لهؤلاء. فالتفت بعضهم إلى العبّاس وقالوا: انظر، ابن أخيك هذا يدّعي النبوّة والرحمة والعطف و...، ومع ذلك يضحك على أيدينا المغلولة هذه!

تناسب المعرفة مع ميزان الاتحاد والمعيّة الروحيّة

6
  • سمع النبيّ ذلك، فالتفت إليهم وقال: «ضحكي هو لأنّني حريص جدًّا على سعادتكم وهدايتكم لدرجة أنّي مستعدّ لأخذكم إلى الجنّة بالأغلال والسلاسل، وأنتم لا تقبلون!». أنا أضحك لهذا السبب، وإلاّ فلتُقتلوا مثل البقيّة، فما شأني بكم!۱

  • ذلك النبيّ الذي يشير فينشقّ القمر، ويردّ الشمس، هل يُعقل أن يأتي وينظر إلى هؤلاء الأربعة أو الخمسة من المشركين الذين لا نفع فيهم بهذه النظرة لكي يهتدوا؟! يقول: ليتهم لا يهتدون أصلاً! ذلك الذي بيده مقاليد السماوات، والجنّ والإنس والفلك والمَلك طوع يده وإشارته، هل ينتظر هداية هؤلاء الأربعة؟!

  • وهم أربعة إذا أسلموا، ستبدأ متاعب النبيّ فيقولون: يا رسول الله هذا فعل كذا، يا رسول الله هذا فعل كذا، يا رسول الله أنا جائع اليوم، يا رسول الله... إذا قامت حرب اليوم يقولون: يا رسول الله الجوّ حارّ! وإذا قامت حرب غدًا يقولون: يا رسول الله الجوّ بارد! فيقول النبيّ: فماذا أفعل بكم؟! لو بقوا مشركين لارتاح النبيّ، وقال: لن يأتوا إليّ بعد الآن.

  • شفقة أمير المؤمنين على سعادة البشريّة

  • انظروا إلى أمير المؤمنين عليه السلام؛ بعد أن نصبه النبيّ للخلافة، جاؤوا وضربوا وقتلوا زوجته وصبّوا عليه المصائب وشرّدوه، ثمّ أجبروه على الجلوس في البيت وقالوا: اذهب واجلس في بيتك!

  • إذا سألتموني، أقول: والله، لقد كان أمير المؤمنين في هذه السنوات الخمس والعشرين جالسًا في مكانه وكان مرتاحًا. كان يذهب دائمًا ويزرع بساتين النخيل ويحمل أحمال التمر٢. كان يحفر القنوات، وبمجرّد أن يجري ماء القناة، كان يوقفه فورًا لقبيلة فلان٣؛ هذا كان عمل عليّ. كان يزرع بستان نخيل، وبمجرّد أن تكبر الأشجار وتصبح جميلة، كان يقول: «هذا البستان وقف لفلان، ولا حقّ لأحد من أولادي في التصرّف به».٤

  • هذا كان عمل عليّ. ولكن له الويل عندما قُتل عثمان، وجاؤوا إلى الإمام وقالوا: «يا عليّ، تعال واستلم الخلافة!». بدأت مصيبة عليّ للتوّ بعد خمس وعشرين سنة من الجلوس في البيت! ذلك عليّ الذي كان خبزه خبز الشعير؛ وليس هذا الشعير (الحالي)، بل ذلك الخبز من الشعير الذي كان يضعه في الكيس ويربط فمه ويختمه لكي لا يفتح أحد ذلك الكيس، وعندما يخرج الخبز كان يضربه على ركبته ليكسره ويأكله!٥

    1. مستفاد من مسند أحمد، ج ٥، ص ٢٤٩؛ الکامل، ج ٢، ص ١٢٨؛ کنز العمّال، ج ١٠، ص ٤١٩؛ مثنوی معنوی (میرخانی)، دفتر سوّم، ص ٥٣٩. وانظر حول هذه الرواية وفلسفة الجهاد عمومًا: نور ملكوت القرآن، ج‌٣، ص: ٣٩ـ ٥۰.
    2. الكافي، ج ٥، ص ٧٥.
    3. مناقب آل ‌أبي ‌طالب عليهم السّلام، ج ٢، ص ١٢٢ و ١٢٣.
    4. الكافي، ج ٧، ص ٤٩ ـ ٥١.
    5. مجموعة ورّام، ج ١، ص ٤٨.

تناسب المعرفة مع ميزان الاتحاد والمعيّة الروحيّة

7
  • جاء ابن عبّاس وطلحة والزبير و... إلى أمير المؤمنين قائلين: «يا لَلروعة، وصلت الخلافة لعليّ؛ الحمد للّه لقد وصل الحقّ إلى صاحبه!» وكانوا فرحين من هذه القضيّة. فهم أمير المؤمنين ما يدور في قلوبهم، فنظر إليهم نظرة وهزّ رأسه وقال: «دنياكم هذه أزهد عندي مِن عفطةِ عنزٍ».۱ أرخص عندي من ماء أنف الماعز.

  • وقد قدّم امتحانه أيضًا؛ في ذلك الوقت الذي لم يصل فيه للخلافة كان هو نفسه، وعندما وصل للخلافة كان هو نفسه، عليّ لم يتغيّر. إذن لماذا هذه الخلافة لعليّ؟!

  • الآن أمير المؤمنين بهذه الكيفيّة، يُركب الزهراء عليها السلام على الحمار ويأتي بها إلى أبواب المهاجرين والأنصار قائلًا: «ألم ينصبني النبيّ في الغدير؟!»٢. مع الانتباه لهذه النكتة، هل كان هدف عليّ الوصول للخلافة؟!

  • هذا ذلّ وهوان أن يتحمّل أمير المؤمنين الطلب والمراجعة لمنازل الأنصار والمهاجرين، ويُركب زوجته على الحمار ويأخذها إلى أبواب هؤلاء قائلاً: قوموا وتعالوا وادعموني! معنى عمله هو: تعالوا وادعموني في مقابل هذا الغاصب للخلافة! تعالوا وادعموني في مقابل هؤلاء المخادعين! تعالوا وادعموني في مقابل حفنة من الرعاع! النبيّ نصبني للخلافة، فتعالوا وأيّدوا!

  • كان أمير المؤمنين يرجع ثمّ يذهب لمكان آخر، ويعود ثمّ يذهب لمكان آخر وهكذا... لكنّ أمير المؤمنين يتحمّل هذا الذلّ والهوان لكي لا تفوت هذه السعادة وهذه الآخرة والهداية التي قد يكون الله قد قدّرها لهؤلاء؛ وإلّا فعليّ مرتاح، ولو ارتدّ العالم كلّه، فأمير المؤمنين في مكانه ولا يضرّه شيء! ذلك الأمير راضٍ بمشيئة الله وراضٍ بالقضاء والقدر الإلهيّ، لكنّه يريد أداء التكليف. التكليف هو أنّه يقول: أنا أتحمّل هذا الذلّ والهوان لأجل سعادة الأفراد!

  • حينها ماذا يتصوّر هؤلاء؟! يقول ذلك: «انظر، أخذوا الحكومة من عليّ وهو يدور حول المدينة يريد أن يأخذها!». يتخيّلون أنّ الأمر هنا أحزاب وعصابات! مثل القضايا الموجودة اليوم حيث يذهبون دائمًا ويرون هذا ويرون ذاك ويجذبونهم لحزبهم قائلين: فلنحتفظ بهذا حاليًا فهو غنيمة، وفلان جاء أيضًا وأصبح جزءًا منّا، وهو غنيمة أيضًا.

  • حقًا يجب تدوين هذه الأمور في كتب عبيد الزاكاني٣! هم يتخيّلون أنّه بما أنّ عليًّا لم يصل للخلافة، فهو محتاج للخلافة، ولذا يقوم ويمرّ على البيوت. فيقول أحدهم: «البارحة جاء عليّ مع الزهراء إلى بابنا ولم أدخلهما!» وهو مسرور أيضًا؛ حثى الله التراب على رأسك! ويقول آخر: «البارحة جاء عليّ مع الزهراء التي ركبت الحمار ليدعونا للخلافة. فقلت لعليّ: يا عليّ، لقد انتهى الأمر؛ تعال وتصالح مع هؤلاء!».

    1. نهج البلاغة (صبحي الصالح)، ص ٥٠و ٥١٠.
    2. الإمامة و السّیاسة، ج ١، ص ٢٩؛ السّقیفة و فدك، ص ٦١.
    3. خواجه نظام الدين عبيد الله زاكانى (ح ۷۰۰-۷۷٢هـ/۱٣۰۰-۱٣۷۱م) هو شاعر إيراني. ولد بقزوين، وعاش في شيراز. سافر إلى بغداد، من مصنفاته: أخلاق الأشراف. ويعتبر شاعر الفكاهة في إيران لذلك ذكر المحاضر أنّ هذا الكلام ينبغي أن يجعل في كتبه.

تناسب المعرفة مع ميزان الاتحاد والمعيّة الروحيّة

8
  • يا عزيزي، هل يمكن التصالح مع الباطل؟! هل يمكن التصالح مع هؤلاء؟! هل يمكن للإنسان أن يتصالح مع الأمر المخالف للحق؟! ما معنى «تصالح»؟! ما معنى «تخلّ عن كلامك»؟! الآن إمّا نهار وإمّا ليل؛ فأن آتي أنا ولأجل «التصالح» أقول: «لا، ذلك المصباح مطفأ»، فقد خنتُ!

  • وأمير المؤمنين عليه السلام يقول لهؤلاء: يا عزيزي، أنا لأجل سعادتك أيّها البائس أركبت الزهراء عليها السلام الحمار وآتي إلى باب بيتك! إذا تنحّيت أنا عن الخلافة، فإنّي أرى اليوم الذي يأتي فيه هؤلاء ويقلبون دين النبيّ! إن كنت لا تريد، فشأنك.

  • مواجهة دعوة سيّد الشهداء بسبب عدم الإدراك والمعرفة

  • قال سيّد الشهداء عليه السلام: «فَإنّكم إن لا تَنصُرونا وتُنصِفونا قَوِيَ الظَّلَمةُ عَلَيكم وعَمِلوا في إطفاءِ نُورِ نَبیِّکُم».۱

  • يعني أنا الذي أنطلق الآن نحو مكّة لإحقاق الحقّ، ليس لأجل نفسي؛ هذه روح واحدة تخرج من بدني وتذهب. وإلى يوم عاشوراء كان يقول هذا الكلام، وفي يوم عاشوراء ثبت على كلامه وبعد ذلك قطعوا رأسه؛ الإمام الحسين لم يتنازل ولم يتراجع عن كلامه! هو نفسه كان هكذا، ومن حوله كانوا هكذا أيضًا.

  • جاء أحدهم وقال: «لو كان لي ألف نفس، لطلبت من الله أن يزيدها لأفديك بها ألف مرّة وألتذّ ألف مرّة!».٢ والآخر كان القاسم الذي قال: «الموتُ أحلى مِن العسل».٣

  • فيا يزيد ويا عمر بن سعد و...! مَن تريدون أن تخوّفوا بالموت؟! هل تريدون تخويف هؤلاء؟! تعالوا وخوّفوا من خلع ملابسه فرارًا من الموت؛ عمرو بن العاص خلع سرواله لكي لا يصيبه سيف عليّ!٤

  • هل تخوّفون الإمام الحسين؟! هو يقول: أنا بنفسي ذاهب لأكون أمام جراحات السيوف والرماح و...، لا داعي لأن تقولوا لي! الإمام يقول: أيّها الحمقى، لا تخوّفوني؛ قلقي هذا هو عليكم أنتم! يقول: «فَإنّكم إن لا تَنصُرونا وتُنصِفونا قَوِيَ الظَّلَمةُ عَلَيكم وعَمِلوا في إطفاءِ نُورِ نَبیِّکُم».

  • هؤلاء يقلبون الحقائق ويثيرون الاختلاف بينكم؛ يلقون الخلاف بين الأب والابن، وبين الأخ والأخ. أنا أرى هذه الأمور؛ إن كنتم لا تريدون، فلا تأتوا! لا مشكلة؛ أنا لديّ روح واحدة، أفديها وأذهب إلى ذلك العالم.

    1. بحار الأنوار، ج ٩٧، ص ٨١، عن تحف العقول، ص ٢٣٩؛ الوافي، ج ١٥، ص ١٧٩.
    2. الإرشاد، ج ٢، ص ٩٢.
    3. الهدایة الکبریٰ، ص ٢٠٤.
    4. وقعة صفّین، ص ٤٠٧.

تناسب المعرفة مع ميزان الاتحاد والمعيّة الروحيّة

9
  • لكنّ الطرف المقابل يقول: الحسين هرب من المدينة، وحسنًا فعل أن خاف وهرب؛ الآن سنمسكه في مكّة! وبعد أن خرج الإمام من مكّة أيضًا، أرسل ذلك الطرف رسالة لعبيد الله، فأرسل عبيد الله الحرّ الرياحي مع جماعة ليمسكوه ويمنعوه وأمره: «فجَعجِع بالحسین»۱؛ ضيّق على الحسين! أنزله في أرض لا ماء فيها ولا كلأ!

  • أليس هذا الكلام مضحكًا؟! هذا المسكين عمر بن سعد ليس لديه سعة ولا يفهم أفكار سيّد الشهداء؛ لا يفهم أفكار أبي الفضل العبّاس؛ لا يفهم أفكار حبيب بن مظاهر! يتخيّل أنّه إذا ضيّق عليهم، سيتحسّن الأمر؛ لكنّه لا يفهم أنّه كلّما ضيّق أكثر، رفع الله مقام هؤلاء أكثر.

  • يأتي الإمام ويتحدّث مع عمر بن سعد هذا؛ حتّى في ليلة عاشوراء، آخر إتمام للحجّة قام به الإمام مع عمر بن سعد كان أن قال: «ماذا تريد أن تحصّل من قتلي؟!». قال: «إن لم أفعل هذا، سيأخذ يزيد كلّ أموالي في الكوفة!». فقال الإمام: «أنا أعطيك عشرة أضعافها من بساتين المدينة! مهما أخذ من أموالك، أنا أعطيك إيّاها!». قال: «سيهدم داري». قال الإمام: «أعطيك دارًا في المدينة».٢

  • الإمام يريد دائمًا أن يأتي به من تلك الجهة، لكنّ هذا الأحمق يتخيّل أنّ القضيّة من هذا الطرف؛ يظنّ أنّ الإمام ينفق ويرشي باستمرار هربًا من الموت وخوفًا من القتل!

  • هذه القضيّة تشبه قضيّة عبيد الله بن الحرّ الجعفي الذي كان من الأعيان؛ جاء الإمام بنفسه إلى خيمته وتحدّث معه: «ألا تأتي لنصرتنا؟». وهو يختلق الأعذار باستمرار ويقول: «أنا أعطيك هذا السيف الذي إذا ضربت به الصخر غاص فيه؛ وأعطيك هذا الفرس الذي لا يلحق به أحد!». فقال الإمام: ﴿وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾٣ و٤؛ أنا لا أستعين بالمضلّين أبدًا. هذا المقام الذي هو مقام الإمامة، هو مرتبة لا تخطر في خيال أحد.

  • ونحن أيضًا الذين ننقل هذه المطالب الآن، ليس لأنّنا نفهمها، بل لأنّهم قالوها لنا؛ وإلّا أين نحن من فهمها؟! نحن انتبهنا قليلاً، وبذلك المقدار فهمنا أنّ للجود والكرم مراتب، إحدى مراتبها مرتبة العطاء، ومرتبة أعلى بكثير منها هي مرتبة الأخذ.

    1. وقعة الطف، ص ١٧٧؛ الإرشاد، ج ٢، ص ٨٣.
    2. مقتل الحسین علیه السّلام، الخوارزمي، ج ١، ص ٣٤٧:  فقال الحسين لابن سعد: «و يحك، أ ما تتقي اللّه الذي إليه معادك؟ أتقاتلني و أنا ابن من علمت؟ يا هذا ذر هؤلاء القوم، و كن معي فإنّه أقرب لك من اللّه»، فقال له عمر: أخاف أن تهدم داري. فقال الحسين: «أنا أبنيها لك»، فقال عمر: أخاف أن تؤخذ ضيعتي، فقال: «أنا أخلف عليك خيرا منها من مالي بالحجاز»، فقال: لي عيال أخاف عليهم، فقال: «أنا أضمن سلامتهم».
    3. سورة الكهف (١٨) الآیة ٥١.
    4. الأمالي، الشيخ الصدوق، ص ١٥٤.

تناسب المعرفة مع ميزان الاتحاد والمعيّة الروحيّة

10
  • هذه المرتبة، مرتبة مهمّة، وهي أن يأتي الإنسان ويأخذ من أحد، وذلك المعطي يتخيّل أنّه بما أنّه جاء وأعطى هذا المال فقد أصبح مقرّبًا جدًا ويمنّ عليه ويفتخر و...؛ وفي المقابل، يغضّ هذا العظيم طرفه ولا يهتمّ ويتجاوز، ويرضى بإزاء تلك الهداية والرحمة والنعمة التي يعطيه الله إيّاها ويقول: «ليكن، لا بأس؛ افترض أنت أنّنا أخذنا منك، وافترض أنت أنّك مننت علينا، وافترض أنت أنّك جئت وتكرّمت علينا، وافترض أنّك جئت وفعلت لنا كذا!».

  • يقولون إنّ رئيس إحدى فرق الدراويش والصوفيّة أرسل هدايا كثيرة جدًّا للمرحوم الآخوند الملا حسين قلي الهمداني في النجف الأشرف، لكي يأتي هو بنفسه لاحقًا إلى محضره ويُسلّم له. مرّت مدّة حتّى جاء هو بنفسه لخدمته وكان شعره طويلاً جدًّا مثل الدراويش وشاربه نازلاً على فمه؛ عندما جلس عنده، أمر الآخوند بإحضار ذلك الصندوق الذي أرسله ووضعه أمامه وقال: «هذه الهدايا لك!»، ثمّ أحضر مقصًّا وقصّ شارب هذا الدرويش أوّلاً.۱ هذا العمل، هو عمل الأعاظم؛ الأولياء هكذا!

  • وحدة الأفق لازمة لمعرفة وإدراك حقيقة النبيّ الأكرم والأئمّة الأطهار

  • بناءً على ذلك يُستفاد من هذه المقدّمات: أنّ الإنسان يمكنه أن يحصل على عرفان ومعرفة بآخر بمقدار فكره هو وسعته وفي حدود تلك المعرفة الموجودة لديه؛ ولا يمكنه أكثر من ذلك!

  • توجد هنا أمثلة مختلفة، وأيّ كلام نريد قوله فهو في محلّه. يوجد بيت شعر يقول:

  • گر بود در ماتمی صد نوحه‌گر***آهِ صاحب درد آید کارگر٢
  • يقول: 

  • لو كان في مأتمٍ مائة نائحة *** فإنّ آه الثكلى هي المؤثّرة.

  • تأتي النائحة وتنوح فقط، لكنّها لم تلمس هذه المصيبة بنفسها. عندما يدعون بعض هؤلاء الخطباء لمجالس العزاء والفاتحة، لا شأن له بمن هو الميّت، يريد فقط أن يمدح ذلك الميّت ويأخذ الهديّة ويذهب.

  • سمعت أنّ خطيبًا ذهب إلى مكان وتحدّث لمدّة ساعة عن أحوال ذلك الميّت: أنّه كان كذا وكان كذا، وكانت خصوصيّاته كذا. ثم تبيّن أنّ ذلك الميّت كان امرأة أصلاً لا رجلاً! وهو لم يكن ملتفتًا إلى ذلك أصلاً. كان تفكيره: دعنا نقوم بمدحنا ونأخذ هديّتنا ونذهب. فقالوا له: «هذا الميّت امرأة وأنت تمدح رجلاً!». ونحن هكذا أيضًا. 

    1. راجع أسرار الملكوت، ج ١، ص ۱٥۰
    2. منطق الطّیر، عطار نیشابوری، ص ٣٧٨.

تناسب المعرفة مع ميزان الاتحاد والمعيّة الروحيّة

11
  • فإن أراد أحد أن يصل لمسألة ما، يجب أن تكون هذه المسألة متحقّقة في وجوده؛ وإلّا فلا يمكنه الوصول ولا يفهم وليست لديه معرفة. الذي يمكنه إدراك ألم الفاقد لولده هو من فَقَد ولده؛ هو يمكنه أن يدرك، وإلّا فلا. الذي يمكنه أن يطّلع على مصيبة صاحب المصيبة وتكون له معرفة بها هو من وقعت له مصيبة نظيرتها.

  • «لو كان في عزاء مائة نائحة...» معناه هو هذا، أنّه يأتي مائة نائحة ويقرأن، لكن أيًّا من هذا العزاء والنوح لا روح له ولا حقيقة ولا أصالة؛ ولكن آهة واحدة من الثكلى لها أثر؛ لأنّ كلام أولئك ظاهر وشعار، وليست الثكلى كالمستأجرة.

  • آيات القرآن الكريم لأنّها عين الحقيقة وعين الواقع، فلها أبديّة وهي تبعث الحياة دائمًا. في أيّ مرتبة من المراتب المعنويّة كنتم، فالقرآن الكريم وآياته معكم. على سبيل المثال آية ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَ عَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ كَانَت لَهُم جَنَّـٰتُ ٱلفِردَوسِ نُزُلًا﴾۱ هي مع من هو في مرتبة الظاهر، ومع من هو في مرتبة المثال، ومع من هو في الملكوت، ومع من هو في الجبروت.٢

  • للذي هو في مرتبة الظاهر، تقول: لا تكذب، لا تغتب، لا تتّهم، لا تزنِ ولا ترتكب الفاحشة! هو لا يعرف من ﴿وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ﴾ إلّا هذا: أن أنفق، وصلّ و...؛ أمّا ذلك الذي يصعد لمرتبة أعلى، فيفهم من ﴿ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ﴾ شيئًا آخر، ويفهم من ﴿جَنَّـٰتُ ٱلفِردَوسِ﴾ شيئًا آخر؛ وكذلك ذلك الذي هو أعلى وفي الملكوت، يفهم شيئًا آخر؛ وهكذا من يكون في مرتبة الجبروت.

  • في أيّ رتبة كنتم، ستفهمون من هذه الآية معنى خاصًّا؛ لأنّ لهذه الآيات حضورًا عينيًّا في جميع المراتب الوجوديّة. إلى أيّ مرتبة وصلتم، فقد وصلتم لهذه الآية واتّحدتم مع هذه الآية هنا. حتّى الآن كنتما اثنين؛ أنتم كنتم في هذه المرتبة وهذه الآية كانت في تلك المرتبة. أي في نفس مرتبتكم كانت لديكم وحدة مع تلك الآية، لكن بالنسبة للمرتبة الأعلى كانت لديكم اثنينيّة وغيريّة ولم تكونوا تفهمون؛ ولو قالوا لكم، لما قبلتم وقلتم: ما هذا الكلام؟! كلّ هذا الكلام أباطيل، والقول بأنّ آيات القرآن تدلّ على كلّ شيء أباطيل! آيات القرآن هي فقط آيات الأحكام والشرع وتتعلّق فقط بالمسائل الاجتماعيّة، وآية ﴿وَلَا رَطب وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَٰب مُّبِين﴾٣ كلّها تتعلّق بالأحكام الظاهريّة.

    1. سورة الكهف (١٨) الآية ١٠٧.
    2. قال المرحوم العلاّمة الطهراني في كتاب معرفة الله ج۱ ص ۱٦۸: اعلم أن العوالم الكلّيّة هي خمسة:
      الأوّل: عالم الذات، و هو ما يطلقون عليه باللاهوت و الهويّة الغيبيّة، و الغيب المجهول، و غيب الغيوب، و عين الجمع، و حقيقة الحقائق، و مقام أو أدنى، و غاية الغايات، و نهاية النهايات، و الأحديّة.
      الثاني: عالم الصفات، و هو ما يطلقون عليه بالجبروت، و برزخ البرازخ، و البرزخيّة الاولى، و مجمع البحرين، و قاب قوسين، و محيط الأعيان، و الوحدانيّة، و العماء.
      الثالث: عالم الملكوت، و يسمّونه كذلك عالم الأرواح، و عالم الأفعال، و عالم الأمر، و عالم الربوبيّة، و عالم الغيب و الباطن.
      الرابع: عالم المُلك، و يطلقون عليه كذلك عالم الشهادة، و العالم الظاهر، و عالم الآثار، و الخلق، و المحسوس.
      الخامس: عالم الناسوت، و يطلقون عليه كذلك الكون الجامع، و العلّة الغائيّة، و آخر التنزّلات، و مَجْلَى الكلّ.
    3. سورة الأنعام (٦) الآية ٥٩.

تناسب المعرفة مع ميزان الاتحاد والمعيّة الروحيّة

12
  • أمّا ذلك الذي يذهب ويدخل في مرتبة علميّة ويرى أنّ ذلك العلم موجود في القرآن، يقول: هذه الآية لا تتعلّق بالأحكام الظاهريّة. الذي يصل لعلم آخر ويراه في القرآن أو يذهب لعوالم أعلى ويرى القرآن هناك، يقول: هذه الآيات لا تتعلّق فقط بالأحكام، بل شملت جميع المراتب الوجوديّة.

  • إذن لازم الوصول والمعرفة بشيء، هو وحدة الأفق بين هذا الشيء والشيء الآخر. يجب أن يتّحد الأفق، ولو لم يتّحد الأفق، فلا يمكن أبدًا أن يصل إلى ذلك الشيء ويعرفه. إذا أردتُ أن أعلم في أيّ مرتبة من العلم تقع أنت، يجب أن أكون أنا واجدًا لنفس تلك المرتبة من العلم؛ إن لم أكن واجدًا لها، فلن أعلم في أيّ مرتبة أنت. أعلم شيئًا إجمالاً، لكن الإجمال ليس معرفة وعرفانًا. أن أعلم إجمالاً مثلاً أنّه إنسان، له رِجلان، يتنفّس، بشر، أو أعلم إجمالاً أنّ لدينا إلهًا؛ حسنًا سلُمت يداك، شكرًا؛ أمّا أن أعلم كيف هو هذا الإله وما هو نحو وجوده وكيفيّته، وفي أيّ مرتبة من المعرفة هو! يجب على الإنسان أن يلمس تلك المرتبة من المعرفة.

  • لماذا كان النبيّ الأكرم يدعو الأفراد للإسلام وللهداية هكذا؟ لأنّ النبيّ الأكرم لمس لذّة لقاء الله، ليس مثلنا نقرأ من الكتاب؛ ولذا هو حريص جدًّا على الهداية: ﴿لَقَد جَآءَكُم رَسُول مِّن أَنفُسِكُم عَزِيزٌ عَلَيهِ مَا عَنِتُّم حَرِيصٌ عَلَيكُم بِٱلمُؤمِنِينَ رَءُوف رَّحِيم﴾۱. حريص عليكم، لأنّه لمس هذه اللذّة.

  • فلو لم يلمس، لصعد المنبر مثل ذلك الخطيب ولم يفرق عنده إن كان الميّت امرأة أو رجلاً؛ هو قد لمس حلاوة ذلك الدرهم والدينار الذي يريد الوصول إليه، ولذا لو نعس الناس عند منبره أيضًا، يقول: «نعسوا فلينعسوا، ناموا فليناموا، تحدّثوا فليتحدّثوا، لا مشكلة لديّ!».

  • أمّا الخطيب الذي يصعد المنبر ويريد من الناس أن يفهموا كلامه ويستفيدوا، فإذا نعس أحد تحت منبره، يقول: «يا فلان لماذا تنعس؟! قم واذهب وانعس في بيتك؛ أنا لم أكن عاطلاً لآتي وأقول هذا الكلام! كان لديّ عمل، أنا تعبت لأجل هذه المعارف التي أنقلها!». لأنّه مشفق، لا ينتظر المال والدرهم والدينار، يريد من الموجودين هنا أن يفهموا الأمر؛ إن كانوا لا يريدون الفهم، يقول: لديّ عمل؛ أذهب لحياتي وعملي وشؤوني، لماذا آتي إلى هنا؟!

    1. سورة التوبة (٩) الآیة ١٢٨.

تناسب المعرفة مع ميزان الاتحاد والمعيّة الروحيّة

13
  • النبيّ الأكرم لمس لذّة لقاء الله، ولذا يقول: فلنأت بالآخرين وننفعهم ونمتّعهم؛ ولو بالأغلال والسلاسل والحرب!

  • اللطف والرحمة الإلهيّة الواسعة في الأمر بوجوب الجهاد والأحكام الإجباريّة

  • الإشكال الذي يطرحونه الآن على مسألة الحريّة وحريّة الفكر، هو أنّهم يقولون: الإنسان حرّ، إن شاء اختار الدين وإن شاء لم يختره؛ إذن لا معنى لأن يأتي الإسلام ويحارب ويقتل الأفراد! فهذا إجبار؛ ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَهُ نَفسًا إِلَّا وُسعَهَا﴾۱، ﴿لَآ إِكرَاهَ فِي ٱلدِّينِ﴾٢.

  • هذا الكلام خطأ. لأنّ هؤلاء ينظرون لهذه المسألة من الأسفل، وينظرون لهذا الأمر من جانب الخَلق ومن وجهة نظر العبد؛ من جهة أنّ الذي لا يريد أن يضع نفسه في أيّ طريق ويريد أن يعمل بحريّة ويريد أن يسير في هذه الدنيا براحة، ويعتبر الدين إجبارًا وتحميلاً. هؤلاء يحلّلون من وجهة النظر هذه: أنّ كلّ إنسان إن استطاع فليفعل، وإن لم يستطع فلا يفعل؛ إن استطاع فليقبل، وإن لم يستطع فلا يقبل؛ ولذا فالحقّ معهم في قولهم هذا.

  • ولكن لو نظرنا إلى الأمر من الأعلى وهو مقام اللطف والعناية من قبل الله الذي يريد هداية الناس إليه، فلا ينبغي أن ينظر (الله) هل هذا يريد الآن أم لا يريد؛ هو يريد أن يهدي هذا، وفي ظلّ هذه الهداية، يعطيه هذه المواهب.

  • كالأطفال الذين لا يريدون شيئًا، لكنّ الأب وبسبب العطف الذي لديه، يريد أن يعطيه هذه النعمة، ويزيل عنه هذا المرض ويمحوه؛ ولذا يحقنه بحقنة ويعطيه قرصًا مرًّا. هذا لأنّ المسألة هنا ينظر إليها من الجهة الربوبيّة؛ ولذا نرى أنّ القضيّة تتغيّر كليًّا والمسألة تختلف تمامًا.

  • لذا فالإسلام، جهاده أيضًا لأجل اللطف. الإسلام يقول: نحن لا نريدكم أن تبقوا جهلة وغير عارفين؛ لكن هؤلاء يقولون: نحن نريد أن نبقى! نقول: أنتم أطفال، أنتم لا عقل لكم، أنتم لا تدركون صلاحكم وفسادكم، أنتم مبتلون بمسائل الدنيا، أنتم بدلًا من لقاء الله تريدون الاكتفاء بالعمل الحرام الدنيويّ، أنتم بدلًا من ﴿جَنَّـٰت تَجرِي مِن تَحتِهَا ٱلأَنهَٰرُ﴾٣ تريدون الاكتفاء بشرب الخمر و...؛ أمّا نحن فنريد إيصالكم إلى هناك. إذن هذه وظيفة الإسلام أن يوصلكم.

    1. سورة البقرة (٢) الآية ٢٨٦.
    2. سورة البقرة (٢) الآية ٢٥٦.
    3. سورة البقرة (٢) الآية ٢٥.

تناسب المعرفة مع ميزان الاتحاد والمعيّة الروحيّة

14
  • لو كان الكلام في أن نأتي ونفرض على هؤلاء ونستبدل ضررًا بضرر آخر، نعم هنا مجال للسؤال ومجال للكلام أن لماذا تفرضون؟! فعلى سبيل المثال، نريد إزاحة رئيس جمهوريّة لنضع مكانه رئيس جمهوريّة آخر ونفرضه على الناس وأنّه يجب عليكم انتخاب هذا الرئيس! 

  • يقولون: حسنًا لماذا ننتخب هذا؟! نحن نريد انتخاب آخر، هذان لا فرق بينهما، نحن نريد انتخاب ذاك، وربّما هذا أسوأ منه.

  • [ولكنّ كلامنا هو في أنّ الإنسان لا يعلم صلاحه وفساده، لذا يقال له]: أنت طفل، أنت لا تفهم، أنت لا اطّلاع لديك على أخطار هذا الوباء؛ إن لم تأخذ اللقاح، فستُبتلى أنت وسيُبتلى الآخرون أيضًا. هنا يربطون يديه ورجليه ويعطونه اللقاح؛ لأنّه لا يعي ولا إدراك له. حينها يتألّم هو ويتخيّل أنّهم يفرضون عليه ويمارسون القوة عليه؛ ولكنّ هذه ليست قوّة، هذه حلوى يضعونها في فمه؛ ولكن بهذا الشكل وهذه الكيفيّة.

  • بناءً على ذلك، أحكام الإسلام والأحكام التي جاءت من قبل الله لهداية الناس، ليست من باب التحميل والإجبار؛ بل هي من باب اللطف. لأنّ الله تعالى لطيف بعباده، ولأنّه أرحم الراحمين، ولأنّه الخالق والرازق، ولأنّه المبدأ والمنتهى، ولأنّه أقرب للإنسان من الجميع ويريد دعوة الناس إلى تلك الهداية، فقد جاء بهذه الأحكام هنا.

  • إن شاء الله إذا وفّق الله، بقيّة المطالب لليالي القادمة.

  •  

  • اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد