2

العِلْمُ وَمَكَانَتُهُ فِي وُجُودِ الإِنْسَانِ

العُلُومِ الحَقِيقِيَّةِ وَالعُلُومِ الاعْتِبَارِيَّةِ

3
مشاهدة المتن

المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني

القسمدعاء أبي حمزة الثمالي

المجموعةسنه 1418

جلسات المجموعة(11 جلسة)

التوضيح

هَلْ زِمَامُ أُمُورِنَا بِأَيْدِينَا حَقًّا أَمْ هِيَ عَارِيَّةٌ مُسْتَرَدَّةٌ؟ وَمَا هُوَ الفَارِقُ بَيْنَ التَّدْبِيرِ الإِلَهِيِّ الحَقِيقِيِّ المُحِيطِ وَالتَّدْبِيرِ البَشَرِيِّ الاعْتِبَارِيِّ المَحْدُودِ؟ وَكَيْفَ شَخَّصَ ابْنُ سِينَا صِحَّةَ المِزَاجِ النَّفْسَانِيِّ لِلإِنْسَانِ مِنْ خِلَالِ الطَّلَبِ؟ وَمَا هُوَ العِلْمُ الَّذِي يَنْفَعُ الإِنْسَانَ فِي نَشْأَتِهِ الأُخْرَوِيَّةِ وَيُمَيِّزُهُ عَنِ الحيوانات؟ تُجِيبُكَ هَذِهِ المُحَاضَرَةُ لِسَمَاحَةِ آيَةِ اللهِ الحَاجِّ السَّيِّدِ مُحَمَّدْ مُحْسِن الحُسَيْنِيِّ الطِّهْرَانِيِّ (قُدِّسَ سِرُّهُ) عَنْ هَذِهِ الأَسْئِلَةِ، مُبَيِّنَةً حَقِيقَةَ العِلْمِ وَدَوْرَهُ فِي تَكَامُلِ الوُجُودِ الإِنْسَانِيِّ، وَكَيْفِيَّةَ الخُرُوجِ مِنْ ظُلْمَةِ الجَهْلِ إِلَى نُورِ المَعْرِفَةِ بِاللهِ.

/۱٤
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

العِلْمُ وَمَكَانَتُهُ فِي وُجُودِ الإِنْسَانِ - العُلُومِ الحَقِيقِيَّةِ وَالعُلُومِ الاعْتِبَارِيَّةِ

1
  •  

  • هوالعلیم

  •  

  • العِلْمُ وَمَكَانَتُهُ فِي وُجُودِ الإِنْسَانِ

  • العُلُومِ الحَقِيقِيَّةِ وَالعُلُومِ الاعْتِبَارِيَّةِ

  •  

  • شرح دعاء أبي حمزة الثمالي - سنة ۱٤۱۸ هـ - الجلسة الثانیة

  •  

  • محاضرة القاها

  • آية الله الحاج السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ

  • قدّس الله سره

  •  

  •  

العِلْمُ وَمَكَانَتُهُ فِي وُجُودِ الإِنْسَانِ - العُلُومِ الحَقِيقِيَّةِ وَالعُلُومِ الاعْتِبَارِيَّةِ

2
  •  

  •  

  • أعوذُ باللَه مِن الشّیطان الرّجیم

  • بسمِ اللَه الرّحمٰن الرّحیم

  • وصلّى اللَهُ علیٰ سیّدِنا ونبیّنا محمّدٍ

  • وعلى آلِه الطیّبین الطّاهرین واللَّعنةُ علیٰ أعدائِهم أجمَعین

  •  

  •  

  • مَا مَعْنَى أَنْ تَكُونَ "أَزِمَّةُ الأُمُورِ" بِيَدِ اللهِ سُبْحَانَهُ؟

  • «بِكَ عَرَفْتُكَ وَأَنْتَ دَلَلْتَنِي عَلَيْكَ وَدَعَوْتَنِي إِلَيْكَ وَلَوْ لَا أَنْتَ لَمْ أَدْرِ مَا أَنْتَ»۱ 

  • يقولُ المرحومُ المُلاّ هادي السبزواريّ:

  • «أزِمَّةُ الْأُمُورِ طُرًّا بِيَدِهِ***وَالْكُلُّ مُسْتَمِدَّةٌ مِنْ مَدَدِهِ»٢
  • ... مَاذَا يَعْنِي أزمّة الأمور بيدك؟ يَعْنِي أَنَّكَ قَدْ أَمْسَكْتَ بِذَلِكَ المِقْوَدِ وَتُحَرِّكُ تِلْكَ النَّاقَةَ أَوْ ذَلِكَ الفَرَسَ إِلَى أَيِّ جِهَةٍ تَمِيلُ؛ هَذَا مَا يُعَبَّرُ عَنْهُ بِأَنَّ زِمَامَ النَّاقَةِ بِيَدِكَ. أَنْتَ تَسُوقُ العَرَبَةَ، وَزِمَامُ ذَلِكَ المَرْكَبِ بِيَدِكَ، وَتُسَيِّرُهُ فِي الجِهَةِ الَّتِي تُرِيدُ، وَكَذَلِكَ الحَيَوَانُ لَا يَمْلِكُ مِنْ أَمْرِهِ اخْتِيَارًا، وَمِصْدَاقُ ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ هُود عَلَى نَبِيِّنَا وَآلِهِ وَعَلَيْهِ السَّلَامُ ﴿مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَٰط مُّستَقِيم﴾٣، يُشِيرُ النَّبِيُّ هُنَا إِلَى هَذَا المَعْنَى، فَيَقُولُ: كُلُّ دَابَّةٍ ذَاتِ اخْتِيَارٍ وَإِرَادَةٍ، سَوَاءٌ كَانَتْ حَيَوَانًا أَوْ إِنْسَانًا -لَا فَرْقَ- فَإِنَّه ﴿هُوَ ءَاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ﴾؛ أَيْ إِنَّ نَاصِيَةَ هَذِهِ الدَّابَّةِ وَهَذَا الحَيَوَانِ هِيَ فِي يَدِ قُدْرَةِ الرَّبِّ وَتَدْبِيرِهِ وَمَشِيئَتِهِ.

  • لِمَاذَا يَسْتَحِيلُ انْفِكَاكُ الوُجُودِ وَآثَارِهِ عَنِ البَارِي تَعَالَى؟

  • وَهَذَا يَعْنِي أَنَّهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي يُقَدِّرُ لِهَذِهِ الدَّابَّةِ، وَهُوَ الَّذِي يَخْتَارُ أَيَّ جِهَةٍ تَتَعَلَّقُ بِهَا مَشِيئَتُهُ. «أَزِمَّةُ الأُمُورِ طُرًّا بِيَدِهِ»؛ أَيْ زِمَامُ كُلِّ أَمْرٍ بِيَدِهِ تَعَالَى. وَمِنْ أَيْنَ نَشَأَ هَذَا؟ مِنْ نَاحِيَةِ «رَبِّي»، وَمِنْ نَاحِيَةِ عَالَمِ الأَمْرِ؛ فَالأَمْرُ كَذَلِكَ.

  • وَلَمَّا كَانَتِ المَخْلُوقَاتُ بِرُمَّتِهَا تَنْشَأُ وَتَصْدُرُ عَنْ وُجُودِ اللهِ تَعَالَى وَتَتَنَزَّلُ فِي هَذَا العَالَمِ، فَمِنْ غَيْرِ المُمْكِنِ أَنْ يَفُكَّ اللهُ تَعَالَى هَذَا الوُجُودَ عَنْ نَفْسِهِ؛ فَانْفِكَاكُ الوُجُودِ عَنْهُ يُسَاوِي عَدَمَ جَمِيعِ عَوَالِمِ الوُجُودِ، وَيُسَاوِقُ الفَنَاءَ بَدَلَ البَقَاءِ.

  • وَبِمَا أَنَّ جَمِيعَ الخَيْرَاتِ وَالبَرَكَاتِ وَالآثَارِ هِيَ مِنْ شُؤُونِ الوُجُودِ وَآثَارِهِ، فَمِنَ الطَّبِيعِيِّ حِينَئِذٍ -مَا دَامَ الوُجُودُ يَنْشَأُ مِنْ نَاحِيَتِهِ- أَنْ تَكُونَ التَّطَوُّرَاتُ الطَّارِئَةُ عَلَى الوُجُودِ صَادِرَةً مِنَ اللهِ تَعَالَى أَيْضًا. إِذْ لَا مَعْنَى لِأَنْ يَكُونَ أَصْلُ وُجُودِ الأشياء مِنَ اللهِ، وَلَكِنَّ الحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ الَّتِي يَتَلَبَّسُ بِهَا الوُجُودُ تَكُونُ مِلْكًا لِلْموُجُودِات نَفْسِهِا! وَأيُّ نَّفْسٍ هُنَا؟!

    1. مصباح المتهجّد، ج ٢، ص ٥٨٢، فقرات من دعاء ابي حمزة الثمالي.
    2. شرح المنظومة، ج ٢، ص ٣٥. اسرار ملکوت، ج ١، ص ١٩، تعلیقه ٢:
      «سررشتۀ جمیع امور عالمِ وجود در دست توانا و مشیّت اوست، و تمامی موجودات در وجود و بقای خود، از چشمۀ فیَضان رحمت و حیات او استمداد می‌طلبند.»
    3. هود الاية ٥٦

العِلْمُ وَمَكَانَتُهُ فِي وُجُودِ الإِنْسَانِ - العُلُومِ الحَقِيقِيَّةِ وَالعُلُومِ الاعْتِبَارِيَّةِ

3
  • لَا مَعْنَى لِأَنْ يَكُونَ أَصْلُ الإِنْسَانِ وَحَقِيقَتُهُ مِنَ الوُجُودِ الحَقِّ، وَلَكِنَّ الكَمَالَاتِ المُتَرَتِّبَةَ عَلَيْهِ لَا تَكُونُ بِإِرَادَةِ اللهِ! فَبِإِرَادَةِ مَنْ تَكُونُ إِذًا؟

  • عِنْدَمَا تَكُونُ حَقِيقَةُ شَيْءٍ مَا مُسْتَنِدَةً إِلَى الذَّاتِ الأَحَدِيَّةِ، فَإِنَّ الطَّرِيقَ وَالمَسَارَ الَّذِي يَطْوِيهِ هَذَا الشَّيْءُ لِكَمَالِهِ وَلِإِبْرَازِ مَرَاتِبِهِ وَإِظْهَارِهَا، هُوَ قَطْعًا مِنْ نَاحِيَةِ اللهِ تَعَالَى أَيْضًا، وَتَابِعٌ لِإِرَادَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ.

  • هَذَا هُوَ مَعْنَى «أَزِمَّةِ الأُمُورِ»؛ فَزِمَامُ كُلِّ أَمْرٍ هُوَ فِي يَدِ قُدْرَةِ اللهِ وَإِرَادَتِهِ.

  • حَقِيقَةُ "الزِّمَامِ الاعْتِبَارِيِّ" الَّذِي بِأَيْدِينَا: مُلْكٌ زَائِلٌ وَعَارِيَّةٌ مُسْتَرَدَّةٌ

  • وَهَذَا لَيْسَ مُجَرَّدَ جِهَةٍ اعْتِبَارِيَّةٍ، كَمَا هُوَ الحَالُ اليَوْمَ حِينَ يَكُونُ زِمَامُ هَذَا الأَمْرِ، أَوْ هَذِهِ النَّاقَةِ، أَوْ الفَرَسِ، أَوْ المَرْكَبِ، أَوْ الحِمَارِ بِيَدِكَ، وَغَدًا يَكُونُ بِيَدِ غَيْرِكَ. فَهَذِهِ أَزِمَّةٌ اعْتِبَارِيَّةٌ؛ اليَوْمَ أَنْتَ تَسُوقُ هَذِهِ السَّيَّارَةَ، وَغَدًا تُعْطِيهَا لِشَخْصٍ آخَرَ فَيَسُوقُهَا. إنّ سِيَاقَةَ هَذِهِ السَّيَّارَةِ اليَوْمَ بِيَدِكَ، وَغَدًا بِيَدِ آخَرَ؛ إنّ هَذِهِ أُمُورٌ اعْتِبَارِيَّةٌ، فقط تَتَبَادَلُونَ الأَمَاكِنَ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ مُؤَقَّتَةٌ. هِيَ فِي هَذِهِ الفَتْرَةِ وَالبُرْهَةِ لَكَ، وَفِي بُرْهَةٍ أُخْرَى لَيْسَتْ لَكَ. والسَّيَّارَةُ بَاقِيَةٌ فِي مَكَانِهَا وَأمّا السَّائِقُ فيَتَغَيَّرُ؛ يَمُوتُ هَذَا السَّائِقُ فَيَأْتِي سَائِقٌ آخَرُ يَرْكَبُ هَذِهِ السَّيَّارَةَ.

  • الأَمْرُ تَمَامًا مِثْلُ المَنَازِلِ؛ يَبْنِي الإِنْسَانُ هَذَا المَنْزِلَ وَيَتَخَيَّلُ أَنَّهُ قَدْ أَصْبَحَ مَالِكًا لَهُ، وَلَكِنْ هَذَا حُلْمٌ وَخَيَالٌ يَا عَزِيزِي! يَبْنِي هَذَا المَنْزِلَ ثُمَّ يُسَلِّمُهُ لِآخَرَ، وَيُسَافِرُ هُوَ مِنْ هُنَا إِلَى مَكَانٍ آخَرَ، وَذَلِكَ الشَّخْصُ أَيْضًا يَرْحَلُ مِنْ هُنَاكَ، وَالمَنْزِلُ لَا يَزَالُ فِي مَكَانِهِ. يَأْتِي الشَّخْصُ الثَّالِثُ، وَالرَّابِعُ، وَهَكَذَا إِلَى أَنْ يَتَهَدَّمَ هَذَا البَيْتُ فَيُعَادَ بِنَاؤُهُ، وَتَتَكَرَّرُ القِصَّةُ. مَا هِيَ حَقِيقَةُ هَذِهِ الأُمُورِ؟ إِنَّهَا اعْتِبَارِيَّةٌ.

  • هَذِهِ الزمام الَّتِي نَأْخُذُهَا بِأَيْدِينَا هِيَ زمامٌ اعْتِبَارِيَّةٌ: زِمَامُ السَّيَّارَةِ، زِمَامُ المَنْزِلِ، زِمَامُ الزَّوْجَةِ، زِمَامُ الوَلَدِ، وَحَتَّى زِمَامُ أَنْفُسِنَا! زِمَامُ أَنْفُسِنَا! مَنْ نَحْنُ أَصْلًا لِيَكُونَ لَنَا زِمَامُ أَنْفُسِنَا؟ كُلُّ هَذَا اعْتِبَارِيٌّ.

  • قِصَّةُ قَصْرِ الإِمَارَةِ: رُؤُوسٌ تَتَطَايَرُ وَمُلْكٌ لَا يَدُومُ

  • يُرْوَى أَنَّهُ فِي زَمَنِ الحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ، كَانَ أَحَدُ رِجَالِ الحَاشِيَةِ جَالِسًا فِي قَصْرِ الإِمَارَةِ بِالكُوفَةِ -وَفِي الوَقْتِ الَّذِي تَشَرَّفْنَا فِيهِ بِزِيَارَةِ العَتَبَاتِ، ذَهَبْنَا إِلَى هُنَاكَ وَرَأَيْنَا قَصْرَ إِمَارَةِ الكُوفَةِ، كَانَتْ بَقَايَا آثَارِهِ مَوْجُودَةً وَقَدْ تَهَدَّمَ، وَهُوَ القَصْرُ المَعْرُوفُ الَّذِي كَانَ لِعُبَيْدِ اللهِ بْنِ زِيَادٍ وَمَنْ مَعَهُ- وَبَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ، وَإِذَا بِهِمْ يَضَعُونَ رَأْسَ مُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَمَامَ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، فَمَا إِنْ رَأَى الرَّجُلُ ذَلِكَ حَتَّى امْتَقَعَ لَوْنُهُ وَتَغَيَّرَتْ حَالُهُ!

العِلْمُ وَمَكَانَتُهُ فِي وُجُودِ الإِنْسَانِ - العُلُومِ الحَقِيقِيَّةِ وَالعُلُومِ الاعْتِبَارِيَّةِ

4
  • الْتَفَتَ إِلَيْهِ عَبْدُ المَلِكِ وَقَالَ: مَا بِكَ؟ لِمَ صِرْتَ هَكَذَا؟

  • قَالَ: تَذَكَّرْتُ أَحْدَاثًا فَاعْتَرَانِي التَّغَيُّرُ.

  • قَالَ عَبْدُ المَلِكِ: وَمَا ذَاكَ؟

  • قَالَ: كُنْتُ يَوْمًا جَالِسًا هُنَا، فِي هَذَا المَكَانِ عَيْنِهِ، وَفِي هَذِهِ النُّقْطَةِ ذَاتِهَا، وَكَانَ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ زِيَادٍ جَالِسًا مَكَانَكَ، فَرَأَيْتُهُمْ قَدْ جَاؤُوا بِرَأْسِ سَيِّدِ الشُّهَدَاءِ ابْنِ رَسُولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله)، الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، وَوَضَعُوهُ هُنَا، عَلَى هَذَا البِسَاطِ نَفْسِهِ. ثُمَّ دَارَتْ رَحَى الأَيَّامِ وَمَضَتْ، وَظَهَرَ المُخْتَارُ وَاسْتَوْلَى عَلَى الحُكْمِ وَجَلَسَ فِي هَذَا المَكَانِ. وَكُنْتُ جَالِسًا هُنَا عِنْدَ المُخْتَارِ يَوْمَ جَاؤُوا بِرَأْسِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ زِيَادٍ وَوَضَعُوهُ هُنَا، فِي هَذَا المَكَانِ عَيْنِهِ. ثُمَّ عَادَتِ الأَيَّامُ لِلدَّوَرَانِ وَالحَرَكَةِ، حَتَّى جَاءَ مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ -بِوَاسِطَةِ أَخِيهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ الَّذِي كَانَ رَجُلًا خَبِيثًا جِدًّا وَشَدِيدَ العَدَاءِ وَالعِنَادِ لِأَهْلِ البَيْتِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، وَيُنْقَلُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «إِنِّي لَأَكْتُمُ بُغْضَكُمْ أَهْلَ هَذَا الْبَيْتِ مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً.»۱

  • وَفِي شَأْنِ أَبِيهِ الزُّبَيْرِ وَرَدَتْ رِوَايَةٌ عَنْ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ فِيهَا: «مَا زَالَ الزُّبَيْرُ مِنَّا أَهْلَ البَيْتِ حَتَّى نَشَأَ ابْنُهُ عَبْدُ اللهِ فَأَفْسَدَهُ»٢؛ أَيْ كَانَ الزُّبَيْرُ مِنَّا إِلَى أَنْ كَبُرَ ابْنُهُ هَذَا وَفَصَلَ بَيْنَنَا. وَلِذَا فَإِنَّ حَرْبَ الجَمَلِ وَمَا شَاكَلَهَا كَانَ مُحَرِّكُهَا الأَسَاسُ هَذَا الابْنُ، عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَهُوَ الَّذِي أَوْدَى بِأَبِيهِ إِلَى القَتْلِ، وَإِلَّا فَإِنَّ الزُّبَيْرَ كَانَ يَهُمُّ بِالِانْصِرَافِ عَنِ الحَرْبِ.

  • لقد قَامَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ وَخَرَجَ عَلَى بَنِي أُمَيَّةَ وَسَيْطَرَ عَلَى مَكَّةَ، وَكَانَ أَخُوهُ مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ شُجَاعًا جِدًّا وَجَمِيلًا لِلْغَايَةِ! يَقُولُونَ إِنَّهُ كَانَ مِنْ أَجْمَلِ العَرَبِ، يُشَارُ إِلَيْهِ بِالبَنَانِ فِي جَمَالِهِ، فَقَامَ وَخَرَجَ وَكَانَ شُجَاعًا بَاسِلًا، وَقَامَ لِأَجْلِ أَخِيهِ لِيَصْرِفَ الخِلَافَةَ إِلَيْهِ. فَجَاءَ مُصْعَبٌ وَغَلَبَ المُخْتَارَ وَقَتَلَهُ.

  • يَقُولُ الرَّجُلُ: كُنْتُ جَالِسًا فَرَأَيْتُ مُصْعَبَ بْنَ الزُّبَيْرِ جَالِسًا هُنَا، وَجَاؤُوا بِرَأْسِ المُخْتَارِ وَوَضَعُوهُ هُنَا. فَكَمْ وَاحِدًا أَصْبَحُوا؟! ثَلَاثَةً.

  • يُتَابِعُ قَائِلًا: وَمَضَى الزَّمَانُ -وَيَبْدُو أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ كَانَ مُعَمِّرًا-، فَأَرْسَلَ عَبْدُ المَلِكِ جَيْشًا بِقِيَادَةِ الحَجَّاجِ لِقِتَالِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، فَحَاصَرَ مَكَّةَ وَرَمَى المَسْجِدَ الحَرَامَ بِالمِنْجَنِيقِ، وَأَحْدَثَ قَتْلًا وَنَهْبًا، وَهَدَمَ الكَعْبَةَ. (إِحْدَى المَرَّاتِ الَّتِي تَهَدَّمَتْ فِيهَا الكَعْبَةُ كَانَتْ بِسَبَبِ حِجَارَةِ مِنْجَنِيقِ الحَجَّاجِ، وَأُخْرَى بِسَبَبِ الحِجَارَةِ الَّتِي كَانَ يُرْسِلُهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ مِنْ جِبَالِ مَكَّةَ، فَاشْتَعَلَتِ النَّارُ فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ وَتَهَدَّمَتِ الكَعْبَةُ، ثُمَّ أَعَادُوا بِنَاءَهَا فِي زَمَنِ عَبْدِ المَلِكِ).

    1. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج٤، ص: ٦٢.
    2. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج٤، ص:۷٩.

العِلْمُ وَمَكَانَتُهُ فِي وُجُودِ الإِنْسَانِ - العُلُومِ الحَقِيقِيَّةِ وَالعُلُومِ الاعْتِبَارِيَّةِ

5
  • لقد اسْتَوْلَى الحَجَّاجُ عَلَى مَكَّةَ، ثُمَّ تَوَجَّهَ إِلَى الكُوفَةِ وَغَلَبَ عَلَيْهَا، وَتَحَرَّكَ عَبْدُ المَلِكِ مِنَ الشَّامِ، وَدَارَتْ رَحَى الحَرْبِ بَيْنَ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ وَمُصْعَبِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَقُتِلَ مُصْعَبٌ.

  • قَالَ الرَّجُلُ: وَهَذِهِ هِيَ المَرَّةُ الأَخِيرَةُ، حَيْثُ أَجْلِسُ أَنَا هُنَا وَأَرَى رَأْسَ مُصْعَبٍ الآنَ!

  • يَقُولُ: لَقَدِ امْتَقَعَ لَوْنِي خَوْفًا مِنَ التَّفْكِيرِ فِي: رَأْسُ مَنْ سَيَأْتِي وَسْطَ هَذَا المَجْلِسِ بَعْدَ هَذَا الرَّأْسِ؟

  • فلَمَّا قَالَ ذَلِكَ لِعَبْدِ المَلِكِ، خَرَجَ عَبْدُ المَلِكِ مِنْ قَصْرِ الإِمَارَةِ وَأَمَرَ بِهَدْمِ القَصْرِ. وَهَذَا الخَرَابُ المَوْجُودُ الآنَ، هُوَ بِسَبَبِ عَبْدِ المَلِكِ الَّذِي هَدَمَهُ كَيْ لَا يَكُونَ هُوَ الرَّأْسَ التَّالِيَ فِي هَذَا المُسَلْسَلِ!

  • يَقُولُ الشَّاعِرُ فِي هَذَا المَعْنَى:

  • یکسر مردی زعرب هوشمند***گفت به عبدالملک از روی پند
  • بودم و دیدم بر ابن زیاد‌***آه چه دیدم که دو چشمم مباد‌
  • تازه سری چون سپر آسمان‌***طلعت خورشید ز رویش نهان‌۱
  • بعد می‌آید می‌گوید:

  • این سر مصعب به تقاضای کار***تا چه کند با تو دگر روزگار‌٢
  • إنّ كُلَّ هَذِهِ الأُمُورِ، مَا هِيَ؟ إنّ هَذِهِ الزِمَامَ كُلَّهَا عَارِيَّةٌ، وَلَكِنْ لِمَاذَا هِيَ عَارِيَّةٌ فِي حَقِّ غَيْرِ اللهِ تَعَالَى؟

  • لِأَنَّ الإِنْسَانَ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى الاحْتِفَاظِ بِهَا، ولو كُنْتَ قَادِرًا عَلَى الاحْتِفَاظِ بِهَذَا المَنْزِلِ، فَاحْتَفِظْ بِهِ إِذن، لِمَ لَا تَفْعَل؟

  • قِصَّةُ الرَّجُلِ وَالأَفْعَى: هَلْ نَمْلِكُ زِمَامَ أُمُورِنَا حَقًّا؟!

  • كُنْتُ يَوْمًا فِي طِهْرَانَ رَاكِبًا سَيَّارَةَ أُجْرَةٍ، فَرَأَيْتُ رَاكِبَيْنِ يَتَحَدَّثَانِ، وَكَانَ أَحَدُهُمَا يَرْوِي لِلآخَرِ قِصَّةً طَرِيفَةً وَشَيِّقَةً، يَقُولُ: ذَهَبَ أَحَدُ أَقَارِبِنَا لِيَشْتَرِيَ مَنْزِلًا فِي حَيِّ "سَيِّد خَنْدَان" وَالمَنَاطِقِ المُجَاوِرَةِ، وَقَدْ رَضِيَ صَاحِبُ المَنْزِلِ بكلّ شيء، لَكِنَّ زَوْجَتَهُ لَمْ تَرْضَ، وَقَالَتْ: لَا! نَحْنُ نَأْنَسُ بهَذَا المَنْزِلِ. وَحَتَّى بَعْدَ كِتَابَةِ العَقْدِ الأَوَّلِيِّ، أَصَرَّتِ المَرْأَةُ إِصْرَارًا شَدِيدًا حَتَّى عَجَزَ الرَّجُلُ وَاضْطُرَّ لِفَسْخِ العَقْدِ. فذَهَبَ المُشْتَرِي إِلَى شَخْصٍ وقَالَ لَهُ: سَأَجِدُ لَكَ الحَلَّ.

  • ذَهَبَ وَأَحْضَرَ أَفْعَى مِنَ البَرِّيَّةِ، وَأَلْقَاهَا فِي فِنَاءِ ذَلِكَ المَنْزِلِ. وكَانَ الوَقْتُ صَيْفًا، وَبَيْنَمَا هُمْ جَالِسُونَ، فَجْأَةً ارْتَفَعَ الصُّرَاخُ: يَا وَيْلَاهُ! ظَهَرَتْ أَفْعَى فِي الفِنَاءِ! قَالَتِ المَرْأَةُ: لَنْ أَضَعَ قَدَمِي فِي هَذَا البَيْتِ بَعْدَ الآنَ!

  • وَفِي اليَوْمِ التَّالِي بِيعَ البَيْتُ، وَجَاءَ ذَلِكَ الرَّجُلُ وَأَخَذَ الأَفْعَى وَمَضَى! بِهَذِهِ السُّهُولَةِ.

    1. يقول: 
      رَجُلٌ ذَكِيٌّ مِنَ العَرَبِ***قَالَ لِعَبْدِ المَلِكِ عَلَى سَبِيلِ النُّصْحِ
      كُنْتُ حَاضِرًا عِنْدَ ابْنِ زِيَادٍ وَرَأَيْتُ***آهٍ مَاذَا رَأَيْتُ! لَا رَأَتْ عَيْنَايَ مِثْلَهُ أَبَدًا
      رَأْسًا غَضًّا كَأَنَّهُ تُرْسُ السَّمَاءِ [الشَّمْسُ]***تَوَارَى نُورُ الشَّمْسِ خَجَلًا مِنْ وَجْهِهِ
    2. ثُمَّ يَأْتِي وَيَقُولُ:
      وَهَذَا رَأْسُ مُصْعَبٍ بِحُكْمِ مُقْتَضَيَاتِ الأُمُورِ***[فَلْنَنْظُرْ] مَاذَا سَيَفْعَلُ بِكَ الدَّهْرُ أَيْضًا

العِلْمُ وَمَكَانَتُهُ فِي وُجُودِ الإِنْسَانِ - العُلُومِ الحَقِيقِيَّةِ وَالعُلُومِ الاعْتِبَارِيَّةِ

6
  • فَهَلْ هُنَاكَ ملكٌ حَقِيقِيٌّ حَقًّا؟! وَهَلْ هَذِهِ الزمام الَّتِي بِأَيْدِينَا حَقِيقِيَّةٌ؟!

  • كَثِيرًا مَا يَتَعَلَّقُ أَهْلُ البَيْتِ بِمَنْزِلِهِمْ، وَفَجْأَةً يَسْقُطُ طِفْلُهُمْ فِي حَوْضِ المَاءِ وَيَغْرَقُ، فَيَقُولُونَ: هَذَا البَيْتُ لَمْ يَعُدْ مَيْمُونًا عَلَيْنَا، إِنَّهُ شُؤْمٌ، وَيَجِبُ أَنْ نَرْحَلَ مِنْ هُنَا. أَوْ يَرَى أَحَدُهُمْ مَنَامًا فَيُغَيِّرُ رَأْيَهُ.

  • مَا النُّقْطَةُ الَّتِي أرِيدُ الوُصُولَ إِلَيْهَا مِنْ هَذِهِ المَسَائِلِ؟

  • إِنَّ هَذَا الزِّمَامَ الَّذِي بِأَيْدِينَا هُوَ زِمَامٌ اعْتِبَارِيٌّ. وأَمَّا ذَلِكَ الَّذِي يُدِيرُ الأُمُورَ مِنَ الأَعْلَى، وَيُقَلِّبُ الأَحْوَالَ، فَمَنْ هُوَ؟ ذَلِكَ هُوَ الزِّمَامُ الحَقِيقِيُّ. والآنَ اتَّضَحَ أَنَّ الزِّمَامَ [الحَقَّ] هُوَ ذَاكَ. هُوَ الَّذِي يُقَلِّبُ وَيُغَيِّرُ، وَبِتَقْلِيبِهِ نَتَقَلَّبُ نَحْنُ. كَانَ الأَمْرُ لِهَذَا، وَصَارَ مِنْ بَعْدِهِ لِذَاكَ.

  • الفَرْقُ الجَوْهَرِيُّ بَيْنَ تَدْبِيرِنَا القَاصِرِ وَتَدْبِيرِ اللهِ المُحِيطِ

  • أَمَّا فِي مَوْرِدِ زِمَامِ اللهِ المُتَعَالِ، فَالأَمْرُ حَقِيقِيٌّ؛ «أَزِمَّةُ الأُمُورِ طُرًّا بِيَدِهِ» تَعْنِي أَنَّ زِمَامَ كُلِّ أَمْرٍ بِالكَامِلِ هُوَ بِيَدِهِ. أَيْ أَنَّهُ لَا يَتْرُكُ أَيَّ فَرَاغٍ أَوْ خَلَلٍ أَوْ نُقْصَانٍ فِي هَذَا التَّدْبِيرِ. لَيْسَ الأَمْرُ بِحَيْث يوَجِّهُ إِلَى جِهَةٍ مَا وَيَغْفُلُ عَنْ جِهَاتٍ أُخْرَى، كَلَّا. بل عِنْدَمَا يُوَجِّهُ وَيَأْمُرُ قَائِلًا "افْعَلْ هَذَا"، فَإِنَّهُ يَضَعُ جَمِيعَ الجِهَاتِ المُتَرَافِقَةِ لِهَذَا الأَمْرِ فِي مَدِّ نَظَرِهِ. وعِنْدَمَا يَقُولُ لَكَ: "انْهَضْ وَسَافِرْ"، فَهَلْ يَنْسَى المَرِيضَ الَّذِي فِي بَيْتِكَ؟! بل إِنَّهُ يُدَبِّرُ أَمْرَهُ أَيْضًا.

  • نَقْدٌ عِرْفَانِيٌّ لِبَيْتِ السَّعْدِيِّ: هَلْ يَغْفُلُ القَضَاءُ الإِلَهِيُّ عَنْ سِرَاجِ العَجُوزِ؟

  • كَانَ المَرْحُومُ العَلَّامَةُ [الطِّهْرَانِيُّ] يَقْرَأُ شِعْرَ سَعْدِي هَذَا كَثِيرًا وَيُشْكِلُ عَلَيْهِ. بِالطَّبْعِ يُمْكِنُ تَوْجِيهُهُ بِبَيَانٍ مَا، وَلَكِنْ بِبَيَانٍ آخَرَ لَا، هُوَ غَيْرُ قَابِلٍ لِلتَّوْجِيهِ.

  • يَقُولُ سعْدِي:

  • قضا دگر نشود گر ‌هزار ناله و آه***به ‌شکر یا به ‌شکایت ‌برآید از دهنی
  • فرشته‌ای‌ که‌ وکیل‌ است ‌برخزائن‌ باد‌***چه‌ غم‌ خورد که ‌بمیرد چراغ پیر زنی۱
  • يَقُولُ: القَضَاءُ لَا يَتَبَدَّلُ بِأَيِّ حَالٍ، حَتَّى لَوْ رَفَعَ أَلْفُ شَخْصٍ أَيْدِيَهُمْ بِالدُّعَاءِ أَوْ فَعَلُوا مَا فَعَلُوا.

  • لِأَنَّ كُلَّ قَضِيَّةٍ تَحْدُثُ فِي العَالَمِ، يَفْرَحُ بِهَا قَوْمٌ وَيَحْزَنُ بِهَا آخَرُونَ. أَرُونِي قَضِيَّةً وَاحِدَةً حَدَثَتْ فِي هَذَا العَالَمِ فَرِحَ بِهَا الجَمِيعُ أَوْ حَزِنَ لَهَا الجَمِيعُ؟

  • هَلْ تَعْرِفُونَ أَحَدًا أَعْلَى مِنَ النَّبِيِّ الأَكْرَمِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ؟ عِنْدَمَا ارْتَحَلَ النَّبِيُّ عَنِ الدُّنْيَا، هَلْ حَزِنَ النَّاسُ جَمِيعًا؟ كَلَّا يَا عَزِيزِي! بَلْ فَرِحَ كَثِيرُونَ وَقَالُوا: الحَمْدُ لِلَّهِ لَقَدِ ارْتَحْنَا مِنْهُ، لَنْ يَأْمُرَنَا وَيَنْهَانَا بَعْدَ اليَوْمِ! هَؤُلَاءِ هُمُ المُنَافِقُونَ! وَعِنْدَمَا ضُرِبَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى رَأْسِهِ، هَلْ حَزِنَ الجَمِيعُ لِهَذَا الأَمْرِ؟ كَلَّا، هُنَاكَ كَثِيرُونَ فَرِحُوا.

    1. يقول: 
      القَضَاءُ لَا يَتَغَيَّرُ وَإِنْ خَرَجَتْ مِنْ فَمٍ***أَلْفُ أَنَّةٍ وَآهَةٍ، شُكْرًا كَانَتْ أَمْ شِكَايَةً
      المَلَكُ المُوَكَّلُ بِخَزَائِنِ الرِّيَاحِ***أَيَّ هَمٍّ يَحْمِلُهُ إِنِ انْطَفَأَ سِرَاجُ عَجُوزٍ؟)

العِلْمُ وَمَكَانَتُهُ فِي وُجُودِ الإِنْسَانِ - العُلُومِ الحَقِيقِيَّةِ وَالعُلُومِ الاعْتِبَارِيَّةِ

7
  • أَيُّ مَسْأَلَةٍ تَحْدُثُ فِي العَالَمِ، لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَهَا مُؤَيِّدُونَ وَمُعَارِضُونَ. إِذَا جَاءَ سَيْلٌ وَشَرَّدَ قَوْمًا، قَالَ قَوْمٌ آخَرُونَ: الحَمْدُ لِلَّهِ، أَحْسَنَ اللهُ صُنْعًا بِهَؤُلَاءِ. وَقَوْمٌ يَلْطِمُونَ رُؤُوسَهُمْ لِمَا حَلَّ بِهِمْ.

  • يَقُولُ الشَّيْخُ الأَجَلُّ (سَعْدِي): لَوْ خَرَجَتْ مِنْ فَمٍ أَلْفُ أَنَّةٍ وَآهٍ، شُكْرًا أَوْ شِكَايَةً، فَإِنَّ القَضَاءَ الإِلَهِيَّ لَا يَتَغَيَّرُ. وَذَلِكَ المَلَكُ المُوَكَّلُ بِإِيجَادِ الرِّيَاحِ وَالأَعَاصِيرِ ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾۱، عَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَ وَظِيفَتَهُ، فَمَا هَمُّهُ أَنْ يَنْطَفِئَ سِرَاجُ عَجُوزٍ؟ فَلْتَتَحَرَّكِ الرِّيحُ وَلْيَنْطَفِئْ سِرَاجُ العَجُوزِ، هُوَ مَأْمُورٌ بِأَدَاءِ عَمَلِهِ.

  • يُمْكِنُنَا تَوْجِيهُ هَذَا الكَلَامِ بِتَوْجِيهٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ: أَنَّ القَضَاءَ الإِلَهِيَّ المُبْرَمَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَحَقَّقَ، فَهُوَ نَافِذٌ وَلَا يَلْتَفِتُ لِشِكَايَةِ أَحَدٍ أَوْ أَنِينِهِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَحْدُثَ. وَكَذَلِكَ تِلْكَ المَلَائِكَةُ المُوَكَّلَةُ بِنَقْلِ الرِّيَاحِ مِنْ جِهَةٍ لِأُخْرَى، إِذَا كَانَ فِي القَضَاءِ الإِلَهِيِّ المُبْرَمِ حَرَكَةُ هَذِهِ الرِّيحِ، فَلَا بُدَّ أَنَّ انْطِفَاءَ سِرَاجِ العَجُوزِ مُنْطَوٍ وَمُنْدَمِجٌ فِي هَذَا القَضَاءِ. هَذَا التَّوْجِيهُ مَقْبُولٌ.

  • أَمَّا لَوْ قُلْنَا إِنَّ مُرَادَ الشَّيْخِ الأَجَلِّ هُوَ أَنَّ القَضَاءَ الإِلَهِيَّ يَجِبُ أَنْ يَنْفُذَ وَلَا شَأْنَ لَهُ بِالنَّاسِ إِطْلَاقًا، فَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ!

  • لِأَنَّ ال"آهَ" وَالشُّكْرَ وَالأَنِينَ تُؤَدِّي دَوْرَهَا أَيْضًا فِي طُولِ هَذَا القَضَاءِ الإِلَهِيِّ. فَذَلِكَ المَلَكُ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَتَحَرَّكَ وَيُسَيِّرَ الرِّياحَ، يَضَعُ فِي اعْتِبَارِهِ أَيْضًا انْطِفَاءَ سِرَاجِ تِلْكَ العَجُوزِ؛ فَإِذَا كَانَ المُقَدَّرُ أَنْ يَنْطَفِئَ انْطَفَأَ، وَإِذَا كَانَ المُقَدَّرُ أَلَّا يَنْطَفِئَ، فَحَتَّى لَوْ جَاءَ الطُّوفَانُ لَنْ يَنْطَفِئَ... وَلَدَيْنَا أَمْثِلَةٌ عَلَى ذَلِكَ إِلَى مَا شَاءَ اللهُ.

  • يَنْهَارُ مَبْنًى، يَحْدُثُ زِلْزَالٌ، يَمُوتُ أَهْلُ المَدِينَةِ جَمِيعًا وَيَتَقَطَّعُونَ، وَلَكِنَّكَ تَرَى طِفْلًا رَضِيعًا يَسْقُطُ عَلَيْهِ الحَدِيدُ بِشَكْلٍ مَائِلٍ فَيَحْمِيهِ، وَيَبْقَى الطِّفْلُ سَالِمًا. مَا هَذَا؟ كُلُّ هَذَا بِحِسَابٍ.

  • فَقَوْلُهُ "القَضَاءُ لَا يَتَغَيَّرُ" لَيْسَ دَقِيقًا؛ القَضَاءُ يَتَغَيَّرُ، وَلِمَ لَا يَتَغَيَّرُ؟

  • إِنَّ اللهَ تَعَالَى عِنْدَمَا يُدَبِّرُ أَمْرًا، يَلْحَظُ جَمِيعَ جَوَانِبِ ذَلِكَ الأَمْرِ. لَيْسَ الأَمْرُ كَمُهَنْدِسٍ يُرِيدُ رَسْمَ خَارِطَةِ بِنَاءٍ، وَبَعْدَ البِنَاءِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ الخَارِطَةَ مَلِيئَةٌ بِالنَّوَاقِصِ وَالعُيُوبِ.

  • إِنَّ اللهَ تَعَالَى، وَبِنَفْسِ المِقْدَارِ الَّذِي تَتَعَلَّقُ فِيهِ عِنَايَتُهُ وَنَظَرُهُ بِوُقُوعِ حَادِثَةٍ مَا، فَإِنَّ نَظَرَهُ يَتَعَلَّقُ أَيْضًا بِالجَوَانِبِ المُحِيطَةِ بِتِلْكَ الحَادِثَةِ، مِنْ دُونِ زِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ بِمِقْدَارِ رَأْسِ إِبْرَةٍ. لَا فَرْقَ أَبَدًا.

    1. سُورَةُ النَّازِعَاتِ (۷٩) الآيَةُ ٥.

العِلْمُ وَمَكَانَتُهُ فِي وُجُودِ الإِنْسَانِ - العُلُومِ الحَقِيقِيَّةِ وَالعُلُومِ الاعْتِبَارِيَّةِ

8
  • أَنْتَ الآنَ عِنْدَمَا تَنْظُرُ إِلَى إِبْرِيقِ المَاءِ هَذَا، يَتَوَجَّهُ نَظَرُكَ أَوَّلًا إِلَيْهِ لِأَنَّهُ الأَكْبَرُ، ثُمَّ تَأْتِي الأَقْدَاحُ الصَّغِيرَةُ الَّتِي بِجَانِبِهِ فِي المَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ نَظَرِكَ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ الأَكْبَرُ يَأْتِي فِي النَّظَرِ أَوَّلًا. الإِنْسَانُ عِنْدَمَا يَنْظُرُ إِلَى مَشْهَدٍ عَامٍّ، يَقَعُ بَصَرُهُ أَوَّلًا عَلَى الأَشْيَاءِ الكَبِيرَةِ، ثُمَّ الدَّقِيقَةِ، ثُمَّ الأَدَقِّ. وَكُلَّمَا زَادَتْ دِقَّةُ نَظَرِ الإِنْسَانِ، أَدْرَكَ أَشْيَاءَ أَدَقَّ.

  • أَمَّا اللهُ تَعَالَى فَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ فَبِنَظْرَةٍ وَاحِدَةٍ، وَبِنَفْسِ المِقْدَارِ الَّذِي يَرَى فِيهِ الكَبِيرَ، يَرَى فِيهِ تِلْكَ الذَّرَّةَ المُعَلَّقَةَ فِي الهَوَاءِ، لَا فَرْقَ. أَيْ لَا يَسْبِقُ نَظَرُ اللهِ إِلَى الكَبِيرِ نَظَرَهُ إِلَى الصَّغِيرِ وَلَوْ بِمِقْدَارِ رَأْسِ إِبْرَةٍ. لِمَاذَا؟

  • لِأَنَّ تَحَقُّقَ هَذِهِ الأَشْيَاءِ كُلِّهَا عِنْدَ اللهِ هُوَ بِالعِلْمِ الحُضُورِيِّ الوِجْدَانِيِّ، لَا بِالعِلْمِ الاكْتِسَابِيِّ.

  • وَهَذَا الزِّمَامُ يُسَمَّى الزِّمَامَ الحَقِيقِيَّ، «أَزِمَّةُ الأُمُورِ طُرًّا بِيَدِهِ».

  • شُعُورُ الاسْتِغْنَاءِ هُوَ لَحْظَةُ السُّقُوطِ: لِمَاذَا يُعَدُّ "عَدَمُ الأَلَمِ" الأَلَمَ الأَكْبَرَ؟

  • هَلْ حَدَثَ يَوْمًا أَنْ رَأَيْنَا أَنْفُسَنَا مُسْتَغْنِينَ عَنْ عِنَايَتِهِ؟ هَلْ حَدَثَ؟

  • إِذَا رَأَيْنَا أَنْفُسَنَا مُسْتَغْنِينَ عَنْ عِنَايَتِهِ فِي لَحْظَةٍ مَا، فَتِلْكَ اللَّحْظَةُ هِيَ لَحْظَةُ السُّقُوطِ. لِمَاذَا؟

  • لِأَنَّ ذَلِكَ يَتَنَافَى مَعَ النِّظَامِ؛ فَالنِّظَامُ قَائِمٌ عَلَى الإحساس باحْتِيَاجِنَا، وَعَلَى الشعور فَقْرِنَا. إنّ البُرْهَانَ حَاكِمٌ بِفَقْرِنَا، فَإِذَا شَعَرْنَا بِالاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ، وَبِالاسْتِغْنَاءِ عَنْ تَوْجِيهِهِ وَهِدَايَتِهِ [فقد سقطنا] ... دَقِّقُوا جَيِّدًا، مِنْ هُنَا نُرِيدُ الوُصُولَ إِلَى نُقْطَةِ "العِلْمِ". مَنْ هُوَ المُسْتَغْنِي؟ المُسْتَغْنِي لَيْسَ فَقَطْ مَنْ يَقُولُ بِلِسَانِهِ "أَنَا مُسْتَغْنٍ"، بَلْ هُوَ الَّذِي لَا يَتَوَجَّهُ (أي يَغْفَلُ)، فَهُوَ يَشْعُرُ بِالاسْتِغْنَاءِ أَيْضًا. فلِمَاذَا تَذْهَبُ إِلَى الطَّبِيبِ عِنْدَمَا يُؤْلِمُكَ رَأْسُكَ أَوْ قَلْبُكَ؟ لِأَنَّكَ تَشْعُرُ بِالحَاجَةِ. وهَلْ حَدَثَ أَنْ آلَمَكَ قَلْبُكَ فَقُلْتَ: "دَعِ الأَمْرَ، لَا يَهُمُّ"؟! يَا عَزِيزِي، عِنْدَمَا يُؤْلِمُكَ قَلْبُكَ تَصْرُخُ، وَعِنْدَمَا تُؤْلِمُكَ مَعِدَتُكَ تَصِيحُ، لَا يُمْكِنُكَ أَلَّا تَذْهَبَ، لَا تَسْتَطِيعُ. هَلْ يُعْقَلُ أَنْ تَتَلَوَّى مِنْ أَلَمِ المَعِدَةِ وَتَقُولَ: "لِنَنْظُرْ مَاذَا سَيَحْدُثُ"؟ هَذَا يَتَنَافَى مَعَ وُجُودِ الأَلَمِ.

  • الَّذِي لَا أَلَمَ لَدَيْهِ يَقُولُ: "دَعْهُ"، أَوْ "لَيْسَ الآنَ، غَدًا".

  • إِذًا، مَنْ لَا أَلَمَ لَهُ لَا يَبْحَثُ عَنِ الطَّبِيبِ، وَلَكِنْ لَوْ كَانَ لَدَيْهِ أَلَمٌ، فَلَا يُمْكِنُهُ عَقْلًا أَنْ يَكُونَ لَا مُبَالِيًا. كَيْفَ يُمْكِنُ الجَمْعُ بَيْنَ اللَّامُبَالَاةِ وَبَيْنَ الأَلَمِ؟

  • بِنَاءً عَلَى هَذَا، مَنْ لَا يَمْلِكُ أَلَمًا يَرَى نَفْسَهُ مُسْتَغْنِيًا عَنْ رَحْمَةِ اللهِ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الشَّاعِرِ [الرُّومِيِّ]:

العِلْمُ وَمَكَانَتُهُ فِي وُجُودِ الإِنْسَانِ - العُلُومِ الحَقِيقِيَّةِ وَالعُلُومِ الاعْتِبَارِيَّةِ

9
  • آب کم جو تشنگی آور بدست***تا بجوشد آبت از بالا و پست‌۱
  • وَيَقُولُ أَيْضًا:

  • طبیب ‌عشق ‌مسیحا دمست و مشفق لیک***چو درد در تو نبیند که ‌را دوا بکند‌؟٢
  • عِنْدَمَا لَا أَتَأَلَّمُ أَكُونُ غَافِلًا عَنِ المَسَائِلِ، وَغَيْرَ مُلْتَفِتٍ لِلْقَضَايَا، فَـ"عَدَمُ الأَلَمِ" هُوَ الأَلَمُ الأَكْبَرُ، وَهُوَ الوَجَعُ الأَعْظَمُ. ومَنْ لَا يَشْعُرُ بِالحَاجَةِ فِي نَفْسِهِ لَا يَسْعَى نَحْوَ الهِدَايَةِ. ولَوْ كُنَّا مُلْتَفِتِينَ إِلَى فَقْرِنَا وَبُؤْسِنَا وَعَجْزِنَا، فهَلْ كُنَّا لِنَقِفَ مَكْتُوفِي الأَيْدِي هَكَذَا؟! هَلْ يُعْقَلُ ذَلِكَ؟!

  • إِنَّ المَوْجُودَ فِي هَذَا العَالَمِ يَطْلُبُ العِنَايَةَ وَالمَدَدَ مِنْ وُجُودِ اللهِ دَائِمًا وَأَبَدًا، إِلَّا أَنْ يَصِلَ إِلَى مَرْتَبَةِ الكَمَالِ المُطْلَقِ، فَذَاكَ شَأْنٌ آخَرُ. وَلَكِنْ مَا دَامَ الإِنْسَانُ لَمْ يَصِلْ إِلَى مَرْتَبَةِ الكَمَالِ المُطْلَقِ، فَهَلْ يُمْكِنُهُ عَقْلًا -بِمَا هُوَ عَاقِلٌ- أَنْ يَقِفَ مَكْتُوفَ اليَدَيْنِ؟!

  • إِذَا وَقَفَ مَكْتُوفَ اليَدَيْنِ، فَلْيَعْلَمْ أَنَّ الجَانِبَ التَّكْوِينِيَّ وَالفِطْرَةَ هُنَا قَدْ أُصِيبَا بِخَدْشٍ.

  • تَشْخِيصُ ابْنِ سِينَا: مَتَى يَكُونُ "المِزَاجُ النَّفْسَانِيُّ" لِلإِنْسَانِ سَلِيمًا؟

  • وَهُنَا كَلَامٌ مَتِينٌ وَحَكِيمٌ جِدًّا لِابْنِ سِينَا، يَقُولُ: إِنَّ مِزَاجَ الإِنْسَانِ يَقْتَضِي العِلْمَ. مَا هُوَ العِلْمُ؟ العِلْمُ هُوَ كَشْفُ الحُجُبِ، هُوَ المَعْرِفَةُ.

  • لَيْسَ مِزَاجَ الأَمْعَاءِ وَالمَعِدَةِ وَالصَّفْرَاءِ وَالكَبِدِ، بَلِ المِزَاجُ النَّفْسَانِيُّ لِلإِنْسَانِ؛ فَنَفْسُ الإِنْسَانِ تَكُونُ فِي حَالِ صِحَّةٍ وَسَلَامَةٍ عِنْدَمَا تَكُونُ طَالِبَةً لِلْعِلْمِ والمعرفة. وَلَا شَأْنَ لَنَا الآنَ بِنَوْعِ العِلْمِ.

  • مَتَى يَكُونُ المِزَاجُ البَدَنِيُّ صَحِيحًا؟ عِنْدَمَا لَا يَتَأَلَّمُ الإِنْسَانُ فِي مَوْضِعٍ، وَلَا يَصْفَرُّ لَوْنُهُ، وَلَا يَكُونُ كَسُولًا، وَيَكُونُ نَشِيطًا دَائِمًا؛ فهَذَا مِزَاجٌ سَلِيمٌ. وأَمَّا لَوْ مَرِضَ، وَاصْفَرَّ لَوْنُهُ، وَأَصَابَهُ الكَسَلُ وَالسُّقُوطُ، فَهَذَا يَعْنِي أَنَّ المِزَاجَ لَيْسَ سَلِيمًا؛ فالغِذَاءُ وَالأُكْسِجِينُ لَا يَصِلُ لِلْخَلَايَا، وَالمِيكْرُوبُ قَدْ دَخَلَ البَدَنَ وَأَعَلَّهُ.

  • فكَذَلِكَ المِزَاجُ النَّفْسَانِيُّ لِلإِنْسَانِ -بِحَسَبِ تَعْبِيرِ ابْنِ سِينَا- يَكُونُ سَلِيمًا عِنْدَمَا يَكُونُ الإِنْسَانُ فِي طَرِيقِ الطَّلَبِ.

  • فلو رَأَيْنَا يَوْمًا أَنْ لَا رَغْبَةَ لَنَا فِي العِلْمِ، وَنَنْفِرُ مِنْهُ، وَنَقُول: "مَا هُوَ العِلْمُ؟ دَعْنَا نَجْلِسْ وَنَضْحَكْ وَنَتَحَدَّثْ وَنُمْضِ اللَّيْلَةَ كَيْفَمَا اتَّفَقَ"، سَوَاءٌ بِالحَدِيثِ عَنْ غَلَاءِ البِنْزِينِ، أَوْ رُخْصِ الدُّولَارِ، أَوْ أَحْوَالِ أَمْرِيكَا وَإِنْجِلْتِرَا، أَوْ الزِّلْزَالِ وَالبُرْكَانِ، وَغَلَاءِ البَضَائِعِ فِي السُّوقِ...

  • فلو رَأَيْنَا أَنَّ مَشْيَنَا وَمَرَامَنَا وَحَالَنَا هُوَ الابْتِعَادُ عَنِ العِلْمِ وَالسَّعْيُ لِتَقْطِيعِ العُمْرِ، فَلْنَعْلَمْ أَنَّ مِزَاجَنَا قَدِ اعْتَلَّ؛ أَيْ أَنَّ مِزَاجَنَا النَّفْسَانِيَّ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَبْحَثَ عَنِ العِلْمِ قَدْ خَرَجَ عَنِ صحّته.

    1. يقول:
      لَا تَطْلُبِ المَاءَ كَثِيرًا بَلْ حَصِّلِ العَطَشَ***حَتَّى يَنْبَعَ لَكَ المَاءُ مِنَ الأَعْلَى وَالأَسْفَلِ
    2. ويقول أيضًا:
      طَبِيبُ العِشْقِ نَفَسُهُ نَفَسُ المَسِيحِ وَهُوَ شَفِيقٌ، وَلَكِنْ***إِنْ لَمْ يَرَ فِيكَ أَلَمًا، فَمَنْ يُدَاوِي؟

العِلْمُ وَمَكَانَتُهُ فِي وُجُودِ الإِنْسَانِ - العُلُومِ الحَقِيقِيَّةِ وَالعُلُومِ الاعْتِبَارِيَّةِ

10
  • ومَا دَامَ الإِنْسَانُ يَرَى فِي نَفْسِهِ جِهَةَ "الطَّلَبِ" لِلْعِلْمِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْمُلَ خَيْرًا بِنَفْسِهِ. وَلَكِنْ إِذَا رَأَى أَنَّ الطَّلَبَ قَدْ فَتَرَ.. وَهَذِهِ المَسْأَلَةُ عَجِيبَةٌ جِدًّا فِي السُّلُوكِ وَمُهِمَّةٌ فِي القَضَايَا السُّلُوكِيَّةِ؛ فَكُلَّمَا رَأَيْنَا أَنَّ طَلَبَ الطَّرِيقِ وَالوُصُولِ وَالكَمَالِ فِينَا شَدِيدٌ، فَلْنَعْلَمْ أَنَّنَا فِي حَالَةِ صِحَّةٍ وَاعْتِدَالٍ مِزَاجِيٍّ، وَكُلَّمَا رَأَيْنَا العَكْسَ، وَقُلْنَا: "قُمْنَا أَمْ لَمْ نَقُمْ، قُلْنَا أَمْ لَمْ نَقُلْ، لِنَرَ مَا سَيَحْدُثُ"، فَهُنَا يَدُقُّ نَاقُوسُ الخَطَرِ، وَيُنَبِّهُ الإِنْسَانَ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُفَكِّرَ فِي حَلٍّ.

  • مَا هُوَ الفَارِقُ الرَّئِيسُ بَيْنَ حَرَكَةِ الإِنْسَانِ وَسُكُونِ الحَيَوَانِ؟

  • إنّ هَذِهِ خُصُوصِيَّةُ الإِنْسَانِ؛ فخُصُوصِيَّتُهُ أَنَّهُ يَكُونُ فِي مَرْحَلَةِ الاعْتِدَالِ حِينَمَا يَسْعَى خَلْفَ العِلْمِ لِيَزِيدَ مَعْرِفَتَهُ، وَهَذِهِ هِيَ مِيزَةُ الإِنْسَانِ عَنِ الحَيَوَانِ؛ الحَيَوَانُ لَا يَسْعَى لِلْعِلْمِ.

  • انْظُرْ إِلَى القِطَّةِ، وَرَاقِبْ سُلُوكَهَا طَوَالَ اليَوْمِ؛ تَسْتَيْقِظُ صَبَاحًا وَتُفَكِّرُ فِي الحُصُولِ عَلَى قِطْعَةِ لَحْمٍ لِتَأْكُلَهَا، ثُمَّ تَتَجَوَّلُ هُنَا وَهُنَاكَ وَتَعُودُ لِتُمْضِيَ لَيْلَهَا فِي مَكَانِهَا، وَتُكَرِّرُ الأَمْرَ نَفْسَهُ. لَا تَتَجَاوَزُ حُدُودَ بَيْتِهَا وَالبُيُوتِ المُجَاوِرَةِ، وَلَا تَقُومُ بِعَمَلٍ آخَرَ.

  • وانْظُرْ إِلَى الأَسَدِ، لَهُ مِنْطَقَةُ نُفُوذٍ فِي الغَابَةِ، يَسْتَيْقِظُ لِيَصْطَادَ فَرِيسَةً، وَبَعْدَ أَنْ يَأْكُلَ غَزَالًا أَوْ أَرْنَبًا يَعُودُ لِمَكَانِهِ وَيَنَامُ. وَهَكَذَا سَائِرُ الحَيَوَانَاتِ.

  • أمّا الإِنْسَانُ فهُوَ الَّذِي فِي حَالِ سَعْيٍ وَحَرَكَةٍ دَائِمةٍ، يُرِيدُ الحُصُولَ عَلَى الجَدِيدِ، وَعَلَى مَطَالِبَ جَدِيدَةٍ. لِمَاذَا؟ لِأَنَّ هَذَا مِنْ إِنْسَانِيَّتِهِ.

  • فَالإِنْسَانُ يَكُونُ قَوِيًّا فِي إِنْسَانِيَّتِهِ وَفِي مَرْحَلَةِ الاعْتِدَالِ عِنْدَمَا تَكُونُ هَذِهِ الحَالَةُ حَيَّةً فِيهِ دَائِمًا: حَالَةُ السَّعْيِ خَلْفَ العِلْمِ. وحَتَّى لَوْ كَانَ جَالِسًا فِي دُكَّانِهِ وَلَمْ يَأْتِ زَبُونٌ، يَفْتَحُ كِتَابًا وَيَقْرَأُ. وَحَتَّى مُجَرَّدُ النَّظَرِ وَالمُرَاقَبَةِ مَنْشَؤُهُ العِلْمُ؛ لِأَنَّ البَحْثَ عَنِ العِلْمِ كَامِنٌ فِي نَفْسِ الإِنْسَانِ، لَكِنَّهُ قَدْ لَا يَعْلَمُ أَيَّ عِلْمٍ يَنْفَعُهُ.

  • وحُبُّ الاطِّلَاعِ كَامِنٌ فِي ضَمِيرِ الإِنْسَانِ. فلَوْ رَأَيْتَ أُنَاسًا مُجْتَمِعِينَ فِي الشَّارِعِ، تَقُولُ: "لِأَذْهَبَ وَأَرَ مَا الخَبَرُ". فمَا الدَّافِعُ؟ لِأَنَّكَ طَالِبٌ لِلْعِلْمِ.

  • فهَلْ رَأَيْتَ حَيَوَانًا يَذْهَبُ لِيَسْتَطْلِعَ خَبَرًا؟ الحَيَوَانُ إِذَا شَبِعَ مَضَى فِي سَبِيلِهِ. هَلْ رَأَيْتَ حِمَارًا يَقِفُ لِيَتَفَرَّجَ عَلَى شَخْصَيْنِ يَتَشَاجَرَانِ لِيَعْرِفَ سَبَبَ الشِّجَارِ؟ أَوْ قِطَّةً تَقِفُ لِتَسْتَطْلِعَ أَمْرًا؟ كَلَّا! هَذَا شَأْنُ الإِنْسَانِ؛ الإِنْسَانُ يَقُولُ: "لِأَرَ مَا الأَمْرُ". لِمَاذَا؟ لِأَنَّ طَلَبَ العِلْمِ مُودَعٌ فِي فِطْرَتِهِ، ولَكِنَّ هَذَا المِسْكِينَ لَا يَعْلَمُ مَا هُوَ نَوْعُ العِلْمِ الَّذِي يَمْلَؤُهُ وَيُشْبِعُهُ؟ فَيَذْهَبُ وَيَنْشَغِلُ بِهَذِهِ المَسَائِلِ الظَّاهِرِيَّةِ وَعُلُومِ الظَّاهِرِ، وَيَتَخَيَّلُ أَنَّهُ لَوْ حَصَّلَ عِلْمًا مِنْهَا فَقَدِ انْتَهَى الأَمْرُ، لَكِنَّهُ يَرَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يُشْبِعُهُ.

العِلْمُ وَمَكَانَتُهُ فِي وُجُودِ الإِنْسَانِ - العُلُومِ الحَقِيقِيَّةِ وَالعُلُومِ الاعْتِبَارِيَّةِ

11
  • كَيْفَ نُمَيِّزُ بَيْنَ "العِلْمِ الحَقِيقِيِّ البَاقِي" وَ"العُلُومِ الاعْتِبَارِيَّةِ الفَانِيَةِ"؟

  • إنّ العِلْمَ المُفِيدَ لِلْإِنْسَانِ هُوَ العِلْمُ الَّذِي يَسُوقُهُ فِي خَطِّ فِطْرَتِهِ -الَّتِي هِيَ حَقِيقَتُهُ وَجَذْرُهُ الوُجُودِيُّ وَمَبْدَؤُهُ- نَحْوَ تِلْكَ الحَقِيقَةِ. فإِذَا كَانَت العُلُومُ تَأْخُذُ الإِنْسَانَ نَحْوَ حَقِيقَةِ الإِنْسَانِ الَّتِي هِيَ الوُجُودُ الحَقُّ وَالرَّبْطُ بَيْنَ الخَلْقِ وَالحَقِّ، فَهَذَا هُوَ العِلْمُ الحَقِيقِيُّ.

  • إِذًا، الفَرْقُ بَيْنَ العِلْمِ الحَقِيقِيِّ وَغَيْرِ الحَقِيقِيِّ هُوَ أَنَّ العُلُومَ غَيْرَ الحَقِيقِيَّةِ هِيَ عُلُومٌ اعْتِبَارِيَّةٌ؛ يَطَّلِعُ عَلَيْهَا الإِنْسَانُ اليَوْمَ وَقَدْ يَفْقِدُهَا غَدًا، وَلَا عَلَاقَةَ لَهَا بِتَكَامُلِهِ الجَوْهَرِيِّ، وَهِيَ مُفِيدَةٌ لَهُ اليَوْمَ وَلَيْسَتْ مُفِيدَةً غَدًا. فمَثَلًا: لَوْ تَعَلَّمْنَا الطِّبَّ وَصِرْنَا أَطِبَّاءَ حَاذِقِينَ، ثُمَّ اخْتُرِعَ دَوَاءٌ وَاحِدٌ يَشْفِي مِنْ كُلِّ الأَمْرَاضِ وَيَقِي مِنْهَا، فَمَا مَصِيرُ عِلْمِ الطِّبِّ؟ سَيَذْهَبُ وَيَنْتَهِي. ولَوْ تَعَلَّمْتَ الهَنْدَسَةَ وَالبِنَاءَ، ثُمَّ جَاءَتْ قُنْبُلَةٌ وَدَمَّرَتِ المَدِينَةَ، أَوْ صَدَرَ قَانُونٌ بِمَنْعِ البِنَاءِ إِلَّا غُرْفَةً وَسَقْفًا بَسِيطًا، فَكُلُّ عُلُومِ الهَنْدَسَةِ وَنَاطِحَاتِ السَّحَابِ سَتُوضَعُ جَانِبًا، لِأَنَّكَ لَمْ تَعُدْ بِحَاجَةٍ إِلَيْهَا. هَذِهِ عُلُومٌ اعْتِبَارِيَّةٌ.

  • أَمَّا لَوْ حَصَّلْتَ عِلْمًا يَرْجِعُ إِلَى رُوحِكَ وَحَقِيقَتِكَ وَوُجُودِكَ، فَمَا هُوَ هَذَا العِلْمُ؟ إِنَّهُ لَا يَزُولُ. فإِنْ كُنْتَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ مَعَكَ، وَإِنْ صِرْتَ إِلَى الآخِرَةِ -وَوُجُودُكَ لَمْ يَفْنَ- فَهُوَ مَعَكَ، بَلْ يَصِبِحُ هُنَاكَ أَقْوَى.

  • إنّ العِلْمَ بِاللهِ وَبِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، لَيْسَ عِلْمًا يُوجَدُ اليَوْمَ وَيَزُولُ غَدًا فَنَسْتَغْنِي عَنْهُ. فلَوْ مَاتَ كُلُّ مَنْ فِي الأَرْضِ وَبَقِيتَ أَنْتَ وَحِيدًا، فَهَذَا العِلْمُ مَعَكَ وَمُفِيدٌ لَكَ. لِمَاذَا؟ لِأَنَّكَ لَمْ تَتَعَلَّمْهُ لِأَجْلِ النَّاسِ حَتَّى يَفْقِدَ فَائِدَتَهُ بِغِيَابِهِمْ.

  • بل هَذَا العِلْم لِمَعْرِفَةِ نَفْسِكَ وَارْتِبَاطِكَ بِالحَقِّ المُتَعَالِ. سواءٌ وُجِدَ النَّاسُ أَمْ لَمْ يُوجَدُوا. بَلْ حَتَّى بِوُجُودِ النَّاسِ قَدْ لَا يَسْتَطِيعُ الإِنْسَانُ إِظْهَارَهُ. وَهَلْ يُمْكِنُ لِلإِنْسَانِ أَنْ يُبَيِّنَ العُلُومَ المُرْتَبِطَةَ بِإِلَهِ العَالَمِ وَالذَّاتِ المُقَدَّسَةِ؟! هَلِ اسْتَطَاعَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ وَالأَئِمَّةُ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ بَيَانَ تِلْكَ العُلُومِ وَالمَعَارِفِ المُرْتَبِطَةِ بِالمَبْدَأِ وَالمَعَادِ لِكُلِّ الأَفْرَادِ؟ بَيَّنُوا مِقْدَارًا مِنْهَا.

  • إنّ هَذِهِ عُلُومٌ تَرْجِعُ إِلَى ذَاتِ الإِنْسَانِ «مِنْ حَيْثُ هُوَ ذَاتُهُ، لَا مِنْ حَيْثُ أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالغَيْرِ».

  • أَنْتَ تَدْرُسُ الطِّبَّ لِتُعَالِجَ الآخَرِينَ. فَلَوْ لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ، فَمَنْ تُعَالِجُ؟! لَوْ دُمِّرَتِ المَبَانِي، فَأَيَّ بَيْتٍ تَبْنِي؟ نَاطِحَاتُ السَّحَابِ لَا تُفِيدُكَ حِينَها.

العِلْمُ وَمَكَانَتُهُ فِي وُجُودِ الإِنْسَانِ - العُلُومِ الحَقِيقِيَّةِ وَالعُلُومِ الاعْتِبَارِيَّةِ

12
  • لَكِنَّ العِلْمَ الحَقِيقِيَّ هُوَ العِلْمُ الَّذِي يَبْقَى مَعَنَا دَائِمًا، فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. هَذَا العِلْمُ لَا يَزُولُ. وَلِذَا، إِذَا أَرَادَ الإِنْسَانُ أَنْ يُحَافِظَ عَلَى اعْتِدَالِ مِزَاجِهِ -كَمَا قَالَ ابْنُ سِينَا- فَعَلَيْهِ أَنْ يَطْلُبَ هَذَا العِلْمَ؛ العُلُومَ وَالمَعَارِفَ الإِلَهِيَّةَ الَّتِي تَرْتَبِطُ بِحَقِيقَتِهِ وَنَفْسِهِ وَوِجْدَانِهِ، وَبِالرَّبْطِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ تَعَالَى، وَتَكُونَ فِي مَسَارِ كَمَالِهِ.

  • هَذَا هُوَ العِلْمُ الحَقِيقِيُّ، وَهُوَ العِلْمُ الَّذِي لَا يَسْتَغْنِي عَنْهُ الإِنْسَانُ أَبَدًا، وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ اعْتِدَالُ المِزَاجِ الإِنْسَانِيِّ.

  • قِصَّةُ أَبِي الرَّيْحَانِ البِيرُونِيِّ: أَيُّ عِلْمٍ يَنْفَعُ فِي اللَّحَظَاتِ الأَخِيرَةِ؟

  • يُحْكَى أَنَّ أَبَا الرَّيْحَانِ البِيرُونِيَّ وَهُوَ فِي حَالِ الاحْتِضَارِ وَفِي سَاعَاتِهِ الأَخِيرَةِ، دَخَلَ عَلَيْهِ جَارٌ لَهُ كَانَ فَقِيهًا يَعُودُهُ، فَقَالَ لَهُ أَبُو الرَّيْحَانِ: أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ مَسْأَلَةً فِقْهِيَّةً، وَسَأَلَهُ.

  • قَالَ الفَقِيهُ: أَنْتَ تَحْتَضِرُ الآنَ، فَمَا الدَّاعِي لِهَذَا السُّؤَالِ؟

  • أَجَابَ: الفَرْضُ أَنِّي ذَاهِبٌ عَنِ الدُّنْيَا، فَهَلِ الأَفْضَلُ أَنْ أَذْهَبَ وَأَنَا عَالِمٌ بِهَذِهِ المَسْأَلَةِ أَمْ وَأَنَا جَاهِلٌ بِهَا؟

  • بِالتَّأْكِيدِ الذَّهَابُ مَعَ العِلْمِ أَفْضَلُ. وَفِي الجَوَابِ نَقُولُ: نَعَمْ، العِلْمُ أَفْضَلُ، وَلَكِنْ أَيُّ عِلْمٍ؟ العِلْمُ المُفِيدُ لِطَرَفِكَ الآخَرِ (الآخِرَةِ). فهَلْ هَذَا العِلْمُ الَّذِي تُرِيدُ تَحْصِيلَهُ الآنَ مُفِيدٌ لَكَ فِي النَّشْأَةِ الأُخْرَى أَمْ لَا؟ إِذَا كَانَ مُفِيدًا فَنِعِمَّا هُو.

  • أَمَّا لَوْ كَانَتْ مَسْأَلَةً فِقْهِيَّةً تَنْفَعُ لِتَدْبِيرِ الحَيَاةِ الدُّنْيَا فَقَطْ، كَمَسْأَلَةِ "هَلْ بَيْعُ الكَالِئِ بِالكَالِئِ (الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ) بَاطِلٌ أَمْ لَا؟" -وَهُوَ بَاطِلٌ شَرْعًا-، فَلَوْ قَالَ الفَقِيهُ: "نَعَمْ، فِيهِ إِشْكَالٌ"، وَمَاتَ الرَّجُلُ، فَبِمَاذَا نَفَعَتْهُ هَذِهِ المَعْلُومَةُ؟ إِنَّهَا لِلدُّنْيَا.

  • فلِذَا يَجِبُ القَوْلُ لِأَبِي الرَّيْحَانِ: نَعَمْ، كَوْنُ الإِنْسَانِ عَالِمًا أَوْلَى مِنْ كَوْنِهِ جَاهِلًا، وَلَكِنَّ العَالِمَ بِمَاذَا؟

  • العِلْمُ بِالمَسْأَلَةِ الَّتِي تَنْفَعُ الإِنْسَانَ فِي طَرِيقِهِ فِي العَالَمِ الآخَرِ، هَذَا هُوَ الأَوْلَى.

  • أَمَّا أَنْ تَعْلَمَ مَثَلًا كَمْ قِطَّةً وَلَدَتِ القِطَّةُ خَلْفَ جِدَارِكُمْ؟ هَلْ تَعْلَمُ وَتَمُوتُ أَمْ تَمُوتُ جَاهِلًا بِذَلِكَ؟ عَلِمْنَا بِأَنَّهَا وَلَدَتْ أَرْبَعَةً، ثُمَّ مُتْنَا، مَا الفَائِدَةُ؟

  • إِذًا، اعْتِدَالُ المِزَاجِ الَّذِي يُشِيرُ إِلَيْهِ الحَكِيمُ ابْنُ سِينَا -وَهُوَ كَلَامُ حَقٍّ- يَتَعَلَّقُ بِالعُلُومِ الَّتِي تُوجِبُ تَكَامُلَ الإِنْسَانِ وَتُخْرِجُ اسْتِعْدَادَاتِهِ إِلَى الفِعْلِيَّةِ.

  • هَذَا العِرْفَانُ الَّذِي هُوَ عِرْفَانٌ بِالحَقِّ، هُوَ ذَلِكَ العِلْمُ الحَقِيقِيُّ. فَإِذَا شَعَرَ الشَّخْصُ أَنَّهُ يَطْلُبُ هَذَا المَطْلَبَ، فَلْيَأْمُلْ بِنَفْسِهِ خَيْرًا. وَإِذَا شَعَرَ بِالفُتُورِ، كَمَا يَهْتَمُّ بِتِجَارَتِهِ وَمُعَامَلَاتِهِ وَيَظُنُّ بِهَا، فَهَلْ يَهْتَمُّ بِهَذَا العِلْمِ وَالمَعْرِفَةِ بِنَفْسِ المِقْدَارِ؟

العِلْمُ وَمَكَانَتُهُ فِي وُجُودِ الإِنْسَانِ - العُلُومِ الحَقِيقِيَّةِ وَالعُلُومِ الاعْتِبَارِيَّةِ

13
  • فلَوْ كَانَ اهْتِمَامُنَا بِهَذَا المِقْدَارِ لَكَفَى -أَتَحَدَّثُ عَنْ أَنْفُسِنَا-، لَوْ اهْتَمَمْنَا بِهَذَا المِقْدَارِ لَكَانَ ذَلِكَ مَدْعَاةً لِلشُّكْرِ. وَإِلَّا لَوْ رَأَيْنَا أَنَّ جِهَةَ الاحْتِيَاجِ وَالطَّلَبِ لِلْعِلْمِ الإِلَهِيِّ -الَّذِي هُوَ العِرْفَانُ وَحَقِيقَةُ مَعْرِفَةِ اللهِ- قَدْ ضَعُفَتْ فِينَا، فَعَلَيْنَا أَنْ نَعُودَ لِأَنْفُسِنَا وَنَنْتَبِهَ لِأَنَّ المَسْأَلَةَ خَطِيرَةٌ.

  • هَذِهِ هِيَ المَسْأَلَةُ الأُولَى. وَالإِمَامُ السَّجَّادُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَطْرَحُ العِرْفَانَ وَالعِلْمَ فِي المَقَامِ الأَوَّلِ، وَأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الإِنْسَانِ أَنْ يَكُونَ ذَا عِرْفَانٍ؛ فَالإِنْسَانُ إِنْسَانٌ بِعِلْمِهِ وَعِرْفَانِهِ. وَفِي المَرْحَلَةِ الثَّانِيَةِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ هَذَا العِرْفَانُ عِرْفَانًا بِاللهِ لَا بِشَيْءٍ آخَرَ. وَفِي المَرْحَلَةِ الثَّالِثَةِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ هَذَا العِرْفَانُ مِنَ اللهِ نَفْسِهِ؛ يَجِبُ أَنْ يَظْهَرَ وَيَتَجَلَّى فِي الإِنْسَانِ مِنَ اللهِ، لَا مِنْ مَكَانٍ آخَرَ وَلَا بِمُسَاعَدَةِ شَخْصٍ آخَرَ، بَلْ مِنَ اللهِ نَفْسِهِ.

  • نَرْجُو مِنَ اللهِ تَعَالَى أَنْ يُبْقِيَ رُوحَ الطَّلَبِ وَالاحْتِيَاجِ هَذِهِ حَيَّةً فِينَا دَائِمًا، وَأَلَّا يَكِلَنَا إِلَى البَطَالَةِ لَحْظَةً، فَهَذَا العُمْرُ لَا ضَمَانَ لَهُ.

  • وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ الأَكْرَمِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ أَنَّهُ قَالَ: «مَغْبُونٌ مَنْ سَاوَى يَوْمَاهُ، وَمَلْعُونٌ مَنْ كَانَ...»۱ (بِمَا مَعْنَاهُ): مَنْ كَانَ يَوْمُهُ التَّالِي مَرْجُوحًا وَيَوْمُهُ السَّابِقُ أَفْضَلَ، فَهُوَ مَلْعُونٌ. وَمَنْ تَسَاوَى يَوْمَاهُ فَهُوَ مَغْبُونٌ.

  • إِذَا مَرَّ اليَوْمُ وَلَمْ يَزْدَدْ عِلْمُ الإِنْسَانِ وَمَعْلُومَاتُهُ وَمُدْرَكَاتُهُ -سَوَاءٌ الاكْتِسَابِيَّةُ أَوِ الوِجْدَانِيَّةُ الشُّهُودِيَّةُ الحَقِيقِيَّةُ-، فَهَذَا الشَّخْصُ مَغْبُونٌ.

  • حَقِيقَةُ الإِنْسَانِيَّةِ فِي "العِلْمِ": لِمَاذَا يُعَدُّ الجَاهِلُ أَضَلَّ مِنَ الأَنْعَامِ؟

  • إِذًا، اتَّضَحَ أَنَّ حَقِيقَةَ الإِنْسَانِ هِيَ بِالعِلْمِ. حَقِيقَةُ الإِنْسَانِ وَذَاتُهُ هِيَ العِلْمُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عِلْمٌ لَمَا اخْتَلَفَ عَنِ الحِمَارِ فِي شَيْءٍ. بَلْ رُبَّمَا كَانَ الحِمَارُ أَفْضَلَ! لِأَنَّهُمَا يَشْتَرِكَانِ فِي نِقَاطٍ مُشْتَرَكَةٍ، لَكِنَّ الإِنْسَانَ يَفْتَقِدُ نُقْطَةَ الامْتِيَازِ الَّتِي هِيَ العِلْمُ.

  • ﴿أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾٢، لِمَاذَا هُمْ كَالأَنْعَامِ؟ لِوُجُودِ النِّقَاطِ المُشْتَرَكَةِ مِنْ أَظَافِرَ وَجِلْدٍ وَلَحْمٍ وَعَظْمٍ وَشَعْرٍ، وَغِيَابِ نُقْطَةِ الامْتِيَازِ (العِلْمِ وَالمَعْرِفَةِ).

  • المِثَالُ كَكِتَابٍ قَيِّمٍ جِدًّا بِيَدِ طِفْلٍ، يَأْتِي شَخْصٌ وَيُبَادِلُ هَذَا الكِتَابَ بِكِيلُو مِنَ الحَلْوَى. قِيمَةُ هَذَا الكِتَابِ الآنَ مُسَاوِيَةٌ لِلْحَلْوَى لِأَنَّهُ بِيَدِ شَخْصٍ لَمْ يَصِلْ لِمَطَالِبِ الكِتَابِ وَلَا يَعْرِفُ قَدْرَهُ. مَتَى تَظْهَرُ قِيمَتُهُ؟ حِينَمَا يَقَعُ بِيَدِ عَالِمٍ، فَحِينَئِذٍ لَا يَبِيعُهُ وَلَوْ بِرُوحِهِ.

    1. ورد في كتاب إرشاد القلوب للديلمي ج۱، ص:۸۷: وقد قال النبيّ صلّى الله عليه وآله: مَنْ اسْتَوَى يَوْمَاهُ فَهُو مَغْبُونٌ وَمَنْ كَانَ غَدهُ شَرًّا فَهُوَ مَلْعُونٌ. 
    2. _ سُورَةُ الأَعْرَافِ (۷) الآيَةُ ۱۷٩

العِلْمُ وَمَكَانَتُهُ فِي وُجُودِ الإِنْسَانِ - العُلُومِ الحَقِيقِيَّةِ وَالعُلُومِ الاعْتِبَارِيَّةِ

14
  • فالإِنْسَانُ أَشْرَفُ مِنَ الأَنْعَامِ مَا دَامَتْ جَنْبَةُ الإِنْسَانِيَّةِ حَاكِمَةً عَلَيْهِ، فَإِذَا لَمْ تَحْكُمْهُ وَكَانَ شَرِيكًا لِلْحَيَوَانِ فِي المُشْتَرَكَاتِ (أَكْلٌ، نَوْمٌ، إِطْفَاءُ شَهْوَةٍ، مَسْكَنٌ)، فَمَا الفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الحَيَوَانِ؟!

  • وَ ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ لِأَنَّهُ فِي مَقَامِ البَهِيمِيَّةِ يَصِلُ لِحَدٍّ يَنْزِلُ فِيهِ عَنِ الحَيَوَانِ. وموضع قوله: ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ إنّما هو من هذه الجهة، أي الرُّجُوعُ إِلَى العِلْمِ.

  • فحَقِيقَةُ الإِنْسَانِ هِيَ العِلْمُ. وَبِالطَّبْعِ، مِنَ النَّاحِيَةِ الفَلْسَفِيَّةِ وَالبُرْهَانِيَّةِ يَبْلُغُ الإِنْسَانُ مَرْحَلَةً تَكُونُ فِيهَا حَقِيقَةُ الوُجُودِ هِيَ العِلْمَ، غَيْرَ أنَّ تِلْكَ مَرَاتِبُ عُلْيَا، لِنَرَ إِنْ كُنَّا سَنَصِلُ إِلَيْهَا أَمْ لَا، فَما يزال أمامنا طَرِيقٌ طَوِيلٌ، وَلِنَرَ إِنْ كُنَّا سَنَتَمَكَّنُ مِنْ جَرِّ أَنْفُسِنَا إِلَيْهَا حتّى نِهَايَةِ شَهْرِ رَمَضَانَ أَمْ لَا؟

  • فَمَا هَذِهِ الحَقِيقَةُ إذَاً؟ وما امتِيَازُ الإنْسَانِ عَنْ غَيْرِهِ؟ إنَّهُ العِلْم.

  •  

  • اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ