أهميّةِ التدوينِ العِلميّ ودورِ العرفانِ في إدراك حقيقةِ الولايةِ

نقد التقييم المعرفيّ في قصة الميرزا القمّي وخطورة الفتاوى الخاطئة الصادرة عن غير أهلها

20
مشاهدة المتن

المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني

القسممباني الإسلام

المجموعةمحاضرات متفرقة

التاريخ 1430/12/14

جلسات المجموعة(10 جلسة)

التوضيح

هل تساءلت يومًا عن أهميّة توثيق الخواطر والمسائل العلميّة العابرة، وكيف يمكن لمسألة مفاجئة أن تُغيّر مسار تفكير الإنسان؟ ولماذا قدّم الميرزا القمّيّ زيارة أستاذه على زيارة سيّد الشهداء عليه السلام وكيف يعكس ذلك غياب الرؤية العرفانيّة؟ وما هي خطورة الفهم السطحيّ للدين الذي يؤدّي إلى إصدار فتاوى غير صحيحة، كالفتاوى المتعلقة بالاستطاعة في الحجّ؟ تُجيبك هذه المحاضرة التي ألقاها سماحة آية الله السيد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه عن هذه الأسئلة، مبيّنةً كيف أنّ المعرفة الحقيقيّة لا تحصل بمجرّد قراءة الكتب دون الغوص في الفلسفة والعرفان النظريّ.

/۱۳
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

أهميّةِ التدوينِ العِلميّ ودورِ العرفانِ في إدراك حقيقةِ الولايةِ - نقد التقييم المعرفيّ في قصة الميرزا القمّي وخطورة الفتاوى الخاطئة الصادرة عن غير أهلها

1
  •  

  • هو العليم

  •  

  • أهميّةِ التدوينِ العِلميّ ودورِ العرفانِ في إدراك حقيقةِ الولايةِ 

  • نقد التقييم المعرفيّ في قصة الميرزا القمّي وخطورة الفتاوى الخاطئة الصادرة عن غير أهلها

  •  

  • مباني الإسلام، محاضرات متفرّقة، أهميّة التدوين العلميّ

  •  

  • محاضرة ألقاها

  • آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ

  • قدس الله سره

  •  

  •  

  • .

أهميّةِ التدوينِ العِلميّ ودورِ العرفانِ في إدراك حقيقةِ الولايةِ - نقد التقييم المعرفيّ في قصة الميرزا القمّي وخطورة الفتاوى الخاطئة الصادرة عن غير أهلها

2
  •  

  •  

  • أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

  • بسم الله الرّحمٰن الرّحيم

  • وصلّى الله على سيّدنا وحبيبنا محمد وآله الطاهرين

  • واللعنة على أعدائهم أجمعين

  •  

  •  

  • تدوينُ الفوائدِ العابرةِ سُنّةٌ عِلميّةٌ ضروريّةٌ لِحفظِ التُّراثِ

  • ... ۱ ويَلزَمُ مِن هٰذا عَدَمُ كونِ الصورِ الجسميّةِ وغيرِها جَوهَرًا بالمعنَى المذكورِ فيه، وإن صَدَقَ عليها مَعناه صِدقًا عَرَضيًّا٢.

  • ذكرتُ سابقًا في بحث يوم أمس أنّه لا يصحّ القول إنّ المادّة والصورة تندرجان ـ بمعناهما الجوهريّ ـ تحت مقولة أخرى؛ بل المادة لنفسها حقيقة... .

  • إذا تغيّر مكانُ هذا [المُسجّل]، ألن تحدث مشكلة؟ لئلّا يقع لا سمح الله هذا...!

  • في السابق، لم يكن المرحوم العلاّمة يُوافق على تسجيل الصوت وكان يمنع منه. وأنا أيضًا لم أرَ سببًا وجيهًا لهذه المسألة ولإصراره عليها. ولعلّه ـ كما يقولون ـ كان ينظر إلى جهة السمعة٣ فيها؛ فكانت هذه المسألة هي محطّ نظره أكثر.

  • ولكن بعد ذلك، فهمتُ أنا نفسي أمرًا وأدركته، وهو لا ينطبق طبعًا على عامّة الناس؛ ولكن، بالنسبة للإنسان نفسه، عندما يكون هناك جهاز تسجيل وقت الحديث، فإنّ انتباه المستمع لا يتّجه بالكامل نحو المتكلّم. فعندما يتحدّث أحدُهم، يُخصّص المستمعُ عشرة إلى خمسة عشر بالمائة من قواه لهذا المُسجّل؛ فتزول تلك الدقّة اللازمة والحدّة التي ينبغي أن يمتلكها، ويكون في قرارة قلبه مطمئنًّا إلى هذا الأمر [أي التسجيل]. أمّا إذا لم يكن المُسجّل موجودًا، فسينقطع بالكامل؛ أي سيحصل له انقطاع نفسيّ بأنّه لا توجد أيّة وسيلة أو أداة أو جهاز يُمكنه دعمه لاحقًا؛ وهذا يُؤدّي إلى حصول نوع من الدقّة الخاصّة. حسنًا، ربّما لا يكون هذا الأمر كذلك عند بعض الناس، ويختلف ذلك من إنسان لآخر.

  • على كلّ حال، لم يكن المرحوم العلاّمة يسمح بالتسجيل في السابق؛ ولكنّه بعد ذلك سمح به، بل صار يعتمد عليه بنفسه. ولكنّه شيء جيّد؛ لأنّه كانت تحدث بعض الحالات التي نرى فيها أنّ كلامًا أو مسألةً تُقال مرّة واحدة فقط ولا تتكرّر. فإمّا أنّه لا تتوفر الأرضيّة المناسبة لها مرّة أخرى، أو يحصل ذُهول عنها بالكامل، وتكون تلك المرّة هي الوحيدة [التي ذُكرت فيها]. فمن الجيّد أن تبقى هذه الأمور.

    1. لم تُسجّل بداية الجلسة. المحقّق
    2. الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة، ج ‌٢، ص ٤۰.
    3. كتاب العين، ج ۱، ص ٣٤٩:
      السُّمْعَة: ما سَمَّعْتَ به من طعام على ختان وغيره من الأشياء كلها، تقول: فعل ذاك رياء وسُمْعَة، أي: كي يُرى ذلك، ويُسْمَع‌. المترجم

أهميّةِ التدوينِ العِلميّ ودورِ العرفانِ في إدراك حقيقةِ الولايةِ - نقد التقييم المعرفيّ في قصة الميرزا القمّي وخطورة الفتاوى الخاطئة الصادرة عن غير أهلها

3
  • في بعض الأحيان، أجد بنفسي في دفاتري القديمة مسائل مُشوّقة. وما يقولونه من أنّه يجب على الإنسان دائمًا أن يمتلك دفترًا أو ورقة ليكتب فيها، هو من أجل هذا الأمر. أو في يومنا هذا من خلال هذه الأجهزة المُتاحة (الهاتف المحمول وأشياء أخرى مُماثلة) التي تُسجِّل المسائل. فعندما تخطر مسألة ببال الإنسان، قد لا تكون معه ورقة وقلم في ذلك الوقت، فيُسجّل هذا الأمر في الوقت نفسه ليُتابعه لاحقًا.

  • كان المرحوم العلاّمة بنفسه يقول: كثيرًا ما كنتُ أكون في مجلسٍ، فيقول أحد الحاضرين أمرًا؛ كأن يكون قد قرأ قصّةً أو حادثةً في كتاب [فكنتُ أدوّنها].

  • ففي النهاية، في المطالعات التي يقوم بها كلّ إنسان (وإن كانت ارتجاليّة وغير مسبوقة)، قد يُصادف فجأة في أحد الكتب بالصدفة أمرًا عجيبًا أو نكتةً مفيدة.

  • قبل بضع ليالٍ، كنتُ أبحث عن كتاب في جزء من مكتبتي، فصادفتُ فجأةً كتابًا آخر رأيتُ مكتوبًا عليه: ثلاث رسائل في ردّ ونقد العرفان للميرزا القمّي. تناولته. تعجّبتُ، وقلتُ لنفسي: لأرَ ماذا قال. نظرتُ، فرأيتُ أنّه مثل غيره! وهنا، تتّضح النكتة المُشوّقة: قلتُ لنفسي فجأة: لأقرأ مقدّمته لأنظر ما فيها؛ فالإنسان يفهم أمورًا كثيرة من مقدّمة كلّ كتاب. نظرتُ، فإذا بها قصّة مشوّقة! انظروا! مثل هذه الأمور مهمّة جدًّا للإنسان، وتحدُث فجأة. ولعلّ هذا كلّه يكون عناية [إلهيّة]، خصوصًا لطالب العلم، حيث يُهيّئ الله تعالى له أحيانًا مسائل قيّمة في هكذا مواقف وفُرَص.

  • افتقارُ العالِمِ إلى المعرفةِ الباطنيّةِ سببٌ في القصورِ عن إدراك مقاماتِ أهلِ البيتِ

  • رأيتُ مكتوبًا هناك: عندما ذهب الميرزا القمّيّ إلى كربلاء، كان تلميذًا للوحيد البهبهانيّ، وكان الوحيد البهبهانيّ يُوليه عناية بالغة. حسنًا، وَضعُ الوحيدِ البهبهانيّ وأفكارُه وعلاقاتُه ومسائلُه مع الميرزا محمد أمين الاسترآباديّ والأخباريّين واضحة ومعلومة، حيث يُطلقون عليه في علم الأصول لقب المجدّد. من هذه الناحية، لا توجد مشكلة إلى هنا. أراد الوحيد البهبهانيّ ـ نظرًا لذكاء المرحوم الميرزا القمّيّ واستعداده وجدّيته، ولأنّه كان حديث الزواج ـ أن تتحسّن حياة الميرزا قليلاً، وألاّ يُعاني من الضغوط التي لعلّ غيره كان يُعاني منها في ذلك الوقت؛ فذهب، وبدأ يأخذ صلوات وصيامات استئجاريّة، ويُعطي مبلغَها للميرزا القمّي لكي يتحسّن وضعُه المعيشيّ. حسنًا، هذا عمل جيّد ومُستحسن. فهذا الرجل تلطّف به بحسب نيته الخاصّة، وهو من هذه الناحية يستحقّ التقدير، ولا شكّ في هذه المسألة أبدًا. ولم يكن الميرزا القمّيّ على علم بذلك؛ وبعد مرور سنوات، علم أنّ أستاذه كان يقوم بهذا العمل، وكان يُقدّم هذه المساعدة لتلميذه.

أهميّةِ التدوينِ العِلميّ ودورِ العرفانِ في إدراك حقيقةِ الولايةِ - نقد التقييم المعرفيّ في قصة الميرزا القمّي وخطورة الفتاوى الخاطئة الصادرة عن غير أهلها

4
  • توفّي أستاذه، وعاد هو إلى إيران. وفي أوّل سفر له إلى العتبات المقدّسة، عندما وصل إلى كربلاء، قال له مرافقوه: «لنذهب لزيارة سيّد الشهداء». فقال الميرزا القمّيّ: «كلّا! يجب أن أذهب أوّلاً لأشكر أستاذي، وبعد ذلك نذهب لزيارة الإمام الحسين!»؛ فقام مع جماعة ممّن كانوا معه، فذهبوا أوّلاً ليُقبّلوا عتبة باب منزل الوحيد البهبهانيّ احترامًا له؛ وبعد ذلك، ذهب لزيارة سيّد الشهداء! انظروا! كم تحمِل هذه القصّةُ وحدها من معانٍ للإنسان! إنّها تُظهر مستوى معرفة الناس والعلماء بصاحب الولاية ووليّ النعمة، وتُوضّح أنّ المعرفة لا تحصل بهذه الأمور [كالعلم والدرس]!

  • كان الميرزا القمّيّ رجلاً عالِمًا ومتعلّمًا؛ ولكن، لم تكن لديه معرفة. هل تذكرون تلك القصّة التي نقلتُها عن أحد الناس والتي حدثت فعلاً؟ هذا هو الأمر نفسه! غاية الأمر أنّ ذلك الرجل كان فردًا عاديًّا، ولكنّ الميرزا، مع سعة معلوماته هذه، من العجيب أن يتصرّف بهذا الشكل.

  • الزلل ثَمرةُ التصدّي للعلم بغير أهليّة 

  • بالنسبة لكتاب القوانين... في ذلك الوقت الذي كنّا ندرس فيه كتاب القوانين، درسنا فيه بحث العامّ والخاصّ أيضًا. رحم الله أستاذنا المرحوم الغرويّ: كان يأتي بمفرده ليُدرّسنا في شتاء تلك السنوات الباردة.. السنوات التي كانت فيها مدينة قُمّ جليدًا حقيقيًّا، حتّى بعد النيروز!۱ كان يأتي في ذلك البرد القارس إلى هذا الصحن [صحن حرم السيّدة المعصومة عليها السلام]، ويُدرّسنا كتاب القوانين! رحمه الله؛ فقد كان يمتلك إخلاصًا حقيقيًّا. أذكر في ذلك الوقت هذا البيت الشعريّ الذي كُتب في أوّل كتاب القوانين:

  • لَيتَ ابنُ ‌سينا دَرا إذ جاءَ مُفتَخِرًا***بِاسْمِ الرَّئيسِ بِتَصنيفٍ لِقانونِ
  • إنَّ الإشاراتِ والقانونَ قَد جُمِعا***مَعَ الشِّفا في مَضامينِ القَوانينِ٢ 
  • كان كلّ من أضاع فردة حذاء يجدها في هذا الكتاب! كان أمرًا عجيبًا وغريبًا حقًّا!

  • ولكن، من الواضح أنّه لم يكن هو نفسه من أهل الفلسفة، بل كان مُتفلْسفًا، وأراد أن يُقحم نفسه في الفلسفة، ولديه أخطاء فادحة ومفصّلة جدًّا! ويتّضح من عباراته في رسالة نقد العرفان أنّه لم يكن رجل هذا الميدان. فإذا أراد أحد أن ينقد، يجب أن يكون نقده علميًّا. ما هذه المسائل التي تُضحك الثكلى؟! لماذا يأتي الإنسان، وينقد بهذا الشكل؟!

    1. أي: فترة بداية الربيع.
    2. قوانين الأصول، ج ۱، ص ٢.

أهميّةِ التدوينِ العِلميّ ودورِ العرفانِ في إدراك حقيقةِ الولايةِ - نقد التقييم المعرفيّ في قصة الميرزا القمّي وخطورة الفتاوى الخاطئة الصادرة عن غير أهلها

5
  • على كلّ حال، كان رجلاً عالِمًا في تخصّصه، وله باعٌ طويل في المسائل. كان المرحوم العلاّمة الطهرانيّ يقول: «إنّ قراءة كتاب جامع الشتات للميرزا القمّي ومطالعته أمر ضروريّ لكلّ مجتهد». فتفريعه للفروع مفيد جدًّا للإنسان. كان كتاب جامع الشتات في السابق [مطبوعًا طبعة حجريّة]؛ والآن، طُبع طبعة حديثة أيضًا.

  • تُظهر هذه الأحداث وضعَنا ومستوى معرفتنا. ففي الوقت الذي يتصرّف فيه الميرزا القمّي بهذا الشكل، مع ما له من صيت وشهرة ـ حيث كان يُسمّى في زمن فتح علي شاه بالمجتهد الأوّل في إيران وكان فتح علي شاه يُقلّده ـ فإنّ تكليف باقي الناس واضح. وفي القضيّة التي حدثت للمرحوم السيّد محمد باقر الشفتيّ في أصفهان، كان له تدخّل مفيد ومناسب.

  • فقد قام المرحوم الشفتيّ الرشتيّ بضرب عُنق ابن أخت فتح علي شاه؛ لأنّه كان قد قتل إنسانًا. وكان السيد الشفتيّ ـ المدفون في مسجد سيّد بأصفهان ـ مبسوط اليد هناك. فجاؤوا بالقاتل، ورأوا أنّ هذا القتل هو قتل عمد، وحكمُه واضحٌ. فكلّما أحضروا أحدًا لتنفيذ الحكم، لم يجرؤ على ذلك؛ لأنّ القاتل كان ابن أخت فتح علي شاه! فإذا ضرب عنقَه، فسوف يُذيقونه الويلات لاحقًا! والآن، الأمر كذلك في كثير من الأماكن الأخرى! إذا فعل أحدٌ شيئًا، يأتون، ويُهدّدونه بأنّنا سنفعل كذا وكذا، ويُخيفونه، ولا يستطيع الطرف الآخر فعل أيّ شيء! وهذه المسألة واضحة ومعلومة للجميع في كلّ مكان! وفي ذلك الوقت، كان الأمر كذلك أيضًا؛ وكأنّها قاعدة وقانون في طول التاريخ، ودائمًا ما يتّبع الجميع هذا القانون نفسه! ينبغي لنا دائمًا أن نتذكّر فقط تلك السنوات التي حكم فيها جدّنا [أمير المؤمنين عليه السلام]. أمّا هو، فقد مضى يا عزيزي! لقد حكم أربع سنوات، ثمّ جاء السيف، ولم يستمرّ هو أيضًا. إن شاء الله نكون موجودين، لنرى كيف ستتحقّق تلك الوعود التي أُعطيت في ابنه [الإمام المهديّ أرواحنا فداه]، وتأخذ طابعًا عمليًّا.

  • لم يجرؤ أحد، ولم يستطع تنفيذ الحكم، فقام المرحوم الشفتيّ بنفسه، وأخذ السيف، وضرب عُنقه! وعندما وصل الخبر إلى فتح علي شاه، ألقاه في السجن! ألقى سيّدًا من أولاد النبيّ صلّى الله عليه وآله في السجن لأنّه قتل ابن أخته! فلو قتلتَ غيره، لما كانت هناك مشكلة؛ ولكن، بما أنّه ابن أختي، فلا يجب أن تقتله؛ حتّى لو قَتَل إنسانًا آخر! يتّضح أنّه في ذلك الوقت أيضًا كانت مسألة "المُقرّبين وغير المُقرّبين" مطروحة، وكانت هناك مثل هذه القضايا. كنّا نظنّ أنّ هذه الأمور خاصّة بآخر الزمان. حسنًا، زمانهم أيضًا كان آخر الزمان!

أهميّةِ التدوينِ العِلميّ ودورِ العرفانِ في إدراك حقيقةِ الولايةِ - نقد التقييم المعرفيّ في قصة الميرزا القمّي وخطورة الفتاوى الخاطئة الصادرة عن غير أهلها

6
  • ألقاه فتح علي شاه في السجن. وعندما سَمِع الميرزا القمّي بذلك، استاء جدًّا. فأدرك فتح علي شاه أنّ الميرزا القمّي قد استاء من هذه الحادثة، فأرسل إليه يسأله عمّا إذا كان هذا السيّد مجتهدًا أم لا؟ فقال له الميرزا: «اسأله هو عمّا إذا كنتُ أنا مجتهدًا أم لا! لا أن تسألني أنا عنه!». فأطلق فتح علي شاه سراحه. نحمد الله.. فعلى الأقلّ، كان لديه هذا المقدار من طاعة مرجع تقليده!

  • الفلسفةُ والعرفانُ النظريُّ هُما السبيلُ الأوحدُ لفهمِ حقيقةِ الولايةِ والارتباطِ بالإمامِ

  • هذا هو وضع الميرزا. انظروا، الميرزا الذي كان بهذا الوضع والمكانة، كم كانت معرفته بسيّد الشهداء! يقول: «إنّ الأدب وأداء الشكر وحفظ الجميل وتلك العناية الخاصّة من أستاذي، تقتضي أن أذهب أوّلاً لأشكره وأُقبّل عتبته، ثمّ أذهب في المرتبة الثانية لزيارة سيّد الشهداء!»؛ أي أنّ سيّد الشهداء يأتي بعد الأستاذ! لماذا تحدُث مثل هذه المسألة؟ لهذا السبب، وهو أنّكم لم تدرسوا الفلسفة والعرفان! لهذا السبب! أنتم لا تعلمون أنّ سيّد الشهداء هو كلّ شيء؛ أنتم لا تعلمون ما هي الولاية؛ أنتم ترون فقط قبّة! ترون إمامًا اسمه الإمام الحسين جاء قبل ألف ومائتين سنة من زمانكم (لأنّ الميرزا كان قبل مائتي سنة)، وتعرّض لظلم الخلفاء، وصار وضعه هكذا. هذا المقدار فقط من المعرفة هو الذي حصل لكم، ولم يحصل أكثر من ذلك! أنتم ترون أنّ وظيفتكم هي مجرّد أدب ظاهريّ بناءً على الوصيّة التي وردت! تقولون في أنفسكم: «بما أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله قال: "من جاء وزار ولدي، فله ثواب كذا"، فنحن نذهب. أمّا لو لم يقل رسول الله صلّى الله عليه وآله ذلك، لما ذهبنا إلى كربلاء! والآن، إذا مررنا من هناك، نذهب ونُسلّم، وإذا لم نمرّ، فلا شيء علينا!».

  • نحن لا نفهم ارتباطنا بالولاية، ولا نُدرك كون نفس الإمام عليه السلام مبدأً للفيض، ولا نفهم ذلك. من الذي يفهم هذا؟ الذي يدرس العرفان النظريّ. ففي النهاية، لا تحصل هذه المعرفة للإنسان برواية الدماء الثلاثة! ولا تحصل هذه الأمور للإنسان باستصحاب الكلّي من القسم الثالث، والبراءة، ومباني الأصول الظاهريّة، ومباحث الألفاظ! فهذه لها أمور خاصّة بها.

أهميّةِ التدوينِ العِلميّ ودورِ العرفانِ في إدراك حقيقةِ الولايةِ - نقد التقييم المعرفيّ في قصة الميرزا القمّي وخطورة الفتاوى الخاطئة الصادرة عن غير أهلها

7
  • إنّ الشيء الذي تحصل به الحقيقة للإنسان، ويُظهرُ للإنسان الواقعَ الخارجيّ ومراتب الوجود تلك، ويفتح له طريق الحياة، ليس هذه الأمور. تلك مسائل يجب أن تظهر من نافذة نفس الإمام عليه السلام. أولئك الذين يقولون: «الفلسفة والعرفان كلام فارغ»، يجب أن ينتبهوا إلى أنّ الميرزا القمّيّ أيضًا قد قرأ روايات أهل البيت عليهم السلام هذه نفسها؛ ولكن، لماذا ابتُلي بهذا الخطأ هنا؟! لأنّ الشيء الذي يعتبره الآخرون كلامًا فارغًا، لابدّ أنّه اعتبره هو أيضًا كذلك، فحصلت له هذه المسألة!

  • في النهاية، قد يتفوّه الإنسان في مقام التكلّم بألفاظ مناسبة وجذّابة ومُشوّقة؛ ولكنّ الكلام هو في مدى نفوذ هذه الألفاظ في عُمق كيان الإنسان؛ فيجب أن يتّضح ويُعلم ذلك العُمق، حيث يُدرك الإنسانُ في المواقف والأحداث المختلفة مدى هذا العُمق. كانت هذه الأمور من أجل هذه المسألة.

  • هذه المسائل تحصل للإنسان دفعة واحدة. فإذا كان للإنسان ورقةً في ذلك الوقت ليكتب فيها مثل هذا الأمر الذي حصل فجأة، فإنّه يبقى ويُحفظ. وبالمناسبة، هناك مسائل كثيرة لا يطّلع عليها الإنسان. حسنًا، لا يُمكن للإنسان أن يطّلع على جميع الكتب ويُحيط بها. يجب على الإنسان أن يمنح نفسه هذه الفرصة ليرى في تواصله مع الناس أنّه: بما أنّ هذا الشخص [الذي تواصل معه] قد اطّلع على المسألة الفلانيّة في كتاب، فليقُم هو فورًا بحفظها وتدوينها، ليقطف ثمرة دراسات الآخرين. فالإنسان لا يُمكنه مطالعة جميع الكتب. لنأخذ كمثال هذه المسألة نفسها التي نقلتُها أنا الآن هنا، فلعلّه كانت ستمضي سنوات طويلة، ولن تسمعوا بها. والآن بالصدفة، يجب أن أذهب إلى ذلك القسم [من المكتبة]، وتتّجه رغبتي فجأة إلى تناول هذا الكتاب، لأرى ما فيه، ثمّ ينتابني الفضول في هذه المسألة والنكتة. ويبدو أنّ أحدًا قد أحضر لي هذا الكتاب للميرزا القمّي، ولم أشترِه بنفسي.

  • يُمكن للإنسان أن يكتسب مسائل ومواضيع كثيرة بهذا النحو، ويُمكن حقًّا أن يتغيّر نظامُه الفكريّ كثيرًا بسبب مسألة أو موضوع أو قضيّة يسمعها من إنسان واحد.

  • كان هناك رجال كثيرون يثق بهم الناس. إذا نظرتم الآن، تجدونهم يُقسمون بِحَياة بعضهم! كان أحدهم في قُمّ، وكنتُ أراه كثيرًا في تنقّلاتي؛ ولا يخفى أنّه توفّي الآن. عندما كنتُ أرى هذا الرجل في السابق، كنتُ أرى أنّ هذه الأشياء التي ينقلونها عنه لا تتطابق مع واقعه! لا أدري لماذا! ولم أكن أفهم أنا نفسي السبب الذي يجعلني أشعر بهذا الشعور تجاهه! قد لا يجد الإنسان أحيانًا سببًا لتصوّره الذهنيّ؛ ولكنّ التصوّر موجود، ولا يمكن فعلُ شيءٍ حيالَه؛ ومهما فعلتَ، فإنّه لا يزول؛ فيبحث عن فرصة ليرى إلى أيّ شيء يعود هذا التصوّر الذهنيّ، ولا يجد منشأه.

أهميّةِ التدوينِ العِلميّ ودورِ العرفانِ في إدراك حقيقةِ الولايةِ - نقد التقييم المعرفيّ في قصة الميرزا القمّي وخطورة الفتاوى الخاطئة الصادرة عن غير أهلها

8
  • إلى أن توفّي ذلك الرجل، وكنتُ بالمناسبة قد شاركتُ في مجلس ودّي يضمّ بضعة رفقاء، وكان أحد الأفراد الذين كانوا على ارتباط بذلك الرجل حاضرًا في ذلك المجلس. ولأنّه اعتبرنا مُؤتمنين في ذلك المجلس، فقد أخذ يُبيّن بعض المسائل التي كان هو نفسه مرتبطًا بها مع ذلك الرجل. ومن جملة الأحاديث التي بيّنها، روى قضيّة مفادها أنّه في واقعة وحادثة ما، جاء بضعةُ رجالٍ، والتقوا به. وعندما ذكر لي محضر ذلك اللقاء، قلتُ: «آه! الآن فهمتُ! الشيء الذي كنتُ أبحث عنه كان هذا! فهكذا كانت حالات هذا الرجل وأموره النفسانيّة!»؛ في حين أنّني أقول: إنّ باقي الناس يُقسمون بحياته، ولا يزال الأمر كذلك حتى الآن.

  • حسنًا، هذا بالصدفة؛ أي أنّه يجب أن أُشارك في ذلك المجلس، ويُطرق الباب فجأة، ويدخل هو أيضًا؛ في حين أنّه لم يكن هناك أيّ موعد مسبق لهذا الأمر. ثمّ في أثناء الحديث، يُجري الله تعالى هذه المسألة فجأة على لسانه وكلامه، ويُوضّح هذا الأمر للإنسان.

  • لقد جرّبتُ هذه القضيّة طوال حياتي مع أُناس كثيرين، حيث تُطرح المسألة بشكل ونحو آخر؛ لكن في الواقع، تكون حقيقةُ الأمر شيئًا آخر؛ وهذا شيء عجيب! لا أدري إن كانت العبارة التالية صادرة عن النبيّ صلّى الله عليه وآله أو عن أمير المؤمنين عليه السلام؛ وجاء فيها: ما مِن أمرٍ يُخفي الإنسانُ (الرجُلُ) إلّا وقَد أظهَرَهُ اللهُ في فَلَتاتِ لِسانِه.۱

  • لا يُمكن أن تكون حقيقة الإنسان بنحوٍ ما، ويُظهر نفسَه بشكل آخر، حيث ستتهيّأ الفرصُ ليُبرز ما في باطنه سواء كان خيرًا أو شرًّا؛ إمّا باللسان أو بالحركات أو بأشياء أخرى؛ فتتّضح المسائل والأمور.

  • عندما سمعتُ منه هذه القصّة في ذلك اليوم، تعجّبتُ كثيرًا. تعجّبتُ كثيرًا كيف يُمكن لإنسان أن يعيش بين الناس ثمانين أو تسعين عامًا، ويُظهر نفسه بنحو آخر! طبعًا، أنا شخصيًّا كنتُ قد رأيتُ منه أمورًا أخرى أيضًا، وكنتُ أحملها دائمًا على الصحّة، وأُوجد لها المبرّرات. ولكن، عندما رأيتُ هذه المسألة، أدركتُ أنّه كلّا! لم يعُد هناك مجال للتبرير؛ فقد أصبح هذا أمرًا واضحًا. يُصادف الإنسان مسائل لا تقبل التبرير أبدًا. فإذا كانت تلك المسألة قابلة للتبرير، فيجب على الإنسان حينئذٍ أن يُبرّر أصل القضيّة؛ كأن يقول في مقام التبرير مع نفسه: «كان ذلك الشخص نائمًا في الأساس، ورآه في المنام؛ ولم يكُن للأمر أيّ وقوع خارجيّ أبدًا!»، إلى الحدّ الذي لا يعود لدينا فيه أيّ تبرير.

    1. نهج البلاغة، ص ٤۷٢:
      قَالَ [أمير المؤمنين] عليه السلام: «مَا أَضْمَرَ أَحَدٌ شَيْئًا إِلَّا ظَهَرَ فِي فَلَتَاتِ لِسَانِهِ وَصَفَحَاتِ وَجْهِه‌». المترجم

أهميّةِ التدوينِ العِلميّ ودورِ العرفانِ في إدراك حقيقةِ الولايةِ - نقد التقييم المعرفيّ في قصة الميرزا القمّي وخطورة الفتاوى الخاطئة الصادرة عن غير أهلها

9
  • كيف يُمكن لإنسان أن يعيش بين الناس ثمانين أو تسعين عامًا، ويُزيّن نفسه بشكل وصورة أخرى! كم هذا سيّئ، كم هو قبيح، كم هو مُنفّر! هل نفترض حقًّا أنّه لا توجد قيامة؟ ولا يوجد إله؟! ففي النهاية، كيف يقبل وجدان الإنسان ذلك؟! كيف يقبل هذا التنافر والاختلاف؟! لماذا؟ ما هو الداعي لهذه المسألة؟ ما الذي ينقصنا؟! ما الذي ينقصنا حتّى نريد التعامل مع الناس بهذا الشكل؟! نعوذ بالله تعالى من هذه المسائل!

  • التهاونُ في تقييدِ العِلمِ بالكتابةِ مُؤدٍّ إلى ضياعِه والسطحيّةِ في الاستنباطِ الفقهيِّ

  • ولهذا، كان المرحوم العلاّمة، وكذلك العظماء في السابق، يُؤكّدون كثيرًا على أنّه يجب دائمًا أن يكون في جيب الإنسان قلم وورقة، حتّى إذا رأى وسمع كلامًا أو مسألةً، يكتبها. وهو نفسه كان مُلتزمًا دائمًا بهذه المسألة. ولا يخفى أنّ ذاكرتَه كانت قويّة جدًّا أيضًا. أتذكّر أنّه إذا كنّا في مجلس، وسُمعت فيه مسائل، كان يُركّز انتباهه بالكامل؛ وعندما يعود إلى المنزل، كان يكتبها فورًا. والكثير من الروايات والنكات والحكايات التي دوّنها في كتبه، كانت سماعيّةً بهذا الشكل؛ أي أنّه سمعها من رجال ثقات، ثمّ عندما عاد إلى المنزل، دوّنها وكتبها. وموسوعة المقتطفات الخطّية والمسائل المكتوبة بخطّ يده والتي بقيت منه، هي من أجل هذا الأمر. وطبعًا، لديه أيضًا قُصاصاتُ ورقٍ مُفرَدةٍ ومتفرّقة. كان يؤكد كثيرًا على هذه المسألة، وكان يقول لنا ذلك أيضًا. كان يقول: «يجب على طالب العلم بالخصوص أن يكون القلم والورقة في جيبه دائمًا»؛ لأنّ الإنسان قد تحصل له غفلة عن بعض الأشياء بالكامل، ولا تعود تخطر بباله أبدًا، أو لا تسنح له الفرصة مرّة أخرى ليُصادف هذه المسائل.

  • في يوم من الأيّام، قال لي المرحوم العلاّمة إنّه ذهب مرّة إلى منزل أحد العلماء. أنا أتذكّر ذلك، وكنتُ معه في هذه القضيّة. لم يقُل مَن هو ذلك العالِم، ولكنّني أعرفه. كان ذلك العالم هو المرحوم السيّد محمد علي السبط (سبط الشيخ). كان في طهران، وكان رجلاً طيّبًا جدًّا. وقد انتقل إلى رحمة الله منذ مدّة طويلة. عندما كان المرحوم العلاّمة في طهران، كان هذا السيّد يأتي أحيانًا إلى منزلنا، وكان المرحوم الوالد يذهب أيضًا إلى منزله. وفي أحد المجالس، نقل المرحوم السبط قضيّة مفادها أنّ أحد العلماء كان في مكان ما، ونقل رواية من كتاب قديم مخطوط لم يُطبع بعد. وكما أذكر وأستحضر في ذهني وذاكرتي، فإنّ هذا الكتاب ليس من المطبوعات، بل لا يزال مخطوطًا؛ لأنّني أنا نفسي أُتابع الأمر، ولم تحدُث مثل هذه المسألة حتّى الآن. كان أحد العلماء قد نقل روايةً عن أحد القُرّاء الذين ذهبوا إلى الهند، وكانت رواية عجيبة جدًّا. وأنا أيضًا أتذكّر شيئًا من هذا القبيل. ولكن، كانت هذه القصّة بالنسبة للمرحوم العلّامة ولي عجيبة جدًّا. لا أدري إن كانت تتعلّق بإحدى المسائل الاجتماعيّة أو بكيفيّة التواصل والمُعاشرة والاختلاط مع الناس. أظنّ أنّها كانت تتعلّق بمسألة أخلاقيّة. فذكر المرحوم السبط هذه الرواية أيضًا في أثناء حديثه. وكنّا نحن الثلاثة فقط: هو، والمرحوم العلاّمة، وأنا؛ ولم يكن هناك أحد آخر. ومرّ هذا الأمر؛ وفي إحدى المرّات، أراد المرحوم الوالد أن يُراجع إلى هذه القضيّة مرّةً أخرى، ويسأله عنها؛ لأنّ الرواية لم تكن في ذهنه، وكان قد نسيها بالكامل. وطبعًا، لم يكُن المرحوم السبط قد نقلها بدقّة، وكان في نقله إبهامات. فتقرّر أن نذهب ونسأله. ذهبنا، فلم يكن هو في المنزل، بل كان مسافرًا. ثمّ عاد، ولم نتمكّن من سؤاله، ثمّ انتقل فجأة إلى رحمة الله تعالى!

أهميّةِ التدوينِ العِلميّ ودورِ العرفانِ في إدراك حقيقةِ الولايةِ - نقد التقييم المعرفيّ في قصة الميرزا القمّي وخطورة الفتاوى الخاطئة الصادرة عن غير أهلها

10
  • أتذكّر أنّه بعد سنوات، ذكر المرحوم العلاّمة هذه القضيّة مرّة، واستشهد بها على أنّه قد تظهر للإنسان مسألة، فيُضيّعها بسبب تساهله. ولم يُعثر على هذه الرواية بعد ذلك أبدًا! وحسب ما في ذهني، فإنّها كانت تتعلّق بالمسائل الأخلاقيّة. وأنا نفسي بحثتُ كثيرًا، فلم أجد شيئًا من هذا القبيل. لابدّ أنّ ذلك الكتاب لم يُطبع بعد؛ فلدينا كتب كثيرة لم تُطبع بعد. ولكن، كيف نُقلت هذه المسألة صدرًا عن صدر حتّى وصلت إلى هنا؟! فلو دُوّنت هنا، لبقيت هذه المسألة وحُفظت. ولكن، بسبب ذُهول حصل، ضاعت هذه المسألة بالكامل.

  • ولهذا، يجب على طالب العلم حتمًا أن يضع هذه النكتة والمسألة في اعتباره، وأن يحفظ ويُدوّن ويكتب المسائل المختلفة التي يسمعها. وكما ورد في الروايات: «يُجمع العلم للإنسان قطرة قطرة».

  • بعضُ هذه المسائل يكتسِب في قضيّة الاستنباط ـ على نحوٍ عجيب ـ طابعًا محوريًّا، ويكون بمثابة أصل في الاستنباط وفهم المسألة، ويُؤثّر في الجهات الترجيحيّة، ويُؤثّر في الجهات المختلفة والروايات المختلفة التي يطّلع عليها الإنسان.

  • على سبيل المثال، انظروا إلى هذه الروايات التي نقرأها اليوم في بحثنا. مَن يستنبط منها مثل هذه المسائل؟! هذه روايات يراها الجميع؛ فنحن لم نختلق هذه الروايات، بل أوردها الشيخ الحرّ في وسائل الشيعة. انظروا، عندما يقول الإمام عليه السلام: «يجب على مَن عليه دَين أن يستقرض ويحجّ»،۱ فكيف يُمكنكم بعد ذلك أن تقولوا إنّ الحجّ واجب مشروط؟! كيف ينسجم هذا مع ذلك؟! هل ذاك الذي يُفتي بأنّ الحجّ واجب مشروط لم يقرأ هذه الروايات؟! إنّ هذه الروايات أمام عينيه! فعندما يقول الإمام: «واجبٌ»، «يَجِبُ عليك»، «استقرض للدَّين واذهب إلى الحجّ»، فأيّ معنى يبقى للوجوب المشروط؟! نحن ذكرنا يوم أمس أنّ بعض هذه الموارد كانت تنصيصًا ونصًّا في الوجوب؛ ولم تكن مجرّد ظهور! وكان لبعضها ظهور في الاستحباب. هب أنّك تقول: إنّه مستحبّ أصلاً! ولكنّ الإمام يقول في مورد الحجّ المستحبّ: «استَقرِض وحجّ! وادعُ اللهَ تَعالى أن يَقضي [دينك]»؛٢ مع أنّ أداء الدَّين واجب؛ فكيف لا يقول هذا في مورد الحجّ الواجب؟! كيف ينسجم هذا مع العقل؟! ففي النهاية، قد منحنا الله مقدارًا من العقل أيضًا! ولم يبق لنا من كلّ العقول سوى هذا المقدار! ونحمد الله على وجود هذا المقدار! ثمّ نجدهم يقولون في مورد الحجّ الواجب: «كلّا! لا يلزم تحصيل الاستطاعة! فيُمكنكم تحصيل الاستطاعة، ويُمكنكم ألاّ تُحصّلوها! بل حتّى بعد أن تُحصّلوا الاستطاعة، يُمكنكم في ليلة الأوّل من شوّال أن تُسقطوها!». مع أيٍّ مِن هذه الروايات تنسجم هذه الفتوى؟ في النهاية، مَن يُفتي بذلك، إنّما يُفتي، ويقول إنّه استنبط هذا الحكم من هذه الروايات!

    1. وسائل الشيعة، ج ۱۱، ص ۱٤۱:
      «سَألتُ أبَا الحَسَنِ عليه السلام، عَنِ الرَّجُلِ عَلَيهِ دَينٌ؛ يَسْتَقرِضُ وَيحُجُّ؟ قَالَ: "إن كانَ لَهُ وَجهٌ في مَالٍ فَلا بَأْس"‌».
    2. وسائل الشيعة، ج ۱۱، ص ۱٤۰:
      «جاءَني سَديرٌ الصَّيرَفيُّ فَقالَ: إنَّ أبا عَبدِ اللَهِ يَقرَاُ عَلَيكَ السَّلامَ، وَيَقولُ لَكَ: "ما لَكَ لا تَحُجُّ؟ استَقرِض، وَحُجَّ!"».

أهميّةِ التدوينِ العِلميّ ودورِ العرفانِ في إدراك حقيقةِ الولايةِ - نقد التقييم المعرفيّ في قصة الميرزا القمّي وخطورة الفتاوى الخاطئة الصادرة عن غير أهلها

11
  • أيّة رواية تمنحك هذا الإذن؟! وأيّ أصل يعطيك هذا المُبرّر لكي تقول للمكلّف البائس المسكين ـ الذي لا ذنب له سوى أنّه صار مقلّدًا لك ـ عندما يجد استطاعةً للحجّ: رغم أنّك وجدت استطاعة، لكنّك تستطيع أن تَهَب المال في أوّل أشهر الحجّ لزيد وبكر وخالد! اذهبوا واستمتعوا! ثمّ يتعلّم أن يقول: «لقد أُسقطت منّي الاستطاعة أو سقطت؛ ولذلك، لأقعد، فلا يلزمني الذهاب إلى الحجّ!».

  • ذاك الذي يُصدر هذه الفتوى، ما هو فهمه الحقيقيّ للدين والإسلام؟! هذه أشياءُ تقشعرّ لها الأبدان! إلى أين نحن ذاهبون؟! حقًّا، ﴿فأينَ تَذهبون﴾؟!۱ وكأنّه لا يوجد في هذه الدنيا شيء أسهل من إصدار الفتوى! ولا يوجد شيء أهون من الدين، ولا مظلوم أشدّ مظلوميّة من الإمام المهديّ عليه السلام في هذه الدنيا، حتّى يُفتوا بهذه البساطة على خلاف ما أنزل الله! وبعد ذلك، نجلس براحة تامّة إزاء المسائل الأخرى والمسائل الاجتماعيّة، ونتّكئ على الوسادة، ونفرش تحتنا فراشًا وثِيرًا ليكون ناعمًا، لئلاّ نشعر بالألم كثيرًا لفترة طويلة إذا أُصيبت الرُكب ـ لا سمح الله ـ بالتهاب المفاصل! ثمّ نقول: «اذهبوا وافعلوا كذا! اذهبوا وافعلوا كذا!». ما شاء الله! بكلّ راحة وبشكل ممتاز وجيّد! سنقول: أيّها العظيم! أنت الذي تذكر هذه المسائل، تفضّل واعمل بها بنفسك! فيقول: أنا؟! كلّا يا عزيزي! يجب أن نجلس نحن على الفراش الوثير! يجب أن نبقى لتُحفظ المباني! فإذا ذهبنا نحن، فمن سيحفظ المباني؟ إذا ذهبنا نحن، فقد تحدث ثُلمة لا يسدّها شيء! «إذا ماتَ العالِمُ الفَقيه، ثَلُمَ فِي الإسلامِ ثُلمَةً لا يَسُدُّها شَيء!»؛٢ ولهذا، يجب أن نكون نحن موجودين، وليقُم الآخرون بالعمل! فالله قد خلق كلّ إنسان لعمل ما! فآية ﴿وَالسّابِقونَ الْأوَّلونَ مِنَ الْمُهاجِرين﴾،٣ وآية ﴿ساعَةِ الْعُسرَة﴾٤ للآخرين، والباقي لنا! نعم! هذه أمور اتّضحت شيئًا فشيئًا، وستتّضح أكثر! وسوف تنكشف تلك الازدواجيّات أكثر؛ وتلك الوجوه المتلوّنة، ستُصبح أكثر شفّافية!

  • التحوّلُ الروحيُّ المتأخّرُ للميرزا القمّي شاهدٌ على عدمِ كفايةِ العُلومِ الظاهريّةِ

  • التلميذ: ما هو معنى ما ذُكر في بعض الكتب من أنّ الميرزا القمّيّ كان له ارتباط بالمرحوم البيد آباديّ؟ لقد ورد مؤخّرًا في بعض الكتب: كان المرحوم الميرزا يتلقّى دستورًا سلوكيًّا من المرحوم البيد آباديّ. حتّى أنّه ورد في الكتاب: تحرّك الميرزا من قُمّ، وذهب إلى زيارة المرحوم البيد آباديّ.

    1. سورة التكوير، الآية ٢٦.
    2. الكافي، ج ۱، ص ٣۸، مع اختلاف يسير.
    3. سورة التوبة، الآية ۱۰۰.
    4. سورة التوبة، الآية ۱۱۷.

أهميّةِ التدوينِ العِلميّ ودورِ العرفانِ في إدراك حقيقةِ الولايةِ - نقد التقييم المعرفيّ في قصة الميرزا القمّي وخطورة الفتاوى الخاطئة الصادرة عن غير أهلها

12
  • الأستاذ: نعم، حسنًا، أنتم تنقلون هذا الآن بعد مائتي سنة؛ أمّا كيف كان الأمر، وكيف ذهب، وإلى أيّ حدّ استطاع أن ينجح، فلا يُمكننا بيان هذه الأمور.

  • صحيح أنّنا تكلّمنا هنا عن المرحوم الميرزا؛ ولكن، توجد مسألة أخرى هنا يجب أن نأخذها بعين الاعتبار أيضًا: نحن بيّنا نفس القضيّة والواقعة هنا؛ ولعلّه غيّر مساره في أواخر عمره، وتغيّر فهمُه. خلاصة الأمر، لا يُمكننا أن نتجاسر عليه، ونُلصق به هذا الاتّهام مدى الحياة. فالكثيرون يرتكبون خطأً في فترة ما، ثُمّ يُصلحون خطأهم لاحقًا؛ ولعلّ هذا الخطأ قد ارتفع عند ارتباطه بالمرحوم البيد آباديّ.

  • التلميذ: نعم، وكان حينها في أواخر عمره عندما كانت له المرجعيّة في قُمّ. يبدو أنّه ركب بغلاً، وانطلق؛ وعندما وصل إلى أصفهان، قرأ له المرحوم البيد آباديّ هذا البيت الشعريّ:

  • در دو عالم گر تو آگاهی از او***زو چه بد دیدی كه خواهی غیر از او
  • [يقول: إذا كنتَ تعرفه في الدارين معًا، فما الذي ساءك منه لتطلب سواه]

  • قرأ له هذا البيت الواحد فقط، فنظر إليه وهو مبهوت ومندهش، ثمّ رجع، ولم يجرِ [بينهما] أيّ كلام آخر.

  • الأستاذ: مِن أين؟

  • التلميذ: رجع المرحوم البيد آباديّ من أصفهان إلى قُمّ.

  • الأستاذ: هل رجع المرحوم البيد آباديّ؟

  • التلميذ: لا، الميرزا.

  • الأستاذ: نعم! الميرزا هو الذي رجع.

  • التلميذ: بمجرّد أن قال له ذلك البيت الواحد، رجع الميرزا. تذكرتُ الآن: القضيّة تتعلّق بأواخر عمر الميرزا عندما كانت له المرجعيّة المطلقة.

  • الأستاذ: نعم. المسألة التي طرحتُها بخصوص التصرّف الخاطئ للميرزا القمّي في زيارته لسيّد الشهداء ناظرةٌ إلى أنّ هذه الواقعة حدثت مع تلك المكانة العلميّة التي كانت له. ففهمُ وعلاجُ هذه القضيّة التي ننقلها عن المرحوم الميرزا، لا يحصل بقراءة الكتب. وفي أواخر عمره، لم يُضف إليه شيء من الناحية العلميّة مقارنةً بذلك الوقت الذي قام فيه بهذا العمل. وهذا التشرّف بمحضر المرحوم البيد آباديّ كان أيضًا في شيخوخته وعندما كان متقدّمًا في السنّ؛ ولكن، يُحتمل أنّ فهمه قد تغيّر. وما نقوله نحن هو هذا: إنّ تلك المسائل المعرفيّة لا تحصل بهذه الأمور والعلوم الظاهريّة! فبعد أن رجع، ووصل إلى تلك المكانة العلميّة، حدثت هذه القضيّة؛ وهي أنّه ذهب، وقبّل عتبة أستاذه قبل زيارة سيّد الشهداء؛ ولكن، لعلّ وضعَه وفهمَه وإدراكَه قد تغيّر في السنوات اللاحقة. نحن لا يُمكننا إخفاء هذه المسألة.

أهميّةِ التدوينِ العِلميّ ودورِ العرفانِ في إدراك حقيقةِ الولايةِ - نقد التقييم المعرفيّ في قصة الميرزا القمّي وخطورة الفتاوى الخاطئة الصادرة عن غير أهلها

13
  • ولكن على كلّ حال، القضيّة المهمّة هي أن يعرف الإنسان حقيقة الأمر، وأنّ تلك المعرفة لا تحصل بهذه المسائل والأمور؛ وقد رأينا ونرى نظائر ذلك في جهات مختلفة.

  • اللهمّ صلِّ على محمّد وآل محمّد