/ ۲
  • fullscreen

أسئلة و أجوبة (رجال) – ج۵

1
  •  

  • هو العليم

  •  

  • تصنيف المحاضرة: أسئلة وأجوبة جبل عامل جلسة الرجال ج٥

  •  

  • عنوان المحاضرة: الطاعة والتسليم للمعصوم والولي الكامل 

  •  

  • آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ

  • قدس الله سره

  •  

  •  

أسئلة و أجوبة (رجال) – ج۵

2
  • أعوذ بالله مِنَ الشيطان الرجيم

  • بسم الله الرحمن الرحيم

  • والصلاة والسلام على سيّدنا ونبيّنا أشرف الأنبياء والمرسلين وخاتم النبيّين أبي القاسم محمّد

  • وعلى آله الطيّبين الطاهرين واللعنة على أعدائهم أجمعين

  •  

  • ما يصدر عن المعصوم هو عين الحقّ والواقع

  • السؤال الأوّل: بالنسبة للسؤال السابق وما طُرح في مسألة الولاية أنّه يجب على الإنسان الرجوع إلى الإمام عليه السلام وأن لا يفكّر بالنتائج هل هي لصالحه أم لا، بل عليه أن يتّبع الحقّ ويتّبع الإمام عليه السلام. والسؤال الّذي يمكن أن يُطرح هنا أنّه كيف للإمام عليه السلام أن يحكم على شخص وهو يعلم أنّ [الحقّ] له ؟ .. أليس هذا ظلم وقضاء بالجور والزور ومصداق لقوله تعالى{ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ۱، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}٢ ؟

  • جواب سماحة السيّد:

  • مقصودنا مِن هذه المسألة وهذه القضيّة أنّه إذا أحكمنا الأمور فيما يخصّ حقيقة الإمام عليه السلام [سنرى أنّه] متّحد مع النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم الّذي يقول الله تعالى عنه في كتابه{ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ * وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ٣، وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}٤،{قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ}٥، وغيرها الكثير مِنَ الآيات الّتي تدلّ على أنّ كلام النبيّ وبالتالي كلام الأئمّة عليهم السلام هو كلام صدق، [فبالتالي] ليس للمرء أن يناقش في كلام النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم وفي كلام الأئمّة عليهم السلام.

  • وبما أنّ عقولنا محدودة وفينا نقائص، فلا بدّ أن نتعامل مع الأمر بأنّ الإمام عليه السلام لا يقول إلّا الحقّ، ولو ظنّ الإنسان خلاف ذلك. وقد ورد في القرآن [هذا المعنى حيث قال]{ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا}٦؛ فالعلم هو انكشاف الواقع وانكشاف نفس الأمر، فإذا انكشف الواقع للإنسان يمكنه حينئذٍ أن يرى أنّ المسألة خلاف ما كان يظنّه؛ ولهذا نجد كثيرًا مِنَ الروايات تُنبئ أنّ الإمام الحجّة صلوات الله وسلامه عليه في زمانه سيقضي بقضاء داوود۷؛ كان النبيّ داوود عليه الصلاة والسلام يقضي بين الناس بلا حجّة ولا بيّنة [ظاهريّتين]. وكثيرًا ما كان يقع النزاع بين الأفراد فيرجعون إلى النبيّ داوود، فيقضي بقضائه؛ فكان المرء منهم يفكّر في قرارة نفسه أنّ الحقّ معه [إلّا أنّ الحكم يكون خلاف ظنّه] لأنّ النبيّ داوود كان يقضي بحسب الواقع ونفس الأمر ولم يكن يوضّح ولا يبيّن حقيقية القضيّة والمسألة للشخص.

  • قضاء النبيّ داوود عليه السلام؛ قصّة صاحب البقرة

  • هناك قصّة عجيبة في الروايات وكذلك في كتاب (المثنوي) للمولى جلال الدين محمّد البلخيّ؛ أنّ رجلًا فقيرًا تُوفي أبوه وكان يعيش مع أمّه، وفي يوم مِنَ الأيّام طلب مِنَ الله تعالى أن يرزقه رزقًا حلالًا طيّبًا، وكان خالي اليدين، [وفجأة] شاهد أنّ باب منزله انفتح ودخلت بقرة، فظنّ أنّ هذا رزق مِنَ الله تعالى، فأخذها وذبحها وأكل منها، وبعد مدّة جاء صاحب هذه البقرة وقال له: لماذا أخذت بقرتي، ففعلك حرام وسرقة. فقال: أنا رجوت الله أن يرزقني رزقًا حلالًا فإذا بالباب يفتح وتدخل هذه البقرة، فرأيت أنّ هذه مِنَ الله تعالى، فأخذتها وذبحتها.

  • في هذه القصّة عجائب، يعني فيها أسرار توحيديّة [ودلائل على] كيفيّة مراتب عالم الغيب .. على كلّ حال، رجعوا إلى النبيّ داوود، فقال النبيّ داوود لصاحب البقرة تسامح في هذه القضيّة ولا تعتني فقد قُضي ما قُضي وقدّر الله ما قدّر. [قال صاحب البقرة:] لماذا، فأنت تحكم بالظلم، هذه بقرتي وهذا الرجل أخذها وذبحها، فكيف له أن يأخذها؟! [ومع هذا تقول لي] أن أغضّ الطرف وأن لا ألتفت إلى هذا ! قال النبيّ داوود: [تنازل] عن هذه البقرة ولا تعتني ، بل أنصحك وأقترح عليك أن تعطي قيمة هذه البقرة لهذا الرجل. فصرخ صاحب البقرة وقال: عجيب، فهذا الرجل يأخذ بقرتي ويذبحها، وأنت تقول لي أنّه لا بدّ أن أتنازل عنها، وفوق هذا أن أعطيه ثمن البقرة !! ما هذا الحكم، فهل هذا [مِنَ الإنصاف] !! أنا لا [أقبل بذلك]. قال النبيّ: ألا تقبل بذلك ؟ قال الرجل: لا أقبل بهذا الحكم. قال النبيّ داوود: أنا أنصحك أن تتجاوز عن قضيّة هذه البقرة ولا تعتني ولا تلتفت، ورُدّ عليه ثمن البقرة وكامل ديّة شخص. فصرخ الرجل وقال: عجيب هذا الحكم !! فقال النبيّ: ألا تقبل، فأنا أنصحك أن تقبل بهذا. قال الرجل: أنا لا أقبل بذلك أبدًا. قال النبيّ: ألا تقبل ؟ قال الرجل: لا. فقال النبيّ: إن شاء الله تأتيني غدًا خارج البلدة ويأتي جميع أفراد المجتمع، [فنجتمع] تحت تلك الشجرة ثمّ أحكم بينكم في هذا الموضوع.

  • وعندما اجتمعوا في الصباح خلف الشجرة، أمر النبيّ داوود أن يحفروا خلف تلك الشجرة، فحفروا ووجدوا سكيّنًا مدفونًا، فأمرها داوود بالتكلّم، فتكلّمت كلامًا فصيحًا بحيث سمع صوتها كلّ مَن في المجلس، وهي تقول: هذا الشخص قتل بيده وبهذه السكين والد هذا الرجل، فهذا الشخص قاتل، وكان بينهما شراكة في بعض الأعمال فحصل بينهما خلاف ونقاش، وبعد مدّة قتله بواسطتي ودفنه تحت هذه الشجرة. فحفروا [تحت الشجرة] فوجدوا شخصًا ميّتاً كان قد قتله صاحب البقرة، فأمر داوود بقتل صاحب البقرة قائلًا: لا بدّ أن تُقتلْ قصاصًا للقتل الّذي قمت به مِن قَبل. حسنًا، فلو قبِل هذا الشخص مِن أوّل الأمر بحكم النبيّ داوود لَما انتهت المسألة بهذا الشكل.

  • هذه القضيّة كقضيّة بني إسرائيل [حيث قال تعالى] {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً}۸، فلو أنّهم أخذوا بقرة وذبحوها لانتهى الأمر، ولبيّن النبيّ موسى القضيّة بإعجازه، ولكنّهم لم يرضوا، بل قالوا ما لونها وما شكلها وما قدّها وما طولها أذَكر أم أنثى .. وهكذا، فجعلوا المسألة صعبة عليهم؛ فالإنسان هو الّذي يجعل المسألة صعبة بيده. ونحن نفعل هذا في كثير مِن شؤوننا، فعندما يقولون لنا افعل هذا، فلا بدّ أن نفعله دون الالتفات إلى أيّ شيء، [ولكن ترانا نقول:] بأيّ نحو أفعل ذلك، أبهذا النحو أو بهذا المقدار .. نحن نعبّر عن هذه الحالة بأنّها أسئلة بني إسرائيل، وهذا معروف في إيران حيث يعبّرون عن هذا [النوع مِنَ] الأسئلة بأنّها أسئلة بني إسرائيل.

  • فلو كان صاحب البقرة ذاك قد قبل مِن أوّل الأمر [بما اقترحه النبيّ داوود] لَما انتهت القضيّة بقتله، ليس فقط بقتله، بل وجب عليه ردّ قيمة البقرة وإعطاء كلّ ممتلكاته إلى ذاك اليتيم والطفل الصغير.

  • فرجوع الإنسان إلى الإمام عليه السلام وإلى الحجّة، لا بدّ أن يكون بهذا الشكل؛ يعني إذا رجع الإنسان إلى الإمام، فلا يجوز له أن يفكّر هل الإمام عليه السلام يقضي بالحق أم لا، لماذا؟ لأنّ الكلام الصادر عن الإمام عليه السلام ليس إلّا حقًّا، وإن كان يظنّ في نفسه أنّ الحقّ معه؛ ففي كثير مِنَ الأحيان يتبيّن للإنسان خلاف ما كان يظنّه، فالإنسان جائز الخطأ في الكثير مِنَ الأحيان، فتراه يكون متيقّنًا مِنَ مسألة ما وبعد مضي سنة يتبيّن [خلاف] الأمر فينتفي ذاك اليقين ويتبدّل بيقين آخر، وقد يتبدّل اليقين بالشكّ والظنّ والحدس.

  • فالأمر المهمّ فيما يتعلّق بالإمام عليه السلام أن لا يفكّر الإنسان بأنّه حق أو ليس بحقّ، لأنّه لا يصدر عن الإمام إلّا الحقّ، وكلام النبيّ ليس إلّا الحقّ. فإذا أمر أمير المؤمنين عليه السلام الناسَ بالجهاد ضدّ معاوية، فيجب على الناس أن يجهّزوا أنفسهم للجهاد ضدّ هذا العدوّ سواء كانوا سينتصرون ويفوزون أم لا، فالمهمّ أن يكون الإنسان مع الإمام عليه السلام ومصاحبًا له سواء وصل هذا المشروع إلى نتيجة أم لم يصل إلى نتيجة، هذا هو المهمّ.

  • درجة ولاء مالك الأشتر النخعيّ

  • ونحن نرى كثيرًا مِنَ صحابة النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يفكّرون بذاك الشكل، يعني لم يكن تفكيرهم تفكيرًا صحيحًا وعقلائيًّا وإسلاميًّا وشرعيًّا، فكانوا دائمًا يفكّرون هل الكلام الّذي صدر مِنَ النبيّ يوصل إلى نتيجة أو لا ! والحال أنّ هذا خطأ، فالنبيّ يقول يجب أن [تطيعوني] وتفعلوا كذا، [فذلك واجب سواء] وصلوا إلى النتيجة أم لا.

  • أمر الإمامُ عليه السلام مالكَ الأشتر النخعيّ بالذهاب إلى مصر والتصدّي لحكومة مصر، وهو يعلم أنّه لن يصل إلى مصر وسيقتله معاوية، ومالك الأشتر لم يفكّر أصلًا إن كان سيصل إلى مصر أم لا، حتّى لو كان يعلم [بأنّه لن يصل، لامتثل أمر الإمام]. وباعتقادي أن مالك الأشتر كان يعلم أنّه لن يصل إلى مصر، ولكنّه لم يتكلّم أبدًا مع الإمام مخاطبًا: كيف ترسلني إلى مصر مع أنّني لن أصل وسيقتلني ويسمّمني معاوية في الطريق. لا [لم يقل ذلك]، لماذا؟ [لأنّ] الإمام عندما يقول افعل هذا، يكون الأمر تامًّا [ونافذًا].

  • مستوى امتثال مسلم بن عقيل

  • ذُكر في التاريخ أنّ الإمام سيّدُ الشهداء الحسينُ بن علِيّ لمّا أرسل مسلم بن عقيل مِن مكّة إلى الكوفة، وبعد أن افترق مسلم عن الإمام سيّد الشهداء عليه السلام، وجد مسلم شخصًا اصطاد غزالًا (أو ظبيًا) وذبحه، فتشاءم مسلم مِن هذا الحدث وخطر في نفسه شيء وهو أن هل في هذا السفر خيرٌ أم لا، [وتساءل] ما هي نتيجة هذا السفر ! فرجع إلى الإمام عليه السلام، والإمام عليه السلام كان قد خرج مِن وقت قصير مِن مكّة، وروى هذه القصّة للإمام قائلًا: يا بن رسول الله، شاهدتُ حدثًا وهو أنّ صيّادًا اصطاد ظبيًا وذبحه، فأنا لا أرى خيرًا في هذا السفر والطريق. فماذا قال له الإمام عليه السلام؟ قال له: الأمر كما قلتُ، فهل ستسافر أم لا ؟ فقال مسلم: بل سأسافر، ولكنّي [أردتُ] أن أنقل لك هذه القصّة. والإمام عليه السلام لم يهتمّ لهذا الشيء؛ أسيصل مسلم إلى النتيجة أم أنّهم سيقتلونه أو سينتصر عليهم مثلًا أو سيأخذ الحكومة، فالإمام أصلًا وأبدًا [لم يهتمّ لهذا]، مع أنّ كلّ هذه الأمور كانت مكشوفة له عليه السلام، ولم يكن شيء منها مجهولًا بالنسبة للإمام، وكانت تعابيره تحكي عن هذه المسألة .. [ولسان حال الإمام عليه السلام حينها] أنّه إن لم تقبل بهذا السفر فسأرسل شخصًا آخر .. بهذه الصراحة؛ يعني عندما أقول لك مثلًا يجب أن تسافر، فيجب عليك أن تسافر دون أن تفكّر بشيء أبدًا .. فقال [مسلم]: نعم. لقد كان مسلم عالماً وصاحب أسرار الإمام عليه السلام ومِن أعاظم زمانه ومِن أحبّ تلامذة الإمام سيّد الشهداء عليه السلام [إليه] وأقربائه وأرحامه، وكان له شأن جليل.

  • فمسألة الطّاعة واتّباع الإمام عليه السلام والمعصوم لا بدّ أن تكون بهذا الشكل، يعني على الإنسان أن لا يفكّر أصلًا إن كان الإمام على حقّ أو لا.

  • عُمر بن الخطاب يصرّح بأنّه شكّ بنوّة النبيّ |

  • وقد ابتُلي المسلمون في زمن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم بهذا المسألة ... تقول الآية {لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللهُ آَمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ}٩؛ كان النبيّ قد شاهد في المنام – هذه المسألة كانت قصّة في المنام – أنّه يدخل مكّة مع جيش المسلمين ويفتحها ويسيطر عليها ويكسر الأصنام، ويستسلم له الكفّار ويُسلِم كلّ مَن في مكّة على يديه صلّى الله عليه وآله وسلّم. فحكى هذه الرؤيا للناس، ثمّ أمَرهم أن يذهبوا إلى مكة مِن أجل ذلك.

  • ولمّا أمر الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم المسلمين بذلك كان في تلك المسألة سرٌّ، إذ النبيّ لم يقل أنّنا لن نصل إلى مكّة في هذه الرحلة أو في هذه السنة، بل قال علينا أن نذهب إلى مكّة ونفتحها، أمّا هل سيفتحونها أم لا فهذه مسألة أخرى. فيجب على الإنسان أن يقوم بتكليفه، والتكليف في هذه السنة هو الذهاب إلى مكّة والهجوم على الكفّار، هذا هو التكليف. ولمّا وصلوا إلى الحديبية أوقفهم الكفّار ووقع بينهم ما وقع، فأمر النبيّ بالرجوع إلى المدينة. هنا شكّ الكثير مِنَ الأفراد في رسالة النبيّ ومنهم عُمر حيث قال له: أنا لم أشك في رسالتك كشكّي [الآن]۱۰ – وكانت هذه عين عبارته – فقد قلتَ أنّنا سندخل مكّة ونفتحها فكيف تأمرنا [بالعودة إلى المدينة]. فقال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم: قد قلتُ أنّنا سندخل، ولكن هل قلتُ [أنّ دخولنا سيكون] في هذه السنة ؟! قال: لا. [فقال النبيّ]: أنا لم أكذب، إذ لم أقل أنّ دخولنا مكّة سيكون في هذه السنة، نعم إن شاء الله نذهب لاحقًا ونفتح مكّة ونكسر الأصنام كلّها. وهذا ما وقع فيما بعد ..

  • وكثير مِن أولئك الأفراد لم يحلقوا رؤوسهم، إذ قد أمرهم النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم بحلق الرؤوس، ولكنّهم قالوا: نحن لم نحجّ ولم ندخل مكّة [حتّى نحلق رؤوسنا] فكيف نرجع إلى بيوتنا وماذا نقول لزوجاتنا، فهذا معيب، فإن رأونا سيقولون لنا قصدتم مكّة فأوقفكم الكفّار ولم تستطيعوا فتح مكّة ولم تحجّوا ولا شيء أبدًا، بل حلقتكم رؤوسكم ورجعتم إلى المدينة خائبين خاسرين !! فكيف [لنا أن نفعل] ذلك، فإنّ هذا معيب. فقال النبيّ: ما العيب في ذلك، إنّ التكليف مِنَ الله تعالى ليس عيبًا، والله تعالى هو الّذي يأمركم. ولكنّهم لم يحلقوا بل قصّروا، وقال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم مرّة: رحم الله المحلّقين منكم. فقال المقصّرون: يا نبيّ الله ادعوا لنا. فقال النبيّ ثانية: رحم الله المحلّقين. فقالوا: يا رسول الله ادع لنا أيضًا، فقال: رحم الله المحلّقين. وفي المرّة الرابعة قال: رحم الله المحلّقين والمقصّرين.۱۱ نعم، لماذا ؟ لأنّهم أطاعوا وأنتم لم تطيعوا الرسول. نعم، وهذه الحالة موجودة في جميع أعمالنا نحن وفي مسائلنا وأمورنا.

  • المؤمن لا يسلّم تسليمًا مطلقًا لأيٍّ كان إلّا لنبيّ وإمام ووليّ

  • هذا يعني أنّ مِنَ الواجب على الإنسان أن يرى ما في نفسه ويطبّق برنامجه على ذاك النهج؛ فإذا ظهر الإمام عليه السلام في هذا المجتمع، كيف سيتعامل معه، وكيف سيتعامل مع الحقّ، سواء كان الحقّ بواسطة النبيّ أو بواسطة الإمام أو بواسطة شخص ثالث [في هذه المراتب العالية] أو ولي مِنَ الأولياء. ولكن إذا كان المرء أدنى مِن هذه المراتب، فمهما بلغ مِن مقام [لا يجوز التسليم له بالمطلق]، بل يجب على الإنسان أن يفكّر في أحوال هذا الشخص ولا يطيعه أبدًا بدون أن يتفكّر وأن يعرض برنامجه على الموازين والمباني، حتّى لو كان هذا الشخص مُقلَّدًا ومفتيًا وحتّى لو كان ..

  • فلا يجوز إطلاقًا للإنسان أن يتّبع أيّ شخص غير الإمام المعصوم عليه السلام بدون تفكير، أبدًا. فإنّ مسألة [التبعيّة المطلقة] تختصّ فقط بالإمام المعصوم والوليّ الّذي وصل إلى مرتبة العصمة، فالوليّ الّذي يصل إلى مرتبة العصمة [يكون] كلامه حقًّا، فهو يشاهد الواقع وجميع الأمور المستقبليّة والماضية ويشرف على النفوس ويكون مطّلعًا على المصالح والمفاسد في نفس الأمر والحاكمة على المجتمع والحاكمة على كلّ فرد [ويكون مطّلعًا] على جميع الخصوصيّات. فإذا وجد الإنسان هذا الشخص، يجب عليه أن يتّبعه كاتّباعه النبيّ والإمام عليه السلام، أمّا لو كان غير هذا [فلا نتّبعه دون تفكّر ونظر] ولو بلغ ما بلغ، ولو بلغ ما بلغ، حتّى لو كان له مِنَ العلم كذا ومِنَ القدرة كذا ومهما كانت حيثيّاته وخصوصيّاته [ومقاماته] الرئاسيّة، بل يجب على الإنسان [في هذه الحالة] أن يفكّر في أحواله وفي تطابق أفكاره مع الواقع وعدم تطابقها.

  • هذا هو الطريق العقلائيّ والطريقة الشيعيّة والطريق الّذي أمرنا الأئمّة عليهم السلام بسلوكه.. فمَن قال أنّه يجب أن تتّبع أيّ شخص في العالَم بدون أيّ تفكير وتأمّل وبدون تطبيق للمنهج العقلائيّ والإنسانيّ !! مَن قال لنا أنّ الإمام عليه السلام أمرنا بالطاعة المطلقة لأيّ شخص في جميع أوامره ونواهيه دون تفكّر !! مَن قال لنا هذا وفي أيّ كتاب وُجِد هذا !! [فإنّ الطاعة المطلقة بدون تفكّر] تختص بالإمام المعصوم، ولا يجوز أبدًا تعدية هذا الأمر إلى غير الإمام المعصوم، وكلّ مَن قال [خلاف ذلك] فقد خرج عن مسلك الشيعة وخرج عن طريق الأئمة عليهم السلام. هذا هو الطريق [الصحيح].

  • ما هو المقصود مِنَ التسليم المطلق للمعصوم والدليل عليه

  • المقصود مِنَ الرجوع إلى الإمام عليه السلام وعدم التفكّر في النتيجة هو هذا: بما أنّ الإمام عليه السلام لا يقول إلّا الحقّ، والإنسان مع نقائصه وخلوّ أفكاره مِنَ الواقع وعدم بلوغه الواقع، كما في [قوله] {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} والعلم هو انكشاف الواقع، فإن وصل الإنسان – والحال هذه – إلى هكذا شخص فعليه أن يُسَلّم جميع أموره إليه، وأن لا يفكّر إن كان الحقّ معه أم لا، لأنّ الحقّ هو ما يخرج مِن فَمِ الإمام وقلمه ويده ولأنّ أفعاله [هي الحقّ]. أمّا الإنسان [العاديّ] فلا .. لأنّه جائز الخطأ؛ فقد يفكّر اليوم بشيء، وغدًا أو بعد أسبوع تتغيّر أفكاره وتتبدّل، كما هو الحال في المجالس والاجتماعات الّتي ترونها، فإنّ المندوبين يسنّون القوانين وبعد سنة يُغيّرون هذه القوانين بتبصرة كما في مصطلحنا؛ يعني يجعلون قانونًا مكان آخر يكون مُصلحًا له، لماذا يحصل ذلك ؟ لأنّهم كانوا يرون سابقًا أنّ هذه هي المصلحة، وبعد مدّة مِنَ الزمن تنتفي تلك المصلحة ويرون أنّ المصلحة خلاف ذلك، وهذا أمر طبيعيّ وعاديّ [بالنسبة للإنسان العاديّ].

  • هذا بشكل مختصر فيما يتعلّق بولاية إمام الزمان.

  • حلٌّ الإشكال العويص حول رواية (لا تخلو الأرض مِن حجّة)

  • السؤال الثاني: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم «لا تخلو الأرض مِن حجّة»۱٢، فماذا بعد وفاة الإمام صاحب العصر والزمان ؟

  • جواب سماحة السيّد:

  • هذه مسألة عويصة، وكانت محلّ بحث بين العلماء وبين الكثير مِنَ الأفراد، وذلك في كيفيّة تفسير وبيان هذه المسألة.

  • فقد أفادت روايات كثيرة أنّه (لولا الحجّة لساخت الأرض بأهلها) وأنّه (لو لم يبقى على الأرض إلّا شخصين وجب أن يكون أحدهما الحجّة)، ونظائر ذلك كثير في كتب الشيعة۱٣.وكان هذا مورد إشكال الكثير مِنَ الأفراد، وهو أنّه: مَن كان الحجّة قبل زمن الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ؟ ومَن كان الحجّة في الأرض قبل آدم عليه السلام ؟ ومَن سيكون الحجّة في الأرض بعد وفاة الإمام الحجّة عليه السلام ؟ يعني بأيّ نحوٍ تُفسّر تلك الروايات والأحاديث؟ وما هو المقصود مِنَ الحجّة؟

  • يجب علينا في هذه الحالة أن نلاحظ مسألتين:

  • المسألة الأولى هي كيفيّة تكوين نظام العالَم وترتيبه وتدبيره؛ بحسب ما تفيده الأدلّة العقليّة والنقليّة، فإنّ الله تعالى خلق هذا العالَم وعوالم الغيب بكيفيّة دقيقة وترتيب عميق وظريف، ولهذا الترتيب والدقّة مراتب، مرتبة الواحديّة ومراتب الأسماء والصفات، وبعدها مراتب الأفعال وكيفيّة خلق هذا العالَم؛ هذا يعني أنّ الله تعالى إذا أراد أن يخلق شيئًا فهو يخلقه بواسطة أسمائه العليا وصفاته الحسنى.

  • كما الحال في الإنسان فإنّه إذا أرد أن يفعل شيئًا فهو يفعله [بواسطة الصفات المودعة فيه]، فلو أراد أن يأكل ويتّجر ويمشي وينام وغيرها مِن أفعال، فهي إنّما تصدر عن الصفات الباطنيّة للإنسان الّتي أودعها الله تعالى فيه، كصفة الشهوة ... أمّا شهوة الإنسان: كشهوة الحياة، فكلّ شخص يريد ويحبّ أن يبقى في الحياة ويعيش ويطول عمره فيها. وكجلب اللذّات والاستحواذ عليها بشكل زائد. وكالسيطرة على الأفراد والتحكّم بهم. هذا كلّه بمقتضى الصفات الّتي أودعها الله تعالى في الإنسان. وهذه الصفات ترجع إلى ثلاث صفات هي: صفة الشهوة، وصفة الغضب، وصفة التعقّل والتفكّر. واجتماع هذه الصفات يوجب اختلاف الأفعال الّتي تصدر مِنَ الجوارح الخارجيّة.

  • والله تعالى يخلق الخلق بواسطة أسمائه وصفاته. وأسماء الله تعالى ثلاثة هي: الحياة والعلم والقدرة. أما سائر صفات الله تعالى فتنبعث وتنشأ مِن هذه الأسماء الثلاثة، [ومِن تلك الصفات] صفة الخلق وصفة الرحمة وصفة الغضب وصفة القهّارية وصفة الرازقيّة وصفة المصوّرية .. وفي الآيات ذِكر لأسماء الله تعالى وصفاته [كقوله تعالى]{ هُوَ اللهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى}۱٤. فالله تعالى يخلق بواسطة هذه الصفات جميعَ الخلائق؛ المجرّدات منها والمادّيات. وأوّل شيء خلقه الله تعالى بواسطة أسمائه هو النفس المديرة والمدبّرة التامّة لكلّ عوالم الغيب والشهادة، وهي نفس النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم والأئمّة عليهم السلام، فالواسطة بين الله تعالى وبين الخلق هي فقط أسماؤه وصفاته الكبرى وهي نفوس الأئمّة عليهم السلام، فالأئمّة عليهم السلام – كما في الروايات والزيارة الجامعة وغيرها الكثير مِنَ الزيارات – هم الوسائط بين الله تعالى [مِن جهة] وبيننا وبين الخلق حتّى الملائكة [مِن جهة] ...

  • أما المسألة الثانية فهي مسألة الحجّة: الحجّة هو العقل المدبّر والمدير في المجتمع، [كما هو الحال في العائلة] الّتي يجب أن يكون فيها شخص عاقل يديرها، فإن لم يوجد شخص عاقل في العائلة، كأن يخرج الوالد والوالدة مِنَ البيت ويبقى الأطفال وحدهم، سوف يضربون بعضهم بعضًا ويخرّبون البيت و[يؤذون] أنفسهم. فعدم وجود شخص عاقل – أي العقل المدبّر والعقل المنفصل – في هذه العائلة [سيؤدّي بالأطفال] إلى التخريب وضرب بعضهم البعض. وكذلك الأمر في المجتمع وفي كلّ الدنيا، فيجب أن يكون فيها هذا العقل المدير والمدبّر. هذا هو المقصود مِنَ الحجّة.

  • وعلى هذا، فإنّ الروايات الّتي تقول أنّه «لا تخلو الأرض مِن حجّة» فليس المقصود منها الإمام عليه السلام، بل المقصود بالحجّة هنا العاقل والمدير والمدبّر، سواء كان هذا العاقل هو الإمام عليه السلام حيًّا وموجودًا في المجتمع أم لم يكن هو الحجّة بيننا، كما هو الحال قبل زمن النبيّ، فمَن كان الحجّة حينها ؟ فبين زمن النبيّ عيسى عليه السلام وبين النبيّ محمّد فاصلة تُقارب الخمسمائة عام، فمَن كان الحجّة بينهم، والحال أنّه لم يكن في هذه الفترة نبيّ أو رسول وهو يُعدّ زمن الفطرة ؟ وبين عيسى وموسى فاصلة ألف عام لم يكن فيها نبيّ كموسى وعيسى، والمتيقّن أنّه بين النبيّ عيسى وبين نبيّنا صلّى الله عليه وآله وسلّم لم يكن مِن نبيّ ولم يكن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم والأئمة عليهم السلام قد وُلِدوا بعدُ، فمَن كان الحجّة ؟ وكذلك الأمر بعد ارتحال الإمام الحجّة. وعليه كيف نفسّر مسألة [حتميّة] وجود الحجّة ؟ الحجّة هو العاقل والمدير والمنظّم للجمع وللمجتمع وللناس، ويجب أن يُلقي الله تعالى في قلب وروع هذا العاقل المصلحة العامّة للمجتمع ولجميع الأفراد في الدنيا، وقد لا يكون هذا الشخص [العاقل] قد وصل إلى مرتبة الولاية، نعم يمكن أن يكون قد وصل إلى بعض مراتب الولاية لا كلّها. وبهذا تُفسَّر هذه المسألة ويستبين حالها؛ فإذا كان الإمام عليه السلام موجودًا فهو الحجّة بين الناس. وإن لم يكن موجودًا فالأفراد الّذين يكونون بعد الإمام عليه السلام [هم الحجّة]، كما في بعض الروايات أنّ أولاد الإمام عليه السلام مِن بعده يأخذون الحكومة ويحكمون الناس وهم الحجّة. وإن لم يكونوا موجودين، فتكون الحجّة في سائر الأفراد كما كان ذلك قبل النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، مثل عبد المطلب الّذي كان مِنَ الأعاظم والأولياء، وقبل عبد المطلب مِن آباء النبيّ كان لهم كلّهم هذه الحجّة.

  • وبهذا يتّضح أنّ هناك فرق في مسألة الحجّة؛ [فالحجّة في المسألة الأولى] متعلّقة في كيفيّة نظام العالَم، فهذه الكيفيّة يجب أن تكون فقط بواسطة نفوس الأئمّة عليهم السلام، يعني المعصومين الأربعة عشر: النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم وفاطمة الزهراء والأئمّة عليهم السلام، فهم الوسائط بين الله وبين الخلق أجمعين بالنسبة إلى عالم التكوين. أمّا بالنسبة إلى عالم التشريع وعالم التربية وبالنسبة إلى الإنسان والمجتمع الإنسانيّ، فالمقصود مِنَ الحجّة هنا غير المقصود مِنَ الحجّة التكوينيّة والحجّة الولائيّة [الّتي في المسألة الأولى]، بل المقصود مِنَ الحجّة هنا هو القوّة العاقلة.

  • وبهذا ينتفي الإشكال والتساؤل في البين. [فالحجّة] بعد الإمام عليه السلام [هم] أولاد الإمام عليه السلام الّذين سيحكمون المجتمع.

  • حلّ إشكاليّة حول تفضيل النبيّ والأئمّة على سائر الخلق

  • السؤال الثالث: لماذا فضّل اللهُ النبيَّ وعترته على سائر الخَلق قبل خلقهم ؟ وهل في ذلك – والعياذ بالله – ظلم لغيرهم مِنَ الناس ؟

  • جواب سماحة السيّد:

  • [فيما يتعلّق] بمسألة تفضيل الله تعالى للنبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم وعترته قبل الخَلق؛ فإنّ حال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم والأئمّة عليهم السلام كحالنا دون أيّ فرق بيننا وبينهم .. والمقصود مِنَ الخَلق هو الخَلق الماديّ، ولكن لنا خَلق آخر وهو الخَلق المجرّد والخَلق الملكوتيّ؛ يعني قبل أن تتعلّق الأرواح بالأبدان كنّا في عالَم – غير هذا العالَم – وهو العالَم الربوبيّ يعني قبل الخَلق..

  • على ما أذكر أنّني بيّنتُ هذه المسألة قبل سنتين – بحسب الظاهر – في معرض بياني لمسألة الولاية التكوينيّة وكيفيّة ثبوت العوالم حتّى قبل عالم المادّة، وسأشرح وأفسّر هذه المسألة الآن بشكل مُجمل.

  • العوالم مِنَ العوالم الربوبيّة إلى عالَم الخَلق وسبعة عوالم، وهذا العالَم الأخير هو عالَم الدنيا المسمّى بعالَم المادّة، وقبل هذا العالَم يوجد عالَم هو علّة لعالَم المادّة وهو عالَم المثال، وبعده عالَم الملكوت السفليّ وبعده الملكوت العُلويّ وبعده اللاهوت وبعده الجبروت وبعده عالم الأسماء الكليّة والذات. والمهمّ في عالَم الدنيا أنّ كلّ شيء يُخلق فيه لا بدّ أن يمرّ عليه الزمان، ويوجد في مكان خاصّ؛ مثلًا إذا وُلِد زيد أو عمرو، يجب أن تكون هذه الولادة في زمان خاصّ ومكان خاصّ، فلا يولد هكذا في الهواء بدون زمان، وهذه المسألة يقينيّة وضروريّة. ولكن بالنسبة إلى خِلقته الواقعيّة فهل يحتاج إلى زمان ؟ يعني قبل أن يُولد في عالَم المادّة ألم يكن له أثرٌ أصلًا حتّى في سائر العوالم أم له أثر وله وجود في سائر العوالم ؟ [نعم له وجود في سائر العوالم] ولهذا نرى في المنام أنّ فلانًا سيولد بعد سنة، وإلّا فمِن أين لنا أن نرى ذلك وبأيّ دليل صحّ، والحال أنّ المنام يتحقّق. أو مثلًا تشاهدون ليلًا في الرؤيا الأمور الّتي ستحصل غدًا أو بعد أسبوع، وعين ما شاهدتموه في المنام [يقع] بلا تفاوت، فمِن أيّ جهة أتى هذا ؟ [فإن قيل العدم، قلنا:] العدم لا يمكن أن يُخبر عنه، والعدم والمعدوم غير موجودين، وحتّى الله تعالى لا يقدر أن يحكي عن العدم، كما هو الأمر بالنسبة إلينا، فالعدم يعني (غير معلوم)، العدم لا شيء، العدم يعني المعدوم يعني الشيء الّذي ليس له أثر، فكيف يمكن للشخص أن يحكي عنه ويخبر عنه ؟! فلا بدّ أن يكون لهذا الشي أثر، إلّا أنّ هذا الأثر مخفيّ بالنسبة لنا، ولكن لا يخفى في عالَم المِثال وعالَم الملكوت، والشخص الّذي يتّصل بعالَم الملكوت وعالَم المِثال يستطيع أن يحكي عن ذلك، أمّا نحن فلا نستطيع؛ فإن كنتم مثلًا تمتلكون نظارة أو شيئًا ترون مِن خلاله الأجسام البعيدة، ونظرتم بهذا الجهاز سترون مثلًا بقرة على بعد ۱۰ كيلومترات، والحال أنّ الشخص الّذي ينظر فقط بعينه لا يراها، فستراه يقول لك: لماذا تكذب، فأنا لا أرى بقرة. فتقول له: لا، بل البقرة موجودة. حتّى إذا اقتربت البقرة شيئًا فشيئًا ووقفت أمامه ورآها بعينه يصدّق حينئذ أن ذاك كان صحيحًا. فهذا الجهاز هو [مثال] لجهاز العبور عن المادّة والوصول إلى المِثال والملكوت، وهذا الجهاز يجب أن يكون بيد الأولياء لا بأيدينا، وإذا وفّق اللهُ شخصًا وأعطاه هذا الجهاز فسيرى كلّ ما لا يراه الناس، أمّا إن لم يكن عند الإنسان هذا الجهاز فلن يرى ذلك، وحينئذ يمكن أن يقول الناس أنّه كاذب ويمكنهم القول: لا نعلم، فقد يكون صادقًا.

  • أمّا بالنسبة إلى عالَم الملكوت فكلّ الأشياء موجودة فيه إلى يوم القيامة، وكلّ الأشياء ثابتة مِنَ الأزل وإلى الأبد. والمهمّ أنّنا إذا وصلنا إلى هذا العالَم فسنرى، وإذا لم نصل لن نرى. أمّا في حالة النوم وفي مرحلة خاصّة قد نصل إلى عالَم المِثال ونرى بعض الأشياء.

  • كنتُ قد ذكرتُ لكم منذ سنتين – بحسب الظاهر – أنّ [أحد] الرفقاء جاء إلى السيّد الوالد وقال: أنا أرى كلّ ما سيقع في سنة مثلًا أو أسبوع أو سنتين. وهو لم يكن يرى ذلك في الرؤيا بل بالمكاشفة، ولم تكن كلّ تلك الأمور مُسِّرة ومُفرحة، بل كان في بعضها الموت مثلًا والقتل والسرقة والبلاء والمرض، فتبدّلت أفكاره [نتيجة ذلك]، وعندما رجع إلى السيّد الوالد وحكى له هذه القضيّة، قال له السيّد الوالد أنّ هذه الحالة لا تَلزمُك، فذهب عنه كلّ شيء [وزالت عنه هذه الحالة] وأصبح كسائر الأفراد، [فعندما] قال له أنّ هذه الحالة لا تَلزمُك وهي غير ضروريّة وغير مفيدة لك، كان قد تصرّف فيه وسلبه هذه الحالة فأصبح كسائر الأفراد [لا يرى تلك الأمور].

  • حسنًا فمِن أين [كان يرى تلك الأمور] ؟ وهو قد حكى لي قصّة [انكشفت] له بثانية أو ثانيتين، حيث قال: شاهدت أنّ الدولة ستقبض على فلان – لن أذكر اسمه لأنّكم قد تعرفونه – بعد سنتين وتزجّه في السجن لمدّة شهرين ويضربونه وكذا وكذا .. ثمّ قال: وبعد ذلك يخرج مِنَ السجن ويذهب إلى مشهد الرضا عليه السلام ثمّ يفرّ، وبعدها يعود إلى إيران، وبعد رجوعه إلى ايران تقبض عليه الدولة وتُرجعه إلى السجن، ثمّ تقتله بعد ثلاثة أيّام. [فقد حكى] كلّ هذه التفاصيل، وبعد مضي سنتين مِن إخباره هذه القصّة لي رأيته ... فقال لي: سيّد محمّد محسن تعال وانظر فقد أخذوا فلانًا. هل التفتّم، فهذه القصّة [الّتي أخبرني بها قبل سنتين] قد وقعت، وهذا التفصيل الأوّل منها – وهو لم يذكر جميع التفاصيل الّتي رآها – وبعد مدّة خرج ذلك الشخص مِنَ السجن وجاء إلى مشهد، وأنا رأيته عندما خرج مِنَ السجن، إذ الدولة كانت قد سمحت له أن يأتي إلى مشهد لتشييع جنازة والده ودفنه، وقالوا له أنّ عليه الرجوع إلى السجن بعد مدّة وأخذوا منه تعهّدًا على ذلك، وبعد وصوله إلى مشهد فرّ هاربًا إلى خارج إيران ... – وعند مجيئه إلى مشهد رأيته – وكان هذا التفصيل الثاني الّذي أخبرني به ذلك الشخص، وفراره مِن إيران كان التفصيل الثالث. وقد قال بعضهم أنّه فرّ إلى الخليج والبعض قال أنّه فرّ إلى أمريكا، أمّا الشخص [الّذي أخبرني بمكاشفته] قال أنّه فرّ إلى ألمانيا، فقالوا له: لا، كيف ذلك! فقال: سترون ذلك. وبعد شهر [مِن فراره] اتّصل إلى إيران وقال أنّه في ألمانيا، وهذا التفصيل [الرابع مِن مكاشفة ذلك الشخص]. وبقي ستة أشهر، وصدفة سمعنا أنّه رجع إلى إيران. فقلت أعاذنا الله مِن هذه القضيّة، فهي عجيبة، إذ كيف يمكن هذا – وهذا الشخص لم يُخبر أصدقاءه ماذا سيقع مِن بعدها – وبعد أسبوع سمعنا أنّهم استدعوا أقرباءه ليأخذوا جنازته وجثّته.

  • جميع هذه التفاصيل الّتي حكاها لي شاهدها في ثانيتين، فكيف يمكن أن يشاهد ذلك دون [أن يكون لها وجود في عالَم ما] ؟ [وما كان قد أخبر عنه وقع فعلًا] بعد سنتين، حيث أخذت المجريات تتبدّل شيئًا فشيئًا حتّى شاهد الجميع وقوع هذا الحدث، فكيف يمكن ذلك والسنتين لم يقعا بعد في حينها ؟ وكانت مسألة معدومة في حينها، فكيف يمكن ذلك ؟ فلا بدّ لنا أن نقول أنّ كلّ هذه التفاصيل كانت موجودة في عالَم المِثال وعالَم الملكوت، وهو قد شاهدها، ولكنّنا لم نشاهدها نحن، فكان علينا أن نصبر حتّى يأتي الزمان شيئًا فشيئًا ليرى الإنسان وقوع هذه الوقائع الماديّة على التوالي في زمانها، فيرى الواقعة الأولى في الثانية الأولى وبعد ثانية واقعة أخرى وبعد ساعة واقعة ثالثة وبعد أسبوع واقعة رابعة وهكذا شيئًا فشيئًا حتّى ينتهي إلى آخر الحدث. أمّا الأفراد الّذين وفّقهم الله تعالى ورفع عنهم الحُجب فهُم يرون أصل الواقع، أمّا المسائل الماديّة فهي أمور عاديّة يراها كلّ شخص. فالشخص الماديّ يرى بواسطة الزمان ولا يمكنه أن [يتعدّى] الزمان ويسارعه، أمّا ذلك الشخص فهو يمشي أسرع مِنَ الزمان لأنّه يرى أعلى مِنَ الزمان وما هو فوق الزمان.

  • فبالنسبة إلى الخَلق؛ الروايات الّتي تتحدّث عن أنّ الله تعالى فضّل النبيّ قبل خلقه، فالمقصود منها قبل خَلق المادّة؛ فكما أنّ لنا خَلقًا أعلى قبل خَلق هذه المادّة ثمّ أنزلنا الله تعالى في هذه الدنيا، فكذلك النبيّ، فإنّ الله تعالى خلقه ثمّ أنزله إلى الدنيا. وتفضيل النبيّ على سائر الأفراد [كان] بسبب فعاله وتكاليفه وأعماله في هذه الدنيا، فعندما رأى اللهُ تعالى أنّه يعمل في هذه الدنيا [بما يُرضي الله] أوجب تفضيله على سائر الأفراد. كما هو الحال الآن حيث نقول: قد فضّل الله هذا الشخص على ذاك قبل أن يخلقه فهذا [كلام] صحيح، فهذا الأصل لا يختصّ بالنبيّ، بل كلّ شخص يولد في هذه الدنيا كان موجودًا في ذاك العالَم، وهو بلحاظ فعله ودرجته وتكاليفه في هذه الدنيا كتب اللهُ تعالى اسمه بأنّه أفضل مِن ذاك ومفضّل عليه. وهذه مسألة عامّة لا اختصاص للنبيّ والأئمّة عليهم السلام بها.

  • الظاهر أنّ الوقت قد تأخّر، وما زالت هنا بعض المسائل والأسئلة، سنكون بخدمتكم فيها إن شاء الله تعالى إن وفّقنا للمحاضرة الآتية .. يمكن أن نجيب على هذا السؤال البسيط .. ولكن هذه الأسئلة تحتاج إلى شرح، فإن شاء الله نكون [في خدمتكم] في المحاضرة الآتية.۱٥

  • والسلام عليكم ورحمة الله

  • اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد