/ ۱٩۲

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

1

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

6
  • [المدخل]

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

7
  • قال رسول اللَه صلّى اللَه عليه وآله وسلّم:

  • «كلُّ مَوْلُودٍ يولَدُ فَهُوَ عَلَى الفِطْرَةِ وَ إِنّمَا أبَواهُ يهوِّدَانِهِ أو ينَصِّرَانِهِ»

  • تصحيح اعتقادات الامامية ص 61

  •  ** *

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

15
  • بِسْمِ اللَهِ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ

  • تمثّل هذه الرسالة القيمة التى نضعها بين يدى القارئ العربى، بحثًا فقهيا تخصّصيا حول فرعٍ مهمٍّ من فروع الفقه الإسلامى، له تأثيرٌ عملى على حياة الإنسان المسلم فى العصر الحاضر، وتحديدِ حكم الإنسان- مطلق الإنسان- لناحية الطهارة الذاتية. والرسالة من تأليف سماحة آيةالله الحاجّ السيد محمّد محسن الحسينى الطهرانى دامت بركاته، وهى تمثّل نتاج بحوثه الفقهية التى ألقاها فى دروس البحث الخارج فى مدينة قمّ المقدّسة. ولمّا كان موضوع هذه الرسالة يمسّ القارئ العربى بشكلٍ مباشرٍ، خاصّةً أنّه لم يعد هناك بلدٌ ليس فيه أتباع للأديان المختلفة؛ لذا بادرت لجنة ترجمة وتحقيق «دورة علوم ومبانى الإسلام والتشيع» بتعريبها وتحقيقها وتقديمها للقارئ العربى لتعمّ الفائدة منها.

  • وهنا نودّ أن نلفت عناية القارئ الكريم إلى بعض الملاحظات والتنبيهات حول عمل اللجنة فى هذه الرسالة:

  • أوّلًا: إنّ أصل هذه الرسالة مع جميع هوامشها هو باللغة الفارسية، وقد قامت اللجنة بتعريبها. وهنا تجدر الإشارة إلى أنّ الكتاب كان قد ترجم سابقًا وطبع بالعربية، ولكن اللجنة ارتأت إعادة الترجمة من أساسها، دون تعديل الترجمة السابقة. ومن هنا فهذه الترجمة هى ترجمة جديدة للكتاب وليست تعديلًا للترجمة السابقة، فاقتضى التوضيح.

  • ثانيا: قامت اللجنة بمراجعة وتحقيق التخريجات التى كانت موجودة فى النسخة الفارسية المطبوعة من الرسالة وفى حال كان هناك إضافة إلى أصل التخريج الموجود فى الأصل الفارسى فقد وُضِع بين معقوفتين [..] للتنبيه على أنّه من قبل اللجنة، كما وأضافت اللجنة بعض التخريجات التى رأت أنّها ضرورية فى الهامش، هذا بالإضافة إلى بعض الهوامش التوضيحية، التى أضافتها اللجنة وليست من قبل المؤلّف المحترم، وقد أشرنا إليها بالرمز (م).

  • لجنة ترجمة وتحقيق

  • «دورة علوم ومبانى الإسلام والتشيع»

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

17
  •  

  •  

  • تمهيد

  •  

  •  

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

19
  •  

  •  

  • بِسْمِ اللَهِ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ

  • الحمدُ للّه ربّ العالمين

  • وصلّى الله على أشرف خلقه وسيد بريته

  • محمّدٍ وآله أجمعين

  •  

  •  

  • تُمثِّل هذه الرِّسالة التى نُقدّمها للقرّاءِ المُحترمين، حصيلة المباحثات والدّروسِ التى طرحناها حول موضوعِ «طَهارة الإِنسان» سَنة ألفٍ وأربَعمائة وعشرين للهجرة، فى بلدةِ قُم الطيبة حوزة العِلم والدراية وفقهِ آلِمحمّد.

  • لقد وقعت مسألة طهارة الإنسان ونجاسته منذ القديم محلّاً للبحث والنّقد بين فقهاء الشّيعة العظام؛ فأفتى جَمعٌ منهم بنَجاسة جميع أَفرادِ البَشر باستثناء المُسلمين، فى حين أدخلت مجموعةٌ أخرى أهل الكتاب فى هذا الاستثناء، إلّا أنّ عددًا قليلًا من الفقهاء، ذهب إلى أنّ نجاسة المخالفين من أى فرقةٍ أو فئةٍ كانوا، إنّما هى نجاسةٌ باطنيةٌ وليست نجاسة ظاهرية واصطلاحية، لكنّنا نعتقد بانّ البحث حول هذه المسألة لم يكن كافيا، والتحقيق فيها لم يكن وافيا.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

20
  • وبالنظر إلى أهمية المسألة، خصوصًا فى العصر الحاضر، وبالنظر إلى ما يحصل من الهجمات ضد المَبادئ الإسلامية الشّامخة مِن قبل المُعاندين والمُعارضين، خصوصًا فى هذا الموضوع البالغِ الأهمية؛ لذا فقد عزم الحقير على القيام بتحقيقٍ غير موسّع جدًا، بل فى حدود استطاعتى ولياقتى الفكرية، مع جمعٍ من الإخوة الفُضَلاء والأَخلّاء الروحانيين، مبتعدًا خلال البحث والتحقيقِ عن أى فرضية أو حُكمٍ مسبقٍ يتناول هذا الفرع الفقهى الهامّ. وبحمد الله ومِنّته، فقد تمّ هذا العمل الهام ووصل البحث إلى النتيجة المرجوّة، وقد وصلنا بواسطة التوفيقات والألطاف الإلهية إلى نتائج زاهرة، وفُتح أمامنا أُفقٌ جديدٌ من العِلم والمعرفة الفقهية، بعد أن كان الأمر يبدو صعب المنال بالنسبة لنا، وبعد أن كان التصوّر المطروح علينا فى السابق تصوّرًا آخر للمسألة.

  • لكن بالطبع، ينبغى أن نقرّ ونذعن بانّ الفقه الاجتهادى عند الشيعة كان ولا يزال يسمح ويجيز دائمًا لأتباع مذهب الإمامَة والولاية أن يبحثوا بكامل الحرية وبعيدًا عن أى جلبةٍ أو غوغاء، من أجل أن يصلوا من خلال متون الأدلّة وحجج الشرع المدوّنة إلى حاقّ الواقع وإلى حقيقة الأحكام ضمن حدود القدرة والطاقة البشرية، وعلينا أن نكون شاكرين للّه المتعال، وأن نستقبل مِنَنهُ وهَداياهُ بارواحنا وبسرّ وجودنا وسويدائه؛ على هدايته لنا إلى منهج الأولياء عليهم السلام ومذهبهم ولأنّه وضعنا على صراطهم المستقيم، أولئك الذين جعلوا شعارهم وأوامرهم ودساتيرهم لشيعتهم، اتّباع الحقِّ ومتابعةَ الواقعِ فى كلّ نطاقٍ أو ظرفٍ وفى كلّ رتبةٍ أو مجالٍ وفى

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

21
  • جميع الحالات والأطوار المختلفة للحياة. وهذا الأمر الدقيق هو سرّ موفقية الفقه الشيعى وسرّ تقدّمه المستمرّ، والسبب وراء تفوّقه على سائر المذاهب والأديان.

  • ومن البديهى أنّ لا يكون هذا الكتاب فى صدد رفض كلمات الفقهاء الكرام وفتاويهم أو الانتقاص منها أو من الجهود والمساعى القيمة التى بذلوها؛ لأنّ الجميع مأجورون ومحمودون فى إطار سعيهم للوصول إلى الأحكام الإلهية والبلوغ إليها.

  • ونأمل من المحقّقين الكرام والفضلاء المحترمين أنْ ينبّهوا الكاتب إلى مواضع النقد والنقص من خلال التدبُّر والتأمّل بما يستحقّه الموضوع فيمنّوا بذلك على بلطفهم وكرمهم، عسى أن يكون هذا النتاج المتواضع بادرةً تؤدّى إلى تقريب وجهات النظر المختلفة وتصحيح الآراء المبعّدة عن الحقّ، وأن تبعث على تحقيق الوحدة المرجوّة فى أفكار الأمم وثقافاتهم.

  • ومن الله التوفيق وعليه التكلان.

  • المشهد الرضوى المقدّس على ثاويه آلاف التحية والثناء

  • السيد محمّد محسن الحسينى الطهرانى

  • 14 محرّم الحرام 1423 هجرى قمرى

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

23
  •  

  •  

  • المُقَدِّمَةٌ فِى عَدَمِ تَأثِيرِ عَامِلَى الزَّمَانِ وَالمَكانِ عَلَى التَشْرِيعَاتِ الإلهِيةِ

  •  

  •  

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

25
  •  

  •  

  • بِسْمِ اللَهِ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ

  • وصلّى اللَه على سيد الأنبياء والمرسلين

  • محمّد وآله الطاهرين

  • ولعنةُ اللَه على أَعدائهم إلى يومِ الدّين

  •  

  •  

  • قَبل الدخول فى بحثِ طَهارةِ الأصناف المختلفة للإنسان ونجاستهم، لابدّ من مقدّمةٍ تبحث ولو باختصار حول مسألة تأثير عاملَى الزَّمان والمَكان على كيفية الاجتهاد وحركة استنباط الحُكم الفقهى، أو عدم تأثيرهما.

  • عدم تأثير الزمان والمكان على الاجتهاد عمومًا

  • المقدّمة الأولى: العلاقة الوثيقة بين الدين وفطرة الإنسان

  • إنّ عالم الخلق والظهور- بناءً لمدرسة التوحيد والوحى- يستند فى جميع مراتبه إلى المُبدع والفاعل الواحد الأحد، سواءً فى مرتبة الشهادة أم فى مرتبة الغيب، يعنى: يستند إلى الذات المجرّدة البسيطة على الإطلاق، والغنية عن الغير فى جميع مراتب الفعل والصفات والذات، والآية الكريمة: (أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ)1 دالّةٌ على إثبات هذا الاستناد المطلق، وكذلك الآية الشريفة: (وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ

    1. سورة الأعراف( 7)، الآية 54.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

26
  • لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ)1، وكذلك الآية الشّريفة: (وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ)2.

  • المقدّمة الثانية: فطرة الإنسان ثابتةٌ لا تتغير

  • وبناءً لهذه المدرسة، وحتّى بناءً للمدارس الإلحادية التى تنفى الصانع والمبدأ الأعلى، إنّ وجود الإنسان يقوم ويتركب على أسسٍ وقوانين دقيقةٍ ومجموعةٍ من الظواهر المختلفة والأمور المتنوعة سواءً أكان ذلك فى حقيقة الإنسان التى تمثّل نفسه الناطقة أم فى جسمه وظاهره الذى يمثّل مرتبةً نازلةً من مراتب تلك النفس؛ (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ)3. وهذا التركيب هو الذى يخرج حقيقة النفس الناطقة من حالة وحيثية الاستعداد والقوّة إلى حالة وشأنية البلوغ والكمال والفعلية. وقد عُبّر فى لسان الشرع عن تلك المجموعة من الظواهر وذلك التركيب بالفِطرة، قال تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)4.

  • ولا شك أنَّ هذه الأمور ثابتةٌ ولا تتغير، وأنّها من اللوازم التى لا تنفك عن الطّبيعة الإنسانية والنّفس النّاطقة للآدمى، بحيث إنّ ثبوت الموضوع مقتضٍ لثبوتها، كما أنّ نفى هذه اللوازم وعدم وجودها، يكشف عن زوال وانعدام تلك النفس الناطقة، وهذا المعنى هو الّذى أُشير إليه فى الآية الشّريفة حين قالت:

  • (لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ). والدّين هو نفس الحركة فى ظلّ المعايير والمِلاكات

    1. سورة العنكبوت( 29)، الآية 61.
    2. سورة الزخرف( 43)، الآية 9.
    3. سورة التين( 95)، الآية 4.
    4. سور الروم( 30)، الآية 30.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

27
  • الفِطرية وعدم إهمالها ولو فى موطنٍ واحدٍ من المواطن التى أُودعت فى الإنسان، وتعبير الآية الشّريفة: (ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) يحكى عن هذا المعنى.

  • المقدّمة الثالثة: ثبات فطرة الإنسان يستلزم ثبات الدين

  • ومِن هنا، لمّا كانت الفطرة الإنسانية ثابتةً لا تتغير عمّا هى عليه فى أصلِ الخِلقة، فإنّ الدِّين هو الآخر ثابتٌ لا يتغير؛ لأنّه يمثّل الكيفية لجميع أفعال المكلّفين وحركاتهم وتكاليفهم، أى: ينبغى للقواعد الكلية العامّة للدِّين وكذلك ينبغى للفروع أن تكون موضوعةً من أجل تحقيق الكمال والفعلية وفق الحاجة الفطرية للبشر بواسطة تلك المِلاكات الثابتة التى لا تتغير. ولذا تصرِّح الآية الشّريفة الواردة فى سورة الشّورى قائلةً:

  • (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَ ما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى وَ عِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَ لا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ)1

  • نعم يمكن وقوع بعض الاختلافات فى بعض فروع الأحكام، ففى سورة المائدة يقول تعالى:

  • (وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَ مُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَ لا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً وَ لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَ لكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ)2

    1. سورة الشورى( 42)، الآية 13.
    2. سورة المائدة( 5)، الآية 48.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

28
  • وقد عبّر أميرُ المؤمنين عليه السلام عن بعثة الأنبياء وحقيقة التّشريع بهذا النحو من التعبير:

  • «واصْطَفَى سُبْحَانَهُ مِنْ وُلْدِهِ1 أَنْبِياءَ أَخَذَ عَلَى الْوَحْى مِيثَاقَهُمْ، وعَلَى تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ أَمَانَتَهُمْ لَمَّا بَدَّلَ أَكثَرُ خَلْقِهِ عَهْدَ اللَّهِ إِلَيهِمْ؛ فَجَهِلُوا حَقَّهُ، واتَّخَذُوا الْأَنْدَادَ مَعَهُ، واجْتَالَتْهُمُ2 الشَّياطِينُ عَنْ مَعْرِفَتِهِ، واقْتَطَعَتْهُمْ عَنْ عِبادَتِهِ؛ فَبَعَثَ فِيهِمْ رُسُلَهُ، ووَاتَرَ إِلَيهِمْ أَنْبِياءَهُ لِيسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ، ويذَكرُوهُمْ مَنْسِى نِعْمَتِهِ، ويحْتَجُّوا عَلَيهِمْ بالتَّبْلِيغِ، ويثِيرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ الْعُقُول إلخ».3

  • النتيجة: استحالة تعارض الدين مع الملاكات الفطرية

  • ومِن هنا، فلا يمكن أن يتعارض أو يتناقض وجود وبعثة الحجج الإلهيين- الذين يعبّر عنهم بالعقل المُنفصِل- مع المِلاكات الفطرية للبشر وأصول تلك المبانى. وبعبارةٍ أخرى: إنّ انطباق التشريع مع كيفية التكوين، هو أصلٌ أولى وقاعدةٌ أولى مسلّمةٌ مفروغٌ عنها فى تدوين الأحكام.

  • الإشكالات على هذه النتيجة و الردّ عليها

  • الإشكال الأوّل: الاستدلال باية (لَا يسئَلُ عَمَّا يفعَلُ) على إمكانية التعارض، والردّ على الإشكال.

  • وأمّا ما يقال مِن أنّ قضية الخلق والتكوين كما أنّها منوطةٌ بمشيئة الله وإرادته، فكذلك مسألة التشريع- والتى هى عبارة عن جعلٍ من الجاعل واعتبارٍ من المعتبر لنحو التكليف- هى الأخرى خاضعةٌ لإرادة الله عزّ وجلّ واختياره، وله الحقّ فى أن يعتبر ما يشاء كيف يشاء، سواءً أوافق التكوين أم خالفه، وليس لأحدٍ أن يسأل، فهو قولٌ عارٍ عن الصحّة، ولا يرقى لمرتبة التحقيق.

    1. والضمير يعود إلى آدم عليه السلام الذي ورد ذكره قبل هذه الفقرة.( م)
    2. اجتالتهم: صرفتهم عن قصدهم.( م)
    3. نهج البلاغة( محمّد عبده)، ج 1، ص 23، الخطبة 1.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

29
  • وأمّا معنى الآية الشريفة: (لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ)1، فهو أنّ مسؤولية الإجابة على الأفعال هى على عهدة المكلّفين، وليست على عهدة حضرة الحقّ؛ لأنّ مقام المُكلّف فى قبال التكليف هو مقام الاختيار والانتخاب، أمّا مقام إرادة حضرة الحقّ عزّ وجلّ ومشيئته وفعله، فلا يقتضى أن يختار سبحانه أحدَ طرفى الوجود والعدم على أساس الأرجحية ورعايةِ المصالح والمفاسد النفس الأمرية، ولا يستلزم انطباق الفعل على أساس تلك المصالح والمفاسد. وإنّما نفس إرادة حضرة الحقّ ومشيئته موجبةٌ ومولّدةٌ ومنشئةٌ للصلاح والرجحان، فالصلاح والفضيلة والخير هى أمورٌ منتزعة ومنبعثة من نفس فعلية أفعال الحقّ عزّ وجلّ، بعكس أفعال المكلّفين وتصرّفاتهم.

  • بل إنّ المقصود والمراد مِن انحصار مسألة التشريع والجعل واختصاصها بدائرة وحريم إرادة الله عزّ وجلّ، هو أنّه سبحانه وتعالى هو الأصل والمبدأ والفاعل لعالم الوجود؛ ولذا يجب حقًا وحقيقةً أن تكون حيثية المولوية وأن تكون شأنية التشريع منحصرتان باختياره ومشيئته عزّ وجلّ وذلك بناءً لمِلاك العقل والانطباق مع نفس الأمر. وهذه المسألة ليس فيها أى مقتضٍ يقتضى مخالفة التشريع مع التكوين وكيفيته، بل إنّ مقتضى الحكمة البالغة للحقّ عزّ وجلّ، ومقتضى كونه العلّة الغائية لخلق المخلوقات هو نفس ذلك البيان النفيس والشريف الوارد فى الكتاب المبين: (قالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى* قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى).2 أو

    1. سورة الأنبياء( 21)، الآية 23.
    2. سورة طه( 20)، الآيتان 49 و 50.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

30
  • الآية الشّريفة: (ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ).1 أو الآية الشّريفة: (قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ هُوَ يُطْعِمُ وَ لا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَ لا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).2

  • وبالتالى، فليس هناك إمكانية لأن تتخلّف الأحكام عمّا تقتضيه الخلقة والتكوين، وقطعًا ينبغى أن تكون نشأةُ جعلِ الأحكام التكليفية والوضعية وإنشائها- مِن ناحية اعتبارها وجعلها- منتزعةً من حيثية التكوين ونشأة الخلق؛ وذلك لكى يصبح بامكانها أن تستوجب حصول الفعليات والبلوغ إلى غايات العالم.

  • ومع ملاحظة هذا الأمر، فإنّ السبيل والطريق الذى يمكن أن يكون موصلًا إلى هذه الغاية، والذى يمكن له أن يكون مقدّمةً لحصول هذا الغرض، هو ذلك الطريق الذى لا يتنافى أو يتعارض مع غاية الفعل وغرضه، وكلّ أمرٍ مرضى للّه عزّ وجلّ وموافق لاختياره، فهو يكتسب قطعًا حيثية المُقدِّمِية والقدرة على الإيصال.

  • إشكالان آخران والردّ عليهما

  • وأمّا ما يقال: مِن أنّ الطريق قد يكون موصلًا إلى الواقع ونفس الأمر، ولكنّه مع ذلك غير مرضى للشارع ولا مجعولٍ من قبله، فهو كلام عارٍ عن التأمُّل والتحقيق.

  • وكذلك لا أساس أيضًا لِما يقال: من أنّ تنجيز الحكم من قبل الشارع إنّما يحصل بمجرّد اعتبار الشارع وبدون أن يكون له أى نوعٍ من التعلّق بالحيثية

    1. سورة هود( 11)، ذيل الآية 56.
    2. سورة الأنعام( 6)، الآية 14.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

31
  • التكوينية، وبدون أن يكون منطبقًا وموافقًا لحيثية الخلق عند المكلّفين فى ظروفهم المختلفة وحين صيرورتهم موضوعاتٍ لأحكام شرعية مغايرة.

  • وبملاحظة ما تقدّم فعندما يرتّب الشارع حكمًا على موضوعٍ من المواضيع، فمن المستحيل أن يتخلفّ ذلك الحكم عن ذلك الموضوع فى جميع الظروف والأزمان؛ لأنّ تلك المخالفة تستوجب عدم تحقّق الغرض الغائى وبالنتيجة سيكون ذلك جمعًا بين المتناقضين.

  • الإشكال الرابع: الزمان والمكان سببٌ لتغير الدين

  • الردّ عليه

  • ومن المسائل المطروحة فى هذه الأيام، مسألةُ «أثر الزمان والمكان على كيفية الاجتهاد وعلى استنباط الحكم الشرعى».

  • اختلاف آراء الفقهاء يعود إلى اختلاف خصائصهم الشخصية وليس للزمان والمكان

  • لا شك أنّه لمّا كان الفقه الشيعى- بناءً على أصل الاجتهاد- مستنبطًا مِن مصادرَ محدّدةٍ، ولمّا كان نفس الاستنباط مُبتنيا على النحو الذى يفكر به الفرد المستنبط وبناءً لتتبّعه ولخصوصياته الروحية والأخلاقية، ولمّا كان هناك مراتب مختلفة بين مختلف الأفراد فى حيازتهم وتمتّعهم بهذه الصفات والمعانى؛ لذا نرى أنّ فقهاء الشيعة الكرام لم يكونوا متّفقين أبدًا فى الآراء طوال الأزمنة المتعاقبة، وكان هناك على الدوام اختلاف فى الآراء، بل كثيرًا ما كان هناك تناقضٌ أيضًا. بل وفى كثيرٍ من الأحيان يكون لنفس الفقيه رأيان مختلفان فى نفس المسألة، ولكن فى فترتين زمنيتين مختلفتين. نعم، يستثنى بعض الفروع لكونها من ضرورياتِ الدين، فلا نشاهد فيها هذا الاختلاف، حتّى إنّنا نجد أنّ هناك أحكامًا مخالفةً للإجماع فى كثيرٍ من المواطن.

  • لكنّ هذه المسألة لا علاقة لها بمسألة الزمان والمكان؛ يعنى: لو افترضنا أنّ هؤلاء الفقهاء الذين لديهم آراء مختلفة فى الأزمنة المختلفة، اجتمعوا فى نفس الزمان وفى نفس الظروف، لاختلفوا فى الآراء والفتاوى أيضًا، تمامًا كما

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

32
  • هو مشهودٌ بالنسبة لفقهاء العصر الواحد بما هو أظهر من الشمس، وهذا الأمر يبرز أكثر فى مسألة القضاء وأمور الحكومة والمسائل الاجتماعية على الخصوص، وليس فى الأمر ما يثير العَجَب. وعلى الرغم من ذلك، فجميعهم مثابٌ ومأجورٌ.

  • التصوير الأوّل لدخالة الزمان والمكان فى استنباط الحكم ولوازمه الباطلة

  • أمّا لو أرجعنا مسألة تعلّق الأحكام والاستنباط إلى العِلية الفاعلية للزمان والمكان، وليس إلى علّيتهما الصورية والإعدادية1، فلا محيص من الإذعان بمسألة نسخ الشريعة، وتحوّل الشريعة الحقّة إلى آراءٍ مبتدعةٍ، ولا بدّ مِن الاعتقاد بتبدّل الأحكام الأبدية ليحلّ محلّها دينٌ جديدٌ، وبالتالى نفى خاتمية الشريعة؛ لأنّه عندما نعتقد بهذا الأمر [أى: كون الزمان والمكان علّةً فاعلية للأحكام]، فلن يبقى أى أصلٍ ثابتٍ لا يتغير فى الشريعة إلّا وسيغدو فى أى فرصة من الفرص مشمولًا بقاعدة النسخ والنسيان ومرور الزمان، ولن يبقى حينئذٍ حجرٌ على حجرٍ، ولن يبقى من الإسلام اسمٌ ولا رسمٌ، وعلى الإسلام السلام.

  • ينبغى على المعتقدين بهذه النظرية أن يلتفتوا إلى أنّه: ما هو التغير أو التحوّل الذى قد حصل فى البناء الوجودى للبشر من الناحية الظاهرية أو

    1. يمكن تصوير دخالة الزمان والمكان في استنباط الحكم بنحوين: الأوّل: أن يكونا علّةً فاعليّةً لنفس جعل الحكم، وهنا كلّما تغيّر الزمان أو المكان سوف يتغيّر أصل الحكم المجعول، وهذا التصوير يستلزم عددًا من اللوازم الباطلة التي بيّنها سماحة الكاتب المحترم بنحوٍ مختصرٍ.
      وأمّا التصوير الآخر لهذه الدخالة، وهو الذي سيتعرّض له بعد قليل: بان يكون الزمان والمكان عبارة عن عللٍ صوريّة أو علل معدّة فقط لتحقّق موضوعات الحكم، فهذا التصوير لا يلزم منه تلك اللوازم الباطلة على ما سيوضّحه سماحته في السطور الآتية.( م)

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

33
  • الروحية، بحيث وجدوا أنفسهم مُلزمين أن يطرحوا ويبتدعوا ظاهرة التحوّل والتكامل1؟! فهل اختلف وزن الإنسان فى هذا الزمان عنه زمن نزول الوحى؟! أم هل حصل أى تبدّل فى بنية جسم الإنسان؟! أم هل حصل أى اختلافٍ فى الصفات والغرائز والخصوصيات الروحية عن ذلك الزمان؟! أم هل ازدادت قدرة الفكر البشرى وقدرتهم على إدراك المصالح والمفاسد النفس الأمرية عن مدركات السابقين؟

  • بل ينبغى الإقرار والإذعان بانّ الأمر كان على العكس من ذلك فى العديد من الموارد المذكورة، والآية الشريفة (لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ)2 تنطق بمفادها وتفصح عن معناها وتعين مصداقها بنحوٍ واضحٍ.

  • إنّ النفس البشرية فى عصرنا الحاضر، غارقةٌ فى مستنقعات الأهواء الشيطانية والصفات الحيوانية المنحطّة تمامًا كحالة البشر فى القديم، وها هو مارد الاستبداد والأنانية والحرص والطمع والشهوة يبرز كلّ يومٍ بمظهرٍ جديدٍ من مظاهر السَبُعية والشراسة والاستيلاء والشهوة والغضب ويتحفنا بتُحفةٍ من تحفه حتّى بيض وجوه الماضين.

  • فالاستيلاء على النفوس والأملاك والأعراض مازال كما كان فى الماضى، وهو مستمرٌّ يكمل طريقه لكن بنحوٍ عصرى تمامًا من خلال استعمار الشعوب والأمم واستثمار ثرواتهم بل باستحمارهم أيضًا، وبسرعةٍ فائقةٍ. وقد غدت وحشية القتل والنهب والإغارة والاستيلاء على الأموال أبشع وأخطر بالاف المرّات عن السابق، وقد أمست ساحة الحياة الوسيعة ضيقةً وخانقةً بالنسبة

    1. أي: التحوّل والتكامل في الشريعة والمعرفة الدينيّة.( م)
    2. سورة الروم( 30)، مقطع من الآية 30.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

34
  • للإنسان العاقل والمتحضّر والهادف، بسبب النفوس السلطوية والمتنمّرة التى لا تملك ضميرًا أو وجدانًا حيا. إنّ الاستثمارات الثقافية التى برزت فى أغلب مجالات التكنولوجيا وفى التنوّع الحاصل فى المسائل المعيشية الثقافية وفى الدعاية والإعلام المسموم والهدّام لبُنية القِيم الأخلاقية، مرعبةٌ جدًا وموحشةٌ جدًا بالنسبة لضمائر وقلوب العقلاء والمثقّفين لجميع الأمم إلى الحدّ الذى صاروا معه لا يتصوّرون أنّه مازال بالإمكان إصلاح ما يجرى أو تغييره أو تحسين الأوضاع الراهنة.

  • ومن أين نشأت كلّ هذه الفظائع؟ هل لها منشأ آخر غير النفس الأمّارة والصفات البهيمية والخصائص المنحطّة والموبقة والمهلكة التى عند هؤلاء؟!

  • يقول الله عزّ وجلّ فى الآية الشّريفة السابعة والعشرين من سورة الأعراف:

  • (يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَ قَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ).

  • وفى هذه الآية إشارة إلى كيفية إضلال الشياطين واستيلائهم على نفوس البشر، وقد بدأت واستمرّت هذه السُنّة منذ أن خُلق آدم، وستبقى إلى يوم القيامة.

  • وبناءً على ذلك، فمع الالتفات إلى خاتمية رسالة الرسول الأكرم، وبيانه للأحكام الملزمة وغير الملزِمة، وبقاء المحلّلات والمحرّمات إلى يوم القيامة، لن يبقى هناك أى موطنٍ لهذا النحو من التفكير.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

35
  • التصوير الثانى لدخالة الزمان والمكان فى استنباط الحكم

  • أمّا إذا كان المراد من تأثير الزمان والمكان، هو تأثيرها على سبيل العلل المعدّة وكونها شرطًا لتحقّق الموضوعات؛ بحيث تكون الحوادث والأمور الواقعة فى زمنٍ من الأزمان أو فى مكانٍ من الأماكن موجبا لحصول تغيرٍ وتبدّلٍ فى المبادئ والظروف المحقّقة للموضوع، فطبعًا سيكون الحكم على ذلك الموضوع مبنيا على أساس الأحكام الكلية والمِلاكات الكلية.

  • ومن باب المثال: إنّ الدم نجسٌ عند الشارع المقدّس، وشربه حرامٌ، وبالطبع كان بيعه وشراؤه حرامٌ أيضًا. ومن البديهى أنّه لم يكن هناك فى زمان الشارع أى أثرٍ أو منفعةٍ عقلائيةٍ تترتّب على استخدام الدمّ؛ ولهذا فإنّ العقلاء كانوا لا يجدون أى فائدةٍ عقلائيةٍ تترتّب على استخدام الدمّ فى ذلك الزمان بناءً لهذا الأساس- أى على أساس نجاسة الدم العينية التى تمّ جعْلُها والحُكم بها من قبل الشارع- فكانوا يرون المعاملة التجارية فى الدماء من بيعٍ أو شراءٍ لغويةً وفعلًا عبثيا، والشارع حرّمه أيضًا.

  • أمّا فى هذا الزمان، فقد أضحى الدمّ واحدًا من أهمّ الموادّ الحياتية وأكثرها ضرورةً من أجل بقاء الحياة واستمرارها، وذلك بسبب تطوّر الصناعة ورقى علم الطبّ، وقطعًا هى من المصاديق البارزة لمقدّمات وأسباب الحكم بوجوب حفظ النفس المحترمة عند الشارع، ولن تتمّ مراعاة هذا الحكم إلّا من خلال بيع الدم وشرائه واستخدامه من قبل مَن يحتاجه مِن المرضى. وبملاحظة هذا الأمر، نجد أنّ ملاك المنع عن إجراء المعاملة التجارية على الدم- وهو لغوية المعاملة وعدم قابلية الاستفادة من الدمّ- قد زال، فدخل ضمن المنافع المشروعة والمحلّلة، لكنّ حكمى نجاسة الدم وحرمة شربه باقيان على حالهما.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

36
  • مثال آخر: مسألة السبق والرماية، واختلاف آلاتهما وأدواتهما فى مرحلتين من الزمن.

  • مثالٌ آخر: استعمال الكحول ومواطن استعماله فى زمنين مختلفين، وهكذا ....

  • نتيجة الردّ

  • بناءً على ذلك، طبقًا لقانون ترتّب الأحكام على الموضوعات، فإنّه فى كلّ موطنٍ يتحقّق فيه موضوعٌ من المواضيع بناءً على اجتماع ظروفٍ وقيودٍ مخصوصةٍ، فبالطبع سيصبح الحكم الذى يقتضيه ذلك الموضوع مترتّبا عليه أيضًا. وفى مثال الدمّ، لو أنّ هذه الظروف والأرضية المساعدة للاستفادة من الدمّ التى نجدها فى زماننا الحاضر، كانت موجودةً فى زمن رسول الله، لحكم رسول الله قطعًا بجواز الاستفادة منها للمرضى وفى سائر الاستخدامات العقلائية التى نراها فى عصرنا الحالى فى المستشفيات والمختبرات، ولأجاز بيعه وشراءه؛ ولو زالت بعض الشروط والظروف التى مكنت من هذه الاستخدامات فى عصرنا الحالى أو فى بعض الأمكنة، فسيصبح شراؤه وبيعه حرامًا فى ذلك المكان قطعًا.

  • عدم ارتباط البحث حول طهارة الإنسان بالظروف المعاصرة

  • وإذا التفتنا إلى المسائل المذكورة، يتّضح أنّه لا وجود لمسألةٍ تُسمّى «الزمان والمكان وتأثيرهما فى كيفية الاستنباط»، فالأمر المهم والمؤثّر هو تبدّل ظروف موضوعات الأحكام وشروطها وقيودها ومخصِّصاتها ومعيناتها، وهذه الموضوعات يمكن أن تتحقّق فى زمنٍ من الأزمان، ثمّ تتبدّل فى نفس ذلك الزمن وتلك الفترة أيضًا، ثمّ تعود نفس الظروف السابقة كما كانت. وليس الاجتهاد إلّا تبيين الموضوع وتطبيقه على الأصول الكلية للأحكام وكيفية الإدراك الأقرب إلى الواقع وإلى مصدر وحى أدلّة الأحكام.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

37
  • وتقسيم الاجتهاد إلى: اجتهاد تقليدى، واجتهاد حيوى، هو تقسيمٌ غير صحيح. ففى الواقع، إنّ العمل الذى يقوم به المجتهد، هو أنّه يقوم بتشخيص الموضوع وتحديده بنحوٍ صحيحٍ فى المرحلة الأولى، ثمّ تحصيل الفهم الدقيق للمغزى الذى تفيده مصادر أدلّة الأحكام، وفى النهاية القيام بتطبيق الحكم الوضعى أو التكليفى على الموضوعات. وإذا ما صار مجبورًا على الإفتاء بخلاف حكمه الاجتهادى فى موضوعٍ من الموضوعات بسبب الحرج، أو بسبب عنوانٍ آخر من العناوين الثانوية، فإنّه يجب عليه أن يسلّم ويحكم بالحكم الأوّلى عند ارتفاع ذلك العنوان الثانوى، وعليه أن يأمر الناس به ويرجعهم للعمل طبقًا له.

  • ومن الجيد الالتفات إلى أنّ المسألة التى نحن بصدد البحث فيها، والتى سيتم النقاش والنقض والإبرام حولها، هى واحدة من الموارد التى ذكرت فى مسألة تأثير موضوع الزمان والمكان؛ وذلك بسبب الظروف الراهنة، وما حصل من العلاقات بين الأمم المختلفة مع ما لديهم من اختلاف فى الأديان والمذاهب، وكيفية تلقّى هذه العلاقات، وضرورة الانسجام والتقريب بين الأديان فى سبيل الحركة نحو وحدةٍ حقيقية، كما أشارت إليها الآية الشريفة:

  • (قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَ بَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَ لا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَ لا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ)1

  • ومن الممكن أن يخطر فى بال الفقيه بانّه إذا كان هناك ما يمنع ويسدّ الطريق عن الوصول إلى هذا الهدف وهذه الغاية المقدسة [أى الوحدة]، فإنّه يمكن له أن يرفع تلك الموانع الاحتمالية من خلال الاعتماد على ذلك الأصل

    1. سورة آل عمران( 3)، الآية 64.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

38
  • الموهوم المذكور [أى: تأثير الزمان والمكان فى تغير الحكم]، وكثيرًا ما يجعل منزلته [أى: الأصل الموهوم] ومرتبته التى يرى أنّها مندرجة تحت العنوان الثانوى فى منزلة ومرتبة تعلّق الأحكام الأولية.

  • إنّ هذه الرسالة تهدف إلى تبيين وتوضيح مسألة طهارة أهل الكتاب والمشركين أو نجاستهم بحسب المصطلح المتعارف، بعيدًا عن تأثير ودخول العوامل الجانبية والخارجية عن أصل المسألة؛ وببيانٍ آخر: هى بصدد العمل على التحقيق فى هذه المسألة والكشف عن حكمها كما كان فى زمان نزول الوحى، واستمرّ فى العصور التى عاش فيها زعماء الدين المبين الأئمّة المعصومون عليهم السلام، وذلك من آفاق متنوّعة للبحث والنظر.

  • وعلى الله التوكل وبه الاعتصام

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

39
  •  

  •  

  • الفَصْلُ الأَوَّلُ: حَقِيقَةُ النَّجَاسَةِ وَأقْسَامُهَا

  •  

  •  

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

41
  •  

  •  

  • بِسْمِ اللَهِ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ

  •  

  •  

  • النجاسة لغةً

  • مادّة «نجس» فى اللّغة بمعنى القذارة وعدم النظافة. قال فى «لسان العرب»:

  • «النَّجْسُ والنِّجْسُ والنَّجَسُ: القَذِرُ من الناس ومن كل شىء قَذِرْتَه. ونَجِسَ الشىءُ بالكسر، ينْجَسُ نَجَساً، فهو نَجِسٌ ونَجَسٌ، ورجل نَجِسٌ ونَجَسٌ ....

  • وقال أَبو الهيثم فى قوله: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ)1؛ أَى أَنْجاسٌ أَخباث ....

  • وفى الحديث عن الحسن فى رجلٍ زنى بامرأَةٍ تزوجها، فقال: «هو أَنْجَسَها وَهُو أَحقُّ بِها».

  • والنَّجِسُ: الدَّنِس. وداءٌ نجِسٌ وناجِسٌ ونَجِيسٌ وعَقامٌ: لا يبرأُ منه ....

  • والنَّجْس: اتخاذ عُوذَةٍ للصبى، وقد نَجَّس له ونَجَّسَه: عَوّذَه ...، و النِّجاس: التعويذ ....

  • قال ثعلب: قلت له (لابن الأعرابى): «المُعَوَّذ» لِمَ قيل له «منَجَّس» وهو مأْخوذ من النجاسة؟ فقال: إِنّ للعرب أَفعالًا تخالف معانيها

    1. سورة التوبة( 9)، مقطع من الآية 28.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

42
  • أَلفاظها، يقال: فلانٌ يتنجس إِذا فعل فعلًا يخرج به من النجاسة كما قيل يتَأَثَّم ويتَحَرَّجُ ويتَحَنَّثُ إِذا فعل فعلًا يخرج به من الإِثْمِ والحَرَج والحِنث».1

  • وكذلك ورد فى مادة «قَذِرَ» فى «لسان العرب» ما يلى:

  • «القَذَرُ: ضدّ النظافة؛ وشىءٌ قَذِرٌ: بَينُ القَذارةِ ....

  • وفى الحديث: (اتقوا هذه القاذُورةَ التى نهى الله عنها)؛ قال خالدبن جَنْبَةَ: القاذورة التى نهى الله عنها الفعل القبيح واللفظ السىء؛ ورجلٌ قَذُرٌ قَذِرٌ وقَذْرٌ. ويقال: أَقْذَرْتَنا يا فلان أَى أَضْجَرْتَنا. ورجل مَقْذَرٌ: مُتَقذِّرٌ ....

  • يقال: قَذِرْتُ الشىء أَقْذَرُه، إِذا كرِهْته واجتنبته ...، القاذورة من الرجال الفاحش السيئ الخُلُق، والقاذورة من الرجال: الذى لا يبالى ما قال وما صنع ....

  • ورُوى أَن النبى صلّى الله عليه [وآله] وسلّم كان قاذُورةً لا يأْكل الدجاج حتى تُعْلَفَ. القاذورة هاهنا: الذى يقْذُرُ الأَشياءَ، وأَراد بعَلْفِها أَن تُطْعَم الشىءَ الطاهر، والهاء للمبالغة.

  • وفى حديث أَبى موسى فى الدجاج: رأَيته يأْكل شيئًا فَقَذِرْتُه؛ أَى: كرهتُ أَكله كأَنّه رآه يأْكل القَذَر ....

  • ولمّا رَجَمَ النبى، صلّى الله عليه [وآله] وسلّم، ماعِزَ بن مالك قال: اجتنبوا هذه القاذورة، يعنى: الزنا».2.

    1. لسان العرب، ج 6، ص 266.
    2. المصدر السابق، ج 5، ص 80 و 81.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

43
  • حقيقة النجاسة وأقسامها

  • بملاحظة ما ذُكر مِن المعانى المُختلفة والمصاديق المتعدّدة للفظى النجس والقَذر، نستنتج أنّه كان لِلَفظ «النجس» فى الماضى مصاديق ومعانى مختلفة.

  • فمن جهةٍ، يمكن أن يكون المراد من النَّجِس فى بعض المصاديق المذكورة، نفس ذلك المعنى الاصطلاحى [فى الفقه] أى: القذارة الخَبَثية.

  • ومِن جهةٍ أخرى، قد يكون المراد منها فى بعض الموارد الأخرى: الكدورةُ النفسانية وخُبث السريرة، كما هو مستفادٌ من حديث الحسن البصرى، لأنّنا نقطعُ أنّ المراد من عبارة: «هو أنْجَسَها» لا يمكن أن يكون بمعنى أنجسها بالقذارة الخبثية [أى: بماء الرجل]؛ لأنّه لن يكون هناك فى هذه الصورة أى فرقٍ بين الزنا والنكاح الشرعى.

  • كما يطلق لفظ النجس من جهةٍ أخرى على المرض الذى يصعب علاجه أو الذى يستحيل علاجه، وقد مثّل له ب «داءٌ نجسٌ وعَقامٌ».

  • ويستعمل هذا اللفظ من جهةٍ أخرى فى الحِرز والعَوْذة أيضًا.

  • وعلى الرغم من أنّ موارد الاستعمال مختلفة عن بعضها تمامًا؛ لأنّ مصداق النجاسة الخبثية لا يتلاءم أبدًا مع النجاسة الباطنية وخُبث السريرة، مثلما ورد فى حديث الزنا المذكور، كما أنّه لا يوجد أى تناسبٍ أبدًا بين المرض غير القابل للعلاج مع الحرز والعوذة؛ ولكن إذا دققنا النظر، سوف يغدو واضحًا أن جميع مصاديق لفظة «نجس» واشتقاقاتها، إنّما تعود إلى معنى واحدٍ، وهو: التنفّر والاشمئزاز، يعنى مفاد ومعنى: «ما يتنفّر عنه الطبع ويطرده» المأخوذ فى جميع مصاديق النجس، ومآل جميع هذه المفاهيم المتّخَذة من لفظة «نجس» يعود إلى هذه الحقيقة.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

44
  • فالمرض الممتنعُ العِلاج نَجِسٌ من جهة أنّه مصداقٌ واقعى وحقيقى لتنفّر الطبع، والناس يستوحشون منه أشدّ الاستيحاش، وإذا ما ذكروه، ذكروه بحالةٍ وبوجهٍ متنفّرٍ ومشمئزٍ.

  • كذلك الأمر بالنسبة لحكم الناس على الأفراد الخبثاء والأرجاس، لأنّهم صادفوهم فى أمورٍ منفّرةٍ أيضًا، وأمّا مصداق الحرز والعوذة فهو من باب تسمية علّة العدم باسم عدم المعلول، والمُؤثِّر باسم عدم الأثر؛ لأنّ الأمراض والبلايا والمصائب هى من الأمور التى تنفّر الناس فيفرّون منها، لذا فقد أطلقوا على العلّة الرافعة أو الدافعة لها اسم المعلول والأثر، كما يطلق على الأدوية لفظ الشفاء بالعناية.

  • ومن هنا يتّضح أنّه: حينما قام صاحب «لسان العرب» بتفسير معنى النجس بانّه الشىء القذر وغير النظيف، فقد فسّره بمعنى جامعٍ ومانعٍ لما للكلمة من معنى، وهو نفس مسألة إشراب المعانى المختلفة من حقيقة واحدةٍ وملحوظةٍ فى الجميع.

  • والآن، بعد أن اتضح أنّ معنى النجس عبارةٌ عن الأمر الخبيث والأمر الموجب لتنفّر الطبع واشمئزاز طبائع الناس، علينا أن نرى ما هو المصداق والمعنى الذى كان متعارفًا فى نظر الشارع المقدّس، وفى استعمال المتشرّعة لهذا اللفظ؟ وهل تغير معنى اللفظ فى زمان الشارع أو المتشرّعة عن المعنى الأصيل وعن الوضع الابتدائى الذى وضع له إلى المُصطلح الفعلى المعاصر وهو: النجاسة وعدم الطهارة الخبثية، بحيث إذا أراد مِن لفظ النجس سائر المصاديق الأخرى للقذارة، فإنّه يحتاج إلى

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

45
  • العناية وإلى القرينة الصارفة؟ أم أنّ معنى اللفظ بقى فى زمن حَمَلةِ الوحى والتشريع على نفس معناه ومفاده الوصفى الأوّلى، فلم يحدث أى تصرّفٍ جديدٍ فيه؟

  •  ** *

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

47
  •  

  •  

  • الفَصْلُ الثّانى: اسْتِعْمَالُ لَفْظِ «النَّجِسِ» فى عُرْفِ المُتَشَرِّعَةِ

  •  

  •  

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

49
  •  

  •  

  • بِسْمِ اللَهِ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ

  •  

  •  

  • هل خرج لفظ النجس فى الاستعمال الشرعى عن المعنى اللغوى؟

  • ليس هناك من شك فى أنّ لفظ «النجس» لم يخرج فى الاستعمال الشرعى عن المعنى اللغوى وموارد استعماله فى العرف؛ لأنّه فى العرف بمعنى القذارة والأمر المُنفِّر، سواءً كان هذا الأمر معنويا أم ظاهريا كما تقدّم، وأمّا ما قاله البعض: مِن أنّ استعماله فى القذارة الخبثية يتنافى مع القذارة الباطنية، فاعتبر أنّ هذا الاستعمال هو من باب الاشتراك اللفظى بين المعنيين المختلفين، فهو كلامٌ غير مبرّرٍ، بل [الصحيح] أنّه من باب اختلاف المصاديق مع المحافظة على حيثية الطبيعة النوعية؛ يقول الله عزّ وجلّ فى الآية الشريفة (28) مِن سورة التوبة التى نزلت فى المدينة المنوّرة: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا).

  • وينبغى الالتفات إلى أنّه رغم اختلاف الآراء والتفاسير حول مفاد هذه الآية، ورغم أنّ العديد من الفقهاء والمفسّرين حملوها على النجاسة الاصطلاحية، إلّا أنّ القرائن والشواهد الموجودة تدلّ على أنّ المراد من النجاسة هنا هو الخبث الباطنى، وعدم جواز دخول هذا النوع من الأفراد إلى هذا الحريم المُقدّس؛ ذلك لأنّه لا فرق بين المسجد الحرام والمساجد

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

50
  • الأخرى فى عدم جواز دخول النجِس إليها بالنظر إلى نفس النجاسة وبدون النظر إلى أى جهةٍ أخرى، مع أنّه كان هناك العديد من المساجد فى المدينة عند نزول الآية، ولذا فإنّ تخصيص عدم جواز الدخول وحرمته بالمسجد الحرام يقوّى هذا الاحتمال فى الذهن وهو أنّ الحكم بعدم الجواز كان حُكمًا سياسيا وليس طريقيا نفسَ أمرى.

  • والشاهد على هذه الفكرة: أنّه بمراجعة التاريخ يقطع الإنسان بهذا الأمر، وهو أنّ دخول المشركين والملحدين إلى المسجد الحرام فى زمان المعصومين عليهم السلام كان مسموحًا به، ولم يكن هناك أحدٌ يمنع دخولهم، وقد ذُكر فى الكتب أنّ محاججات بعض الأئمّة عليهم السلام مع الملحدين كانت تجرى فى نفس المسجد الحرام، كما سيأتى لاحقًا.

  • وبناءً على ذلك، إذا كان الارتكاز العُرفى فى هذه المسألة مبنيا على تحقّق النجاسة الاصطلاحية، وكانت حُرمة الدخول لهذا السبب، فما هو المبرّر الذى يمكن حينئذٍ أن يبرّر دخول هؤلاء الأفراد بدون أن يمنْعهم أحدٌ من المسلمين وخصوصًا الإمام عليه السلام؟!

  • ومن هنا، ينبغى إمّا أن يقال: إنّ المراد من «نَجَس» هو النجاسة الاصطلاحية، ولكنّ الأحكام المترتّبة عليها، تتعلّق بزمنٍ خاصٍّ وظروفٍ خاصّةٍ، وإمّا أن يكون المراد هو ذلك الخُبث الباطنى والقذارة النفسية والروحية، لا النجاسة الظاهرية والاصطلاحية.

  • استعمال لفظ النجس فى روايات العامّة

  • وممّا يؤيد هذا الأمر، أنّ المشركين كانوا يأتون إلى مسجد المدينة فى نفس زمان رسول الله.1

  • طهارة الإنسان ؛ ص51
    1. حسينى طهرانى، سيد محمد محسن، طهارة الإنسان، 1جلد، دار المحجة البيضاء - بيروت - لبنان، چاپ: 2، 1437 ه.ق.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

51
  • حيث ينقل فى «صحيح البخارى»، ج 1، ص 120: عن قتيبة قال حدثنا الليث قال حدثنى سعيد بن أبى سعيد أنه سمع أبا هريرة قال:

  • «بَعثَ النبى صلّى الله عليه [وآله] وسلّم خيلًا قِبَل نجدٍ فجاءت برجلٍ من بنى حنيفة يقال له: ثُمامة بن أثال، فربطوه بساريةٍ من سوارى المسجد ...»1.

  • وقد ورد فى روايةٍ أخرى أنّ رسول الله قال:

  • «أطلِقوا ثمامة، فانطلق إلى نخلٍ قريبٍ من المسجد فاغتسل، ثمّ دخل المسجدَ، فقالَ: أشهدُ أنْ لا إِله إِلّا الله وأنّ مُحمداً رسولُ الله ...»2.

  • وكذلك فى صفحة 74 هناك بابٌ فى أنّ المسلم والمؤمن لا ينجُس، وقد ذكر فيه:

    1. وقد وردت هذه القصّة في كتاب عوالي اللئالي، ج 1، ص 227 بهذا النصّ، قال: وَفِي الْأَحَادِيثِ أَنَّهُ صلّى الله عَليْهِ وآلِهِ أَرْسَلَ قِبَلَ نَجْدٍ سَرِيَّةً فَأَسَرُوا وَاحِداً اسْمُهُ ثُمَامَةُ بْنَ أُثَالٍ الْحَنَفِيُّ سَيِّدُ ثُمَامَةَ، فَأَتَوْا بِهِ وَشَدُّوهُ إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ. فَمَرَّ بِهِ النَّبِيُّ صلّى الله عَليْهِ وآلِهِ فَقَالَ: مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ فَقَالَ: خَيْرٌ، إِنْ قَتَلْتَ قَتَلْتَ وَارِمًا، وَإِنْ مَنَنْتَ مَنَنْتَ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ أَرَدْتَ مَالًا قُلْ تُعْطَ مَا شِئْتَ، فَتَرَكَهُ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئاً فَمَرَّ بِهِ الْيَوْمَ الثَّانِيَ، فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ مَرَّ بِهِ الْيَوْمَ الثَّالِثَ، فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَقُلِ النَّبِيُّ صلّى الله عَليْهِ وآلِهِ شَيْئاً، ثُمَّ قَالَ: أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ، فَأَطْلَقَهُ فَمَرَّ وَاغْتَسَلَ وَجَاءَ وَأَسْلَمَ وَكَتَبَ إِلَى قَوْمِهِ فَجَاءُوا مُسْلِمِين.
      هذا وقد استشهد العلّامة الحلّي بهذه الرواية على جواز مَنِّ الإمام على الأسير بعد تقضّي الحرب في كتابه نهج الحقّ وكشف الصدق، ص 520.( م)
    2. صحيح البخاري، ج 1، ص 118.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

52
  • حَدَّثَنَا عَلِى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يحْيى، قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَكرٌ، عَنْ أَبِى رَافِعٍ، عَنْ أَبِى هُرَيرَةَ أَنَّ النَّبِى صَلَّى اللهُ عَلَيهِ [وَآلِهِ] وَسَلَّمَ لَقِيهُ فِى بَعْضِ طَرِيقِ المَدِينَةِ وَهُوَ جُنُبٌ، فَانْخَنَسْتُ1 مِنْهُ، فَذَهَبَ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: «أَينَ كنْتَ يا أَبا هُرَيرَةَ» قَالَ: كنْتُ جُنُبا، فَكرِهْتُ أَنْ أُجَالِسَك وَأَنَا عَلَى غَيرِ طَهَارَةٍ، فَقَالَ: «سُبْحَانَ اللَّهِ، إِنَّ المُسْلِمَ لَا ينْجُسُ»2.

  • قد يشكك شخصٌ فى سند ووثاقة هذه الرواية؛ نعم هذا مُمكنٌ، لكنّ مقصودنا ومرادنا والنقطة التى نرومها من نقل هذه الرواية تَثبت حتّى على فرض عدم حصول الوثاقة فى الأصل المحكى وفى الواقعة، وهى أنّ لفظة النجس الواردة فى هذا الخبر لم ترد بالمعنى المصطلح قطعًا؛ لأنّ نفس أبى هريرة يعلم أنّ البول وأمثاله يؤدّيان إلى النجاسة الظاهرية للبدن، وبالنتيجة فينبغى غسلها، إذن فكيف ينقل عن رسول الله أنّ المؤمن لا ينجس؟! أفليس هذا إلّا لأنّ المراد من هذا اللفظ هو النجاسة الباطنية والقذارة الروحية وليس الظاهرية.3

    1. هكذا وردت في الرواية بضمير المتكلّم، ومعنى انخنستُ: مضيت عنه مستخفيًا.( م)
    2. صحيح البخاري، ج 1، ص 74؛ وقد جاء كذلك في كتاب المُصنَّف، ج 1، ص 119 اختلافٍ يسير.
    3. وردت عبارة« المؤمن لا ينجسه شيء» في كتب أصحابنا أيضًا، راجع: كتاب الكافي، ج 3، ص 21، وفي كتاب المحاسن للبرقي، ج 1، ص 133، حيث وردت فيه بهذا السند: عَنْهُ[ أي عن أحمد] عَنْ أَبِيهِ وَابْنِ أَبِي نَجْرَانَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنْ حَرِيزٍ عَنْ زُرَارَةَ وَ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عَليْهِ السَّلامُ، قَالَ:« الْمُؤْمِنُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيءٌ».( م)

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

53
  • وكذلك رُوى فى «المصنّف»، ج 1، ص 200، قال:

  • حدَّثَنا وَكيعٌ عَن مَسعَرٍ عَن واصِلٍ عَن أبى وائِلٍ عَن حُذَيفَةَ: إِنَّ النَّبِى صَلَّى اللَهُ عَلَيهِ [وَآلِهِ] وَسَلَّمَ لَقِيهُ وهُوَ جُنُبٌ فَأَعْرَضَ عَنْهُ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا ينْجُسُ»1.

  • وكذلك أورد فى «أحكام القرآن» للجَصّاص، ج 3، ص 115 ما يلى:

  • وَقَد رَوَى حَمّادُ بنُ سَلَمَةَ عَن حميد عَنِ الحَسَنِ عَن عُثمانَ بنِ أبى العاصِ: «إِنَّ وَفْدَ ثَقِيفٍ لَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَهِ صَلَّى اللَهُ عَلَيهِ [وَآلِهِ] وَسَلَّمَ ضَرَبَ لَهُمْ قُبَّةً فِى الْمَسْجِدِ. فَقَالُوا: يا رَسُولَ اللَهِ! قَوْمٌ أَنْجَاسٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَهِ صَلَّى اللَهُ عَلَيهِ [وَآلِهِ] وَسَلَّمَ: إنَّهُ لَيسَ عَلَى الْأَرْضِ مِنْ أَنْجَاسِ النَاسِ شَىءٌ، إنَّمَا أَنْجَاسُ النَّاسِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ».

  • من الممكن أن تُفسّر هذه الرواية وحملها على المعنى التالى، وهو: إن كان هؤلاء نجسين، فالنجس هو بدنهم، ولا علاقة للأرض وتنجيسها بالأمر، وبالتالى فلا مانع من بيتوتهم فى المسجد.

  • ولكن من المُمكن أن نحملها على معنى آخر، وهو: أنّ نجاستهم لا تصيب الأرض، وأنّ النجس هو أنفسهم وباطنهم، وهذا النوع من النجاسة غير قابلٍ للسراية إلى موطنٍ آخر. وباعتقادنا فإنّ هذا المعنى أدقّ وأقرب للواقع؛ لأنّ تنجيس المسجد حرامٌ شرعًا، وقطعًا إذا بات فردٌ نجسٌ فى أحد الأماكن، وبقى فى ذلك المكان عدّة أيام، فليس بالإمكان أن لا يترك أى أثرٍ

    1. ونظيرها ما جاء في شرح معاني الآثار( لأحمد بن محمّد بن سلمة)، ج 1، ص 13: ... وَقَدْ رَأيْناهُ صَلَّى اللَهُ عَلَيْهِ[ وَآلِهِ] وَسَلَّمَ قالَ: الْمُؤْمِنُ لَا يَنْجُسُ.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

54
  • أو تحصل سرايةٌ للنجاسة طوال هذه المدّة من خلال الغسل أو الرطوبة أو خروج العرق من بدنه، وهذه الأمور باعثةٌ على تنجيس المسجد، ولذا ينبغى أن نحمل هذا اللفظ الصادر عن رسول الله صلّى الله عليه وآله على ذلك المعنى من القذارة الباطنية والكدورة فى النفس؛ والله العالم.

  • نعم، لقد شكك البعض فى دلالة الرواية، واعتبر أنّ هذه الواقعة قد حصلت قبل نزول آية (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ)1، ولكنّ قليلًا من التأمل فى مدلول الرواية سوف يوضّح ضعف هذا التشكيك؛ لأنّ المسلمين صرّحوا بنجاستهم، مع أنّه قبل نزول الآية لم يكن هناك من حكمٍ بالنجاسة، حتّى النجاسة الباطنية والروحية، وبالتالى ينبغى أن نذعن أنّ المسلمين لم يكونوا قد فهموا النجاسة الواردة فى الآية بالشكل الصحيح، وحملوها على المعنى الاصطلاحى، فقام رسول الله صلّى الله عليه وآله عبر هذا البيان بتنبيههم على الاشتباه والفهم الخاطئ الذى وقعوا فيه، ومن ثمَّ حدّد لهم أحد مصاديق الآية.

  • استعمال لفظ النّجس فى روايات الخاصّة

  • وهناك أيضًا دلائل عديدة فى روايات الشيعة على استعمال لفظى «النجس» و «الطاهر» بمعنى النجاسة والطهارة النفسية والباطنية.

  • أوّلًا: الروايات المعبّرة عن النجاسة أو الطهارة بتعابير تدلّ على كونهما معانى مشككة

  • يروى المرحوم الشيخ الحرّ العاملى فى الجزء الأوّل من «الوسائل»، ص 219: عن بعض الأصحاب عن ابن جمهور عن محمّد بن القاسم عن ابن أبى يعفور عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال:

  • «لَا تَغْتَسِلْ مِنَ الْبِئْرِ الَّتِى تَجْتَمِعُ فِيهَا غُسَالَةُ الْحَمَّامِ فَإنَّ فِيهَا غُسَالَةَ وَلَدِ الزِّنَا وَهُوَ لَا يطْهُرُ إِلَى سَبْعَةِ آباءَ، وَفِيهَا غُسَالَةَ النَّاصِبِ وَهُوَ

    1. أحكام القرآن( للجصّاص)، ج 3، ص 115.( م)

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

55
  • شَرُّهُمَا. إِنَّ اللَهَ لَمْ يخْلُقْ خَلْقًا شَرًّا مِنَ الْكلْبِ وَإِنَّ النَّاصِبَ أَهْوَنُ عَلَى اللَهِ مِنَ الْكلْبِ».

  • ونَظيرُ هذه الرواية ما رُوى فى «عِلل الشّرائع» عن محمّد بن الحسن، ... [مُعنعِنًا] عن عبد الله بن أبى يعفور، الذى يروى عن الإمام الصادق عليه السلام، أنّه قال:

  • «وَإِياك أنْ تَغْتَسِلَ مِنْ غُسَالَةِ الْحَمَّامِ، فَفِيهَا يجْتَمِعُ غُسَالَةُ الْيهُودِى وَالنَّصْرَانِى وَالْمَجُوسِى وَالنَّاصِبِ لَنَا أَهْلَ الْبَيتِ وَهُوَ شَرُّهُمْ. فَإنَّ اللَهَ تَبارَك وَتَعَالَى لَمْ يخْلُقْ خَلْقًا أَنْجَسَ مِنَ الْكلْبِ وَإنَّ النَّاصِبَ لَنَا أَهْلَ الْبَيتِ أَنْجَسُ مِنْهُ»1.

  • وبملاحظة هاتين الروايتين ونظائرهما، سوف يتّضح أنّ المراد من النجاسة أو الطهارة فى الرواية السابقة لم يكن المعنى الاصطلاحى والفقهى؛ ذلك لأنّ لفظة «الطهارة» الوارد فى الرواية السابقة قد استخدمت فى مورد ولد الزنا، مع أنّ الإجماع قائمٌ على أنّ أولاد الزنا طاهرون وهذا من ضرورات الدين، ولا يترتّب عليهم أى نجاسةٍ عرضية [بسبب ولادتهم من الزنا]، وإنّما المراد من هذا اللفظ هو نوعٌ من الكدورة والانقباض الباطنى والمعنوى، وهو الأمر الذى يترتّب على التوالد والتناسل من غير طريقٍ شرعى، وهذا المعنى لا إشكال فيه.

  • ونلاحظ أيضًا فى هذه الرواية الثانية أنّ الإمام عليه السلام قد نهى الراوى عن الاغتسال فى ماءٍ اغتسل فيه اليهود والنصارى وغيرهم، مع أنّ هؤلاء

    1. علل الشرائع، ج 1، ص 292؛[ وفي وسائل الشيعة، ج 1، ص 220].

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

56
  • الجماعة محكومٌ عليهم بالطهارة الذاتية قطعًا كما سيأتى لاحقًا، ولو أنّ هناك شك تجاه البعض، فهو بالنسبة للمشركين فقط، وليس بالنسبة لهم.

  • وأمّا الأمر الذى يستحقّ الالتفات إليه فى هذه الرواية هو أنّ الإمام عليه السلام جعل الناصبى أنجس من الكلب، على الرغم من أنّ النجاسة [الاصطلاحية] ليست من المقولات والمفاهيم المشككة، والأحكام المترتِّبة عليها وعلى إزالتها لا علاقة لها بنجاسة المادّة، بل لها علاقة بخصوصية نفس المادة، مثلًا: فى مورد الكلّب، ينبغى أن تطهّر النجاسة [الحاصلة بوُلوغ الكلب فى الإناء] بالتراب أوّلًا، ثمّ تطهّر بالماء، وأمّا البول فيزال بالماء، وأمّا الغائط فتُرفع النّجاسة بخرقة أو بحجرٍ أو بشىءٍ آخر، وفى جميع هذه الموارد لا علاقة للطرق المختلفة من الإزالة باصل النّجاسة وإنّما يرجع الأمر إلى نفس مادّة النجس، وأمّا نفس عنوان النجاسة فلا يحتمل القلّة أو الكثرة ولا الشدّة أو الضعف، ولو كان لعنوان «شدّة النجاسة الظاهرية» أية مدخليةٍ أو أثرٍ فى الأحكام المترتبة عليه، لكان ينبغى أن نطهّر النجاسة الحاصلة من سؤر الناصبى أكثر من سؤر الكلب، لأنّ الناصبى أنجس من الكلب طبقًا لهذه الرواية، وَلمْ يقُل بِه أَحَدٌ.

  • إذن، فمراد الإمام من عنوان «الأكثر نجاسة» هو النّجاسة المعنوية والقذارة الباطنية اللتان لهما مراتب مختلفة من الشدَّة والضعف والقلّة والكثرة.

  • ثانيا: الروايات المعبّرة عن الأغلف والشيطان بانّهما نجسان

  • وقد ورد فى روايةٍ أخرى فى «الكافى» باب التطهير، ص 35، ما يلى:

  • «عَلِى، عَن أبيهِ، عَنِ النَّوفِلى، عَنِ السَّكونى، عَن أبى عَبدِ اللَهِ عَلَيهِ السَّلامُ، قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَهِ صَلَّى اللَهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: طَهِّرُوا

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

57
  • أَوْلَادَكمْ [أى: اختنوهم] يوْمَ السَّابِعِ فَإنَّهُ أطْيبُ وَأَطْهَرُ وَأَسْرَعُ لِنَباتِ اللَحْمِ، وَإنَّ الْأَرْضَ تَنْجُسُ مِنْ بَوْلِ الْأَغْلَفِ أَرْبَعِينَ صَباحًا»1.

  • وقد نُقلت هذه الرواية فى «التّهذيب» باب الولادة والنّفاس والعقيقة2، وفى «وسائل الشيعة» باب وجوب ختان الصّبى وجواز تركه3، وفى «بحار الأنوار» باب الختان والخفض وسُنن الحمل والولادة4.

  • كذلك روى فى كتاب «قرب الإسناد»5 روايةٌ شبيهة بهذه الرواية بسندٍ آخر عن ابن ظريف عن ابن علوان عن الإمام الصادق عليه السلام. وكذلك نُقلت فى كتاب «الخصال»6 بطريق آخر أيضًا. حيث يرويها الصّدوق عن أبيه عن على بن إبراهيم بن هاشم عن أبيه عن الحسينبن يزيد النّوفلى عن إسماعيل بن مسلم السّكونى عن الإمام الصادق عن آبائه.

  • والمورد الآخر هو الدعاء المروى عن رسول الله صلّى الله عليه وآله عند الدخول إلى بيت الخلاء.

    1. الكافي، كتاب العقيقة، باب التطهير، الحديث 2، ج 6، ص 35.
    2. تهذيب الأحكام، ج 7، ص 455.
    3. وسائل الشيعة، ج 21، ص 434.
    4. بحار الأنوار، ج 104، ص 108، مع اختلافٍ يسير.
    5. قرب الإسناد، ص 122،[ إلّا أنّه ورد فيها« اختنوا» بدلًا من« طهّروا»؛ و« لسبعة أيام» بدلًا من« يوم السابع»].
    6. الخصال، أبواب الأربعين، الحديث 6، ص 538،[ إلّا أنّه ورد فيها« ختّنوا» بدلًا من قوله« طهّروا»].

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

58
  • فقد ورَد فى «الوسائل» باب استحباب التسمية، وفى «من لا يحضره الفقيه» باب ارتياد المكان للحدَث:

  • «وَكانَ رَسُولُ اللَهِ صَلَّى اللَهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ إذَا أَرَادَ دُخُولَ الْمُتَوَضَّأَ قَالَ: اللَهُمَّ إنّى أَعُوذُ بِك مِنَ الرِّجْسِ النِّجْسِ الْخَبِيثِ الْمُخْبِثِ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ ...»1.

  • وشبيه هذه الرواية مروى فى «مستدرك الوسائل» باب استحباب التَّسمية والاستعاذة، نقلًا عن كتاب «الجعفريات»:

  • «عَلَّمَنِى رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليهِ وآلهِ وسَلّم إِذَا دَخَلْتُ الْكنِيفَ أَنْ أَقُولَ أَللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِك مِنَ الْخَبِيثِ الْمُخْبِثِ النِّجْسِ الرِّجْسِ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ»2.

  • حسنًا، من الواضح والجلى جدًا أنّ المراد من النجاسة فى رواية «الأغلف» الذى تَنْجسُ الأرض مِنه أربعين يومًا، ليس هو النجاسة الظاهرية؛ وكذلك إطلاق لفظة «النِّجس» على الشيطان، لن يكون بمعنى النجاسة الاصطلاحية.

  • ثالثًا: الروايات التى تصف الشرك بانّه نجس

  • وهناك روايةٌ أخرى فى «علل الشرائع» بسلسلة سندٍ متصلٍ إلى معاذ بن جبل، عن رسول الله صلّى الله عليه وآله، أنّه قال:

  • «إنَّ اللَهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَنِى وَعَلِيا وَفَاطِمَةَ وَالْحَسَنَ وَالْحُسَينَ قَبْلَ أَنْ يخْلُقَ الدُّنْيا بِسَبْعَةِ آلَافِ عَامٍ. قُلْتُ: فَأَينَ كنْتُمْ يا رَسُولَ اللَهِ؟ قَالَ: قُدَّامَ الْعَرْشِ نُسَبِّحُ اللَهَ تَعَالَى وَنَحْمَدُهُ وَنُقَدِّسُهُ وَنُمَجِّدُهُ. قُلْتُ: عَلَى أَى مِثَالٍ [وتَعينٍ كان وجودكم آنذاك؟]؟ قَالَ: أَشْباحُ

    1. وسائل الشيعة، ج 1، ص 307؛ وكذا في من لا يحضره الفقيه، ج 1، ص 23.
    2. [ الجعفريّات( الأشعثيّات)، ص 13]؛ مستدرك الوسائل، ج 1، ص 253.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

59
  • نُورٍ، حَتَّى إذَا أَرَادَ اللَهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يخْلُقَ صُوَرَنَا [وأن يظهرنا فى خلقةٍ ماديةٍ عنصريةٍ]، صَيرَنَا عَمُودَ نُورٍ ثُمَّ قَذَفَنَا فِى صُلْبِ آدَمَ، ثُمَّ أَخْرَجَنَا إلَى أَصْلَابِ الْآباءِ وَأَرْحَامِ الْأُمَّهَاتِ وَلَا يصِيبُنَا نِجْسُ الشِّرْك وَلَا سِفَاحُ الْكفْرِ ...»1.

  • فى هذه الرواية تصريحٌ بانَّ المراد من «نجاسة الشِّرك» هو قذارتُه الباطنية وكدورته المعنوية؛ لأنّ الوجود المبارك للأنوار الخمسة الذى كان مستقرًا فى أصلاب الآباء وأرحام الأمهات كان قطعًا على صورة حقيقةٍ نوريةٍ، وليس على صورةٍ مادِّيةٍ أو عنصرٍ مادّى، وهذا المعنى هو الذى صرّحت به الرواية، ولذا يمكن لنا أن نعتبر هذه الرواية دليلًا مُحكمًا وقاطعًا على مفاد الآية الشّريفة: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ)، وأنّ المُراد من «نجاسة الشِّرك» الواردة فى الآية، هو الكدورة والقذارة النفسية والمعنوية.

  • وهناك موردٌ آخر جاء فى «بحار الأنوار» ج 16، 374، بابُ فضائِله وخصائِصه صلّى الله عليه وآله وسلم، حيث ينقل عن «تفسير فرات بن إبراهيم»:

  • « [عن] عَلى بنُ مُحَمَّدِ بنِ عَلى بنِ عُمَرَ الزُّهَرى عَن عَبدِ اللَهِ بنِ عَباسٍ- رَضى اللَهُ عَنهُ- قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَهِ صَلَّى اللَهُ عَلَيهِ وَآلِهِ [وَ سَلَّمَ] فِينَا خَطِيبا، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى آلَائِهِ وَ بَلَائِهِ عِنْدَنَا أَهْلَ الْبَيتِ ...

    1. علل الشرائع، ج 1، ص 208؛ وقد ورد نظير هذه الرواية في مصادر أخرى منها: دلائل الإمامة، معرفة ولادة أبي محمّد الحسن بين عليّ عليهما السلام، ص 157؛ ومدينة المعاجز، ج 3، ص 229 و ص 446؛ وبحار الأنوار، في كلٍّ من ج 15، ص 7؛ و ج 35، ص 34.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

60
  • وَإنَّا أَهْلَ الْبَيتِ طَهَّرَنَا اللَهُ مِنْ كلِّ نَجْسٍ، فَنَحْنُ الصَّادِقُونَ إذَا نَطَقُوا وَ الْعَالِمُونَ إذَا سُئِلُوا ... إلخ»1.

  • وهنا أيضًا قد استعملت لفظة «نجس» بمعنى قذارة الباطن وكدورة النفس قطعًا.

  • رابعًا: شواهد أخرى متفرّقة (ه)

  • وهذه بعض الموارد التى صادفها الكاتب، والتى يمكن الاستعانة بها بعنوانها شاهدًا ودليلًا على رواج استعمال لفظ النجِس فى القذارة والكدورة النفسانية؛ وبالطبع مِن الممكن أن توجد موارد أخرى كذلك.2

    1. تفسير فرات الكوفي، ص 305 إلى 307.
    2. من جملتها ما ورد في مصباح المتهجّد وسلاح المتعبّد، ج 2، ص 789، في زيارة الإمام الحسين عليه السلام:« أشْهَدُ أنّكَ كُنْتَ نورًا في الْأصْلابِ الشّامِخَةِ وَالْأرْحامِ الطّاهِرَةِ لَمْ تُنَجِّسْكَ الْجاهِليَّةُ بانْجاسِها وَلَمْ تُلْبِسْكَ الْمُدْلَهِمّاتُ مِنْ ثيابِها، وَأشْهَدُ أنّكَ مِنْ دَعائِمِ الدّينِ».
      ونظيره ما ورد في كتاب المسترشد في إمامة عليّ بن أبي طالب عليه السلام، ص 648، قال:« ورُويَ أنَّ أَبا بَكْرٍ هَرَبَ يَوْمَ أحُدٍ وَانْهَزَمَ يَوْمَ خيْبَر هُوَ وَعُمَر، وَلَمْ يَنْهَزِمْ عَليٌّ قَطُّ، ثُمَّ لَمْ يَنْجُسْ بِعِبادَةِ الأوْثانِ وَالأصْنامِ قَطُّ. وَتَرَكَ أباهُ وَهُوَ أَعَزُّ قُرَيْشٍ». ومثله أيضًا ما ورد في دلائل الإمامة، ص 510، قال:« أخْرَجَ أحْمَدُ بْنُ إسْحقَ جِرابَهُ مِنْ طَيِّ كِسائِهِ، فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْ مَوْلانا فَنَظَرَ أبو مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ إلَى الْغُلامِ وَقالَ: يا بُنَىَّ، فُضَّ الْخاتَمَ عَنْ هَدايا شيعَتِكَ ومَواليكَ. فَقالَ: يا مَوْلايَ؛ أيَجوزُ لي أنْ أمُدَّ يَدًا طاهِرَةً إلى هَدايا نَجِسَةٍ وَأمْوالٍ رَجِسَةٍ قَدْ شِيبَ أحَلُّها باحْرَمِها؟ فَقالَ مَوْلانا عَلَيْهِ السَّلامُ: يَا بْنَ إسْحقَ! اسْتَخْرِجْ ما في الْجِرابِ ليُمَيّز بَيْنَ الْحَلالِ مِنْها وَالْحَرامِ».
      وأيضًا نُقل في كتاب مكارم الأخلاق، ص 52، مِنْ كِتابِ مَنْ لا يَحْضُرُهُ الْفَقيهُ، عنْ مُحَمَّدِبنِ حَمْرانَ قالَ: قالَ الصّادِقُ عَلَيْهِ السَّلامُ:« إذا دَخَلْتَ الْحَمّامَ فَقُلْ في الْوَقْتِ الَّذى تَنْزِعُ فيهِ ثِيابَكَ: اللَهُمَّ انْزِعْ عَنِّى رِبْقَةَ النِّفَاقِ وَثَبِّتْني عَلَى الْإيمانِ. وَإذا دَخَلْتَ الْبَيْتَ الْأوَّلَ فَقُلْ: اللَهُمَّ إنّي أعوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسي وَأسْتَعيذُ بِكَ مِنْ أذاهُ. وَإذا دَخَلْتَ الْبَيْتَ الثّانِي فَقُلْ: اللَهُمَّ أذْهِبْ عَنِّي الرِّجْسَ النِّجْسَ وَطَهِّرْ جَسَدي وَقَلْبي، وَخُذْ مِنَ الْماءِ الْحارِّ وَضَعْهُ عَلَى هامَتِكَ». ومن جملتها من ورد في كتاب الثاقب في المناقب، ص 586، أنّه قال:« فَلَمّا فَرَغَ مِنْ كَتْبِهِ الْبَياضَ الَّذي كانَ بِيَدِهِ أخْرَجَ أحْمَدُ بْنُ إسْحَقَ جِرابَهُ مِنْ طَيِّ كِسائِهِ، فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَنَظَرَ الْمَوْلَى أبو مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ إلَى الْغُلامِ، وَقالَ: يا بُنَيَّ فُضَّ الْخَتْمَ عَنْ هَدايا شيعَتِكَ الَّتِي بَعَثوها إلَيْكَ، فَقالَ: يا مَوْلايَ، يجوزُ لي أنْ أمُدَّ يَدي الطّاهِرَةَ إلَى هَدايا نَجِسَةٍ وَأمْوالٍ وَحِشَةٍ قَدْ خُلِطَ حِلُّها بِحَرامِها؟ فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: يا بْنَ إسْحقَ، اسْتَخْرِجْ ما في الْجِرابِ لُيمَيّزَ بَيْنَ الْحَلالِ وَالْحَرامِ مِنْها».
      وكذلك ما ورد في كتاب المزار( لابن المشهدي)، ص 91، وذلك في زيارة إبراهيم ابن الرسول صلى الله عليه وآله:« أشْهَدُ أنَّكَ قَدِ اخْتارَ اللَهُ لَكَ دارَ إنْعامِهِ قَبْلَ أنْ يَكْتُبَ عَلَيْكَ أحْكامَهُ أوْ يُكَلِّفَكَ حَلالَهُ وَحَرامَهُ، فَنَقَلَكَ إلَيْهِ طَيِّبا زاكيًا مَرْضيًّا طاهِرًا مِنْ كُلِّ نِجْسٍ، مُقَدَّسًا مِنْ كُلِّ دَنَسٍ وَبَوَّأكَ جَنَّةَ الْمَأْوَى، وَرَفَعَكَ إلَى دَرَجاتِ الْعُلَى».
      ونقل في كتاب سعد السعود، ص 39 و 40، ما هذا لفظه:« فصلٌ فيما نذكُره من القائمةِ الثّانيةِ من الوِجهةِ الثّانيةِ مِن الكُرّاسِ الثّالثِ من سننِ إدريسَ: إنَّما إذا دَخَلْتُمْ في الصِّيام طَهِّروا نُفوسَكُمْ مِنْ كُلِّ دَنَسٍ ونِجْسٍ وَصُوموا لِلَّهِ بِقُلوبٍ خالِصَةٍ صافيَةٍ مُنَزَّهَةٍ عَنِ الْأفْكارِ السَّيِّئَةِ وَالْهَواجِسِ الْمُنْكَرَةِ فَإنَّ اللَهَ يَحيسُ الْقُلوبَ الْلَطِخَةَ وَالنّيّاتِ الْمَدْخُولَةَ».( م)

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

61
  • وأما المعنى الثانى للنجاسة وبعبارة أخرى المصداق الثانى لها: فعبارةٌ عن هذا المعنى المتعارف والمصداق الفقهى الفعلى الواضح والبين للجميع.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

63
  •  

  •  

  • الفَصْلُ الثّالِثُ: مَعْنَى الشِّرْك وَمَفَادُ آيةِ (إِنَّمَا الْمُشْرِكونَ نَجَسٌ)

  •  

  •  

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

65
  •  

  •  

  • بِسْمِ اللَهِ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ

  •  

  •  

  • من وجهة نظرٍ فقهيةٍ، الدليل الوحيد الذى يمكن أن يستدلّ به على نجاسة المشركين هو- كما تقدّم- الآية الشريفة: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا)1. ولذا كان علينا أن نبدأ بتَبيين عنوانَى الشِرك والمُشرِك، ثمّ نقوم بتقييم مدى دلالة الآية على المقصود والمراد.

  • وينبغى الالتفات هنا، إلى أنّ المذكورَ فى الآية، هو خصوصُ المسجد الحرام وليس المساجد الأخرى، وبالتالى لو كان مراد الشارع هو عدم دخول المُشرِكين إلى جميع المساجد، لكان عليه أن يشير أو يلمّح على الأقل إلى ذلك المراد. وعدم القول بالفصل [بين المسجد الحرام وباقى المساجد] فى المقام لا يمكن أن يكون له أثرٌ هنا؛ لأنّه كان هناك العديد من المساجد فى زمان نزول الآية فى المدينة المنوّرة ومحيطها وضواحيها، الأمر الذى يشكل بنفسه قرينةً على عدم لحاظ تلك المساجد فى كيفية نزول الحكم.

    1. سورة التوبة( 9)، صدر الآية 28.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

66
  • بل يمكن لهذه القضية أن تكون مؤثّرةً بنحوٍ معاكس، أى إنّ عدم القول بالفصل بين حرمة دخول المشرك إلى المساجد وعدم حرمته من جهةٍ، وعدم ذكر سائر المساجد فى الآية الشريفة من جهةٍ أخرى، سينتجُ هذه النظرية وهى أنّ المُراد من لفظ النَّجِس ليس النّجاسة الذاتية والجِبلّية، بل المقصود هو القذارة المعنوية والكدورة النفسية، والآية إنّما ذكرت هذا الحكم من باب تعظيم مقام المسجد الحرام وتكريم بيت الله وتجليله وتفخيم مرتبته، وهو بنفسه يوجب صرفَ لفظ النجِس عن المعنى المُتعارف، وإرادة مصداق آخر من هذا المعنى.

  • معنى عنوانى الشِرك والمُشرك

  • إنّ الشِّرك فى اللغة معناه السَّهم والنّصيب فى مُقابل سائرِ الحِصص والسِّهام، يقول فى «لسان العرب»:

  • «الشِّرْكةُ والشَّرِكة سواء: مخالطة الشريكين. يقال: اشترَكنا بمعنى تَشارَكنا، وقد اشترك الرجلان وتَشارَكا وشارَك أَحدُهما الآخر ...، والشَّريك المُشارِك ...، والأَشْراك أَيضاً جمع الشِّرْك وهو النصيب كما يقال قِسْمٌ وأقسام ...، وأَشْرَك بالله: جعل له شَريكاً فى ملكه، تعالى الله عن ذلك، والاسم الشِّرْك ...، والشِّرْك: أَن يجعل للّه شريكاً فى رُبوبيته، تعالى الله عن الشُّرَكاء والأَنداد ...، [وَ] قوله تعالى: (وَ أَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً)1؛ لأَن معناه عَدَلُوا به، ومن عَدَلَ به شيئاً من خَلقه فهو كافر مُشْرِك، لأَن الله وحده لا شريك له ولا نِدَّ له ولا نَديد. وفى حديث تَلْبية الجاهلية: لبيك لا شريك لك إِلَّا شريك هُوَ لك تملكه وما مَلَك،

    1. سورة الأعراف( 7)، مقطع من الآية 33.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

67
  • يعْنون بالشريك: الصنم، يريدون أَن الصنم وما يملكه ويختص به مِن الآلات التى تكون عنده وحوله والنذور التى كانوا يتقرّبون بها إليه كلّها مِلك للّه عزّ وجلّ، فذلك معنى قوله: تَملِكه و مَا مَلك».1

  • واستنادًا إلى ما يستنتج من مفاد الشرك ومصاديقه، فإنّ معنى الشرك هو جعل غير الله ذا سهمٍ سواءً فى نفس الذات وحقيقة الوجود (كالقائلين بتعدّد آلهة الخير والشرّ، مثل: الزرداشتيين الذين يعتقدون بوجود أصلين وأُقنومين، هما «يزدان» إله الخيرات والبركات، و «أهرمن» وهو إله الشرور والبلايا)، أو فى الأسماء والصفات وأفعال الذات، كالمشركين وعبدة الأصنام وعبدة الحيوانات وعبدة الأجرام السماوية، والتى يعتبرونها واسطة الفيض الإلهى، فيتوجّهون نحو هذه الآثار، فجميع هؤلاء الأصناف سيكونون داخلين فى مقولة الشرك، وسيكونون مصداقًا له.

  • وقد خاطبت آيات القرآن الكريم عباد النجم والقمر والشمس خِطابَ المشركين، قال تعالى:

  • (وَ كَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ* فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ* فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ* فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ* إِنِّي وَجَّهْتُ

    1. لسان العرب، ج 10، ص 448[ إلى ص 450].

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

68
  • وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ حَنِيفاً وَ ما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ)1.

  • بعض الآيات التى أخرجت أهل الكتاب من عنوان المشرك

  • كذلك فى الآية 105 من سورة البقرة، نجد أنّ الله عزّ وجلّ سَمّى عبدة الأصنام «المشركين»، إلّا أنّه فى نفس الوقت ميز أهل الكتاب عنهم من خلال عنونتهم بعنوان الكفر، قال تعالى:

  • (ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَ لَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ اللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ).

  • فرغم أنّ العديد من الآيات شملت أهل الكتاب بعنوان الشرك، إمّا باستخدام لفظ المضارع أو الماضى2، إلّا أنّها لم تأتِ على ذكرهم أبدًا بهذا الوصف مستخدمةً لفظة «مُشرِك» على نحو اسم الفاعل الذى يدلّ على ثبوت المصدر وتحقّقه فى نفس الفاعل.

  • وكذلك يقول فى الآية الأولى من سورة البينة: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَ الْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ).

  • وقد تكرّر هذا المعنى أيضًا فى الآية السّادسة من نفس السورة:

  • (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَ الْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ).

    1. سورة الأنعام( 6)، الآيات 75 إلى 79.
    2. كقوله تعالى:( سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَ لا آباؤُنا وَ لا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ)[ سورة الأنعام( 6)، مقطع من الآية 148]، وكقوله تعالى:( اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَ رُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَ ما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)[ سورة التوبة( 9)، الآية 31].( م)

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

69
  • إذن بالنظر إلى هذه الآيات، نجد أنّ الله عزّ وجلّ يخرج أهل الكتاب فقط من دائرة لفظ «المشرك»، أمّا بقية الأصناف من عبدة الأصنام والنجوم والقمر والشمس والحيوانات، فإنّه يدخلهم فى دائرتها.

  • بل هناك خطابٌ فى القرآن الكريم للمؤمنين أيضًا يحذّرهم من أن يشركوا فى أعمالهم وعباداتهم مع الله أحدًا غيره، وهذا الخطاب موجّهٌ لهم بصيغة الفعل وليس بصيغة اسم الفاعل1، كما أنّه يعتبر أنّ لأولئك الذين جعلوا للّه شريكا فى أمور عالم التكوين، نصيبٌ من هذا الشرك، وذلك كما فى الآية الكريمة: (فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ)2.

  • ولمّا كان هذا المعنى [أى: مفهوم الشرك] معنىً ومفهومًا مشككا، لذا فهو موجودٌ ومتحقّقٌ فى كلّ فردٍ يزيد عند بعضٍ وينقص عند آخر، كما دلّت عليه الروايات أيضًا. وأمّا المشرك المصطلح عليه أنّه مشرك فى القرآن والمقتضى لأحكامٍ خاصّةٍ، فمصداقه أولئك الأصناف الذين ذكرناهم أعلاه3.

  • ومن هنا، فأهلُ الكتاب غير مشمولين قطعًا للآية الشريفة: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا)4، وأمّا دلالة الآية الشريفة على أصناف المشركين، فقطعى ولا مجال للشك فيه.

  • هل تدلّ آية (إِنَّمَا المُشرِكون نَجَسٌ) على النجاسة الاصطلاحية؟

    1. كما في قوله تعالى:( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ...* ... وَ اعْبُدُوا اللَّهَ وَ لا تُشْرِكُوا بِهِ)[ سورة النساء( 4)، الآيات 29 إلى 36].( م)
    2. سورة العنكبوت( 29)، الآية 65.
    3. أي عبدة الأصنام والنجوم والقمر والشمس والحيوانات.( م)
    4. سورة التوبة( 9)، مقطعٌ من الآية 28.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

70
  • وعُمدَة الكلام هو فى دلالة الآية على نجاستهم وهو الذين ينبغى أن يبحث. وهنا مسائل عدّة ينبغى أن تؤخذ بعين الاعتبار:

  • مسائل ينبغى أن تؤخذ بعين الاعتبار فى مفاد الآية

  • المسألة الأولى: عدم تعميم الحكم فى الآية لسائر المساجد

  • أوّلًا: هل الآية فى مقام إثبات النجاسة الذاتية للمشركين، أم أنّها تدلّ على القذارة الذاتية والباطنية التى تُوجب هتك حرمة المسجد الحرام فى حال تردّدوا عليه، فيصبح فى النتيجة مأمنًا ومأوىً لهم؟

  • وهنا ينبغى الالتفات إلى هذه النقطة الدقيقة، وهى: إن كان المراد إثبات نفس النجاسة الذاتية لهم، فلماذا إذن لم تطرح الآية هذا الحكم على نحو العموم، فتقول مثلًا: «يا أيها الذين آمنوا إنّما المشركون نجسٌ فلا يقربوا مساجدكم»؟!

  • مِن الممكن أن يعترض على ذلك، فيقال: ليس للآية مفهومٌ، وبعبارةٍ أخرى: هى لا تنفى الحكم عن سائر المساجد؛ لأنّ الآية فى مقام بيان نفس الحكم، وذكر المسجد الحرام كان فقط بسبب التعرّض لمصداقٍ من المصاديق الذى له عظمةٌ فى الشأن وخصوصيةٌ فى المورد، وإلّا فإنّ الإطلاق يشمل جميع المساجد.

  • وهذا الإشكال يندفع بانّه: رغم أنّ مقتضى الأصول الموضوعة، وأنّه من الجهّة الفنية المتبادر ابتداءً إلى الذهن هو هذا المعنى وهذه الفكرة المذكورة، إلّا أنّه بالالتفات إلى أنّ المدينة المنوّرة كانت فى زمن نزول الآية والأزمان اللاحقة مركزًا للحكومة الإسلامية وموطنًا لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، ومقرًّا للخلفاء من بعده، وكان مسجد النبى يمثّل المسجد الثانى فى الإسلام، وكان يعدّ أهم مركزٍ لتردّد الكفّار

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

71
  • والمشركين؛ وإذا لم نقل إنّه كان من ناحية الأهمية وتوجّه الأنظار أهمّ وأرفع شأنًا من المسجد الحرام، فقطعًا ينبغى أن نذعن على الأقل بانّه كان يعدّ موازيا له.

  • فلو كان مراد الآية بيان حكم النجاسة الذاتية للمشركين فقط، فلماذا أغفلَ فيها ذِكرُ المسجد النبوى فى المدينة مع ما له من الشرف والمجد والعظمة؟! مع أنّه لا فرق بين هذين المسجدين من حيث الحكم وترتّب الآثار!

  • ولو افترضنا أنّنا نرى للمسجد الحرام حرمةً وأهميةً أكبر، يبقى أنّه ليس لهذه المسألة أى دخالةٍ فى ترتّب الحكم بنجاسة المشركين أو عدمها؛ لأنّ النجسَ نجسٌ سواءً أكان فى المسجد الحرام أم فى مكانٍ آخر؛ وأمّا لو كان المشركون غير نجسين، فهم طاهرون فى كلّ مكان، ولا مانع من دخولهم عندها.

  • بناءً على ذلك، فالمنع عن المسجد الحرام لا يعود إلّا إلى جوانبه السياسية والاجتماعية؛ وليس لدينا أى روايةٍ عن رسول الله صلّى الله عليه وآله تدلّ على المنع من دخول المشركين والكفّار إلى مساجد المسلمين أو تثبت حرمة ذلك؛ بل كما ذكر سابقًا، لدينا من الروايات ما يخالف ذلك، والتمسّك بالمنع مبنى فقط على هذه الآية الشريفة.

  • المسألة الثانية: التقييد الوارد فى الآية يدلّ على المنع فى خصوص الحجّ

  • وأمّا المسألة الثانية: فإنّ الآية الشريفة تقول: إنّ المشركين نجسٌ، ولذا لا ينبغى أن يدخلوا المسجد الحرام بعد هذا العام، والمراد من

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

72
  • «العام» فى الآية، هو ذلك العام الذى قرأ فيه أمير المؤمنين على عليه السلام آيات البراءة فى مكة، وهو العام التاسع للهجرة1، والمراد من دخول المسجد الحرام، هو الدخول للحجّ كما كان يدخله المشركون عراةً فى موسم الحجّ للقيام بعبادتهم الخاصّة.

  • وبناءً على هذا، فالآية لا تمنعُ من دخول المشركين فى جميع الأحوال وفى كلّ الصور، بل هى مختصّةٌ بالحجّ على تلك الصورة وبذلك الوضع والخصوصية؛ وإلّا لقالت الآية: لا يدخل المشركون المسجد الحرام، ولم تكن لتقول: لا ينبغى للمشركين أن يدخلوا المسجد الحرام بعد هذا العام. وهذه النقطة تستحقّ الدقّة والتأمّل.

  • المسألة الثالثة: قيد (يقربوا) الوارد فى الآية ودلالته على النجاسة الباطنية

  • أمّا المسألة الثالثة: فقد ذُكر فى الآية الشريفة أنّ الحكم المترتّب على نجاسة المشركين هو عدم الاقتراب من المسجد الحرام؛ وهذا التعبير لا يتناسب مع القذارة أو النجاسة الظاهريتين؛ لأنّه على الرغم من أنّهم

    1. يؤيّد ذلك ما ورد في تفسير القمّي، قال: فَحَدَّثَنِي أَبِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفُضَيْلِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا قَالَ:« قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَليْه السَّلَامُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى الله عَليْهِ وَآلِه أَمَرَنِي أَنْ أُبَلِّغَ عَنِ اللَّهِ- أَنْ لَا يَطُوفَ بالْبَيْتِ عُرْيَانٌ وَلَا يَقْرَبَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ مُشْرِكٌ بَعْدَ هَذَا الْعَامِ- وَقَرَأَ عَلَيْهِمْ( بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ) فَأَحَلَّ اللَّهُ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ حَجُّوا تِلْكَ السَّنَةَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ- حَتَّى يَرْجِعُوا إِلَى مَأْمَنِهِم- ثُمَّ يُقْتَلُونَ حَيْثُ وُجِدُوا».
      وورد قريبٌ منه في تفسير فرات الكوفي، ص 158. وكذلك وردت العديد من الروايات في هذا الصدد في وسائل الشيعة، باب وجوب ستر العورة في الطواف، ج 13، ص 400، منها: ما عن مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ فِي الْعِلَلِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ مَاجِيلَوَيْهِ عَنْ عَمِّهِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ خَلَفِ بْنِ حَمَّادٍ الْأَسَدِيِّ عَنِ أَبِي الْحَسَنِ الْعَبْدِيِّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مِهْرَانَ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ مِقْسَمٍ عَنِ ابْنِ عَباسٍ فِي حَدِيثٍ:« أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى الله عَليْهِ وَآلِه بَعَثَ عَلِيّاً عَليْه السَّلَامُ يُنَادِي: لَا يَحُجُّ بَعْدَ هَذَا الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلَا يَطُوفُ بالْبَيْتِ عُرْيَانٌ- الْحَدِيثَ».( م)

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

73
  • سيتسبّبون بنجاسة المسجد الحرام [على فرض نجاستهم الذاتية]، إلّا أنّ التعبير بعدم الاقتراب فى الموطن المتعلّق بالنجاسة الظاهرية لغوٌ ولا معنى له، ونحن ليس لدينا أى صنفٍ آخر من أصناف النجاسات التى قال فيها الشارع: لا تأخذوا هذا الشىء النجس حتّى بالقرب من المسجد أو من المسجد الحرام.

  • وبناءً على ذلك، مثلما أطلق الله عزّ وجلّ عنوان الطهارة والنظافة فى توصيفه لبيته الحرام، وذلك فى كلٍّ من الآية 125 من سورة البقرة حيث قال: (وَ عَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَ الْعاكِفِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ) والآية 26 من سورة الحجّ، حيث قال: (وَ إِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَ طَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَ الْقائِمِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ)، فإنّ المناسب لهذا النوع من النظافة والطهارة هو القذارة الروحية والكدورة المعنوية والظلمة الباطنية والنفسية، وذلك لأن الطهارة المقابلة لهذه النجاسة هى قطعًا الطهارة الباطنية وصفاءُ ملكوتِ بيتِ الله الحرام وعدم تلوّثه بملوّثات عالم الكثرات وخلوصه وارتكازه إلى حقيقة التوحيد، لا طهارة الظاهر والنظافة الجسمية والظاهرية؛ ولذا قال عزّ وجلّ: (فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ)؛

  • يعنى: لا تسمح لهم- مع ما هم عليه من كدورة الباطن- حتّى بالاقتراب من تلك الساحة المقدّسة والملكوتية والمطهّرة، وهذا المعنى واضحٌ وجلى جدًا، ولن يكون عليه أى إشكالٍ؛ وقد صرّح المرحوم العلّامة الطباطبائى- رضوان الله عليه- بهذا المعنى أيضًا، قال سماحته فى المجلّد التاسع من «الميزان»، ص 239:

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

74
  • «والنهى عن دخول المشركين المسجدَ الحرام بحسب المتفاهم العرفى، يفيد أمر المؤمنين بمنعهم عن دخول المسجد الحرام، وفى تعليله تعالى منعَ دخولهم المسجد بكونهم نجسًا اعتبارُ نوعٍ مِن القذارة لهم كاعتبار نوعٍ من الطهارة والنزاهة للمسجد الحرام، وهى كيف كانت أمرٌ آخرُ وراء الحكم باجتناب ملاقاتهم بالرطوبة وغير ذلك»1.

  • المسألة الرابعة: القرائن الحافّة بزمان تلقّى الخطاب وما بعده

  • وأمّا المسألة الرابعة، فممّا لا شك فيه أنّ انعقاد الظهور من اللفظ وتلقّيه من قبل المخاطبين بالخطاب، إنّما يكون على أساس كيفية تحقّق الموضوع وارتكازه فى نفس المخاطب، وهذه المسألة تبتنى على كيفية دلالة الشواهد وحكاية القرائن الحالية والمقالية، والظروف المقارنة فى زمان تلقّى الخطاب وحتّى من الممكن أن تؤثّر القرائن اللاحقة على زمان تلقّى الخطاب أيضًا.

  • وبناءً على هذا، فإنّ انعقاد الظهور وتشكله ليس أمرًا اعتباريا، بل هو حقيقةٌ عرفيةٌ وطبعيةٌ، وليس لاعتبار الشخص أى دخالةٍ فى كيفية تكوّنها أو تشكلها.

  • وبناءً على هذا الأصل، وكما مرّ حول إنزال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وفدَ المشركين فى مسجد النبى وجعله إقامتهم فيه، وكذا ما مرّ حول ذلك الرجل المشرك بناءً لرواية أبى هريرة، وحول دخول المشركين إلى المسجد الحرام حتّى بعد نزول هذه الآية، وحصول المحاججات الكلامية مِن قبل الأئمّة المعصومين عليهم السلام مع الملحدين فى المسجد الحرام،

    1. وقد صرّح قدّس سرّه بذلك بنحوٍ أوضح في تفسيره الآخر البيان، ج 5، ص 110، قال:« والمراد بذلك قذارتهم الباطنيّة دون الظاهريّة، و هو ظاهر».( م)

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

75
  • فإنّه يتداعى من حيث المجموع هذا الظهور للمخاطبين، وهو أنّ المراد من النجاسة، ليس النجاسة الظاهرية، بل المراد هو الكدورة الباطنية والنفسية.

  • ومن جملة الروايات التى تدلّ على أنّ الأئمّة المعصومين عليهم السلام كانوا يجلسون مع الكفّار والزنادقة فى المساجد، وخصوصًا فى المسجد الحرام، وأنّهم كانوا يناظرونهم هناك، ما يلى:

  • 1- الرواية الواردة فى «الاحتجاج» المجلّد الثانى، ص 334، قال فيها:

  • «وعَن هِشامِ بنِ الحَكم قالَ: كانَ زِنْدِيقٌ بِمِصْرَ يبْلُغُهُ عَنْ أَبىعَبْدِاللَهِ عَلَيهِ السّلَامُ عِلْمٌ، فَخَرجَ إلَى المَدِينَةِ لِينَاظِرَهُ، فَلَمْ يصَادِفْهُ بِهَا؛ وَقِيلَ: هُوَ بِمَكةَ، فَخَرَجَ الَى مَكةَ وَنَحْنُ مَعَ أَبِىعَبْدِاللَهِ عَلَيهِ السَّلَامُ فَانْتَهَى إلَيهِ وَهُوَ فِى الطَّوافِ، فَدَنَا مِنْهُ وَسَلَّمَ. فَقَالَ لَهُ أَبُوعَبْدِاللَهِ: مَا اسْمُك؟ قَالَ: عَبْدُالمَلِك. قَالَ: فَمَا كنْيتُك؟ قَالَ: أَبُوعَبْدِاللَهِ.

  • قَالَ أَبُوعَبْدِاللَهِ عَلَيهِ السَّلَامُ: فَمَنْ ذَا المَلِك الَّذِى أَنْتَ عَبْدُهُ، أَمِنْ مُلُوك الأَرْضِ، أَمْ مِنْ مُلُوك السَّمَاءِ؟ وَأَخْبِرْنِى عَنْ ابْنِك أَعَبْدُإلَهِ السَّمَاءِ أَمْ عَبْدُ إلَهِ الأَرْضِ؟ فَسَكتَ.

  • فَقَالَ أَبُوعَبْدِاللَهِ عَلَيهِ السَّلَامُ: قُلْ! فَسَكتَ. فَقَالَ: إِذَا فَرَغْتُ مِنَ الطَّوَافِ فَأْتِنَا! فَلَمَّا فَرَغَ أَبُوعَبْدِاللَهِ عَلَيهِ السَّلَامُ مِنَ الطَّوَافِ أَتَاهُ الزِّنْدِيقُ، فَقَعَدَ بَينَ يدَيهِ وَنَحْنُ مُجْتَمِعُونَ عِنْدَهُ، فَقَالَ أبُوعَبْدِاللَهِ عَلَيهِ السَّلَامُ ... إلخ».1

    1. كما أورد هذه الرواية مع اختلافٍ يسير في العبارة، كلٌ من الشيخ الصدوق في« التوحيد»، ص 293، بسنده المتّصل عن هشام بن الحكم، والكليني في« الكافي» ج 1، ص 72، بسنده المتّصل عن هشام بن الحكم.( م)

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

76
  • 2- «الاحتجاج»، ج 2، ص 354:

  • «وَعَن حَفصِ بنِ غِياثٍ، قالَ: شَهِدْتُ المَسْجِدَ الحَرَامَ وَابْنُأَبِىالعَوْجَاءِ يسأَلُ أَباعَبْدِاللَهِ عَلَيهِ السَّلَامُ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: (كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ ...)1 إلخ»2.

  • 3- رواية الإرشاد طبع [مؤسسة] آل البيت، ج 2، ص 199:

  • «أخبَرَنِى أبوالقاسِمِ جَعفَرُ بنُ مُحَمَّدِ القُمّى ... عَن العَباسِ بنِ عَمرِو الفُقَيمى:

  • إنَّ ابْنَ أَبِى العَوْجَاءِ وابْنَ طَالُوتَ وابْنَ الأَعْمَى وابْنَ المُقَفَّعِ فِى نَفَرٍ مِنَ الزَّنَادِقَةِ كانُوا مُجْتَمِعِينَ فِى المَوْسِمِ بالْمَسْجِدِ الحَرامِ وَأَبوعَبْدِاللَهِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَلَيهِمَا السَّلَامُ فِيهِ ... إلى آخِرِ الحَديثِ».3

  • 4- الروايات والأخبار الدالّة على مناظرات أمير المؤمنين على عليه السلام مع أهل الكتاب فى مسجد المدينة، ومن جملتها ما ورد فى كتاب «بحار الأنوار» ج 10، ص 52، الباب الثالث، نقلًا عن «الاحتجاج»:

  • «رُوِى أَنَّهُ وَفَدَ وَفْدٌ مِنْ بِلَادِ الرُّومِ إلَى المَدِينَةِ عَلَى عَهْدِ أَبِىبَكرٍ وفِيهِمْ رَاهِبٌ مِنْ رُهبانِ النَّصارَى؛ فَأَتَى مَسْجِدَ رَسُولِ اللَهِ

    1. سورة النساء( 4)، مقطع من الآية 56.
    2. ابن أبي العوجاء هو عبد الكريم بن أبي العوجاء، كان من الزنادقة( راجع: أمالي المرتضى، ج 1، ص 128)؛ هذا وقد روى الكليني في« الكافي» مجموعةً من مناظراته مع الإمام الصادق عليه السلام في المسجد الحرام، والتي يصرّح فيها بانكاره الصانع وتصريح الإمام عليه السلام بِعَدَم إسلامه حتّى بعد تلك المناظرات،( راجع: الكافي، ج 1، ص 74).( م)
    3. وقد وردت هذه الرواية أيضًا في كلٍّ من« كنز الفوائد» للكراجكي( ت: 449 ه)، ج 2، ص 75؛ و« إعلام الورى» للطبرسي، الطبعة القديمة، النصّ، ص 290.( م)

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

77
  • صَلَّى اللَهُ عَلَيهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ... فَقَامَ سَلْمانُ الفَارِسِى- رَضِىاللَهُعَنْهُ- وأَتَى عَلِى بْنَ أَبِى طَالِبٍ عَلَيهِ السَّلَامُ وهُوَ جَالِسٌ فِى صَحْنِ دَارِهِ مَعَ الحَسَنِ والحُسَينِ عَلَيهِمَا السَّلَامُ، وقَصَّ عَلَيهِ القِصَّةَ؛ فَقَامَ عَلِى عَلَيهِ السَّلَامُ فَخَرَجَ ومَعَهُ الحَسَنُ والحُسَينُ عَلَيهِمَا السَّلَامُ حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ؛ فَلَمَّا رَأَى القَوْمُ عَلِيا كبَّروا اللَهَ وحَمَدُوا اللَهَ وقَامُوا إلَيهِ باجْمَعِهِمْ. فَدَخَلَ عَلِى عَلَيهِ السَّلَامُ وجَلَسَ، فَقَالَ أَبُوبَكرٍ: أَيهَا الرَّاهِبُ! سَائِلهُ، فَإِنَّهُ صَاحِبُك وبُغيتُك ...»1

  • ومن جملتها ما ورد فى نفس الكتاب، الحديث الثالث عشر:

  • «عَن ابْنِ عُقدَةَ ... عَن أبى أيوبَ المُؤَدّبِ، عَن أبيهِ وكانَ مُؤَدّبا لِبَعضِ وُلدِ جَعفَرِ بنِ مُحَمَّدٍ عَلَيهِما السَّلامُ قالَ: لَمَّا تُوُفِّى رَسُولُ اللَهِ صَلَّى اللَهُ عَلَيهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، دَخَلَ المَدينَةَ رَجُلٌ مِنْ وُلْدِ دَاوُدَ عَلَى دِينِ اليهُودِيةِ فَرَأَى السِّكك خَالِيةً، فَقَالَ لِبَعْضِ أَهْلِ المَدِينَةِ: مَا حَاكمُكمْ؟2

  • فَقَالوُا لَهُ: انْتَظِرْ قَلِيلًا! وأَقْبَلَ أَمِيرُالْمُؤْمِنِينَ عَلِى بْنُ أَبِى طَالِبٍ عَلَيهِ السَّلَامُ مِنْ بَعْضِ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالُوا لَهُ: عَلَيك بالفَتَى، فَقَامَ إلَيهِ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ، قَالَ لَهُ: أَنْتَ عَلِى بْنُ أَبِى طَالِبٍ ... إلى آخِرِ الخَبَرِ»3.4

    1. الاحتجاج، ج 1، ص 205؛ بحار الأنوار، ج 10، ص 52.( م)
    2. ضبطت في« البحار» طبع دار الكتب الإسلاميّة« ما حالكم؟».
    3. بحار الأنوار، باب 1، الحديث 13، ج 10، ص 23؛[ وقد وردت في كلٍّ من كتاب فضائل أمير المؤمنين عليه السلام( لابن عقدة)، ص 46؛ و الغيبة( للنعماني)، ص 100].
    4. ومن جملتها ما ورد في كمال الدين وتمام النعمة( للشيخ الصدوق)، ج 1، ص 297 بسنده المتصل عن الصادق عليه السلام؛ و إرشاد القلوب( للديلمي)، و بحار الأنوار، ج 36، ص 224:« عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام، قَالَ: لَمَّا بايَعَ النَّاسُ عُمَرَ بَعْدَ مَوْتِ أَبِي بَكْرٍ أَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ شَبابِ الْيَهُودِ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَالنَّاسُ حَوْلَهُ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ[ يعني عمرًا] دُلَّنِي عَلَى أَعْلَمِكُمْ باللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَبِكِتَابِهِ وَبِسُنَّتِهِ فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إلى عليٍّ عليه السلام ... إلخ».
      وما ورد في بحار الأنوار، ج 10، ص 58، عن الفضائل لابن شاذان في كتاب الروضة« بالْإِسْنَادِ يَرْفَعُهُ إِلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: وَفَدَ الْأُسْقُفُ النَّجْرَانِيُّ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لِأَجْلِ أَدَائِهِ الْجِزْيَةَ فَدَعَاهُ إِلَى الْإِسْلَامِ فَقَالَ لَهُ الْأُسْقُفُّ أَنْتُمْ تَقُولُونَ إِنَّ لِلَّهِ جَنَّةٌ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ فَأَيْنَ تَكُونُ النَّارُ قَالَ فَسَكَتَ عُمَرُ وَ لَمْ يَرُدَّ جَوَابا ... فَإِذَا بِبابِ الْمَسْجِدِ رَجُلٌ قَدْ سَدَّهُ بِمَنْكِبَيْهِ فَتَأَمَّلُوهُ وَ إِذَا بِهِ عَيْبَةُ عِلْمِ النُّبُوَّةِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام قَدْ دَخَل ... إلخ».
      وما ورد في كلٍّ من الخصال، ج 2، ص 476؛ و عيون أخبار الرضا عليه السلام، ج 1، ص 53؛ وكمال الدين وتمام النعمة، ج 1، ص 301؛ و الاحتجاج، ج 1، ص 226؛ و بحار الأنوار عن العيون، ج 10، ص 9 معنعنًا: عَنْ صَالِحِ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عليه السلام قَالَ: لَمَّا هَلَكَ أَبُو بَكْرٍ وَ اسْتَخْلَفَ عُمَرَ رَجَعَ عُمَرُ إِلَى الْمَسْجِدِ فَقَعَدَ فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ[ يعني عمرًا] إِنِّي رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ وَأَنَا عَلَّامَتُهُمْ وَ قَدْ أَرَدْتُ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْ مَسَائِلَ ... وَ إِنْ كَانَ فِي الْقَوْمِ أَحَدٌ أَعْلَمَ مِنْكَ فَأَرْشِدْنِي إِلَيْهِ قَالَ عَلَيْكَ بِذَلِكَ الشَّابِّ يَعْنِي عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام فَأَتَى عَلِيّاً عليه السلام فَسَأَلَهُ فَقَالَ لَهُ ... إلخ».( م)

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

78
  • وكذلك الأخبار والروايات التى تحكى عن دخول أهل الكتاب والمشركين إلى مسجد رسول الله فى المدينة1، والذى اعتبر بعضهم جوازه مستندًا إلى الآية

    1. منها ما ورد عن دخول نصارى نجران إلى مسجد النبيّ وضربهم بالناقوس وقت صلاتهم داخل المسجد واعتراض المسلمين عند النبيّ، وسماح النبيّ لهم بذلك حتّى بعد الاعتراض،( راجع: تفسير القمّي، ج 1، ص 104؛ و بحار الأنوار، ج 21، ص 340؛ و تفسير البرهان، ج 1، ص 629؛ وتفسير فرات الكوفي، ص 88).
      ومنها ما ورد في بحار الأنوار، ج 41، ص 198:[ عن] الخرائج والجرائح:« رُوِيَ أَنَّ قَوْماً مِنَ النَّصَارَى كَانُوا دَخَلُوا عَلَى النَّبِيِّ صلّى الله عليه وآله وَ قَالُوا نَخْرُجُ وَ نَجِيءُ باهْلِينَا وَ قَوْمِنَا فَإِنْ أَنْتَ أَخْرَجْتَ لَنَا مِائَةَ نَاقَةٍ مِنَ الْحَجَرِ سَوْدَاءَ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ فَصِيلٌ، آمَنَّا فَضَمِنَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وآله وَانْصَرَفُوا إِلَى بِلَادِهِمْ فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وآله رَجَعُوا فَدَخَلُوا الْمَدِينَةَ فَسَأَلُوا عَنِ النَّبِيِّ صلّى الله عليه وآله فَقِيلَ لَهُمْ تُوُفِّيَ صلوات الله عليه وآله، ...، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ بِلِسَانِهِمْ مَا كَانَ أَمْرُ مُحَمَّدٍ إِلَّا باطِلًا وَكَانَ سَلْمَانُ حَاضِراً وَكَانَ يَعْرِفُ لُغَتَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ: أَنَا أَدُلُّكُمْ عَلَى وَصِيِّ مُحَمَّدٍ فَإِذَا بِعَلِيٍّ قَدْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَنَهَضُوا إِلَيْهِ وَجَثَوْا بَيْنَ يَدَيه ... إلخ».( م)

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

79
  • الشريفة (وَ إِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ)1، وأنّه لا يجوز دخولهم إن كان لغرضٍ وداعٍ دنيوى.2

  • ومحصّل الكلام أنّه: مع ملاحظة الروايات المذكورة، والقرائن والشواهد على المسألة، نرى أنّ علّة عدم رواج دخول المشركين وأهل الكتاب إلى المسجد الحرام كانت لمجرّد التعظيم والتفخيم والاحترام لذلك المكان المقدّس وحسب، وإلّا فنفس الدخول لم يكن هناك ما يمنع أو يردع عنه.

  • المسألة الخامسة: عند الشك فى النجاسة فالأصل هو الطهارة

  • وأمّا المسألة الخامسة: فمع ملاحظة المسائل المتقدّمة، وعدم ظهور الآية الشريفة فى النجاسة الظاهرية، وعلى الأقل مع الشك فى انعقاد ذلك الظهور، فإنّ الأصل هو طهارتهم وعدم تجنّب ملاقاتهم؛ إلّا أن يدلّ دليلٌ خاصٌّ من السنّة والحديث يؤيد القذارة الظاهرية.

  • وبناءً على هذا، فإنّ الحكم باجتناب المشركين وعدم اقترابهم من المسجد الحرام، لا يستند إلّا إلى عدم إمضاء الشارع وعدم رضاه بمخالطتهم ومعاشرتهم والتردّد إليهم، وهذا الأمر ممّا لا شك ولا تردّد فيه؛ وهو المعنى الذى يمكن لنا

    1. سورة التوبة( 9)، صدر الآية 6.
    2. يضاف لهذه الطوائف، طائفة الروايات التي تدلّ على دخول بعض اليهود والنصارى إلى مسجد الكوفة في عهد أمير المؤمنين عليه السلام، منها ما ورد في البحار، ج 28، ص 13، عن الفضائل لابن شاذان في كتاب الروضة بالْإِسْنَادِ يَرْفَعُهُ إِلَى سُلَيْمِبْنِ قَيْسٍ قَالَ:« دَخَلْتُ عَلَى عَلِيِّ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام فِي مَسْجِدِ الْكُوفَةِ وَ النَّاسُ حَوْلَهُ إِذْ دَخَلَ عَلَيْهِ رَأْسُ الْيَهُودِ وَرَأْسُ النَّصَارَى فَسَلَّمَا وَ جَلَسَا فَقَالَ الْجَمَاعَة ... إلخ».( م)

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

80
  • أن نستنبطه من مفاد قوله تعالى: (وَ إِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ)1، والله العالم.

  • أقوالُ أهلِ السُنّة فى حكم المشركين من حيث الطهارة والنجاسة

  • وأمّا أهل السنّة، فكثيرٌ منهم يرون النجاسة الظاهرية للمشركين وغير المشركين معتمدين على هذه الآية الشريفة، كما أنّ مِنهم من يرى طهارتهم أيضًا.

  • فالفخر الرازى2 وابن رشد3 وابن حزم الأندلسى4 هم من جملة القائلين بالنجاسة الذاتية للمشركين، وفى المقابل يمكن أن نشير فيما يأتى إلى جملةٍ من القائلين بالطهارة الذاتية للمشركين:

  • عبد الرحمن الجزيرى حيث يقول فى الصفحة السادسة من المجلّد الأوّل من كتابه «الفقه على المذاهب الأربعة»:

  • والأشياءُ الطّاهِرَةُ كثيرَةٌ: مِنها الإنسانُ سَواءٌ كانَ حَيا أو مَيتًا كما قالَ تَعالَى: (وَ لَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ)5 وأمّا قَولُهُ تَعالَى: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) فَالمُرادُ بِهِ النِّجاسَةُ المَعنَويةُ التى حَكمَ بِها الشّارِعُ وَ لَيسَ المُرادُ أنَّ ذاتَ المُشرِك نَجِسَةٌ كنِجاسَةِ الخِنزيرِ.

  • وكذلك أبو حامد محمّد الغزّالى فى كتاب «الوجيز»6، وابن حجر العسقلانى فى كتاب «فتح البارى بشرح صحيح البخارى»7 يقولان بطهارة وقد ذكر العلّامة الآلوسى- فى تفسير «روح المعانى»، المجلّد 10، ص 76- أنّ أكثر الفقهاء يذهبون إلى الطهارة الذاتية للمشركين.8

  • هؤلاء جملةٌ من القائلين بالنجاسة أو الطهارة الذاتية من أهل السنّة.

  • [أدلّة فقهاء الشيعة على نجاسة غير المسلمين ومناقشتها]

  • الدليل الأولّ: الاستدلال على النجاسة الذاتية بالآية

  • وأمّا عند الخاصّة وعلماء الشيعة، فالظاهر أنّ جميعهم متّفقون فى الرأى على النجاسة الذاتية للمشركين. ولذا ينبغى علينا الآن أن نعمد إلى ذكر أدلّتهم على ذلك، ونرى ما هى حدود قوّتها أو ضعفها على إثبات المطلوب.

  • الدليل الأوّل9: هو عبارة عن الآية الشريفة: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ).

  • التقرير الأوّل للاستدلال على نجاسة المشركين بالآية

  • وتقرير الدليل إمّا بجعل «نَجَس» بالفتح مصدرًا، و «ذو» محذوفةً؛ وبالتالى فالمعنى والمراد من الآية: «إنما المشركون ذو نجس». والإشكال على هذا

    1. سورة التوبة( 9)، مقطع من الآية 28.[ وتجدر الإشارة إلى أنّ هذا المقطع هو ذيل آية النهي عن دخول المشركين إلى المسجد الحرام].
    2. التفسير الكبير، ج 16، ص 24.
    3. بداية المجتهد، ج 1، ص 44.
    4. المحلَّى، ج 1، ص 129.
    5. سورة الإسراء( 17)، صدر الآية 70.
    6. الوجيز، ج 1، ص 111.
    7. فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ج 1، ص 334.
    8. سورة التوبة( 9)، مقطع من الآية 28.[ وتجدر الإشارة إلى أنّ هذا المقطع هو ذيل آية النهي عن دخول المشركين إلى المسجد الحرام].
    9. التفسير الكبير، ج 16، ص 24.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

81
  • الإنسان؛ وكذلك بدر الدين العينى، حيث يقول فى «عمدة القارى فى شرح صحيح البخارى»، ج 3، ص 240:

  • «الآدمى الحى ليس بنجس العين، ولا فرق بين الرجال والنساء».

  • (1) ونصّ كلامه: «وتخريج الآية على أحد الأوجه المذكورة هو الذي يقتضيه كلام أكثر الفقهاء حيث ذهبوا إلى أن أعيان المشركين طاهرة ولا فرق بين عبدة الأصنام وغيرهم من أصناف الكفار في ذلك»، راجع: روح المعاني، ج 5، ص 269. (م)

  • (2) نلفت نظر القارئ الكريم إلى أنّ سماحته لن يستعرض كافّة أدلّة الفقهاء الشيعة أعزّهم الله في هذا الفصل، ولكن لمّا كان الدليل الأوّل لديهم هو الاستدلال بالآية الشريفة، ولمّا كان هذا الفصل مخصّصًا للبحث في مفاد هذه الآية، كان من المناسب بحث هذا الدليل في هذا الفصل، ونشير إلى أنّ سماحته سيبحث الأدلّة الأخرى في الفصول اللاحقة. (م)

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

82
  • الاستدلال بانّه فى هذه الحالة، يمكن للآية أن تشمل فى دلالتها كلًا من

  • النجاسة الذاتية والعرضية معًا، أى إنّهم بسبب مباشرتهم للنجاسة وأكل لحوم الخنزير وشرب الخمر، ذوُو نجاسة عرضية، مندفعٌ بما يلى:

  • الإشكالات على التقرير الأوّل

  • أوّلًا: إن كان المراد هو النجاسة العرضية، فلا وجه لتخصيص الآية بالمشركين فقط، وعدم ذكر اليهود والنصارى وغيرهم فى القرآن.

  • ثانيا: أنّ اندراج جميع المشركين تحت عنوان النجاسة بواسطة مباشرتهم للنجاسات محلّ إيرادٍ؛ لأنّهم كثيرًا ما يطهّرون أنفسهم بالماء بعد مباشرتهم للنجاسة، وبالتالى تزول تلك القذارة، كما أنّ هذا المعنى معروفٌ ومشهودٌ فى العادة، بل إنّ كثيرًا منهم قد يكونون متقدّمين على المسلمين فى هذا الجانب وأكثر نظافةً منهم1؛ وعدم اعتناء عدّةٍ من المشركين أو ترك مبالاتهم بالقذارة والنجاسة، واشتمالهم بالتالى على النجاسة العرضية، لن يوجب سريان الحكم إلى جميعهم حتّى لو كان أكثرهم لا يهتمّون بالطهارة ورفع القذارة الظاهرية.

  • والنقطة الأخرى هى أنّ الحكم بالنجاسة الوارد فى الآية مترتّبٌ على وصف الشرك، وليس على مخالطة المسكر أو لحم الخنزير وغيره؛ وإن كان مراد الشارع من هذا الترتّب، ليس نفس عنوان الشرك، بل عدم الاحتراز عن

    1. وقد ذكر المرحوم الشيخ محمّد حسن في الجواهر قريبا من هذا المضمون، ج 6، ص 42، قال:« على أنّ النجاسة اللغويّة مع منعِ تحقّقها في المترفين منهم ليست من الوظائف الربانيّة».
      وهو يريد بهذه العبارة أن يقول: إنّ المترفين من المشركين، أو قل أهل الآداب والرسوم منهم، دائمًا ما ينظّفون ويطهّرون أنفسهم بالماء، ولا يوجد قذارة ظاهريّة على أبدانهم.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

83
  • النجاسات، فلماذا إذن ذكر هذا الحكم مع عنوان الشرك، مع أنّ غير المشركين هم أيضًا لا يأبون عن أكل لحم الخنزير أو شرب المسكرات وغيرها؟! ولهذا فإنّ ذكر هذا الوصف سيكون لغوًا؛ فتنبّه!

  • التقرير الثانى للاستدلال على نجاسة المشركين بالآية

  • وإمّا أن يقرّر الدليل بانّ المراد هو المبالغة فى القذارة، من باب: «زيدٌ عدلٌ».

  • الإشكال على كلا التقريرين

  • وعلى كلا التقريرين، فإنّ احتمال دلالة الآية على النجاسة الذاتية للمشركين واردٌ، ولكن قطعًا لا يمكن أن يكون المراد من هذه الآية هو نجاستهم العرضية. وكذلك فإنّ احتمال دلالة الآية على القذارة النفسية سوف يبقى على قوّته.

  • تمسّك فقهاء الشيعة بالآية على النجاسة الذاتية لم يصاحبه أى تبرير

  • وقد اتفق نظر الفقهاء الشيعة فى تمسّكهم بالآية كدليلٍ على النجاسة الذاتية للمشركين، ولكنّهم لم يقدّموا لذلك أى توضيحٍ.

  • يقول المرحوم صاحب «الجواهر» فى المجلّد السادس، ص 41 من الطبعة الجديدة:

  • «العاشِرُ: الكافِرُ، إجماعًا فى «التَّهذيبِ» وَ «الإنتِصارِ» وَ «الغُنيةِ» وَ «السَّرائِرِ» وَ «المُنتَهَى» وَغَيرِها وَظاهِرُ «التَّذكرَةِ»؛ بَل فى الْأُوَلِ مِنَ المُسلِمينَ. لَكن لَعَلَّهُ يريدُ النِّجاسَةَ فى الجُملَةِ، لِنَصِّ الآيةِ الشَّريفَةِ وإن كانَتِ العامَّةُ يؤَوِّلونَها بالحُكميةِ لا العَينيةِ. نَعَم هِى كذَلِك عِندَنا مِن غَيرِ فَرقٍ بَينَ اليهودِ والنَّصارَى وغَيرِهِم، كما هُوَ صَريحُ مَعقَدِ إجماعِ المُرتَضى وظاهِرُ غَيرِهِ بَل صَريحُهُ، ولا بَينَ المُشرِك وغَيرِهِ ولا بَينَ الأصلى والمُرْتَدِّ، ولَعَلَّ ما عَن «غَريةِ» المُفيدِ مِنَ الكراهَةِ فى خُصوصِ اليهودِ والنَّصارَى يريدُ بِها

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

84
  • الحُرمَةَ، كما يؤَيدُهُ اختيارُهُ لَها فى أكثَرِ كتُبِهِ عَلى ما قيلَ، وعَدَمُ مَعروفيةِ حِكايةِ خِلافِهِ كنَقلِ الإجماعِ مِن تَلامِذَتِهِ، مَعَ أنَّهُ المؤَسِّسُ لِلمَذهَبِ».

  • وكما يلاحظ، فإنّه يدّعى الإجماع، حتّى إنّه لا يرى أى فرقٍ بين المشركين واليهود والنصارى من حيث النجاسة، وحتّى كلام الشيخ المفيد القائل بطهارة أهل الكتاب كما يستفاد من لفظة الكراهة، فإنّه يؤوّله، ويحمل الكراهة فيه على الحرمة!! ولكن إذا صرفنا النظر عن هذا التوجيه والتأويل المذكور، فإنّ دعواه حول الإجماع على نجاسة المشرك يمكن القبول بها، ولكن كما نبّه هو، فإنّ هذا الإجماع مبنى على استفادة النجاسة من الآية الشريفة، وبعبارةٍ أخرى: إنّ هذا الإجماع سيكون إجماعًا مدركيا لا كشفيا.

  • يقول العلّامة الحلّى- رضوان الله عليه- فى «القواعد»:

  • «والكافِرُ سَواءٌ كانَ أصليا أو مُرتَدًّا وسَواءٌ انتَمَى إلَى الإسلامِ كالخَوارِجِ والغُلاةِ أو لا»1).

  • فقد ذكر جميع أقسام الكافر، كنوعٍ من أنواع النجاسات، وحيث أنّه لا خلاف فى المسألة بين فقهاء الإمامية كما يظهر. بالتالى فإنّ ذكر أقوال الفقهاء حول المشرك سيؤدى إلى إطالة الكلام والخروج عن وضع الرسالة.

    1. قواعد الأحكام، ج 1، ص 191.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

85
  • وما ينبغى ذكره هنا، هو أنّهم تمسّكوا بمفاد الآية الشريفة، واستفادوا ظهورها فى النجاسة الاصطلاحية. وكما ذكرنا سابقًا، فإنّ الآية بنظرنا قاصرةٌ عن إفادة هذا المراد، والقرائن الحالية والمقامية، تؤيد عدم إفادتها له.

  •  ** *

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

87
  •  

  •  

  • الفصل الرابع: روايات الباب وكيفية دلالتها على المطلوب

  •  

  •  

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

89
  •  

  •  

  • بِسْمِ اللَهِ الرَّحْمنِ الرَّحيم

  •  

  •  

  • الدليل الثانى: الروايات الواردة فى الباب، مع بيان كيفية دلالتها

  • ممّا يجدر ذكره، أنّ الروايات الواردة عن المعصومين عليهم السلام لها مراتب مختلفةٌ؛ سواءً من جهة السند أم من جهة الدلالة، ما جعل طريق الاستفادة منها مشكلًا، وسبيل الاجتهاد بها صعبا، حتّى أنّ فقيهًا كصاحب «جواهر الكلام» قد حكمَ بنجاسة المشركين وأهل الكتاب فى بداية البحث، وعدّ ذلك مِن بديهيات المذهب وضرورياته1، كما اعتبر أنّ البحث والنِقاش فى هذا الموضوع تطويلٌ بلا طائل، إلّا أنّه فى آخر البحث، عدّ روايات الطهارة مُقدَّمةً من كلّ جهةٍ على روايات النجاسة، وإنما طرحها وحَكم بنجاسة المشركين وأهل الكتاب نظرًا لانعقاد الإجماع2.

  • وأمّا الآن فسنعمد إلى دراسة الروايات، وتحديد منزلة كلّ طائفةٍ، وسنقوم بعون الله وقُوّته بابراز النتيجة التى نصل إليها بنحوٍ مبرهنٍ.

  • الطائفة الأولى: الروايات التى تنصّ على الطهارة أو تظهر فيها

  • الطّائفة الأولى: وهى الروايات التى تنصّ على الطهارة أو التى لها ظهورٌ كافٍ فى طهارة أهل الكتاب وغيرهم:

    1. جواهر الكلام، ج 6، ص 42.( م)
    2. جواهر الكلام، ج 6، ص 44.( م)

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

90
  • 1- مُحَمَّدُ بنُ يعقوبَ، عَن مُحَمَّدِ بنِ يحيى، عَن أحمَدِ بنِ مُحَمَّدٍ، عَن على بنِ الحَكمِ، عَن مُعاويةَ بنِ وَهَبٍ، عَن زَكريا بنِ إبراهيمَ قالَ: «كنْتُ نَصْرَانِيا فَأَسْلَمْتُ، فَقُلْتُ لِأَبِى عَبْدِ اللَهِ عَلَيهِ السَّلَامُ: إِنَّ أَهْلَ بَيتِى عَلَى دِينِ النَّصْرَانِيةِ، فَأَكونُ مَعَهُمْ فِى بَيتٍ وَاحِدٍ وآكلُ مِنْ آنِيتِهِمْ؟ فَقَالَ لِى عَلَيهِ السَّلامُ: أيأْكلُونَ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: لَا باسَ»1.

  • وقد رويت هذه الرواية بطريقٍ آخر أيضًا2.

  • يصرّح الإمام عليه السلام فى هذه الرواية الصحيحة السند، بطهارة أهل الكتاب، ولا يعتبر أنّ هناك مانعًا من الاختلاط بهم إلّا أكلهم للحم الخنزير فقط، وأمّا فى غير هذه الحالة فلا إشكال فى الاختلاط بهم وتناول الطعام فى آنيتهم، وبعبارةٍ أخرى: لا يرى إشكالًا فى مشاركتهم الطعام. ولو أنّ لأهل الكتاب نجاسةً ذاتيةً، لتنجّست أوانيهم قطعًا بسبب مسّهم لها، ولكان الاختلاط بهم حرامًا طبعًا.

  • 2- مُحَمَّدُ بنُ الحَسَنِ [الطوسى، بسنده المتصل عن معاوية بن عمّار]، قالَ: «سَأَلْتُ أَبا عَبْدِ اللَهِ عَلَيهِ السَّلَامُ عَنِ الثِّيابِ السَّابُريةِ يعْمَلُهَا الْمَجوُسُ وَهُمْ أَخْباثٌ وَهُمْ يشْرَبُونَ الْخَمْرَ وَنِسَاؤُهُمْ عَلَى تِلْك الْحَالِ، أَلْبَسُهَا وَلَا أَغْسِلُهَا وَأُصَلِّى فِيهَا؟

    1. وسائل الشّيعة، ج 3، ص 517.
    2. وذلك في المحاسن، ج 2، ص 453؛ هذا وقد وردت هذه الرواية بنصّين أحدهما مختصر والآخر مطوّل، ولهما نفس الدلالة على المطلوب، وأمّا النصّ المذكور أعلاه وهو المختصر، فقد روي في الكافي، ج 6، ص 264؛ وفي المحاسن، بسندٍ متصلٍ عن زكريّا بن إبراهيم، وقد نقلت أيضًا في وسائل الشيعة بالتخريج أعلاه؛ كذلك وردت في الوافي، ج 19، ص 127، عن الكافي؛ وفي بحار الأنوار، ج 77، ص 49، عن المحاسن. وأمّا النصّ الآخر وهو المطول، فهو الحديث رقم( 20) من الأحاديث التي استعرضها سماحة المؤلّف، وسيأتي ذكره قريبا.( م)

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

91
  • قَالَ: نَعَمْ! قَالَ مُعَاوِيةُ: فَقَطَفْتُ1 لَهُ قَمِيصًا وَخِطْتُهُ وَفَتَلْتُ لَهُ إِزَارًا وَرِدَاءً مِنَ السَّابُرى، ثُمَّ بَعَثْتُ بِهَا إِلَيهِ فِى يوْمِ جُمُعَةٍ حِينَ ارْتَفَعَ النَّهَارُ، فَكأَنَّهُ عَرَفَ مَا أُرِيدُ، فَخَرَجَ بِهَا إِلَى الْجُمُعَةِ»2.

  • 3- وَباسنادِهِ [أى: الشيخ الطوسى] عَنِ الحُسَينِ بنِ سَعِيدٍ، عَن فَضالَةَ، عَن جَميلِ بنِ دَرّاجٍ، عَنِ المُعَلَّى بنِ خُنَيسٍ، قالَ: «سَمِعْتُ أبا عَبْدِ اللَهِ عَلَيهِالسَّلَامُ يقُولُ: لَا باسَ بالصَّلاةِ فى الثِّيابِ الَّتِى يعْمَلُهَا الْمَجُوسُ والنَّصَارَى والْيهُودُ»3.

  • 4- وباسنَادِهِ [أى: الشيخ الطوسى] عَن أحمَدَ بنِ محمَّدِ بنِ سَعيدِ بنِ عُقدَةَ، عَن أحمدَ بنِ الحَسنِ، عَن أبيهِ، عَن عَبدِاللَهِ بنِ جَميلِ بنِ عَياشٍ، عَن أبى على البَزّازِ، عَن أبيهِ قالَ: «سَأَلْتُ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَلَيهِ السَّلَامُ عَنِ الثَّوْبِ يعْمَلُهُ أَهْلُ الْكتَابِ، أُصَلِّى فِيهِ قَبْلَ أنْ يغْسَلَ؟ قَالَ: لَاباسَ، وَ إِنْ يغْسَلَ أَحَبُّ إِلَى»4.

  • 5- مُحمَّدُ بنُ يعقوبَ، عَن مُحَمَّدِ بنِ يحيى، عَن أحمَدَ بنِ مُحمَّدٍ وَمُحمَّدِ ابنِ الحُسَينِ، عَن عُثمانَ بنِ عيسَى، عَن سَماعَةَ عَن أبى بَصيرٍ، عَن أبى جَعفَرٍ عَلَيهِ السَّلامُ، قالَ: «قُلْتُ لَهُ: الطَّيلَسَانُ يعْمَلُهُ الْمَجُوسُ أُصَلِّى فِيهِ؟ قَالَ: أَلَيسَ يغْسَلُ بالْمَاءِ؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: لَا باسَ. قُلْتُ: الثَّوْبُ الْجَدِيدُ يعْمَلُهُ الْحَائِك، أُصَلِّى فِيهِ؟ قَالَ: نَعَمْ!»5.

    1. وردت في بعض النسخ:« فقطعتُ له ...».( م)
    2. وسائل الشّيعة، ج 3، ص 518.
    3. وسائل الشيعة، ج 3، ص 519.
    4. وسائل الشيعة، ج 3، ص 519.
    5. وسائل الشيعة، ج 3، ص 519.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

92
  • 6- مُحَمَّدُ بنُ عَلى بنِ الحُسَينِ، باسنادِهِ عَن أبى جَميلَةَ، عَن أبى عَبدِاللَهِ عَلَيهِ السَّلامُ: «أنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ ثَوْبِ الْمَجُوسِى، أَلْبَسُهُ وأُصَلِّى فِيهِ؟ قَالَ: نَعَمْ! قَالَ: قُلْتُ: يشْرَبُونَ الْخَمْرَ! قَالَ: نَعَمْ، نَحْنُ نَشْتَرِى الثِّيابَ السَّابُرِيةَ فَنَلْبَسُهَا ولَا نَغْسِلُهَا»1.

  • 7- عَبدُ اللَهِ بنُ جَعفَرٍ فى «قُربِ الإسنادِ»، عَن عَبدِاللَهِ بنِ الحَسَنِ، عَن جَدِّهِ عَلى بنِ جَعفَرٍ، عَن أخيهِ قالَ: «سَأَلْتُهُ عَنْ ثِيابِ الْيهُودِ وَالنَّصَارَى أَينَامُ عَلَيهَا الْمُسْلِمُ؟ قَالَ: لَاباسَ»2.

  • 8- أحمَدُ بنُ عَلى بنِ أبى طالِبٍ الطَّبَرْسى فى «الاحتِجاجِ»، عَن مُحَمَّدِ بنِ عَبدِ اللَهِ بنِ جَعفَرٍ الحِميرى، أنَّهُ كتَبَ إلَى صاحِبِ الزَّمانِ عَلَيهِ السَّلامُ: «عِنْدَنَا حَاكةٌ مَجُوسٌ، يأْكلُونَ الْمِيتَةَ وَلَا يغْتَسِلُونَ مِنَ الْجَنَابَةِ وَ ينْسِجُونَ لَنَا ثِيابا؛ فَهَلْ تَجُوزُ الصَّلاةِ فِيهَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تُغْسَلَ؟ فَكتَبَ إِلَيهِ فِى الْجَوَابِ: لَا باسَ بالصَّلاةِ فِيهَا»3.

  • 9- وَعَنهُ (مُحَمَّدِ بنِ أحمَدِ بنِ يحيى) عَن أحمَدَ بنِ مُحَمَّدٍ، عَن إبراهيمَ ابنِ أبى مَحمودٍ قالَ: «قُلْتُ لِلرِّضَا عَلَيهِ السَّلَامُ: الْجَارِيةُ النَّصْرَانِيةُ تَخْدِمُك وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهَا نَصْرَانِيةٌ لَا تَتَوَضَّأُ وَلَا تَغْتَسِلُ مِنْ جَنَابَةٍ؟ قَالَ: لَا باسَ؛ تَغْسِلُ يدَيهَا»4.

  • فى هذه الرواية تصريحٌ بطهارة أهل الكتاب، وذلك لأنّه:

    1. وسائل الشيعة، ج 3، ص 520؛[ و من لا يحضره الفقيه، ج 1، ص 259].
    2. وسائل الشيعة، ج 3، ص 520.
    3. وسائل الشيعة، ج 3، ص 520.
    4. وسائل الشيعة، ج 3، ص 422.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

93
  • أوّلًا: إنْ كان المراد من الخدمة فقط الاختلاط بها بدون أن تمسّ يدُ النصرانية باشياء المنزل وبدون سريان الرطوبة، فلا معنى عندئذٍ لكلام الإمام حينما قال: «لَا باسَ؛ تَغْسِلُ يدَيهَا».

  • وثانيا: إنّ الراوى جعل سؤاله عن سريان النجاسة منحصرًا فى حال كونها لا تتوضّأ وبقائها على الجنابة، ونعلم بذلك أنّ المرتكز عند الأصحاب والمسلمين فى ذلك الزمان هو أنّ طهارة أهل الكتاب أمرٌ مسلّمٌ وقطعى، وإلّا فباى مُبرّرٍ يسأل عن النجاسة العرضية المشكوكة الوجود، مع وجود النجاسة الذاتية؟!

  • وثالثًا: إنّ قول الإمام عليه السلام: «تَغْسِلُ يدَيهَا»، يجعل الأمر أكثر إشكالًا والوضع أكثر سوءً لو كانت نجاسة أهل الكتاب نجاسةً ذاتيةً! وبعبارةٍ أخرى: لكان بمثابة عذرٍ أقبح من ذنب؛ لأنّه بمجرّد ملاقاتها للماء، تبدأ النجاسة بالسراية إلى الأشياء المجاورة، وسوف تُنجّس كلّ محيط الإمام؛ لذا، مع الالتفات إلى النقاط أعلاه، يمكن اعتبار الحكم بطهارة أهل الكتاب أمرًا قطعيا ومُسلّمًا بسبب هذه الرواية الصحيحة.

  • 10- مُحَمَّدُ بنُ الحَسَنِ، باسنادِهِ عَن سَعدٍ، عَن أحمَدَ بنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ الحَسَنِ بنِ مَحبوبٍ، عَن عَبدِ اللَهِ بنِ سِنانٍ قالَ: «سَأَلَ أَبِى أَباعَبْدِاللَهِ عَلَيهِ السَّلَامُ وأَنَا حَاضِرٌ: إنّى أُعِيرُ الذِّمِى ثَوْبِى وَأَنَا أَعْلَمُ أَنَّهُ يشرَبُ الْخَمْرَ ويأْكلُ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ فَيرُدُّهُ عَلَى، فَأَغْسِلُهُ قَبْلَ أَنْ أُصَلِّى فِيهِ؟ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَهِ عَلَيهِ السَّلَامُ: صَلِّ فِيهِ ولَا تَغْسِلْهُ مِنْ أَجْلِ ذَلِك، فَإِنَّك أَعَرْتَهُ إِياهُ وهُوَ طَاهِرٌ ولَمْ تسْتَيقِنْ أَنَّهُ نَجَّسَهُ، فَلَا باسَ أَنْ تُصَلِّى فِيهِ حَتَّى تَسْتَيقِنَ أَنَّهُ نَجَّسَهُ»1.

    1. وسائل الشيعة، ج 3، ص 521؛[ وأيضًا في تهذيب الأحكام، ج 2، ص 361؛ والاستبصار، ج 1، ص 392].

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

94
  • على الرغم من أنّ هذه الرواية لا تصرّح بطهارة أهل الكتاب مثل الرواية السابقة، إلّا أنّ الظهور فى طهارة أهل الكتاب يقوى بوجهين:

  • الأوّل: أنّه بحسب الاستعمال المتعارف للباس واقترابه من رطوبة البدن أو الرطوبة الخارجية، إن لم نقل أنّه سيحصل مماسّة مُسرية مع بدن الكتابى بشكلٍ قطعى، فعلى الأقلّ سيتحقّق ظنٌّ غالبٌ رافعٌ للأصل هنا؛ لأنّه كما هو المرجّح فإنّ جريان الأصل فى صورة احتمال تبدّل الموضوع يبقى هو المحكم ما دام لم يوجد فى البين ظنٌّ متاخمٌ للعلم الذى هو نفس العلم العادى العرفى، وإلّا منع مِن جريان الأصل، كما حُقّق فى محلّه.

  • الوجه الثانى: أنّه على الرغم من علم الراوى باحراز المورد فى خصوص أهل الكتاب، إلّا أنّه جعل سؤاله للإمام متعلّقًا باكل الخنزير وشرب الخمر. وأمّا عدم سؤاله عن النجاسة الذاتية لأهل الكتاب، فناشىءٌ عن ارتكازٍ عند المسلمين بعدم نجاستهم الذاتية.

  • 11- مُحَمَّدُ بنُ يعقوبَ، عَن مُحَمَّدِ بنِ يحيى، عَن أحمَدَ بنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابنِ مَحبوبٍ، عَنِ العَلاءِ بنِ رَزينٍ، عَن مُحَمَّدِ بنِ مُسلِمٍ قالَ: «سَأَلْتُ أَبا جَعْفَرٍ عَلَيهِ السَّلَامُ عَن آنِيةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ والْمَجُوسِ.

  • فَقَالَ: لَا تَأْكلُوا فِى آنِيتِهِمْ، ولَا مِنْ طَعَامِهِمُ الَّذِى يطْبُخُونَ، ولَا فِى آنِيتِهِمُ الَّتِى يشْرَبُونَ فِيهَا الْخَمْرَ»1.

  • على الرغم من أنّ صدر هذه الرواية فيه نهى عن مباشرة أوانى أهل الكتاب، إلّا أنّ ذيلها يخصّص الاجتناب بالأوانى المعدّة لشرب الخمر؛ وأمّا فى غير هذه الحالة فلا يوجد أى تفصيل بين الأوانى التى يأكلون فيها الطعام أو

    1. وسائل الشيعة، ج 3، ص 419[ وأيضًا في الكافي، ج 6، ص 264؛ وتهذيب الأحكام، ج 9، ص 88؛ و المحاسن، ج 2، ص 454].

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

95
  • يشربون فيها شرابا آخر؛ ولذا يمكن أن نعدّ هذه الرواية من جملة الروايات الظاهرة فى طهارة أهل الكتاب.

  • 12- وَعَنهُ [محمّد بن يعقوب]، عَن أحمَدَ بنِ مُحَمَّدٍ، عَن عَلى بنِ الحَكمِ، عَن عَبدِ اللَهِ بنِ يحيى الكاهِلى، قالَ: «سَأَلْتُ أَبا عَبْدِ اللَهِ عَلَيهِ السَّلَامُ عَنْ قَوْمٍ مُسْلِمينَ يأْكلُونَ وحَضَرَهُمْ رَجُلٌ مَجُوسِى، أَيدْعُونَهُ إِلَى طَعَامِهِمْ؟ فَقَالَ: أَمَّا أَنَا فَلَا أُوَاكلُ الْمَجُوسِى. وأَكرَهُ أَنْ أُحَرِّمَ عَلَيكمْ شَيئًا تَصْنَعُونَهُ فِى بِلَادِكمْ»1).

  • فى هذه الرواية أيضًا يوجد إشعارٌ ظاهرٌ بطهارة أهل الكتاب؛ لأنّه:

  • أوّلًا: إجابة الإمام عليه السلام عن السؤال بقوله: «أَمَّا أَنَا فَلَا أُوَاكلُ الْمَجُوسِى»! فلو كانت نجاسة أهل الكتاب [الذاتية] مسلّمةً عند الإمام، فما معنى هذه العبارة؟! كان على الإمام أن يقول: غير جائزٍ وينبغى أن يترك.

  • وثانيا: جوابه بانّه: «أَكرَهُ أَنْ أُحَرِّمَ عَلَيكمْ شَيئًا تَصْنَعُونَهُ فِى بِلَادِكمْ»، لا يجعل مجالًا للشك بانّ الإمام يريد أن يحكم بكراهة المماسة مع أهل الكتاب، لا بحرمة ذلك؛ لأنّه فى حال التيقّن بالحرمة، فمِن غير الجائز على الإمام أن يوقع الناس هكذا فى الجهالة والضلالة والفساد؛ وهو مثل ما لو قال الإمام عن أفرادٍ يشربون الخمر: أنا لا أريد أن أحرّم عليكم شرب الخمر لأنّكم تشربونها عادةً!

  • وبناءً على هذا، فالمراد من الرواية ها هنا هو الكراهة.

    1. وسائل الشيعة، ج 3، ص 419.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

96
  • 13- أبو عَلى الأشعَرى، عَن مُحَمَّدِ بنِ عَبدِ الجَبارِ، عَن صَفوانَ، عَن عيصِ بنِ القاسِمِ، قالَ: «سَأَلْتُ أَبا عَبْدِ اللَهِ عَلَيهِ السَّلَامُ عَنْ مُؤَاكلَةِ الْيهُودِى والنَّصْرَانِى والْمَجُوسِى، قَالَ: فَقَالَ: إِنْ كانَ مِنْ طَعَامِك فَتَوَضَّأَ فَلَا باسَ بِهِ»1.

  • وفى هذه الرواية تصريحٌ بطهارتهم.

  • 14- مُحَمَّدُ بنُ يحيى، عَن أحمَدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عيسَى، عَن مُحَمَّدِ بنِ سِنانٍ، عَن عَمّارِ بنِ مَروانَ، عَن سَماعَةَ قالَ: «سَأَلْتُ أَبا عَبْدِ اللَهِ عَلَيهِ السَّلَامُ عَنْ طَعَامِ أَهْلِ الْكتَابِ وَمَا يحِلُّ مِنْهُ، قَالَ: الْحُبُوبُ»2.

  • وفى هذه الرواية أيضًا ظهورٌ قريبٌ من التصريح بطهارتهم؛ لأنّ طعام أهل الكتاب المعدَّ والمطبوخ من الحبوب، إنّما أعِدّ قَطعًا من خلال مسّهم له بايديهم الرطبة، ولو أنّهم نجسون نجاسةً عينيةً فإنّ الطعام سيصبح نجسًا، وتناوله محرّمًا.

  • ومن هنا، يبدو عجيبا وغريبا جدّا ما ورد فى بعض الفتاوى من الحكم بعدم طهارتهم بالاستناد إلى حلية الحبوب من طعام أهل الكتاب، وذلك بهذا البيان: إنّ الحبوب فى حدّ نفسها ليست نجسةً، وأمّا عروض النجاسة عليها فهو مرتفعٌ بالأصل أيضًا؛ لأنّ أكل نفس الحبوب (يعنى غير المطبوخة منها)، هو أمرٌ غريبٌ جدّا وغير متعارفٍ، وأمّا المطبوخ منها، فهو قطعًا ممّا لامسته الرطوبة التى فى أيدى أهل الكتاب، وهذا الأمر ممّا لا شبهة فيها؛ وبناءً على ذلك، فكما ذكرنا: فى هذه الرواية ظهورٌ تامٌّ فى الطهارة، إن لم نقل فيها تصريحٌ بذلك.

    1. الكافي، ج 6، ص 263.
    2. الكافي، ج 6، ص 263؛[ و المحاسن، ج 2، ص 455].

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

97
  • 15- عِدَّةٌ مِن أصحابِنا، عَن أحمَدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ خالِدٍ، عَن عُثمانَ بنِ عيسَى، عَن سَماعَةَ، عَن أبى عَبدِ اللَهِ عَلَيهِ السَّلامُ: «قالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ طَعَامِ أَهْلِ الْكتَابِ ومَا يحِلُّ مِنْهُ، قَالَ: الْحُبُوبُ»1.

  • ودلالة هذه الرواية كدلالة الرواية السابقة.

  • 16- مُحَمَّدُ بنُ يحيى، عَن أحمَدَ بنِ مُحَمَّدٍ، عَن مُحَمَّدِ بنِ سِنانٍ، عَن أبى الجارودِ قالَ: «سَأَلْتُ أَبا جَعْفَرٍ عَلَيهِ السَّلَامُ عَنْ قَوْلِ اللَهِ عَزَّوجَلَّ: (وَ طَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَ طَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ)2 فَقَالَ عَلَيهِ السَّلَامُ: الْحُبُوبُ والْبُقُولُ»3.

  • بالإضافة إلى دلالة هذه الرواية بالاستدلال السابق، فإنّ الآية الشريفة المذكورة تدلّ أيضًا على طهارتهم.

  • 17- أبو عَلى الأشعَرى، عَن مُحَمَّدِ بنِ عَبدِ الجَبارِ، عَن صَفوانَ ابنِيحيى، عَن إسماعيلَ بنِ جابِرٍ قالَ: «قُلْتُ لِأَبِى عَبْدِ اللَهِ عَلَيهِالسَّلَامُ: مَا تَقُولُ فِى طَعَامِ أَهْلِ الْكتَابِ؟ فَقَالَ: لَا تَأْكلْهُ! ثُمَّ سَكتَ هُنَيئَةً، ثُمَّ قَالَ: لَا تَأْكلْهُ! ثُمَّ سَكتَ هُنَيئَةً، ثُمَّ قَالَ: لَا تَأْكلْهُ ولَا تَتْرُكهُ تَقُولُ: إِنَّهُ حَرَامٌ. وَلَكنْ تَتْرُكهُ تَنَزُّهًا عَنْهُ، إِنَّ فى آنِيتِهِمُ الْخَمْرَ ولَحْمَ الْخِنْزِيرِ»4).

  • فى هذه الرواية تصريحٌ بطهارتهم الذاتية.

    1. الكافي، ج 6، ص 263.
    2. سورة المائدة( 5)، مقطع من الآية 5.
    3. الكافي، ج 6، ص 264؛[ و المحاسن، ج 2، ص 454].
    4. الكافي، ج 6، ص 264.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

98
  • 18- وبِهَذا الإسنادِ1 عَن عَلى بنِ أبى طالِبٍ عَلَيهِ السَّلامُ: «أَنَّ النَّبِى صَلَّى اللَهُ عَلَيهِ وآلِهِ دَعَاهُ رَجُلٌ مِنَ الْيهُودِ إِلَى طَعَامٍ، ودَعَا مَعَهُ نَفَرًا مِن أصحابِهِ، فَقالَ النَّبِى صَلَّى اللَهُ عَلَيهِ وآلِهِ: أَجِيبُوا! فَأَجَابُوا وأَجَابَ النَّبِى صَلَّى اللَهُ عَلَيهِ وآلِهِ فَأكلَ»2.

  • ودلالة هذه الرواية على طهارة أهل الكتاب تامّةٌ أيضًا.

  • 19- العَياشى فى تَفْسيرِهِ، عَن أبى عَبدِ اللَهِ عَلَيهِ السَّلامُ فى حَديثٍ: «أَنَّهُ قَالَ رَجُلٌ: فَأَينَ قَوْلُ اللَهِ: (وَ طَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ)؟ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَهِ عَلَيهِ السَّلَامُ: كانَ أَبِى عَلَيهِ السَّلَامُ يقُولُ: إِنَّمَا ذَلِك الْحُبُوبُ وَأَشْباهُهَا»3.

  • ذُكر سابقًا نظير هذه الرواية، وكذلك تمّ بيان كيفية الاستدلال بها على طهارة أهل الكتاب.4

  • 20- سِبطُ الطَّبْرسى فى «مِشكاةِ الأنوارِ»، نَقلًا مِن كتابِ «المَحاسِنِ» لِلبَرقى، عَن مُعاويةَ بنِ وَهَبٍ، عَن زَكريا بنِ إبراهيمَ قالَ: «كنْتُ نَصْرَانِيا فَأَسْلَمْتُ وَحَجَجْتُ، فَدَخَلْتُ عَلَى أَبِىعَبْدِاللَهِ عَلَيهِ السَّلَامُ وقُلْتُ لَهُ: إِنّى كنْتُ مِنَ النَّصْرَانِيةِ وَإِنّى

    1. وهو الإسناد المطابق لما ورد في كتاب« الجعفريّات»، ص 159؛ ونصّ الإسناد في« المستدرك»: الْجَعْفَرِيَّاتُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ عليه السلام.( م)
    2. مستدرك الوسائل، ج 16، ص 234.
    3. مستدرك الوسائل، ج 16، ص 198؛[ و تفسير العياشي، ج 1، ص 296؛ وبحارالأنوار، ج 63، ص 24].
    4. راجع ص 96 من هذا الكتاب، الحديث 14.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

99
  • أَسْلَمْتُ؛- إِلَى أَنْ قَالَ-: ثُمَّ قالَ: عَلَيهِ السَّلامُ: اللَهُمَّ اهْدِهِ! ثَلَاثًا؛ سَلْ عَمَّا شِئْتَ يا بُنَى!

  • فَقُلْتُ: إِنَّ أُمِّى وأَهْلَ بَيتِى عَلَى النَّصْرَانِيةِ، وأُمِّى مَكفُوفَةُ الْبَصَرِ، فَأَكونُ مَعَهُمْ وآكلُ مِنْ بَيتِهِمْ. فَقَالَ: يأْكلُونَ لَحْمَ الْخِنْزيرِ؟ فَقُلْتُ: لَا، ولَا يمَسُّونَهُ. قَالَ: لَا باسَ- الخَبَرَ»1.

  • وقد ذُكر سابقًا2 نظير هذه الرواية فى دلالتها على الطهارة الذاتية لأهل الكتاب.

  • 21- كتابُ دُرُستَ بنِ أبى مَنصورٍ، عَن إسماعيلَ بنِ جابِرٍ، عَن أبى عَبدِ اللَهِ عَلَيهِ السَّلامُ قالَ: «قُلْتُ لِأَبِى عَبدِ اللَهِ عَلَيهِ السَّلَامُ: جُعِلْتُ فِدَاك! آكلُ مِن طَعَامِ اليهُودِى والنَّصرَانِى؟ قَالَ: فَقَالَ: لَا تَأْكل! قَالَ: ثُمَّ قَالَ: يا إسْمَاعِيلُ! لَا تَدَعهُ تَحرِيمًا لَهُ، ولَكنْ دَعْهُ تَنَزُّهًا لَهُ وَتَنَجُّسًا لَهُ؛ إِنَّ فى آنِيتِهِمُ الخَمرَ والخِنزِيرَ»3.

  • فى هذه الرواية تصريحٌ بالطهارة الذاتية، وبانّ اجتناب مؤاكلتهم هو بسبب عدم اجتنابهم عن تناول لحوم الخنزير والخمر.

    1. مستدرك الوسائل، ج 16، ص 199.
    2. مستدرك الوسائل، ج 16، ص 199.[ هذا وقد وردت هذه الرواية مع اختلافٍ يسير في العبارة في كلٍّ من: الكافي، ج 2، ص 160 بهذا الإسناد:« عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ عَلِيِّ ابْنِ الْحَكَمِ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ إِبْرَاهِيمَ»؛ كما رُويت أيضًا في كلٍّ من مشكاة الأنوار، ص 159( عن معاوية بن وهب عن زكريا بن إبراهيم ...)، وفي الوافي، ج 5، ص 499 نقلًا عن الكافي، وفي بحار الأنوار، ج 47، ص 374؛ وأمّا في وسائل الشيعة، فقد رواها بنفس الإسناد ولكنّها ملخّصة على ما يظهر، راجع: وسائل الشيعة، ج 21، ص 491].
    3. راجع: ص 90 من هذا الكتاب، الحديث 1.( م)

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

100
  • 22- مُحَمَّدُ بنُ الحَسَنِ، باسنادِهِ عَن سَعدِ بنِ عَبدِ اللَهِ، عَن أحمَدَ ابنِ الحَسَنِ بنِ عَلى بنِ فَضّالٍ، عَن عَمرِو بنِ سَعيدٍ المَدائِنى، عَن مُصَدِّقِ بنِ صَدَقةَ، عَن عَمّارٍ السّاباطى، عَن أبى عَبدِ اللَهِ عَلَيهِ السَّلامُ، قالَ: «سَأَلْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ: هَلْ يتَوَضَّأُ مِن كوزِ أَو إِنَاءِ غَيرِهِ إِذَا شَرِبَ مِنْهُ عَلَى أَنَّهُ يهُودِى؟ فَقَالَ: نَعَمْ! فَقُلْتُ: مِنْ ذَلِك الْمَاءِ الَّذِى يشْرَبُ مِنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ»1.

  • كذلك فى هذه الرواية تصريحٌ بطهارة أهل الكتاب، ولم يبقِ الإمام عليه السلام للراوى أى نوعٍ للشك مع تكراره للسؤال.

  • 23- عَن أحمَدَ بنِ إدريسَ، عَن مُحَمَّدِ بنِ أحمَدَ بنِ يحيى، عَن أيوبَ ابنِ نوحٍ، عَنِ الوَشّاءِ، عَمَّن ذَكرَهُ، عَن أبى عَبدِ اللَهِ عَلَيهِ السَّلامُ: «أَنَّهُ كرِهَ سُؤْرَ وَلَدِ الزِّنَا، وَسُؤْرَ الْيهُودِى والنَّصْرَانِى، والْمُشْرِك، وَكلِّ مَا [مَن خ ل] خَالَفَ الْإسْلَامَ، وكانَ أَشَدُّ ذَلِك عِنْدَهُ سُؤْرَ النَّاصِبِ»2).

  • على الرغم من أنّ هذا الحديث مرسلٌ، ولكنّ رواة الحديث يحكون عن صحّة انتسابه للإمام عليه السلام، مضافًا إلى أنّ مضمونه موافقٌ لمضمون سائر الأحاديث المسندة والصحيحة التى ذُكرت سابقًا.

    1. وسائل الشيعة، ج 1، ص 229.
    2. وسائل الشيعة، ج 1، ص 229؛[ وأيضًا وردت في الكافي، ج 3، ص 11؛ وتهذيب الأحكام، ج 1، ص 223؛ والاستبصار، ج 1، ص 18 بنفس السند المذكور أعلاه عن محمّد بن يعقوب].

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

101
  • وينبغى أن نُذعِن بانّ جميع أصناف الناس محكومون عند الإمام عليه السلام بالطهارة الذاتية، وظهور لفظِ «كرهَ» فى عدم النجاسة فيه دلالةٌ على هذا المعنى، مضافًا إلى قرينة وحدة السياق، لأنّ سؤر ولد الزنا ليس نجسًا بالإجماع، وحمل لفظ «كرهَ» على كلٍّ من مصداقى نجس العين وطاهر العين مستبعدٌ جدًا؛ بل غير مستساغٍ أن يصدر ذلك من الإمام عليه السلام؛ لأنه إن كان المراد من كراهة النفس، هو كون التناول مكروهًا بسبب كدورة الطعام،

  • فستشمل هذه القاعدة العديد من أصناف الطعام [والتى نعلم حتمًا طهارتها]، من قبيل سؤر الحائض وغيره؛ ولذا فاختصاص الكتابى والمشرك بالنجاسة ووجوب اجتنابهما، واختصاص ولد الزنا بالطهارة مع استحسان اجتنابه، بعيدٌ عن أسلوب الكلام والحوار.

  • والمستفاد من مجموع هذه الروايات- والتى ينبغى أن تحسب ممّا وصل إلى حدّ التواتر- الحكم القطعى بالطهارة الذاتية لأهل الكتاب؛ لأنّه فى بعضها تصريحٌ بالطهارة، من قبيل الرواية الأولى، والتاسعة، والثانية عشر، والسابعة عشر، والعشرين، والحادية والعشرين، والثانية والعشرين؛ وأمّا بقية الروايات فهى كذلك تتمتّع بظهورٍ غير قابلٍ للشك والتردّد فى طهارتهم. ولهذا مع ملاحظة الأمر المذكور، عدّ المرحوم الشيخ الأنصارى- رحمة الله عليه- الحكم بطهارة أهل الكتاب طبقًا للروايات الواردة هو المتعين لولا مسألة الإجماع المدّعى وحكم الأصحاب بنجاستهم1، وهذا الأمر يبدو عجيبا وغريبا جدًا كما سنبينه فيما بعد.

    1. كتاب الطهارة( للشيخ الأنصاري)، ج 5، ص 101.( م)

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

102
  • الطائفة الثانية: الروايات الناهية عن الاحتكاك والارتباط باهل الكتاب

  • وأمّا الطائفة الثانية: فهى الروايات التى نُهى فيها عن التَّماس والارتباط باهل الكتاب، ولكن مع أدنى تأمّل يمكن تحديد الغرض والحكمة من النهى فى كلام الإمام عليه السلام:

  • 1- عَن أبى عَلى الأشعَرى، عَن مُحَمَّدِ بنِ عَبدِ الجَبارِ، عَن صَفوانَ، عَنِ العَلاءِ بنِ رَزينٍ، عَن مُحَمَّدِ بنِ مُسلِمٍ، عَن أبى جَعْفَرٍ

  • عَلَيهِالسَّلامُ: «فِى رَجُلٍ صَافَحَ رَجُلًا مَجُوسِيا، فَقَالَ: يغْسِلُ يدَهُ، ولَا يتَوَضَّأُ»1.

  • 2- عَن حَميدِ بنِ زيادٍ، عَنِ الحَسَنِ بنِ مُحَمَّدٍ، عَن وُهَيبِ بنِ حَفصٍ، عَن أبى بَصيرٍ، عَن أحَدِهِما عَلَيهِما السَّلامُ: «فِى مُصَافَحَةِ الْمُسْلِمِ الْيهُودى وَ النَّصْرَانِى، قَالَ: مِنْ وَرَاءِ الثَّوْبِ؛ فَإِنْ صَافَحَك بِيدِهِ فَاغْسِلْ يدَك»2.

  • 3- وعَن عِدَّةٍ مِن أصحابِنا، عَن أحمَدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ خالِدٍ، عَن يعقوبَ بنِ يزيدَ، عَن عَلى بنِ جَعفَرٍ، عَن أخيهِ أبى الحَسَنِ موسَى عَلَيهِ السَّلامُ، قالَ: «سَأَلْتُهُ عَن مُؤَاكلَةِ الْمَجُوسِى فِى قَصْعَةٍ وَاحِدَةٍ، وأرقُدَ مَعَهُ عَلَى فِرَاشٍ وَاحِدٍ، وأصَافِحَهُ؟ قَالَ: لَا»3.

  • 4- وعَنهُم، عَن أحمَدَ، عَن إسماعيلَ بنِ مِهرانَ، عَن مُحَمَّدِ بنِ زيادٍ، عَن هارونَ بنِ خارِجَةَ قالَ: «قُلْتُ لِأَبى عَبْدِ اللَهِ عَلَيهِ السَّلَامُ: إِنّى أُخَالِطُ الْمَجُوسَ، فآكلُ مِنْ طَعَامِهِمْ؟ قَالَ: لَا»4.

    1. وسائل الشيعة، ج 3، ص 419.
    2. وسائل الشيعة، ج 3، ص 420.
    3. وسائل الشيعة، ج 3، ص 420.
    4. وسائل الشيعة، ج 3، ص 421.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

103
  • 5- وعَن عَلى بنِ إبراهيمَ، عَن أبيهِ، عَن عَبدِ اللَهِ بنِ المُغَيرَةِ، عَن سَعيدِ الأعرَجِ، قالَ: «سَأَلْتُ أَبا عَبْدِ اللَهِ عَلَيهِ السَّلَامُ عَنْ سُؤْرِ الْيهُودِى والنَّصْرَانِى. فَقَالَ: لَا»1.

  • وكما هو الملاحظ فى هذه الروايات، ليس هناك أى شاهدٍ على النجاسة الذاتية لأهل الكتاب؛ لأنّ الراوى ركز سؤاله على جواز المؤاكلة ومشاركة أهل الكتاب الطعام، وليس على نجاستهم الذاتية، وأمّا نهى الإمام عليه السلام، فكما يمكن أن يترتّب على نجاسة أهل الكتاب الذاتية، كذلك يمكن أن يترتّب على عدم طهارتهم العرضية الناشئة من عدم اجتنابهم للخمر ولحم الخنزير، وذلك كما بيناه فى روايات الطائفة الأولى.

  • وبناءً على هذا، لا ينعقد أى ظهورٍ فى أنّ الحرمة ناشئة من النجاسة الذاتية. ولولا الروايات الصريحة بالطهارة الذاتية لأهل الكتاب، لكان المقام، مقامَ جريان الأصل والحكم بالطهارة.

  • كذلك فإنّ الإمام عليه السلام لم يكن نهيه فى أى روايةٍ من هذه الروايات بسبب النجاسة الذاتية لأهل الكتاب، وإنّما كان أمرًا بالاجتناب فقط؛ وهذه المسألة فيها إشارة وتلميحٌ إلى نجاستهم العرضية.

  • كذلك مع وجود الروايات الصريحة بطهارتهم، فمقتضى قاعدة الجمع الحكمَ بطهارتهم الذاتية، وكراهة مؤاكلتهم بسبب عدم اجتنابهم عن النجاسات عادةً، والشاهد على ما نحن فيه، هو الرواية التالية:

  • وعَنهُ [أبو على الأشعرى]، عَنِ الحَسَنِ بنِ عَلى الكوفى، عَن عَباسِ ابنِ عامِرَ، عَن عَلى بنِ مَعمَرٍ، عَن خالِدَ القَلانِسى، قَالَ: «قُلْتُ لِأَبِى

    1. وسائل الشيعة، ج 3، ص 420.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

104
  • عَبدِ اللَهِ عَلَيهِالسَّلَامُ: أَلْقَى الذِّمِّى فَيصافِحُنِى. قَالَ: امْسَحهَا بالتُّرَابِ وبالْحَائِطِ! قُلْتُ: فَالنَّاصِبَ؟ قَالَ: اغْسِلْهَا»1.

  • لقد أمرَ الإمام عليه السلام فى هذه الرواية بازالة القذارة بمسحها بالتراب أو بالحائط، ومقتضى فقه الحديث هو أنّه فى حال عدم الرطوبة فى يد الذمّى، فأى مبرّرٍ للإزالة؟ وكيف يحكم الإمام عليه السلام بالنسبة للذمّى بالإزالة بواسطة التراب أو الحائط، أمّا بالنسبة للناصب فيحكم بالإزالة بالماء، مع أنّ يديهما كليهما جافّةٌ، ولا فرق بين الأمرين الجافّين فى مسألة سراية النجاسة؟ وبالتالى قطعًا ينبغى أن يكون الأمر فى حال رطوبة اليد وسراية عرق البدن إلى يد المسلم؛ وفى هذه الحال إن كان الذمى محكومًا عليه بالنجاسة الذاتية، فكيف ترتفع بالمسح بالتراب أو بالحائط؟ مضافًا إلى ذلك، كيف حُكم بالنسبة للناصب بالإزالة بالماء، فهل هناك فرقٌ بين الناصب وغير الناصب من ناحية ترتّب الحكم بالنجاسة الذاتية؟

  • ولهذا يمكن أن نعدّ هذه الرواية من جملة الروايات الدالّة على الطهارة الذاتية للذمّى وغير الذمّى، لأنّ وحدة السياق فى الذمّى والناصب تُظهر الحكم بقذارتهم العرضية وليس الذاتية؛ غاية الأمر أنّها أشدّ وأقوى فى الناصب.

  • وعلى هذا، فإنّ حملَ المرحوم الشيخ الحرّ- رحمة الله عليه- الروايةَ على عدم الرطوبة لا يخلو من الإشكال.2

    1. وسائل الشيعة، ج 3، ص 420.
    2. راجع: وسائل الشيعة، ج 3، ص 420.( م)

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

105
  • ونظير الروايات السابقة، الرواياتُ التى اعتبرها العديد من الفقهاء دليلًا على نجاسة أهل الكتاب:

  • 1- وباسنادِهِ عَن عَلى بنِ جَعفَرٍ: «أَنَّهُ سَأَلَ أَخَاهُ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عَلَيهِالسَّلَامُ عَنِ النَّصْرَانِى يغْتَسِلُ مَعَ الْمُسْلِمِ فِى الْحَمَّامِ، قَالَ: إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ نَصْرَانِى اغْتَسَلَ بِغَيرِ مَاءِ الْحَمَّامِ، إِلَّا أَنْ يغْتَسِلَ وَحْدَهُ عَلَى الْحَوْضِ فَيغْسِلُهُ ثُمَّ يغْتَسِلُ. وسَأَلَهُ عَنِ الْيهُودِى والنَّصْرَانِى يدْخِلُ يدَهُ فِى الْمَاءِ أَيتَوَضَّأُ مِنْهُ لِلصَّلَاةِ؟ قَالَ: لَا؛ إِلَّا أَنْ يضْطَرَّ إِلَيهِ»1).

  • يحكم الإمام عليه السلام فى هذه الرواية أيضًا بان لا يغتسل المسلم بدايةً فيما إذا كان الكتابى قد اغتسل فى نفس ذلك الماء، ثمّ فى آخر الرواية، يقول: إن لم يكن هناك ماءٌ غيره، يمكن له أن يتوضّأ بنفس ذلك الماء؛ مع أنّه واضحٌ جدًّا أنّ الوضوء يجب أن يكون بالماء الطاهر، وحينما لا يجد المكلّف ماءً طاهرًا للصلاة، يجب عليه أن يتمّم بدلًا من الماء، لا أنّه يمكنه أن يغتسل أو يتوضّأ بنفس الماء النجس.

  • ومن هذا الباب الرواية التالية:

  • 2- وباسنادِهِ عَن مُحَمَّدِ بنِ أحمَدَ بنِ يحيى، عَنِ العَمرَكى، عَن عَلى ابنِ جَعفَرٍ، عَن أخيهِ موسَى بنِ جَعفَرٍ عَلَيهِ السَّلامُ قالَ: «سَأَلْتُهُ عَنْ فِرَاشِ الْيهُودِى والنَّصْرَانِى ينَامُ عَلَيهِ؟ قَالَ: لَاباسَ، ولَا يصَلَّى فِى ثِيابِهِمَا. وقَالَ: لَا يأْكلُ الْمُسلِمُ مَعَ الْمَجُوسِى فى قَصعَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَا يقْعِدُهُ عَلَى فِرَاشِهِ ولَا مَسْجِدِهِ ولَا يصَافِحُهُ.

    1. وسائل الشيعة، ج 3، ص 421.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

106
  • قال و سالته عن رجل اشترى ثوبا من السوق للبس لا يدرى لمن كان هل تصح [تصلح خ ل] الصلاة فيه قال ان اشتراه من مُسْلِمٍ فَلْيصَلِّ فِيهِ، وإِنِ اشْتَرَاهُ مِنْ نَصْرَانِى فَلَا يصَلِّى فِيهِ حَتَّى يغْسِلَهُ»1.

  • وكذلك هذه الرواية:

  • 3- أحمَدُ بنُ أبى عَبدِ اللَهِ البَرقِى فى «المَحاسِنِ»، عَن مُحَمَّدِ ابنِعيسَى، عَن صَفوانَ بنِ يحيى، عَن موسَى بنِ بَكرٍ، عَن زُرارَةَ، عَن أبى عَبدِ اللَهِ عَلَيهِ السَّلامُ: «فِى آنِيةِ الْمَجوُسِ؟ قَالَ: إذَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيهَا فَاغْسِلُوهَا بالْمَاءِ»2.

  • وهذه الروايات هى الأخرى تشمل نفس حكم الروايات السابقة؛ لأنّه على الرغم من أنّ النهى عن التناول فى آنية المجوس أو لبس الثياب، بدون الأخذ بعين الاعتبار الروايات الدالّة على الحلّية- كما مرّ- موجبٌ للظهور البدوى بنجاستهم، إلّا أنّ صريح الروايات الدالّة على الحلّية فى جميع المواطن المذكورة، لا يبقى مجالًا للشك بالبناء على النجاسة الذاتية لأهل الكتاب، وبالتالى فالنهى فى هذه الروايات هو من باب الترجيح والاحتياط واجتناب القذارة، وليس من باب النهى التحريمى المولوى.

  • وعلى الرغم من وجود رواياتٍ أخرى فى هذا الباب، إلّا أنّها كما مرّ، إمّا صريحة فى الدلالة على طهارتهم، أو ظاهرةٌ فى ذلك، أو أنّها سوف ترجع إلى الروايات الدالّة على الطهارة.

    1. وسائل الشيعة، ج 3، ص 421.
    2. وسائل الشيعة، ج 3، ص 422.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

107
  • أمّا النقطة الجديرة بالذكر فهى: على الرغم من أنّنا قد نُشاهد إرسالًا فى بعض الأدلّة أو ضعفًا، ولكن مع ملاحظة صحّة سند باقى الروايات ودلالتها القطعية، لا يبقى شك للفقيه فى الدلالة على الطهارة الذاتية. وأمّا التشكيك [من قبل بعض الفقهاء] فى تعين هذه الطائفة من الروايات فليس بلحاظ نفس دلالتها ولا من جهة استنادها للمعصوم، بل من جهتين أخريين: الأولى: ادّعاء إجماع الإمامية على نجاسة أهل الكتاب؛ والثانية: إعراض الأصحاب عن هذه الطائفة من الروايات. ولكن كما سوف نذكر لاحقًا، فإنّ كلا الأمرين مخدوشٌ وفيه إشكال على التحقيق.

  • الطائفة الثالثة: طائفة جواز الزواج من أهل الكتاب

  • إحدى الأدلّة على طهارة أهل الكتاب، جواز الزواج منهم، والروايات فى هذا الباب خارجةٌ عن حدّ التواتر؛ من جملتها:

  • 1- مُحَمَّدُ بنُ يعقوبَ، عَن مُحَمَّدِ بنِ يحيى، عَن أحمَدَ بنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ الحَسَنِ بنِ مَحبوبٍ، عَن مُعاويةَ بنِ وَهبٍ وغَيرِهِ جَميعًا عَن أبى عَبدِاللَهِ عَلَيهِ السَّلامُ: «فِى الرَّجُلِ الْمُؤْمِنِ يتَزَوَّجُ الْيهُودِيةَ وَالنَّصْرَانِيةَ، فَقَالَ: إِذَا أَصَابَ الْمُسْلِمَةَ فَمَا يصْنَعُ بالْيهُودِيةِ والنَّصْرَانِيةِ؟! فَقُلْتُ لَهُ: يكونُ لَهُ فِيهَا الْهَوَى، قَالَ: إِنْ فَعَلَ فَلْيمْنَعْهَا مِنْ شُرْبِ الْخَمْرِ وأَكلِ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ؛ واعْلَمْ أَنَّ عَلَيهِ فِى دِينِهِ غَضَاضَةً»1.

  • يستفاد من هذه الرواية الصحيحة السند أنّه لا مانع شرعًا [من الزواج بالكتابية] كما هو واضحٌ، لكنّ الكراهة هى فقط من باب الاختلاط والمسائل الروحية والتأثيرات والتأثّرات.2

  • طهارة الإنسان ؛ ص108
    1. وسائل الشيعة، ج 20، ص 536.
    2. حسينى طهرانى، سيد محمد محسن، طهارة الإنسان، 1جلد، دار المحجة البيضاء - بيروت - لبنان، چاپ: 2، 1437 ه.ق.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

108
  • 2- وعَنهُ، عَن أبيهِ، عَن إسماعيلَ بنِ مَرّارٍ وغَيرِهِ، عَن يونُسَ عَنهُم عَلَيهِمُ السَّلامُ قالَ: «لَا ينْبَغِى لِلْمُسْلِمِ الْمُوسِرِ أَنْ يتَزَوَّجَ الْأَمَةَ إِلَّا أَنْ لَا يجِدَ حُرَّةً؛ وكذَلِك لَا ينْبَغِى لَهُ أَنْ يتَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْكتَابِ إِلَّا فِى حَالِ ضَرُورَةٍ حَيثُ لَا يجِدُ مُسْلِمَةً حُرَّةً ولَا أَمَةً»1.

  • 3- وعَن عَلى بنِ إبراهيمَ، عَن أبيهِ، عَن إسمَعيلَ بنِ مَرّارٍ، عَن يونُسَ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ، عَن مُحَمَّدِ بنِ مُسلِمٍ، عَن أبى جَعفَرٍ عَلَيهِالسَّلامُ فى حَديثٍ، قالَ: «لَا ينْبَغِى لِلْمُسْلِمِ أَنْ يتَزَوَّجَ يهُودِيةً ولَا نَصْرَانِيةً وهُوَ يجِدُ مُسْلِمَةً حُرَّةً أَوْ أَمَةً»2.

  • إنّ لفظ «لا ينبغى» الوارد فى هاتين الروايتين ظاهرٌ فى الكراهة وليس فى الحرمة كما هو مشهودٌ، وسبب هذه الكراهة هو اختلاط المسلمين بغير الملتزمين من سائر الأديان، ما يؤدّى فى النتيجة إلى تبدّل الأحوال والنفوس.

  • 4- مُحَمَّدُ بنُ الحَسَنِ باسنَادِهِ ... عَن حَفصِ بنِ غياثٍ قالَ: «كتَبَ بَعْضُ إِخْوَانِى أَنْ أَسْأَلَ أَبا عَبْدِ اللَهِ عَلَيهِ السَّلَامُ عَنْ مَسَائِلَ، فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْأَسِيرِ هَلْ يتَزَوَّجُ فِى دَارِ الْحَرْبِ؟ فَقَالَ: أَكرَهُ ذَلِك؛ فَإِنْ فَعَلَ فِى بِلَادِ الرُّومِ فَلَيسَ هُوَ بِحَرَامٍ، هُوَ نِكاحٌ؛ وَ أَمَّا فِى التُّرْك والدِّيلَمِ والْخَزَرِ فَلَا يحِلُّ لَهُ ذَلِك»3.

  • فى هذه الرواية صُرّح بجواز اختيار المسلم زوجةً نصرانيةً له من بلاد الروم.

    1. وسائل الشيعة، ج 20، ص 537.
    2. وسائل الشيعة، ج 20، ص 536.
    3. وسائل الشيعة، ج 20، ص 537.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

109
  • 5- مُحَمَّدُ بنُ يعقوبَ ... عَن زُرارَةَ بنِ أعينَ قالَ: «سَأَلْتُ أَبا جَعْفَرٍ عَلَيهِ السَّلَامُ عَنْ نِكاحِ الْيهُودِيةِ والنَّصْرَانِيةِ، فَقَالَ: لَا يصْلُحُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ ينْكحَ يهُودِيةً ولَا نَصْرَانِيةً؛ إِنَّمَا يحِلُّ مِنْهُنَّ نِكاحُ الْبُلْهِ»1.

  • 6- وعَن عَلى بنِ إبراهيمَ ... عَن زُرارَةَ قالَ: «قُلْتُ لِأَبِى جَعْفَرٍ عَلَيهِ السَّلَامُ: إِنّى أَخْشَى أَنْ لَا يحِلَّ لِى أَنْ أَتَزَوَّجَ مِمَّنْ لَمْ يكنْ عَلَى أَمْرِى. فَقَالَ: ومَا يمْنَعُك مِنَ الْبُلْهِ؟ قُلْتُ: ومَا الْبُلْهُ؟ قَالَ: هُنَّ الْمُسْتَضْعَفَاتُ مِنَ اللَاتِى لَا ينْصِبْنَ ولَا يعْرِفْنَ مَا أَنْتُمْ عَلَيهِ»2.

  • 7- عَن مُحَمَّدِ بنِ يحيى ... عَن حَمرانَ بنِ أعينَ قالَ: «كانَ بَعْضُ أَهْلِهِ يرِيدُ التَّزْوِيجَ فَلَمْ يجِد امْرَأَةً مُسْلِمَةً مُوَافِقَةً، فَذَكرْتُ ذَلِك لِأَبِى عَبْدِ اللَهِ عَلَيهِ السَّلَامُ، فَقَالَ: أَينَ أَنْتَ مِنَ الْبُلْهِ الَّذِينَ لَا يعْرِفُونَ شَيئًا»3.

  • يستفاد من هذه الروايات مع تصريحها بجواز الزواج من الكتابية، أنّ المراد والغاية من كراهة زواج المسلمين من أهل الكتاب هى تأثير أخلاقهنّ وسلوكياتهنّ على أزواجهنّ بسبب الرابطة الزوجية، وإلّا فمجرّد الزواج بهنّ ليس فيه أى مشكلةٍ، وهو ما نجده فيما ذُكر من التصريح بالحكم بجواز الزواج من البُله.

  • ومن الأدلّة أيضًا على هذا الأمر [أى: جواز النكاح من الكتابية]، رواية أبى مريم الأنصارى عن الإمام الباقر عليه السلام:

    1. وسائل الشيعة، ج 20، ص 538.
    2. وسائل الشيعة، ج 20، ص 539.
    3. وسائل الشيعة، ج 20، ص 539.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

110
  • «سَأَلْتُ أَبا جَعْفَرٍ عَلَيهِ السَّلَامُ عَنْ طَعَامِ أَهْلِ الْكتَابِ ونِكاحِهِمْ، حَلَالٌ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ قَدْ كانَتْ تَحْتَ طَلْحَةَ يهُودِيةٌ»1.

  • وكذلك رواية محمّد بن مسلم عن الإمام الباقر عليه السلام:

  • «قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ نِكاحِ الْيهُودِيةِ والنَّصْرَانِيةِ، فَقَالَ: لَا باسَ بِهِ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ كانَت تَحْتَ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيدِ اللَهِ يهُودِيةٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِى صَلَّى اللَهُ عَلَيهِ وآلِهِ»2).

  • وفى هذه الروايات تصريحٌ بجواز هذا النكاح. وبناءً عليه يمكن حمل الكراهة الواردة فى الروايات الأخرى والتى عُبِّر عنها بلفظى «لا ينبغى» و «لا يحلّ» على المواطن التى يحتمل فيها أن يؤثّر هذا الزواج على الفرد المسلم، وذلك كما مرّ التصريح به فى الروايات الماضية.

  • ما ذُكر حتّى الآن هو بعضٌ من الروايات الدالّة على جواز النكاح والزواج الدائم مع الكتابية؛ وبالطبع هناك رواياتٌ أخرى فى مصادرنا الروائية تصل إلى حدّ الوفور والتى تدلّ على جواز النكاح من الكتابية متعةً، ولكنّنا سنصرف النظر عنها اختصارًا ولحصول المطلوب بالأدلّة السابقة.

  • وأمّا بيان الاستدلال على طهارة أهل الكتاب، وكيفية استفادة ذلك من الروايات أعلاه، فهو كالتالى:

  • لا شك أنّه فى الزواج- وخاصّةً إذا كان زواجًا دائمًا- سيحصل اختلاطٌ واتصال بين الزوجين وذلك بطريقين:

    1. وسائل الشيعة، ج 20، ص 541.
    2. وسائل الشيعة، ج 20، ص 541.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

111
  • الأوّل: الاتصال المباشر بين الطرفين، وقطعًا فى حال كان أحد الطرفين نجسًا ذاتًا، فسيؤدّى ذلك لتنجّس الطرف الآخر، وارتكاب عملٍ محرّمٍ1، وهذا ممّا لا شك فيه أبدًا.

  • الثانى: بواسطة الاتصال مع الأشياء داخل المنزل والأوانى والألبسة وطبخ الطعام وغيره، وفى هذه الصورة فمع كون أحد الطرفين نجسًا [ذاتًا]، فسوف يؤدّى قطعًا لحصول المحذور أعلاه؛ وأمّا الاحتياط فى الصورة الثانية فعادةً ما يكون مستحيلًا، بل قطعًا هو مردودٌ من الناحية الشرعية؛ لأنّه موجبٌ للعسر والحرج وسيكون فى حدّ ما لا يحتمل.

  • وبناءً على هذا، إنّ التوجيهات التى وجّه بها البعض لرواية الإمام الرضا عليه السلام والتى تحدّثت عن وجود الجارية النصرانية فى منزله، فحملوها على صورة التقية، أو أنّ الإمام كان مسلوب الاختيار بالنسبة لوجود تلك الجارية فى منزله، هى توجيهات مردودةٌ؛ لأنّه:

  • أوّلًا: سياق الرواية يتنافى مع التقية، وتعبير الإمام يمنع حملها على التقية.

  • ثانيا: كان بامكان الإمام أن يحدّ عملها فى المنزل بحيث لا تسرى النجاسة فى كلّ مكان.

  • ثالثًا: على فرض أنّ الإمام كان مسلوب الإرادة فى إبقاء الجارية، فلماذا إذن كلّ تلك الروايات الصحيحة السند التى سبق ذكرها؟!

    1. ذلك لأنّه سيتنجّس من مباشرة زوجته بالعرض وهذا الأمر سيكون بشكلٍ مستمرٍّ، واجتناب ذلك سيكون متعسّرًا، ممّا قد يعرّضه للصلاة مثلًا في البدن أو الثوب النجس، أو تناول الطعام المتنجّس، فيكون قد ارتكب حرامًا وضعيًّا أو تكليفيًّا.( م)

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

112
  • ومع ملاحظة الأمور المذكورة، يمكن الإذعان بانّ أدلّة جواز النكاح من الكتابية بامكانها أن تُقدَّم فى حدّ نفسها كدليلٍ مستقلٍ على الطهارة الذاتية لأهل الكتاب.

  • تنبيه

  • تنبيه: نُقلت روايةٌ فى كتاب علل الشرائع تتعلّق بمسألة جواز أو عدم جواز النكاح من المشركين، وهى:

  • مُحَمَّدُ بنُ عَلى بنِ الحسَينِ فى «العِلَلِ»، عَن أبيهِ، عَن سَعدٍ، عَنِ القاسِمِ ابنِ مُحَمَّدٍ، عَن سُلَيمَانَ بنِ داوُدَ، عَن عيسَى بنِ يونُسَ، عَنِ الأوزاعى، عَنِ الزُّهَرى، عَن عَلى بنِ الحُسَينِ عَلَيهِما السَّلامُ قالَ: «لَا يحِلُّ لِلْأَسِيرِ أَنْ يتَزَوَّجَ مَادَامَ فِى أَيدِى الْمُشْرِكينَ مَخَافَةَ أَنْ يولَدَ لَهُ فَيبْقَى وَلَدُهُ كافِرًا فِى أَيدِيهِمْ»1.

  • يعتبر الإمام السجّاد عليه السلام فى هذه الرواية أن السبب لعدم جواز الزواج، هو الخوف من تأثير أخلاق المشركين وآدابهم على أولاد المسلمين، ومع ملاحظة كيفية تعليل الإمام عليه السلام، فإنّ المستفاد من هذه الرواية هو ما يلى:

  • أوّلًا: أنّ عدم جواز النكاح من المشركين ليس بسبب الحرمة الذاتية لذلك النكاح، بل بسبب عروض وطروء مانعٍ، وهو تأثير آداب الكفر فى بلاد المشركين.

  • ثانيا: لو أنّ نفس المشركين كانوا نجسين نجاسةً ذاتيةً، عندها فما هو الداعى للإمام عليه السلام لأن يعلّل عدم جواز النكاح بتأثير آداب الكفر؟!

    1. وسائل الشيعة، ج 2، ص 537؛ وعلل الشرائع، الباب 270، الحديث 1، ج 2، ص 503.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

113
  • لأنّه من الواضح فى حال كان المشركون نجسين، فقطعًا سيكون النكاح منهم حرامًا للعلل التى ذُكرت آنفًا، وقطعًا ذِكرُ المانع والصارف الذاتى أولى من ذكر المانع والصارف الخارجى والعرضى، فتدبّر.

  • وبناءً على هذا، سواءً كان بامكاننا أن نستنبط من هذه الرواية جواز النكاح بالمشركة أو لم يكن بامكاننا ذلك، تبقى هذه الرواية بنفسها دليلًا على الطهارة الذاتية للمشركين بنفس الكيفية التى ذُكرت فى الاستدلال.

  • الطائفة الرابعة: الروايات الدالة على جواز إرضاع الكتابية للطفل المسلم

  • من الأدلّة الأخرى على الطهارة الذاتية لأهل الكتاب، جواز إرضاع الكتابية للطفل المسلم، وقد ورد فى هذا المجال العديد من الروايات، من جملتها:

  • 1- مُحَمَّدُ بنُ يعقوبَ، عَن أبِى عَلى الأشعَرى، عَن مُحَمَّدِ بنِ عَبدِالجَبارِ، عَن صَفوانَ، عَن سَعيدِ بنِ يسارٍ، عَن أبى عَبدِ اللَهِ عَلَيهِ السَّلامُ، قالَ: «لَا تَسْتَرْضِعِ الصَّبِى الْمَجُوسِيةَ، وتَسْتَرْضِعُ لَهُ الْيهُودِيةَ وَ النَّصْرَانِيةَ ولَا يشْرَبْنَ الْخَمْرَ، يمْنَعْنَ مِنْ ذَلِك»1.

  • النهى الوارد فى هذه الرواية عن إرضاع المجوسية، نهى كراهةٍ لا تحريمٍ، كما سيذكر فى الروايات الآتية.

  • 2- وعَن عَلِى بنِ إبراهيمَ، عَن أبيهِ، عَن حَمّادٍ، عَن حَرِيزٍ، عَن مُحَمَّدِ ابنِ مُسلِمٍ، عَن أبى جَعفَرٍ عَلَيهِ السَّلامُ، قالَ: «لَبَنُ الْيهُودِيةِ والنَّصْرَانِيةِ والْمَجُوسِيةِ أَحَبُّ إِلَى مِنْ وَلَدِ الزِّنَا»2).

    1. وسائل الشيعة، ج 21، ص 464.
    2. وسائل الشيعة، ج 21، ص 464.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

114
  • 3- وعَن مُحَمَّدِ بنِ يحيى عَن أحمَدَ بنِ مُحَمَّدٍ، عَن عَلى بنِ الحَكمِ، عَن عَبدِ اللَهِ بنِ يحيى الكاهِلى، عَن عَبدِ اللَهِ بنِ هِلالٍ، عَن أبى عَبدِ اللَهِ عَلَيهِ السَّلامُ قالَ: «سَأَلْتُهُ عَنْ مُظَاءَرَةِ الْمَجُوسِى، قَالَ: لَا؛ ولَكنْ أَهْلِ الْكتَابِ»1.

  • وقد عدّت الرواية الرابعة (التالية) أنّ إرضاع المشركة جائزٌ أيضًا:

  • 4- وعَن حُمَيدِ بنِ زِيادٍ، عَنِ الحَسَنِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ سُماعَةَ، عَن غَيرِ واحِدٍ، عَن أبانَ بنِ عُثمانَ، عَن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ أبى عَبدِ اللَهِ قالَ: «سَأَلْتُ أَبا عَبْدِ اللَهِ عَلَيهِ السَّلَامُ: هَلْ يصْلُحُ لِلرَّجُلِ أَنْ تُرْضِعَ لَهُ الْيهُودِيةُ والنَّصْرَانِيةُ والْمُشْرِكةُ؟ قَالَ: لَاباسَ! وقَالَ: امْنَعُوهُمْ شُرْبَ الْخَمْرِ»2.

  • 5- أحْمَدُ بنُ عَلى بنِ الْعَباسِ النَّجاشى ... عَنِ الفُضَيلِ بنِ يسارٍ قالَ: «قَالَ لِى جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَلَيهِمَا السَّلَامُ رِضَاعُ الْيهُودِيةِ والنَّصْرَانِيةِ خَيرٌ مِنْ رِضَاعِ النَّاصِبيةِ»3.

  • وفى هذه الرواية تصريحٌ بجواز إرضاع الناصبية، مع أنّ الإمام عليه السلام قال فى روايةٍ ذُكرت سابقًا بانّ الناصبى أنجس من الكلب4، وهذه الرواية هى بنفسها دليلٌ على أنّ المراد من النجاسة التى يعنيها الإمام عليه السلام هى القذارة النفسية والكدورة الباطنية، وليس النجاسة الذاتية.

    1. وسائل الشيعة، ج 21، ص 464.
    2. وسائل الشيعة، ج 21، ص 465.
    3. وسائل الشيعة، ج 21، ص 466.
    4. إشارةً إلى الرواية الواردة في ص 55 من الكتاب، والتي قال فيها الإمام:« فَإنَّ اللَهَ تَبارَكَ وَتَعَالَى لَمْ يَخْلُقْ خَلْقًا أَنْجَسَ مِنَ الْكَلْبِ وَإنَّ النَّاصِبَ لَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ أَنْجَسُ مِنْهُ».

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

115
  • 6- عَبدُ اللَهِ بنُ جَعفَرٍ فى «قُرْبُ الإسْناد»، عَن عَبدِ اللَهِ ابنِالحَسَنِ، عَن جَدِّهِ عَلى بنِ جَعفَرٍ، عَن أخيهِ موسَى بنِ جَعفَرٍ عَلَيهِ السَّلامُ، قالَ: «سَأَلْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ، هَلْ يصْلُحُ لَهُ أَنْ يسْتَرْضِعَ الْيهُودِيةَ والنَّصْرَانِيةَ وهُنَّ يشْرَبْنَ الْخَمْرَ؟ قَالَ: امْنَعُوهُنَّ مِنْ شُرْبِ الْخَمْرِ مَا أَرْضَعْنَ لَكمْ. وسَأَلْتُهُ عَنِ الْمَرْأَةِ وَلَدَتْ مِنْ زِنا، هَلْ يصْلُحُ أَنْ يسْتَرْضَعَ لَبَنُهَا؟ قَالَ: لَا، ولَا ابْنَتِهَا الَّتِى وُلِدَتْ مِنَ الزِّنَا»1.

  • 7- وباسنادِهِ عَن أحمَدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عيسَى، عَن مُحَمَّدِ بنِ زيادٍ، عَنِ ابنِ مُسكانَ، عَنِ الحَلَبى، قالَ: «سَأَلْتُهُ عَنْ رَجُلٍ دَفَعَ وَلَدَهُ إلَى ظِئْرٍ يهُودِيةٍ أَوْ نَصْرَانِيةٍ أَوْ مَجُوسِيةٍ تُرْضِعُهُ فِى بَيتِهَا أَوْ تُرْضِعُهُ فِى بَيتِهِ.

  • قَالَ: تُرْضِعُهُ لَك الْيهُودِيةُ والنَّصْرَانِيةُ فِى بَيتِك وتَمْنَعُهَا مِنْ شُرْبِ الْخَمْرِ ومَا لَا يحِلُّ مِثْلُ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ ولَا يذْهَبْنَ بِوَلَدِك إِلَى بُيوتِهِنَّ، والزَّانِيةُ لَا تُرْضِعُ وَلَدَك فَإِنَّهُ لَا يحِلُّ لَك، والْمَجُوسِيةُ لَا تَرْضِعُ لَك وَلَدَك إلَّا أَنْ تُضْطَرُّ إِلَيهَا»2).

  • تنبيهٌ

  • تنبيهٌ: مع ملاحظة الروايات الأخرى التى تدلّ على جواز إرضاع المجوسية، يتّضح أنّ المراد من الاضطرار [هنا] ليس المعنى المصطلح الموجب لحلية أكل الميتة والنجس، بل هو بمعنى العسر والحرج المتعارفَين. وكذلك فإنّ النهى عن إرضاع المجوسية فى الروايات محمولٌ على الكراهة أيضًا وليس الحرمة؛ لأنّه بالإضافة إلى ما ذُكر، فإنّ الروايات عدّت حكم

    1. وسائل الشيعة، ج 21، ص 465.
    2. وسائل الشيعة، ج 21، ص 465.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

116
  • المجوسية فى سياق حكم سائر أهل الكتاب، وبالتالى مع ملاحظة طهارتهم الذاتية، فلا وجه للحكم بحرمة الإرضاع من ناحية كون اللبن نجسًا.

  • هذه بعض الروايات الواردة فى المجامع الحديثية فيما يتعلّق بارضاع أهل الكتاب وغيرهم [للطفل المسلم]، وأمّا بيان الاستدلال على طهارة أهل الكتاب بواسطة هذه الروايات، فهو كالتالى:

  • أوّلًا: كما ذُكر فى بعض الروايات المذكورة، رجّح الإمام عليه السلام الرضاع من الكتابية على الرضاع من لبن الزنا (الزانية)، هذا مع أنّه- بالبداهة فى الشرع- لا يوجد قائلٌ بنجاسة الزانية ولا بنجاسة اللبن الحاصل بسبب الزنا، كما لا يوجد أى دليلٍ يدلّ على ذلك.

  • ثانيا: جعل الإمام عليه السلام فى العديد من هذه الروايات جواز الرضاع من الكتابية مشروطًا بعدم أكل لحم الخنزير وعدم شرب الخمر، مع أنّ حرمة لحم الخنزير وشرب الخمر سببه نجاستهما وقذارتهما الذاتيتان، ثمّ إنّ علّة تحريم الإمام عليه السلام للإرضاع مع تناولهما هو إمّا نجاسة الخمر والخنزير، وإمّا نفس تلك الكدورة والتأثير السىء الموجبان للمفسدة الملزمة، وعلى أى حال بسبب دخولهما إلى البدن استحالتهما لا يمكن أن يعتبرا من النجاسة بعد ذلك.

  • وعندئذٍ كيف يعدّ الإمام عليه السلام نفس اللبن الناشىء من المرأة الكتابية أو حتّى المشركة (كما ورد فى بعض الروايات) حلالًا؟! مع أنّ هذا اللبن سيكون نجسًا قطعًا فى صورة نجاسة أهل الكتاب والمشركين، ورغم

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

117
  • ذلك يجعل الشرط بعدم أكل لحم الخنزير وشرب الخمر شرطًا إلزاميا؟! وهذه المسألة غير قابلةٍ للتوجيه باى وجهٍ من الوجوه.1

  • ثالثًا: مع ملاحظة حرمة إطعام الصبى المأكولَ والمشروب النجس والمتنجّس، كما هو واردٌ فى الرواية الورادة فى شرب الخمر2 وكذا حكم الإمام عليه السلام باراقة المتنجّس3 الدالّة على حرمة الإطعام- وأمّا ما قاله البعض عن رواية المسكر، مِن أنّ الحكم غير قابلٍ للتسرّى إلى سائر أنواع النجاسات لأنّ الحكم منصبٌّ على موضوعه [وهو المُسكر]، فمردودٌ؛ لأنّه الحكم فى هذه المسألة يدور حتمًا يدور مدار نجاسة المسكر، لا لخصوصية المورد والعنوان- فهل من الممكن أن يحكم الإمام عليه السلام بجواز أكل البول والدم والقاذورات بالنسبة للصبى المسلم؟!

    1. بيان ذلك: أنّه بحسب الفرض الآخر فإنّ المرأة الكتابيّة أو المشركة نجسةٌ ذاتًا، وإن كان كذلك، فلا معنى لأن يكون سببُ تعليل الإمام لتحريم تناولها للخمر أو لحم الخنزير هو نجاسة هذه الأطعمة الذاتيّة، لأنّهما لن يزيدا نجاسة بدنها نجاسةً، فالبدن( واللبن بتبعه) إمّا طاهرٌ أو نجسٌ، والفرض هنا أنّ بدنها ولبنها بالتبع نجسان، وعليه فدخول النجاسة تحصيلٌ للحاصل، إلّا مع فرض كون بدنها ولبنها طاهرين ذاتًا فنخشى تنجّس البدن واللبن بالتبع، ولكن بذلك يتمّ المطلوب أوّلًا وهو القول بطهارة الكتابيّة والمشركة الذاتيّة، ثمّ يُشكل عليه أنّ النجس يطهر بالاستحالة، وعند دخول الخمر والخنزير للبدن ويستحيلان بدنًا ولبنًا فإنهما يطهران. وعليه فلا مفرّ من الالتزام بكون السبب في تحريم تناول الخمر والخنزير على المرضع حال الإرضاع هو الأثر السلبيّ الناتج منهما.
      وهذا الاحتمال إن كان على فرض الطهارة الذاتية للكتابية والمشركة يصحّ بلا أيّ إشكال؛ ولكن إن كان على فرض نجاستهما الذاتيّة، فسيُشكل أنّه كيف جاز إطعامها للطفل المسلم اللبن النجس؟! فإن قيل لأنّه غير مكلّفٍ. فالجواب هو في النقطة الثالثة التي تعرّض لها المؤلّف بقوله:« ثالثًا». هذا وقد يجاب أيضًا تنزلًّا: فلماذا منع المرضعة من تناول الخمر ولحم الخنزير، رغم أنّ الطفل غير مكلّفٍ؟! أليس هذا محضُ تحكّمٍ؟! ولذا هذه المسألة غير قابلةٍ للتوجيه بايّ وجهٍ من الوجوه على القول بالنجاسة الذاتيّة.( م)
    2. راجع: وسائل الشيعة، ج 25، ص 307.( م)
    3. راجع: وسائل الشيعة، ج 24، ص 194 وص 196.( م)

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

118
  • أو أن يحكم بجواز أكل لحم الخنزير له فى حال قلنا بعدم تسرّى الحكم [أى: تسرّى الحكم بحرمة إطعامه المسكر إلى غيره من النجاسات]؟! وعندها ماذا نفعل فى تلك الروايات الدالّة على إراقة المتنجّس إلّا فى المواطن التى يمكن الاستفادة المعقولة من المتنجّس كاستخدامه فى الإسراج وغيره؟! مضافًا إلى ذلك، شدّة ابتلاء المسلمين فيما يتعلّق باطفالهم وأنّهم غالبا فى معرض تنجّس مأكولاتهم ومشروباتهم، وفى نفس الوقت لا نجد أثرًا لجواز أكل المتنجّس أو شربه بالنسبة للصبى المسلم فى الروايات الصادرة عن الإمام عليه السلام، فما بالك بالنجس.

  • وبناءً على ذلك فإنّ فتوى البعض بحلية أكل النجس وشربه بالنسبة للصبى المسلم المبنى على روايات جواز الرضاع من لبن الكتابية والمشركة كما مرّ، ببيان أنّه على الرغم من أنّ أهل الكتاب محكومون بالطهارة، إلّا أنّ المشرك محكومٌ بالنجاسة، فهو محلّ إيرادٍ؛ لأنّه عند دوران الأمر بين ترجيح جواز تناول نجس العين، وبين [ترجيح] طهارة المشرك فى الرواية- مع غضّ النظر عن كيفية ارتباط هذه الرواية بسائر الأدلّة الدالّة على طهارة المشركين وأهل الكتاب- فقطعًا ستكون الأرجحية لطهارة المشركين؛ إذ إنّ تجويز الإمام عليه السلام لشرب الصبى المسلم مِن لبن المشركة النجسة العين مستبعدٌ أشدّ البعد، وهو ما يوجب انعقاد القرينة على أنّ الروايات المفيدة لطهارة المشرك حاكمة على جواز استرضاع الصبى المسلم من اللبن النجس العين.1

    1. لا بدّ من الالتفات إلى أنّ الطهارة والنجاسة، وكذا الحلّية والحُرمة، هي من الأحكام الوضعيّة، وعند الخطاب، فالخطاب موجّه إلى الأفراد من حيثيّة انتحال الإسلام، وليس مِن حيثية البلوغ؛ مثلًا لا تختصّ الآية الشريفة:( إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَ الدَّمَ وَ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ) بالمكلّفين والبالغين فقط، بل تشمل كلّ فردٍ منتحلٍ لدين الإسلام سواءً كان بالغًا أم غيرَ بالغٍ، مثل النكاح والمعاملات والآثار المترتّبة عليها من الحلّية والحرمة وغيرهما.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

119
  • ومع ملاحظة الأدلّة السابقة فيما يتعلّق بجواز الرضاع من المرأة اليهودية والنصرانية والمجوسية والمشركة، يتجلّى أنّ طهارة أهل الكتاب وكذا غيرهم، كان أمرًا واضحًا ومتعارفًا.

  • الطائفة الخامسة: الروايات الدالّة على جواز تناول طعام أهل الكتاب

  • إنّ أحدى الأدلّة التى يمكن إقامتها على طهارة خصوص أهل الكتاب، اشتراطُ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم على أهل الذمّة أن يطعموا

  • جيش الإسلام [وغيرهم من المسلمين] فى الأوقات التى يعبرون فيها عبر أراضيهم.

  • والروايات الواردة فى هذا الموطن، تحكى حكايةً تامّةً عن جواز تناول مأكولات أهل الكتاب، بل هى صادرةٌ عن الشارع بصيغة الأمر.

  • ومن جملة هذه الروايات، ما جاء فى «السنن الكبرى» للبيهقى، المجلّد التّاسِع، الصفحة 196، حيث يقول:

  • «بابُ الضِّيافَةِ فى الصُّلحِ- قَد مَضَى حديثُ أبى الحُوَيرِثِ عنِ النَّبى صَلَّى اللَهُ عَلَيهِ [وَآلِهِ] وسَلَّمَ مُنْقَطِعًا، أنَّهُ جَعَل عَلى نَصارَى أيلَةَ جِزيةَ دينارٍ عَلَى كلِّ إنسانٍ وضيافَةَ مَن مَرَّ بِهِم مِن المُسلِمينَ ...»

  • إلى أن يقول:

  • «عَن نافِعٍ، عَن أسلَمَ مَولَى عُمرَ بنِ الخَطّابِ رَضى اللَهُ عَنهُ: أنَّ عُمرَ بنَ الخَطّابِ رَضى اللهُ عَنهُ ضَرَب الجِزيةَ عَلَى أهلِ الذَّهَبِ أربَعةَ دَنانيرٍ وعَلَى أهلِ الوَرَق أربَعينَ دِرهمًا ومَعَ ذَلِك أرْزاقَ المُسلِمينَ وضِيافةَ ثَلاثَةِ أيامٍ ...»

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

120
  • وبعد ذلك، قال:

  • «قالَ الشّافِعى: وحَديثُ أسلَمَ بِضيافَةِ ثَلاثٍ أشبَهُ، لِأنَّ رَسولَاللَهِ صَلَّى اللَهُ عَلَيهِ [وآلِهِ] وسَلَّمَ جَعَلَ الضِّيافَةَ ثَلاثًا، وقَد يجوزُ أن يكونَ جَعَلها عَلَى قومٍ ثَلاثًا وعَلَى قومٍ يومًا وليلةً ولَم يجعَل

  • عَلَى آخَرينَ ضيافةً كما يختلِفُ صُلحُهُ لَهم فَلا يرُدُّ بعضُ الحَديثِ بَعضًا».

  • وكذلك قال فى الصفحة 59:

  • «حدَّثنا أبوبَكرٍ مُحَمَّدُ بنُ الحَسَنِ ... عَن حُمَيدِ بنِ هِلالٍ العَدوىِّ قالَ: سَمِعْتُ عَبْدَاللَهِ بْنَ مَغْفِلٍ رَضِى اللَهُ عَنْهُ يقُولُ: دُلِى جِرَابٌ مِنْ شَحْمٍ يوْمَ خَيبَرَ فَأَخَذْتُهُ فَالْتَزَمْتُهُ، فَقُلْتُ: هَذَا لِى لَا أُعْطِى أَحَدًا مِنْهُ شَيئًا! فَالْتَفْتّ فَإذَا رَسُولُ اللَهِ صَلَّى اللَهُ عَلَيهِ [وآلِهِ] وسَلَّمَ، فَاسْتَحْييتُ مِنْهُ».

  • ويروى أيضًا ابن المبارك عن حمّاد بن زياد:

  • «فَقَالَ فِى الْحَدِيثِ: كنَّا نَأْتِى الْمَغَازِى مَعَ رَسُولِ اللَهِ صَلَّى اللَهُ عَلَيهِ [وآلِهِ] وسَلَّمَ فَنُصِيبُ الْعَسَلَ والسَّمَنَ فَنَأْكلُهُ».

  • وكذلك عن ابْن عمر:

  • «أَنَّ جَيشًا غَنِمُوا فى زَمَانِ رَسُولِ اللَهِ صَلَّى اللَهُ عَلَيهِ [وآلِهِ] وسَلَّمَ طَعامًا وعَسَلًا فَلَمْ يؤْخَذْ مِنْهُمُ الْخُمْسُ»1.

    1. السنن الكبرى، ج 9، ص 59.( م)

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

121
  • ويروى أيضًا ابن المبارك معنعنًا عن سويد خادم سلمان:

  • «أَنَّهُ أَصَابَ سَلَّةً، يعْنى فِى غَزْوَةٍ، فَقَرَّبَهَا إِلَى سَلْمَانَ رَضِى اللَهُ عَنْهُ فَفَتَحَهَا فَإِذَا فِيهَا حُوَّارَى1 وجُبْن، فَأكلَ سَلْمَانُ مِنْهَا»2.

  • تُبين هذه الروايات التى وردت فى كتب أهل السنّة، سيرة المسلمين فى زمان رسول الله القائمة على عدم الاحتراز عن مأكولات أهل الكتاب وغيرهم، وكذا حكم رسول الله فيما يتعلّق باطعام المسلمين من قبل أهل الذمّة، هو تصريحٌ بطهارتهم الذاتية.

  • وعلى هذا الأساس، أفتى فقهاءٌ كبارٌ- كصاحب «الجواهر»- بجواز مؤاكلة أهل الكتاب3، وهو ما يظهر أيضًا من كلام العلّامة فى «المنتهى» فيما يلى، فضلًا عن أنّه ادّعى الإجماع عليه فى «التذكرة».

  • يقول العلّامة فى كتاب «المنتهى»:

  • «لأنّ النّبى صلى الله عليه وآله أضربَ على نصارى أيلمة ثلاثمائة دينار- وكانوا ثلاثمائة نفر- فى كلّ سنة، وأن يضيفوا من مرّ بهم من المسلمين ثلاثة أيام، ولا يغشّوا مسلماً، وشرط على نصارى نجران إقراء رسله عشرين ليلةً فما دونها ...»4.

    1. الحُوَّارَى: الدقيق الأَبيض، و هو لُباب الدقيق وأَجوده وأَخلصه، راجع: لسان العرب، ج 4، ص 220.( م)
    2. السنن الكبرى، ج 9، ص 60.( م)
    3. جواهر الكلام، ج 6، ص: 43.( م)
    4. منتهى المطلب، ج 15، ص 64.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

122
  • مع ملاحظة ما تقدّم من الأمور المذكورة سابقًا، أى شك يبقى فى طهارتهم؟! فمع القول بثبوت النجاسة الذاتية لأهل الكتاب، كيف يمكن لرسولالله صلّى الله عليه وآله وسلّم أنْ يشترط على أهل الكتاب شرطًا

  • كهذا؟! وكيف يجيز للمسلمين تناول طعامهم وشرابهم (المحلّل منه)، ولمدّةٍ طويلةٍ أيضًا؟!

  • إنّ هذه الأدلّة هى الأخرى تحكى بشكلٍ تامٍّ عن الطهارة الذاتية لأهل الكتاب.

  • الطائفة السادسة: الروايات الدالّة على جواز تغسيل الكتابية للمسلمة

  • ومن الأدلّة على طهارة أهل الكتاب، هى الروايات التى تدلّ على جواز تغسيل المرأة الكتابية للمرأة المسلمة الميتة فى حال عدم وجود محرمٍ لها.

  • 1- زيدُ بنُ على، عَن آبائهِ، عَن على عَليهِ السَّلامُ قالَ: «أَتَى رَسُولَاللَهِ صَلَّى اللَهُ عَلَيهِ وآلِهِ وسَلَّمَ نَفَرٌ فَقَالُوا: إِنَّ امْرَأَةً تُوُفِّيتْ مَعَنَا ولَيسَ مَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ. فَقَالَ: كيفَ صَنَعْتُمْ؟ فَقَالُوا: صَبَبْنَا عَلَيهَا الْمَاءَ صَبا. فَقَالَ: أَوَ مَا وَجَدْتُمْ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْكتَابِ تَغْسِلُهَا؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: أَفَلَا يمَّمْتُمُوهَا؟»1.

  • 2- عَمّارُ بنُ موسَى، عَن أبى عَبدِ اللَهِ عَلَيهِ السَّلامُ- فى حَديثٍ- قالَ: قُلْتُ: «فَإِنْ مَاتَ رَجُلٌ مُسْلِمٌ ولَيسَ مَعَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ ولَا امْرَأَةٌ مُسْلِمَةٌ مِنْ ذَوِى قَرَابَتِهِ ومَعَهُ رِجَالٌ نَصَارَى ونِسَاءٌ مُسْلِمَاتٌ لَيسَ بَينَهُ وبَينَهُنَّ قَرَابَةٌ؟ قَالَ: يغْتَسِلُ النَّصَارَى ثُمَّ يغْسِلُونَهُ، فَقَدِ اضْطَرَّ ...»2.

    1. وسائل الشيعة، ج 2، ص 516.
    2. وسائل الشيعة، ج 2، ص 515.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

123
  • وكذلك ورد فى ذيلها ما يلى:

  • «وعَنِ الْمَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ تَمُوتُ ولَيسَ مَعَهَا امْرَأَةٌ مُسْلِمَةٌ ولَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ مِنْ ذَوِى قَرَابَتِهَا ومَعَهَا نَصْرَانِيةٌ ورِجَالٌ مُسْلِمُونَ [ولَيسَ بَينَهَا وبَينَهُمْ قَرَابَةٌ خ ل]؟1) قَالَ تَغْتَسِلُ النَّصْرَانِيةُ ثُمَّ تَغْسِلُهَا».

  • فى هذه الروايات وهى بعضٌ من الروايات الواردة فى هذا الباب، تصريحٌ فى دلالتها على الطهارة الذاتية لأهل الكتاب؛ لأنّه إن كانوا نجسين نجاسةً ذاتيةً فكيف يحكم الإمام عليه السلام بجواز تغسيلهم؟! وأمّا ما قاله البعض من أنّه فى حال الضرورة، يرتفع شرط طهارة الماء كما هو مذكورٌ فى الروايات، أو أنّه يمكن حمل ذلك على صورة وجود الماء الكرّ، فهو فى غاية الضعف وعدم المتانة؛ لأنّه فى صورة دوران الأمر بين تنجيس بدن الميت ومسّ غير المحرم، فسيكون المقدّم هو الصورة الثانية قطعًا [هذا أوّلًا].

  • ثانيا: بناءً لما هو مذكورٌ فى نفس الروايات، إن كان أهل الكتاب نجسين نجاسةً ذاتيةً، عندئذٍ كيف حكم الإمام عليه السلام باغتسال الكتابى قبل تغسيل الميت المسلم، مع أنّ الاغتسال يتوقّف على وجود القذارة الظاهرية والاحتمالية، وأمّا إذا كانوا فيها نجسين ذاتًا، فلا يبقى أى معنى بعدئذٍ لرفع القذارة الظاهرية والاحتمالية.

  • استرقاق المسلمين لأهل الكتاب عند حربهم مع المسلمين دليلٌ آخر على طهارتهم الذاتية

  • من الأدلّة الأخرى التى يمكن إقامتها على الطهارة الذاتية للإنسان بشكلٍ عامٍّ وعلى أهل الكتاب بالخصوص، مسألة استرقاقهم فى حروب المسلمين معهم، وبالطبع فإنّه فيما يتعلّق باهل الكتاب فإنّ هذه المسألة تختلف بين أهل

    1. وردت هذه الزيادة في الكافي، ج 3، ص 159.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

124
  • الكتاب وغيرهم من فرق الكفّار من المشركين؛ فحكم الإسلام فيما يتعلّق بالحرب مع الكافر الحربى إمّا القتل أو الإسلام؛ وأمّا بالنسبة لذراريهم فالحكم واحدٌ وهو استرقاقهم وسبيهم.

  • وهذا بنفسه دليلٌ على عدم نجاستهم الذاتية؛ لأنّه مع ثبوت النجاسة الذاتية، سيصبح حكم الإسلام بالأسر والاسترقاق وإدخالهم إلى المنزل ومعاشرتهم سواءً بالنكاح أو بغيره، غير مبرّرٍ أبدًا؛ لأنّ دخولهم وكذا أبناء المشركين إلى منازل المسلمين يوجب نجاسة البيت والأثاث، وتسبيب هذا الأمر فيه إشكال بحدّ ذاته.

  • نهاية الفصل

  • ينبغى الالتفات إلى أنّ الأدلّة التى ذُكرت فى هذا الفصل والتى تدلّ على الطهارة الذاتية لجميع الأقسام والصنوف من بنى آدم، سواءً من أهل الإيمان أم من أهل الكتاب أم من غيرهم، قد تكون قِسمًا من مجموع الأدلّة التى تدلّ على طهارة الإنسان، ولعلّه فى المستقبل يتمكن الفقهاء الكرام من خلال ملاحظة المسائل المطروحة والتأمّل فيها أن يقدّموا أدلّةً أكثر وأقوى دلالةً على طهارة الإنسان الذاتية.

  • لقد كان سعى الكاتب فى هذا الفصل هو أن يقدّم للساحة العلمية والفقهية نماذجَ من مدارك الاستنباط مع توضيحٍ مختصرٍ لها. وبالطبع بما أنّ السنّة الحسنة فى التحقيق والاجتهاد طوال القرون والأعصار وفى ظلّ تأييدٍ كاملٍ وتسديدٍ من محققى الشيعة وفقهائهم الكرام والعظام جاريةٌ على كشف النقاب عن مشكلات المسائل وحلّ عويصات معارف أهل البيت، وجذب تلك المعارف نحوهم، كذلك فى هذه المرّة يمكن لنا أن نُبرز فى هذا المجال من خلال تجديد النظر واستيفاء التحقيق، قدمًا راسخةً وخطوةً متينةً، وأن

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

125
  • ننهج نهج الاجتهاد والاستنباط المتمثّل بالحرية فى التفكير بدون أى خوفٍ أو أوهامٍ مترسّبةٍ أو أصولٍ موضوعةٍ قد لا يكون لها أصلٌ، فنتمسّك بالمصادر الفقهية للتشيع وبمصادر الوحى صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. وينبغى الاهتمام بهذه النقطة، وهى أنّ التزلزل والخطأ فى الاستنباط قد يوجب استمرار هذه المسألة وانتقالها إلى الأجيال اللاحقة؛ وهو الموضوع الذى سنتعرّض له ببحثٍ مختصرٍ فى الفصل اللاحق.

  •  ** *

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

127
  •  

  •  

  • الفَصْلُ الخَامِسُ: أَقوَالُ الفُقَهاءِ رضْوَانُ الله عَليهِم فى هذه المَسْأَلَة

  •  

  •  

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

129
  •  

  •  

  • بِسْمِ اللَهِ الرَّحْمنِ الرَّحيم

  •  

  •  

  • كيفية ترتيب البحث عند الفقهاء الشيعة

  • قسّم فقهاء الشيعة- رضوان الله عليهم- البحث فى هذا الموضوع (طهارة ونجاسة غير المسلمين) إلى قسمين: الكتابى، وغير الكتابى؛ هذا على الرغم من أنّ العديد منهم بحث كلا القسمين تحت عنوانٍ واحدٍ وهو نفس عنوان الشِرك والمُشرك، أو تحت عنوان الكافر كما فعل بعضٌ، فاعتبروا الجميع بنسقٍ واحدٍ وعلى منوالٍ واحدٍ، فجعلوهم تحت عنوان الكافر.

  • يقول العلّامةُ الحِلِّى- رضوان الله عليه- فى «القواعِد»:

  • «وَالكافِرُ1 سَواءٌ كانَ أصليا أو مُرتَدًّا وسَواءٌ انتَمَى إلَى الإسلامِ كالخَوارِجِ والغُلاةِ أو لا»2.

  • ويقول صاحب «مفتاح الكرامة» فى تفسير «الكافر»:

  • «مُشرِكا أو غَيرَهُ ذِمّيا أو غَيرَهُ إجماعًا فى «الناصِرياتِ» وَ «الانتِصارِ» وَ «الغُنيةِ» وَ «السَّرائِرِ» وَ «المُعتَبَرِ» وَ «المُنتَهَى» وَ «البِحارِ» وَ «الدّلائِلِ» وَ ...»3.

    1. كان العلّامة الحلّي في مقام تعداد الأعيان النجسة، لذا فالعطف يعود على ما سبق من تلك الأعيان.( م)
    2. قواعد الأحكام، ج 1، ص 191.
    3. مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلّامة، ج 2، ص 35.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

130
  • ويلاحظ أنّ العلّامة جعل جميع أقسام الكفّار بنحوٍ مطلقٍ تحت عنوان نجسِ العين، وقد قال فى «الغنية»:

  • «أنَّ كلَّ مَن قالَ بِنَجاسَةِ المُشرِك قالَ بِنَجاسَةِ غَيرِهِ مِنَ الكفّارِ»1.

  • ولكن كما سوف نرى، فإنّ فى هذا الادعاء تأمّلًا وخدشةً.

  • أمّا فى «حاشية المدارك» فقد تعدّى الإجماع وترقّى بالأمر ليصل به إلى حدّ الضرورة واتفاق الأمّة؛ قال:

  • «إنَّ الحُكمَ بالنَّجاسَةِ شِعارُ الشّيعَةِ، يعرِفُهُ عُلَماءُ العامَّةِ مِنهُم، بَل وَعَوامُّهُم يعرِفُونَ أنَّ هَذا مَذهَبُ الشّيعَةِ بَل ونِساؤهُم وصِبيانُهُم يعرِفُونَ ذَلِك، وجَميعُ الشّيعَةِ يعرِفونَ أنَّ هَذا مَذهَبُهُم فى الأعصارِ والأمصارِ»2.

  • حكم بعض الفقهاء بطهارة خصوص أهل الكتاب

  • وقد نقل هذا الأمر عن صاحب «الحاشية»، مع أنّه ينقل أنّ العديد من الفقهاء حكموا بطهارة أهل الكتاب! فقد ورد فى «مفتاح الكرامة» ما يلى:

  • «وَنُقِلَ عَنِ القَديمين القَولُ بِعَدَمِ نَجاسَةِ أسآرِ اليهودِ والنَّصارَى وعَن ظاهِرِ المُفيدِ فى رِسالَتِهِ «العِزِّيةِ»، ورُبَما ظَهَرَ ذَلِك فى مَوضِعٍ مِنَ «النَّهايةِ» حَيثُ قالَ: ويكرَهُ أن يدعُوَ الإنسانُ أحَدًا مِنَ الكفّارِ إلَى طَعامِهِ فَيأكلَ مَعَهُ، فَإن دَعاهُ فَلْيأمُرهُ بِغَسلِ يدَيهِ ثُمَّ يأكلُ مَعَهُ

    1. مفتاح الكرامة، ج 2، ص 36،[ نقلًا عن: غنية النزوع إلى علمي الأصول والفروع، ص 44].
    2. مفتاح الكرامة، ج 2، ص 36،[ نقلًا عن: الحاشية على مدارك الأحكام، ج 2، ص 199].

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

131
  • إن شَاءَ. لَكنَّهُ صَرَّحَ قَبلَهُ فى غَيرِ مَوضِعٍ بِنَجاسَتِهِم عَلَى اختِلافِ مِلَلِهِم وخُصوصًا أهلَ الذِّمَّةِ، ولِذا اعتَذَرَ عَنهُ المُحَقِّقُ فى «النُّكتِ» بالحَملِ عَلَى الضَّرورَةِ أوِ المُؤاكلَةِ فى اليابِسِ»1.

  • وينبغى أن نذعن بانّ الشيخ لم يكن يقصد من هذه العبارة إلّا طهارة أهل الكتاب؛ لأنّ لفظ «يكره» ليس ظاهرًا فى خصوص الجواز فحسب، بل هو الأظهر القريب إلى النصّ فى الجواز؛ ولو كان مراده من الكراهة الحرمة، فما معنى الأمر بغسل اليد مع وجود النجاسة العينية؟! واعتذار المحقّق ينبغى أن يعدّ من التبرير بما لا يرضى به صاحبه، وأمّا المراد من نجاسة أهل الكتاب التى نُقلت عن الشيخ المفيد، فينبغى أن تُحمل على النجاسة العرضية بسبب مخالطتهم للأشياء النجسة العين مثل لحم الخنزير والخمر.

  • ثمّ يكمل ويقول: «ومَالَ إلَى طَهارَتِهِم صاحِبُ المَدارِك والمَفاتيحِ»2.

  • كلام المرحوم صاحب «الجواهر» فى المسألة

  • أمّا صاحب «الجواهر» فقد شرع بطرح المسألة هو الآخر بادعاء الإجماع كما ذُكر، واستعمل عباراتٍ مشابهة لما مرّ فى «مفتاح الكرامة» بتأويل فتوى المفيد والشيخ فى «النهاية» وغيرهما، كما حمل كلام ابن الجنيد وابن عقيل على رفض أقواله عندنا3 أو إطلاق السؤر على الماء القليل الذى لا ينفعل بناءً لفتوى ابن عقيل.

  • وكانت عبارتُه فى تتمّة البحث كما يلى:

    1. مفتاح الكرامة، ج 2، ص 36.
    2. مفتاح الكرامة، ج 2، ص 36.
    3. وذلك لما قيل من عمل ابن الجنيد بالقياس كما ورد في الجواهر.( م)

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

132
  • «ولَقَد أجادَ الأستاذُ الأكبَرُ بِقَولِهِ: إنَّ ذَلِك شِعارُ الشّيعَةِ، يعرِفُهُ مِنهُم عُلَماءُ العامَّةِ وعَوامُّهُم ونِساؤهُم وصِبْيانُهُم، بَل وأهلُ الكتابِ فَضلًا عَنِ الخاصَّةِ.

  • ويدُلُّ عَلَيهِ مُضافًا إلَى ذَلِك قَولُهُ تَعَالى: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ)1 المُتَمَّمُ دِلالَتُها- حَيثُ تَضَمَّنَت لَفظَ النَّجَسِ الَّذى لَم يعلَم إرادَةُ المَعنَى الاصطِلاحى مِنهُ، أوِ اختُصَّت بالمُشرِك- بِظُهورِ إرادَةِ الاصطلاحى هُنا وَلَو بالقَرائِنِ الكثيرَةِ التِى مِنها تَفريعُ عَدَمِ قُربِهِمُ المَساجِدَ الَّذى لَا يتَّجِهُ إلّا عَلَيهِ، عَلَى أنَّ النَّجاسَةَ اللُّغَويةَ مَعَ مَنعِ تَحقُّقِها فى المُترفينَ مِنهُم لَيسَت مِنَ الوَظائِفِ الرَّبانيةِ، واحتِمالُ إرادَةِ الخُبثِ الباطِنى مِنَ النَّجاسَةِ- كما اختارَهُ بَعضُ النّاسِ مِمَّن لا نَصيبَ لَهُ فى مَذاقِ الفِقهِ تَبَعًا لِلعامَّةِ العَمياءِ- ضَرورى الفَسادِ، مَعَ أنَّها لَيسَت مِنَ المَعانِى المَعهودَةِ المَعروفَةِ لِلَفظِ النَّجاسَةِ.

  • وبِعَدَمِ القَولِ بالفَصلِ بَينَ المُشرِك وغَيرِهِ مِنهُم كالمَحكى فى «الغُنيةِ» وَ «الرِّياضِ» إن لَم نَقُل بِتَعارُفِ مُطلَقِ الكافِرِ مِنَ المُشرِك أو لِما يشمَلُ اليهُودَ والنَّصارَى، لِقَولِهِ تَعالَى: (وَ قالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ...) إلى قَولِهِ تَعالَى: (عَمَّا يُشْرِكُونَ)2 ولِما يشعِرُ بِهِ قَولُهُ تَعالَى لِعِيسَى عَلَيهِ السَّلامُ: (أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي

    1. سورة التوبة( 9)، الآية 28.( م)
    2. سورة التوبة( 9)، الآيتان: 30 و 31.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

133
  • وَ أُمِّي إِلهَيْنِ)1 مِن شِركهِم أيضًا؛ ولِقَولِهِم أيضًا: «إنَّهُ ثالِثُ ثَلاثَةٍ»2 المُشعِرُ بِكونِهِ عِندَ اليهودِ ثانى اثْنَينِ، وغَيرِ ذَلِك»3.

  • أربعة إشكالات على كلام صاحب «الجواهر»

  • ينبغى هنا أن نشير إلى عدّة نقاط تتعلّق بكلام المرحوم صاحب «الجواهر»:

  • الأولى: لقد اعتبر مسألة نجاسة غير المسلم أمرًا ضروريا من ضروريات الدين، وطرحه بعنوانه شعارًا فى قبال المخالفين وأهل السنّة كما ذهب إليه المرحوم الوحيد البهبهانى، مع أنّه نقل بنفسه عباراتٍ عن المفيد و «النهاية» وابن الجنيد وابن عقيل وفقهاء آخرين ممّن يقول بطهارة أهل الكتاب أو الأعمّ منهم، وبعدئذٍ تشبّث فى مقام التوجيه والتأويل بكلّ مستمسك حتّى يوجد وحدةً فى الادعاء وينعقد الإجماع.

  • وليتَ شعرى، أى ضرورةٍ هذه؟ وأى إجماعٍ هو ذاك؟! وقد أفتى العديد من الفقهاء العظام فى مسألة طهارة غير المسلم بطهارة أهل الكتاب كحدٍ أدنى. فهذا من أعجب العجائب! بل إنّ فقيهًا كبيرًا كالمرحوم الحاج آغارضا الهمدانى، عدّ هذه المسألة فى كتاب الطهارة من المسائل المشكلة والعويصة جدًّا، واعتبر بضرسٍ قاطعٍ أنّ روايات الطهارة حاكمةٌ وواردةٌ على الروايات الدالّة على النجاسة، كما سيأتى.

    1. سورة المائدة( 5)، مقطع من الآية 116.
    2. اقتباسٌ مِن قوله عزّ وجلّ:( لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ)[ سورة المائدة( 5)، مقطع من الآية 73].( م)
    3. جواهر الكلام، ج 6، ص 42.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

134
  • الثانية: لقد شكك هو بنفسه فى انطباق الآية الشريفة على معنى النجاسة الاصطلاحية وإفادتها له، ورجّح ظهورها فى معنى الرجس والقذارة الباطنية، لولا القرائن والشواهد التى أقاموها على النجاسة الظاهرية، لكنّه لم يسمّ اسمًا من هذه الشواهد والقرائن الكثيرة، وفقط اعتبر عدم دخولهم إلى المسجد الحرام دالًا على إرادة النجاسة الاصطلاحية، مع أنّ هذه القرينة هى بنفسها شاهدٌ على خلاف مدّعاه؛ لأنّه:

  • أوّلًا: النهى عن دخول المشركين إلى المسجد الحرام لا يدلّ باى وجهٍ من الوجوه على نجاستهم الظاهرية، لأنّه من الممكن أن يكون ذلك من أجل الحفاظ على حرمة بيت الله الحرام من دخول الأفراد والأشخاص غير المسلمين بسبب قذارتهم الباطنية وكدورتهم النفسانية، وليس بسبب نجاستهم الظاهرية، وهذا المعنى أرجح لدى العقل السليم والذوق المتين، فهتك احترام بيت الله لا يتحقّق بدخول عين النجاسة بل بواسطة دخول الكدورة والقذارة الباطنية. ألم نحكم بحرمة دخول الجُنب والحائض والنفساء إلى بيت الله الحرام ومسجد النبى صلّى الله عليه وآله وسلّم، مع أنّ النجاسة الظاهرية قطعًا منتفية غالبا إن لم يكن دائمًا؟!

  • ثانيا: ما هو الإشكال فى دخول عين النجاسة إلى المسجد بالعنوان الكلّى أو المسجد الحرام خصوصًا فى حال لم يكن منافيا عرفًا لحرمة البيت أو لرعاية شؤونه؟! فليس هناك أى دليلٍ شرعى على هذه المسألة غير الفهم العرفى المتعارف، وحكمه فى هذا المورد غير موجودٍ؛ والأمر مثله مثل الصلاة عند قُبور المعصومين عليهم السلام التى تُوجِب فى بعض المواطن الهتك فتحرم، وأمّا فى بعض المواطن الأخرى فلا إشكال فى ذلك. وهذه المسألة تختلف

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

135
  • باختلاف المواطن والظروف والأوضاع، ولمّا كان أصل تحقّق الموضوع موكلًا إلى العرف، فكذلك يبقى على عهدة العرف أيضًا أن يحدّد كيفية اجتماع الظروف والحكم بثبوتها أو عدمه، وليس على عهدة الفقيه.

  • الثالثة: لقد اعتبر الحكم بالنجاسة الباطنية ضرورى الفساد، وعدّ هذا المعنى من المعانى التى لم تُعهد للفظ النجاسة. [ويرد عليه ما يلى:]

  • أوّلًا: أنّه لم يبرز أى دليلٍ على دعواه لهذه الضرورة، تمامًا كما مرّ فى أمثال ذلك؛ ونحن لم نجد أى معنى صحيح لهذه الضرورة.

  • ثانيا: لقد ذكرنا فيما مرّ1، المواطن التى أُطلقت فيها لفظة النجاسة فى الشرع على معنى القذارة الباطنية، ومن الواضح جدًا وجود شواهدٍ تدلّ على إرادة المعنى الباطنى سواءً فى زمان نزول الآية أم فى زمان الأئمّة عليهم السلام، وادعاؤه هنا هو ادعاءٌ من دون دليلٍ.

  • الرابعة: لقدّ سَرَّى حكم الآية إلى سائر الأفراد غير المسلمين من أهل الكتاب مستفيدًا من القول بعدم الفصل [بين المشرك وغيره منهم]، واعتبر أنّ هذا أحد القرائن على ظهور الآية فى النجاسة الاصطلاحية. ولكن ما علاقة زمان الآية مع عدم القول بالفصل؟!

  • كما أنّ استظهار نجاسة أهل الكتاب من عدم القول بالفصل هو الآخر محلّ تأمّلٍ لما سيأتى فى الفصل التالى2. وكذلك إطلاق المشرك على الكافر، لم يكن ثابتًا كما مرّ، خصوصًا مع ملاحظة القرائن الموجودة فى زمان نزول الآية وما بعد نزولها، حيث يمكن أن نقطع أنّ المراد لم يكن أهل الكتاب.

  • كلام صاحب «الجواهر» بشأن الأخبار الدالة على طهارة أهل الكتاب

    1. راجع الفصل الثاني من هذا الكتاب:( استعمال لفظ النجس في عرف المتشرّعة).( م)
    2. ص 159.( م)

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

136
  • بعد ذلك يقول سماحته:

  • «وَما دَلَّ عَلَى نَجاسَةِ خُصوصِ اليهودِ وَالنَّصارَى أيضًا مِنَ المُعتَبَرَةِ، وَهى وَ إن كانَ فى مُقابِلِها أخبارٌ دالَّةٌ عَلَى الطَّهارَةِ وفيها الصَّحيحُ وغَيرُهُ، بَل هى أوضَحُ مِن تِلك دِلالَةً، بَل لَولا مَعلوميةِ الحُكمِ بَينَ الاماميةِ وظُهورِ بَعضِها فى التَّقيةِ لَاتَّجَهَ العَمَلُ بِها، لَكن لا ينبَغى أن يصغَى إلَيها فى مُقابَلَةِ ما تَقَدَّمَ، وإنْ أطنَبَ بَعضُ الأصحابِ فى البَحثِ عَنها وتَجَشَّمَ مَحامِلَ لَها يرَجَّحُ الطَّرحُ عَلَيها فَضلًا عَنِ التَّقيةِ؛ كما أنَّهُ لا ينبَغى الإصغاءُ لِلِاستِدلالِ عَلَى الطَّهارَةِ أيضًا بِقَولِهِ تَعالَى: (وَ طَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَ طَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ)1 بَعدَ وُرودِ الأخبارِ المُعتَبَرَةِ وفيها الصَّحيحُ والمُوَثَّقُ وغَيرُهُما، بارادَةِ العَدَسِ والحُبوبِ والبُقولِ مِنَ الطَّعامِ سِيما مَعَ تَأييدِها بِما عَنِ «المِصباحِ المُنيرِ» أنَّهُ: إذا أطلَقَ أهلُ الحِجازِ الطَّعامَ عَنَوا بِهِ البُرَّ خاصَّةً ...»2.

  • الردّ على ما أفاده صاحب «الجواهر»

  • وكم هذا عجيبٌ من المرحوم صاحب «الجواهر»، فعلى الرغم من أنّه اعتبر أنّ أخبار الطهارة أوضح دلالةً من أخبار النجاسة، وعدّ الحكم بالطهارة هو المُتّجِه لولا معلومية الحكم بين الإمامية، لكنّه لم يقم أى دليلٍ على هذه الأرجحية غير مجرّد هذه المعلومية، والتى هى ليست إلّا ارتكازًا ذهنيا عنده وعند أمثاله، وهو يريد من خلال هذا الارتكاز الذهنى، توجيه وتأويل أخبار الطهارة بحملها على التقية وغير ذلك، وحَمل الحكم بجواز أكل الطعام من

    1. سورة المائدة( 5)، مقطع من الآية 5.
    2. جواهر الكلام، ج 6، ص 43.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

137
  • مأكولات أهل الكتاب على العدس وغيره؛ مع أنّه كما مرّ، حتّى لو أمكن حمل الطعام على الحبوب إلّا أنّنا لم نجد أحدًا أكل الحبوب حتّى الآن بدون طبخ وهى فى حالتها الخام! وإذا حملنا الآية- على الرغم من استحالة هذا الحمل- على الحبوب الجافّة وغير المطبوخة، فأى معنىً بقى للحلّية والحُرمة الوارد فيها؛ ذلك لأنّه أى محذورٍ فى أكل الحبوب غير المطبوخة، حتّى تأتى الآية فتحكم بالحلية؟!

  • كلام الآقا رضا الهمدانى فى المسألة

  • يقول الحقير: من المناسب جدًّا هنا أنْ ننقل كلام المرحوم الحاجّ آغارضا الهمدانى- رضوان الله عليه- مع شىءٍ من الشّرح، وذلك حتّى يتّضح ما كان لدى هذا الفقيه المكرّم من الاضطراب والتشويش فى حكمه بنجاسة غير المسلمين وخصوصًا أهل الكتاب، وكما سيتّضح كيف أنّ المسألة ليست بتلك البساطة التى نُقلت من قبل كلٍّ مِن صاحب «الجواهر» والمرحوم الوحيد البهبهانى.

  • ردّه على حمل روايات الطهارة على التقية

  • قال بعد عرضه لأدلّة القائلين بنجاسة أهل الكتاب وحملهم لأخبارِ الطّهارة على التقية، وتوجيه الآية الشريفة بالحبوب:

  • «ولا يخفى ما فى هذا التقريب، فإنّ التقية ليست مقتضية لأن يكره الإمام عليه السّلام تحريمَ ما حرّمه اللّه تعالى.

  • فالظاهر أنّ مؤاكلة المجوسى مِن حيث هى- ولو بالنسبة إلى الخبز وغيره من الأطعمة الجامدة على ما يقتضيه إطلاق أدلّتها- من الأمور المكروهة التى يمقتها اللّه وأولياؤه عليهم السّلام.

  • ولعلّ حكمته كونها نحوًا من الموادّة الممقوتة، لكنّ الإمام عليه السّلام كره أن يكلّفهم بالمنع إرفاقًا بهم وتوسعةً عليهم.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

138
  • فمراده بقوله عليه السّلام «أن أُحرِّم عليكم»: إمّا مطلق المنع لا التحريم المصطلح، أو التحريم الحقيقى لكن بلحاظ تعلّق أمر الإمام عليه السّلام بتركه، كما لو أمر الوالد ولده بترك بعض الأشياء المحلّلة لغرضٍ صحيحٍ، وقد صرّح غير واحدٍ بوجوب إطاعة الإمام عليه السّلام فى كلّ ما يأمر به وينهى عنه وإن لم يكن متعلّقه واجبا أو حرامًا شرعيا بالذات، فلا مقتضى لصرف الرواية عن ظاهرها ولو بناءً على نجاسة المجوسى، إذ لا مقتضى لحملها على إرادة خصوص المائعات التى تنفعل بملاقاة النجس، فالمقصود بها بيان حكم المؤاكلة من حيث هى، محرّمةً كانت أو مكروهةً.

  • وكيف كان فلا شهادة فى هذه الرواية على كون الحكم بطهارة الكتابى فى سائر الأخبار لأجل التقية»1.

  • ويلاحظ هنا، أنّه ردَّ حملها على التقية ردًا صريحًا وهو الوجه الذى وُجّه به العديد من الروايات، وقد ذَكرَ أنّ المورد يتنافى أصلًا مع موارد التقية. ولو كان المورد من موارد التقية، فإنّ الإمام عليه السلام لن يقول: أكره أن أحرّم عليكم ما حرّم الله تعالى! لأنّه لو كان الله قد حرّم هذا التناول واقعًا، فأى معنى يبقى للكراهة؟!

  • وبالتالى يصبح معنى هذه العبارة هو التالى: أرى أنّكم ترتبطون مع المجوس فى معاملاتكم وعلاقاتكم، ولو أنّى نهيتكم عن هذا العمل، فسوف

    1. مصباح الفقيه( للحاجّ آغا رضا الهمداني)، ج 7، ص 252.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

139
  • يوجب ذلك العسر والحرج لكم، ولذا فأنا لا أنهاكم عن معاشرتهم والارتباط بهم.

  • وهذا المعنى يتناسب قطعًا مع الكراهة دون الحُرمة؛ لأنّه فى صورة الحرمة، يمكن للإمام أن يبين الأمر بنحوٍ مختلفٍ، فيقول: إنّ تناول أطعمة المجوس والاتصال بهم حرامٌ، وهم نجسون، إلّا فى حالة الضرورة، وذلك كما فى سائر مواطن الضرورة، حيث يرفع الحكم الأصلى.

  • بناءً على هذا، كيف للإمام عليه السلام مع عِلمه بالحرمة والنجاسة الذاتية بنحوٍ مطلقٍ وبلا أى قيدٍ أو شرطٍ، أن يوقِع أمّةً باكملها فى الجهل والضلالة والإقدام على المعصية وتناول النجس؟!

  • وعلى فرض أنّ مراد الإمام هو التقية، كان ينبغى أن يقول: أنا أكره أن أحرّم عليكم ما حرّم الله عزّ وجلّ. يعنى: أنّه لا إشكال فى هذا الأمر فقط فى حال الضرورة والتقية. لا أن يقول: «شيئًا تصنعونه فى بلادكم»1. فمن العجيب جدًا، كيف أنّ هذه المجموعة [من الفقهاء] لم يلتفتوا إلى هذا المعنى الواضح جدًا والمتعارف فى العرف كثيرًا! وأعجب من هذا أنّهم أرادوا من خلال هذه الرواية حمل سائر الروايات الصريحة فى الطهارة أيضًا على التقية!!

  • ترجيحه لأخبار الطهارة على النجاسة

  • بعدها يكمل سماحته فيقول:

  • «هذا، مع أنّه يظهر بالتدبّر فيما أسلفناه فى مبحث نجاسة الخمر أنّ احتمال صدور الأخبار الدالّة على طهارتها تقيةً ليس باقوى من

    1. حيث قال الإمام عليه السلام للسائل:« أَمَّا أَنَا فَلَا أُوَاكِلُ الْمَجُوسِيَّ. وأَكْرَهُ أَنْ أُحَرِّمَ عَلَيْكُمْ شَيْئًا تَصْنَعُونَهُ فِي بِلَادِكُمْ»، راجع: ص 95 من هذا الكتاب.( م)

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

140
  • احتمال كون ما دلّ على نجاستها كذلك. فالإنصاف أنّه ليس فى شىءٍ من أخبار الطهارة ما يشعر بصدورها تقيةً فضلا عن أن يدلّ على ذلك دلالةً معتبرةً مصحّحةً لطرح هذه الأخبار الكثيرة، فلا يجوز رفع اليد عن مثل هذه الروايات إلّا بدليلٍ معتبرٍ. والذى يقتضيه الجمع بينها وبين أخبار النجاسة إنّما هو ارتكاب التأويل فى تلك الأخبار، فإنّ أخبار الطهارة لو لم تكن نصًّا فلا أقلّ من كونها أظهر دلالةً من تلك الروايات. مع ما أشرنا إليه من أن جملةً من هذه الروايات تصلح أن تكون بمدلولها اللفظى قرينةً لصرف تلك الروايات عن ظاهرها، خصوصًا مع ما عرفت من وهن دلالة تلك الأخبار على النجاسة، بل إمكان منع ظهورها فيها. اللّهمّ إلّا أن يدّعى انجبار ضعف دلالتها- كسندها- بفهم الأصحاب وعملهم، لكن لا يكفى ذلك فى ترجيحها على أخبار الطهارة بعد عدم التنافى وإمكان الجمع عرفًا مع وجود الشاهد عليه. إلّا أن يقال: إنّ إعراض المشهور عن أخبار الطهارة أسقطها عن الاعتبار، فأخبار النجاسة على هذا التقدير حجّةٌ سليمةٌ من المعارض يجب الأخذ بظاهرها. لكنّ الاقتناع بهذا القول فى طرح مثل هذه الأخبار أراه مجرّد التقليد والتصديق من غير تصوّرٍ، فلا بدّ من تحقيق هذا القول»1.

  • لقد بين المرحوم الحاجّ آغارضا كيفية دلالة أخبار الطهارة ورجحانها القطعى على أخبار النجاسة بشكلٍ حسنٍ جدًّا وباستدلال متين. وبين أنّه فى

    1. مصباح الفقيه، ج 7، ص 254.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

141
  • مقام الجمع مع الدلالة البينة لأخبار الطهارة، ينبغى أن نقيد أخبار النجاسة ونحملها على الكراهة، بل هو يرى أنّها غير ظاهرة فى الدلالة على النجاسة أيضًا.

  • القرينة الوحيدة للحمل على النجاسة هى عمل الأصحاب وإعراض المشهور عنها

  • بعد أن رجّح سماحته أخبار الطهارة على أخبار النجاسة بشكلٍ قاطع، لم يجد إلّا قرينةً واحدةً للحمل على النجاسة، وهى عمل الأصحاب وإعراض المشهور عن أخبار الطهارة، وطبقًا للقول المشهور، فإنّ إعراض الأصحاب يبتنى على وجود قرينةٍ خَفيت على المتأخرين، وبسببها يرفع الفقهاء أيديهم عن أخبار الثقاة، ولا يأخذون بالصحاح من الروايات والأدلّة، وكثيرًا ما قيل: كلّما ازدادت الروايةُ قوّةً ازدادت وهنًا.

  • ردّ المؤلّف على هذه القرينة

  • وهنا ينبغى أن نسألهم: ما بال هذه القرينة المختفية، لم يبحث عنها ولا حتّى رجلٌ واحدٌ من القدماء أو يأتى على ذكرها؟! وكيف أنّ نفس قدماء الأصحاب هؤلاء الذين كانوا فى العديد من المسائل العادية والروايات المتعارفة يبينون نفس سياق الرواية طبقًا لفهمهم العادى للرواية، وكانوا إذا وُجدت قرينةٌ أو شاهدٌ على خلاف الفهم المتعارف، نقلوها. لكنّهم فى هذا الموطن الذى هو من أهم المسائل فى زمان الأئمّة عليهم السلام، لم يشيروا إلى أى قرينةٍ أو شاهدٍ ونحن نفرح ونسعد لأنّهم وجدوا قرينةً أو تأويلًا حُرمنا منه، فينبغى أن نرجّح فهمهم على الأصول المتقنة والأدلّة المنصوصة من قبل الإمام عليه السلام؟! بل وفى كثيرٍ من الأحيان يجعل فهمُ الأصحاب بنفسه أصلًا من أصول الاستنباط فى قبال السُنّة وكلام أهل البيت، بل يرجّح عليهما؟! ولن نقف طويلًا عند مسألة أنّه ليس فقط لم يكن فى زمان الأئمّة عليهم السلام أية قرينةٍ وأى شاهدٍ على نجاسة الكفّار عمومًا، وأنّ الأمر على

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

142
  • العكس من ذلك، حيث كانت هناك فى زمان حملة الوحى وحفظة الدين عليهم السلام شواهد عديدة كلّها تنطق بطهارة الكفّار، كما سيأتى.

  • رأى الآقا رضا بتمامية دلالة وسند أخبار الطهارة

  • أكمل المرحوم صاحب «مصباح الفقيه» المسألة- بعد تعرّضه لتوضيح هذه القرينة وبيانها- بالنحو التالى:

  • «وعلى تقدير حصول القطع بذلك [أى بالقرينة المختفية على المتأخرين] فلا بحث فيه، لأنّ القاطع مجبول على اتّباع قطعه، ولا يعقل أن يكلّف بالعمل برواية يقطع بعدم كون مضمونها حكم اللّه فى حقّه.

  • ولكنّ الكلام إنّما هو بالنسبة إلى من لم يقطع بذلك بحيث يصحّ عقلا أن يتعبّد بالعمل بالخبر [الموثّق أو الصحيح والحجج الملزمة والدليل المستند] الذى أعرض عنه الأصحاب، فإعراض الأصحاب عنه بالنسبة إليه أمارة ظنّية لا دليل على اعتبارها»1.

  • ثمّ قال بعد ذلك:

  • «وكيف كان فأخبار الباب الدالّة على الطهارة- لتكاثرها أو تظافرها وصحّة أسانيدها واعتضاد بعضها ببعض- أجلُّ من أن يطرأ عليها وهنٌ فى سندها أو دلالتها، لإمكان دعوى القطع بصدور أغلبها لو لم نقل بذلك فى كلّها، كما ذهب إليه بعضٌ، فلا يتطرّق إليها الوهن من حيث السند. وأمّا دلالتها فهى من القوّة

    1. مصباح الفقيه، ج 7، ص 255.( م)

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

143
  • بمكان كاد يكون بعضها نصًّا فى المُدّعى، فلا نجد فى نفوسنا ريبةً فى دلالتها، وإنّما الريبة التى تتطرّق إليها إنّما هى فى جِهة صدورها، فيتقوّى باعراض المشهور عنها احتمال كونها صادرة عن تقيةٍ ونحوها من الأمور المقتضية لإظهار خلاف الواقع»1.

  • وهنا يصرّح سماحته بانّ أخبار الطهارة غير قابلةٍ للخدش لا سندًا ولا دلالةً، وأمّا الاحتمال الوحيد الذى يمكن أن يخدش فيها فهو من جهة الصدور فقط. وهو بعد أن بين ببيانٍ مفصلٍّ نوعًا ما مسألة إعراض الأصحاب وحمل أخبار الطهارة على التقية، قامَ بطرح عددٍ من الإشكالات على هذه الجهة أيضًا؛ ومن جملتها مسألة الآثار الوضعية للطهارة والنجاسة والتى منها بطلان الوضوء والصلاة فى حال ملامسة عين النجاسة ومساورته، فقوّى احتمال الحكم بالطهارة فى حال الضرورة ووجود العسر والحرج، ولكن فى نفس الوقت ذكر أنّ هذا الاحتمال لا يمكن أن يجرى فى جميع موارد السؤال، بل هو محتملٌ فى بعض الروايات فقط.

  • ردّه على القول بانّ جهة الصدور هى التقية

  • وعلى كلّ حال، قال فيما يتعلّق باحتمال التقية ما يلى:

  • «وكيف كان، فحملُ الأخبارِ على التقية لا يخلو عن بعد، وعلى تقدير قرب احتماله لا يكفى ذلك فى الحمل مع مخالفته للأصل ما لم يدلّ عليه دليلٌ معتبرٌ، وقد أشرنا إلى أنّ مجرّد الإعراض لا يصلح دليلًا عليه، اللهمّ إلّا أن يدّعى إفادته للقطع بعدم كونها مسوقةً لبيان الحكم الواقعى، وعهدتها على مدعيها، فهى لا تنهض حجّةً على من لم يقطع بذلك حتّى يجوز له طرح الأخبار

    1. مصباح الفقيه، ج 7، ص 256.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

144
  • المعتبرة، كما أنّ الشهرة ونقل الإجماع على الفتوى بل الإجماع المحقق أيضًا كذلك، ما لم يوجب القطع بموافقة الإمام عليه السلام»1.

  • وهو فى هذه العبارة لم يترك مجالًا للانصراف عن أخبار الطهارة أو المنع عنها؛ لأنّ عمدة دليل المخالفين للقول بالطهارة، هو مسألة الإجماع التى ذُكرت سابقًا، والإجماع إنّما يمكن أن يكون حجّةً فيما لو كان كاشفًا عن موافقة المعصوم عليه السلام، وهذا المعنى يختلف باختلاف الأفراد؛ وقد يكون موجبا للقطع بالنسبة للبعض، أمّا بالنسبة للبعض الآخر فقد لا يوجب لهم حتّى احتمال ذلك، فما بالك بالقطع.

  • وأمّا ما قاله البعض: الإجماع سببٌ عادى للقطع بموافقة الإمام عليه السلام، فهو مردودٌ أيضًا بعد أن لم يتحقّق هذا المعنى فى نفس الإنسان وفى وجدانه.

  • «وبهذا ظهر لك ضعف الاستدلال للنجاسة: بالشهرة ونقل الإجماع وغيرهما من المؤيدات التى تقدّمت الإشارة إليها. لكن لقائل أن يقول: إنّ ما ذُكر من أدلّة النجاسة وإن لا يصلح شىءٌ منها فى حدّ ذاته لإثبات المدّعى فى مقابلة هذه الأخبار الكثيرة، لكن ربّما يحصل- بملاحظة المجموع من نقل الإجماع والشهرة وشذوذ المخالف ومغروسيته فى أذهان المتشرّعة على وجهٍ صار لديهم نظير الضروريات الثابتة فى الشريعة، التى يعرفها العوام والنساء والصبيان، وغيرها من المؤيدات المعاضدة لظواهر

    1. مصباح الفقيه، ج 7، ص 257.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

145
  • أخبار النجاسة- الجزم بنجاستهم وكون أخبار الطهارة مؤوّلةً أو معلولةً. والإنصاف أنّ هذه الدعوى قريبةٌ جدًّا، فإنّه ربما يحصل بملاحظة معروفيته فى الشريعة لدى العوام والخواصّ وتجنّبهم عن مساورة أهل الكتاب الجزم بالحكم، لكونها- كالسيرة القطعية- كاشفةً عن رأى المعصوم [عليه السلام]»1.

  • ردّه على القول بانّ نجاسة أهل الكتاب شعارٌ للشيعة

  • يكرِّرُ صاحبُ «مصباح الفقيه» فى هذه الفقراتِ نفس كلام الوحيدِ البهبهانى، فيعتبر الحكم بالنّجاسة من ضرورياتِ المذهب، وأنّ هذه المسألة كما قيل من جملة شعارات الشيعة فى قبال أهل السُنّة، ولكنّه يستدرك على هذا الكلام من خلال طرح الإيرادات على هذا الدليل وبيان ما فيه من الوهن، فيقول ما يلى:

  • «لكنّ الذى يوهِنها فى خصوص المقام السَير فى أخبار الباب، فإنّها تشهد بحدوث هذه السيرة وتأخّرها عن عصر الأئمّة عليهم السّلام، لشهادة جُلِّها بخلوّ أذهان السائلين- الذين هم من عظماء الشيعة ورواة الأحاديث- عن احتمال نجاستهم الذاتية، وأنّ الذى أوقعهم فى الريبة الموجبة للسؤال عدم تجنّبهم عن النجاسات، حتّى أنّ محمّد بن عبد اللّه بن جعفر الحميرى- الذى كتب إلى صاحب الزمان عجّل اللّه تعالى فرجه فى زمان الغيبة- استشكل فى الصلاة فى الثياب المتّخذة من المجوس بواسطة أنّهم يأكلون الميتة ولا يغتسلون من الجنابة، فيستفاد من مثل هذا السؤال: أنّ احتمال نجاسة المجوس ذاتًا لم يكن طارقًا بذهنه، وإلّا لكان الفحص عن حكم الثياب بملاحظتها أولى، فيظنّ

    1. مصباح الفقيه، ج 7، ص 258.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

146
  • بمثل هذه الأسئلة أنّ معروفيتها لدى العوام ومغروسيتها فى أذهانهم نشأت من شهرة القول بها بين العلماء الذين هم مرجع تقليد العوام، وهى فى حدّ ذاتها لا تفيد الجزم بالحكم خصوصًا مع قوّة احتمال كون مستند المشهور فى الحكم بالنجاسةكما يساعد عليه مراجعة كتبهم- استظهارها من الآية الشريفة ببعض التقريبات المُتقدِّمة، فلم يجوّزوا رفع اليد عن ظاهر الكتاب باخبار الطهارة إمّا بناءً منهم على أنّها أخبار آحاد، ولا يجوز تخصيص الكتاب بها، أو لزعمهم ابتلاء المخصّص بالمعارض، أو غير ذلك من جهات الترجيح، فلا وثوق بوصول الحكم إليهم يدًا بيدٍ عن معصومٍ عليه السّلام، أو عثورهم على دليلٍ معتبرٍ غير ما بايدينا من الأدلّة.

  • والحاصل: أنّه لا يجوز طرح الأخبار الدالّة على الطهارة أو المؤيدة لها- التى لا تتناهى كثرةً- بمثل هذه التلفيقات التى تشبّث بها القائلون بالنجاسة حتّى ألحق المسألة بعضهم بالبديهيات التى رأى التكلّم فيها تضييعًا للعمر، مع أنّه لا يرجع شىءٌ منها إلى دليلٍ يعتدّ به، عدا ظواهر أخبار النجاسة التى عرفت حالها.

  • فالحقّ أنّ المسألة فى غاية الإشكال ...»1.

    1. مصباح الفقيه، ج 7، ص 258.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

147
  • وإنصافًا ينبغى أن نُذعن بانّ صاحب «مصباح الفقيه» قد أدّى حقّ المسألة هنا؛ وعدّ أدلّة القائلين بالنجاسة الذاتية لأهل الكتاب منسوجاتٍ نسجوها بلا دليلٍ أو حجّةٍ، وأنّها جميعًا لا تسمن ولا تُغنى من جوعٍ فى مقام الاجتهاد والاستنباط. ولم يقتصر فقط على أنّ الإجماع فى هذا الموطن لا يكشف عن رأى المعصوم عليه السلام وحسب (لأنّه أوّلًا: إجماعٌ مدركى، وثانيا: كما مرّ له عددٌ من المخالفين سواءً من المتقدّمين أو من المتأخرين كما فى زماننا هذا، وبشكلٍ وافرٍ) بل إنّ شهرة النجاسة بين الشيعة فى زمان نفس الأئمّة عليهم السلام لم تكن متحقّقة، وهذه المسألة واضحةٌ بشكلٍ جلى جدًا فى لسان الروايات.

  • وبناءً على هذا، نحن لا نرى وجود أى مدرك يمكن اعتباره أو الاعتناء به، يدلّ على النجاسة الذاتية وخصوصًا بالنسبة لأهل الكتاب، بل الأدلّة القطعية قائمةٌ على طهارتهم.

  • مُحصّل الكلام

  • وأمّا محصّل الكلام فى هذا الفصل فهو: أنّ أكثر القدماء من الفقهاء، كانوا يقولون بالنجاسة الذاتية للكفّار بما هو أعمّ من المشرك والكتابى، وقد ادّعى فى العديد من الكتب، الإجماع على هذه المسألة، بل إنّ البعض كالمرحوم الوحيد البهبهانى عدّها شعارًا للشيعة فى قبال أهل السنّة، وقد أيد صاحب «الجواهر» كلام الوحيد البهبهانى هذا، فعدّ البحث فى هذه المسألة تضييعًا للعمر، وعدّها من ضمن ضروريات الدين.

  • ولكن مع ملاحظة أدلّة القائلين بالنجاسة، اتضح أنّ أيا منها لا يفيد المراد ولا ينتِج المقصود، وهى مَبنيةٌ فقط على تأويل الروايات الدالّة على

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

148
  • الطهارة، والأخذ بالروايات المحتملة الظهور فى النجاسة، وذلك اعتمادًا على مجرّد الحدس والتخمين والاستحسان.

  • وكما مرّ فإنّ المرحوم الحاجّ آغارضا الهمدانى عدّ جميع أدلّة القائلين بالنجاسة من ضمن التلفيقات، وأنّها قاصرة عن إيقاع أى تأثير، لا فى الإجماع المدّعى ولا فى ادعاء السيرة المشهورة ولا فى الحكم بالتقية وكذا فى سائر الأوجه المرفوضة. وأنّه بناءً للموازين والأصول المدوّنة، فإنّ المُتَّبع هو تلك الروايات الدالّة على الطهارة الذاتية لأهل الكتاب، وحتّى سائر الفرق من المذاهب المختلفة.

  • والكاتب يرى أنّ الإطالة فى هذا المطلب تضييعٌ للأوقات وتطويلٌ بلا طائلٍ، ولأجل توضيح المسألة وبيانها سوف نتعرّض للدليل الوحيد للمتمسّكين بالنجاسة والذى هو الإجماع. آملين أن يكون ذلك سبيلًا للكشف عن وجه الحقيقة، وأن ينجلى مَبنى الشارع المقدّس ومُراده فى هذه المسألة التى أثارت كلّ ذاك الضجيج.

  •  ** *

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

149
  •  

  •  

  • الفَصْلُ السَّادِس: دِراسَةُ الإجماع المُدَّعَى علَى نَجَاسَةِ غَيرِ المُسلِم

  •  

  •  

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

151
  •  

  •  

  • بِسْمِ اللَهِ الرَّحْمنِ الرَّحيم

  •  

  •  

  • يعتبر الإجماع1 فى مذهب الإمامية حجّةً ومستندًا فى قبال الكتاب والسنّة بعنوانه كاشفًا عن رأى المعصوم عليه السلام، وبالطبع فإنّ مرجعه ومآله إلى السُنّة، وفى الحقيقة لا يمكن عدّه دليلًا أو مبنىً مستقلًا من أدلّة ومبانى الاستنباط. وقد ذكر المحقّق فى كتابه «المعتبر» أنّ حجية الإجماع إنّما تكون بدخول المعصوم بين طائفة المجمعين، قال:

  • «فلو خلا المائةُ من فقهائنا عن قولِهِ لما كان حُجّةً، ولو حصلَ فى اثنين، لكان قولهما حجّةً»2.

  • وكذلك يقول السيد المرتضى أعلى الله مقامه:

  • «إذا كان علّةُ كون الإجماع حجّةً، كونُ الإمام فيهم، فكلّ جماعةٍ كثُرَت أو قَلَّتْ كان الإمام فى أقوالها، فإجماعها حُجّةٌ»3.

    1. نلفت نظر القارئ الكريم إلى أنّ سماحة المؤلّف المحترم قد ألّف كتابا مستقلًّا بيّن رأيه فيه بعدم حجيّة الإجماع بشكلٍ وافٍ، وقد ناقش جميع الأقوال هناك، وقد طبع الكتاب بالفارسيّة تحت عنوان« اجماع از منظر نقد ونظر»، وهو قيد التعريب تحت عنوان« رسالةٌ في عدم حجيّة الإجماع»، وتجدر الإشارة إلى أنّ الكتاب الحاضر كان قد ألّفَ قبل تأليف تلك الرسالة لذا لم يُحل عليها في البحث.( م)
    2. المعتبر، ج 1، ص 31.
    3. راجع: الذريعة إلى أصول الشريعة( للشريف المرتضى)، ج 2، ص 154؛ فرائد الأصول، ج 1، ص 185.( م)

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

152
  • ولم ينكر أحدٌ من الفقهاء هذه المسألة، وهى أنّ الإجماع فى حدّ نفسهِ لا يمكن أن يحسب دليلًا مستقلًا إلى جانب سائر أدلة الاستنباط، ولكن هناك اختلافٌ فى وجهات النظر فيما يتعلّق بكيفية تحقّق الإجماع وتشكل موضوعه.

  • المسلك الأوّل لإثبات حجية الإجماع والردّ عليه

  • لقد اعتبر البعض أنّ حجيته من باب دخول الإمام عليه السلام فى جملة الفقهاء المُجمعين، وهى النظرية الراجحة عند قدماء الأصحاب والسيد المرتضى، وقد أطلقوا على هذه الطريقة: الطريقة التضمّنية.

  • والإشكال فى هذه الطريقة هو أنّ الأفراد المعلومى الحال والمعروفين، لا يمكن الاعتداد بكلامهم؛ وأمّا الأفراد غير المعروفين والمجهولين، فمن أين نحصّل القطع على وجود الإمام فى زمرتهم، كما أنّه لا يمكن أن نُسنِد إلى الإمام حُكمًا مبنيا على الحدس والظنّ. ولو حصل القطع بوجود الإمام عليه السلام فى زمرةِ عدّةٍ خاصّةٍ، فالحجية عادت لنفس القطع، وليس إلى إجماع سائر الأفراد؛ وذلك كما لو حصل هذا القطع بدون ملاحظة فتاوى الفقهاء وفقط ضمن حدود معينة لا علاقة لها باى إجماعٍ للفقهاء معروفى الحال.

  • وبناءً على هذا، لا يمكن أن يتحقّق أى إجماعٍ؛ لأنّ معرفة فتاوى الفقهاء المعروفين غير مفيدٍ أبدًا، لأنّهم ممّن يتطرّق لهم الخطأ والنسيان مثلهم مثل سائر أفراد الناس، واستنباطهم إنّما هو حجّةٌ عليهم فقط، لا على الآخرين. وأمّا القطع بوجود الإمام عليه السلام فى الأفراد المجهولين، فلا يمكن أن يتحقّق إلّا فى عالم التصوّر والخيال، وليس فى عالم الخارج والعيان. ومن هنا نعتقد

  • أنّ ذكر الإجماع فى كتب الفقهاء بناءً على هذا المسلك وهذه الطريقة، سيكون عبثًا ولا فائدة منه.

  • وينبغى الإذعان بانّه منذ صدر الإسلام وحتّى الآن، لم يدّعِ أى فردٍ من الفقهاء هكذا إجماعٍ بهذه الخصوصيات، ولا يمكن لأحد أن يفعل.

  • المسلك الثانى لإثبات حجية الإجماع والردّ عليه

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

153
  • وأمّا الطريق الثانى فى تحقّق حجية الإجماع، فهو قاعدة اللطف.

  • وقد قيل لتبرير وتوجيه هذا المسلك ما يلى: لمّا كانت وظيفة الإمام عليه السلام تبيين وتبليغ رسالة الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم وشريعته، لذا يجب عليه أن يوصل حكم الله الواقعى باى نحوٍ من الأنحاء إلى آذان الناس؛ ولذا حينما يتّفق جميع الفقهاء على مسألةٍ مخالفةٍ للواقع، فإنّ وظيفة الإمام عليه السلام وتكليفه- من باب اللطف- بيان الحكم الواقعى باى نحوٍ يرى فيه الصلاح، وحينما لا يكون هناك حكمٌ مخالفٌ للإجماع فهذه المسألة تكشف عن موافقة المعصوم عليه السلام على لحكم المجمع عليه. وأمّا إذا وجد دليلٌ من الكتاب أو السنّة- كما هو الحال فى هذا الباب- فلا يمكن الاستناد حينئذٍ إلى هذه الطريقة؛ لأنّه يمكن أن يكون الإمام اعتمد على نفس هذا الدليل فى مقام بيانه للحكم المخالف.

  • ولكن كما سنبين، فإنّ هذه الطريقة هى كالطريقة السابقة لا تبتنى على أصلٍ رصين ولا قاعدةٍ متينةٍ، وذلك لأنّ تكليف الإمام عليه السلام ووظيفته- بناءً لهذه القاعدة- هو إمّا بيان الحكم المخالف فى مقام الإفتاء والحكم، وإمّا رفع اشتباه الأمّة وخطئها فى مقام العمل والتكليف.

  • فإن كان المراد [من اللطف] هو [أنّ دور الإمام عليه السلام] منع الأمّة عن الخطأ فى مقام العمل، فأوّلًا: ينبغى الإذعان بانّ هذا الأمر لم يتحقّق أبدًا فى العالم الخارجى والعينى؛ لأنّه كثيرًا ما حَكمَ الفقهاء بحُكمٍ وعينوه وعملِت الأمّة طبقًا لذلك الحُكم لفترةٍ من الزمن، وبعد مدّةٍ ظهر حكمٌ مخالفٌ له، فصار الحكم الأوّل منسوخًا بشكلٍ كاملٍ أو صار نادر الوجود؛ وذلك كما فى القول بانفعال ماء البئر [بالنجاسة] فى بداية الأمر،

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

154
  • والذى خالفه العلّامة الحلّى بنظريته المبنية على عدم انفعاله [بها]، فهو خير برهانٍ وشاهدٍ على هذا الأمر، ونظير هذه المسألة موجودٌ فى الأبواب الفقهية إلى ما شاء الله.

  • وثانيا: فى هذه الحالة لماذا تمّ جعل قاعدة اللطف موجّهةً بشكلٍ حصرى إلى الجمهور من الأمّة، ولماذا لا نطبّقها على كلّ فردٍ ومجموعةٍ وفى كلّ الأماكن والأزمان؟! فما هو التقصير الذى قام به الأفراد الذين ارتكبوا فعلًا مخالفًا لحكم الله الواقعى عند أدائهم لتكاليفهم ووظيفتهم بناءً لمقتضى تكليفهم وحكم مقَلَّدهم، بحيث صار يستوجب ذلك أن يحرموا من عناية الإمام ولطفه؟! وأمّا إذا اعتبرنا عمل المكلّف فى زمان غيبة الإمام عليه السلام بمقتضى الحكم الظاهرى جائزًا وأجزنا العمل بالوظيفة الظاهرية كما بين ذلك نفس الأئمّة عليهم السلام واعتبروه مجزيا وصحيحًا ومثابا عليه، فعندها أى فرقٍ سيكون بين شخصٍ واحدٍ أو مائة شخصٍ أو أمّةٍ بكاملها فى برهةٍ من الزمان أو فى الأزمنة المتوالية؟

  • وكما أنّ الأحكام كانت تنزل فى صدر الإسلام بالتدريج، وكان كثيرًا ما يعيش الناس لسنواتٍ فى الجهل عن تكليفهم الواقعى وحكمهم الشرعى، فكانوا يرتكبون الأخطاء، ثمّ كان رسول الله صلّىالله عليه وآله وسلّم يبين لهم الحكم الواقعى، فكذلك نقول أيضًا: بناءً للمصالح والمقتضيات التى هى فى حيطة علمِ الله وأوليائه، فإنّ الناس صاروا محرومين فى زمان الغيبة من إدراك حكم الله الواقعى، وكما هو مذكورٌ فى الأحاديث، فإنّ قائم آل محمّدٍ صلّى الله عليه وعلى آبائه الطاهرين، سوف يظهر مع أحكامٍ وتكاليفَ جديدةٍ.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

155
  • نعم، إنّ مقتضى شؤون الإمامة والولاية الكلية الإلهية لأئمّة الهدى صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين هو أن يكون الإمام عليه السلام ناظرًا وحاضرًا وشاهدًا على جميع أعمالنا وتصرّفاتنا وعلى سرّ وسويداء نفوسنا من خلال إشرافه الولائى والعِلّى، وأن يكون عارفًا ومطّلعًا على جميع النوايا والخاطرات والخطورات قبل حدوثها، ولا يشذّ عن حيطة علمه مثقال ذرّةٍ فى السماوات والأرض، وأن يقوم من خلال قوّته وقدرته الولائية بهداية وإيصال جميع استعداداتنا وقوانا إلى مرحلة الفعلية ومرتبة كمالها الوجودى.

  • وبناءً على هذا، لو كان العمل بحكم من الأحكام أو التكاليف المخالفة لحكم الله الواقعى، سيؤثِّر أثرًا سيئًا (لو بمقدار رأس الإبرة) على سير الإنسان التكاملى وعلى وصول استعداداته إلى الفعلية (مع أنّه لم يقصّر أى تقصيرٍ فى قيامه بالمسائل والأحكام)، فإنّ هذا الأمر يتنافى ويتضادّ مع شؤون مقام الإمامة، ويهبط بالإمام عن مقام ولايته الكبرى إلى منزلة سائر أفراد البشر ومرتبتهم؛ نستجير بالله من هذه الأوهام والوساوس الدَنِية.

  • وقد ذكر الإمام عليه السلام بنفسه هذا الأمر فى رسالته إلى الشيخ المفيد أعلى الله مقامه، حيث قال:

  • «نَحْنُ وإِن كنَّا ثَاوِينَ بِمَكانِنَا النَّائِى عَنْ مَسَاكنِ الظَّالِمِينَ حَسَبَ الَّذِى أَرَانَاهُ اللَهُ تَعَالَى لَنَا مِنَ الصَّلَاحِ ولِشِيعَتِنَا الْمُؤْمِنينَ فِى ذَلِك مَادَامَتْ دَوْلَةُ الدُّنْيا لِلْفَاسِقِينَ؛ فَإِنَّا نُحِيطُ عِلْمًا بانْبائِكمْ ولَا يعْزُبُ عَنَّا شىءٌ مِنْ أَخْبارِكمْ ... إِنَّا غَيرُ مُهْمِلِينَ لِمُرَاعَاتِكمْ ولَا نَاسِينَ لِذِكرِكمْ، ولَوْلَا ذَلِك لَنَزَلَ بِكمُ الْلَأْوَاءُ واصْطَلَمَكمُ الْأَعْدَاءُ ...»1.

    1. الخرائج والجرائح، ج 2، ص 902؛[ لَأواء: شدّة ومحنة. اصطُلِم القوم: أبيدوا من أصلهم].

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

156
  • وذلك بالإضافة إلى أنّ نفس الإمام عليه السلام قد أجاب حين سُئل عن التكبير بعد التشهّد الأوّل قبل القيام إلى الركعة الثالثة بقوله:

  • «الْجَوَابُ: إنَّ فِيهِ حَدِيثَينِ: أَمَّا أَحَدُهُمَا: فَإِنَّهُ إِذَا انْتَقَلَ مِنْ حَالَةٍ إِلَى حَالَةٍ أُخْرَى فَعَلَيهِ تَكبِيرٌ. وأَمَّا الأخَرُ: فَإِنَّهُ رُوِى أَنَّهُ: إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ الثَّانِيةِ فَكبَّرَ، ثُمَّ جَلَسَ، ثُمَّ قَامَ، فَلَيسَ عَلَيهِ لِلْقَيامِ بَعْدَ الْقُعُودِ تَكبِيرٌ؛ وكذَلِك التَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ يجْرِى هَذَا الْمَجْرَى، وبايهِمَا أَخَذْتَ مِنْ جِهَةِ التَّسْلِيمِ كانَ صَوَابا»1.

  • وهكذا نجد أنّ الإمام عليه السلام كان يسوق الأفراد إلى هذه الأحكام الظاهرية المستنبطة من الروايات والأدلّة فى العديد من المواطن كما هو مبينٌ فى موطنه.

  • وأمّا إن كان المراد من اللطف هو توضيح الإمام وتبيينه للحكم الصحيح فى مقام الفتوى ومجرّد بيان الحكم الواقعى، فذلك لن يفيد فى إثبات المدّعى فى المقام؛ وذلك لأنّ [مقتضى القاعدة حينئذٍ] أن يتوجّب على الإمام أن يبلغ هذا الحكم لجميع الفقهاء فى جميع البلاد وجميع الأماكن فردًا فردًا. وهكذا أمر، لا أنّه لم يحصل وحسب، بل إنّ كلّ هذه الاختلافات بين الفقهاء فى جميع الأمكنة والأعصار هو بنفسه شاهدٌ على خلاف مقتضى قاعدة اللطف المدّعاة. [وذلك أنّه بناءً على هذه القاعدة] كيف يجيز الإمام عليه السلام لنفسه أن يستنبط فقيهٌ من الأدلّة حكمًا مخالفًا لحكم الله الواقعى (بدون أى قصورٍ أو تقصيرٍ منه) وأن يطرح هذا الحكم لجميع أفراد الأمّة [دون أن يتدخل لتصحيح الخطأ]؟ أوليس هذا الأمر مخالفًا لقاعدة اللطف؟ فإذا قبلنا

    1. الغيبة( للطوسي)، ص 379.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

157
  • بهذا الاستثناء فى بعض المواطن، يجب علينا أن نقبل بتكرّر ذلك فى كلّ المواطن من باب أنّ حكم الأمثال فيما يجوز وفيما لا يجوز واحدٌ، وإذا قبلنا أن ننسب الخطأ فى الحكم إلى العديد من الفقهاء فى فترة من الزمن، فعلينا أن نقبل نسبة الخطأ لكلّ الفقهاء أيضًا فى فترةٍ أخرى من الزمن.

  • وبناءً على هذا، فإنّ الحكم بوجوب بيان الخطأ فى صورة الإجماع، وعدم وجوبه فى سائر الموارد، هو حكمٌ بالمتناقضين فيما يتعلّق بشؤون الإمامة والولاية، ولعلّ هذا السبب هو الذى جعل السيد المرتضى- أعلى الله مقامه- يرفض هذه الطريقة.

  • بناءً على هذا، فمع ملاحظة الإشكلات السابقة، لا يمكن أن يكون لدينا دليل على ثبوت أو حجية هذا الإجماع أيضًا؛ والله العالم.

  • المسلك الثالث لإثبات حجية الإجماع والردّ عليه

  • المسلك الثالث فى حجّية الإجماع هو طريقة الحدس، وبيان ذلك أنّه: حينما ينعقد إجماعٌ فى جميع الأزمنة وصولًا إلى زمن الإمام المعصوم عليه السلام، يحصل للإنسان قطعٌ بانتساب الحكم إلى الإمام عليه السلام، وهذا الإجماع يمكن أن يكون حجّةً؛ لأنّ اتفاق الفقهاء فى جميع العصور فى مسألةٍ ما، مع أنّهم يختلفون فى الآراء فى الكثير من المسائل الفقهية، يوجب بنفسه حصول القطع بانّ الحُكم المجمع عليه، منتسبٌ بلا ريبٍ للإمام عليه السلام.

  • ولكن كما مرّ سابقًا، يشترط هنا ألّا يكون هذا الإجماع مستندًا إلى دليلٍ فقهى؛ إذ لقائلٍ أن يقول حينئذٍ: من الممكن أن يكون الفهم العرفى وكيفية استنباط الفقهاء من أحد الأدلّة الشرعية التى عندهم، هو الذى ألزمهم باتخاذ حكمٍ كهذا الحكم! ولا شك أنّ كلًّا من الظروف المصاحبة للاستنباط

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

158
  • والقرائن الحافّة، لها مدخلية فى تحقّق موضوع الحكم بما لا يقبل الإنكار، ولذا من الممكن أن تكون نفس هذه الظروف والقرائن لا تنتج لفقيهٍ آخر نفس حكم السابقين، بل يتحقّق الموضوع بالنسبة له بنحوٍ آخر.

  • [ومن جهةٍ أخرى] قد تكون جلالة وعظمة بعض الفقهاء سببا لعدم تعرّض الفقهاء الآخرين لذلك الحكم المستنبط من هذا الفقيه، وكذلك الأمر بالنسبة لسائر الفقهاء فى العصور اللاحقة فقد تكون متابعتهم للسلف الصالح وعدم جرأتهم على الإفتاء بفتوى مخالفة، هى السبب وراء تحكيم هذا الحكم واستقراره.

  • وإذا ما غضضنا النظر عن كلّ ذلك، يبقى أنّنا لا نجد أى حادثةٍ على هذا النحو فى الفقه، بحيث يعرض حكمٌ من الأحكام الفقهية من دون الاستناد إلى دليلٍ شرعى محكم، ولو وجد أمرٌ كهذا، فسوف يكون فى الحقيقة مستندًا للأدلّة الفقهية وسوف يكون من جملة ضروريات الدين.

  • وأمّا مسألة ضروريات الدين، فهى تختلف اختلافًا فاحشًا عن مسألة الإجماع الحدسى، ولا يوجد من يشكل على ذلك أو يعترض. وبناءً على هذا، فإنّ الادعاء بوجود هكذا إجماع هو الآخر بدون دليلٍ أيضًا، أو هو يرتكز على أمورٍ مخالفةٍ للمبادئ الأوّلية للقياس وللأوّليات البرهانية.

  • هذه هى الطرق المعروفة [لإثبات] حجية الإجماع، وعلى الرغم من وجود بعض الطرق الأخرى، إلّا أنّ ذكرها تطويلٌ بلا طائلٍ.

  • قيمة الإجماع المدّعى علميا وفقهيا

  • مع ملاحظة ما تقدّم، دعونا الآن ننظر إلى الإجماع الذى اتخذه العديد من الفقهاء مستندًا لهم فى حكمهم بنجاسة غير المسلم: ما هى رتبته من ناحية المتانة والرزانة الفقهية؟ وباى معيارٍ يمكن أن يلحظ ضمن طرق الاجتهاد؟

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

159
  • أوّلًا: لا يوجد أى شك بانّ مبنى ودليل المجمعين والفقهاء من زمان الأئمّة عليهم السلام فما بعد [لو سلّم به] مبنى على أساس الآية الشريفة والروايات فى هذا الباب. وبناءً على ذلك، فإنّ النقطة المهمّة فى انعقاد الإجماع مفقودةٌ هنا؛ وهى عدم ابتناء الإجماع على الأدلّة الاجتهادية.

  • ثانيا: وجود الفتوى المخالفة، فهناك فتواى مخالفة [للحكم بنجاسة غير المسلم] بين الفقهاء منذ الزمن القريب إلى زمن الأئمّة عليهم السلام وما بعده كما مرّ سابقًا، كذلك فإنّ الحكم بالطهارة الذاتية لأهل الكتاب هو حكمٌ رائجٌ ودارجٌ بين الفقهاء المتأخرين، وهذا بنفسه يشكل دليلًا على عدم انعقاد الإجماع؛ وإلّا فكيف يمكن لفقيهٍ مع وجود الإجماع المدّعى أن يظهر جرأةً كهذه ويصدر حكمًا بالخلاف؟!

  • وبناءً على هذا، مع غضّ النظر عن عدم حجية الإجماع من أساسه، وعدم انعقاده بصورةٍ عينيةٍ وخارجيةٍ، يبقى أنّ هناك خدشةٌ وإشكالٌ فى نفس تحقّق هذا الإجماع؛ ولذا إذا ادعى شخصٌ أنّه لا يوجد أى دليلٍ مقنعٍ على الحكم بالنجاسة الذاتية لغير المسلم، فهو لم يقل جزافًا.

  • ومن الممكن أن يدّعى هنا بانّه بالنظر إلى السيرة القائمة بين المسلمين (الشيعة) على نجاسة غير المسلم، بحيث صار الحكم بذلك شعارًا لهم فى قبال المخالفين، وهذه السيرة [القائمة الآن] تدلّ على وجود هذه السيرة فى زمان الأئمّة عليهم السلام، وهذا بنفسه دليلٌ على ما استفاده الفقهاء من الروايات الدالّة على النجاسة، وكذلك طرح الروايات التى فيها نصٌّ على الطهارة الذاتية لغير المسلم، أو تلك الظاهرة فى ذلك.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

160
  • ولذا يجب أن يقال: إنّ ادعاءً كهذا، عارٍ عن الحقيقة، وهو لا يعدو كونه مجرّد دعوى؛ لأنّه كما أفاد صاحب «مصباح الفقيه»: إنّ هذه السيرة إنّما ظهرت بعد زمان الأئمّة عليهم السلام وأنّها إنّما اشتهرت بين الشيعة بسبب تقليدهم للفقهاء، وإلّا فإنّ الحكم فى زمان الأئمّة كان على العكس من ذلك تمامًا1.

  • وأمّا الدليل على هذه المسألة، فهو كثرة الروايات المُصرّحة بالطهارة أو الظاهرة فى ذلك أو حتّى التى تحتمل نجاستهم؛ لأنّه فى حال تحقّق سيرةٍ على النجاسة الذاتية لأهل الكتاب وغيرهم، كيف يسأل الراوى الإمامَ عليه السلام عن الثوب أو عن الطعام أو عن أمرٍ آخر مخالطٍ لهم، ويعلّل سؤاله بانّه قد ينجس بسبب عدم اجتنابهم لشرب المسكر وعدم الاغتسال من الجنابة أو بسبب أكلهم للحم الخنزير وعدم اجتنابهم عن النجاسات؟ إذ لو كان هناك سيرةٌ على نجاستهم الذاتية، فسوف تكون هذه الأسئلة وكذا الإجابات الصادرة عن الإمام عليه السلام كلّها لغويةً وعبثيةً مائة بالمائة؛ فمن هذه الروايات ما جاء فى رسالة محمّد بن عبد الله الحِميرى المرسلة لحضرة بقية الله أرواحنا فداه التى جاء فيها:

  • «عِنْدَنَا حَاكةٌ مَجُوسٌ، يأْكلُونَ الْمِيتَةَ ولَا يغْتَسِلُونَ مِنَ الْجَنَابَةِ وينْسِجُونَ لَنَا ثِيابا؛ فَهَلْ تَجُوزُ الصَّلاةِ فِيهَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تُغْسَلَ؟ فَكتَبَ إِلَيهِ فِى الْجَوَابِ: لَا باسَ بالصَّلاةِ فِيهَا»2).

    1. راجع ص 143 و 144 من هذا الكتاب.( م)
    2. وسائل الشيعة، ج 3، ص 520.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

161
  • فإنّ هذه الرواية الصادرة فى زمان الغيبة الصغرى، تبين بشكلٍ كاملٍ سيرة الأُمّة فى حكمهم بالطهارة الذاتية لأهل الكتاب، وأنّ سؤال محمّد بن عبد الله الحميرى كان عن عروض النجاسة من ناحية النجاسة الخارجية وليس النجاسة الذاتية. وكذلك الأمر بالنسبة للروايات التى مرّت عن الإمام الصادق عليه السلام وعن الإمام الرضا عليه السلام، والتى كانت فى بيانها لهذا المعنى نصًّا على المطلوب والمراد، ولهذا يمكن القول إنّ هذا الادعاء [بوجود سيرةٍ فى زمن الأئمّة على نجاسة غير المسلم] هو الآخر بلا أساس، بل الأمر على عكس المُدّعى، بشكلٍ واضحٍ وجلى تمامًا.

  •  ** *

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

163
  • الخاتمة: خَاتِمَةُ البَحْثِ فى بَيانِ عِدَّة أُمُورٍ

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

165
  • الأمر الأوّل: الحكم بالطهارة الذاتية شاملٌ للكفّار من غير أهل الكتاب أيضًا.

  • الأمر الأوّل: أنّه لم يذكر فى كتبنا الروائية أى بحثٍ حول النجاسة الذاتية للمشركين، ولا حول سائر الكفّار من غير أهل الكتاب بشكلٍ عامٍّ، وأمّا مستند الفقهاء على نجاسة المشركين فمنحصرٌ فى الآية الشريفة: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ1. وكما ذُكر سابقًا، فإنّ هذه الآية لا تدلّ على النجاسة الظاهرية، والمراد منها هو خُبث الباطن والقذارة النفسانية؛ مضافًا إلى الروايات التى فى باب الرضاع وفى باب النكاح وغيره والتى تدلّ على عدم النجاسة الذاتية للمشركين؛ مثلًا فى الرواية المروية عن حميد بن زياد ... عن عبد الرحمن بن أبى عبد الله، قال:

  • «سَأَلْتُ أَبا عَبْدِاللَهِ عَلَيهِ السَّلَامُ: هَلْ يصْلُحُ لِلرَّجُلِ أَنْ تُرْضِعَ لَهُ الْيهُودِيةُ والنَّصْرَانِيةُ والْمُشْرِكةُ؟ قَالَ: لَا باسَ، وقَالَ: امْنَعوهُم شُرْبَ الْخَمْرِ»2.

  • فقد حكم الإمام عليه السلام فى هذه الرواية- كما مرّ- أنّ إرضاع المشركة جائزٌ دون أن يفرّق بينها وبين الكتابية، ولا يوجد أى دليلٍ على أنّ

    1. سورة التوبة( 9)، صدر الآية 28.
    2. وسائل الشيعة، ج 21، ص 465.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

166
  • ذلك كان فى صورة الضرورة كما ادّعى، بل إنّ إطلاقها موجبٌ للجواز، ولو ورد نهى فى هذا الباب فهو محمولٌ على الكراهة كما هو مقتضى الجمع بين الأدلّة.

  • كذلك الأمر بالنسبة للرواية المتقدّمة المروية عن الزهرى عن الإمام السجّاد عليه السلام:

  • «لَا يحِلُّ لِلْأَسِيرِ أَنْ يتَزَوَّجَ مَا دَامَ فِى أَيدِى الْمُشْرِكينَ مَخَافَةَ أَنْ يولَدَ لَهُ فَيبْقَى وَلَدُهُ كافِرًا فِى أَيدِيهِمْ»1.

  • وهنا أيضًا لم يشكل الإمام عليه السلام على نفس الزواج، بل إنّ إشكاله كان مُوجّهًا لآثار الزواج من المشركة وتبعاته، وهى أن يولد له ولدٌ ويبقى عند الكفّار والمشركين، وفى هذه الرواية تلويحٌ بجواز النكاح من المشركة فى غير بلاد الكفر.

  • وكذلك الرواية التى نقلها أحمد بن إدريس مرسلةً عن الإمام الصادق عليه السلام، وذلك فيما يتعلّق بالسؤر:

  • «عَنْ أَبِى عَبْدِ اللَهِ عَلَيهِ السَّلَامُ: أَنَّهُ كرِهَ سُؤْرَ وَلَدِ الزِّنَا، وسُؤْرَ الْيهُودِى والنَّصْرَانِى والْمُشْرِك وكلِّ مَا خَالَفَ الْإِسْلَامَ وكانَ أَشَدُّ ذَلِك عِنْدَهُ سُؤْرَ النَّاصِبِ»2.

  • إنّ لفظ الكراهة الوارد فى الرواية محمولٌ على الجواز، بالإضافة إلى أنّ ذكر سؤر اليهودى والنصرانى وولد الزنا (الذى ليس بنجسٍ قطعًا) مع سؤر المشرك فى سياقٍ واحدٍ، قرينةٌ على أنّ سؤر المشرك سيكون محكومًا بالطهارة أيضًا.

    1. وسائل الشيعة، ج 20، ص 537.
    2. وسائل الشيعة، ج 1، ص 229.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

167
  • وبالالتفات إلى المسائل المذكورة، وإلى ما ذكر سابقًا حول دخول المشركين إلى مسجد النبى صلّى الله عليه وآله وكذلك إلى المسجد الحرام، يتّضح أنّ الشارع فى الشرع الإسلامى المقدّس، يحكم بالطهارة الذاتية للمشركين، ولكن الآية فى مقام إثبات قذارتهم الباطنية، فحذّرت الناس من دخولهم إلى المسجد الحرام لذلك. وهذا المعنى أنسب من أن نقول: إن المراد من النجاسة هو قذارتهم الظاهرية ونجاستهم الاصطلاحية؛ لأنّ مجرّد إدخال الشىء النجس إلى المسجد الحرام لا يعدّ هتكا لحرمة المسجد، إلّا إذا كان موجبا لتنجيس المسجد.

  • ومن جهةٍ أخرى يحتمل جدًا أنّ تكون الآية الشريفة فى مقام بيان حكمٍ من الأحكام السياسية التى تتناسب وتتطابق مع ظروف ذلك الزمان؛ لأنّ دخول المشركين إلى المسجد الحرام وإتيانهم بالعبادات الخاصّة بهم، يوجب من جهةٍ هتك احترام بيت الله الحرام وحَرَمِ توحيده، وسوف يقع فى بيته المنزّه الهرجُ والمرج وتشويش الأذهان وإيجاد الخواطر والصوارف عن الالتفات إلى التوحيد. ومن جهةٍ أخرى سيستوجب ذلك تثبيت موقعيتهم ومكانتهم السياسية. وبعبارةٍ أخرى: هذا الأمر بحدّ ذاته يعتبر نوعًا من اللامبالاة بنشر كلمة التوحيد واستقرار الشرع الإسلامى المقدّس فى جميع البلاد والأمكنة؛ ولذا صدر من جانب حضرة الأحدية الحكم بالمنع من دخولهم.

  • ولذا يمكن حمل الآية الشريفة على النجاسة الباطنية والقذارة والكدورة النفسانية، وفى صورة الشك فى الانطباق، فمن الواضح أنّ الحكم بالطهارة سيكون هو الموافق لجريان الأصول.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

168
  • هذا بالإضافة إلى أنّه فى الروايات المذكورة أيضًا، شواهد كافية على الطهارة الذاتية للمشركين، وبناءً على هذا يجب الإذعان بانّ المشركين وسائر طوائف الناس هم كأهل الكتاب محكومون بالطهارة الذاتية؛ والله العالم.

  • الأمر الثانى: حمل الروايات الصريحة بالطهارة الذاتية لأهل الكتاب على التقية بعيدٌ عن التحقيقى.

  • الأمر الثانى: إنّ العديد من الفقهاء فى كتبهم الفقهية والروائية قد حملوا الروايات الصريحة الدالّة على الطهارة الذاتية لأهل الكتاب على التقية؛ ولكن مع التدقيق والتدبّر فى الروايات التى وردت فى المواطن المختلفة، ينبغى الإذعان بانّ حمل تلك الروايات على مورد التقية ليس مستبعدًا وحسب، بل إنّه ممتنع. ففى النهاية كيف يمكن أن نحمل تلك الرواية التى يأمر فيها الإمام عليه السلام ذلك الفرد الذى ولد نصرانيا وأسلم حديثًا أن يأكل من طعام والديه (إذا كانا يجتنبان تناول لحم الخنزير وعن شرب الخمر) على التقية؟! وكذا الأمر بالنسبة لسائر روايات هذا الباب.

  • ألم يكن بامكان الإمام عليه السلام أن يقول له: فى حالة التقية كلْ مِن طعامهم، ولكن فيما بعد اغسل يدك وفمك ولباسك؟! أو أن يحذّره من استعمال لباسهم؟! وبشكلٍ عامٍّ هل هذا الموطن من مواطن التقية أصلًا أم لا؟! خاصّةً أنّ مسألة الطهارة والنجاسة هى عبارةٌ عن مسألةٍ شخصيةٍ، ويمكن إخفاؤها، فيمكن للشخص أن يعمل بتكليفه الواقعى بدون أن يلتفت أحدٌ إلى ذلك. ثمّ هل جواز الزواج من الكتابية كان للتقية أيضًا؟! وهل كان وجود الأمة النصرانية فى منزل الإمام الرضا عليه السلام للتقية أيضًا؟! وهل أكل جيش الإسلام من طعام أهل الذمّة للتقية أيضًا؟!

  • عجبا! إنّ الكاتب هنا لا يمكنه أن يخفى تعجّبه من هذه الأمور المستنبطة البعيدة نهاية البعد رغم وجود تلك القرائن الكثيرة المبعّدة؛ وليتَ شعرى، ألم

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

169
  • يفكر هؤلاء الفقهاء الذين حملوا جميع هذه الروايات فى الظروف المختلفة على التقية، بحقيقة التقية وواقعيتها ووجودها العينى والخارجى؟! أمّ أنّهم رموا سهمًا فى الظلام رجمًا بالغيب، ليحرّروا أنفسهم من الاضطراب الناشىء من البحث والتحقيق ومن التشويش الحاصل بخوض غماره، فلم يفكروا أو يتأملوا فى تبعات هذه المسألة؟! ولذا نرى أنّ المرحوم صاحب «مصباح الفقيه» يعدّ البحث المطروح فى هذه المسألة من جملة التلفيقات، ولا يرتّب أى أثرٍ على هذه المحامل، ويعتبرها بلا قيمةٍ أبدًا، ويرى بانّ أدلّة الطهارة الذاتية لأهل الكتاب ليس لها معارض أو مناقض.

  • وهذه المسألة هى كالعديد من المسائل الأخرى التى توجب تأسّف أرباب التحقيق والتعمّق، حيث أنّك ترى فى العديد من المَواطن أنّ فقيهًا من الفقهاء يذهب فورًا إلى حيثية جهة الرواية من دون أن يلاحظ دلالة الرواية وكيفية جمعها مع سائر الأدلّة وبدون التأمّل فى مضامينها، فيحمل جهتها على التقية، ويسقطها بالكلية عن الحجية؛ مع أنّه بادنى تأمّلٍ يمكن أن يتصوّر لها حملٌ صحيحٌ، فيخرج بذلك كلام الإمام عليه السلام عن اللغوية.

  • فهل يمكن لنا بهذه السهولة أن نُسقط روايةً من الروايات عن الحجية لمجرّد معارضتها الظاهرية مع الروايات الأخرى؟! وهل يمكن لنا أن نغسل أيدينا من الأحكام الإلهية ومن كلمات المعصومين عليهم السلام لمجرّد ارتكاز بعض الاحتمالات واستحسان السلائق والأذواق الشخصية والفردية؟! ثمّ كيف لم يلتفت المتأخرون من الفقهاء الذين حكموا بطهارة أهل الكتاب إلى مسألة التقية هذه؟! إنّ هذه الأسئلة ونظائرها هى الأسئلة التى تلزم أى محقّقٍ أن يجدّد النظر ويضاعف التحقيق فى كيفية استخراج الفتوى واستنباط الأحكام من مصادرها.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

170
  • الأمر الثالث: استحباب الاحتياط فى التعامل مع غير المسلمين

  • الأمر الثالث: على الرغم من حكمنا فى مقام الجمع بين الروايات المختلفة فى هذا الباب بالرجحان القطعى للروايات الدالّة على طهارة جميع أقسام البشر من الملل المختلفة، ولكنّ من جهةٍ أخرى نرى بوضوح أنّ مصبّ الروايات المنقولة عن الأئمّة المعصومين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين هو على استحباب الاحتياط واجتناب المماسّة والمباشرة مع الفرق المختلفة؛ وأنّه من الأفضل قدر الإمكان أن يجتنب الإنسان تناول طعامهم ومماسّتهم حتّى فى حالة اجتنابهم للمسكر ولحم الخنزير.

  • وهنا وصل بحثنا حول مسألة الطهارة الذاتية للإنسان إلى نهايته، والمؤلّف مع دعائه بالتوفيق المتزايد لجميع المحقّقين والعلماء فى الفقه الإسلامى وعلوم أهل بيت العصمة والطهارة عليهم السلام، يطلب منهم أن يقوموا ببحث وتحقيق ونقد ما ورد فى هذه الرسالة، مُستقبِلًا آراءهم القيمة وبياناتهم الناقدة بكلّ حرارة. ويقدّم هذا البحث كهدية تصبّ فى خانة التأمّل والتعمّق فى ساحة العلم والفقاهة. ونسأل الله المتعال أن يجعل مسيرنا جميعًا مسيرًا متقنًا وأن يكون طريقنا ممضى ومنطبقًا مع طريق الأولياء وطريق أئمّة الهدى صلوات الله وسلامه عليهم؛ بمنّه وكرمه.

  • العبد الآثم السيد محمّد محسن الحسينى الطهرانى

  • ليلة السابع من محرّم الحرام سنة 1424 هجرية قمرية

  • بلدة قم الطيبة

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

171
  • فَهْرَسُ المَصَادِرِ والمَرَاجِعِ

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

173
  • القرآن الكريم: المدينة المنوّرة (خط عثمان طه).

  • نهج البلاغة: شرح محمد عبده، 4 مجلّدات، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت.

  •  ** *

  • الاحتجاج: الطبرسى، نشر المرتضى، مشهد المقدّسة، 1403 ه.

  • إرشاد القلوب إلى الصواب: حسن بن محمّد الديلمى، نشر الشريف الرضى، قم، الطبعة الأولى، 1412 ه.

  • الإرشاد: الشيخ المفيد، طبع مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، الطبعة الثانية، 1416 ه.

  • إعلام الورى باعلام الهدى: الفضل بن الحسن الطبرسى، نشر الإسلامية، طهران، الطبعة الثالثة، 1390 ه.

  • الإنصاف: هاشم بن سليمان البحرانى، مكتب نشر الثقافة الإسلامية، طهران، الطبعة الثانية، 1420 ه.

  • أحكام القرآن: الجصاص، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1415 ه.

  • أمالى المرتضى (غرر الفوائد ودرر القلائد): على بن الحسين المرتضى (علم الهدى)، تصحيح وتحقيق: محمّد أبو الفضل إبراهيم، دار الفكر العربى، القاهرة، الطبعة الأولى، 1998 م.

  • بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار: محمّد باقر بن محمّد تقى المجلسى، دار إحياء التراث، بيروت، الطبعة الثانية، 1403 ه.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

174
  • بداية المجتهد: ابن رشد، مؤسسة ناصر الثقافية.

  • البرهان فى تفسير القرآن: هاشم بن سليمان البحرانى، مؤسسة البعثة، شعبة التحقيقات الإسلامية، قم، الطبعة الأولى، 1415 ه.

  • تذكرة الفقهاء: الحسن بن يوسف بن المطهر الأسدى الحلّى (العلامة الحلّى)، مؤسسة آل البيت عليهم السلام، قم، الطبعة الأولى، 1414 ه.

  • تفسير البيان فى الموافقة بين الحديث والقرآن: العلّامة السيّد محمّد حسين الطباطبائى، تحقيق، أصغر إرادتى، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، الطبعة الأولى، 1427 ه.

  • تفسير العياشى: محمود بن مسعود العياشى، المكتبة العلمية الإسلامية، طهران، الطبعة الأولى، 1380 ه.

  • تفسير القمى: على بن إبراهيم القمى، دار الكتاب، قم، الطبعة الثالثة، 1404 ه.

  • التفسير الكبير: الفخر الرزاى، دار إحياء التراث العربى، بيروت، الطبعة الثالثة، 1420 ه.

  • تفسير فرات الكوفى: فرات بن إبراهيم الكوفى، وزارة الإرشاد الإسلامية، طهران، تحقيق: محمّد كاظم، الطبعة الأولى، 1410 ه.

  • تهذيب الأحكام: الشيخ الطوسى، تحقيق: السيد حسن موسى الموسوى الخراسانى، دار الكتب الإسلامية، طهران، الطبعة السابعة، 1407 ه.

  • التوحيد: محمد بن على بن بابويه القمى (الشيخ الصدوق)، جماعة المدرسين، قم، الطبعة الأولى، 1398 ه.

  • الثاقب فى المناقب: ابن حمزة الطوسى، تحقيق: نبيل رضا علوان، نشر أنصاريان، قم، الطبعة الثانية، 1412 ه.

  • الجعفريات (الأشعثيات): محمّد بن محمّد بن الأشعث، مكتبة نينوى الحديثة، طهران، الطبعة الأولى.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

175
  • جواهر الكلام: الشيخ محمد حسن النجفى، طبع دار الكتاب الإسلامى، طهران، الطبعة الثانية.

  • الحاشية على مدارك الأحكام: الوحيد البهبهانى، مؤسسة آل البيت عليهم السلام، الطبعة الأولى، قم، 1419 ه.

  • الخرائج والجرائح: قطب الدين الراوندى، تحقيق ونشر مؤسسة الإمام المهدى عجّل الله فرجه، قم.

  • الخصال: محمد بن على بن بابويه القمى (الشيخ الصدوق)، جماعة المدرسين، قم، 1403 ه.

  • دلائل الإمامة: محمّد بن جرير الطبرى (الشيعى)، نشر الطبعة الحيدرية، النجف الأشرف، 1382 ه.

  • الذريعة إلى أصول الشريعة: الشريف المرتضى، تحقيق: أبو القاسم خرجى، نشر جامعة طهران.

  • روح المعانى فى تفسير القرآن العظيم والسبع المثانى: العلامة الآلوسى، دار إحياء التراث العربى، بيروت، الطبعة الرابعة، 1405 ه.

  • سعد السعود: السيد ابن طاووس الحسنى، نشر الشريف الرضى، قم.

  • السنن الكبرى: البيهقى، دار المعرفة، بيروت، 1413 ه.

  • شرح معانى الآثار: أحمد بن محمّد بن سلمة الطحاوى، نشر عالم الكتب، بيروت.

  • صحيح البخارى: نسخة الأوفست من طبع دار الطباعة العامرة، اسطنبول، 1401 ه.

  • علل الشرائع: محمّد بن على بن بابويه القمى (الشيخ الصدوق)، دار إحياء التراث العربى، بيروت، الطبعة الثانية، 1385 ه.

  • عمدة القارى فى شرح صحيح البخارى: بدر الدين العينى، دار إحياء التراث العربى.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

176
  • عوالى اللئالى العزيزية فى الأحاديث الدينية: محمّد بن على بن إبراهيم الأحسائى (ابن أبى جمهور)، قدّم له: آية الله السيد شهاب الدين النجفى المرعشى، تحقيق: الشيخ الحاج آقا مجتبى العراقى، مطبعة سيد الشهداء، قم الطبعة الأولى، 1403 ه.

  • عيون أخبار الرضا عليه السلام: محمد بن على بن بابويه القمى (الشيخ الصدوق)، انتشارت جهان، طهران، الطبعة الأولى، 1420 ه.

  • غنية النزوع إلى علمى الأصول و الفروع: حمزة بن على بن زهرة الحسينى الحلبى، مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام، قم، الطبعة الأولى، 1417 ه.

  • الغيبة: الشيخ الطوسى، تحقيق: الشيخ عباد الله الطهرانى والشيخ على أحمد ناصح، مؤسسة معارف إسلامى، قم، الطبعة الأولى، 1411 ه.

  • الغيبة: محمد بن إبراهيم بن أبى زينب (النعمانى)، تحقيق: على أكبر غفّارى، نشر الصدوق، طهران، الطبعة الأولى، 1397 ه.

  • فتح البارى بشرح صحيح البخارى: ابن حجر العسقلانى، دار إحياء التراث العربى، بيروت، الطبعة الرابعة، 1408 ه.

  • فضائل أمير المؤمنين عليه السلام: أحمد بن محمد ابن عقدة الكوفى، تحقيق: عبد الرزاق محمّد حسين حرز الدين، نشر دليل ما، قم، الطبعة الأولى، 1424 ه.

  • الفقه على المذاهب الأربعة: عبدالرحمن الجزيرى، دار إحياء التراث العربى، الطبعة السابعة، 1406 ه.

  • قرب الإسناد: عبد الله بن جعفر الحميرى القمّى، مؤسسة آلة البيت لإحياء التراث، الطبعة الأولى، 1413 ه.

  • قواعد الأحكام: الحسن بن يوسف بن المطهر الأسدى الحلّى (العلامة الحلّى)، نشر جامعة المدرسين، قم، الطبعة الأولى، 1413 ه.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

177
  • الكافى: أبو جعفر محمّد بن يعقوب بن إسحاق الكلينى، صحّحه وعلّق عليه: على أكبر الغفّارى، دار الكتب الإسلامية، الطبعة الرابعة، 1407 ه.

  • كمال الدين وإتمام النعمة: محمد بن على بن بابويه القمى (الشيخ الصدوق)، صحّحه وعلّق عليه: على أكبر الغفّارى، دار الكتب الإسلامية، 1395 ه.

  • كنز الفوائد: محمّد بن على الكراجكى، دار الذخائر، قم، الطبعة الأولى 1410 ه.

  • لسان العرب: ابن منظور، دار صادر، بيروت (15 مجلّد).

  • المحاسن: أحمد بن محمّد بن خالد البرقى، تحقيق: جلال الدين المحدّث، دار الكتب الإسلامية، قم، الطبعة الثانية، 1371 ه.

  • المحلّى: ابن حزم الأندلسى، تحقيق: لجنة إحياء التراث العربى، دار الجبل، بيروت.

  • مدينة المعاجز: السيد هاشم البحرانى، مؤسسة المعارف الإسلامية، الطبعة الأولى، 1414 ه.

  • مرآة العقول فى شرح أخبار آل الرسول: محمّد باقر بن محمّد تقى المجلسى، دار الكتب الإسلامية، طهران، الطبعة الثانية، 1404 ه.

  • المزار الكبير: محمّد بن جعفر بن المشهدى، تحقيق جواد قيومى أصفهانى، مؤسسة نشر إسلامى، الطبعة الأولى 1419 ه.

  • مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل: حسين بن محمّد تقى (المحدّث النورى)، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، الطبعة الأولى، 1408 ه.

  • المسترشد فى إمامة أمير المؤمنين: محمّد بن جرير الطبرى (الشيعى)، تحقيق أحمد محمودى، مؤسسة الثقافة الإسلامية، الطبعة الأولى، 1415 ه.

  • مستمسك العروة الوثقى: آية الله السيد محسن الطباطبائى الحكيم، الطبعة الرابعة، دار إحياء التراث العربى، بيروت، لبنان.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

178
  • مشكاة الأنوار فى غرر الأخبار: لأبى الفضل على الطربسى، الطبعة الثالثة، منشورات دار الكتب الإسلامية، قم، 1385 ه.

  • مصباح الفقيه: الآقا رضا بن محمّد هادى الهمدانى، مؤسسة الجعفرية لإحياء التراث ومؤسسة النشر الإسلامى، الطبعة الأولى، قم، 1416 ه.

  • مصباح المتهجد: الشيخ الطوسى، مؤسسة فقه الشيعة، بيروت، الطبعة الأولى.

  • المصنّف: ابن أبى شيبة، تحقيق وتعليق سعيد محمّد اللحام، دار الفكر، بيروت، الطبعة الأولى، 1409 ه.

  • المعتبر فى شرح المختصر: نجم الدين جعفر بن حسن الحلّى (المحقّق الحلى)، طبع مدرسة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، 1364 ه.

  • مفتاح الكرامة فى شرح قواعد العلامة: السيد محمّد جواد العاملى، تحقيق الشيخ محمّد باقر الخالصى، جامعة المدرسين، قم، الطبعة الأولى، 1419 ه.

  • مكارم الأخلاق: الشيخ الطبرسى، مؤسسة الأعلمى، بيروت، الطبعة السادسة، 1392 ه.

  • من لا يحضره الفقيه: محمد بن على بن بابويه القمى (الشيخ الصدوق)، طبعة جامعة المدرسى، قم، الطبعة الثانية.

  • منتهى المطلب فى تحقيق المذهب: العلامة الحلّى، مجمع البحوث الإسلامية، مشهد، الطبعة الأولى، 1412 ه.

  • الميزان فى تفسير القرآن: العلّامة السيد محمّد حسين الطباطبائى، نشر دار الكتب الإسلامية، الطبعة الثانية، 1394 ه، 20 مجلّدًا.

  • نهج الحق وكشف الصدق: العلّامة الحلّى، دار الكتاب اللبنانى، بيروت، الطبعة الأولى، 1982 ه.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

179
  • الوافى: محمّد محسن بن مرتضى (الفيض الكاشانى)، مكتبة أمير المؤمنين عليه السلام، أصفهان، الطبعة الأولى، 1406 ه.

  • الوجيز فى فقه الإمام الشافعى: أبو حامد محمّد الغزالى، تحقيق على معوّض وعادل عبد الموجود، دار الأرقم، بيروت، الطبعة الأولى، 1418 ه.

  • وسائل الشيعة: الشيخ محمّد بن الحسن بن الحرّ العاملى، تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، قم، الطبعة الأولى، 1409 ه، 30 مجلّدًا.

  •  ** *

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

183
  • بسم اللَه الرحمن الرحيم

  • دَوْرَةُ عُلوْمِ وَمَبانى الإِسْلَامِ وَ التَّشَيعِ

  • الكتب المنشورة

  • الكتب والآثار المنشورة لسماحة آية الله الحاجّ السيد محمّد محسن الحسينى الطهرانى دامت بركاته:

  • 1. طهارة الإنسان: دراسة فقهية تخصّصية لإثبات طهارة مطلق الإنسان ذاتاً. (متوفّر بالعربية)

  • 2. الأربعين فى التراث الشيعى. (متوفّر بالعربية)

  • 3. أسرار الملكوت: شرحٌ لحديث عنوان البصرى عن الإمام الصادق عليه السلام. (متوفّر بالعربية)

  • 4. حريم قدس (حريم القدس): مقالةٌ فى السير والسلوك. (متوفّر بالعربية)

  • 5. تعليقة على «رسالة فى وجوب صلاة الجمعة تعييناً» لحضرة العلامة آية الله السيد محمّد الحسين الحسينى الطهرانى قدّس الله سرّه. (أصلها بالعربية).

  • 6. الدرّ النضيد فى الاجتهاد والتقليد: تقريرات العلامة الطهرانى قدّس سرّه لبحث آية الله الشيخ حسين الحلّى فى الاجتهاد والتقليد، وقد أضاف نجله سماحة آية الله السيد محمّد محسن الطهرانى حفظه الله تعليقات قيمة على البحث، مضافاً إلى مقدّمة وخاتمة للكتاب. (متوفّر بالعربية)

  • 7. مقدّمة وتصحيح رسالة المودّة: وتبحث هذه الرسالة فى تفسير آية المودّة مع عرض للآراء المختلفة حول حقيقة ذوى القربى، والردّ عليها مع بيان الرأى الصحيح بالأدلّة المتقنة، كما تمّ التعرّض فيها لبعض الأحداث التى حصلت بعد ارتحال الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم حتّى شهادة الصديقة فاطمة الزهراء سلام الله عليها. (متوفّر بالعربية)

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

184
  • 8. اجماع از منظر نقد و نظر (رسالةٌ فى عدم حجية الإجماع): وهى رسالة تتضمّن بحثاً أصولياً فى إثبات عدم حجية الإجماع مطلقاً.

  • 9. أنوار ملكوت (أنوار الملكوت): وهو من مؤلّفات سماحة العلّامة آية الله العظمى الحاج السيد محمّد الحسين الحسينى الطهرانى قدّس الله نفسه الزكية حول: نور ملكوت الصوم، الصلاة، المسجد، القرآن، الدعاء، قدّم له وراجعه وشرح بعض مواضعه نجل العلامة سماحة المؤلّف حفظه الله.

  • 10. افق وحى (أفق الوحى): نقدٌ وردٌ على نظرية الدكتور عبد الكريم سروش حول الوحى.

  • 11. مقدّمة وتعليقات على «مطلع الأنوار» (الدورة المحقّقة والمهذّبة من المكتوبات الخطية والمراسلات و المواعظ): من آثار سماحة العلامة آية الله العظمى الحاج السيد محمّد الحسين الحسينى الطهرانى قدّس الله سرّه.

  • مقدّمة وتصحيح تفسير آية النور (اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ): من آثار سماحة العلامة آية الله العظمى الحاج السيد محمّد الحسين الحسينى الطهرانى قدّس الله سرّه.

  • 12. مقدّمة وتصحيح «آيين رستگارى» (مبانى السير والسلوك): من آثار سماحة العلامة آية الله العظمى الحاج السيد محمّد الحسين الحسينى الطهرانى قدّس الله نفسه الزكية.

  • 13. حيات جاويد (السعادة الأبدية): شرح إجمالى لوصية أمير المؤمنين للإمام الحسن المجتبى عليهما السلام فى حاضرين.

  • 14. لشن أسرار (روضة الأسرار): شرح على الحكمة المتعالية فى الأسفار العقلية الأربعة للملا صدرا.

  • 15. الشمس المنيرة: عرض إجمالى للشخصية العلمية والأخلاقية لسماحة العلامة آية الله العظمى الحاج السيد محمّد الحسين الحسينى الطهرانى قدّس الله نفسه الزكية. (متوفّر بالعربية)

  • 16. سرّ الفتوح ناظر بر رواز روح (سرّ الفتوح الناظر على كتاب عروج الروح): من آثار سماحة العلامة آية الله العظمى الحاج السيد محمّد الحسين الحسينى الطهرانى قدّس الله نفسه الزكية، قدّم له وعلّق عليه سماحة المؤلّف حفظه الله. ترجم ونشر على مواقع الأنترنت.

  • 17. حديث عنوان البصرى: شرح رواية عنوان البصرى، مستخرج من الشرح الصوتى لسماحة آية الله السيد محمّد محسن الطهرانى حفظه الله.

  • 18. مهر تابناك (الشمس الزاهرة): حول حياة الميزرا على القاضى رضوان الله عليه.

  • 19. النيروز فى الجاهلية والإسلام: تحقيق حول النيروز وآدابه قبل الإسلام وبعده.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

185
  • 20. السالك البصير: محاضرات حول موضوع العلم والعلماء، ألقاها كلٌّ من العلّامة الطهرانى قدّس سرّه، ونجله سماحة آية الله السيد محمّد محسن الطهرانى حفظه الله.

  • 21. نفحات انس (نفحات الأنس): حول الإنسان الكامل فى التراث والثقافة الشيعية.

  • 22. فقاهت در تشيع (الفقاهة فى التشيع).

  • 23. مقدّمة وتعليقات على (شرح فقرات من دعاء الافتتاح) والتى كان قد شرحها العلّامة الطهرانى قدّس سرّه.

  •  ** *

  • كتبٌ قيد التأليف

  • * معالم عاشوراء ومدرستها.

  • * الارتداد فى الإسلام.

  • * سيرة الصالحين.

  • كتبٌ ستصدُر بالعربية قريبا

  • أنوار الملكوت. (مجلّدان)

  • مبانى السير والسلوك.

  • تفسير آية النور.

  •  ** *

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

186
  • تعريفٌ إجمالى بالكتب المؤلّفة

  • 1- شرح وتفسير (القرآن والحديث)

  • أنوار الملكوت: هذا الكتاب تتمّة لسلسة أنوار الملكوت والتى وردتنا عن المرحوم العلامة الطهرانى رضوان الله عليه، من خلال محاضراته التى كان يلقيها فى مسجد القائم فى طهران خلال شهر رمضان المبارك لعام 1390 ه، وكان قد كتب خلاصتها فى مخطوطاته. وقد نظّمت هذه المخطوطات وحُقّقت، وطبعت فى مجلّدين.

  • تفسير آية النور: هذا الكتاب هو خلاصة المحاضرات القيمة التى ألقاها المرحوم العلّامة الطهرانى رضوان الله عليه فى مسجد القائم فى طهران، والتى تمثّل تفسيرًا عرفانياً أخلاقياً لآية النور المباركة (اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ). وقد كتبت وحقّقت وصحّحت وطبعت مع مقدّمة نفيسة لنجله المكرّم سماحة آية الله الحاج السيد محمّد محسن الحسينى الطهرانى حفظه الله.

  • حيات جاويد (السعادة الأبدية): وهذا الكتاب الشريف هو شرح وتفسير راقٍ وبديع، على الوصية المعجزة لأمير المؤمنين على بن أبى طالب عليه السلام، والتى كتبها لابنه الإمام الحسن المجتبى عليه السلام حين عودته من صفّين فى موضع يدعى حاضرَين.

  • حديث عنوان البصرى: وتشتمل هذه المجموعة على نصوص المحاضرات الصوتية التى ألقاها سماحة آية الله السيد محمّد محسن الطهرانى دامت بركاته شرحاً لهذا الحديث الشريف على الأعزّة والأحبّة من التائقين للتعرّف إلى المسلك العرفانى والمدرسة التوحيدية للمرحوم العلامة آية الله العظمى الحاج السيد محمّد الحسين الحسينى الطهرانى قدّس الله نفسه الزكية، وقد قام بنفسه بكتابة شرح واف لهذا الحديث تحت عنوان «أسرار الملكوت».

  • رسالة المودّة: هذه الرسالة من ضمن المحاضرات التى ألقاها سماحة العلامة السيد محمّد الحسين الحسينى الطهرانى رضوان الله والتى كتب خلاصتها بنفسه، مع مقدّمة لنجله آية الله السيد محمّد محسن الطهرانى حفظه الله تبين قيمة هذا الأثر، وتبحث هذه الرسالة فى تفسير آية المودّة مع عرض للآراء المختلفة حول حقيقة ذوى القربى، والردّ

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

187
  • عليها مع بيان الرأى الصحيح بالأدلّة المتقنة، وتتعرّض لدور محبتهم فى السلوك إلى الله عزّ وجلّ ولزوم موّدة أهل البيت عليهم السلام وفرضها فى القرآن والسنّة؛ كما تمّ التعرّض فيها لبعض الأحداث التى حصلت بعد ارتحال الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم حتّى شهادة الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء سلام الله عليها.

  • 2- فى الأدعية والأخلاق

  • آيين رستگارى (مبانى السير والسلوك): وهو خلاصة لبيانات سماحة العلّامة آية الله الحاج السيد محمّد الحسين الحسينى الطهرانى رضوان الله عليه، حول أركان السير والسلوك إلى الله، وآدابه ولوازمه، والتى كان قد بينها لبعض إخوانه فى الله، وقد كتبت وصُحّحت وقَدَّم لها نجله المكرّم سماحة آية الله السيد محمّد محسن الحسينى الطهرانى دامت بركاته.

  • سالك آگاه (السالك البصير): وهو نصوص محاضرات العلامة آية الله الحاج السيد محمّد الحسين الحسينى الطهرانى قدّس الله نفسه الزكية، والتى ألقيت فى مناسبات مختلفة حول موضوع العلم والعلماء، وقد صارت جاهزة للطبع والنشر مع مقدّمة وتصحيح من قبل نجله حفظه الله.

  • شرح فقرات من دعاء الافتتاح: وهذا الكتاب حصيلة البيانات التى أُلقيت فى تسع جلسات لشرح دعاء الافتتاح من قبل سماحة العلّامة آية الله العظمى الحاجّ السيد محمّد الحسين الحسينى الطهرانى قدّس الله نفسه الزكية، وذلك فى ليالى شهر رمضان المبارك فى جمعٍ من رفقائه وتلامذته السلوكيين، فتعرّض لشرح وتبيين الأسرار والنقاط العرفانية والتوحيدية الواردة فى هذا الدعاء العالى المضامين.

  • 3- فى العرفان والفلسفة

  • أسرار الملكوت: وهو شرح لحديث عنوان البصرى الوارد عن الإمام الصادق عليه السلام، وقد أكد على العمل بمضامينه قديماً العلماء العظام فى العرفان والأخلاق. طبع منه إلى الآن ثلاثة أجزاء، وهذه المجموعة هى خير مُبين وكاشف عن فكر المرحوم العلامة الطهرانى رضوان الله عليه ومبانيه السلوكية.

  • حريم القدس: وهى مقالة جاد بها يراع سماحة آية الله الحاج السيد محمّد محسن الحسينى الطهرانى دامت بركاته، فى تقديمه للترجمة الفرنسية للكتاب الشريف «لبّ اللباب فى سير وسلوك أولى الألباب» تأليف سماحة العلّامة الطهرانى قدّس الله سرّه.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

188
  • سرّ الفتوح ناظر بر رواز روح (سرّ الفتوح الناظر على كتاب عروج الروح): وهو مقالة كتبها المرحوم آية الله العظمى الحاج السيد محمّد الحسين الحسينى الطهرانى رضوان الله عليه، فى الردّ على كتاب عروج الروح، وقد بين فيها الأفكار والمبانى الرفيعة لمدرسة العرفان والتوحيد حول نهاية السير التكاملى للبشر، ولكن حيث إنّ هذه الرسالة لم تكن قد طبعت قبل وفاة المرحوم العلّامة، وحيث إنّ الكثير من أبحاثها يحتاج إلى مزيد من التفصيل والتوضيح، فقد قام سماحة آية الله الحاج السيد محمّد محسن الحسينى الطهرانى حفظه الله باضافة مقدّمة وتعليقات نفيسة عليها.

  • لشن أسرار (روضة الأسرار): وهو شرح على الحكمة المتعالية (الأسفار) لصدر المتألهين الشيرازى والذى قدّمه سماحة المؤلف فى دروس الفلسفة لمرحلة البحث الخارج.

  • 4- فى الكلام والفقه والأصول

  • طهارة الإنسان: وهى خلاصة البحوث الفقهية المتخصّصة لإثبات طهارة مطلق الإنسان ذاتاً، والتى كان سماحة المؤلّف المحترم قد ألقاها فى درس البحث الخارج، ثمّ قام بكتابتها بقلمه المتين.

  • رسالةٌ فى عدم حجية الإجماع: هذا الأثر عبارة عن دراسة تأسيسية ومتقنة فى مسألة الإجماع، ويظهر فى الدراسة كيف أنّ هذا الدليل الذى هو أحد الأدلّة الأربعة للفقاهة والاجتهاد، قد شقّ طريقه فى الفقه الشيعى من دون أن يكون له أصل أو جذر إلهى، بل هو معارض للأدلّة الإلهية المتقنة.

  • صلاة الجمعة: وقد ألّفت هذه الرسالة الشريفة باللغة العربية، وهى تقريرات لدرس الخارج لسماحة آية الله الحجّة السيد محمود الشاهرودى فى الفقه، قام بتقريرها سماحة العلامة آية الله العظمى الحاج السيد محمّد الحسين الحسينى الطهرانى رضوان الله عليه، وقد طبعت مع تعليقات المؤلّف المحترم.

  • افق وحى (أفق الوحى): وهو نقدٌ وردّ على نظريات الدكتور عبد الكريم سروش حول الوحى والرسالة وردّ على شبهاته فى هذا الموضوع، وحيث إنّ إجابات بعض العلماء الكبار على هذه الشبهات تحتوى هى الأخرى على نقاط من الخطأ وإثارة الشبهات، بل حتّى إنّها كانت خارجة عن دائرة البحث وتؤدّى إلى تأييد نظريات سروش، فقد قام المؤلّف المكرّم بالتأمّل فى هذه الإجابات أيضاً.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

189
  • الدرّ النضيد فى الاجتهاد والتقليد: رسالةٌ أصوليةٌ فقهيةٌ فى بحثالاجتهاد والتقليد حُرّرت بقلم سماحة العلّامة الحاج السيد محمّد الحسين الحسينى الطهرانى رضوان الله عليه، تقريرًا لأبحاث أستاذه المرحوم آية الله الشيخ حسين الحلّى أعلى الله مقامه، وقد طُبعت بعنايةٍ من قبل نجل العلامة الطهرانى سماحة آية الله السيد محمّد محسن الطهرانى دام ظلّه بعد أن قدّم للرسالة بمقدمةٍ عرض فيها نبذةً من أحوال العلمين قُدّس سرّهما، مع تعليقاتٍ علميةٍ وتخصّصيةٍ ومعرفيةٍ على أصل الرسالة، كما أضاف للرسالة خاتمةً قيمةً حول المرجعية عند الشيعة إتمامًا للفائدة حول هذا الموضوع المحورى، فكان هذا الكتاب درّةً ثمينةً قُدّمت للباحثين والمحقّقين والمثقّفين على حدٍ سواءٍ.

  • نوروز در جاهليت واسلام (النيروز فى الجاهلية والإسلام): وهو يتناول عيد النيروز والبدع التى دخلت إلى دين الإسلام المقدّس. ويأمل المؤلّف المكرّم أن يضاعف من إتقان ورقى هذا الكتاب بالاستفادة من المطالب التى وردت عن والده المعظّم فى هذه المسألة.

  • فقاهت در تشيع (الفقاهة فى التشيع): إنّ أساس هذا الكتاب هو الخاتمة التى ذيل بها المؤلّف المحترم كتاب والده المكرّم الدرّ النضيد فى الاجتهاد والتقليد، وبسبب أهمية هذا الموضوع، فقد ضمّ لها مقدّمة تبين شروط المرجعية والافتاء ووظائف مراجع التقليد من وجهة أهل المعرفة، لتنشر بعد ذلك بنحوٍ مستقلٍ.

  • 5- الأبحاث التاريخية والاجتماعية

  • الأربعين فى التراث الشيعى: وقد درست هذه الرسالة عنوان الأربعين فى التراث الشيعية من مختلف الجوانب، وأثبتت أنّ هذا العنوان هو من مختصّات سيد الشهداء عليه السلام.

  • نوروز در جاهليت واسلام (النيروز فى الجاهلية والإسلام): وهو يتناول عيد النيروز والبدع التى دخلت إلى دين الإسلام المقدّس. ويأمل المؤلّف المكرّم أن يضاعف من إتقان ورقى هذا الكتاب بالاستفادة من المطالب التى وردت عن والده المعظّم فى هذه المسألة.

  • 6- تراجم ورجال

  • الشمس المنيرة: وهو عرض إجمالى كتبه المؤلّف المعظّم للتعريف بالشخصية العلمية والأخلاقية للعارف بالله سماحة العلامة آية الله العظمى الحاج السيد محمّد الحسين الحسينى الطهرانى قدّس الله نفسه الزكية.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

190
  • مهر تابناك (الشمس الزاهرة): لقد تحدّث المرحوم العلامة آية الله العظمى الحاج السيد محمّد الحسين الحسينى الطهرانى- قدّس الله سرّه- وكذلك نجله سماحة آية الله السيد محمّد محسن الحسينى الطهرانى حفظه الله وفى مناسبات عديدة حول نفحة من أحوال وتاريخ الحياة المليئة بالبركة لسماحة العلامة آية الله العظمى الحاج السيد على القاضى الطباطبائى- قدّس الله نفسه الزكية- من أجل بيان النكات والمواضيع الراقية المتعالية لمدرسة العرفان، فوجدنا من المناسب أن تجمع هذه البيانات لتوضع باختيار عشاق المعرفة والمتعطّشين لمسير الحقيقة.

  • نفحات انس (نفحات الأنس): فى هذا الكتاب تم إيراد بيانات سماحة آية الله الحاجّ السيد محمّد محسن الحسينى الطهرانى حفظه الله، والتى تمّ إيرادها فى معرض بيانه لشخصية العارف الكامل سماحة الحاجّ السيد هاشم الحداد قدّس الله نفسه الزكية، وقد طرُح فيه بشكلٍ دقيقٍ التعاليم العرفانية الأصيلة بخصوص بحث الإنسان الكامل وحجية سيرة وفعل الولى المطلق الإلهى، وملازمته الروحية وكذا معيته مع الأئمّة الأطهار عليهم السلام.

  • 7- الدورة المحقّقة والمهذّبة من المكتوبات الخطّية والمراسلات والمواعظ

  • مطلع أنوار (مطلع الأنوار): وهذه المجموعة القيمة هى حاصل مخطوطات وثمرة عمر سماحة العلامة آية الله العظمى الحاج السيد محمّد الحسين الحسينى الطهرانى قدّس الله نفسه الزكية، وقد جمعت تحت عنوان المكتوبات والمراسلات والمواعظ فى أربعة عشر مجلّداً، مع مقدّمة وتصحيح وتعليقات قيمة لولده سماحة آية الله الحاج السيد محمّد محسن الحسينى الطهرانى حفظه الله، وأهمّ أبحاثها:

  • الجزء الأول: المراسلات، اللقاءات والحياة الشخصية للمؤلّف المحترم (المرحوم العلّامة) بقلمه هو، قصص وحكايات أخلاقية وعرفانية وتاريخية واجتماعية.

  • الجزء الثانى: مختصر لتراجم أساتذة المؤلّف فى الأخلاق والعرفان.

  • الجزء الثالث: تراجم لعدد من العظماء والعلماء والشخصيات المؤثّرة.

  • الجزء الرابع: العبادات والأدعية والأخلاق.

  • الجزء الخامس: الأبحاث الفلسفية والعرفانية، علوم الهيئة والنجوم والعلوم الغريبة، الأدب والبلاغة.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

191
  • الجزء السادس: إجازات المؤلّف فى الرواية والاجتهاد، الأبحاث التفسيرية والروائية.

  • الجزء السابع: الأبحاث الفقهية (فقه الخاصة، فقه العامّة، والفقه المقارن) والأبحاث الأصولية.

  • الجزء الثامن: الأبحاث الكلامية (المبدأ والمعاد، المساوئ).

  • الجزء التاسع: الأبحاث الكلامية (حول أهل بيت العصمة والطهارة عليهم السلام).

  • الجزء العاشر: ملاحظات ومنتخبات من الكتب التاريخية والاجتماعية.

  • الجزء الحادى عشر: الأبحاث الرجالية، متفرّقات (طب، لطائف ...).

  • الجزءان الثانى عشر والثالث عشر: خلاصة مواعظ المؤلّف فى شهر رمضان المبارك لعامى 1369 و 1370 ه.1

  • طهارة الإنسان ؛ ص189
  • الجزء الرابع عشر: الفهارس العامة لهذه الموسوعة (الآيات والروايات والشعر والأعلام ...).

  •  ** *

  • البرامج الحاسوبية

  • آواى ملكوت (نداء الملكوت): وهو عبارة عن أربعة أقراص(DVD) تحتوى على محاضرات صوتية لسماحة العلّامة آية الله العظمى الحاج السيد محمّد الحسين الحسينى الطهرانى قدّس الله نفسه الزكية، وسماحة آية الله الحاج السيد محمّد محسن الحسينى الطهرانى مدّ ظلّه العالى.

  • إكسير السعادة: وتشمل هذه المجموعة على الآثار العلمية والمعرفية لسماحة العلّامة آية الله العظمى الحاج السيد محمّد الحسين الحسينى الطهرانى قدّس الله نفسه الزكية، وأكثر مؤلّفات أستاذه العلمى ومربّيه السلوكى سماحة العلّامة السيد محمّد حسين الطباطبائى رضوان الله عليهما، ومجموعة مؤلّفات ومحاضرات سماحة آية الله الحاج السيد محمّد محسن الحسينى الطهرانى مدّ ظلّه العالى فى شرح حديث عنوان البصرى ودعاء أبى حمزة وسائر المعارف الإسلامية. (متوفّر بالعربية)

  •  ** *

    1. حسينى طهرانى، سيد محمد محسن، طهارة الإنسان، 1جلد، دار المحجة البيضاء - بيروت - لبنان، چاپ: 2، 1437 ه.ق.

طهارة الإنسان - بحث فقهي تخصصي حول الطهارة الذاتية لمطلق الإنسان

192
  • تعريفاتٌ إجماليةٌ بالكتب قيد التأليف

  • سيماى عاشوراء (معالم عاشوراء ومدرستها): لقد أحدثت عاشوراء بما تحمل من عبر وأسرار وإيحاءات نظريات ورؤى متباينة فى فهم محتواها وكنهها وماهيتها. وفى هذا الكتاب يسعى المؤلّف إلى تقديم نظرية العرفاء والأولياء حول هذه الملحمة التاريخية، ليكشف عن تعريف جديد لها، ويفسّر أهدافها ومقاصدها وهويتها للطالبين، وليضع أمام أعين المتوسّمين والمتأمّلين صورة أخّاذة عن حقيقة سيد الشهداء عليه السلام.

  • سيره صالحان (سيرة الصالحين): وهو حصيلة المحاضرات التى ألقاها سماحة آية الله السيد محمّد محسن الحسينى الطهرانى مدّ ظلّه العالى، فى جلسات ليالى شهر رمضان المبارك عام 1433 ه. والتى تعرّض فيها لإثبات حجية أقوال وأفعال أولياء الله ومنجّزيتها على الآخرين، وكيفية الاستفادة من أنوار الولاية الباهرة.

  • ارتداد در إسلام (الارتداد فى الإسلام): فى هذا الكتاب بحث شامل حول حكم الارتداد، وكيفية تحقّقه، والآراء والرؤى المختلفة حوله من قبل المدارس المتنوّعة.

  •  ** *