3

ضرورة النبوّة في تفسير الميزان (1)

تفسير آية كان الناس أمّة واحدة.

16
مشاهدة المتن

المؤلّفالهیئة العلمیة لموقع مدرسة الوحي

القسم العقائد

المجموعةبحوث من تفسير الميزان، البحوث الكلاميّة

العدد التسلسلي3

مقالات مجموعة (6 مقالة)

التوضيح

كيف استحال التناغم البشري الأوّل إلى صراع محتدم حول المزايا الحيويّة؟ ولماذا عجز العقل والعلم عن إطفاء جذوة الاختلاف؟ هل تحُول غريزة الاستخدام الفطريّة دون تحقيق العدالة بغير حكَم إلهيّ يزن القوى ويعيد التوازن؟ وكيف يغدو الدين السبب الوحيد لإنقاذ الفطرة من طغيانها الماديّ والمعنوي؟ ألا يقتضي نظام الإيجاد إمداد النوع الإنسانيّ بوحيٍ يُخرج الأمّة من ظلمات البغي إلى الصراط المستقيم؟
إليك تقرير برهانيّ شامل لضرورة النبوّة حسب تفسير الميزان

/۷
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

ضرورة النبوّة في تفسير الميزان (۱) - تفسير آية كان الناس أمّة واحدة.

1
  •  

  • هو العليم

  •  

  • ضرورة النبوّة في تفسير الميزان (۱)

  • تفسير آية "كان الناس أمّة واحدة"

  •  

  • بحوث من تفسير الميزان، البحوث الكلاميّة، أبحاث النبوّة، البحث الثالث 

  •  

  • إعداد: الهيئة العلميّة في مدرسة الوحي

  •  

  • المصدر: تفسير الميزان ج٢

  •  

  •  

ضرورة النبوّة في تفسير الميزان (۱) - تفسير آية كان الناس أمّة واحدة.

2
  •  

  •  

  • بسم الله الرحمن الرحيم

  • الحمد للّه ربّ العالمين 

  • وصلّى الله على سيّدنا ونبيّنا محمّد وعلى آله الطيّبين الطاهرين 

  • ولعنة الله على أعدائهم أجميعن إلى قيام يوم الدين

  •  

  •  

  • ضرورة النبوّة في آية "كان الناس أمّة واحدة..."

  • ﴿كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ وَ أَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَ اللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى‌ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾۱

  • التفسير الإجماليّ: بيان إجماليّ لتاريخ حياة الإنسان الاجتماعيّة والدينيّة

  • الآية تبيّن السبب في تشريع أصل الدين و تكليف النوع الإنسانيّ به، و سبب وقوع الاختلاف فيه ببيان: أنّ الإنسان ـ ‌و هو نوع مفطور على الاجتماع و التعاون ـ كان في أول اجتماعه أمّة واحدة، ثمّ ظهر فيه بحسب الفطرة الاختلاف في اقتناء المزايا الحيويّة، فاستدعى ذلك وضع قوانين ترفع الاختلافات الطارئة، و المشاجرات في لوازم الحياة فألبست القوانين الموضوعة لباس الدين، وشفّعت بالتبشير والإنذار بالثواب و العقاب، و أصلحت بالعبادات المندوب إليها٢ ببعث النبيّين، و إرسال المرسلين٣، ثمّ اختلفوا في معارف الدين أو أمور المبدإ و المعاد، فاختلّ بذلك أمر الوحدة الدينيّة، و ظهرت الشعوب و الأحزاب، و تبع ذلك الاختلاف في غيره، و لم يكن هذا الاختلاف الثاني إلا بغيًا من الذين أوتوا الكتاب، و ظلمًا و عتوًّا منهم بعد ما تبيّن لهم أصوله و معارفه، و تمّت عليهم الحجّة، فالاختلاف اختلافان: 

  • ۱ـ اختلاف في أمر الدين مستند إلى بغي الباغين دون فطرتهم و غريزتهم. 

  • ٢ـ و اختلاف في أمر الدنيا و هو فطريّ و سبب لتشريع الدين. 

  • ثمّ هدى الله سبحانه المؤمنين إلى الحقّ المختلف فيه بإذنه، و الله يهدي‌ من يشاء إلى صراط مستقيم. فالدين الإلهيّ هو السبب الوحيد لسعادة هذا النوع الإنساني، و المصلح لأمر حياته، يصلح الفطرة بالفطرة و يعدّل قواها المختلفة عند طغيانها، و ينظُم للإنسان سلك حياته الدنيويّة و الأخرويّة، والماديّة و المعنويّة.٤

    1. سورة البقرة، الآية ٢۱٣
    2. أي المدعوّ إليها. (م)
    3. ملاحظة: يبدو أنّ الآية وكلام العلاّمة رضوان الله عليه في تفسيرها ناظران إلى الجانب الاجتماعيّ من التشريع، ولا ينفي ذلك أن يكون له أهداف أخرى في جانبه الفرديّ. (م)
    4.  تفسير الميزان ج٢، ص ۱۱۱ ـ ۱۱٢. 

ضرورة النبوّة في تفسير الميزان (۱) - تفسير آية كان الناس أمّة واحدة.

3
  • التفسير التفصيليّ لأهمّ مقاطع الآية

  • قوله تعالى: ﴿كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾، الناس معروف و هو الأفراد المجتمعون من الإنسان، و الأمّة هي الجماعة من الناس، و ربّما يطلق على الواحد كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ﴾۱، وربما يطلق على زمان معتدّ به كقوله تعالى: ﴿وَ ادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾٢، أي بعد سنين و قوله تعالى: ﴿وَ لَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى‌ أُمَّةٍ مَعْدُودَة﴾٣، و ربما يطلق على الملة و الدين كما قال بعضهم في قوله تعالى: ﴿إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَ أَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾٤، و في قوله تعالى: ﴿إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَ أَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾٥، وأصل الكلمة من أمّ يأمّ إذا قصد فأطلق لذلك على الجماعة لكن لا على كل جماعة، بل على‌ جماعة كانت ذات مقصد واحد و بغية واحدة هي رابطة الوحدة بينها، و هو المصحّح لإطلاقها على الواحد و على سائر معانيها إذا أطلقت.

  • و كيف كان فظاهر الآية يدلّ على أن هذا النوع قد مرّ عليهم في حياتهم زمان كانوا على الاتّحاد والاتفاق، و على السذاجة و البساطة، لا اختلاف بينهم بالمشاجرة و المدافعة في أمور الحياة، و لا اختلاف في المذاهب و الآراء، و الدليل على نفي الاختلاف قوله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَ أَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾، فقد رتّب بعثة الأنبياء وحكم الكتاب في مورد الاختلاف على كونهم أمّة واحدة فالاختلاف في أمور الحياة ناش بعد الاتّحاد والوحدة، و الدليل على نفي الاختلاف الثاني قوله تعالى: ﴿وَ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ فالاختلاف في الدين إنما نشأ من قبل حملة الكتاب بعد إنزاله بالبغي.

  • و هذا هو الذي يساعد عليه الاعتبار، فإنّا نشاهد النوع الإنساني لا يزال يرقى في العلم و الفكر، ويتقدّم في طريق المعرفة و الثقافة، عامًا بعد عام، و جيلاً بعد جيل، و بذلك يستحكم أركان اجتماعه يومًا بعد يوم، و يقوم على رفع دقائق الاحتياج، و المقاومة قبال مزاحمات الطبيعة، والاستفادة من مزايا الحياة، و كلّما رجعنا في ذلك القهقرى وجدناه أقلّ عرفانًا برموز الحياة، وأسرار الطبيعة، و ينتهي بنا هذا السلوك إلى الإنسان الأوّلي الذي لا يوجد عنده إلا النزر القليل من المعرفة بشؤون الحياة و حدود العيش، كأنّهم ليس عندهم إلا البديهيّات و يسير من النظريّات الفكريّة التي تهيّئ لهم وسائل البقاء بأبسط ما يكون، كالتغذّي بالنبات أو شي‌ء من الصيد و الإيواء إلى الكهوف والدفاع بالحجارة و الأخشاب و نحو ذلك، فهذا حال الإنسان في أقدم عهوده، و من المعلوم أنّ قومًا حالهم هذا الحال لا يظهر فيهم الاختلاف ظهورًا يعتدّ به، و لا يبدو فيهم الفساد بُدوًّا مؤثّرًا، كالقطيع من الغنم لا همّ لأفراده إلا الاهتداء لبعض ما اهتدى إليه بعض آخر، و التجمّع في المسكن و المعلف و المشرب.

    1. سورة النحل، الآية ۱٢۰.
    2. سورة يوسف، الآية ٤٥.
    3. سورة هود، الآية ۸.
    4. سورة المؤمنون، الآية ٥٢.
    5. سورة الأنبياء، الآية ٩٢.

ضرورة النبوّة في تفسير الميزان (۱) - تفسير آية كان الناس أمّة واحدة.

4
  • غير أنّ الإنسان لوجود قريحة الاستخدام فيه كما أشرنا إليه۱ فيما مرّ لا يحبسه هذا الاجتماع القهريّ ـ من حيث التعاون على رفع البعض حوائج البعض ـ عن الاختلاف و التغالب و التغلّب، و هو كلّ يوم يزداد علمًا و قوّة على طرق الاستفادة، و يتنبّه بمزايا جديدة، و يتيقّظ لطرق دقيقة في الانتفاع، وفيهم الأقوياء و أولوا السطوة و أرباب‌ القدرة، و فيهم الضعفاء و من في رتبتهم، و هو منشأ ظهور الاختلاف، الاختلاف الفطريّ الذي دعت إليه قريحة الاستخدام، كما دعت هذه القريحة بعينها إلى الاجتماع و المدنيّة.

  • و لا ضير في تزاحم حكمين فطريّين، إذا كان فوقهما ثالث يحكم بينهما، و يعدّل أمرهما، و يصلح شأنهما، و ذلك كالإنسان تتسابق قواه في أفعالها، و يؤدّي ذلك إلى التزاحم، كما أنّ جاذبة التغذّي تقضي بأكل ما لا تطيق هضمه الهاضمة و لا تسعه المعدة، و هناك عقل يعدل بينهما، و يقضي لكل بما يناسبه، و يقدّر فعل كل واحدة من هذه القوى الفعّالة بما لا يزاحم الأخرى في فعلها.

  • و التنافي بين حكمين فطريّين فيما نحن فيه من هذا القبيل، فسلوك فطرة الإنسان إلى المدنيّة ثم سلوكها إلى الاختلاف يؤدّيان إلى التنافي، و لكنّ الله يرفع التنافي برفع الاختلاف الموجود ببعث الأنبياء بالتبشير و الإنذار، و إنزال الكتاب الحاكم بين الناس فيما اختلفوا فيه.٢

  • السبب في بعثة الأنبياء

  • و قد تبيّن من الآية... السبب في بعث الأنبياء و إنزال الكتب، و بعبارة أخرى العلة في الدعوة الدينيّة، وهو أنّ الإنسان بحسب طبعه و فطرته سائرٌ نحو الاختلاف، كما أنّه سالك نحو الاجتماع المدني. و إذا كانت الفطرة هي الهادية إلى الاختلاف لم تتمكّن من رفع الاختلاف، و كيف يدفع شي‌ء ما تجذبه إليه نفسه؟! فرفع الله سبحانه هذا الاختلاف بالنبوّة و التشريع بهداية النوع إلى كماله اللائق بحالهم المصلح لشأنهم، و هذا الكمال كمال حقيقيّ داخل في الصنع و الإيجاد فما هو مقدّمته كذلك، و قد قال تعالى: ﴿الَّذِي أَعْطى‌ كُلَّ شَيْ‌ءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى‌﴾٣، فبيّن أنّ من شأنه و أمره تعالى أن يهدي كلّ شي‌ء إلى ما يتمّ به خلقه، و من تمام خلقة الإنسان أن يهتدي إلى كمال وجوده في الدنيا و الآخرة، و قد قال تعالى أيضًا: ﴿كُلاًّ نُمِدُّ هؤُلاءِ وَ هَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَ ما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً﴾٤، و هذه الآية تفيد أنّ شأنه تعالى هو الإمداد بالعطاء: يمدّ كلّ من يحتاج إلى إمداده في طريق حياته و وجوده، و يعطيه ما يستحقّه، و أنّ عطاءه غير محظور و لا ممنوع من قبله تعالى إلا أن يمتنع ممتنع بسوء حظّ نفسه، من قبل نفسه لا من قبله تعالى.

    1. من مدركات الإنسان ومعلوماته الاعتباريّة العمليّة وجوب الاستخدام بمعنى الاستفادة من كلّ ما حوله بما فيه الإنسان الآخر. وتقدّم تفصيل ذلك في: تفسير الميزان ج٢ ص ۱۱٣ ـ ۱۱۷ والبحث المنتخب تحت عنوان: كيف بدأت حياة الإنسان الاجتماعيّة؟ فقرة: من العلوم الاعتباريّة مبدأ وجوب الانتفاع والاستخدام.
    2. تفسير الميزان، ج‌٢، ص: ۱٢٣ ـ ۱٢٦
    3. سورة طه، الآية ٥۰.
    4. سورة الإسراء، الآية ٢۰.

ضرورة النبوّة في تفسير الميزان (۱) - تفسير آية كان الناس أمّة واحدة.

5
  • و من المعلوم أنّ الإنسان غير متمكّن من تتميم هذه النقيصة من قبل نفسه فإنّ فطرته هي المؤدّية إلى هذه النقيصة فكيف يقدر على تتميمها و تسوية طريق السعادة و الكمال في حياته الاجتماعية؟!

  • و إذا كانت الطبيعة الإنسانيّة هي المؤدية إلى هذا الاختلاف العائق للإنسان عن الوصول إلى كماله الحريّ به و هي قاصرة عن تدارك ما أدّت إليه و إصلاح ما أفسدته، فالإصلاح (لو كان) يجب أن يكون من جهة غير جهة الطبيعة، و هي الجهة الإلهيّة التي هي النبوّة بالوحي، و لذا عبّر تعالى عن قيام الأنبياء بهذا الإصلاح و رفع الاختلاف بالبعث و لم ينسبه في القرآن كلّه إلا إلى نفسه مع أن قيام الأنبياء كسائر الأمور له ارتباطات بالمادّة بالروابط الزمانيّة و المكانيّة.

  • تعريف النبوّة

  • فالنبوّة حالة إلهيّة (و إن شئت قل غيبيّة) نسبتها إلى هذه الحالة العموميّة من الإدراك و الفعل نسبة اليقظة إلى النوم۱ بها يدرك الإنسان المعارف التي بها يرتفع الاختلاف و التناقض في حياة الإنسان، وهذا الإدراك و التلقّي من الغيب هو المسمّى في لسان القرآن بالوحي، و الحالة التي يتّخذها الإنسان منه لنفسه بالنبوّة.

  • و من هناك يظهر أنّ هذا ـ أعني تأدية الفطرة إلى الاجتماع المدني من جهة و إلى الاختلاف من جهة أخرى، و عنايته تعالى بالهداية إلى تمام الخلقة٢ ـ مبدأ حجّة على وجود النبوّة، و بعبارة أخرى دليل النبوّة العامّة.

  • تقرير البرهان على النبوّة العامّة بعبارة أخرى

  • تقريره: أنّ نوع الإنسان مستخدِم بالطبع، و هذا الاستخدام الفطريّ يؤدّيه إلى الاجتماع المدنيّ و إلى الاختلاف و الفساد في جميع شؤون حياته [التي] يقضي التكوين و الإيجاد برفعها، و لا ترتفع إلا بقوانين تُصلح الحياة الاجتماعيّة برفع الاختلاف عنها، و هداية الإنسان إلى كماله و سعادته بأحد أمرين: 

  • إمّا بفطرته و إمّا بأمر وراءه.

  • لكنّ الفطرة غير كافية فإنّها هي المؤدّية إلى الاختلاف فكيف ترفعه؟ فوجب أن يكون بهداية من غير طريق الفطرة و الطبيعة، و هو التفهيم الإلهيّ غير الطبيعيّ المسمّى‌ بالنبوّة و الوحي.

    1. يريد أنّ السبب في هذا هو تعبير القرآن عن النبوّة بالبعث وكأنّ الله يوقظ النبيّ ويبعثه من نومه الذي كان فيه وكانت فيه أمّته (م) 
    2. أي كمال الموجود. (م) 

ضرورة النبوّة في تفسير الميزان (۱) - تفسير آية كان الناس أمّة واحدة.

6
  • كون مقدّمات البرهان قرآنيّة وتجريبيّة 

  • و هذه الحجّة مؤلّفة من مقدّمات مصرّح بها في كتاب الله تعالى كما عرفت فيما تقدّم، و كلّ واحدة من هذه المقدّمات تجربيّة، بيّنتها التجربة للإنسان في تاريخ حياته و اجتماعاته المتنوّعة التي ظهرت وانقرضت في طيّ القرون المتراكمة الماضية، إلى أقدم أعصار الحياة الإنسانيّة التي يذكرها التاريخ.

  • فلا الإنسان انصرف في حين من أحيان حياته عن حكم الاستخدام، و لا استخدامه لم يؤدّ إلى الاجتماع و قضى بحياة فرديّة، و لا اجتماعه المكوّن خلا عن الاختلاف، و لا الاختلاف ارتفع بغير قوانين اجتماعيّة، و لا أنّ فطرته و عقله الذي يعدّه عقلاً سليمًا [قدرا] على وضع قوانين تقطع منابت الاختلاف و تقلع مادّة الفساد، و ناهيك في ذلك: ما تشاهده من جريان الحوادث الاجتماعيّة، و ما هو نصب عينيك من انحطاط الأخلاق و فساد عالم الإنسانيّة، و الحروب المهلكة للحرث والنسل، و المقاتل المبيدة للملايين بعد الملايين من الناس، و سلطان التحكّم و نفوذ الاستعباد في نفوس البشر وأعراضهم و أموالهم في هذا القرن الذي يسمّى عصر المدنيّة و الرقيّ و الثقافة و العلم، فما ظنّك بالقرون الخالية، أعصار الجهل و الظلمة؟!

  • و أما أنّ الصنع و الإيجاد يسوق كلّ موجود إلى كماله اللائق به فأمر جار في كلّ موجود بحسب التجربة و البحث۱، و كذا كون الخلقة و التكوين إذا اقتضى أثرًا لم يقتض خلافه بعينه أمر مسلم تثبته التجربة والبحث، و أمّا أنّ التعليم و التربية الدينيّين الصادرين من مصدر النبوّة و الوحي يقدران على دفع هذا الاختلاف و الفساد فأمر يصدّقه البحث و التجربة معًا: 

  • الدليلان النظري والتجريبي على رفع الدين للاختلاف والفساد

  • أما البحث: فلأنّ الدين يدعو إلى حقائق المعارف و فواضل الأخلاق و محاسن الأفعال فصلاح العالم الإنسانيّ مفروض فيه.

  • وأما التجربة: فالإسلام أثبت ذلك في اليسير من الزمان الذي كان الحاكم فيه على الاجتماع بين المسلمين هو الدّين، وأثبت ذلك بتربية أفراد من الإنسان صلحت نفوسهم، و أصلحوا نفوس غيرهم من الناس، على أنّ جهات الكمال و العروق النابضة في هيكل الاجتماع المدنيّ اليوم التي تضمن حياة الحضارة و الرقيّ مرهونة [للتقدّم] الإسلامي و سريانه في العالم الدنيويّ على ما يعطيه التجزية والتحليل من غير شكّ، وسنستوفي البحث عنه إن شاء الله في محل آخر٢ أليق به.٣

    1. فمثلاً إذا لاحظنا الطفل عند ولادته نجد أنّه لا يمتلك أسنانًا وأنّ جهازه الهضميّ لا يحتمل الطعام الذي يحتمله الكبار، ولكن الله هيّأ له لتحقيق نموّه وكماله اللبن السائغ في ثدي أمّه وهداه إلى امتصاصه، وهكذا سائر المخلوقات التي تحتاج إلى الماء والغذاء فإنّ الله قد هيًّأ لها ذلك. (م)
    2. راجع تفسير الميزان ج٢  ص: ۱٥۱ ، وج ٤ ص ۱۰۰ والبحث المنتخب في موقع مدرسة الوحي تحت عنوان هل أثّرت النبوّة في المجتمعات؟ وبحث هل يقبل الدين التطبيق في المجتمع؟ (۱). 
    3.  تفسير الميزان ج٢ ص ۱٣۱ ـ ۱٣٢

ضرورة النبوّة في تفسير الميزان (۱) - تفسير آية كان الناس أمّة واحدة.

7
  • نظرة في الروايات حول ما سبق

  • في التوحيد، عن هشام بن الحكم قال: سأل الزنديق الذي أتى أبا عبد الله فقال:من أين أثبت أنبياء ورسلاً؟ 

  • قال أبو عبد الله عليه السلام: «إنّا لما أثبتنا أنّ لنا خالقًا صانعًا متعاليًا عنّا و عن جميع ما خلق، و كان ذلك الصانع حكيمًا لم يجز أن يشاهده خلقه، و لا يلامسوه، و لا يباشرهم و لا يباشروه و يحاجّهم ويحاجّوه، فثبت أنّ له سفراء في خلقه يدلّونهم على مصالحهم و منافعهم و ما فيه بقاؤهم، و في تركه فناؤهم، فثبت الآمرون الناهون عن الحكيم العليم في خلقه، و ثبت عند ذلك أنّ له معبّرين و هم الأنبياء و صفوته من خلقه، حكماء مؤدّبون بالحكمة مبعوثين بها، غير مشاركين للناس في أحوالهم، على مشاركتهم لهم في الخلق و التركيب، مؤيّدين من عند الحكيم العليم بالحكمة و الدلائل والبراهين و الشواهد، من إحياء الموتى، و إبراء الأكمه و الأبرص‌ فلا يخلو أرض الله من حجّة يكون معه علم‌ يدلّ على صدق مقال الرسول و وجوب عدالته».

  • أقول: و الحديث كما ترى مشتمل على حجج ثلاث في مسائل ثلاث من النبوّة.

  • إحداها: الحجة على النبوّة العامّة. و بالتأمل فيما ذكره عليه السلام تجد أنّه منطبق على ما استفدنا من قوله تعالى: ﴿كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً ﴾ (الآية).

  • و ثانيتها: الحجّة على لزوم تأييد النبيّ بالمعجزة، و ما ذكره عليه السلام منطبق على ما ذكرناه في البحث عن الإعجاز۱ في بيان قوله تعالى: ﴿وَ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى‌ عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾٢

  • وثالثتها: مسألة عدم خلوّ الأرض عن الحجة و سيأتي بيانه إن شاء الله.٣

    1.  تفسير الميزان ج۱، ص ٥۸.
    2. سورة البقرة، الآية ٢٣.
    3.  تفسير الميزان، ج‌٢، ص ۱٤٣ـ ۱٤٤. وقد نقل العلاّمة الطباطبائي رواية حول عدم خلوّ الأرض من حجّة في تفسير الميزان ج۱٤ ص ٥٣.
      ملاحظة: هذه المقالة مقتبسة من كتاب "تفسير الميزانللعلامة الطباطبائي (رضوان الله عليه). وقد قامت الهيئة العلمية في "مدرسة الوحي" بتحقيق النص ضمن حدود تصحيح الأخطاء الإملائية والنحوية، وإضافة العناوين أو تعديل الموجود منها (سواء من المصنّف أو المحققين) بهدف التوضيح. كما شمل العمل ترتيب الفقرات بحسب الأفكار، وإضافة هوامش توضيحية لبعض المفردات أو الأفكار الغامضة، مع الحفاظ التام على أصل المتن والإشارة الدقيقة إلى مصدره؛ وذلك لتسهيل الاستفادة من هذا السفر القيّم، واستخراج جواهره، وتسليط الضوء عليها.