المؤلّفالهیئة العلمیة لموقع مدرسة الوحي
القسم التاريخ و الاجتماع
التوضيح
كيف يتشكل المجتمع البشري بين الفطرة الإنسانية وسلطة الإجماع؟
وإلى أي حدٍّ يجب على الفرد الانقياد للقوانين والأعراف السائدة؟
وحين تتصادم ديمقراطية الغالبية مع استقلالية الذات، لمن تكون الأصالة: للفرد أم للمجتمع؟
تُفكك هذه المقالة المقتبسة من كتاب الإجماع لآية الله الطهراني إشكاليّة الأصالتين، لتكشف عن الرؤية القرآنيّة البديلة والمحوريّة الكامنة في أصالة الحق كمعيارٍ أوحد للتشريع، متجاوزةً عادات الجاهليّة والتقليد الأعمى.
هو العليم
أصالة المجتمع أم أصالة الفرد أم أصالة الحق؟
آراء الأكثريّة في الميزان
إعداد: الهيئة العلميّة في مدرسة الوحي
المصدر: الإجماع تحت مبضع النقد والتحليل
تأليف آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله عليه
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على سيّدنا محمدٍ وآله الطّاهرينَ
ولعنةُ الله على أعدائهم أجمعينَ إلى يوم الدّين
تكوّن المجتمع على أساس الاتّفاق والاتّحاد والإجماع
تعتمد المسائل الإجماعيّة والقواعد السائدة لدى الأمم والشعوب على المفاهيم الأوليّة والبديهيّة والفطريّة؛ وأمثلة ذلك هو الحريّات الفرديّة والاجتماعيّة، وحقّ الإنسان في تشكيل مؤسّسة الأسرة، ومزاولة الأعمال التي يريد، والاستفادة من النعم الإلهيّة ومن الأمن القانونيّ والاجتماعيّ والعدالة الاجتماعيّة، وعشرات من المصاديق الأخرى للقوانين والأصول المدوّنة في مجال حقوق الإنسان والتي تعتمد كلّها على ذاك الأصل الأوّلي والأساس الفطريّ، حتّى أنّ تشكّل الحضارة والمجتمع يتوقّف بنفسه على مسألة القبول بهذا الأصل في سبيل تحصيل الحقوق الفطريّة والحظوظ الأوّلية.
وهناك رواية معروفة ومشهورة عن الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم تقول: «تَرَى المؤمنينَ في تَراحُمِهم وتوادِّهم وتَعاطُفِهم كمَثلِ الجَسد إذا اشتَكَى عُضوٌ تَداعَى لَه سائرُ الأعضاءِ۱ بِالسَّهَر والحُمَّى».٢
ففي هذه الرواية الشريفة يعتبر الرسول الأكرم أنّ التشكّل الماهوي للمجتمع متوقّف على تحقّق روحٍ ونفسٍ واحدة تكون حاكمة على هذا المجتمع؛ وكما أنّ النفس الإنسانيّة تؤدّي إلى الاجتماع والائتلاف والانسجام على مستوى جميع أعضاء البدن، وأيضًا على مستوى نحوِ تأثير كلّ واحد منها في الآخر وتأثّره به، فكذلك تفضي الروح والنفس الحاكمة على المجتمع وأفراده إلى الوحدة في وجهات النظر وتبعث على تبنّي مناهج وسنن مشتركة في سبيل المحافظة على المجتمع واستمراره في الحياة. ويعدّ الشعر الذي أورده سعدي الشيرازي في هذا المجال مستنبطًا من هذا الحديث الشريف ومقتبسًا منه:
| بنى آدم اعضـاى يكديگرنــد | *** | كه در آفرينش ز يك جوهرند |
| چو عضوی به درد آورد روزگار | *** | دگر عضوها را نمانـد قـرار |
| تو كز محنت ديگران بـی غمـی | *** | نشايد كه نامت نهنـد آدمـی |
يقول:
أبناء آدم في ترابط خلقهم *** أعضاء جسم واحد من جوهر
إن مُسّ عضوٌ منهمُ بأذيّة *** فسواه لن يجد الهناء بمُسْرِر
إن كنت لا تأسى لمحنة صاحب *** فاسم ابن آدم فيك غير ميسّر
وتبتني هذه الوحدة والاتحاد على أساس احترام الحقوق المتبادلة وتحقيق العدالة الفرديّة والاجتماعيّة وضمان حقّ البقاء والعمل على تنمية الاستعدادات وتأمين الظروف والمعدّات اللازمة من أجل الوصول إلى الغايات والأهداف العقلائيّة التي يصبو إليها المجتمع، بحيث أنّه في الوقت الذي يتمكّن فيه كلّ فرد من الاستفادة من الصلاحيّات المخوّلة له وممارسة حقوقه الشخصيّة في سبيل تحقيق أهدافه ومبتغياته الخاصّة في هذا العالم؛ يكون عليه ألاّ يغفل عن مراعاة المصالح العامّة للمجتمع، وذلك من أجل الحفاظ على النظام الأحسن والبقاء الأكمل.
ويُعبّر عن هذه المسائل والقوانين التي تكون ممضاة من جميع أفراد المجتمع ـ بغضّ النظر عن الفئة والطبقة التي ينتمون إليها ـ بموارد الإجماع؛ من قبيل مراعاة قوانين السير في الطرقات، والمحافظة على أمن الناس في أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، وعلى الأمن في المهن والتجارات، ومراقبة الحدود والثغور، وتأمين الاحتياجات المعيشيّة والصحيّة وغيرها.
تدوين قوانين المُجتمع على أساس الإجماعيّات
على أنّه من البديهيّ بمكان ألاّ يكون للخصوصيّات القوميّة والاختلافات الناتجة عن تعدّد الأذواق والمذاهب والمدركات الشخصيّة وكذلك التمايز الطبقي بين أفراد المجتمع أيّ دور في مسألة تدوين هذه القوانين ووضعها بل سيُقتصر في ذلك فقط على الاهتمام بالمحافظة على ذلك المجتمع ودوام حياته وبقائه كمجتمع. ومن الطبيعيّ أن ينجرّ المجتمع إلى الهرج والمرج وبالتالي إلى الزوال والفناء في صورة ظهور الخلاف والفرقة حول هذه الأصول والقوانين والعمل على طبق الأذواق والميول الفرديّة.
ويشير ول ديورانت في كتابه "قصّة الحضارة" إلى هذه الحقيقة من خلال هذه العبارة: "الحضارة نظام اجتماعيّ يعين الإنسان على الزيادة من إنتاجه الثقافيّ، وإنّما تتألف الحضارة من عناصر أربعة: الموارد الاقتصاديّة، والنظم السياسيّة، والتقاليد الخلقيّة، ومتابعة العلوم والفنون؛ وهي تبدأ حيث ينتهي الاضطراب والقلق، لأنّه إذا ما أَمِنَ الإنسان من الخوف، تحرّرت في نفسه دوافع التطلّع وعوامل الإبداع والإنشاء، وبعدئذ لا تنفكّ الحوافز الطبيعيّة تستنهضه للمضيّ في طريقه إلى فهم الحياة وازدهارها".۱
وتعتبر مسألة مراعاة هذه النقطة من الأمور البديهيّة والأساسيّة، بمعنى أنّ تحقيق العدالة الاجتماعيّة والعمل على إحلال الأمن في كافّة الجهات المختلفة للمجتمع وشؤونه ليس فقط ممّا أقرّه هذا الكاتب المستشرق وادّعاه، بل إنّ جميع الخبراء والمتخصّصين في المسائل الاجتماعيّة والقوانين الدوليّة يذعنون ويقرّون بهذه المسألة، كما أنّهم يرون عدم مراعاتها مفضيةً إلى اندثار المجتمع، وإلى فناء البشرية في دائرة أوسع.
يقول أمير المؤمنين عليه السلام في الخطبة الأربعين من "نهج البلاغة": «وَإِنَّهُ لا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِيرٍ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ، يَعْمَلُ فِي إِمْرَتِهِ الْمُؤْمِنُ، وَيَسْتَمْتِعُ فِيهَا الْكَافِرُ، وَيُبَلِّغُ اللَّهُ فِيهَا الأَجَلَ، وَيُجْمَعُ بِهِ الْفَيْءُ، وَيُقَاتَلُ بِهِ الْعَدُوُّ، وَتَأْمَنُ بِهِ السُّبُلُ، وَيُؤْخَذُ بِهِ لِلضَّعِيفِ مِنَ الْقَوِيِّ؛ حَتَّى يَسْتَرِيحَ بَرٌّ وَيُسْتَرَاحَ مِنْ فَاجِرٍ».٢
فبحسب هذا البيان يعتقد الإمام عليه السلام أنّ بقاء النظام الاجتماعيّ الإنسانيّ متوقّف على هذه الأصول الإجماعيّة؛ نظير العمل على بناء نظام حكوميّ، وحفظ الحدود والثغور، وتطبيق العدالة الاجتماعيّة وغيرها. وهي أصول لا دخل لأيّ دين أو ثقافة أو أخلاق معيّنة في تنجّزها وتأثيرها، بحيث إنّ مجرّد تصوّر قيام نظام اجتماعيّ ما والتصديق ببقائه يكفيان في الحكم بضرورة التوفّر على هذه الأمور.
ترجيح أصالة المُجتمع على أصالة الفرد في الحضارة المعاصرة
وقد تطوّر الاهتمام بالحضارة والمجتمع، ورعاية الحقوق والحدود الاجتماعيّة، وحفظ الحياة واستمرارها كأصل أساسيّ ومحوريّ لبقاء النوع والعقائد والتقاليد والثقافة الاجتماعيّة ورسوخها بين أفراد المجتمع بشكل كبير، إلى حدّ طرح معه بعضُهم مسألة أصالة المجتمع في مقابل أصالة الفرد بعنوانها تمثّل منتجًا جديدًا في الساحة الفكريّة الإنسانيّة والحضارة المعاصرة. وتعتمد كلّ من الديمقراطيّة والليبراليّة في بنائها وأساسها على هذه النظريّة الحديثة، كما تعدّ حكومة الأغلبيّة من اللوازم والنتائج البديهيّة والأوّلية لها. وقد تَشَكّل النَّظم السياسيّ للمجتمع على هذا الأساس، كما عرضت العادات والتقاليد والعلاقات السائدة فيه على شكل سنن وقوانين وأحكام لا تقبل التخلّف والتغيّر.
وفي هذا الصّدد يقول العلامة الطباطبائي قدّس الله سرّه توضيحًا لهذه المسألة:
وبالجُملة: لازمُ ذلكَ على ما مَرّتِ الإشارَةُ إليهِ۱ تَكوّنُ قوى وخَواصّ اجتماعيّة قَويّة تَقهرُ القوى والخَواصّ الفَرديّةَ عندَ التعَارضِ والتضَادِ، عَلى أنَّ الحسَّ والتجرِبةَ يَشهدانِ بِذلكَ في القوى والخَواصِّ الفاعِلةِ والمُنفعلةِ معًا، فَهِمَّةُ الجَماعة وإرَادتُها في أمرٍ كَما في مَواردِ الغَوغاءاتِ وفي الهَجماتِ الاجتماعيّة لا تَقومُ لها إرادةٌ معارِضةٌ ولا مُضادَّةٌ مِن وَاحدٍ مِن أشخاصِها وأجزائِها، فَلا مَفرَّ للجُزءِ مِن أَن يَتبعَ كُلَّه ويَجريَ عَلى ما يَجرِي عَليه، حَتى أنَّه يسلبُ الشعور والفِكر مِن أفرادِه وأجزائِه، وكَذا الخوفُ العامُّ والدهشةُ العامّةُ كَما فِي مَواردِ الانهزامِ وانسلابِ الأَمنِ والزَّلزلة والقَحطِ والوَباءِ، أو مَا هُو دُونَها كالرسوماتِ المُتعارفةِ والأَزياءِ القَوميّةِ ونَحوِهِما تَضطرُّ الفَردَ عَلى الاتباعِ، وتَسلبُ عَنهُ قوَّةَ الإِدراكِ والفِكرِ.٢
مدى ضرورة الالتزام بآداب المجتمع وقوانينه
لا ريب إذًا في أنّ بقاء الفرد والنوع في ضمن مجتمع ما رهينٌ ببقاء ذلك المجتمع، وبقاء المجتمع لا يتحقّق إلاّ من خلال مراعاة القوانين والآداب التي تُسهم في الحفاظ عليه. وعليه من الممكن تصوّر امتلاك المجتمع لهويّة وكينونة مستقلّة ولنشأة منفصلة عن نشأة الفرد ووجوده. بيد أنّ النقطة الجديرة بالاهتمام هي أنّه: هل المجتمع شيء آخر سوى اجتماع آحاد الأفراد وكيفيّةِ ارتباطهم وائتلافهم؟ وهل تمتلك القوانين والآداب الاجتماعيّة منشأً مغايرًا لاتفاق كلّ فرد من أفراد ذلك المجتمع في الرأي واشتراكهم في العقيدة والفكر؟!
والسؤال الذي يطرح هنا هو أنّه: إلى أيّ حدّ يجب على أفراد مجتمع ما اتّباع القوانين والآداب والتقاليد الحاكمة على ذلك المجتمع وانقيادهم لها؟ وبأيّ مقدار وحجم يفرض عليهم ذلك؟
الشكّ في الاعتماد على العقل عند تدوين القوانين ونشوء المسلّمات الاجتماعيّة
إنّ ضرورة إنشاء المجتمع من أجل ضمان بقاء النسل الإنسانيّ واستخدام مختلف القوى في سبيل تحقيق هذا الهدف، تعدّ أصلاً مفروغًا عنه وقاعدة مسلّمة ولا تقبل النقاش؛ لكن هل تنشأ جميع قوانين المجتمع وكافّة أحكامه من العقل الكلّي الحاكم على المصالح والمفاسد والذي يقضي بضرورة أخذ جميع ظروف ذلك المجتمع وأوضاعه بعين الاعتبار على أساس النظام الأصلح والأحسن؟
فمثلاً في مسألة الدفاع وحراسة الحدود والثغور، هل ينشأ الحكم والإلزام بهذا الموضوع وإجبار أفراد المجتمع على الإقدام على هذا الأمر المهمّ من ضرورة عقليّة ومن جبر الزمان والمكان وقسر الناس بدون أيّ دخل لإرادتهم واختيارهم في ذلك؟ أم أنّ لأذواق المسؤولين والرغبات الشخصيّة والآراء المختلفة للمكلّفين بهذا الأمر دورًا في نشأة وتكوّن هذه الضرورة والإلزام ولو كانت خاطئة وسقيمة؟
إنّ التأملّ في هذا الموضوع والتفكير في هذه الظاهرة الواضحة جدًّا والتدبّر في هذه الضرورة الاجتماعيّة توقع الإنسان في القلق والحيرة؛ ففي الوقت الذي تكون فيه ضرورة اجتماعيّة ما باسم الدفاع ومواجهة المعتدي ـ والتي تعدّ موردًا لرضا وتأييد عامّة الناس في المجتمع بحيث يقرّون بصحّتها ويصادقون عليها بعنوان أنّها تمثّل أحد الأصول والسنن العقلائيّة ـ في معرض الخدش والإبهام والتساؤل إلى درجة يشكّ معها الإنسان في أصل حجّيتها ووجودها ويتردّد في ذلك ـ وتمثّل الأحداث التاريخية شاهدًا حيًّا على هذه الدعوى ـ كيف يُمكن للإنسان ألاّ ينتابه الشكّ والحيرة حول العادات والتقاليد والعقائد والأفكار والآداب الحاكمة على المجتمع والتي لا ضرورة ولا إلزام في وجودها وتدخّلها في بقاء واستمرار ذلك المجتمع في الحياة؟ وكيف يُمكنه أن يرى نفسه في هذه الحالة مكلّفًا بمراعاة هذه الأمور والمحافظة عليها؟
مقارنة بين أصالة الفرد وأصالة المجتمع
والنقطة الأساسيّة والمصيريّة التي تعتمد عليها مسألة أصالة الفرد وأصالة المجتمع تتجلّى في سعي كلتا النظريّتين إلى المحافظة على مجال الاختيار واستمراره بالنسبة إلى كلّ واحد من موضوعيهما، وكذا إلى استيفاء الحقوق المشروعة في كلّ واحد منهما. فانطلاقًا من اعتقاد نظريّة أصالة الفرد بأنّ المجتمع عبارة عن مجموعة متشكّلة من كلّ فرد على حدة من أفراد شعب واحد أو شعوب مختلفة؛ فإنّ هذه النظريّة تستند إلى لزوم الأخذ بعين الاعتبار للحقوق الأساسيّة ومبدئها ومنشئها. ومن الطبيعي جدًّا أن يكون التقدّم والأولويّة من نصيب الفرد في صورة تعارض العرض مع الجوهر والاعتبار مع منشأ الاعتبار والانتزاع.۱
وأمّا في نظريّة أصالة المُجتمع، فبما أنّ تكوّن المكانة الاجتماعيّة ووُجودها الحقيقيّ يوجب ـ بعد الاعتراف بمَبنى أصالة الفرد ـ الغلبة والسيطرة على اللوازم الحقوقيّة لوُجود الفرد، فإنّ الحقوق الاجتماعيّة ومكانة المُجتمع المُتبلورة من مَجموعة حُقوق الأفراد ستكون بطبيعة الحال مُقدّمةً على الحقوق الفرديّة.
نقد كلتا الأصالتين: الغفلة عن حقيقة الإنسان
غير أنّ الأمر الذي تغافل عنه طرفا النظريّتين كلتيهما يكمن في هويّة أفراد المجتمع المتمثّلة في النوع والعنوان الإنساني. فما هي الهويّة والتعريف الذي يستدعيه مفهوم الإنسان بما هو إنسان بغضّ النظر عن تصوّره منعزلاً عن المجتمع ومبتعدًا عنه أو منخرطًا فيه؟
حقيقة الإنسان في القُرآن
فجوهر الإنسان وحقيقته يشكّلان أرقى وأرفع ظاهرة خَلقيّة ترشّحت من خلال تنزّل روح الحقّ تعالى وذاته إلى عالم الكثرة والمادّة. وتشهد الآيات الكريمة بكلّ صدق على هذه المسألة؛ نظير الآية الشريفة: ﴿فَإِذَا سَوَّيتُهُۥ وَنَفَختُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُۥ سَٰجِدِينَ﴾۱ والآية الشريفة: ﴿ثُمَّ أَنشَأنَٰهُ خَلقًا ءَاخَرَ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحسَنُ ٱلخَٰلِقِينَ﴾٢ حيث تشير كلمة ﴿أَحسَنُ﴾ في هذه الآية إلى غاية التطوّر الحاصل في عالم الخلق، وآخر حدّ ممكن لنزول مشيئة الحقّ تعالى؛ وهي مرتبة يستحيل حتّى على الملائكة المقرّبين تصوّرها أو الوصول إليها، بعنوانها تمثّل ذروة عالم الوجود، بحيث أنّهم ومن خلال تصريحهم بـ: «لَو دَنَوتُ أنمُلةً لاحتَرَقتُ»٣ لا يملكون إلاّ أن يذعنوا بهذه الحقيقة المتعالية ويؤكّدوا عليها. ونظرًا لكون الذات المقدّسة متّصفةً بالحقّ بل هي عين الحقّ؛ فإنّ هذه الحقيقة الإنسانيّة متصّفة به أيضًا ومتقوّمة ومتكوّنة بتلك الجوهرة وتلك الحقيقة.
وكثيرًا ما تواجهنا هذه المسألة المهمّة في الآيات القرآنية الكريمة؛ نظير ما ورد فيها من أنّ: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدعُونَ مِن دُونِهِۦ هُوَ ٱلبَٰطِلُ﴾٤ ﴿فَذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمُ ٱلحَقُّ فَمَاذَا بَعدَ ٱلحَقِّ إِلَّا ٱلضَّلَٰلُ فَأَنَّىٰ تُصرَفُونَ﴾٥ ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكثَرُهُم إِلَّا ظَنًّا إِنَّ ٱلظَّنَّ لَا يُغنِي مِنَ ٱلحَقِّ شَئًا إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفعَلُونَ﴾٦.
ويصوغ الله تعالى تشريعاته على هذا الأساس نفسه بحيث تكون متصفةً هي الأخرى بالحقّ كما ورد في الآية الشريفة: ﴿إِنَّا أَنزَلنَا عَلَيكَ ٱلكِتَٰبَ لِلنَّاسِ بالحَقِّ فَمَنِ ٱهتَدَىٰ فَلِنَفسِهِۦ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيهَا وَمَا أَنتَ عَلَيهِم بِوَكِيلٍ﴾۷ أو الآية الشريفة الأخرى: ﴿يَٰدَاوُۥدُ إِنَّا جَعَلنَٰكَ خَلِيفَةٗ فِي ٱلأَرضِ فاحكُم بَينَ ٱلنَّاسِ بالحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ ٱلهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ ۸ وكذلك الآية: ﴿وَٱللَّهُ يَقضِي بالحَقِّ وَٱلَّذِينَ يَدعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَقضُونَ بِشَيءٍ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلبَصِيرُ﴾.٩
فالذي نستنتجه من هذه الآيات: أنّ الذات الإلهيّة هي عين الحقّ بالحمل الشائع۱؛ ولهذا فإنّ جميع الصّفات والآثار المترشّحة عنها تكون كذلك عين الحقّ والواقع ونفس الأمر. وعليه فإنّ مسألة التشريع وعالم التربية مبتنية بدورها على أساس الحقّ ومعتمدة عليه. ونظرًا لكون الحقيقة الإنسانيّة عبارة عن الوجود المتنزّل والمحدود للحقّ تعالى؛ فمن اللازم قطعًا أن تتطابق هذه الحقيقة أيضًا من جهتي التكوين والتشريع مع الخصوصيّات واللوازم الوجوديّة الإطلاقيّة للحقّ تعالى في مرتبة التنزّل والتقيّد، وخلاف ذلك سيفضي إلى انفكاك العلّة عن المعلول في هويّته وآثاره اللزوميّة.
اعتماد الإسلام أصالة الحقّ بدلاً من أصالة الفرد وأصالة المجتمع
من خلال هذا يتبيّن لنا بشكل جيّد المنهج والمبنى الذي يعتمده الشرع الإسلاميّ المقدّس حيال أصالة الفرد والمجتمع. فعلى أساس هذا المبنى لن يمتلك الفرد والمجتمع في هذا المجال أيّة أهمية؛ بل سيشكّل الحقّ ومطابقة الحقّ المحور الذي تدور حوله جميع القوانين والأحكام سواءً تبلور ذلك الحقّ وبرز في صورة الفرد أو في صورة المجتمع؛ لأنّ المهمّ هو الحقّ فحسب!
آثار ونتائج أصالة الحقّ
وفي هذه الحالة نرى أنّ الإسلام وفي الوقت الذي يعترف فيه بالهوّية الاجتماعيّة للمجتمع ويقوم برعايتها، فإنّه يسعى بكلّ جهده إلى مواجهة العادات والتقاليد الخرافيّة المخالفةِ للقوانين الإلهيّة والأسس العقليّة الإنسانيّة. كما أنّه وعند تعارض هذه العادات والتقاليد والقوانين السائدة في المجتمع مع الأصول والأحكام الفطريّة والعقليّة الإنسانيّة ومباني التوحيد والشرع المقدّس، فإّن الإسلام لا يدع للإنسان أبدًا أيّ مجال للتساهل وإعمال المصلحة ومراعاة المجتمع، بحيث أنّه يرجّح بشكل ملزم وقطعي العملَ بالحقّ وأداء التكليف الإلهيّ على جميع الأعمال التي تُلحظ فيها رعاية المصلحة والتحفّظات القاصرة والمجاملات البعيدة عن الأسس العلميّة والعقليّة، ويبطل هذا المنهج المستهجن والسنّة القبيحة والنحسة من خلال وعيده على الفكر الجاهليّ والتقليد الأعمى الذي مفاده: ﴿إِنَّا وَجَدنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم مُّقتَدُونَ﴾٢؛ وهكذا ما جاء في الآية الشريفة: ﴿قَالَت رُسُلُهُم أَفِي ٱللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرضِ يَدعُوكُم لِيَغفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُم وَيُؤَخِّرَكُم إِلَىٰٓ أَجَل مُّسَمّى قَالُوٓاْ إِن أَنتُم إِلَّا بَشَرٌ مِّثلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعبُدُ ءَابَآؤُنَا فَأتُونَا بِسُلطَٰن مُّبِين﴾.٣
ففي هذه الآية يذمّ الله تعالى ويُبطل طاعة الناس العمياء وغير المبرّرة لعادات وتقاليد آبائهم وأسلافهم كما هو مقتضى الآية الأخرى: ﴿أَصَلَوٰتُكَ تَأمُرُكَ أَن نترُكَ مَا يَعبُدُ ءَابَاؤُنَا﴾۱.
وعلى هذا الأساس يأمر سبحانه وتعالى رسوله وسائر المؤمنين بأن يكونوا على حذر من اتباع العادات والتقاليد الجاهليّة التي عليها العوامّ وذلك بمقتضى الآية الشريفة: ﴿وَإِن تُطِع أَكثَرَ مَن فِي ٱلأَرضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾٢ أو الآية الشريفة: ﴿وَلَئِنِ ٱتَّبَعتَ أَهوَآءَهُم بَعدَ ٱلَّذِي جَآءَكَ مِنَ ٱلعِلمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيّ وَلَا نَصِيرٍ﴾.٣
سرّ تحذير الله من الانقياد للعرف الجاهليّ: اغترار العقول باتّفاق الأكثر
أمّا السرّ الذي يكمن وراء هذه المسألة وتأكيد الله تعالى على الحذر من الانقياد للعرف الجاهليّ السائد في المجتمع فيتجلّى في أنّ العقول البشرية الضعيفة ونظرًا لعجزها عن تشخيص المصلحة العامّة وإدراك القضايا الحقيقيّة، وذلك بسبب التعلّق بالكثرات والانغماس في الأهواء الدنيّة والظواهر الدنيويّة الجذّابة؛ فإنّها ترى بأنّ الملاك في صحّة مسألة ما وإتقانها يكمن في اتفاق الأكثر واشتراك أغلبيّة أفراد المجتمع في وجهات النظر حولها. وكلّما ازداد عدد المتّفقين ازداد إتقان المسألة المذكورة وإحكامها عند العوامّ؛ إلى أن يصل الأمر بحيث يصبح الملاك والمناط في الأحكام والقوانين دائرًا مدار رأي الأكثريّة في المجتمع فقط، وتنتفي أيّة مخالفة لهذا الأصل ولو على مستوى التفكير، ناهيك عن الظاهر والعمل بحيث يتمّ اعتبار الخروج عن العادات والتقاليد الاجتماعية ومعارضتها كأنّه جريمة لا تُغتفر. وفي هذه الحالة ومع هذا الأسلوب في التفكير والخضوع للانفعالات النفسيّة ستُسلب من الفرد القدرة على التفكير والاختيار وانتخاب الأحسن والأصلح وسيجد نفسه ـ شاء أم أبى ـ أسيرًا لآراء الأسلاف ونظريّاتهم ومقلّدًا لهم فيها، وسيخال بأنّه من المحرّم عليه التجرّؤ على مخالفتهم. وهكذا ستسري هذه العمليّة المستهجنة من جيل إلى جيل، ومن قرن إلى قرن من دون أن نعثر لها على أيّ أصل أو منشأ معقول.
وقد عدّ الله تعالى في هذه الآيات تكاملَ الإنسان وبلوغه إلى مقام الفعليّة في الحياة كأعلى وأرقى أصل وهدف من الخلق، كما اعتبر سبحانه وتعالى أنّ الوصول إلى هذا المقصد الأعلى والغاية القُصوى منحصرٌ في اتباع الأوامر والقوانين الإلهيّة، بحيث يكون أيّ تنازل وتراجع عن هذا الأصل الحيويّ والسنّة الآبية عن التغيّر والتبديل مساويًا للبوار والهلاك وانعدام الحياة والخسارة الفادحة؛ ويُشكّل هذا الأمر سرّ الحياة وأصل التكامل الذي تتمحور حوله جميع الأحكام الإسلاميّة المتعالية.٤