15

العبور من وهم الخيال والجزئيّات إلى فضاء الكلّيات والتوحيد

النظرة التكوينيّة للابتلاءات وخطر تمزيق وحدة الصفّ باسم الدين

4
مشاهدة المتن

المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني

القسممباني الإسلام

المجموعةمحاضرات المتفرقة

جلسات المجموعة(12 جلسة)

التوضيح

ما هو العائق الأكبر الذي يحبس السالك ويمنعه من التقدّم الروحي؟ كيف يوقعنا “الخيال” والانشغال بتفاصيل الخصومات في فخّ الغفلة عن مقاصدنا؟ هل تحوّل ادعاء التديّن والانتماء لإمام الزمان (عجل الله فرجه) إلى أداة لتمزيق وحدة الصفّ وتبرير الأهواء؟ وكيف يُمكننا استثمار مبادئ الفلسفة الصدرائيّة عمليًّا في بناء ذواتنا وأسرنا ومواجهة الابتلاءات؟ تُجيبك هذه المحاضرة القيّمة التي ألقاها سماحة آية الله السيد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه عن هذه الأسئلة، مسلطةً الضوء على ضرورة التسليم التامّ للتقدير الإلهيّ، والارتحال من “قطار النفس” إلى “قطار الحقّ”.

/۱۳
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

العبور من وهم الخيال والجزئيّات إلى فضاء الكلّيات والتوحيد - النظرة التكوينيّة للابتلاءات وخطر تمزيق وحدة الصفّ باسم الدين

1
  •  

  • هو العليم

  •  

  • العبور من وهم الخيال والجزئيّات إلى فضاء الكلّيات والتوحيد

  • النظرة التكوينيّة للابتلاءات وخطر تمزيق وحدة الصفّ باسم الدين

  •  

  • مباني الإسلام، محاضرات المتفرقة

  •  

  • محاضرة ألقاها

  • آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ

  • قدس الله سره

  •  

  •  

العبور من وهم الخيال والجزئيّات إلى فضاء الكلّيات والتوحيد - النظرة التكوينيّة للابتلاءات وخطر تمزيق وحدة الصفّ باسم الدين

2
  •  

  •  

  • أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

  • بسم الله الرحمن الرحيم

  •  

  •  

  • انشغال النفس بالجزئيّات وهمٌ يعيق السالك عن مقصده

  • حدثت ذات مرّة قضيّة وأحداث في مشهد، حيث اتّصل رجل من همدان بالمرحوم العلاّمة. أدركت من هو؛ فقد كان ذلك واضحًا من لحن كلامه. كنّا جالسين في الباحة؛ وبعدها، جاء المرحوم العلاّمة، وقال: «لا يقولون لنا شيئًا عن أمورهم الأساسيّة، ولكنّهم يسألوننا عن دجاجهم وديوكهم!»، ثمّ قال: «أهذه أمور تُقال عبر الهاتف؟!».

  • المشكلة والمسألة الموجودة في كلّ مكان، هي أنّنا إذا وجدنا ضعفًا وعيبًا، فإنّنا لا نُريد دائمًا أن ننسب هذا العيب والخلل إلى أنفسنا.. هذه مشكلة الجميع؛ فكلّنا على هذا الحال. نريد دائمًا أن ننسب عجزنا إلى الناس والأحداث، وأن نُسنده إلى ظروف ومسائل هامشيّة أخرى. يجب على كلّ إنسان أن يتصوّر أنّه وحده الموجود وحسب. فلا توجد هوامش، ولا توجد ظروف، ولا يوجد صديق، ولا يوجد عدوّ؛ لا شيء بتاتًا! هو ونفسه فقط! فما الذي يجب عليه فعله في هذا البين، وفي هذه الدنيا؟

  • نحن غافلون عن هذه النقطة في أنفسنا، ونصنع لأنفسنا دائمًا أصدقاء وأعداء، ونُنمّيهم في أذهاننا، ونتأثّر بهم أكثر، ونُسلّطهم على أجوائنا الداخليّة بحيث نغفل عن أنفسنا، ونتخلّف عن الطريق. ينقضي كلّ وقتنا وتفكيرنا وحياتنا في مسألة: «هذا سيّئ معي، وذاك جيّد معي! هذا سيّئ، وذاك جيّد!». يا عزيزي، ما هو السيّئ وما هو الجيّد؟! ما هو السيّئ وما هو الجيّد؟!

  • في الزمان الماضي حين كان لنا ارتباط ببعض العظماء، كان هناك أناس يُقيّمون مقدار ارتباطهم بهؤلاء العظماء، بناءً على مقدار ارتباطهم بهم! فكانوا يقولون: «بما أنّ هذا الشخص جيّد معي، فهو إذن قريب من العظماء؛ وبما أنّه سيّئ معي، فهو إذن بعيد عنهم!». وكانوا يعملون على هذا الأساس. عزيزي، فرّغ نفسك من كلا الجانبين، وانظر ما الذي يجب عليك فعله، واذهب وافعله! فالبقاء في هذه المسائل، والتفكير في هذا وذاك، يُعيق الإنسان.

  • العبور إلى فضاء الكليّات خطوتنا الأولى لتدارك العمر المفقود

  • إنّ شرط حركة النفس والعبور من هذه العوالم هو هدوء الخيال، لا انشغاله. فلا يُمكن لأحد أن يخطو خطوة واحدة مع انشغال الخيال.. أبدًا! لا يُمكنه أن يتحرّك حتّى مقدار رأس إبرة مع انشغال الخيال! اذهبوا وجرّبوا! اذهبوا، وصلّوا، واذكروا الله مليون سنة؛ فما دام خيالكم مشغولاً، لا يُمكن لأحد منكم أن يتحرّك ميلاً واحدًا؛ ميلاً واحدًا! فشرط ذلك هو فراغ الخيال.

العبور من وهم الخيال والجزئيّات إلى فضاء الكلّيات والتوحيد - النظرة التكوينيّة للابتلاءات وخطر تمزيق وحدة الصفّ باسم الدين

3
  • إنّ «الخيال» في الأساس يعني «المانع»! (وبالطبع القراءة الصحيحة هي «خَيال»). الخيال يعني تصوّر الجزئيّة؛ في حين أنّ حركة السالك هي العبور من الجزئيّة إلى الكليّة؛ فكيف يتناسبان؟! إنّ الإنسان يتنزّل في الخيال دائمًا من ذلك الأمر الكليّ إلى الأمر الجزئيّ. ومن أجل أن يُزيح الخيال، فإنّه يُنزّل الكليّة، ويحصرها دائمًا في الجزئيّة. وحتّى لو أراد الله أن يسحبه إلى الكليّة، فإنّه لا يذهب، بل يريد دائمًا أن يسحب خياله إلى الجزئيّة.

  • يجب على الإنسان أن ينتقل دائمًا من القضايا الجزئيّة إلى القضايا الكليّة، ويجب عليه دائمًا أن يعبر من التعلّقات الجزئيّة إلى ذلك التعلّق الكليّ، لكنّه يأتي دائمًا ويشغل فكره وذهنه بأنّ: «فلان سيّئ معي، وفلان نظر إليّ في المجلس بتلك الطريقة، وفلان معي..».. كلاّ! تعال! لنجلس، ثمّ لنذهب!

  • قبل مدّة، جاء أحد الأفراد وقال: «لقد حدثت القضيّة الفلانيّة في طهران». فقلت له: «انظر، كم مضى من عمرك؟». قال: «سبع وأربعون سنة». قلت: «هل تعلم أنّك متأخّر منذ ثلاثين سنة؟! كان يجب عليك أن تترك هذه المسائل منذ سنّ السابعة عشرة! والآن، نحن نتساهل معك، ونقول عشرون سنة، خمس وعشرون سنة، ثلاثون سنة، أربعون سنة! لقد نضجت الآن! فليس من اللائق حقًّا بشخص في الأربعين أن يكون منهمكًا في هذه الأمور يا عزيزي!». فالأيّام تمضي رويدًا رويدًا، فيذهب يوم السبت ليأتي الأحد؛ ويذهب الأحد ليأتي الاثنين؛ والزمن لا يتوقّف! قلت له: «لقد مضى من عمرك سبع وأربعون سنة، وما زلت في هذه الأفكار وهذه المسائل!». إنّه لأمر عجيب حقًّا كيف ننشغل بالمسائل الجزئيّة.

  • تمزيق وحدة الصفّ بادّعاء التديّن خيانة لمسار الأئمّة عليهم السلام

  • كنّا نشاهد هذا العبور من الجزئيّة في سيرة العظماء في ارتباطهم مع الناس وغيرهم؛ أي أنّنا كنّا نشعر حقًّا أنّه كلّما أرادت أن تطرأ ولو مجرّد أحداث خياليّة وجزئيّة على تلك الأجواء، فقد كنّا نراهم يرفضونها بشكل مطلق.

  • جاء رجل إلى المرحوم العلاّمة، وكان ينتقد فلانًا ـ الذي كان يذهب عند أستاذهم ـ قائلاً: «إنّه كذا وكذا». فسمعت من المرحوم العلاّمة حينها عبارة عجيبة جدًّا، حتّى أنّني قلت في نفسي حقًّا: «إذا كان الكلام حقًّا، فيجب على الإنسان أن يسمعه من هؤلاء العظماء والعرفاء فقط؛ فلا توجد مثل هذه الأمور في مكان آخر بتاتًا!». فالمسائل في الأماكن الأخرى تقف في النقطة المقابلة تمامًا. كلّ هذه الصفقات التي ترونها، والتحزّبات، وتشكيل التحالفات.. كلّها تقف في النقطة المقابلة للوحدة. فحشد الأنصار، والتحدّث ضدّ هذا وذاك، وإفشاء الأسرار، والانتقادات.. كلّها حقًّا تقف في النقطة المقابلة للوحدة.

العبور من وهم الخيال والجزئيّات إلى فضاء الكلّيات والتوحيد - النظرة التكوينيّة للابتلاءات وخطر تمزيق وحدة الصفّ باسم الدين

4
  • وحقًّا، ما الذي يفعله الناس ـ الذين قصرت أيديهم عن هذه المعارف ـ بأنفسهم؟! أنتم ترون الآن أيَّ وضعٍ نحن فيه! فذاك يسعى جهده ليطّلع على المسائل الباطلة للآخر، ويأتي ليُعلنها؛ والآخر يفعل ما بوسعه ليطّلع على أعمال ومسائل الطرف المقابل؛ وإن لم يجد نقطة سلبيّة، يختلقها ويتّهمه! إنّ التشبيهات والأمثلة التي ترونها هنا تُظهر لكم حقًّا في هذه الدنيا نفسها أحداثَ يوم القيامة ﴿يَومَ تُبلَى السَّرَائِرُ * فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾.۱ 

  • عندما كان العظماء يقولون: «الآخرة والدنيا شيء واحد»، فهذا هو! تعال وانظر يا سيّدي. كلّنا ندّعي الإسلام والتشيّع، وكلّنا ندّعي محبّة إمام الزمان؛ في حين أنّنا نربطه عليه السلام بحبل في كلّ مكان، ونجرّه خلفنا؛ وكما أنّ كبار الصحابة رضوان الله علينا أجمعين (!) ربطوا أمير المؤمنين عليه السلام بحبل، واقتادوه إلى المسجد للبيعة، فكذلك نحن ربطنا إمام الزمان بحبل، ونجرّه خلف أهوائنا؛ وذلك أيضًا ليس بعزّة واحترام، بل بحبل!

  • فالإنسان تارة يقول لأحدهم: «تفضّل، تكرّم، وتحدّث لصالحنا في هذه المسألة»؛ وتارة نقول: «يا سيّدي، قم وتعال، وتحدّث لصالحنا في هذه القضيّة»؛ وتارة نقول: «أيّها الوغد الفلانيّ ابن الفلانيّ، سأُريك الويلات! الويل لك أيّها الغبيّ! يجب أن تأتي»؛ وتارة، تتجاوز الأمور هذا الحدّ، فنأتي بالطرف المقابل عن طريق الضرب والركل ليتحدّث لصالحنا. نحن نجرّ إمام الزمان بهذه الطريقة إلى مجالسنا وإلى مجتمعنا! نجرّه بذلك الحبل الذي وضعوه في عنق عليّ عليه السلام، ليأتي ويعمل من أجلنا، ومن أجل أهدافنا ونوايانا! ثمّ نحن أنفسنا ـ الذين ندّعي أنّنا نتّبع مسار الأئمّة ـ لا نتوانى عن أيّة مسألة قبيحة ووقحة للوصول إلى هدفنا وغايتنا، وقد سمّينا أنفسنا بالمسلمين والشيعة!

  • وتطفو كلّ النوايا على السطح.. إنّه لأمر عجيب جدًّا! كلّ النوايا تظهر! ماذا حدث؟! كيف أصبح هذا الرجل الذي كان هكذا في ذلك الزمان، يُعبَّر عنه بمثل هذه الأمور الآن؟! كيف كان في ذلك الزمان هكذا، والآن أصبح رجلاً سيّئًا؟! كلّ هذا لأنّ الأصل والواقع قد بُني على الجزئيّة لا على الكليّة؛ بُني على التشتّت والتكثّر، لا على الوحدة. لم يُبنَ على الوحدة؛ لم يُبنَ على التوحيد، بل على التكثّر والتشتّت، وعلى لحاظ الجزئيّة والتوّهمات وما شابه ذلك.

    1. سورة الطارق، الآيتان ٩ و۱۰.

العبور من وهم الخيال والجزئيّات إلى فضاء الكلّيات والتوحيد - النظرة التكوينيّة للابتلاءات وخطر تمزيق وحدة الصفّ باسم الدين

5
  • التسليم للتقدير الإلهيّ والاعتراف بفضل الآخرين ميزانان لمعرفة الإخلاص

  • وآية ﴿يَومَ تُبلَى السَّرَائِرُ﴾ تتجلّى هنا؛ فالأرضيّة مناسبة، والآن هو وقتها. وهذه هي الامتحانات التي يُقدّرها الله تعالى للإنسان؛ فهو يُحدث تيّارًا في هذه الدنيا يتداخل بدقّة مع منافع الإنسان ومضارّه: ففي هذا الجانب من القضيّة منفعة، وفي الجانب الآخر ضرر وفساد؛ وبالطبع، يكون هذا الفساد ظاهريًّا واعتباريًّا، وليس حقيقيًّا! فمن أين يأتي الحقيقيّ؟! فيصبر الإنسان قليلاً في البداية، ويتأمّل يسيرًا، ثمّ يرى أنّ الخصم يتقدّم ويغلب؛ وعند غلبة هذا الخصم، تغلي هذه النفس أيضًا وتتحدّث ضدّه: «لقد قال هذا الكلام هناك؛ وقال هذا الكلام هنا...».. كلّ هذا عبرة لنا.

  • قال المرحوم العلاّمة لذلك الرجل الذي جاء، ونقل هذه الأمور: «يا عزيزي، هل هو [أستاذه] موجود في هذه الأحداث أم لا؟» قال: «بلى». قال: «حسنًا، فلماذا تنتقده إذن؟! هذه الأحداث لها صاحبها؛ وهو يعلم كيف هو حال كلّ إنسان، ومن يأتي ومن يذهب. إن كان سيّئًا فهو يعلم؛ وإن كان جيّدًا فالأمر يعود إليه؛ وهو يعلم. فما شأنك أنت في هذا البين لتقول: "هذا سيّئ وذاك جيّد"؟ يكفيك فقط أنّهم سمحوا لك بالدخول في هذه القضيّة!». وهذا كلام عجيب جدًّا: «مجرّد أنّهم سمحوا لك بالدخول هنا...!». انظر إلى هذا فقط. لو كان من المقدّر ألاّ يضعك الله هنا، بل يضعك في مكان آخر؛ فماذا كنت ستفعل؟

  • ورد في الآية القرآنيّة: ﴿لَو أَنفَقتَ مَا فِي الأَرضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفتَ بَينَ قُلُوبِهِم وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَينَهُم إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾؛۱ ﴿فَأَلَّفَ بَينَ قُلُوبِكُم فَأَصبَحتُم بِنِعمَتِهِ إِخوَانًا﴾.٢ لو أنّ الله بدلاً من أن يضعنا في هذه المكانة، وضعنا في موقع آخر؛ فماذا كان يجب علينا أن نفعل؟! كيف كان بإمكانك أن تتعامل مع مشيئة الله؟! كيف كان بإمكانك أن تدفع هذه المشيئة والتقدير؟ ماذا كنت ستفعل؟ (فهناك أناس كثيرون أفضل منّا؛ بينما نظنّ نحن أنّنا صفوة الخلق!). والآن وقد وضعوك هنا، فقد انتهى الأمر يا عزيزي؛ فاذهب الآن وفكّر في علاجك! اذهب وفكّر في عملك. لا تُضيّع هذه الفرصة بالانشغال بهذا وذاك؛ لا تُضيّع هذه الفرصة بـ «هذا سيّئ وذاك جيّد». فهذه الفرصة ستنتهي! ويوم الأحد الذي نحن فيه سيتحوّل إلى يوم الاثنين، والقضيّة لا رجعة فيها.

    1. سورة الأنفال، الآية ٦٣.
    2. سورة آل عمران، الآية ۱۰٣.

العبور من وهم الخيال والجزئيّات إلى فضاء الكلّيات والتوحيد - النظرة التكوينيّة للابتلاءات وخطر تمزيق وحدة الصفّ باسم الدين

6
  • كان هذا موضوعًا يُدقّق فيه العظماء كثيرًا. الآن، انظروا إلى هذه القضايا التي تجري أمام أعينكم؛ فالأمر كلّه يتمثّل في إظهار جوانب الحُسن الاعتباريّة والمجازيّة للناس، وإبعاد جوانب الخلل والضعف عن الأنظار، وكتمان محاسن الطرف المقابل عن هؤلاء الناس، وإفشاء مساوئ الطرف المقابل لهم! هذا هو كلّ ما ترونه في الأحاديث واللافتات والكتابات؛ فتُشاهدون هاتين القضيّتين في كلّ مكان. هل حدث يومًا أن جاء أحدهم، وأفشى جهة ضعفه، وأعلن عن حُسن الآخر؟! إن رأيتم ذلك، فأخبروني! حينها، إذا رأينا ذلك، يجب أن نقول: ماذا؟! يبدو أنّ الظهور قد اقترب! فذلك الزمان هو زمان اقتراب الظهور. عندما يأتي إنسان، ويقول ما يراه حقًّا. كأن يقول أحد المُدرّسين: «يا سيّدي، فلان يُدرّس أفضل منّي؛ فلا تأتِ إلى درسي، بل اذهب إلى درسه. فبيانه أفضل، وعلمه أكبر، واطّلاعه أكثر. اذهب إلى درسه، لتستفيد أكثر». هل حدث هذا من قبل؟! إن حدث فهو أمر جيّد جدًّا، ومهمّ جدًّا. هل حدث يومًا أن جاء طبيب، وقال: «يا سيّدي، فلان يُشخّص هذا المرض بشكل أفضل»؟! فبدلاً من كلّ هذه المماطلة وتوجيهه يمنة ويسرة وإرهاقه وأخذ الملايين منه، ثمّ القول: «اذهب، فلا يُمكنني فعل شيء»، وبدلاً من هذا البؤس والشقاء الذي يصبّونه على رأس هذا المريض المسكين العاجز، فليقُل له بصراحة منذ البداية: «يا عزيزي، أنا لا أستطيع معالجة هذا [المريض]؛ خذه، واذهب به إلى فلان»؛ أو أن يقول: «لا فائدة ترتجى من علاج هذا المريض بتاتًا؛ فالتجوّل به في المستشفيات لا يجلب سوى الصداع والأذى». أو أن يأتي إنسان إلى آخر، ويقول: «يا سيّدي، هل ترى طريقًا أو شيئًا أو مسألة لحلّ مشكلتي؟!»، فيُجيبه: «يا سيّدي، أنا لست مُطّلعًا كثيرًا على هذه المسائل. من الأفضل لك أن تذهب، وتطرح هذه القضيّة على فلان».

  • قطار النفس وقطار الحقّ محطّتان تكشفان حقيقة النوايا

  • انظروا، ثمة مسارٌ يتحقّق؛ وهو إمّا حركة في النفس، أو حركة في مسار الرضا الإلهيّ. ولِنُسمّ مسار الرضا الإلهيّ بـ «الحركة المخالفة للنفس»، أو «الحركة نحو الكليّة»، أو «الحركة نحو التجرّد والتوحيد».. سمّوها ما شئتم. وهناك سكّة حديد للنفس أيضًا؛ وهذه السكّة لها محطّات: المحطّة الأولى، الثانية، الثالثة... وكلّ واحدة منها تتعلّق بمسألة: محطّة للمُريد، ومحطّة للمقامات، ومحطّة للمنافع الماديّة، ومحطّة للمنافع الشخصيّة؛ وكلّها محطّات يتحرّك هذا القطار فيها، ويمضي على هذه السكّة واحدة تلو الأخرى.

العبور من وهم الخيال والجزئيّات إلى فضاء الكلّيات والتوحيد - النظرة التكوينيّة للابتلاءات وخطر تمزيق وحدة الصفّ باسم الدين

7
  • وهناك خطّ آخر يسير من الاتّجاه المعاكس؛ فهذه السكّة الأولى من هذا الجانب، وتلك السكّة الثانية من الجانب الآخر. وفي مسار السكّة الثانية، هناك محطّة للمحبّة، ومحطّة للتسامح، ومحطّة للإيثار، ومحطّة لإظهار الواقع، ومحطّة للعبور من الرغبات، ومحطّة لترجيح الحقّ وتفضيله. ولكلّ واحدة من هذه المحطّات في السكّة الثانية آثارها الخاصّة؛ ولتلك المحطّات في السكّة الأولى آثارها الخاصّة أيضًا. فهذه لها ظروفها، وتلك لها ظروفها؛ ويجب علينا أن نرى في أيّ اتّجاه وَضَعنا سكّتَنا، وفي أيّ اتّجاه وضعنا قطارَنا؟

  • عندما ننظر في أحوال العظماء وارتباطاتهم ومسائلهم، نرى أنّهم وضعوا السكّة في ذلك الاتّجاه. وقد رأيت أنا هذا الأمر كثيرًا جدًّا في زمان المرحوم العلاّمة. فنحن كنّا في صميم الأحداث في النهاية. وكان هو يتأذّى كثيرًا حينها عندما كان يرى أنّ هذه المسألة لا تتحقّق.. كثيرًا جدًّا! وكان يقول دائمًا: «إذن، ماذا سمع هؤلاء الناس وهؤلاء الرفقاء منّا؟! وما هي المسائل التي سمعوها منّا طوال هذه المدّة؟! وما هو السلوك الذي رأوه منّا في هذه المدّة؟!»، حتّى ينبعث فيهم مثل هذا التصوّر والخيال!

  • إذا كان من المقرّر أن نكون نحن أيضًا في نفس الوضع الذي يعيشه الآخرون هناك، فما هو الفرق إذن؟! نحن نضحك على الآخرين، ونحاكمهم في محكمة القضاء ونصدر عليهم الأحكام، بينما نحن أنفسنا واقعون في نفس المأزق. وهذا ينشأ من نفس ذلك الموضع، حيث نلصق العيب بالآخرين: «الآخرون هكذا! انظر إلى الآخرين لترى ماذا يفعلون! إنّه يتحدّث ضدّ فلان بسبب هذه الأحداث!»، ثمّ نضحك! لكنّنا لا ننظر إلى أنفسنا بتاتًا. فإذا نظرنا إلى قلوبنا، سنجد أنّنا كذلك أيضًا! نحن كذلك؛ غاية الأمر أنّه لم تحدث لنا مثل هذه الأوضاع والظروف؛ وإلّا فنحن كذلك.

  • يجب طرح المسألة؛ أي أنّ الناس يفهمون المسألة ويُدركونها. فلنضع أنفسنا مكان الآخرين؛ فكلّ هذه المسائل موجودة، وهناك تيّار موجود بالكامل، ويجب على الإنسان أن يُطابق نفسه وحياته مع هذا التيّار.

  • وفي إحدى هذه الأحداث التي وقعت، نُشر كتاب، وتمّ توزيعه. وكان من الواضح أنّه ستكون هناك ردود فعل على نشر وتوزيع هذا الكتاب. فذهب أحد الأفراد (وهو طالب علم)، وقال لأحدهم: «توزيع هذا الكتاب غير جائز بتاتًا، وقد تمّ في الأساس بدون إذن المؤلّف». فجاء الذي سمع هذا الكلام وأخبرني بذلك؛ فقلت له: اذهب وقل له على لساني: «هل هذه هي المشكلة الوحيدة في هذا الكتاب؟! يعني لا يوجد فيه أيّ إشكال آخر؟! فقط إشكاله أنّه بدون إذن؟ أليست فيه مسألة أخرى؟ إن كانت مشكلته هذه، فسأحلّها لك». هل هذه فقط؟ إن كان محتواه باطلاً، أو حصل فيه تحريف، أو كان موضعه خاطئًا وباطلاً، فقولوا ذلك. أمّا إن كانت المشكلة فقط هي أنّ «هذا الكتاب طُبع بدون إذن مَن هو أولى وأحقّ بنشره وطباعته؛ وبما أنّه كذلك، فإنّ قراءة هذا الكتاب غير جائزة، وشراؤه غير جائز»، إن كانت المشكلة هي هذه، فأنا أحلّها؛ فحلُّها بيدي!

العبور من وهم الخيال والجزئيّات إلى فضاء الكلّيات والتوحيد - النظرة التكوينيّة للابتلاءات وخطر تمزيق وحدة الصفّ باسم الدين

8
  • فذهب ثمّ قال: «يقولون إنّ فيه تحريفًا أيضًا!»، فقلت: «ماذا؟! حسنًا جدًّا. هذا أصبح أمرًا آخر». انظروا، نحن لا نسعى لرفع العيب، بل نسعى دائمًا لوضع العيوب. فقلت: «حسنًا، أين يكمن التحريف في هذا الكتاب؟!»، فأجابوا: «لقد تمّت ترجمة العبارات العربيّة في هذا الكتاب! ترجمة من العربيّة إلى الفارسيّة». فقلت: «وهل كان من المقرّر ألاّ تُترجم؟! هل التحريف يعني ترجمة الروايات؟! أهذا هو التحريف؟! إذا نظرتم في منطق عرف أهل الطباعة والنشر والمجتمع وما شابه ذلك، فهل تُسمّون ترجمة النصّ العربيّ وكتابة ترجمة الآية القرآنيّة تحتها تحريفًا؟!». ثمّ رأوا أنّ هذا أيضًا غير مُجدٍ! فقالوا بعد ذلك: «بعض الإرجاعات الموجودة في الهامش بالأسفل مخالفة للمصدر!». فقلت: «وهل يُسمّى هذا تحريفًا؟! أوّلاً هو ليس مخالفًا، بل النسخة تختلف. فالنسخة التي كتبها المؤلّف كانت في هذه الصفحة أو في الكتاب الفلانيّ، وهذا المُحقّق وجد مثل هذا الشيء في مكان آخر؛ فذلك ليس تحريفًا!». ولكنّي قلت: «حسنًا، بيننا وبينكم وبين الله، هل هذا تحريف؟!» (وبالطبع عبارة «بينكم وبين الله» لا معنى لها هنا في الأساس؛ لأنّه لا يوجد إله في قلوبهم حتّى تُلحظ هذه الواسطة هنا! فعبارة «بينكم وبين الله» تُقال في موضع يكون فيه ارتباط بين الطرف المقابل وبين الله! فإذا لم يكن هناك ارتباط، فلا يوجد «الله»! بل يوجد الضمير «كُم» فقط!). حسنًا، لنفترض أنّ هذا الإرجاع إلى كتاب الكافي هنا، كان في كتاب التهذيب؛ فهل يُسمّى هذا تحريفًا الآن؟! فما هو المُقرّر؟ المُقرّر هو أن يتمّ وضع عيب على شيء دائمًا، لا أن يتمّ رفع العيب. فأين ذهب إذن قول حافظ الشيرازيّ:

  • پیرِ ما گفت خطا بر قلمِ صُنع نرفت***آفرین بر نظر پاک خطاپوشش باد!
  • [يقول: قال شيخنا: لم يجرِ الخطأ على قلم الصنع، فطوبى لنظرته الطاهرة الساترة للخطأ!]

  • يعني: لماذا نسينا تلك المدرسة وذلك النهج؟! فنحن أنفسنا نقرأ لحافظ، ونحن أنفسنا نبحث عن هذه الأمور، ونحن أنفسنا نبحث عن أشعار مولانا جلال الدين الرومي والعرفاء؛ فأين ذهب ذلك إذن؟! فنحن نسير في الاتّجاه المخالف تمامًا! فإمّا ألاّ نقرأ هذه الأمور الصادرة عن العظماء، أو أن نلتزم بها عندما نقرأها.

العبور من وهم الخيال والجزئيّات إلى فضاء الكلّيات والتوحيد - النظرة التكوينيّة للابتلاءات وخطر تمزيق وحدة الصفّ باسم الدين

9
  • النظرة التكوينيّة لابتلاءات الدنيا مفتاح لستر العيوب وترك الاعتراض

  • يقول: «آفرین بر نظرِ پاکِ‌ خطاپوشش باد!»؛ أي: طوبى لنظرته الطاهرة الساترة للخطأ!

  • إنّه لعجيب! فهو لا يقول «لا يوجد خطأ»، بل يقول «ساتر للخطأ». فهناك خطأ إذن؛ غاية الأمر أنّه يستر ذلك الخطأ. فإن لم يكن هناك خطأ، فلماذا يُريد أن يستره؟! فلماذا هذا الستر؟ الشطر الأوّل من الشعر يقول: «پیر ما گفت خطا بر قلم صُنع نرفت!»؛ أي: قال شيخنا: لم يجرِ الخطأ على قلم الصنع. فهو ينظر أوّلاً من جهة التكوين في المسألة: لا مُؤثّر في الوجود إلّا الله. وهذا هو مقتضى الوحدة والتوحيد الأفعاليّ ومقتضى التوحيد الصفاتيّ. فالتوحيد الأسمائيّ وما شابه ذلك في مكانه؛ أمّا مقتضى هذا التوحيد الأفعاليّ، فهو هذا الشطر الأوّل الذي يقول: «قال شيخنا: لم يجرِ الخطأ على قلم الصنع». فكلّ ما في الوجود يستند إلى الله تعالى؛ أو: لا مُؤثّر في الوجود إلّا الله؛ أو: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾.۱ هذا بالنسبة للشطر الأوّل.

  • ثمّ يصل إلى الشطر الثاني: حسنًا، ما الذي يجب أن نفعله في النهاية تجاه هذه الأخطاء التي نراها في هذه الدنيا؟ ففي النهاية، نحن نرى أخطاءً وباطلاً ونزاعات واعتداءات على بعضنا البعض؛ فماذا نفعل بها؟ هذه الأمور أيضًا نأتي ونسترها! نأتي، ونلحظها في جانب الواقع، وليس في جانب التكليف الظاهريّ؛ إذ في جانب التكليف الظاهريّ، يجب أن يكون كلّ شيء بحساب؛ فيجب تأديب المعتدي، ويجب أن ينال الظالم جزاءه؛ والتقصير في هذه القضيّة يوجب المسؤوليّة؛ وهذا هو الجانب الظاهريّ للمسألة. فهو يقول: أصلح ذلك الجانب التكوينيّ، وأصلح جانب قلبك وباطن المسألة. ابحث عمّا تحتاجه وانظر ما هو، لا أن تنظر دائمًا وتقول: هذا ارتكب باطلاً، وذاك ارتكب باطلاً.

  • يجب أن يكون ما يدور في قلبك هو أن تسند كلّ الأمور إلى الله، وأن تتحرّك وفقًا لما كُلّفت به. فالجلوس واللطم على رأسك دائمًا: «لماذا هذا...؟ ولماذا ذاك...؟» يُعيقك. جلوسك المستمرّ لتقول: «آه، لماذا وقع زلزال هنا؟ ولماذا وقع الرضيع تحت أنقاض الزلزال؟ ولماذا هبّت عاصفة هناك وجرفت الجميع معها إلى البحر؟» يُعيقك عن الحركة. فهذه التساؤلات بـ «لماذا» ستكون سببًا في توقّفك. لقد كانت مصلحة الله في ذلك، فجاءت العاصفة وضربت، ولا يهمّ الآن أيّ عمل كان سببًا في ذلك؛ فسواء ارتكب أولئك الناس المنكوبون ذنبًا أم لم يرتكبوا، فالله وحده يعلم؛ فنحن لسنا مطّلعين على المصلحة الإلهيّة.

    1. سورة الإنسان، الآية ٣۰.

العبور من وهم الخيال والجزئيّات إلى فضاء الكلّيات والتوحيد - النظرة التكوينيّة للابتلاءات وخطر تمزيق وحدة الصفّ باسم الدين

10
  • قوموا بزيارة لهذه المستشفيات، لتروا كم طفلاً صغيرًا يُنقلون منها إلى المقبرة يوميًّا. فهل ارتكب هؤلاء ذنبًا؟ أطفال في الشهر الخامس، والثالث، وأسبوع واحد.. أبرياء ومعصومون يرحلون عن الدنيا. صغارًا وكبارًا، فلكلّ منهم ابتلاءات مختلفة؛ والله وحده يعلم. فيقول أحدهم: «لماذا رحل فلان؟». حسنًا، ماذا لو رحلت أنت؟ هل كنت ستعترض هذا الاعتراض أيضًا لو رحلت أنت؟! فالاعتراض إذن هو: لماذا لا يتحقّق ما في أذهاننا وتخيّلاتنا؟ أي أنّ القضيّة تعود إلينا وإلى تخيّلاتنا نحن، لا إلى ما هو واقع! لو حدثت هذه المسألة نفسها لغيرنا، لكان هضمها أسهل علينا؛ لكن، لأنّها حدثت لنا، تكثر التساؤلات بـ «لماذا ولماذا»!

  • ذهبت ذات يوم إلى مقبرة «جنّة الزهراء» في طهران، لتشييع جنازة أحد المعارف. وكنت أقف مع هؤلاء الرفقاء والأصدقاء ننتظر مجيء الجنازة. وطوال وقوفي هناك، أحصيت حوالي اثنتي عشرة جنازة لأطفال صغار رأيتها تُحمل بالأيدي في غضون تلك النصف ساعة أو الساعة التي وقفناها هناك؛ أحضروا اثنتي عشرة جنازة لأطفال! أطفال بهذا الحجم كانوا يُحملون على الأيدي، وذهبوا لدفنهم. حسنًا، ما هو الذنب الذي اقترفه هؤلاء في هذه الدنيا؟ فإذا كان الأمر يستدعي التساؤل بـ «لماذا»، فإنّ «لماذا» تتوجّه إليهم أكثر ممّن جاوز الثلاثين والأربعين والخمسين من عمره، وقد عاش عمرًا في هذه الدنيا وحزم أمتعته. ولكن كلاّ! فلا مجال لـ «لماذا»، ولم يجرِ الخطأ على قلم الصنع؛ لأنّ هذا القلم يقوم بعمله، ويجب علينا أن نُطابق أنفسنا ورؤيتنا معه، ونجعلهما في وزان واحد؛ لا أن نسعى لمطابقة قلم الصنع معنا، ونظنّ أنّ الصنع يجب أن يُرسم بنفس الكيفيّة التي نراها نحن! يبدو يا سيّدي أنّنا قد استبدلنا أماكننا! فقد أنزلناه من الأعلى، وصعدنا نحن، وجلسنا في الأعلى. كلاّ عزيزي! نحن في هذا الأسفل! ويجب أن نتقبّل كلّ ما يأتي من هناك. والأمر صعب بالطبع، لا أنّه ليس بصعب؛ فنحن لا نقول إنّه ليس بصعب، ولكنّ التقبّل مسألة أخرى.

  • يجب على الإنسان أن يعلم أنّ كلّ هذه الأمور يجب أن تحدث، وتتمّ في إطار المصلحة الجماعيّة، لا المصلحة الفرديّة والشخصيّة؛ غاية الأمر أنّ سائر الناس يجزعون، ويفزعون، ويصرخون، ويشتمون الأرض والزمان؛ بينما يُقال في مدرسة العرفان هنا: «اصبر، واعتبر الأمر من مصلحتك، وتجاوز هذه القضيّة. فكلاهما واحد؛ فهي تحدث لهذه القضايا والمصائب، وتحدث لتلك أيضًا؛ فهي للجميع».

العبور من وهم الخيال والجزئيّات إلى فضاء الكلّيات والتوحيد - النظرة التكوينيّة للابتلاءات وخطر تمزيق وحدة الصفّ باسم الدين

11
  • الفلسفة العرفانيّة في الميدان التطبيقيّ أساس لبناء الأسرة والمجتمع

  • هل يجب علينا أن ننظر إلى الأبحاث التي يطرحها المرحوم الآخوند [الملاّ صدرا] في مباحث الأسفار من ذلك البُعد الفلسفيّ للمسألة فقط؟

  • كنت أقرأ البارحة صحيفة كانت على مكتبي بين هذه الأوراق. وفجأة، بينما كنت أبحث عن بعض الأوراق ولم أجدها، وقعت عيني فجأة على هذه الصحيفة. فرأيت أنّه: يبدو أنّه أُقيمت ندوة قبل مدّة حول مسائل «الأسرة والملاّ صدرا». وقد قال بعض الذين تحدّثوا هناك: «كلاّ، لم يتحدّث الملاّ صدرا عن مسائل الأسرة»؛ وخاصّة بعض هؤلاء المتأنّقين والجامعيّين وحليقي اللحى. وكأنّ الملاّ صدرا في جيبهم الأيسر، والفارابيّ في جيبهم الأيمن!

  • هل هذه المسائل شيء آخر غير مسائل الأسرة؟! هل يجب عليه حتمًا أن يذكر اسم الأسرة والعائلة حتّى يقولوا إنّه تحدّث عنها؟! يُمكنك استنباط واستخراج المسائل المتعلّقة بالمجتمع والأسرة والطريقة والسلوك من كلّ فقرة فلسفيّة. فبعد التوصّل إلى المسألة القائلة بأنّ الفصل الحقيقيّ للأشياء هو حيثيّتها الربطيّة نفسها، وأنّ الجنس هنا (تلك المشتركات التي لها جانب عارضيّ) لا دخل له في حقيقة الأشياء الخارجيّة وهويّتها، فما هي الأمور التي يُمكننا أن نصل إليها حقًّا من خلال هذه المسألة؟!

  • من وجهة النظر الفلسفيّة، فإنّ هذا البحث يتعلّق بأنّ حقيقة الشيء هي نفس الحقيقة الوجوديّة الربطيّة بين هذا الشيء وبين المُظهر وهو الظهور؛ وهو ذلك الجانب الإشراقيّ للمسألة الذي يعود إلى الإفاضة والإضافة الإشراقيّة. ولكن من وجهة نظرها التطبيقيّة، فلها ثمرات كثيرة. فالأمر لا يقتصر على مجرّد القراءة والمرور. فهذه الأبحاث التي تجشّم المرحوم الآخوند [الملاّ صدرا] كلّ ذلك العناء من أجل تنقيحها وتطبيقها وتحليلها بهذا الشكل، ليست لكي تُراكموا حفنةً من المعلومات في أدمغتكم! فهذه المسائل موجودة في الأقراص المُدمجة أيضًا! إنّما هذا من أجل أن تضفوا صورةً أخرى على الجانب العمليّ لحياتكم ومعيشتكم؛ لكي يأتي هذا الفكر ويُؤثّر في أرواحكم، ويُحوّلكم بواسطة هذه المبادئ. وهذا هو ما يعنيه «صيرورة الإنسان عالَمًا كليًّا مُضاهيًا للعالَم الحسّيّ والعينيّ». هذه هي القضيّة. نعم، هناك بعض المسائل العلميّة الدقيقة؛ كأن تُطرح مثلاً مسألة هل يقع الجنس ضمن حدود الذات أم لا؛ وأن يثبت العلاّمة الطباطبائيّ من الجانب الآخر أنّه يجب إدخال الجنس في الحدّ، وأنّه لا يُمكننا التخلّي عن الحدّ الذي توجد فيه مشتركات الشيء ومميّزاته، ويجب علينا حتمًا التطرّق إلى ذلك الجانب الفصليّ؛ وأن يأتي الملاّ صدرا من الجانب الآخر ويقول: «كلاّ، الجانب الفصليّ فقط هو ذاتيّ الشيء، والجنس هو جهة الإبهام، ولا حقيقة له سوى ظهور ذلك الفصل». حسنًا جدًّا؛ والآن، إذا أتينا، وبحثنا في هذه الأمور نظريًّا فقط دون تطبيق، فلا ثمرة لذلك. في حين أنّه لا محصّل لكليهما؛ فكلاهما يُريد أمرًا واحدًا، والحديث عن مسألة واحدة، والاختلاف إنّما هو في التعابير وما شابه ذلك.

العبور من وهم الخيال والجزئيّات إلى فضاء الكلّيات والتوحيد - النظرة التكوينيّة للابتلاءات وخطر تمزيق وحدة الصفّ باسم الدين

12
  • ولكن، ليس هذا هو الموضوع، بل الموضوع هو ذلك الرجوع وتحوّل النفس ومطابقة الإنسان لنفسه مع هذه المسألة. يجب علينا أن نُدرك في المسائل الاجتماعيّة، أنّ حقيقة شؤوننا كلّها تعود إلى فصلنا الأخير الربطيّ بهذه المدرسة، لا إلى أشياء أخرى خاصّة بنا؛ كأن نكون ذكورًا مثلاً. هل نحن أبناء الحاجّ حسن المشهديّ؟ حسنًا، هو أيضًا ابن الحاجّ تقي المشهديّ. هل أمّنا هي السيّدة صغرى؟ حسنًا، هو أيضًا أمّه السيّدة كبرى. هب أنّنا كنّا نعيش في المدينة الفلانيّة؛ حسنًا، هو أيضًا كان يعيش في المدينة الفلانيّة. لديك هذا القدر من التعليم؛ حسنًا، هو أيضًا لديه تعليم أكثر منّا. كلّ هذه جوانب عارضيّة، والعارض يزول. إنّ جهة فصلنا الأخير ـ التي تُشكّل صورتنا العينيّة الخارجيّة والنفسيّة والشأنيّة ـ هي الانتساب إلى هذه القضيّة والمدرسة بالذات. يجب علينا أن نضع هذه النقطة والمسألة في الاعتبار.

  • ولهذا، ترون أنّ هذا الجانب العلميّ للمسألة يكتسب جانبًا تطبيقيًّا وعمليًّا؛ أي: نفس تلك الأمور وبنفس النحو والكيفيّة. وبالطبع، وفي رؤية واسعة، تصير دائرة الثمرات الناتجة عن هذه المسألة أوسع على مستوى المجتمع؛ ولكن، يجب علينا أن نعمل بما يخصّنا ويخصّ وضعنا.

  • المعرفة العميقة حصن منيع ضد الجهل والتطاول على العظماء

  • ما كان يقوله العظماء بأنّ: «أهل العلم لا يمتلكون الكثير من الموانع التي يمتلكها الآخرون»، فهذا هو المقصود من هذه القضايا. أي أنّه من خلال الإحاطة بهذه الأسس، يُمكن للإنسان أن يُحصّن وضعه أمام تلك السموم والميكروبات والفيروسات التي تتّجه نحوه وتريد أن تصيبه بالمرض؛ فبهذه المعلومات والاطّلاعات، يُمكنه أن يضع نفسه في ذلك الوضع المناسب، ليُحافظ على جانب الاعتدال؛ وهذا ما يُوجد في هذه المسائل العلميّة. أمّا الذين لا يدرسونها، فكلاّ؛ هؤلاء دائمًا مبتلون بهذه التوهّمات ومُعرَّضون لها.

  • أحضر أحدهم شريطًا لي قبل مدّة، حيث قام أحد هؤلاء الحمقى والأغبياء الذين لا يُميّزون الهرّ من البرّ (ليس في إيران بالطبع بل خارجها)، وبعد وفاة الشيخ بهجت رحمة الله تعالى عليه، بالحديث هناك وباللغة العربيّة أيضًا؛ قائلاً: «هذا الرجل كان مرتدًّا، وكان من القائلين بوحدة الوجود ووحدة الموجود، وكان كافرًا». وقال أشياء أخرى. واعتبر الجميع كفّارًا: العلاّمة الطباطبائيّ، والمرحوم القاضي؛ حتّى أنّه ذكر اسم المرحوم السيّد الخمينيّ. كان رجلاً قليل الفهم وعديم الأدب، وتحدّث بلهجة مُهينة جدًّا. لقد قال إنّ المرحوم العلاّمة أخبث من هؤلاء جميعًا؛ لأنّه استخدم الاجتهاد في سبيل تثبيت العرفان! ولهذا، يجب أن يكون أخبث من البقيّة؛ وأنّ أستاذه المرحوم الحدّاد لم يصل إلى خبثه، ولم يكن خبثه بمقدار خبثه؛ لأنّ أستاذه لم يكن من أهل الاجتهاد، ولكنّ هذا استخدم الاجتهاد في سبيل تثبيت وحدة الموجود؛ فهو خبيث جدًّا إذن.

العبور من وهم الخيال والجزئيّات إلى فضاء الكلّيات والتوحيد - النظرة التكوينيّة للابتلاءات وخطر تمزيق وحدة الصفّ باسم الدين

13
  • وبعدها، أدركنا أنّه يرتبط ببعض هؤلاء السادة! يجب أن يكون الإنسان قليل الفهم جدًّا ليتحدّث بهذه الطريقة وهذا الاستقبال... هل تصل الأمور إلى هذا المستوى في النهاية؟! إنسان متجرّئ إلى هذا الحدّ؟! وقح إلى هذا الحدّ؟! فحجّته هي: «بما أنّهم قائلون بوحدة الموجود فهم كفّار!». ثمّ يقرأ شعر حافظ، وشعر مولانا، ثمّ يترجمه إلى العربيّة. إنّه لأمر مضحك! حسنًا؛ استمعوا إليه إن وجدتموه! فهو مفيد قليلاً لهضم الطعام!

  •  

  • اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد