المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني
القسممباني الإسلام
المجموعةمحاضرات متفرقة
التاريخ 1433/02/14
التوضيح
هل للذكورة والأنوثة مكان في العوالم العليا وحقيقة النفس البشريّة؟ ما هو الفرق الجوهريّ بين صلاة الأولياء الخشّع والصلاة الشكليّة الخالية من التوجّه؟ لماذا يُهاجَم العرفاء والحكماء؟ وكيف تُهدم العقيدة بالتنازل عن مباني المدرسة الشيعيّة بدعوى احترام الجميع؟ وكيف تتجلّى الحرّية المطلقة ومقام الاستغناء الذاتيّ في أفعال سيّد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام ليلة عاشوراء؟ تُجيبك هذه المحاضرة القيّمة التي ألقاها سماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ (قدّس سرّه) عن هذه الأسئلة الدقيقة، مُبيّنةً المعيار الحقيقيّ لطلب الحقّ وضرورة الابتعاد عن التقديس الأعمى.
هو العليم
حرمة أولياء الله تعالى وضرورة الثبات على مبادئ التشيّع الأصيل
من نقد التديّن الشكليّ إلى تجلّيات الحرّية المطلقة في نهضة عاشوراء
مباني الإسلام، محاضرات متفرّقة، حرمة أولياء الله تعالى وضرورة الثبات على مبادئ التشيّع الأصيل
محاضرة ألقاها
آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ
قدس الله سره
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
التفسير العرفانيُّ لرجوعِ الكثراتِ إلى الحقيقةِ الجمعيّةِ وتجرّدِ النفوسِ
في سياق تكميل مباحث الأمس التي بيّنتُها للرفقاء بشأن مسألة «كيفيّة تحقّق الجمعيّة في عين الكثرة»، يتّضح أن رؤية أفلاطون رحمه الله تتماهى مع هذا التفسير؛ وسواء كان هذا نتيجةً لما أضفيناه عليها من بيانٍ وتهذيب، فإن حقيقة مسألته في الواقع تُشير إلى هذا المعنى. فبالتوجّه إلى حسن الظنّ بمقامه وكيفيّة إدراكه وشهوده لهذه المسألة، تقع هذه الحادثة، لا أنّه ليس كذلك.
وتُطرح في مباحث العرفان النظريّ هذه المسألة وهي أنّ الكثرات تفقد شيئًا فشيئًا ـ في السير الصعوديّ ـ جهة الكثرة فيها، وترجع إلى حقيقةٍ واحدةٍ جمعيّةٍ. ولا أدري أين نُقل هذا الأمر عن المرحوم الوالد، ولكنّني شخصيًّا قلت في بعض المجالس التي عُقدت في قمّ: إنّ النفوس الذكوريّة والأنثويّة في مرتبة عالم الشهادة هي على هذا النحو؛ ولكن في المراتب الأعلى، تتبدّل هذه النفوس كلّها إلى نفس واحدة. فهناك، لا تعود مسألة الذكوريّة والأنثويّة مطروحة. وفي البُعد الملكوتيّ السفليّ والمثاليّ، تتشكّل هذه المسألة، وتتحقّق، وتتّخذ طابعًا فعليًّا أو انفعاليًّا؛ وبعد ذلك، تتّضح هذه المسألة أيضًا في المثال والبرزخ بشكل جليّ جدًّا؛ وتبعًا لذلك، نُشاهد في عالم طبعنا المسألةَ بهذا الشكل.
بيد أنَّ هذه النفوس [بنوعيها الذكوريّ والأنثويّ] لا تتباين في حقيقتها الطولية؛ فهي جميعاً نفوسٌ آدميّة، والنوعان كلاهما يُمثّلان حقائقَ متّصفة بعنوان خليفة الله ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾.۱ ففي مقام النفس، لا تُطرح مسألة الذكوريّة أو الأنثويّة، بل الملحوظ هناك فقط حيثيّة خليفة الله واستجماع جميع الصفات والأسماء؛ ثمّ في عالم الطبع، ترجع هذه المسألة وهذه الظواهر إلى شكل جهتين متخالفتي الظاهر.
التمايزُ الفلسفيُّ بينَ الإبهامِ الماهويِّ للجنسِ والتشخّصِ الوجوديِّ الخارجيِّ
رجع الحديث في كلام أفلاطون والمُثُل النوريّة إلى المسألة التالية، وهي أنّ أفلاطون يعتقد بحقيقةٍ، وهذه الحقيقة ـ في عين إبهامها ـ لها تحقّق وتكوّن خارجيّ؛ أي إنّها واقعيّة، وهذه الواقعيّة طبيعيّة ومن مقولة الجنس التي يُمكن أن تضمّ أنواعًا مختلفة أو أصنافًا مختلفة؛ ومن هناك تتشكّل هذه المسألة. وقد قلت في ضمن ما بيّنته البارحة: إنّ الإبهام يكون دائمًا في مقام التصوّر الذهنيّ ويرجع إلى الماهيّات. أمّا الهويّة الخارجيّة التي هي عين التشخّص الخارجيّ، فلا تقبل الإبهام. وهنا، يُطرح السؤال: ما هي حقيقة تلك الهويّة الخارجيّة وذلك التشخّص الخارجيّ؟ إذا كان الأمرُ كما تقول الروايات إنّه: «أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللهُ نُورُ نَبِيِّكَ يَا جَابِرُ»٢ أو «أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللهُ العَقْلُ»٣ أو «أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللهُ نَفْسِي»؛ فهذه كلّها تدلّ على حقيقة واحدة وهويّة خارجيّة متشخّصة وجوديّة. حسنًا، لا معنى للإبهام هنا، لكي تنشأ من نقطة الإبهام هذه تلك الحقائق المتشخّصة المتعيّنة. أمّا نحن، فنشاهد هذا الأمر في بحث الطبيعة الجنسيّة. فالجنس حقيقة مبهمة؛ وهذه الحقيقة المبهمة وجودها فقط في الذهن ولا وجود لها في الخارج؛ ووجودها في الخارج أمر انتزاعيّ مصداقُه يُشكِّل وجودَه؛ لا أنّه يمتلك في حدّ ذاته حقيقة خارجيّة. تمامًا كما يأمر المولى في مقام الأمر بـ «لا تشرب الخمر»، حيث يتوزّع هذا النهي بـ «لا تشرب الخمر» بعدد الخمور على جميع خمور العالم؛ فأينما وُجد خمر، تحقّق هناك مصداق لـ «لا تشرب الخمر». ولكن، نفس قول المولى «لا تشرب الخمر» ليس أمرًا مُشخّصًا معيّنًا؛ لأنّ المولى عندما يقول: «لا تشرب الخمر!» لا يُشير إلى خمر خاصّ؛ كأن يُمسك زجاجةً بيده ويقول: «لا تشرب الخمر!». فالمولى يُشير دائمًا ـ في مقام الأمر ـ إلى أمر وطبيعة مُبهَمين؛ سواء في مقام النهي أم في مقام الأمر. وعندما يقول: «صلّ صلاة الظهر»، فأيّة صلاة يقصد؟ هل هي صلاة من ركعتين؟ أم من أربع ركعات؟ الصلاة التي تستغرق أربع دقائق؟ أم الصلاة التي تستغرق دقيقتين، مثل صلواتنا؟! صلاة الدقيقتين! فالزيادة عليها خسارة يضيع فيها العمر! فتلك الصلاة التي نُؤدّي بها التكليف فقط، أليس من المؤسف الزيادة عليها؟!
البَوْنُ الشاسعُ بينَ شهودِ الأولياءِ لحقيقةِ العبادةِ وقصورِ الفهمِ الظاهريِّ للمُنتقدينَ
كنت أطالع قبل عدّة ليالٍ روايةً تتعلّق بالصلاة؛ فالإمام الصادق عليه السلام يقول في الأساس: «عبد مؤمن..». وبحقّ، ما هي طبيعة إدراك هؤلاء للصلاة؟ ماذا كان إدراكهم، وماذا نُدرك نحن؟! ولا يخفى أنّ كلمة "إدراك" هي الصحيحة، لا كلمة "درك". ماذا كان إدراكهم؟! فقد نُقل أنّه: عندما كان الإمام السجّاد عليه السلام يُريد الاستعداد لصلاة الظهر، كان ينظر إلى السماء باستمرار؛ ليرى متى يحين وقت الصلاة.۱
ونحن أيضًا رأينا في زماننا العظماء والأولياء والعرفاء، وكيف كان حالهم يتغيّر قبل الأذان بربع ساعة أو عشرين دقيقة أو نصف ساعة، بحيث تضيق صدورهم عن الحديث والكلام مع أحد! فكانوا يَوَدّون قضاء هذا الوقت في حالٍ من الانتظار والتوجّه، ولم يكن ذلك منهم تصنّعًا أو تكلّفًا، بل كانت حالاً اضطراريّةً خارجةً عن اختيارهم وإرادتهم.
والآن، ننظر إلى أنفسنا، فنرى صلاة المغرب والعشاء تُؤدّى الساعة الحادية عشرة ليلاً، وصلاة الظهر والعصر قبل الغروب بعشر دقائق، وصلاة الصبح قبل طلوع الشمس بربع ساعة. نرى أنّ عملنا واقعًا يختلف عنهم قليلاً وشيئًا يسيرًا وبشكل مختصر؛ وكأنّ بيننا وبينهم فارقًا بسيطًا فقط!!
المعيارُ الحقُّ في تقييمِ العرفاءِ وتهافتُ ادّعاءاتِ المُنتقدينَ السطحيّينَ
وبحقّ، فإنّ هؤلاء الذين يقولون: «من يكونوا هؤلاء العرفاء؟!»، «من يكونوا هؤلاء الحكماء؟!» عليهم أن يخجلوا، ويستحوا! لقد حدّثني رجل رحمه الله بنفسه أنّه سمع من أحدهم يقول: «إذا لم نوقظ فلانًا من النوم، فإنّ صلاة الصبح تفوته وتُقضى!». والآن، تُوفّي هؤلاء الثلاثة جميعًا: الشخص الذي حدّثني، والشخص الذي نقل له هذه المسألة، والشخص المعنيّ بها؛ لقد توفّوا جميعًا. رحمه الله أستاذنا المرحوم الغرويّ، فقد كان يقول لي إنّه سمع هذا من رجل كان مسؤولاً في بيت أحد المراجع. ولن أذكر الاسم بعد هذا. فالواسطة هو أستاذنا المرحوم الغرويّ وهو معروف؛ غاية الأمر أنّني لن أذكر الطرف الآخر؛ فكلاهما قد توفّي، وأمرهما إلى الله تعالى! فما شأننا نحن! وكان ذلك الرجل صاحب رسالة عمليّة!
فكيف كان الإمام السجّاد عليه السلام، وكيف نحن الآن! هو نفسه قال: «إذا لم نوقظه من النوم، فإنّ صلاة الصبح تفوته!». لقد رأينا أمورًا! ثمّ نجد هؤلاء أنفسهم يذكرون في كتبهم: «العرفاء الكذّابون!». كلّما كنت أنهض، كنت أراهم [أي العظماء] يتحدّثون معًا من الليل حتّى الصباح، لا عن الشيكات والسندات وتوزيع الكتب والمريدين وهنا وهناك وهذه الأمور! فمن الواضح عمّا كانوا يتحدّثون، وما هي الأمور التي كانت تدور بينهم، والتي لم أقلها لأحد حتّى الآن! وعمّا كانوا يتحدّثون من أسرار توحيديّة، وحقائق توحيديّة، ومسائل. فانظروا إلى ماذا يفهم ذاك، وماذا يفهم هذا! وفي أيّ أفق هو ذاك، وفي أيّ أفق هو هذا!
هل التفتم؟! ثمّ يقولون في كلامهم: إنّ الناس يبعثون إليّ برسائل يسألون فيها ماذا يفعل المشايخ؟ مَن؟! هل تضعون العلاّمة الطهرانيّ والعلاّمة القاضي في مصافّ الشيخ فلان الذي تفوته صلاة الصبح وتُقضى؟! ماذا؟! الذي إن لم يوقظوه، قُضيت صلاته! هو بنفسه روى ذلك، ولم يكن يكذب، وكان المسؤول عن كلّ شؤون فلان! إن شئتم، فحقّقوا في المسألة وانظروا فيها! فأنتم أعلم بهذه المسائل، وأنا لا أعلم بها! لقد توفّوا جميعًا. وقد قال لي ذلك مرّات عدّة طوال حياته؛ لا مرّة واحدة! هكذا! إلى أين يجب أن نذهب؟ بِمَن يجب أن نتأسّى؟ لقد أضعنا الطريق كثيرًا! لقد سرنا في الطريق الخطأ كثيرًا! ذلك الرجل الذي ينهض ويذكر بنفسه في كتابه: «من تعمّم ولم يتحنّك فأصابه داء لا دواء له»،۱ لماذا لا يتحنّك أثناء صلاة الجماعة؟! لماذا؟! هل ستفسد عمامته؟! حسنًا، هذا هو الحال. حسنًا عزيزي، أَسدِلها، فلن يُصيبك مكروه. [لكنّه يقول:] «ماذا؟! انظروا! هذه الكاميرا تلتقط صورتي أيضًا! وطرف العمامة لا يخرج أبدًا! دعوني أرى أين وضعته! آه! هنا!». لكن، ما الإشكال في هذا؟! هل ستنطبق السماء على الأرض؟! حسنًا، لنأتِ ونلفّها مرّة أخرى! هنا! آه! لنربطها! ولنجلب هذه أيضًا إلى هنا! ولندخل طرفها إلى الداخل كي لا تظهر! جميل! جيّد! وحينئذ، فإنّ ذلك الشخص الذي سيقرأ هذا [أي التحنّك] في كتابي، ثمّ ينظر في الكاميرا، ويرى أنّني لا ألتزم به، ماذا سيقول لي؟!
وجوبُ الذبِّ عن ثوابتِ مدرسةِ أهلِ البيتِ
وهذا كلّه غيضٌ من فيضٍ! هذا فضلاً عن أنّنا لا نجد في سياق حديثنا ومسائلنا إلا «محيي الدين بن عربي» المسكين، فنصبُّ عليه كل ما يُمليه علينا هوانا؛ فمحيي الدين المسكين ليس له قوّة يتحصّن بها، ولا سلاحٌ في يده، ولا مُريدون يحوطونه؛ ولهذا، نستسهل النيل منه، أو نستهدف العرفاء لنحُمّلهم ما نشاء من الأقاويل. ولكنّ الناس بدأت تستفيق، وباتوا يَعون اليوم مكمن الحقّ، ويُميّزون أين يجدون مَعين الصدق!
هل تظنّون أنّه يُمكننا أن نكيل لمولانا [جلال الدين الروميّ] المسكين ـ الذي مات الآن وقبره في قونية ـ كلّ القاذورات التي نشاء، وننسب إليه كلّ أمر وقح، ولا يكون في ذلك بأس؟! ماذا؟! ثمّ نظنّ أنّ المسألة تُحلّ بمجرّد المجيء والذهاب! كلاّ يا سيّدي! سيتولّى الله تعالى تأديبَك في هذه الدار أو في تلك، حتّى تُدرك حقيقتك وتعود إلى رشدك! فلا تظنّ ذلك! ليس الأمر كذلك!
يجب أن نُحاسَب على كلّ كلمة نقولها! هل الأمر هيّن؟! أولئك ناكرو الجميل الذين يأكلون الملح ويكسرون المملحة، ويضعون أولياء الله في مصافّ هؤلاء في أحاديثهم، أمرهم عسير جدًّا! يقولون: «يجب احترام الجميع!». مَن يجب احترامه؟! أولئك الذين يُعلّمون الناس دين عمر وأبي بكر بدلاً من دين النبيّ صلّى الله عليه وآله؟! هل يجب احترام هؤلاء؟! لمجرّد أنّهم ألّفوا كتابين؟! كلاّ! نحن لا نحترم هؤلاء! نحن نحترم من يتطابق كلامُه مع سنّة رسول الله صلّى الله عليه وآله، ولا ننظر إلى كثرة الكتب! نحن نحترم من لا يسوق الناس إلى العادة السرّية بدلاً من الدعوة إلى الأخلاق. نحن نحترم من لا يقول: «أين جاء عمر وأبو بكر وقتلا ابنة النبيّ؟!»، ويُنكر هذه الحادثة! نحن نحترم من لا يأتي ويُنكر حديث القلم والقرطاس الوارد عن النبيّ صلّى الله عليه وآله، ويقول: إنّ هذه الرواية كاذبة من الأساس! نحن لا نحترم هؤلاء! لا نحترمهم بتاتًا!
أنا شخصيًّا عندما كنت أُدرّس في دار الشفاء، وكنت أتباحث مع الرفقاء، كنت أسلّم سابقًا على هؤلاء الذين كانوا يأتون؛ حتّى إنّني كنت أُصلّي خلفهم؛ ولكن، منذ أن رأيتهم يطرحون هذه المسائل، كنت أمرّ من أمامهم وأنظر في عيونهم، ولكن لا أسلّم عليهم! نحن لا نمازح أحدًا!
الغيرةُ المحمودةُ على المبادئِ الشيعيّةِ ومحوريّةُ اتّباعِ الحقِّ
العالم الشيعيّ لديه غيرة على المبادئ! مبادئ تشيّعنا هي عرضنا! لا معنى لأن يأتي كلّ من هبّ ودبّ ويقول أيّ هراء، ثمّ نقول: «يجب أن نحترم الجميع!». كلاّ، لا يجب الاحترام هنا! من قال: يجب الاحترام؟! هؤلاء الذين يقولون: «يجب الاحترام!» هم خونة! يخونون المذهب! أين هؤلاء من محبّة أهل البيت؟! وأين هم من الدفاع عن الثقلين؟! فمَن ينهض، ويقول في حديثه: «يجب احترام الجميع!» فهذا الرجل قد خان مدرسة إمام الزمان عليه السلام! خان الإمام المهدي! فسيذوق وبال أمره! هل يجب علينا الآن أن نتغاضى عن هذه المسائل مراعاةً للمصالح الاجتماعيّة؟! هل نغضّ الطرف؟! أبدًا! ليس الأمر كذلك. مدرستنا وطريقنا إلى النهاية هي مدرسة الأولياء والعرفاء الإلهيّين! والدفاع عن أهل البيت عليهم السلام هو جوهر مدرستنا. نحن لا نعرف سوى شخص واحد وهو حضرة بقيّة الله أرواحنا فداه وكفى؛ انتهى الأمر! كلّ من كان في طريق إمام الزمان فمرحبًا به! أيًّا كان؛ إن كان مرجع تقليد فمرحبًا به، وإن كان إمام جماعة مسجد فمرحبًا به، وإن كان مهندسًا وطبيبًا فمرحبًا به، وإن كانت امرأة غير محجّبة فمرحبًا بها، وإن كان شابًّا لا يُصلّي فمرحبًا به! المطلوب فقط هو أن يكون في طريقه! ما معنى هذا؟! يعني أن يكون في طريق البحث عن الحقّ. نحن لا ننظر إلى شعر الفتيات والنساء، ولا ننظر إلى وجود اللحية أو عدمها لدى الرجال. انظر ماذا في قلبه! هل يبحث عن الحقّ أم لا؟! إذا كان يبحث عن الحقّ، فمرحبًا به! أمّا إذا لم يكن يبحث عن الحقّ، كائنًا من كان، فهو خارج عن رؤيتنا ويُعدّ منحرفًا! كلّ من يبحث عن إمام الزمان عليه السلام، كلّ من يبحث عن الواقع، وليس من الضروريّ حتّى أن يعرف شخص إمام الزمان بعينه، بل يُريد أن يرى ما هو الحقّ، ويُريد أن يرى ما هو الواقع، فمرحبًا به! إذا كان مقرّرًا أن نسير في نفس الطريق الذي يسير فيه الآخرون، فبماذا نختلف عنهم؟!
كنت أرى رجلاً من بعيد وأنا في طريقي؛ قيل له: «أنت الذي تقول هذا الكلام، هل تعتقد به؟». قال: «ماذا أفعل؟ يجب أن أقوله! يأمرونني بأن أقوله، وأنا أقوله!».
إذن، ما الفرق بينك وبين ذلك السنّي الذي يُنكر ولاية عليّ عليه السلام؟! لقد أصبحتما واحدًا! لقد رفعوا سيف خالد فوق رأسه، وأنت أيضًا رفعوا فوق رأسك شيئًا ما! أنتم الاثنان سواء! حسنًا، ما الفرق؟! بماذا اختلفتما؟!
عندما وقعت عينه عليّ، أطرق برأسه. حسنًا إنّه يعرف.. يعرف أنّه لا ينبغي له أن يرفع رأسه هنا. مَن يتبع الحقَّ، يكون رأسُه مرفوعًا دائمًا؛ أينما ذهب فرأسه مرفوع. هذه وظيفة العالم. ثمّ ننهض، ونرى أنّه تُقال مسائل وأمور كدفاع عن الولاية! أيّة ولاية؟! فتجد الرجل يقضي تسعين عامًا يتعب من أجل الولاية؛ وفي النهاية، يقول: «زيارة عاشوراء لا سند لها»! هل هذا يُدافع عن الولاية؟! يُدرّس تسعين عامًا في الحوزة العلميّة؛ وفي النهاية، يُنكر حديث القلم والقرطاس! أي أنّه يُنكر أحد مباني التشيّع! وفي النهاية أيضًا لا يقبل! لم يقبل في النهاية، وقال: «رأيت أنّه سيحدث اختلاف، فقلت: لا يجب نشر الموضوع!». أيُّ اختلافٍ تتحدّث عنه؟! إنه لا اختلافَ في الأمر أبدًا! هل تقبل أم لا تقبل؟! وما معنى وقوع الاختلاف هاهنا؟! لماذا تتهرّب وتُراوغ؟! لماذا تتهرّب؟! لماذا تتحدّث بكلام ذي وجهين؟!
خيانةُ الكتمانِ والمداهنةِ في الدينِ تحتَ ذريعةِ درءِ الفتنةِ
ـ «رأينا أنّه: لأنّه سيحدث اختلاف، ويفرح العدوّ، قلنا: لا ينبغي نشر الموضوع!».
لقد أصبح اسم العدوّ هذا يُثير الغثيان؛ فكلّ شيء يُنسب إلى العدوّ! لا يوجد عدوّ! عدوّ التشيّع هو أنا الذي وقفت في الظاهر مدّة تسعين عامًا في وجه إمام الزمان، وفي النهاية نفثتُ سمّي! أنا عدوّ التشيّع! من هو العدوّ؟! يا عزيزي، هؤلاء جميعًا لا يُحسبون حتّى بعوضة! العدوّ هو نحن الذين نتحدّث عن اتّباع الإمام الصادق؛ وبكلامنا هذا، قد شهرنا السيف في وجهه عليه السلام! نحن العدوّ! يقول: «قلنا: لا ينبغي نشرُ هذا الموضوع، سيفرح العدوّ!».
يعني: إذا لم يفرح العدوّ، فكلامكم صحيح؟! يعني أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله لم يقل: «ائْتُونِي بِقَلَمٍ وَقِرْطَاسٍ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لا تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا»؟!۱ ماذا؟! هذا هو المعنى! يعني إذا لم يكن هناك عدوّ ولم يفرح، فهذا الكلام خاطئ، والنبيّ صلّى الله عليه وآله لم يقُله!
انظروا! هذا تلاعب بمباني التشيّع! والآن، لأنّه منّا، عليك أن تصمت! لا ترفعوا أصواتكم! لا يتكلّم أحد! العدوّ سيفرح! ماذا؟! العدوّ سيفرح؟! ذهب الكتاب! الآن، لديهم عشر نسخ منه في مكتباتهم! اذهبوا، وانظروا في الكويت والسعوديّة وأماكن أخرى! سأُريكم إيّاها! فلنذهب معًا لرؤية هذا الكتاب! أيّ عدوّ سيفرح؟! ما هذا الكلام؟!
فلا يجدون إلاّ مولانا [جلال الدين الروميّ] المسكين ومحيي الدين، وقد مضى على وفاتهما سبعمائة عام، ولا قُدرة لهما على الدفاع عن نفسيهما؛ فينهالون عليهما طعنًا وضربًا!
لكن، لو كانا هنا، وكانت لديهما سلطة، لما تجرّأ أحد على التفوّه بكلمة، وإلاّ لأذاقوه من الشدّة ما يُذكّره أيّام طفولته ورضاعه، غير أنّهما تُوفّيا؛ ومن المعلوم أنّ الميّت لا يُسمع له صوت. أجل، لقد توفّيا، ولكنّ إله مولانا حيّ، وإله محيي الدين حيّ!
رأيت في إحدى هذه المصنّفات مكتوبًا عن المرحوم العلاّمة: «لقد ألّف كتاب الروح المجرّد، وتحدّث فيه عن مسألة تشيّع محيي الدين!». وقد كتب أحد هؤلاء الذين نرجو ألاّ تكون لديهم إن شاء الله نية سيّئة: «أدعو الله تعالى أن يحشر صاحب كتاب الروح المجرّد مع محيي الدين». قلت: «إلهي آمين! اللهمّ آمين!»؛ ليحشر الله تعالى ابنه أيضًا مع محيي الدين! إلهي آمين!
النظرةُ المنصفةُ لتراثِ العرفاءِ وتنزيهُ المعارفِ عن التعصّباتِ المذهبيّةِ
انظروا إلى المسائل التي ما زلنا عالقين فيها بعد سبعمائة عام: «هل محيي الدين سنيّ أم شيعيّ؟»! أنا أقول في الأساس: «محيي الدين سنيّ!». حسنًا جدًّا.. محيي الدين سنيّ، لكنّه ليس مبغضًا لعليّ عليه السلام! ماذا؟! انهض واذهب واقرأ مواضيعه الجيّدة! أنا أقول في الأساس: «مولانا سنيّ!»؛ فهل هناك أكثر من هذا؟! حسنًا جدًّا، ألا تقولون أنتم الآن للسنّة: «تعالوا لنتّحد»؟! هل هذه هي وحدتكم؟! ألا تقولون الآن: «تعالوا لنتّحد»، ألا تقولون الآن: «لندع العناد جانبًا، لندع العداوة جانبًا، ولا نتحدّث عن الأمور الخلافيّة؟!». هذا المسكين كان يعيش قبل سبعمائة عام؛ تعالوا لتروا هل كان مبغضًا لعليّ عليه السلام أم محبًّا له؟! لا يُمكنكم إنكار أنّه كان محبًّا لعليّ عليه السلام! حسنًا جدًّا، قولوا: «يا سيّدي، نحن نُقبّل يدك أيضًا؛ شكرًا جزيلاً؛ تلك المسائل المتعلّقة بعمر، خذها لنفسك؛ وتلك المسائل المتعلّقة بعليّ عليه السلام، هي لنا!»؛ انتهى الأمر، وليس لدينا ما نقوله بعد ذلك. ما هذه الخسّة الذي نُبديها؟! حقيقةً، إلى أيّ مدى انحدر العالِم الشيعيّ؟! هل يجب في الأساس أن يُطلق على هذا اسمُ العالِم؟! واقعًا كم نحن بعيدون عن كلامنا ومسائلنا؟!
هذا هو معنى قولي: «إنّنا جميعًا نعبد الأموات»؛ وقولي في حديث البارحة أيضًا: «عندما يُهدّمون قبّة العسكريين، نُصاب بالهيجان، ونُقيم مواكب العزاء، ونُحدث ضجةً عظيمة». ما هي القبّة يا عزيزي؟ هي مجرّد لَبِنتين! يقولون: «جاؤوا، وقصفوها بالقنابل، وهدّموها!». حسنًا جدًّا، الآن، يبنونها من جديد بشكل أجمل؛ فيُشيّدونها بالخرسانة، ويصنعونها بالحديد، ويُدعّمونها! اذهب، وانظر مَن كان الإمامان العسكريّان عليهما السلام! مَن كان أئمّتُنا عليهم السلام! يا مسكين، لماذا تنظر ـ في النهاية ـ إلى الذهب واللبنات والقبّة والمنارة؟! مولانا [جلال الدين الروميّ] لو كان حيًّا الآن ـ وأنتم أردتم التحدّث عن الوحدة ـ هل كنتم ستقولون له هذا الكلام الذي لا يقوله حتّى أسوأ اللئام لبعضهم البعض؟! ألا تخجلون؟! لو كان حيًّا وقال: «يا سيّدي، أنا سنيّ؛ أقبل عمر كخليفة؛ وأنتم ترون عليًّا عليه السلام في أشعاري:
| از على آموز اخلاص عمل | *** | شير حق را دان منزه از دغل |
[يقول: تعلّم من عليّ إخلاص العمل، واعلم أنّ أسد الله منزّه عن الخداع].
حسنًا، تعالوا، فهذه هي أشعاري!». هذا، ناهيك عن تلك الأشعار العجيبة جدًّا الواردة في ديوان شمس، والتي تريد أن تُنزّل مقام الهوهويّة إلى مصداق العالم الناسوتيّ لأمير المؤمنين عليه السلام، والتي نقول في الأساس: «فلندعها جانبًا»! حسنًا، فأنتم تُقرّون بهذا المقدار من كلام مولانا بشأن أمير المؤمنين، فلماذا تتصرّفون تجاهه بخسّة؟! حسنًا، تعالوا وقولوا: «لقد ذكر الكلام الفلانيّ عن عمر. وهذا الكلام الذي قاله عن عمر وأبي بكر وعثمان وهؤلاء، ضعوه جانبًا، وما قاله عن عليّ عليه السلام، احتفظوا به! فنقرأ هذا، ولا نقرأ ذاك!». حسنًا جدًّا، نترك ذلك جانبًا؛ وفي نهاية المطاف، فإنّ ذلك لن يتسبّب لنا في الموت!
هل نحرم أنفسنا من كتاب المثنويّ الكبير هذا من أجل صفحة واحدة؟! يا سيّدي، مزّق تلك الصفحة، وارمها بعيدًا! ليرتاح بال الجميع! انتهى الأمر! مزّق صفحة من المثنويّ تتعلّق بالخلفاء الثلاثة! هل ارتاح بالك الآن؟! ماذا فيه أيضًا؟! ماذا في هذا الكتاب أيضًا لنأمر بتمزيقه؟! كلّ ما تذكره نُمزّقه؟! وحينئذ، خذ الباقي واقرأه!
أنتم الآن لديكم كتب فخر الدين الرازيّ في مكتبتكم وتقرؤونها! هل كان فخر الدين الرازيّ أفضل أم مولانا؟! أيّهما كان أفضل؟! مع أنّهم يقولون: «إنّ فخر الدين الرازيّ أصبح شيعيًّا في أواخر عمره». وهناك قول كهذا أيضًا. لديه ثلاثون مجلّدًا في التفسير، بحيث يُقال عنه:
| كوتاه سخن به اين درازى | *** | تفسير كبير فخر رازي! |
[يقول: أيُقال هذا إيجاز؟! إنّما هو بطولِ تفسير الفخر الرازي الكبير!]
لكن، ماذا يوجد فيه؟! لقد كتب ثلاثين مجلّدًا هكذا! بالطبع، هناك ـ حقيقةً ـ مسائل مفيدة في تفسيره، وقد طالعتها؛ وفي كتاب الإجماع هذا نفسه، نقلتُ أيضًا مسائل عن فخر الدين الرازيّ. فعُمرُه له، ومسائله الأخرى لنا! لم يحدث شيء! فلم نشتمه ولم نسبّه!
أصالةُ الحرّيةِ الفكريّةِ في مدرسةِ التشيّعِ ونفيُ الإكراهِ في الاعتقادِ
في الأساس، لا ينبغي لمدرسة علميّة أن تحطّ من قدرها، وتُدنّيه إلى درجة أن يضحك الناس عليها! يجب أن تكون المدرسة العلميّة دائمًا نموذجًا للبحث. وحينئذ، نجد أنّ هذه المسائل التي نكتبها، والله إنّ الناس لَيسخرون منها! لا أدري لماذا لا يفهم هؤلاء! الناس يضحكون على هذا الكلام! لقد مضى ذلك الزمان الذي كان يُنظر فيه إلى كلّ ما يقوله أيّ إنسان بنظرة القداسة فقط! نحن اليوم نعيش زمنَ تشكّل قاعدةٍ علميّةٍ لكلّ موقعٍ ولكلّ مجال؛ فلماذا يجب أن تكون حوزتنا العلميّة بعيدة عن هذه المسألة؟! بالطبع، تحسّنت الأمور قليلاً الآن؛ لكن، لقد ولّى ذلك الزمان الذي كانت تأتي فيه أوامر من جهة ما: «يا سادة، اتركوا بحث الفلسفة!».. لقد ولّت تلك الأزمان. ذلك الزمان الذي كانوا يدخلون فيه المجلس، ويرون أحدًا [من العرفاء أو الحكماء] يشرب الشاي أو القهوة، فيقول أحدهم: «اغسلوا كأس السيّد!»، وكان الجميع يحكمون بتكفيره، لقد ولّى ذلك الزمان! لم يعد ذلك الزمان موجودًا الآن! هذا التخبّط هو تخبّط للحفاظ على الوضع الحاليّ الذي لن يفضي إلى نتيجة! هذا لا ينفع! لقد أجبرنا العالَمُ على أن نكون أتباعًا للحقّ. وإن لم نكن كذلك، فسيضعنا جانبًا؛ وذلك في جميع المجالات وفي جميع الموارد!
وهذا الأمر موجود في كلّ مكان؛ فلا تظنّوا أنّ المسألة تتعلّق بهذا الأمر؛ ففي حوزتنا العلميّة أيضًا، الأمر هو بهذا النحو، من دون وجود أيّ فارق أبدًا؛ وذلك بأن يرى الإنسان مسألة حقّ في مكان ما ويتغاضى عنها، أو يرى مسألة حقّ ويتّبعها. فهذه حقيقة تكمن في صميم التشيّع وطبيعته؛ وليعلم الرفقاء أنّ مدرسة التشيّع بُنيت في الأساس على الحرّية! فلن تجدوا في أيّ مكان منذ زمن رسالة النبيّ صلّى الله عليه وآله حتّى الآن، وإلى زمان الإمام المهديّ أرواحنا فداه، أن يقول الإمام عليه السلام في موضع ما: «يجب أن تفعلوا هذا، ولا يجوز لكم التدخّل!».. لن تجدوا هذا بتاتًا! إذا قال الإمام لأحد: «يجب أن تفعل هذا!»، فلأنّه يعلم بأنّه يعتقد بهذه المسألة. هل رأيتم حتّى الآن الإمام الصادق عليه السلام يقول لأبي الدرداء أو ابن أبي العوجاء: «اذهب إلى التنّور»؟! هل قال ذلك؟! لم يقُل! لماذا؟! لأنّهما لا يقبلان الإمام الصادق عليه السلام.
الاستغناءُ الذاتيُّ للمعصومِ وتجلّي حقيقةِ الحرّيةِ الإلهيّةِ في نهضةِ عاشوراءَ
لِمَن يقول الإمام الصادق عليه السلام: «اذهب إلى التنّور»؟ يقوله لذلك الخراسانيّ. يقول: «إذا كنت تقبلني كإمام، وإذا كنت تقبلني كفرد مطّلع على المصالح والمفاسد في نفس الأمر والواقع، فاذهب إلى داخل التنّور!». فالاطّلاع هو الحدّ الأدنى، ونحن لا نقبل في حقّ الإمام عليه السلام بمرحلة الاطّلاع [وحسب]؛ لأنّ الإمام هو نفس الواقع! وهو متن الواقع! وهو واسطة الواقع! وهو مجري الواقع ومجراه! ما عساه أن يكون هذا الاطّلاع؟! الاطّلاع يتعلّق بنا نحن! الاطّلاع على المصالح والمفاسد هو لطلاّب المدرسة المبتدئين في طريق السير والسلوك.. هو للذي عندما أتحدّث معه، وبمجرّد أن ينظر إليّ، يُخبرني بماذا كنت أُفكّر بشأنه وأنا في الطريق. رفيقي يقول لي هذا! رفيقي هذا لديه اطّلاع على المصالح والمفاسد. أمّا أولئك الذين خطوا خطوة أعلى من هذا، كالأئمّة عليهم السلام ومن هم دونهم كالأولياء الإلهيّين، فالمسألة ليس مجرّد مسألة اطّلاع! والآن، هناك أمور أخرى لا يُمكن البوح بها. حاليًّا قلت باختصار: إنّ المسألة ليس مجرّد مسألة اطّلاع، بل حدّها الأدنى هو الاطّلاع على الواقع والإشراف على المصلحة.
الإمام الصادق عليه السلام لا يقول لابن أبي العوجاء: «انهض واذهب إلى التنّور!»؛ فلمن يقول ذلك؟ يقوله لمسلم، يقوله لشيعيّ، يذكره لرجل يقول له عليه السلام: «يا ابن رسول الله، أنت مُرْ، ونحن نبذل الأرواح!»؛ فيقول عليه السلام: «تُريد أن تبذل روحك، اذهب إلى التنّور! تفضّل! هذا في متناول اليد، لا حاجة لأن تذهب إلى المعركة، وتتلقّى ضربة سيف، ويمضي وقت طويل! هكذا نقدًا! ماذا؟! تُريد أن تبذل روحك؟ تفضّل نقدًا! حيًّا وحاضرًا! تفضّل!». إذن، لماذا تكذب؟! لماذا تقول: «يا ابن رسول الله، نحن نبذل الأرواح»؟! ماذا قال الإمام الحسين عليه السلام للناس؟ قال: «كلّ من يكون معنا، سيُقتل غدًا!». وهؤلاء الذين كانوا يقولون: «يا ابن رسول الله، تعال إلى جانبنا، في ركابنا، فقد أينع التمر وأثمرت الأشجار بكذا»، وكانوا يقولون هذا الكلام، تراجعوا جميعًا ليلة عاشوراء! جميعهم! فقال عليه السلام: «تريدون أن تبذلوا أرواحكم، حسنًا جدًّا! الآن أقول لكم: كلّ من يبقى الليلة، فأمره منتهٍ غدًا! وسيُستشهد غدًا! تريدون أن تبذلوا أرواحكم، تفضّلوا على بركة الله! لا تريدون، أطفئوا المصباح واذهبوا!». فغادر الجميع! فأين ذهب كلّ ذلك الكلام؟!
كلام الإمام الحسين عليه السلام هو نفس كلام الإمام الصادق. قال عليه السلام لذلك الرجل: «اذهب إلى التنّور!». والإمام الحسين عليه السلام قال أيضًا: «غدًا جميعكم ستستشهدون!». انظروا، كلاهما واحد؛ غاية الأمر أنّ الإمام الحسين عليه السلام لم يأمر؛ سيّد الشهداء لم يأمر هنا. حديثي هو هذا: «أليس الدفاع عن الإمام المعصوم واجبًا؟! لماذا لم يبقَ هؤلاء؟! ففي نهاية المطاف، الدفاع عن الإمام المعصوم واجب!». افترضوا الآن أنّ عدوًّا يُريد قتل الإمام عليه السلام؛ فمَن هو إمامنا الآن؟ نحن ليس لدينا سوى إمام واحد وهو في غيبة؛ إنّه إمام الزمان عليه السلام! ماذا نفعل؟! ليس لدينا التوفيق ليكون لدينا أكثر من إمام واحد! هذا يتطلّب توفيقًا يا سيّدي! هذه الأمور كلّها تتطلّب توفيقًا! الله تعالى يُعطي هذا التوفيق لأحدهم، ولا يُعطيه لآخر! نحن لا توفيق لنا! فليَزِد اللهُ تعالى من عدم توفيقنا هذا!
هل طالعتُم رسالة المرحوم السيّد [أحمد الكربلائيّ] إلى الشيخ محمّد حسين [الكمبانيّ] في كتاب التوحيد العلميّ والعينيّ: «للأسف أذنه صمّاء عن هذه الأمور! اللّهمّ زدها صممًا عن هذه المسائل والكثرات!».۱ يقول المرحوم السيّد أحمد للشيخ: «للأسف أو لحسن الحظّ، فقد جعل الله آذاننا صمّاء عن سماع غيره والكثرة! اللّهمّ زدها صممًا!». نحن لا نرى سوى التوحيد! نحن لا نرى سوى إمام واحد! نحن لا توفيق لنا! نحن لدينا التوفيق لنرى إمامًا واحدًا فقط! لِيَزِد اللهُ من عدم توفيقنا هذا حتّى الموت، لكيلا نرى سوى إمام واحد حتّى الموت!
افترضوا الآن أنّ حياة الإمام عليه السلام في خطر، وأنّ بعض الرجال كمنوا له لقتله؛ فهنا، يجب عليك أن تقف في طريقهم، وتُقتل، ولا تدعه يموت. الدفاع عن الإمام المعصوم واجب شرعًا. فلماذا لم يفعلوا هذا ليلة عاشوراء؟! وكلّهم كانوا يعلمون ذلك أيضًا! لماذا لم يفعلوه؟! ماذا؟! فلأنّ الإمام الحسين عليه السلام حرّ، فإنّه قال: «طريقي هو هذا؛ إن شئت فهذا، وإن لم تشأ فاذهب».
أي أنّه بلغ هذا الحدّ من الحرّية حتّى إنّه لا يذكر لهم الحكم الشرعيّ الواجب! لا يقول: «إلى أين تذهبون؟! أنتم تشترون جهنّم لأنفسكم!»؛ فلا يُخبرهم بالحكم الشرعيّ بأنّه يجب عليكم الدفاع عن إمامكم! يقول: «حسنًا، في نهاية المطاف، هم أنفسهم يعلمون». وهو من منطلق العظمة والجلال والحرّية لا يُبيّن لهم هذه المسألة. في الأساس، يخجل الإنسان من إطلاق اسم الحرّية على مثل هؤلاء الأفراد! هؤلاء أحرار، بل هؤلاء ـ في الأساس ـ يتبوّؤون أقصى مراتب الحُرّية، مُتلبِّسين بإطلاقها التام.. حرّية لا تنبع من تعدّي النفس، بل تنبع من الحرّية المطلقة لله تعالى وتنبع من مقام الاستغناء. الإمام الحسين عليه السلام كان حرًّا، لكن ليس كحرّيتنا. فالكثير من الحرّية التي نمتلكها هي حرّية متكبّرة. فالعرب في شبه الجزيرة العربيّة كانوا كذلك أيضًا. ففي بعض الأحيان، كان يحدث أن ينزلوا إلى ساحة المعركة مثلاً ولا ينظرون حتّى خلفهم. فإذا جاء أحد من الخلف، يقول: «أنت لست برجل! لو كنت رجلاً لأتيت من الأمام!»؛ وكان ذلك الشخص يأتي ويقطع عنقه، ولكنّ هذا الرجل لا يلتفت لينظر! كان يأنف من الالتفات والنظر! هل اتّضح هذا؟ هذا لا نفع فيه! هذا نابع من أنانيّة النفس! الآن، هناك الكثير من الشيوعيّين، ولكنّهم يقولون: إنّنا نثبت على مبادئنا، ونمضي حتّى الموت! ألم يكونوا في زمان الشاه يقفون بثبات؟ هم في الأساس لا يقبلون. هل اتّضح! يعني: عندما تقع النفس في مقام التفاخر والتظاهر وما إلى ذلك، فإنّها لا تتنازل. الآن، لو قيل لهذا الشيوعيّ نفسه: «سنُغرقك في الماء بحيث لا يشعر بك أحد ولا يعلم بك أحد»؛ فجأة، تراه ينهار! في السابق، كانوا يقولون هذا للبعض. كانوا يقولون: «سنُغرقك خفيةً، ولن يشعر بك أحد! وسنُلصق بك تهمة أيضًا!»؛ والتهم ما شاء الله يُمكن تلفيقها حتّى السقف، وتوجد في كلّ متجر! فجأة، تراه قد استسلم وانهار! حينها، يقول: «لا!»؛ لأنّه يريد أن يعلم الناس. فهو يتقدّم طالما أنّ الناس يعلمون؛ وبمجرّد أن يرى أنّه لا يوجد أحد ولا خبر، ينهار! إذن، من الواضح أنّه ليس حرًّا، بل هذا عبد للنفس.. هذا عبدٌ للنفس ظهر بهذا الشكل الآن، ويُريد أن يُبرز نفسه. الحرّ هو ذلك الذي يثبت على عقيدته ومبدأه، سواء علم به أحد أم لم يعلم.. ذلك الرجل هو الحرّ.
الحرّية التي يمتلكها الإمام الحسين عليه السلام، لم تكن حرّية نابعة من التأسّي بالنفس! ذلك الذي كان من جيش يزيد، ويعرّف الإمام الحسين عليه السلام بهذا الشكل: «إنّ نفس أبيه بين جنبيه»،۱ أو كما قال البعض مثلاً: «إنّ نفسًا أبيّةً [لـ] بين جنبيه»،٢ يعلم أنّ حرّية الإمام الحسين عليه السلام نابعة من مقام الاستغناء.
مرّة، قال أحدهم في خطبته: «إنّ نفس أبيه بين جبينه»؛ لكنّ هذه العبارة خاطئة. فجبين يعني الجبهة. لا يقولون: «بين الجبين»؛ لأنّ النفس ليست بين الجبين. فجنبيه تعني في قلبه وصدره.
هذه الحرّية للإمام الحسين عليه السلام ترجع إلى استغنائه الذاتيّ؛ وهذا الاستغناء الذاتيّ هو الاستغناء الذاتيّ لله تعالى الذي يتجلّى الآن في سيّد الشهداء. وعندما يكون الأمر كذلك، فهو حرّ دائمًا. هل رأيتم الله تعالى يومًا عبدًا لأحد؟ كأن يضع طوق العبوديّة لأحد في عنقه؟ الإمام الحسين عليه السلام كذلك أيضًا. سواء جاء الأوّل والآخر أم لم يأتوا، فهو حرّ. ظاهره وباطنه واحد. سواء شاع الأمر أم لم يشع، فهو واحد؛ لا فرق. سواء جاء الناس أم لم يأتوا، فهو واحد. لو انضمّ كلّ جيش عمر بن سعد البالغ ثلاثين ألفًا فجأة إلى الإمام الحسين عليه السلام يوم عاشوراء، فكأنّ شيئًا لم يكُن.. سيستمرّ في النظر إلى الجدار!
لِيَذهب كلّ هذا الجيش البالغ ثلاثين ألفًا ليلة عاشوراء! مع أنّه لو بقي هؤلاء من ليلة عاشوراء حتّى يومها، لربّما تغيّر مشهد عاشوراء؛ كأن نفترض مثلاً أنّه جاء ألف من هؤلاء. فالميل يختلف أخيرًا. لكن، عندما ذهبوا، نظر إليهم الإمام عليه السلام هكذا، حيث ثبت ثلاثون أو أربعون رجلاً فقط. لا فرق أبدًا. لماذا؟ لأنّه يمتلك استغناءً ذاتيًّا، لا استغناءً عرضيًّا. فالاستغناء العرضيّ الذي نمتلكه نحن يعتمد على السلاح. يجب أن تنطلق الرصاصة! وإذا لم تنطلق، ننزعج. فجأة تُطلق! فيسقط الطرف الآخر مغشيًّا عليه. أنا أتحدّث عن نفسي. يقول: «لتنطلق هذه! نعم، نعم، يجب أن تفعلوا هذا! أن تفعلوا كذا! وماذا تفعلون!». وإن لم تنطلق، يقول: «عجبًا، لماذا لم تفعلوا هذا؟».
أمّا الإمام الحسين عليه السلام، فاستغناؤه ذاتيّ. سواء انطلقت الرصاصة أم لم تنطلق، فكلاهما واحد. سواء كان معه أحد أم لم يكن، فهو واحد. سواء كان هناك ألف رجل أم لم يكن أحد، فهو واحد. هذا ما يُسمّى بالاستغناء الذاتيّ. الاستغناء الذاتيّ مختصّ بالله تعالى. فما هو الإمام الحسين عليه السلام إذن؟ هو التجلّي الأتمّ لله! هذا التجلّي الأتمّ هو مُنزّل الأسماء والصفات الأتمّ لله. وهنا، يجب النظر إلى الإمام الحسين عليه السلام، لا إلى أحد آخر! وهنا، تُصبح قصّة عاشوراء درسًا لنا. يجب أن ننظر إلى الإمام الحسين عليه السلام وإلى عمله وبرنامجه. حسنًا الآن، ابنُه الإمام المهدي عليه السلام هو كذلك أيضًا؛ يعني نسخة واحدة ضُمّت في زمانين.
ونحن ليس لدينا سوى هذا الإمام الواحد؛ ففي البداية والنهاية والقيامة وما دام الله إلهًا، يكفينا هذا الإمام الواحد، ولا نُريد شيئًا آخر! لا نُريد أيّ شيء آخر! ما دام الله إلهًا، يكفينا هذا الإمام الواحد الذي لدينا الآن.
| أولئك آبائي فَجِئني بمثلهم | *** | إذا جمعتنا يا جرير المجامع |
أين ذُكر هذا الشعر؟ يجب أن يكون في كتاب المطوّل؛ وأظنّ أنّه في المغني أيضًا.. كان في المطوّل. حسنًا، المسألة هي هذه، أنّه ماذا نفعل الآن وكذا! هذا يبعث على الكثير من الاعتبار لنا نحن أنفسنا.
التمييزُ الدقيقُ بينَ السالكينَ الحقيقيّينَ ومُدّعي التصوّفِ عبرَ الشواهدِ التاريخيّةِ
حسنًا جدًّا، هذا أيضًا نحسبه من درس الأخلاق لليوم الأخير [من الأسبوع الدراسيّ]! كنّا نريد اليوم مثلاً بيان مسألة المُثُل الأفلاطونيّة؛ فالمُثُل الأفلاطونيّة قد تعلّقت بنا ولن تتركنا قريبًا. إن شاء الله تعالى يكون في ذلك خير. كلّ ما يأتي فهو حسن.
ذهبنا مرّة إلى كرمانشاه ـ في العام الماضي، أو قبل الماضي ـ مع اثنين أو ثلاثة من هؤلاء الرفقاء. ذهبنا إلى مكان كانت فيه صور العلماء كثيرة جدًّا؛ وكان رجل من أقارب والدتي يُرينا إيّاها، وكان يقول: «هذه صورة جدّكم». كان يُرينا إيّاها واحدة تلو الأخرى. كنت أنظر هكذا إلى هذه الصور، باحثًا عن صورة تخصّ الآغا محمّد علي البهبهانيّ الذي هو ـ من جهة أخرى ـ جدّ أمّنا أيضًا. أردت أن أرى أيّها من بين هذه الصور؟ فقد كان معروفًا بقاتل الصوفيّة! كان يقتل العرفاء. لقد قتل عددًا من العرفاء، مثل معصوم علي شاه، وبُدلاء.
قال له بُدلاء: «إذا أردت قتلي، فستذهب إلى القبر قبلي!».
فقال: «أنا لا أعتني بكلامك هذا!».
وأمر بقتله. ثمّ كان يمرّ من تحت سقف، فانهار السقف على رأسه ومات. فكان الناس يُشيّعون الجنازة قائلين: «ارتحل عن دار الفناء، حجّة إسلامنا! أدركنا! يا مهديّ صاحب الزمان!». مرّ أحدُهم من هناك، وقال: «أرأيتم أنّني قلت لكم إذا أردتم قتلي ستذهبون إلى القبر قبلي!». كانت جنازة بُدلاء ملقاة على الأرض، وكانوا يحملون الشيخ البهبهانيّ لدفنه. وبالمناسبة، كان ذلك في منزل جدّنا؛ وقد دُفن هناك أيضًا. وكان على قبره حجر كريم.. كان حجرًا كريمًا جدًّا. كانوا يقولون: «لقد جاء الكثيرون لسرقة هذا الحجر».
ثمّ بينما كنت أنظر هكذا، وقعت عيني على رجل، فقلت: «أنا لا أدري من هذا؟». رأيت أنّ ملامحه توحي بأنّه قاتل! ورأيت تحتها مكتوبًا: «الآغا محمّد علي البهبهانيّ»!
انظر، يبدو أنّ القلوب شواهد! قلت: «من بين هذه الصور، ملامح هذا تُوحي بأنّه قاتل!».
وحينها، لم يُعجِب ذلك الرجل الذي كان من أقاربنا ما قلته! فقد كان يُريد أن يمدحه مرارًا، فقلت أنا أيضًا: «نعم، هل تقصد هذا القاتل؟».
جاء ليمدحه، فقلت: «نعم يا سيّدي! لقد أخذ هذا أولياء الله والأبرياء، وقتلهم هكذا».
فقال: «إذن، أنت لست ضدّ الصوفيّة؟».
قلت: «ما هو الصوفيّ؟! أنا نفسي صوفيّ!» أجل، إذا تقصد أولئك المتصوّفين أهل المكر والخداع وتضليل الناس، فيوجد بيننا منهم أيضًا! حسنًا، لو كان الآن هناك اثنان من هؤلاء المتصوّفة، فما الإشكال؟! ألا يقول حافظ:
| صوفي نهاد دام و سر حيله باز كرد | *** | بنياد مكر با فلك حيله باز كرد |
[يقول: نَصَبَ الصُّوفيُّ شِراكَهُ، وشَرَعَ في حِيَلِه، وأسَّسَ بُنيانَ المَكْرِ مُجارِيًا الفَلَكَ الخَدَّاع].
مرّة، قُلت للمرحوم العلاّمة: «يقول حافظ»، فقال: «ماذا قلت يا سيّدي؟ قُل: "حافظ مى فرماید!۱"».
لدينا متصوّفة هكذا أيضًا! ومن جهة أخرى، لدينا في شعره كلام عن الصوفيّ الآخر أيضًا:
| صوفي ابن الوقت باشد اي رفيق | *** | نيست فردا گفتن از شرط طريق |
[يقول: الصوفيّ هو ابن الوقت يا رفيق، وليس من شرط الطريق التسويف]
لا، هذا ليس لحافظ.
فمن جملة أشعاره الأخرى التي يمدح فيها الصوفيّ:
| كه اي صوفي چه در انبانه دارى | *** | بيا دامى بنه گر دانه دارى |
| جوابش داد گفتا دام دارم | *** | ولى سيمرغ مى بايد شكارم |
[يقول: فيا أيّها الصوفيّ ماذا في جُعبتك، تعال، وانصب فخًّا إن كان لديك حبّ.
فأجابه قائلاً: لديّ فخّ؛ ولكن، يجب أن أصطاد به طائر العنقاء].
في كلّ مكان، هناك من كلّ نوع؛ هناك السيّئ وهناك الجيّد. العالِم هكذا أيضًا؛ فهناك العالم السيّئ أيضًا! ألم يكن كسرويّ عالمًا؟! ألم يكن السيّد ضياء الطباطبائيّ عالمًا؟! ألم يكن تقوي عالمًا، وهو الذي كان رئيس ديوان رضا شاه، وكانت غرفته في هذه المدرسة الفيضيّة نفسها؟! السيّد ضياء تقوي كان زميل بحث ودراسة للسيّد الخمينيّ، وكانت لديه إجازة اجتهاد أيضًا. ألم يكن للعلاّمة الوحيدي ثماني عشرة إجازة اجتهاد من النائينيّ؟! ثمّ جاء، ونزع الحجاب، وأحضر زوجته حاسرة الرأس إلى مجلس كشف الحجاب في كرمانشاه، وأصبح عضوًا في مجلس الشيوخ، حتّى قتلوه! يعني: من بين أولئك الذين قتلوهم بعد الثورة، وقتلوهم بحقّ.. أحدهم كان هذا. لقد قُتل الكثيرون بغير حقّ، ولكنّ الذين قُتلوا بحقّ، كان من بينهم هذا الوحيدي وعضو مجلس الشيوخ علي دشتيّ. وحينها في مجلس في قمّ نفسها، كان علماء قمّ هؤلاء يعترضون على مقتل العلاّمة الوحيدي ـ المرتدّ عديم الدين ومن عُملاء كذا، والذي ساهم في كشف الحجاب ـ قائلين: «ما الذنب الذي اقترفه ليُعدم؟». وكان والدنا المرحوم ـ الذي كان في ذلك المجلس ـ يقول: «لعنة الله عليه!»؛ هكذا بصوت عالٍ! فخرس الجميع! خرسوا جميعًا. كان يجب أن يُعدم ألف مرّة؛ فإعدامٌ واحدٌ كان قليلاً جدًّا في حقّه! فانظروا إلى دين الناس بِيَد مَن هو؟! من جاء بكشف الحجاب، وقال شعرًا بلا حياء:
| به شرع أحمد مرسل، حجاب واجب نيست | *** | ... |
[يقول: في شرع أحمد المرسل، الحجاب ليس بواجب...]
هذا الشعر كان لهذا العلاّمة الوحيدي. كان مرتدًّا ولئيمًا، وكان من أقارب أمّنا. يبدو أنّ جميع أقاربنا كلّ واحد منهم ـ ما شاء الله تعالى ـ أفضل من الآخر؛ فجاء، وتلا شعره هذا.
في ذلك الزمان، كانت قمر الملوك وزيري تقرأ شعره هذا في إذاعة ذلك الزمان. وحينها، جاء ذاك، وقال: «ما الذنب الذي اقترفه ليُعدم؟».. انظروا إلى مستوى إدراك الناس!
اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد