/ ۲
  • fullscreen

أسئلة و أجوبة (رجال) – ج٦

1
  •  

  • هو العليم

  •  

  • تصنيف المحاضرة: أسئلة وأجوبة جبل عامل جلسة الرجال ج٦

  •  

  • عنوان المحاضرة: حقيقة السلوك، والعلاقة الباطنية بين التلميذ والأستاذ، و ... 

  •  

  • آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ

  • قدس الله سره

  •  

  •  

أسئلة و أجوبة (رجال) – ج٦

2
  • أعوذ بالله مِنَ الشيطان الرجيم

  • بسم الله الرحمن الرحيم

  • والصلاة والسلام على سيّدنا ونبيّنا أشرف الأنبياء والمرسلين وخاتم النبيّين أبي القاسم محمّد

  • وعلى آله الطيّبين الطاهرين واللعنة على أعدائهم أجمعين

  •  

  • تعريف مُبَسَّط للعرفان والسير والسلوك

  • سؤال مِنَ الحضور: (...)۱ مشكلة البعض أنّهم لا يفهمون العرفان جيّدًا وطريق السير والسلوك كما يجب، يعني هناك بعض الأمور الغامضة فيها، فإذا تحبّون [أن توجّهوا] بعض النصائح فيما ترونه صالحًا للجميع إن شاء الله.

  • جواب سماحة السيّد:

  • سمعتُ مِنَ السيّد الوالد (قدّس الله روحه) أنّه سمع مِن أستاذه الشيخ محمّد جواد الأنصاريّ يقول: السير السلوك ينحصر في الأشكال الخمسة: الواجب والحرام، والمستحب، والمكروه، والمباح. وحقيقة السير والسلوك هي العبور عن الدنيا والشهوات والعبور عن النفسانيّة وهي انكشاف الحقائق. والحقيقة هي الله تعالى، وهناك آيات كثيرة في القرآن تحكي عن هذا المعنى {ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ}٢، يعني جميع الأمور الّتي نراها في هذا العالم مِنَ العوامل والمؤثّرات والأسباب، إذا نظرنا إليها بأنّها مستقلّة في التأثير فهذا باطلٌ؛ مثلًا إذا أفادنا شخص فائدة ما، أو قدّم لنا عملًا ما، ونظرنا إليه بأنّه هو المؤثّر في هذا العمل، فهذا شرك وباطل وهو مصداق قوله تعالى {وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ}. أو مثلًا إذا اعتبرنا أنّ هذا الدواء يؤثّر في الصحّة بدون إرادة ومشيئة الله تعالى، فيكون شِركًا. فإذا نظرنا إلى أيّ شيء في العالَم بأنّه المؤثّر التامّ والمستقلّ في التأثير فهذا هو الباطل. ونحن نرى أنّ آراء وأفكار جميع الأفراد هي كتلك الآراء والأفكار؛ يعني أنّهم لا يرون أبدًا أنّ الله تعالى هو المؤثّر الوحيد في جميع الأمور، وهذا عكس الحقيقة وعكس ما ألقاه علينا الإسلام والأولياء.

  • سبب نزول الشرائع هو إخراج الناس مِنَ المجاز إلى الحقيقة

  • وفي الحقيقة فإنّ الإسلام والشرائع [المُنزلة، أُنزلت] لهذا السبب؛ يعني أنّ الشرائع تفيد الإنسان بحقيقةٍ مغايرة لما نحن مُبتلين به، وفي الواقع فإنّ المسائل الحقيقيّة والنفس أمريّة هي غير ما نراها؛ كما لو شخصًا مثلًا يرى أنّ صحّته جيّدة، فإذا راجع الطبيب وعاينه وأرجعه إلى المراكز الصحيّة والطبيّة ينكشف حينئذ أن حاله خلاف ما كان يظنّ، بل هو مبتلى بجميع أنواع الأمراض والابتلاءات، فحال الإنسان في هذا العالم هو بهذا الشكل؛ فهو يرى أنّه ذو صحّة جيّدة وذو استقامة وأنّ ليس فيه مرض وليس عليلًا ولا مبتلى، ولكنّه في الحقيقة مريض، كما قال الله تعالى في القرآن الكريم في آية{ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ}٣، فهذا الغطاء الّذي هو غطاء الجهل هو حاجب لأعين جميع الناس عن رؤية الله تعالى، فيرون فقط أنفسهم والأسباب والعلل [الظاهريّة] ويرون أنّ كلّ شيء مؤثّر في هذا العالم سوى الله تعالى، مع أنّ الأمر خلاف ذلك، وجميع الآيات في القرآن تتحدّث عن هذا المعنى، وكذلك روايات الأئمّة عليهم السلام، بأنّهم رأوا ما لم نقدر على رؤيته ووصلوا إلى مرحلة ومرتبة لم نصل إليها؛ كالطفل الّذي لا يدري ما هي الكهرباء ونحن نخبره أنّها شيء عجيب وخطير، ولكنّه [قد] يصل إلى مرحلة يتعرّف فيها على حقيقة الكهرباء وكيفيّتها. أمّا نحن فلا نقدر أبدًا أن نعلم حقيقة الله تعالى وحقيقة هذا العالَم وجميع العوالم فوق هذا العالَم الماديّ، ولهذا السبب فإنّ الله تعالى أرسل الرُسل وأنزل الكُتب بلطفه وإحسانه وإنعام منه على العباد، وهذا هو السبب الوحيد لإنزال الكتب وبعْث الرُسل؛ هذا يعني إخراج الإنسان مِنَ الجهل والهاوية وإخراج الإنسان مِن عالَم المادّة والشهوة، وإدخاله في عالَم الرحمة والحقيقة حيث لا يرى إلّا الله ولا يسمع إلّا مِنَ الله ولا يلمس إلّا الله تعالى ولا يحسّ إلّا بالله تعالى، كما في الحديث القدسيّ المرويّ عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم «عبدي أطعني حتّى أجعلك مِثْلي (أو مَثَلي) أقول للشيء كن فيكون وتقول للشيء كن فيكون»٤ورواية «لا يزال يتقرب إليّ عبدي المؤمن بالنوافل حتّى أكون سمعه الّذي يسمع به وبصره الّذي يبصر به ويده الّتي يبطش بها»٥؛ هذا يعني أنّ كلّ أفكار الإنسان تتبدّل وكلّ آراءه تتغيّر فتصير آراءً حقيقيّة، أمّا الآن فآراؤنا جميعًا – بدون فرق بيننا – مجازيّة، آراؤنا وأفكارنا كلّها مجازيّة ..

  • معنى كون أفكارنا وآرائنا مجازيّة

  • سؤال مِن أحد الحضور: ماذا يعني أنّ [أفكارنا مجازيّة] ؟

  • جواب سماحة السيّد: يعني نحن لسنا مطّلعين أبدًا على المسائل الحقيقيّة وما وراء المادّة؛ نحن نفكّر الآن أنّ لله تعالى قدرة بخصوصيّة معيّنة ونتخيّل أن الله تعالى فوقنا أو فوق السماء وأنّه شخص عظيم له قدرة وحياة بشكل معيّن إلّا أنّها أقوى مِن حياتنا وقدرتنا، غير أنّ الأمور خلاف ذلك والحقيقة غير ذلك، فهناك مرتبة إن وصل إليها الإنسان سيرى أنّ لا قدرة في العالَم إلّا قدرة واحدة وهي قدرة الله تعالى.

  • عندما آخذ هذا الصحن الآن، فأنا أرى أنّ هذه القدرة الّتي بيدي هي قدرتي وليست قدرة غيري، وكذلك أنتم فعندكم قدرة على أخذ الأشياء ولا تعتبرون أنّ القدرة الّتي في جسدكم هي عين القدرة الموجودة في الجسم الآخر، هذا صحيح، وكذلك القدرة في كلّ فرد جالس في هذه الغرفة، فالقدرات [متعدّدة] بعدد الأفراد الموجودين في هذه الغرفة، فالقدرة الموجودة في جسمكم غير القدرة الموجودة في الآخر وهكذا، وكذلك الحياة الّتي تعيش بها هي غير الحياة الّتي أعيش أنا بها، وكذلك الأمر في الأمور الأخرى، كالفكر الّذي في وجودكم غير الفِكر الّذي في غيركم، وكذلك الصفات والغرائز الّتي في شخص هي مغايرة للغرائز الموجودة في شخص آخر، وهذا مِن أوضح المطالب. ونحن نفكّر في الله تعالى بهذا الشكل، بأنّ قدرته غير قدرتنا وإرادته غير إرادتنا ومشيئته غير مشيئتنا وحياته غير حياتنا وأنّنا نعيش في الدنيا سبعين أو ستين سنة ونموت والله تعالى يعيش بلا موت، هذا والحال أنّنا لا نفهم أنّ هذه الحياة الّتي نحن نعيشها هي نفس حياة الله تعالى، ولهذا قلتُ أنّ تلك المسائل الّتي [نفكّر فيها] كلّها مجازيّة.

  • فالحقيقة هي غير ما نفكّر به، بل الحقيقة وراء ذلك؛ فنحن لا نفهم أنّ في العالَم إرادة واحدة هي إرادة الله تعالى، [ولن نفهم ذلك] حتّى نصل إلى تلك المرتبة الغيبيّة وهي المرتبة الّتي نفهم فيها هذا المعنى ونحسّه ونجده في أنفسنا، والعرفان هو هذا، العرفان هو كشف للمسائل المجهولة وكشف لستار الحقيقة، هذا هو العرفان؛ العرفان هو انكشاف الحقيقة الّتي هي الله تعالى وحسب. والعارف ينظر إلى هذه الأشياء، ولكن بنظرة آلية لا بنظرة استقلاليّة، فالعارف يرى أنّ كلّ ما في العالَم مِن القدرة والإرادة والتأثير والأسباب والمسبَّبات لها منشأ واحد، وهذا المنشأ هو الله تعالى، ولكنّ الأفراد لا يفهمون ذلك أبدًا، لأنّهم لو فهموا ذلك لَمَا عملوا ما يعملون ولا فعلوا ما يفعلون.

  • والعارف يرى أنّ كلّ الأموال في هذا العالم مالكها هو الله تعالى، والحال أنّنا لا نفهم ذلك؛ فأنا أرى أنّ هذا مالي وليس مال غيري، وذاك يرى أنّ هذا ماله وليس مال الغير، ولهذا يحصل التخاصم والنزاع والتنازع، فهذا يريد أن يأخذ مال الغير وذاك يريد أن يحافظ على ماله.

  • الفرق بين ترويض الفكر على المعارف الحقّة وبين السلوك فيها وعرفانها

  • قال الإمام الصادق عليه السلام لعنوان في رواية عنوان البصريّ: لا بدّ أن تفكّر في هذا المطلب، وهو أن تكون عبدًا لله تعالى. والعبد ليس بيده شيء، فالعبد – كما في الروايات – هو وما في يده مُلك لمولاه؛ يعني أنّ نفس العبد وكلّ ما يحصل عليه لمولاه. فإن وصلنا إلى هذه المرتبة [بحيث نرى أنّ] كلّ ما في أيدينا هو لله تعالى وما نحن إلّا أمناء على هذه الأموال وحَفَظة لها – يعني أنّ كلّ هذه الأموال [عالة] – فهل سيحصل حينئذ تخاصم بين الناس ؟! إذا كان الجميع يرون أنّ كلّ ما في أيديهم هو ملك لله تعالى، فهل سيقع التخاصم والنزاع بينهم ؟! هذا هو العرفان؛ فالعرفان يُري الإنسان حقيقة المسألة والمطلب، لا أنّ يفكّر الإنسان بهذه الطريقة فقط، لا ، بل يجد هذه المسائل في نفسه ويشاهدها، لا أنّه يفكّر بها فقط، لأنّ مرحلة العرفان هي فوق التفكّر؛ [نعم] يمكن للإنسان أن يفكّر في هذه المسائل، والتفكّر حسنٌ وجيّدٌ، ولكن يبقى بينه وبين مرحلة الوجدان بونٌ بعيد وفاصلة طويلة، أمّا العرفان فهو يبدّل النفس ويغيّرها ويبدّل الروح ويغيّرها؛ مثلًا الطفل الصغير ذي السنوات الخمس، هو لا يفهم المعاني الّتي يفهمها الرجال والنساء، فإذا وصل إلى مرحلة البلوغ سيفهم، بمعنى أنّ نفسيّته وروحيّته تتبدّل ... وكمثل العطشان ، فهو لا يفهم أبدًا معنى الارتواء، أمّا بعد أن يرتوي فيتبدّل الأمر. وكالجوعان، فهو لا يفهم معنى الشبع، يعني نفسيّته تحتاج لهذا المعنى، فإذا أكلَت وشبعَت يرتفع الجوع عنها فتتبدّل حينئذ نفسيّته.

  • فبين العرفان وبين والفكر والتفكّر مثل هذا. فللإنسان أن يفكّر بهذه المسائل، والتفكّر جيّد ولا بدّ منه، فالتفكّر يُهيِّئ الإنسان لهذه المسائل، ولذا قالوا «تفكّر ساعة خير مِن عبادة سبعين سنة»٦، ولكن لا بدّ للإنسان أن يحوّل نفسه بواسطة المراقبة والمجاهدة والمسائل الشرعيّة، وحينئذٍ يوفّقه الله تعالى ويرزقه هذا الأمر وهو أن يجد في نفسه هذه المطالب. كما لو أنّ شخصًا عرَّف لكم الحلوى والحلويّات وبيّن لكم أنّه يصنعها مِنَ السكَّر والقمح والفستق والدهن وغيرها دون أن تأكلوا منها، فعندما تأكلون منها ستجدون هذه المسألة في أنفسكم، فما وجدتموه في أنفسكم هو غير ما تمّ تعريفه وشرحه لكم (...)۷.

  • هذه هي حقيقة العرفان؛ فجميع المطالب والحقائق موجودة، سواء في القرآن أو في الروايات، ولا بدّ مِنَ البحث عنها والتفكير فيها [وإجراء] المباحثات والتأمّلات والمطالعات حولها – كلّ هذا صحيح – ولكن العرفان هو وجدان هذه المطالب [والحقائق] بحيث لا يمكن للإنسان أن يُنكرها أبدًا، يعني المسألة ليست فقط في المطالعة والتأمّل والفحص وليست فقط بالبحث حول هذه المطالب والتحقيق فيها، بل لا بدّ مِنَ الوجدان، بمعنى أن يجد الإنسان في نفسه هذه الحقائق، أي أن يجد في نفسه أنّ المؤثّر الوحيد هو الله تعالى.

  • معنى كون الله تعالى هو الظاهر والباطن

  • على هذا، ليس العرفان شيئًا غريبًا، وما نسمعه مِنَ الأفراد ومِن بعض العلماء الّذين يخالفون العرفان ويقولون بأنّه خلاف الشريعة وخلاف السنّة، فهو غير صحيح. العرفان مِنَ المعرفة، والمعرفة هي حقيقة الله تعالى، وجميع الآيات والروايات تحرّض على بلوغ هذه المرتبة،، كقول أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة۸ «وَبَاشَرُوا رُوحَ الْيَقِينِ»، فروح اليقين يعني روح العرفان «وَاسْتَلَانُوا مَا اسْتَوْعَرَهُ الْمُتْرفُونَ، وَأنِسُوا بِمَا اسْتَوْحَشَ مِنْهُ الْجَاهِلُونَ»، وكذلك في بعض خطب نهج البلاغة حيث كان يحرّض أميرُ المؤمنين عليه السلام الأفراد على بلوغ هذه المرتبة «ولولا الآجال الّتي كتبها الله لهم لم تستقرّ أرواحهم في أجسادهم طرفة عين خوفًا مِنَ العقاب وشوقًا إلى الثواب»٩، وجاء في الآيات:{ ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ}۱۰و {وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ}۱۱يعني كلّ تلك المسائل ، وجاء في العلم {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}۱٢ و{ إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا}۱٣ و{ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ}۱٤ والآيات الّتي في أواخر سورة الحشر والآيات الّتي في أوائل سورة الحديد وسورة {قل هو الله أحد}۱٥، كلّها [جاءت] لبيان هذه المسائل، [وقوله تعالى] {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}۱٦، ماذا يعني هو الظاهر وهو الباطن ؟ يعني أنّ كلّ ما نراه مِنَ العوامل الظاهريّة المؤثّرة في العالَم يوجد فيها باطن، والباطن هو الله تعالى، يعني إن لم يُرد الله تعالى لهذا الظاهر أن يؤثّر فلن يؤثّر في أيّ شيء أبدًا، يعني أنّ حقيقة هذا الظاهر هو الله تعالى؛ فإن لم يُرد الله تعالى ظهور القدرة منكم فلن تقدروا على إظهارها أبدًا، وإن لم يُرد الله تعالى لهذا الدواء أن يؤثّر فلن يؤثّر في الصحّة أبدًا، هذا هو معنى هو الظاهر وهو الباطن.

  • ففي كلّ ما نراه مِنَ الظواهر باطن، وهذا الباطن هو الله تعالى، فإذا لم يكن الله تعالى هو الباطن فهذا الظاهر لن ينكشف ولن يؤثّر أبدًا، فالسبب الوحيد هو الباطن. كمَثل آلة التسجيل هذه، فلو لم يكن فيها بطاريّة فلن تعمل ولن تسجّل هذا الكلام أبدًا، والسبب هو نفس البطاريّة، فالبطاريّة هي باطن هذا الأمر وهي وراء هذا التسجيل، أي أنّ قوّة الكهرباء في البطاريّة هي الباطن في تأثير هذا التسجيل، فلولا بطاريّة المُسجّل لن يُسجّل. وكذلك إن لم يكن لله تعالى إرادة في أن تفيد هذه التفاحةُ البدنَ فلن تفيد أبدًا .. والمطلب أعلى مِن ذلك .. ما أريد قوله أنّه إن لم يكن الله تعالى في هذه التفاحة فهذه التفاحة أبدًا لن توجد؛ نحن نرى هذه التفاحة بلونها الأصفر وطعمها الحلو ومذاقها الخاصّ، فهذا ظاهر ما نراه بأعيننا، أمّا الباطن في هذا التفاح هو أنّه مُسبَّب ومعلول مِن علّة، وهذه العلّة هي الله تعالى، يعني أنّ الله تعالى بسبب إنعامه وفضله أوجد هذه التفاحة، فنفس هذه التفاحة تتصل بالله تعالى وباطن هذه التفاحة هو الله تعالى؛ هذا هو العرفان، فالعرفان يفيد أنّ نرى أنّ باطن كلّ شيء هو الله تعالى، كلّ شيء سواء ممّا نراه في عالم المادّة أو العوالم غير الماديّة كمَلَك الموت مثلًا، فهو يقبض الأرواح، فترانا نتنازع معه ونخاطبه معاتبين، ولكنّ مَلَك الموت لا قدرة له أبدًا أبدًا ولو بمقدار مثقال ذرّة، بل قدرته هي قدرة الله تعالى وإرادته هي إرادة الله تعالى ومشيئته هي مشيئة الله تعالى. وكذلك هو الأمر في جميع الأمور الغيبيّة والربوبيّة وعوالم الأرواح وعوالم العِلم وعوالم الملائكة، فباطنها جميعًا هو الله تعالى. وكذلك الأمر في كلّ ما في هذا العالَم الماديّ مِنَ المؤثّرات والأسباب والمسبَّبات.

  • مَن هو العاقل

  • ولهذا، على العاقل أن يفكّر في مصلحة حياته، وأن يرى [كيف] أنّ جميع الأفراد يعيشون في هذه المسائل الدنيئة والدنيويّة، آراؤهم باطلة وأفكارهم غير جيّدة وكلّها مجازيّة. فعلى العاقل أن يعمل ويرى أنّ وراءنا عقبة كؤود وأنّ الحياة الأبديّة أمامنا، وما سنعيشه في هذه الدنيا هو ستون سنة أو سبعون سنة، وبعد ذلك ستبدأ وتشرع الحياة الأبديّة، فلا بدّ للإنسان أن يُهيّئ نفسه لهذه الحياة؛ كما لو أردتم السفر إلى مكان بعيد، فتأخذون الألبسة والأجهزة وغذاء الطفل وكلّ ما تحتاجون إليه في هذه الرحلة وهذا السفر الّذي سيطول شهرين .. وكما قال الإمام الحسن المجتبى عليه السلام۱۷ «يا جنادة استعدّ لسفرك» فالسفر الأبديّ والحياة الأبديّة تبدأ مِن حين الموت «استعدّ لسفرك وحصّل زادك قبل حلول أجلك»، ما هو الزاد ؟ الزاد هو تبدّل النفسيّة وتبدّل النفس، الزاد هو انكشاف الواقع والحقيقة، الزاد هو الخروج مِنَ العالَم الدنيء والدنيويّ وهو الخروج مِن عالَم الحيوانيّة والشهوانيّة .. هذا هو الزاد.

  • وعلى هذا، فإذا فكّر العاقل في أحواله، فكيف سيتصرّف حينئذ ؟! إذا أردنا أن نذهب في رحلة فلا بدّ أن نهيّئ جميع الوسائل والاحتياجات الخاصّة بهذه الرحلة وبأطفالنا وبكلّ ما يمكن أن يتحقّق في هذه الرحلة. [وعليه] فلا بدّ أن نرى كيف هي المسائل الأخرويّة، فإذا مات الأفراد ستبدأ حياتهم الأبديّة، فماذا سيفعلون ويعملون وكيف سيتصرّفون۱۸. ولهذا نرى جميع الأنبياء والأئمّة والأولياء يُصرّون ويُحرِّضون على ذلك ويشوّقوننا بأنّ أمامنا حياة أبديّة، فما سنمكثه ونعيشه في هذه الدنيا هو ستون أو سبعون سنة، فلا بدّ أن نأخذ الزاد خلال هذه الستين أو السبعين للحياة الأبديّة، وما هو الزاد ؟ الزاد هو العرفان .. وكلٌّ على حسب قدرته، يعني علينا أن نقوم بواجبنا وبقدر اهتمامنا؛ يقولون أنّ كلّ فرد يشتري بمقدار ماله، فإذا كانت أموالك كثيرة فستشتري أشياء أكثر، وإن كانت قليلة فستشتري بمقدار أقل. فإذا كان اهتمامنا شديد بأداء الفرائض والمستحبات والأمور الّتي يوصينا بها الأولياء والأئمّة، فسيكشف الله تعالى عنّا هذا الغطاء ويبدّل أنفسنا ويحصّل لنا هذا الزاد وهو العرفان، أمّا إن لم نقم بذلك، بل عشنا في الدنيا كسائر الناس والأفراد، فلن يكشف اللهُ تعالى لنا هذا الأمر فنصبح مِنَ الخاسرين ويذهب ويمضي هذا العمر بدون أن نحصّل في أيدينا شيئًا فنكون صفر اليدين! ثمّ نرحل عن هذه الدنيا إلى عالَم الآخرة بدون أيّ فرق بين أوّل عمرنا وآخره! فلا يوجد – والحال هذه – فرق بين الطفل وبين الشخص الّذي بلغ السبعين مِن عمره ولم يحصّل زادًا .. «يا جنادة استعدّ لسفرك وحصّل زادك قبل حلول أجلك» ..

  • فعلى هذا – وكما كرّرتُ مرارًا – إنّ طريق العرفان هو الطريق العقلائيّ؛ فكيف على العاقل أن يتصرّف إذا عاش في هذه الدنيا؟ هل يقضي عمره في هذه المسائل الدنيئة والمحادثات اليوميّة [المعتادة]، مثلًا: قيمة العملة أصبحت أرخص أو أغلى، وحصل زلزال في منطقة كذا، وعواصف في منطقة كذا .. ما هذا ؟! فكلّ ذلك مِنَ الأمور العاديّة وغير الضروريّة، [والحديث عنها هو] مِنَ الأباطيل واللعب واللهو. فالعاقل ماذا يفعل، إذا رأى العاقل أنّ أمامه ووراءه عقبة كؤود ولا بدّ أن يدخل في الحياة الأبديّة، فكيف يهيّئ نفسه لهذه الحياة، هل يقضي عمره بالباطل واللهو ؟! يعني هل يمكن ذلك، واقعًا إذا كنّا عقلاء هل نجوّز لأنفسنا السير في طريق العوام هذا وطريق سائر الأفراد ؟! هؤلاء الأفراد الّذين يتكلّمون بأيّ شيء ويذهبون إلى أيّ مكان ويتعاملون مع كلّ المسائل ويفعلون كلّ شيء، ولا يهتمّون أبدًا أبدًا بالمسائل الأخرويّة، فهل فعلًا هؤلاء مِنَ العقلاء ويمكن أن نسمّيهم عقلاء ؟! مثلًا أذا رأيتم وراءكم جدارًا عظيمًا يمكن السقوط والهبوط منه فهل تقصدون هذا الجدار، هل مَن يفعل ذلك يكون عاقلًا واقعًا ؟! أو إذا وجدتم سمًّا فهل تشربونه، هل الشخص الّذي يعلم ويتيقّن أنّ هذا سمّ يشربه ؟! وإذا شربه هل نسمّيه عاقلًا، أم نقول هذا مجنون ؟! وما نحن فيه مِن هذا القبيل، فإذا رأينا واقعًا أنّه لا يوجد أمامنا [حياة دنيويّة محدّدة تليها حياة أبديّة]، فسنعيش في هذه الدنيا كما نريد وسنبحث عن أطيب وأجود أطوارها، ولكنّا نعلم يقينًا ونحن على عِلم يقينيّ أنّنا سنعيش ستين سنة أو خمسين أو أربعين سنة ثمّ نذهب ونرحل إلى عالَم الآخرة، فعلى هذا هل نجوّز لأنفسنا أن نتساهل ونتكاسل في هذه المطالب ؟! أبدًا أبدًا لا يمكننا تجويز ذلك، وإذا جوّزنا ذلك فلن نكون مِنَ العقلاء، بل سنكون مِنَ المجانين والجهلاء !

  • الإسلام هو إخراج الناس مِنَ الجهل، السير والسلوك هو إخراج الفرد مِنَ الجهل والأهواء، هو إخراجٌ للإنسان مِنَ تلك الأمور الّتي يعيش فيها الناس؛ مثلًا عندما تذهبون إلى جلسة فيها خمسون نفرًا أو عشرون نفرًا وتستمعون إلى المطالب والأهوال الّتي يتحدّثون عنها: في هذا الشارع اتّفق وقوع هذه الحادثة، وفي ذلك الشارع اتّفق وقوع تلك الحادثة، قيمة البنزين قد ارتفعت وقيمة النفط قد انخفضت وقيمة الدولار مثلًا قد ارتفعت، وفي هذه المعركة استشهد مثلًا خمسون جنديًّا، في هذه النقطة مِنَ العالَم وقع زلزال .. فما هذه الأمور !! فإذا عاشرناهم وجالسناهم ساعتين ثمّ رحلنا عنهم فلن يُضاف إلى علمنا شيء أبدًا أبدًا غير تلك الخزعبلات والمطالب غير الجيّدة. وجميع الأفراد يعيشون في هذه الحالة وبين هذه المسائل، وتمضي وتنقضي أعمارهم في هذه المطالب، هل هؤلاء الأفراد والناس – والحال هذه – مِنَ العقلاء واقعًا ؟!

  • سمعتُ مِنَ السيّد الوالد رضوان الله عليه أنّ بعض العلماء كان يقدح بالسيّد محمّد حسين العلّامة الطباطبائيّ أنّه حين كان في النجف الأشرف يدرس العلوم العلميّة، كان يخرج مِنَ منزله إلى أن يصل إلى الحرم دون أن ينظر إلى شيء، فكان يركّز نظره إلى الأرض فقط ولا ينظر إلى الناس، فلماذا يفعل ذلك، بل لا بدّ للإنسان [بحسب ادّعائهم] أن يمشي وينظر إلى الدكاكين والناس ويسلّم عليهم. وكان السيّد الوالد يقول: إذا كان الإنسان ذا حاجة وصاحب بليّة لا يجوز له أبدًا أبدًا أن يُشغل نفسه بتلك المسائل. سأمثّل لكم بمثال: إذا أردتم الذهاب في رحلة عبر المطار، وكنتم قد تأخّرتم ولديكم فرصة نصف ساعة فقط حتّى تصلوا إلى المطار، والمسافة مِنَ هنا إلى المطار مثلًا أربعةُ فراسخ، فهل ستذهبون إلى الدكاكين وتشاهدوا الألبسة المعروضة فيها ؟! لا، أبدًا أبدًا، بل ستستعجلون وتأخذون سيارة أجرة وتسيرون بسرعة حتّى لا تفوتكم الطائرة. والإنسان يجب أن يكون في هذه الدنيا كذلك، [وهذا معنى ما كان يفعله] السيّد الطباطبائيّ عندما كان يوجّه نظره إلى الأرض ولا يلتفت إلى شيء، والحال أنّ ذاك العالِم كان يقدح فيه ويقول: لا، لماذا ذلك، بل لا بدّ للإنسان أن ينظر إلى السماء والأرض والدكاكين وجميع المارّة. [أقول:] هذا خطأ وغلط! وذاك العالِم لم يفهم مِنَ العرفان شيئًا، ولم يفهم مِن حقيقة المسائل شيئًا !! أمّا العلّامة الطباطبائيّ هو الّذي فهم وعرف هذه المسألة، هو الّذي عرف مصلحته وفهم أنّ أمامه حياة أبديّة فلا بدّ أن يهتمّ بتحصيل الزاد. ولكن الآخرون لم يفهموا [ذلك]، ولا فرق هنا بين الناس العاديّين وأصحاب العمائم، أي في هذه المسألة الجميع سواء الناس العاديّين أو المعمّمين والروحانيّين۱٩، نعم، هناك قِلَّة مِنَ العلماء أمثال السيّد الطباطبائيّ والسيّد الوالد وغيرهم كالسيّد هاشم الحدّاد يفهمون ذلك، واقعاً إذا أردنا أن نعدّ العقلاء فسنعدّ فقط مثل العلّامة الطباطبائيّ [والباقي] كلّهم مِنَ المجانين، واقعًا كلّهم مِنَ المجانين.

  • فالله تعالى لا يعطي للشخص عمرَين، بل لكلّ شخص عمر واحد، فلا بدّ أن يُهيّئ الإنسان نفسه في هذا العمر، ولا بدّ أن يقضي وَطَرَه٢۰ مِن هذا العمر، وأن يُهيّئ الزاد في هذا العمر القصير غير الطويل. هذا هو العرفان.

  • فالعرفان هو انكشاف هذه الحقيقة، وكشف الستار عن عيوننا، وكشف ستار الجهل والغرور حتّى نرى حقيقة الله تعالى ونرى ما هي الحقيقة، ولنخرج مِنَ المجاز ومِن الأمور الّتي يعيش الناس فيها. وهذه المرحلة نسمّيها بمرتبة الكمال، فمرتبة الكمال هي مرتبة معرفة الحقيقة، ومعرفة حقيقة الله تعالى، الّذي هو العرفان.

  • الشعور بالحاجة هو المدخل للوقوف على المطالب العرفانيّة

  • ولا بدّ أن [نشعر] بالحاجة، فإذا لم يرَ الإنسان في نفسه الحاجة فلن يهتمّ أبدًا بهذا المطلب، أمّا إذا رأى في نفسه المرض والبلاء فسيهتمّ بالمعالجة وأخذ الدواء ومراجعة الطبيب. فلا بدّ لنا مِنَ البداية أن نفكّر في أنفسنا وحياتنا وأعمارنا وأن نفكّر في المسائل الّتي يجب أن نعيش معها، ولا بدّ مِنَ التفكّر في الحياة الأخرويّة وقِصَر العمر، وإذا ما فكّرنا في هذه المسائل فلا محَال سيُرجعنا ذلك للقيام بالأعمال الّتي توصلنا إلى العرفان، ومنها المراقبات و[أعمال] السحر وصلاة الليل والأذكار وقراءة القرآن والاشتغال بكلّ ما فيه رضى لله تعالى واجتناب الأفراد والمجالس الّتي فيها لعب ولهو واجتناب المجالس غير الضروريّة، وشيئًا فشيئًا يوفّقنا الله تعالى للوصول إلى هذه المرتبة. هذه هي حقيقة العرفان.

  • حقيقة العلاقة بين السالك وأستاذه

  • السؤال: بسم الله الرحمن الرحيم .. يوجد سؤالان؛ السؤال الأوّل: إذا كان التلميذ أو السالك في بداية [السلوك] وكان بعيدًا عن الأستاذ، فكيف يسلك هذا الطريق ؟ [السؤال الثاني: أليس مِنَ] الأجود أن يكون التلميذ قريبًا مِنَ الأستاذ ويعاشره، حتّى يستفيد منه بشكل أكثر في [جميع] الأوقات ؟

  • جواب سماحة السيّد:

  • في هذه المرحلة، لا بدّ أن نقول أنّ الارتباط والعلاقة بين التلميذ والأستاذ ليست علاقة ظاهريّة، بل هي علاقة باطنيّة، فليست [العلاقة هنا] كالعلاقات بين التلاميذ والأساتذة في الجامعات والمدارس وغيرها حتّى نقول أنّ التعليم لا بدّ فيه مِنَ المباشرة والمشافهة والمخاطبة بين التلميذ والأستاذ وبذلك يستفيد منه، بل ههنا مرحلتان ومسألتان لا بدّ أن نتكلّم حولهما:

  • إنّ المسألة الأساسيّة في السير والسلوك إلى الله هي العلاقة الباطنيّة بين الإنسان وبين الله تعالى، وهذه العلاقة باطنيّة لا ظاهريّة، يعني العُلقة بين الإنسان وبين الله تعالى هي السبب الوحيد للسير والسلوك والحركة نحو الله تعالى. وعلى أيّ حال، فبالمجمل إنّ حركة الإنسان الباطنيّة، والّتي نسميها بالسير والسلوك، هي التغيير والتبدّل النفسانيّ، وهذه الحركة لا محال حركةٌ باطنيّة، فعلى هذا، إذا أراد الإنسان أن يتحرك نحو الله تعالى ويرفض كلّ المشتهيات والأمور النفسيّة والدنيئة وأن يخرج مِن هذه الأمور، فإنّ الله تعالى أوجب على نفسه أن يأخذ بيد هذا الشخص. كما في رواية عن الإمام الحسن العسكريّ عليه السلام أنّه إذا أراد عبدٌ أن يسلك سبيل الهدى، فإنّ الله تعالى يُوقف شخص مؤمن بصير في طريقه، فيأخذ هذا المؤمن بيد ذاك السالك. على هذا، فالارتباط بين الإنسان وبين الله تعالى لا دخل له أبدًا بالمسائل الظاهريّة، بل هي عُلقة باطنيّة، ولا فرق بالنسبة إلى الله تعالى [حتّى لو كان السالك] في أقصى بقاع العالَم، [فالأمر سيّان عند الله] إن كان هذا الشخص في هذه البلاد أو في بلاد أخرى أو غير ذلك. وهذه العُلقة هي الموجودة بين الأستاذ والتلميذ [في السلوك]، يعني أنّ القرب الظاهريّ ليس له دخل أبدًا في العلاقة بين الأستاذ والتلميذ. وكما قال سيّدنا الوالد رحمة الله تعالى عليه لتلامذته مرارًا: ليس لقرب المكان دخل في الطريق والسير والسلوك، فلو كنت في أقصى بقاع العالَم فكأنّك إلى جانبي. وقد [كرّر] هذا المطلب مرارًا لتلامذته. وكان تلامذته يرجعون إليه ويستفيدون مِن ذهابهم إلى مشهد الرضا عليه السلام ويسكنون فيه ليستفيدوا منه أكثر، فقال السيّد الوالد: لا بدّ أن تلاحظ مصلحتك وتنظر أيّ البلاد أفضل بالنسبة إليك، أمّا بالنسبة لي فلا يوجد فرق أبدًا بين أن تكون في مشهد أو حتّى إلى جانبي وجار لي أو أن تكون في أقصى بقاع العالَم، فلا فرق أبدًا بالنسبة لي، فعليك أن تلحظ مصلحتك، فهل مصلحتك أن تكون في مشهد أو في طهران أو في لبنان أو في أيّ بلد آخر. فهذه العلاقة الّتي نراها بين العبد وبين الله تعالى ونفس هذه الألفة تكون بين التلميذ والأستاذ بدون فرق؛ يعني بالنسبة للحركة الباطنيّة فكما أنّ الأستاذ يشرف على شخص وهو إلى جانبه، فهذه العُلقة نفسها بدون أي ذرّة نقصان تكون بين الأستاذ وبين الشخص الّذي يكون على سطح القمر أو الشمس أو في أيّ نقطة مِن العالَم، لأنّ هذه العلاقة باطنيّة وليست ظاهريّة.

  • الظاهر يؤثّر في المكان والمكان يؤثّر في الظاهر، أمّا [بلحاظ] الباطن فلا فرق أبدًا؛ كما في المنام فإنّكم تشاهدون أفرادًا في أفريقيا أو أمريكا مع أنّ بينك وبينهم فاصلة مِن آلاف الفراسخ، وذلك لأنّه عندما تخرجون مِنَ الظاهر وعالَم الدنيا وتدخلون في عالَم المثال فليس في عالَم المثال مكان كالمكان الّذي في عالَم الظاهر، فلذلك نشاهد في عالَم المثال وفي الرؤيا وفي الأحلام ما لا نقدر أبدًا أن نراه في هذا العالَم، لأنّ القوانين مختلفة بين عالَم المثال وعالَم المادّة، فالبعد المكاني هو حاجز لرؤيّة الأفراد [في عالَم المادّة]، أمّا في عالَم المثال ليس هناك بُعد مكانيّ، ولذا نرى في عالَم المثال أفرادًا لا نعرفهم أبدًا وهم قد مضوا منذ ألفين سنة مثلًا أو منذ آلاف السنين، أو سيأتون بعد آلاف السنين، ونحن نراهم دفعة واحدة سواء كانوا منذ آلاف السنين أو سيُخلقون بعد آلاف السنين، فكلّهم سيّان لأنّ البُعد المكانيّ ليس موجودًا في عالَم المثال، وحتّى المسائل الّتي ما بعد عالَم المثال تكون آكد منها في عالَم المثال. على هذا، فإنّ العلاقة الباطنيّة هي السبب الوحيد لحركة الإنسان نحو المعبود أي نحو الله تعالى، وهذه العُلقة ليس لها دخل أبدًا بالمسائل الظاهريّة.

  • هذا مِن ناحية، ومِن ناحية أخرى لا بدّ للإنسان مِنَ التأمّل في أفعاله وأعماله وأفكاره وأن يصحِّحها ويميّز الباطن مِنَ الظاهر، ولا بدّ لهذا كلّه مِنَ المطالعة والتأمّل والمحادثة والمباحثة مع الأستاذ أو مع الرفقاء الّذين هم على دراية ويمتلكون حسًّا عاليًا في المسائل السلوكيّة. وهذا ممّا لا بدّ منه للإنسان، وهذا ممّا لا بدّ منه ليس فقط في بادئ الطريق، بل حتّى في أواسط الطريق ونهايته. وعلى هذا، يجعل الأستاذُ للإنسان طريقًا لتحصيل هذه المسألة، بأن يوصي تلامذته مثلًا بمطالعة بعض الكُتب أو يوصيهم مثلًا بمعاشرة بعض الأشخاص والتكلّم معهم والاستفادة منهم، وذلك حتّى يستفيد هذا السالك بشكل أكبر ويحل العُقد والمشاكل الّتي لديه. وهذا إذًا ممّا لا بدّ منه.

  • فهذه المسألة لا بدّ أن نلاحظها سويّة ومعًا؛ [فبلحاظ] المسألة الباطنيّة والعُلقة الباطنيّة، فإنّ البعد المكانيّ [عن الأستاذ] لا يوجب خللًا ولا نقصًا ولو بمقدار ذرّة بالنسبة لسير الإنسان. أمّا بالنسبة لحلّ المشاكل وحلّ العُقد والتأمّل والتفكّر وتبيين المسائل ومعرفة السير والسلوك .. كلّها أمور لا بدّ مِنَ[السعي فيها قدر] الإمكان للحصول على الفائدة [المطلوبة]، إمّا مِنَ الكتب أو بمعاشرة ومصاحبة الأفراد [السالكين] والتحدّث معهم، فهذه جميعها ممّا يستفيد منه الإنسان، والله تعالى بحسب علاقته وبحسب حبّه للإنسان يُوجِد في بعض الأحيان [طُرُقًا ووسائل للإنسان في سبيل ذلك]،{ وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ}٢۱، أو آية {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}٢٢، فقوله {والذين جاهدوا }يعني الّذين يريدون المجاهدة والتقوى ويريدون السير والسلوك والعرفان، فسنمهّد لهؤلاء الطريق والأمور الّتي تنفعهم؛ فيمكن للإنسان أن يختار صديقًا أو رفيقًا يستفيد منه، أو قد يجعل الله تعالى أمام هذا الشخص مثلًا فردًا ينتفع منه، ونحن نشاهد هذه الأمور خلال حياتنا، ومِنَ المؤكّد أنّ الله تعالى لا يترك العبد فريدًا وحيدًا بلا دالٍ ولا دليل ولا هداية، فالله تعالى بالنحو الّذي يريده يجعل أمام الإنسان الطُرق الّتي يستفيد منها. وهذه المسألة لا بدّ أن نلاحظها في أنفسنا.

  • على هذا، فإنّ العمدة بالنسبة للإنسان هو إخلاص النيّة والإخلاص في الطريق وخلوص النفس وأن يُخلص وجهه، والتقرّب إلى الله تعالى والخروج مِن عالَم الأهواء وعالَم النفسانيّة وعالَم الشهوات، وباقي الأمر كلّه إلى الله تعالى، يعني أنّ الله تعالى فرض على نفسه أن يأخذ بيد هذا الشخص الّذي يريد أن يسلك سبيل وطريق