/ ۲
  • fullscreen

أسئلة و أجوبة (رجال) – ج٤

1
  •  

  • هو العليم

  •  

  • تصنيف المحاضرة: أسئلة وأجوبة جبل عامل جلسة الرجال ج٤

  •  

  • عنوان المحاضرة: الوصي الظاهري والوصي الباطني و ...

  •  

  • آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ

  • قدس الله سره

  •  

  •  

أسئلة و أجوبة (رجال) – ج٤

2
  • عنوان المحاضرة:الوصي الظاهري والوصي الباطني و ...

  • تعريف بالمحاضرة: تعرض آية الله سماحة السيد محمد محسن قدس الله سره في هذه المحاضرة للجواب على مجموعة من الاسئلة حول الموضوعات التالية: الوصول لأعلى مراتب التوحيد يحتاج الى التسليم للولي الكامل – شرح الطرق الثلاثة الجائزة للأخذ بالأحكام الشرعية – الطريق العقلائي للعرفان يكمُن في البحث عن الأستاذ الخبير – اعتراض العلامة على تلامذة الشيخ الأنصاري بعد ارتحاله لإعلانهم عدم الحاجة للأستاذ – مسائل حول الوصي الظاهري والولي الباطني – ما العمل إذا لم نجد الوصي الظاهري – المصلحة الإلهية تقتضي إخفاء الولي الكامل أو إظهاره – إذا لم نجد الوصي الظاهري او الولي الكامل علينا الأخذ بالإحتياط والعمل طبقاً لرضا الله تعالى – يمكن أن يكون الرفيق الخبير بالمسير أكثر فائدة للسالك من الوصي الظاهري – تهيؤ النفس وقبولها لإرادة الإمام وطاعته هي المسألة الأهم ليأخذ الله بأيدينا ويرشدنا.

  • الكلمات المفتاحيّة:الوليّ الباطنيّ – الوصيّ الظاهريّ – الاحتياط – طُرق السلوك – طُرق الأحكام

  • بسم الله الرحمن الرحيم

  • والصلاة والسلام عل سيّدنا ونبيّنا محمّد وعلى وآله الطيّبين الطاهرين

  • واللعنة على أعدائهم أجمعين

  • (اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد)

  • السؤال الأوّل:

  • بسم الله الرحمن الرحيم، لدينا بعض الأسئلة نرجو منكم شرحها – إذا رأيتم ذلك مناسبًا – حول كتاب (الروح المجرّد) وما يتعلّق بالأستاذ؛

  • [أوّلًا] في الأدلة الخمسة الّتي أجاب [بها السيّد العلّامة على] المعترضين على ضرورة وجود الأستاذ، الواردة في الصفحة ٤۷ [مِنَ الكتاب المذكور].

  • [ثانيًا] مِن أنّه بإمكان أولياء الله أخذ الأحكام مِن باطن رسول الله والكتاب والسنّة، الواردة في الصفحة ٤٢٣ [مِنَ الكتاب المذكور].

  • [ثالثًا] في أنّ سلوك السيّد الحدّاد مبنيٌّ على ضرورة وجود الأستاذ، مع إمكانيّة أن يكون للأستاذ وصيٌّ ظاهريّ وآخر باطنيّ، فما هي المصلحة في اتّخاذ أستاذين ؟

  • جواب سماحة السيّد:

  • كان السيّد الوالد في كتاب (الروح المجرّد) – وكذلك غيره مِنَ الأساتذة في هذا الفنّ – بصدد بيان مسألة مهمّة، هي أنّه لا يمكن – أو أنّه مِنَ البعيد جدًّا – أن يصل شخصٌ إلى مراحل العبوديّة المحضة وإلى مرحلة الفناء بدون أستاذ كامل وبدون أن يسلّم نفسه لوليّ كامل. ولكن لا بدّ مِن تفسير هذا المعنى وتبيين الحالات المختلفة الّتي يمكن أن نجدها في مختلف الأزمنة؛ ففي المرحلة الأولى لا بدّ أن نعلم أنّ الإنسان جاهل بالمسير وبالسير والسلوك إلى الله، فهو بهذه الخصوصيّة والصفات والموقعيّة، وقد أقسم الشيطان قائلًا {فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ}۱، فلولا الشيطان لَطُوي هذا المسير بلا مشاكل، لأنّه ليس فيه صعوبات ومهالك ليقع فيها الإنسان، [أما مع وجود الشيطان، فإنّ هذا الطريق مليء بالمهالك، وقد أشرت إلى بعضها في الجلسة السابقة]، فمِنَ الغريب جدًّا أن يدخل الإنسان في هذه المهالك لطيّ الطريق، فلهذا كما أنّ الأخذ بالأحكام الشرعيّة لا يجوز إلا بثلاثة طُرق [فكذلك السلوك يكون بإحدى طُرق ثلاث].

  • الطُرق الثلاث للأخذ بالأحكام الشرعيّة

  • [أمّا طُرق الأخذ بالأحكام الشرعيّة فهي]:

  • الطريق الأول هو الاجتهاد؛ فمَن وصل إلى مرتبة الاستنباط وعَرف الأحكام مِن مصادرها ومراجعها حقّ المعرفة، وتذوّق وشمّ رائحة الفقه الإسلاميّ مِنَ خلال الكُتب والمدارك، واستفاد حقّ الاستفادة مِنَ المراجع المدوّنة كالآيات والسنّة ومِنَ العقل، فهو مؤهّل للاستنباط [ومؤهّل] لفهم الأحكام والعمل بها، وقد أمره الله وكلّفه باتّباع ما استنبطه مِن أحكام شرعيّة. هذا هو الطريق الأوّل.

  • والطريق الثاني هو التقليد بالنسبة للجاهل؛ يعني لا بدّ للجاهل أن يقلّد المجتهد الأعلم والخبير بالأحكام الشرعيّة، فلا بدّ أن يبحث عن الأعلم ويجب عليه اتّباعه وتقليده.

  • والطريق الثالث هو الاحتياط؛ بمعنى أنّ الإنسان إن لم يتمكّن مِنَ الوصول إلى المجتهد وكان جاهلًا بالأحكام فيجب عليه الاحتياط. أمّا إذا أمكنه الوصول إلى المجتهد فلا يجوز له الاحتياط، بل يجب أن يرجع إلى المجتهد لأنّ الشكّ والتردّد في التكليف يبطل إذا وُجِد المُنجِّز.

  • فالاحتياط هو الطريق الثالث إذا لم [يتمكّن المرء مِنَ] الرجوع إلى المرجع الدينيّ الّذي يرجع إليه المقلِّد الجاهل؛ مثلًا لو لم يعلم الإنسان أنّ هذا الشيء حرام أو حلال، يجب عليه الاحتياط. وإذا كان لا يدري إن كان الإقدام على أمر ما فيه مهلكة أو غير ذلك، يجب عليه حينئذ الأخذ بالاحتياط والاستفادة مِن عقله ومِنَ التجربة والأدلة، حتّى يكون أبعد ما يكون عن الباطل والمهلكة والهلكة. وهذا طريق عقلائيّ وسيرةٌ عقلائيّة، فلا بدّ مِن اتّباع هذا الطريق وهذه السيرة.

  • الطريق الأول للسير والسلوك هو الرجوع إلى الوليّ الكامل (مع بيان خصائصه)

  • وكذلك [الحال] في السير والسلوك، إذ لا بدّ لنا مِن أستاذ خبير مؤهّل لذلك، لأنّ الإنسان يرى منامات في هذه المرحلة، والّتي يُحتمل أن يكون بعضها روحانيًّا وبعضها شيطانيًّا، فمِن أين للسالك أن يعرف ذلك، فهو جاهل وليس عالمًا بصحّة وسقم هذه المنامات. كما أنّ الإنسان [في هذه المرحلة] يرى في اليقظة بعض المكاشفات، ولا يدري إن كانت حقيقيّة وصحيحة أم لا، أو كانت شيطانيّة. وقد يرى أيضًا بعض المسائل العلميّة والحقائق وقد يسمع هاتفًا [يهتف] بكذا، وهو لا يدري إن كان الهاتف رحمانيًّا أو غيرَ رحمانيٍّ. كأن يقول له الهاتف لا بدّ أن تفعل غدًا كذا، والحال أنّه لا يدري إن كان الهاتف رحمانيًّا حتّى يعمل بما قاله أو [غير رحمانيٍّ] فلا يعمل به !

  • وقد سمعنا عن أفراد كُثُر هلكوا وضلّوا وأضلّوا؛ فهم قد عملوا [وفق] هذه المنامات والمكاشفات وعملوا بالمطالب الّتي سمعوها. ومِن هؤلاء الأفراد الّذين ضلّوا ودخلوا في المهالك بسبب المكاشفات والمنامات الّتي يشاهدونها موجودون الآن في بلدان كثيرة، والحال أنّهم جهّال فضلّوا ويضلّون الناس. وهذا كلّه مِنَ الجهل وعدم الاطّلاع وعدم الخبرة في الطريق.

  • وعليه، لا بدّ للشخص في هذا الطريق وفي السير والسلوك إلى الله أن يتّبع الأستاذ والشخص الخبير المؤهّل لذلك وهو ما نسمّيه بالوليّ الكامل؛ فالوليّ هو الخبير الّذي يرى مصالح النفس ومصالح ومفاسد طريق المرء ويكون مطّلعًا عليها اطّلاعًا دقيقًا، ويكون مسيطرًا على أحوال المرء بحيث تكون جميع أموره بيده، حاله كحال الإمام عليه السلام؛ فالإمام مِن حيث كونه معصومًا ومطّلعًا على جميع العوالم ومصالح العباد فكلّ أوامره ونواهيه تكون صحيحة مطلقًا. وكذلك العارف الّذي وصل إلى مرتبة الولاية، فهو تحت رعاية الإمام الحجّة (صلوات الله وسلامه عليه) ويأخذ مِنَ الإمام عليه السلام بلا واسطة، مِن نفسه وسرّه وباطنه، فيُلقي الأوامر والنواهي على تلامذته، وبالتالي لا يمكن أن تكون أوامره ونواهيه خاطئة. وعليه، إذا كان المرء يسلك هذا الطريق باهتمام وينتهج نهج العرفان فلا بدّ أن يُسلِّم نفسه ويفوِّضها لهذا الأستاذ المؤهّل والخبير.

  • هذه هي المسألة الأساسيّة الّتي تعرّض لها السيّد الوالد في كتاب (الروح المجرّد)، ولهذه المسألة مكانة واقعيّة صحيحة لا يعتريها الشكّ ولا الريب.

  • ردّ شبهة تلامذة الشيخ الأنصاريّ بعد رحيله

  • أمّا تلامذة الشيخ محمّد جواد الأنصاريّ – الّذين كانوا أصدقاء [السيّد الوالد] في الزمن الّذي كان السيّد الوالد مصاحبًا للشيخ الأنصاريّ – فهُم بعد وفاة الشيخ وارتحاله رفضوا هذا المبدء [وهو الحاجة إلى الأستاذ]، فبالرّغم مِن اعترافهم أنّهم في زمن الشيخ محمّد جواد الأنصاريّ كانوا بحاجة إليه أشدّ الاحتياج وأنّهم جاهلون بالعرفان – وإلّا لَمَا صاحبوه وأطاعوه والتزموا بأوامره ونواهيه –غير أنّهم رفضوا هذا الأمر حين ارتحاله وتركوه بالمرّة، وقالوا: نحن لا نحتاج إلى أستاذ ووليّ جديد وحديث، فما استفدناه مِنَ الشيخ محمّد جواد الأنصاريّ يكفينا في طريقنا وسيرنا.

  • واعتراض الوالد عليهم أنّه: إن وصلتم إلى درجة الكمال والولاية وإلى نهاية المطاف، فلا خلاف فيما قُلتم، أمّا إن لم تكونوا قد بلغتم هذه الدرجة، فبأيّ دليل وحجّة تقولون بعدم حاجتكم للأستاذ ؟! [وإن كان الأمر كذلك] فلماذا لم تقولوا بهذا في بداية الأمر ؟! فالأستاذ هو الّذي يأخذ بيد المرء ليوصله إلى المراحل العالية فلا يتركه في وسط الطريق، كالمريض الّذي يراجع الطبيب، فلا بدّ أن يبقى عند الطبيب ولا يتركه حتّى يعود إلى صحّته وسلامته السابقين، أمّا إذا اكتفى بوصفة ابتدائيّة مِنَ الطبيب ثمّ تركه، فسيبقى المرض في جسمه وبدنه، وسيكون عمله هذا غير عقلائيّ. أما طريق العرفان فهو طريق عقلائيّ؛ بمعنى أنّ الإنسان إذا وَجد في نفسه الحاجة للأستاذ، فلا يجوز له تركه أبدًا، بل يجب عليه البحث عن الأستاذ حتّى يجده ليعمل بأوامره ويترك نواهيه.

  • واعتراض الوالد على أولئك الأفراد هو اعتراض واردٌ جدًّا ولا ريب ولا شك في صحّته، لأنّهم بعد ارتحال الشيخ محمّد جواد الأنصاريّ كانوا لا يزالون جاهلين بالسير والسلوك، نعم لم يكن جهلًا ابتدائيًّا إذ قد عرفوا بعض المسائل، إلّا أنّهم كانوا [مصداقًا] للقول المعروف «حفظت شيئًا وغابت عنك أشياء»، فهم يعرفون بعض الأشياء ولكن كانوا جاهلين بمعظم المطالب ولهذا اتّخذوا استاذًا.

  • وهم لم ينفوا وجود الوليّ والأستاذ، لا، بل قالوا بعدم الحاجة إليه ! وخطورة المسألة تكمن في هذه النقطة، فلا بدّ مِنَ التأمّل فيها؛ فلو كان اعتراضهم أنّهم لم يجدوا أستاذًا كاملًا لَمَا كان الأمر صعبًا، لأنّ الأدلة على وجود وليّ كامل كالسيّد هاشم الحدّاد واضحة وموجودة، وقد ذكرها السيّد الوالد في كتابه؛ فعندما قصد ذلك العالِم – المذكور اسمه في الكتاب – وقال له اختبر السيّد هاشم الحدّاد، فهو على قيد الحياة، اسأله عمّا شئت مِنَ المسائل الّتي تحتاج إجابات عنها لطي الطريق والوصول إلى المراتب، ولا يمكن الإجابة عنها بدون ذلك، فذهب هذا العالِم الجليل والسيّد النبيل إلى السيّد الحدّاد وسأله عن مسائل صعبة في الفلسفة والعرفان وعن محي الدين بن عربي وصدر المتألّهين الشيرازيّ، فأجاب عنها بأحسن أجوبة يمكن أن يسمع بها، واعترف [هذا العالِم بذلك] ولم يبق عنده محلّ للشكّ والريب في السيّد هاشم الحدّاد، وإلّا لاعترض على السيّد الوالد [قائلًا:] أنا قد سألته ولم يجب عن هذه المسألة. ولكنّه لم يعترض على السيّد الوالد بذلك .. وفي خاطري أنّه سأله [أيضًا] عن مسألة (وحدة الوجود) ومسألة (كيفيّة اتّحاد حقيقة أسماء الله تعالى مع الذات وعدم اتّحادها)، وهي مِنَ المسائل الصعبة والعويصة في العرفان النظريّ والحكمة المتعالية. وفي الحقيقة إذا اختبرنا شخصًا لم يكن قد وصل إلى هذه المرحلة [العرفانيّة العالية] فحتمًا لن يتمكّن من الإجابة عن هذه الأسئلة، وهذا مِنَ الواضحات جدًّا. فهذا السيّد العالِم عندما جاء إلى السيّد هاشم الحدّاد وجده أفضل ممّا قد سمع عنه، وقد اختبره بكلّ اختبار ممكن. كما أنّ الشهيد الشيخ مرتضى المطهّري، عندما جالس السيّد هاشم الحدّاد وتكلّم معه، قال لوالدي عنه: إنّه رجل يُحيي، يعني يُحي النفوس.٢مع [العِلم] أنّ الشيخ مرتضى المطهّري لم يكن رجلًا عاديًّا، بل كان فيلسوفًا وعالمًا حكيمًا وفقيهًا أصوليًّا متكلّمًا، لم يكن جاهلًا، فهكذا قولٌ ومطلبٌ مِن هكذا عالِم ليس بالأمر البسيط.

  • الفرق بين الوليّ الكامل والعالِم الظاهريّ

  • فعلى الإنسان أن يرجع إلى هكذا شخص [كالسيّد الحدّاد] ويختبره ليعرف إن كان وليًّا أم لا؛ يعني أنّ الجاهل إذا رجع إلى شخص، وكان هذا الشخص وليًّا، فلا بدّ أنّه مسلَّطٌ على النفوس، فلو فرضنا أنّ هذا الشخص وليٌّ ويرى جميع مصالح المرء ويرى نفسيّته وخواطره ويعلم ما في ضميره وسرّه وباطنه ولا يخفى عليه شيئٌ ممّا يكنّه هذا المرء، فكيف – والحال هذه – لا يجيب هذا الوليُّ ذاك الجاهل أو العالِم – كلٌّ بحسبه – بما تطمئنّ به نفسه وقلبه ! أبدًا لا يمكن ذلك. كما أن النبيّ والأئمّة عليهم السلام كانوا يتكلّمون مع الأفراد على اختلافهم كلّ بحسب سعته وقدرته «إنّا معاشر الأنبياء أُمرنا أن نكلّم الناس على قدر عقولهم»٣.

  • ولكن إذا رجعنا إلى عالِم فقيه ولم [ننطق] بالسؤال، فلن يستطيع أن يعلم المسألة الّتي نريد أن نسأله عنها، فلا بدّ أن نسأل؛ فإمّا أن يرجع إلى المدارك أو لا، لأنّ ما يتعلّق بالسؤال إمّا أن يكون حاضرًا في ذاكرته أو لا، وذلك لأنّ المرجع يعلم الأحكام الظاهريّة مِنَ المدارك والمراجع والمصادر والأدلّة المدوّنة في الكُتب، فرجوع الإنسان إليه هو كالرجوع إلى شخص عاديّ حاله كحال سائر الأفراد؛ كرجوعكم مثلًا إلى الطبيب، فالطبيب [ابتداءً] لن يعلم بِدَاء بدنك حتّى تشرح له [عوارض] دائك، وحينئذٍ سيفهم الداء ويُشخّص لك الدواء. وكذلك المرجع الدينيّ، فهو لا يعلم المسألةَ الّتي تريد السؤال عنها قبل أن تسأله، [فحين تسأله] يجيبك؛ فإن كان الجواب [حاضرًا] في ذاكرته فسيُجيب [مباشرة]، وإلّا سيقول لك: أنا لا أعلم، لا بدّ لي مِنَ الرجوع إلى المدارك [والمصادر] ومِن ثَمّ أجيبك.

  • أمّا الوليّ الكامل فلا يحتاج إلى أن تسأله، فعندما ترجع إليه سيكون عارفًا بالمكان الّذي جِئتَ منه وبالمسألة الّتي في خاطرك وبالمطلب الّذي في ذاكرتك حتّى لو كنتَ في عملك. وهذا ما كنّا نراه مِنَ السيّد الوالد، وكثير مِنَ الأفراد لا بل جميع الأفراد الّذين التقوا به وينقلون ما وقع بينهم وبينه يقولون: ونحن في جوار والدك يكون وكأنّه مطّلعٌ على جميع أسرارنا. حسنًا، فهذا هو الوليّ، [وإن كان الأمر كذلك] فهو لا يحتاج [أن يسمع سؤالك]، وعندما يخاطبك يُوجِد في نفسك الاطمئنان له ويجعلك تعتمد عليه، هذا إن كان الوليّ يريد ذلك، أمّا إن لم يُرِد فلن يتكلّم [بما يوجب ذلك] بل سيتكلّم عن أمور بسيطة.

  • مقام السيّد هاشم الحدّاد

  • كان اعتراض السيّد الوالد على أولئك الأفراد أنّه؛ يجب على السالك أن يرجع إلى الأستاذ الكامل، سواء كان الأستاذ الكامل عالمًا فقيهًا ووليًّا، أم كان وليٍّ لا عالمًا فقيهًا كالسيّد هاشم الحدّاد، فالسيّد هاشم الحدّاد لم يكن عالمًا فقيهًا بل كان وليًّا ووصل إلى مرتبة فاز بها على جميع تلامذة السيّد علِيّ القاضي الطباطبائيّ، وهذا ما صرّح به وأسرّه السيّد عليّ القاضي الطباطبائيّ في أيّام حياته لبعض تلامذته بأنّه؛ لا يوجد تلميذ مِن تلامذته أعلى مرتبة مِنَ السيّد هاشم الحدّاد. مع أنّه قد تتلمذ لديه الكثير مِنَ العلماء الأفاضل والأولياء، كالعلّامة السيّد محمّد حسين الطباطبائيّ (أفاض الله علينا مِن بركات تربته) وأخيه السيّد محمّد حسن الطباطبائيّ والسيّد حسن المسقطيّ، وجمعٌ غفيرٌ مِنَ العلماء والأفاضل كالشيخ محمّد تقي العامليّ الفيلسوف والعالِم النبيه في إيران، [وغيره] الكثير مِنَ الموجودين الآن في الأماكن المقدّسة في إيران وقُمّ، فقد كانوا تلامذة السيّد علِيّ القاضي الطباطبائيّ، إلّا أنّ السيّد هاشم الحدّاد كان بارزًا ومميّزًا بينهم، مع أنّه لم يكن عالمًا فقيهًا. وهذا يكون وفق ما يراه الله مِنَ المصلحة.

  • الطريق الثاني للسير والسلوك هو الرجوع إلى الوصيّ الظاهريّ (مع بيان خصائصه)

  • المسألة المهمّة هنا، أنّ الأحوالَ في الأزمنةِ مختلفةٌ؛ فقد يرى الله مِنَ المصلحة في زمن ما أن يكون الوليُّ ظاهرًا، فيرجع الناس إليه ويستفيدوا منه ويسلّموا أنفسهم له، وهو [بدوره] يأخذ بأيديهم. وهذا لا شبهة فيه، كحال السيّد الوالد الّذي رجع إلى السيّد هاشم الحدّاد، ورجوع السيّد هاشم إلى السيّد علِيّ القاضي الّذي رجع إلى السيّد أحمد الكربلائيّ الّذي رجع إلى الشيخ الآخوند الملّا حسين قلي الهمدانيّ، الّذين كانوا جميعهم مِنَ الأولياء ووصلوا إلى مرتبة الولاية.

  • وفي بعض الأحيان والأزمنة قد لا يكون الوليّ ظاهرًا بل مخفيًّا. وهذا يرجع إلى ما يراه الله تعالى مِنَ المصلحة – والمصلحة ليست بأيدينا نحن حتّى نُبيّنها ونُخبر عنها، لا [بل الأمر بيد] الله تعالى – فقد لا يرى [مِنَ المصلحة] إظهار الوليّ، بل ينبغي أن يكون مستترًا ومخفيًّا؛ فهنا يوجد اختلاف وتوجد بعض المسائل، ففي هذه الحالة يمكن أن يُعيّن الوليُّ وصيًّا ظاهريًّا. والوصاية الظاهريّة تعني أنّ الوصيّ الظاهريّ لم يصل إلى مرتبة الولاية ولعلّه لم يصل حتّى إلى مراتب [عالية في السلوك]، بل كان رجلًا صالحًا [ذو صفات طاهرة]، فيمكن للإنسان أن يرجع إليه ويستفيد منه. [فالوصيّ الظاهريّ هو رجل] تقيّ وزاهد وورع لا يخالف منهج العرفان ولا يرفض العرفاء الأولياء ولا ينبذهم، ويكون منهجه هو منهج أستاذه ومنهج الوليّ الّذي أوصى له بذلك.

  • حسنًا، ففي زمن ما قد لا يكون الوليّ ظاهرًا أو قد يكون مختفيًا ولا يدلّ اللهُ المرءَ عليه، ولكنّ الله تعالى لمصلحة يراها قد يدلّ المرءَ عليه بالطُرق وبالشكل الّذي يراه مناسبًا، وهذا لا بأس فيه؛ فالسيّد هاشم الحدّاد كان [أمره] مخفيًّا في كربلاء لا يعرفه أحد، ولكن كان بعض الأفراد حينها يراودونه ويعاشرونه، وهو كان يصرّ على عدم الإعلان والإخبار حتّى لا يُفشى هذا السرّ. وعليه، فإن كان الوليّ خافيًا ودلّنا الله عليه فلا إشكال في ذلك. أمّا إن كنّا لا نعرف الوليّ ولكنّا نعرف الأستاذ الظاهريّ والوصيّ الظاهريّ، فيمكننا عندئذ أن نرجع إليه، لأنّه هو الواسطة بين الإنسان وبين الوليّ الباطنيّ ولو مِن حيث لا يشعر؛ يعني حتّى لو لم يكن الوصيّ الظاهريّ يعلم مَن هو الوصيّ الباطنيّ [الحيّ].

  • فالوصيّ الظاهريّ – كما قلنا – ينبغي أن يكون عالمًا ظاهريًّا وأن يكون مثلًا تلميذًا للوليّ الراحل، وهذا المقدار [كافٍ]، وأن يكون رجلًا صالحًا وليس معاندًا للعرفان بل ينتهج ويسلك ويمشي وفق الأسلوب العرفانيّ للوليّ الراحل، وأن يأتي بالأوراد والأذكار ويعمل على طبق ما أوصى به الوليّ الراحل، ومع ذلك قد لا يعلم الوصيّ الظاهريّ مَن هو الوصيّ الباطنيّ [الحيّ]، وهذا ممّا لا إشكال فيه. فكما أنّنا لا ندري مَن هو الوليّ الباطنيّ [الحيّ]، فالوصيّ الظاهريّ أيضًا لا يدري، والمهمّ هنا هو أداء التكليف. وعلى الوليّ الظاهريّ أن يسعى لإدراك الوليّ الباطنيّ، يعني لا بدّ أن يطلب ويسأل ويدعو الله تعالى أن يرزقه الوصول إلى الوليّ الباطنيّ، فلا يجوز للوصيّ الظاهريّ أن يجلس في بيته ويضع يده على يده الأخرى إلى أن يأتي إليه الوليّ الباطنيّ ويزوره ويأخذ بيده، لا، بل الوصيّ الظاهريّ حاله كحالنا [مِن هذه الجهة] بدون أيّ فرق بيننا وبينه.

  • وهذه النكتة الّتي أقولها لكم الآن هي مِنَ المسائل الّتي لا بدّ لنا أن نتأمّل فيها بشدّة في تلك المرحلة والموقف، لأنّنا وقعنا فيها. وقَبل شهرين لم أكن قد تكلّمتُ عن هذه المسألة كما سأتكلّم عنها اليوم؛ فهذا الوصيّ الظاهريّ يحتاج – بلا شكّ ولا ريب – إلى الوليّ الكامل، كما يحتاج إليه غيره مِنَ الأفراد، فلا يجوز للوصيّ الظاهريّ أن يقول: إنّ الله تعالى قد عيّن لي مسيري وطريقي وبيّن لي كلّ ما ينبغي أن أفعله وأقوله، فلا أحتاج إلى الوليّ الكامل ! كلّا، بل عليه أن يتفحّص ويتأمّل حتّى يصل إلى الوليّ الكامل، وعليه أن يطلب ذلك مِنَ الله تعالى دومًا (...٤). فعلى هذا، لا بدّ للوصيّ الظاهريّ أن يعمل طبق منهج الوليّ الراحل، فإذا ابتعد عن هذا المنهج فهو حتمًا لن يكون بوصيّ لهذا الوليّ. هذه مِنَ المسائل المهمّة الّتي لا بدّ أن نفكّر فيها.

  • نجد مثلاً الشيخ عباس القوجانيّ؛ فهو وصيّ ظاهريّ للوليّ الراحل السيّد علِيّ القاضي الطباطبائيّ، فقد كان عالمًا تقيًّا [ورجلًا] جيّدًا وذا نفسٍ زكيّةٍ وصاحب حالاتٍ طيّبة، ولكنّه لم يصل إلى مرتبة أستاذه أبدًا أبدًا، إلّا أنّه كان صالحًا ومؤهّلًا، فكان الأفراد يرجعون إليه ويأخذون منه الدساتير والأوراد ويحلّ لهم المشاكل الّتي كان بإمكانه حلّها. فقد كان عالمًا فاضلًا يأخذ بأيدي الأفراد ويتوسّط بينهم وبين الوليّ. وأنا متأكّد أنّه لم يعرف السيّد هاشم الحدّاد أبدًا، فهذا الوصيّ الظاهريّ لم يكن له معرفة بهذا الوليّ الّذي كان يسكن في كربلاء، لم يكن يعرف أنّه وليّ كامل، فلو كان يعرف ذلك لرجع إليه.

  • [وذلك أنّه] واقعًا ليس مِنَ العقل في شيء أن يرى المرء طبيبًا حاذقًا خبيرًا جدًّا ولا يرجع إليه، ثمّ يرجع إلى الأطباء العاديّين غير المؤهّلين، فهذا ليس مِنَ الاستواء والاعتدال العقليّ. فكيف بالاعتدال السلوكيّ والعرفانيّ ! [فلا شكّ إذن أنّ الشيخ القوجانيّ] لم يكن يعرف، ومع عدم المعرفة فمِنَ الواضح أنّه ليس مقصّرًا، ولكن إذا كان يعرف وسكت ولم يذهب إليه فسيكون طبعًا مقصّرًا. وبهذا الدليل أنا متأكّد أنّ [الشيخ عبّاس القوجانيّ] لم يكن يعرف أنّ السيّد هاشم الحدّاد [وليٌّ كامل]، وكان هذا واضح في مطالبه وكلامه. ولكن كان الشيخ عبّاس يمتدح السيّد الحدّاد في أيّام حياته بأنّه رجلٌ لديه حالات كذا وكذا، أمّا بالنسبة لولاية [السيّد الحدّاد] وبلوغه هذه المرتبة فلم يكن الشيخ عبّاس القوجانيّ يعرف ذلك .. هذا هو الوصيّ الظاهريّ.

  • الطريق الثالث للسير والسلوك هو الاحتياط (مع بيان ضوابطه)

  • أمّا إذا لم نجد هذا الوصيّ الظاهريّ، فماذا نفعل ؟ هنا توجد نكتة دقيقة؛ مثلًا لو كنّا غير عالمين ولم نجد رسالةً أو كلامًا مكتوبًا وصريحًا أو لم نجد دليلًا أو حجّة على أن هذا الشخص هو الوصيّ الظاهريّ للوليّ الراحل، فماذا نفعل ؟ في هذه الحالة والموقف لا بدّ مِنَ الاحتياط، الّذي قلتُ أنّه الطريق الثالث للعمل بالأحكام الشرعيّة.

  • [تقدّم] أنّ هناك طُرق ثلاث في الأحكام الشرعيّة: إمّا الاجتهاد؛ وفي هذه الحالة لا يجوز للمجتهد التقليد في المسائل، [لأنّه يكون قد] وصل إلى مرحلة استنباط الأحكام الشرعيّة مِنَ الأدلّة بلا واسطة شخص آخر. هذا الطريق الأوّل، أمّا الثاني فهو التقليد؛ حيث يجب على الجاهل الرجوع إلى المجتهد الأعلم في الأحكام، لأنّه جاهل في الأحكام. والطريق الثالث هو طريق الاحتياط.

  • نعم، يوجد في بعض الرسائل العمليّة أنّه يمكن للشخص أن لا يرجع إلى المجتهد وله أن يحتاط في المسائل، ولكن بنظري واعتقادي أنّه لا يجوز للجاهل العمل بالاحتياط مطلقًا مع وجود المجتهد المؤهّل الّذي يجوز للإنسان الرجوع إليه، أمّا الاحتياط فهو جائز فقط للجاهل الّذي ليس بمجتهد والّذي لم [يستطع] الوصول إلى المجتهد، وهذا الاحتياط نجده في بعض الموضوعات وفي احراز بعض الموضوعات الاجتماعيّة والشرعيّة.

  • وهذا ما نقوله في السير والسلوك؛ يعني قد يكون الإنسان في بعض الأحيان والأزمنة غير عارف بالوليّ الكامل، [كما هو الحال] الآن؛ فإذا سألتكم هل تعرفون الوليّ الكامل في هذا الزمان ؟ [ستجيبون] بـ (لا)، أمّا إن كنتم تعرفونه [فأرشدونا إليه] فنحن واقعًا نحتاج أن نستفيد منه ! ولكن نحن الآن لا نعرف مَن هو الوليّ في هذا الزمان، [أعني] الوليّ الباطنيّ. هذا المطلب الأوّل.

  • مداخله مِن الحضور:

  • عفوًا مولانا .. لماذا الولي يتخفّى ولا يُعرِّف عن نفسه حتّى نستفيد منه ؟

  • جواب سماحة السيّد:

  • ذكرتُ في الجلسة الماضية أنّ الوليّ بلحاظ المصلحة قد لا يجوز له أن يَظهر ويبان أمام الناس، كحال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم في بداية بعثته وولايته فهو لم يَظهر للناس [على أنّه نبيّ] إلّا بعد ثلاث سنوات، وكذلك بعض الأنبياء عليهم السلام. فالله تعالى يكلّف كلّ امرءٍ على حسب ما يراه مِنَ المصلحة؛ ففي بعض الأحيان لا يجوز له الإظهار والظهور، وفي بعض الأحيان يجب عليه الظهور. وكذلك الوليّ؛ ففي بعض الأحيان قد لا تسمح له المصلحة بالظهور، إذ قد يعترضه الأفرادُ ويُسبّبون له المهالك والمصاعب، كما هو الحال بالنسبة للسيّد هاشم الحدّاد.

  • نحن لا علم لنا بالمصلحة [الّتي يراها] الله تعالى، وإذا كنّا لا نعرف ذلك فلا بدّ لنا مِنَ الاحتياط؛ أوّلًا لا بدّ أن نرجع إلى الوليّ الكامل، فإذا لم نعلم مَن هو، فلا بدّ أن نرجع إلى وصيّ هذا الوليّ، وإذا لم نعرف مَن هو الوصيّ فماذا نفعل ؟ الوصيّ لا بدّ أن يكون كما ذكر السيّد الوالد؛ إمّا أن يكون [مكلّفًا بنصّ واضح] ومكتوب، أو يُعرَّف به أمام الناس. مثلًا مِنَ المعروف أنّ السيّد علِيّ القاضي كتب صريحًا بأنّه أوصى الشيخ عبّاس القوجانيّ، كما كان السيّد أبو القاسم اللواسانيّ وصيًّا للسيّد أحمد الكربلائيّ في النجف الأشرف، وكان جميع الأفراد يعلمون أن هذا الرجل العالِم هو وصيّ هذا الوليّ. ولكن في بعض الأزمنة قد لا يوصي الوليّ الراحل بهذه الوصيّة وبهذا الشكل لعالِم بعده أو لمَن يخلف مقامه، ففي هذه الحالة ماذا نفعل ؟ هنا [يأتي دور] الطريق الثالث وهو طريق الاحتياط؛ يعني لا بدّ للشخص أن يفوّض أمره إلى الله تعالى وأن يسلك مسلك أوليائه وأن يعرف الأمور الّتي فيها رضا لله تعالى.

  • طُبع الآن كتاب مِن مجلّدين في أحوال السيّد علِيّ القاضي الطباطبائيّ [واشتمل على] كلماته وأشعاره ... ووُسِم [بعنوان] (صفحات مِن تاريخ الأعلام) مِن تأليف ولده الفاضل في طهران السيّد محمّد حسن القاضي الطباطبائيّ، وقد أرسل إليّ المجلدين، وأنا طالعتُ المجلّد الأوّل، ووجدتُ فيه واقعًا كلامًا طيّبًا وجيّدًا. [وقد ذَكر فيه] أنّ أربعة أو خمسة مِن علماء النجف رجعوا إلى [السيّد القاضي] والتمسوا منه دستورًا سلوكيّا وأن يلتزموا بأوامره ونواهيه وبالأوراد والأذكار. فأجابهم بجواب عجيب ومتين حيث قال: هل عَمِلتم بما عَلِمتم حتّى تلتمسوا وتطلبوا منّي ما تجهلونه ولا تعلمونه ؟ يعني: أنتم علماءُ وفقهاء وخبراء في المسائل وفي أحاديث الأئمّة عليهم السلام، فأنتم عالمون بجِد، فبينكم وبين الله هل عَمِلتم بما عَلِمتم واقعًا إلى الآن حتّى [يصحّ] أن تطلبوا [منّي] المسائل الّتي تجهلونها، أم أنّكم لم تعملوا بها ؟! هذا المطلب عجيبٌ جدًّا وحسنٌ جدًّا؛ يعني إذا الرجل واقعًا [أخلص لله وكان صادقًا] بينه وبين لله تعالى وفوّضه نفسه وتوكّل عليه واقعًا وعمِل طبق ما يعلم به، فمِنَ المستحيل أن يتركه الله تعالى بحاله دون أن يأخذ بيده، هذا مستحيل. وعليه، ففي هذه الحالة [الّتي لا نعرف فيها الوصيّ الظاهريّ] ..

  • مرور السيّد العلّامة الطهرانيّ في مرحلة الاحتياط في السلوك

  • قد مرّ السيّد الوالد أيضًا بتلك المرحلة، فلم تكن المراحل الّتي مرّ بها على حالة واحدة.

  • نعم إنّ الأفراد الّذين كانوا في زمن السيّد الوالد ورجعوا إليه، كانوا يرجعون إلى وليّ كامل .. الآن هو راحل، ولكنّي ابنه وأنا أُخبر عن عِلم، فهذه المسألة كانت ظاهرة فيه بلا خلاف ولا شك، ونحن خبراء في ذلك، إذ قد تفحّصنا وتأمّلنا في أحوال الأولياء والعرفاء والعلماء ووجدنا فيه ذلك.

  • حسنًا، فمراحل السيّد الوالد لم تكن على حالة واحدة؛ ففي مرحلة مِنَ المراحل رجع إلى السيّد محمّد حسين الطباطبائيّ، حيث كان تلميذًا له في الفلسفة والتفسير والعرفان النظريّ في قُمّ المقدّسة، مع أنّ السيّد محمّد حسين الطباطبائيّ لم يكن أستاذًا [في السير والسلوك]، يعني لم يوص له أستاذه السيّد علِيّ القاضي الطباطبائيّ أبدًا، لا كتابيًّا ولا شفاهةً، وهذا الواضح. كما أنّ السيّد محمّد حسين الطباطبائيّ لم يدّع ِ أنّه أستاذ. وقد تتلمذ والدي عنده سبع سنين متوالية، وكان يأخذ منه بعض المسائل ويستشيره في بعض الأمور ويراجعه ويسأله حلّ المشكلات العقائديّة وغير العقائديّة، وعلى حدّ قول السيّد الوالد أنّ استفادته العلميّة كانت مِنَ السيّد محمّد حسين الطباطبائيّ، وكان له عليه حقًّا عظيمًا وعجيبًا. وكثيرًا ما كان السيّد الوالد يقول بحقّ السيّد محمّد حسين الطباطبائيّ أنّ الملائكة لا يذكرون اسمه إلّا وهم على طهارة؛ يعني أنّه وإن كان مجهولًا في هذه الدنيا، ولكنّ الملائكة المقرّبين في العوالم العُليا وفي عالم الآخرة يُكرّمونه ويُكرمونه ويعظّمون اسمه ولا يذكرون اسمه على غير طهارة؛ يعني كان واقعًا بحيث أنّنا لم نر مثل هذا العلّامة السيّد محمّد حسين الطبطبائيّ في الطهارة والقداسة والتقوى والتواضع والإعراض عن الدنيا ورفض الأمور الدنيّة والدنيويّة، وفي [بلوغ] المراحل العالية في العلم وانكشاف الحقائق الباطنيّة وانكشاف الحقائق القرآنية [كما يظهر] في تفسيره، فلم نر مثله حتّى الآن. ومع هذا لم يكن السيّد الطباطبائيّ أستاذًا [في السيّر والسلوك].

  • وكان السيّد الوالد يعتمد الطريق الثالث [في هذه المرحلة وهو الاحتياط] – وقد تعرّضتُ لهذا الموضوع في [محاضرات] السير والسلوك – فبما أنّه لم يكن يعرف الوليّ الكامل ولا وصيّ الوليّ الكامل، رأى حينئذٍ أنّه لا بدّ أن يرجع إلى مَن هو خبير بهذا الطريق، وليس هناك أخبر وأشدّ أهليّة لهذا مِنَ السيّد محمّد حسين الطباطبائيّ. فوجد في نفسه أنّه لا بدّ أن يرجع إلى هذا الشخص، فذهب إليه واستفاد منه استفادة عظيمة. وهو قد أوصى السيّد الوالد أنّه إذا هاجر إلى النجف الأشرف فليذهب إلى الشيخ عبّاس القوجانيّ وليأخذ منه دستورًا وليرجع إليه. [أقول:] وذلك مع أنّني متأكّد أنّ مقام السيّد محمّد حسين الطباطبائيّ أعلى بكثير مِنَ الشيخ عبّاس القوجانيّ في ذاك الزمان. ماذا يعني هذا ؟ إنّ هذا ما يراه الوليّ الكامل مِنَ المصلحة؛ يعني إن كان للوليّ الكامل عدّة تلامذة مختلفين، مثلًا خمسون تلميذًا أو عشرون، وهم على مراتب مختلفة بعضهم طبعًا أعلى مِن بعض، ومع ذلك كلّه تراه يوصي إلى أدنى هؤلاء التلامذة لا إلى التلميذ الأعلى مرتبة، أو مثلًا يوصي إلى مَن يكون في مرتبة وسطى بين هؤلاء التلامذة لا إلى مَن هو في المرتبة الأعلى.

  • وأنا متأكّد أنّ السيّد محمّد حسين الطباطبائيّ، وحتّى أخيه وبعض مَن كان في زمن السيّد علِيّ القاضي كالسيّد حسن المسقطيّ، كانوا جميعهم أعلى بمراتب مِنَ الشيخ عبّاس القوجانيّ، ومع ذلك فإنّ الوليّ، أعني السيّد علِيّ القاضي، لم ير مصلحة في جعل الوصاية لهؤلاء الأفراد بل [رأى المصلحة في] جعل الوصاية للشيخ عبّاس القوجانيّ ليكون هو الواسطة بين الفرد وبين الله تعالى.

  • وعلى هذا، نفهم مِن هذه المسائل أنّ الوصيّ الظاهريّ هو الّذي يأخذ بيد الأفراد، وهو الّذي يكون واسطة بين الفرد وبين الله تعالى، ولكنّه واسطة فقط وليس له [في نفسه] موضوعيّة في هذا الطريق، فليس مستقلًّا في الهداية ولا يكون مستقلًّا في الإفادة والاستفادة، فهو مجرّد واسطة كواسطة أيّ خبير ظاهريّ؛ كصديقكم مثلًا الّذي يدلّكم على الخير، فيأخذ الله تعالى بأيديكم بواسطة هذا الصديق. فمقام وموقعيّة الوصيّ الظاهريّ هو كهذا الشخص [الصديق] ..

  • ومع هذا، فمِنَ الممكن أن يكون في زمن الوصيّ الظاهريّ، الموكّل بهذا الأمر، مَن هو أخبر منه ومؤهّل لهذا الطريق، نعم هذا الأخير ليس بأستاذ ولا وليّ ولكنّه أخبر وخبرته أعلى وأشدّ في السير والسلوك والأمور الباطنيّة والطريق إلى الله [مِنَ الوصيّ الظاهريّ]، إلّا أنّ الوليّ لا يرى المصلحة في أن يجعل الوصاية له.

  • هذه هي الطُرق الثلاث: فإمّا أن يكون الوليّ [موجودًا، فنرجع إليه]، وإمّا أن يكون هناك وصيّ ظاهريّ [فنرجع إليه]، وإمّا أن لا يجد الإنسانُ الوليَّ ولا الوصيّ فحينئذٍ لا بدّ مِنَ الأخذ بالاحتياط.

  • والاحتياط هو [ما ذكرناه]؛ يعني أن يقوم المرء بأعماله طبقًا لرضى الله تعالى، وأن يتأمّل في كلّ شيء، ويرجع إلى الخبير في الأمور الّتي يريد أن يفعلها .. نحن نقول [عند] انسداد باب العلم أنّ الإنسان إن لم يستطع أن يصل إلى الإمام المعصوم عليه السلام ولا إلى الخبير بالأحكام الشرعيّة فيجب عليه حينئذٍ الاحتياط بمقدار هذا الانسداد، يعني [الاحتياط عند] الانسداد هو المُنجِّز والمؤمّن لطريق الصواب، فلا بدّ حينئذٍ أن يعمل طبق ظنّه بالواقع وطبق ما كلّفه الله تعالى به في هذا الطريق. ففي هذه المرحلة لا بدّ للإنسان أوّلًا أن يُفوّض أمره إلى الله تعالى؛ يعني أن لا يكون في نفسه شيءٌ [مقابل] رضى الله تعالى، وأن لا يكون في نفسه أيّ كدورة وعناد ومعاندة أو ما يخالف أمر الله تعالى؛ يعني لو كان الإمام الحجّة عليه السلام حاضرًا في هذا المجلس وجالسًا أمامه وأمره بشيء، فهل كانت نفسه ستتّبع وتطيع هذا الإمام أم لا.

  • هذه المسألة واقعًا جديّة؛ فإذا كان الإنسان على هذه الكيفيّة في جميع أحواله – [بحيث يراجع نفسه دائمًا] في أنّه لو كان الإمام المعصوم الحجّة جالسًا عنده وأمره بشيء ما فهل كان سيطيعه أم لا – وحوّل نفسيّته وغيّرها بهذا [النوع مِنَ] التغيير، فسيأخذ الله تعالى بيده حتمًا ولن يتركه، إن أصبح الإنسان بهذا الشكل.

  • وهذا مِن تفويض الأمر إلى الله تعالى؛ فلا بدّ أوّلًا أن يفوّض الإنسانُ ويوكّل أمره لله تعالى، ويدعو ويطلب مِنَ الله تعالى أن يأخذ هو بيده ويدلّه على الخبير، سواءٌ كان وليًّا – وهذا هو الأحسن – أم كان وصيًّا – وهو الحسن – أم كان خبيرًا، [وهذا الأخير] قد يكون صديقًا ورفيقًا ولكنّه خبير، وهذا الصديق والرفيق الخبير بالمسير والطريق قد يُستفاد منه أكثر مِنَ الوصيّ الظاهريّ، فيكون الله تعالى قد جعل هذا الخبير واسطة بين الله وبين نفس العبد، لأنّ العبد فوّض نفسه لله تعالى، فعلى الله حينئذٍ أن يأخذ بيده.

  • فما نريد قوله هو أنّ علينا بالخطوة الأولى، أمّا باقي الخطوات فهي على الله تعالى، بل حتّى الخطوة الأولى هي على الله تعالى، مِن حيث أنّ الله تعالى هو الّذي يوّفق الشخص في كلّ [المراحل] بداية واستمرارًا وختامًا، كما قال الإمام [علِيّ] عليه السلام «إن لم تبتدئني الرحمة منك بحسن التوفيق فمَن السالك بي إليك في واضح الطريق»٥، فلا بدّ أن يكون توفيقُ الله تعالى قرينًا ومصاحبًا لنا مِن بداية الأمر، وذلك لكي يخطر في بالنا [ذلك الخطور] ولكي نفكّر في أحوالنا، فهذا الخطور وهذا التفكير وتلك المسائل جميعها تبتدئ بتوفيق مِنَ الله تعالى، واستمرارها أيضًا بيد الله تعالى وكذلك في الوصول إلى النهاية، كلّ ذلك بيد الله تعالى.

  • قد أطلنا الكلام في هذا [الموضوع]، ولأنّ المسألة مهمّة تعرّضنا لها. [والآن] لن نستطيع الإجابة على باقي الأسئلة، ونرجوا الله تعالى – إن شاءَ – أن يوفّقنا لِلُقياكم مرّة ثالثة، فنجيب – إن شاء الله – عن باقي الأسئلة في مجلس نُعيّنه بعد أيّام، إن وفقنا الله تعالى لذلك.

  • على كلّ حال، فالمسألة الّتي تعرضتُ لها في هذه الجلسة هي مسألة مهمّة، وكان الكثير مِنَ الأفراد يسألونني: مَن هو الوصيّ الظاهريّ أو الباطنيّ. ويراجعونني في ذلك. فشرحتُ لهم هذا المطلب في النهاية، وبيّنتُ لهم المسألة؛ بأنّ لله تعالى أحوال مختلفة ومصالح مختلفة في كلّ زمان ولكلّ فرد؛ فقد نجد في زمان ما وليًّا ووصيًّا، كما هو حال بعض العلماء الفقهاء الكُمّل، فهم أولياء كما أنّهم أوصياء الوليّ الراحل. وأحيانًا نجد وليًّا كاملًا ولكنّه ليس بوصيّ، كما هو حال السيّد هاشم الحدّاد، فقد كان وليًّا كاملًا ولكنّه لم يكن و