فضل شهر رمضان وأهمّ أعماله

سيرة أولياء الله في شهر رمضان

783
مشاهدة المتن

المؤلّفالهیئة العلمیة لموقع مدرسة الوحي

القسم الاخلاق والحکمة والعرفان


التوضيح

بماذا يمتاز شهر رمضان عن شهري رجب وشعبان؟ وكيف يجب على الإنسان أن يستعدّ له؟ وكيف يتلقّى نفحاته وبركاته وماذا عليه أن يفعل فيه؟ وفي ليلة القدر وفي يوم العيد؟ وكيف كان أولياء الله يفعلون فيه؟
تجيبك هذه المقالة بشيء من التفصيل عن ذلك.

/۲۳
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

فضل شهر رمضان وأهمّ أعماله - سيرة أولياء الله في شهر رمضان

1
  •  

  • هو العليم 

  •  

  • فضل شهر رمضان وأهمّ أعماله

  • سيرة أولياء الله في شهر رمضان

  •  

  • إعداد: الفريق العلمي في موقع مدرسة الوحي

  •  

  • بحث منتخب من كتب ومحاضرات 

  • سماحة آية الله السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهراني 

  • وسماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهراني 

  • رضوان الله عليهما.

  •  

  •  

فضل شهر رمضان وأهمّ أعماله - سيرة أولياء الله في شهر رمضان

2
  •  

  •  

  • بسم اللَه الرّحمن الرّحيم

  • الحمدُ لِله ربّ العالَمين

  • والسّلام على خيرِ خَلقه محمّدٍ وأهلِ بيته أجمَعين

  • ولعنةُ اللَه على أعدائهم إلى يوم الدّين

  •  

  •  

  • [تبيّن المقالة التي بين يديك أهميّة شهر رمضان وخصوصيّاته وأهمّ أعماله، وهي مأخوذة من كلمات سماحة العلاّمة آية الله السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ ونجله آية الله السيّد محمّد محسن الطهراني رضوان الله عليهما].

  • خصائص شهر رمضان في كلام رسول الله صلّى الله عليه وآله 

  • روى الإمام الرضا عن آبائه عن أمير المؤمنين عليهم السلام أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله خطب فينا فقال: عن الرّضا عليه السّلام، عن آبائه عليهم السّلام، عن عليّ عليه السّلام:

  • «إنَّ رَسولَ اللهِ صلّى الله عليه وآله وسلّم خَطَبَنا ذاتَ يَومٍ فَقالَ: أيُّها النّاسُ إنَّهُ قَد أقبَلَ إلَيكُم [عليكم‌] شَهرُ اللهِ بِالبَرَكَة والرَّحمَة والمَغفِرَة شَهرٌ هو عِندَ اللهِ أفضَلُ الشُّهورِ، وأيّامُهُ أفضَلُ الأيّامِ، ولَياليهِ أفضَلُ اللَّيالي، وساعاتُهُ أفضَلُ السّاعاتِ. هو شَهرٌ دُعيتُم فيهِ إلَى ضيافَة اللهِ، وجُعِلتُم فيهِ مِن أهلِ كَرامَة اللهِ أنفاسُكُم فيهِ تَسبيحٌ، ونَومُكُم فيهِ عِبادَة، وعَمَلُكُم فيهِ مَقبولٌ، ودُعاؤُكُم فيهِ مُستَجابٌ. فاسألوا اللهَ رَبَّكُم بِنِيّاتٍ صادِقَة وقُلوبٍ طاهِرَة أن يُوَفِّقَكُم لِصيامِهِ وتِلاوَة كِتابِهِ؛ فَإنَّ الشَّقِيَّ مَن حُرِمَ غُفرانَ اللهِ في هَذا الشَّهرِ العَظيمِ. واذكُروا بِجوعِكُم وعَطَشِكُم فيهِ جوعَ يَومِ القيامَة وعَطَشَهُ، وتَصَدَّقوا عَلَى فُقَرائِكُم ومَساكينِكُم، ووَقِّروا كِبارَكُم، وارحَموا صِغارَكُم، وصِلوا أرحامَكُم، واحفَظوا ألسِنَتَكُم، وغُضُّوا عَمّا لا يَحِلُّ النَّظَرُ إلَيهِ أبصارَكُم وعَمّا لا يَحِلُّ الاستِماعُ إلَيهِ أسماعَكُم، وتَحَنَّنوا عَلَى أيتامِ النّاسِ يُتَحَنَّن عَلَى أيتامِكُم، وتوبوا إلَى اللهِ مِن ذُنوبِكُم، وارفَعوا إلَيهِ أيدِيَكُم بِالدُّعاءِ في أوقاتِ صَلاتِكُم؛ فَإنَّها أفضَلُ السَّاعاتِ: يَنظُرُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ فيها بِالرَّحمَة إلَى عِبادِهِ، يُجيبُهُم إذا ناجَوهُ، ويُلَبِّيهِم إذا نادَوهُ، ويُعطِيهِم إذا سَألوهُ، ويَستَجيبُ لَهُم إذا دَعَوهُ.

  • أيُّها النَّاسُ، إنَّ أنفُسَكُم مَرهونَةٌ بِأعمالِكُم، فَفُكُّوها بِاستِغفارِكُم، وظُهورَكُم ثَقيلَة مِن أوزارِكُم، فَخَفِّفُوا عَنها بِطولِ سُجودِكُم. واعلَموا أنَّ اللهَ أقسَمَ بِعِزَّتِهِ أن لا يُعَذِّبَ المُصَلِّينَ والسّاجِدينَ وأن لا يُرَوِّعَهُم بِالنّارِ يَومَ يَقومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمينَ.

  • أيُّها النّاسُ مَن فَطَّرَ مِنكُم صائِمًا مُؤمِنًا في هَذا الشَّهرِ كانَ لَهُ بِذَلِكَ عِندَ اللهِ عِتقُ نَسَمَة ومَغفِرَةٌ لِما مَضَى مِن ذُنوبِهِ. قيلَ: يا رَسولَ اللهِ, فَلَيسَ كُلُّنا يَقدِرُ عَلَى ذَلِكَ، فَقالَ صلّى الله عليه وآله وسلّم: اتَّقوا اللهَ [النّارَ ولَو بِشِقِّ تَمرَة اتَّقوا النّارَ] ولَو بِشَربَة مِن ماءٍ.

فضل شهر رمضان وأهمّ أعماله - سيرة أولياء الله في شهر رمضان

3
  • أيُّها النّاسُ مَن حَسَّنَ مِنكُم في هَذا الشَّهرِ خُلُقَهُ كانَ لَهُ جَوازًا عَلَى الصِّراطِ يَومَ تَزِلُّ فيهِ الأقدامُ، ومَن خَفَّفَ في هَذا الشَّهرِ عَمّا مَلَكَت يَمينُهُ خَفَّفَ اللهُ عَلَيهِ حِسابَهُ، ومَن كَفَّ فيهِ شَرَّهُ كَفَّ اللهُ عَنهُ غَضَبَهُ يَومَ يَلقاهُ، ومَن أكرَمَ فيهِ يَتِيمًا أكرَمَهُ اللهُ يَومَ يَلقاهُ، ومَن وَصَلَ فيهِ رَحِمَهُ وَصَلَهُ اللهُ بِرَحمَتِهِ يَومَ يَلقاهُ، ومَن قَطَعَ فيهِ رَحِمَهُ قَطَعَ اللهُ عَنهُ رَحمَتَهُ يَومَ يَلقاهُ، ومَن تَطَوَّعَ فيهِ بِصَلاة كَتَبَ اللهُ لَهُ بَراءَةً مِنَ النّارِ، ومَن أدَّى فيهِ فَرضًا كانَ لَهُ ثَوابُ مَن أدَّى سَبعينَ فَرِيضَة فيما سِواهُ مِنَ الشُّهورِ، ومَن أكثَرَ فيهِ مِنَ الصَّلاة عَلَيَّ ثَقَّلَ اللهُ ميزانَهُ يَومَ تَخِفُّ المَوازينُ، ومَن تَلا فيهِ آيَةً مِنَ القُرآنِ كانَ لَهُ مِثلُ أجرِ مَن خَتَمَ القُرآنَ في غَيرِهِ مِنَ الشُّهورِ.

  • أيُّها النّاسُ، إنَّ أبوابَ الجِنانِ في هَذا الشَّهرِ مُفَتَّحَةٌ، فَاسألوا رَبَّكُم أن لا يُغَلِّقَها عَنكُم [عَلَيكُم‌]، وأبوابَ النِّيرانِ مُغَلَّقَةٌ، فَاسألوا رَبَّكُم أن لا يُفَتِّحَها عَلَيكُم، والشَّياطينَ مَغلولَةٌ، فَاسألوا رَبَّكُم أن لا يُسَلِّطَها عَلَيكُم.

  • قالَ أمير المؤمنين عليه السّلام: فَقُمتُ فَقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ (صلّى الله عليه وآله) ما أفضَلُ الأعمالِ في هَذا الشَّهرِ؟ فَقالَ: يا أبا الحَسَنِ، أفضَلُ الأعمالِ في هَذا الشَّهرِ الوَرَعُ عَن مَحارِمِ اللهِ».۱

  • الفرق بين شهر رمضان وشهري شعبان ورجب

  • الخصوصيّة التي يمتلكها هذا الشهر هي عبارة عن حيثيّة سعة الرحمة الإلهيّة حيث إنّ جميع العباد شركاء في هذا النوع من سعة الرحمة. في شهر رجب، تقدّم أنّ شهر رجب رغم أنّ رحمة الله فيه تشمل جميع الناس، ولكن هناك خصوصيّة لشهر رجب بالنسبة إلى أولياء الله والذين طووا مراتب من السلوك، والحالات والجذبات التوحيديّة في شهر رجب تفوق شهر شعبان ورمضان، أمّا في شهر رمضان فإنّ حيثيّة الرحمة الإلهيّة تلك ستكون شاملة للجميع، وكلّ إنسان يأخذ بمقدار سعته، فهذا في شهر رمضان أكثر من شهر رجب. أي حالات توجّه الإنسان وتلك الروحانيّة والانبساط وحالة اللطافة وحالة الخفّة. ففي شهر رجب يختلف الأمر، الحالات هي حالات سلوكيّة شديدة، حالات قويّة لتلك الجذبات التوحيديّة والواردات والبارقات، ولكن في شهر رمضان يشعر الإنسان بحالة من الخفّة. كأنّ جانب الرأفة والعطف الإلهيّين يغلبان في شهر رمضان، وكيفيّة نزول الفيض في شهر رمضان كيفيّة عامّة، فلهذا فإنّ العبارات التي نقلت عن الأئمة عليهم السلام والنبيّ صلّى الله عليه وآله حول شهر رمضان مختلفة. فالعبارات عامّة شاملة، أي إنّها تشمل جميع الناس، فالخطاب في شهر رمضان هو للجميع، على الجميع أن يأتوا، على الجميع أن يجتمعوا هنا على هذه السفرة، وعلى الجميع أن يستفيدوا من هذه المائدة التي بسطها الله ، ولهذه القضيّة أهميّة جعلت الرسول الأكرم يقول في الجمعة الأخيرة من شهر شعبان بناء على رواية، أو في اليوم الأخير منه على رواية أخرى ولا تنافي بينهما: «فإنّ الشقيّ من حرم رضوان الله في هذا الشهر العظيم»۱فقد ذكر النبيّ الأكرم عنوان الشقيّ، فالشقيّ هو من حرم الرحمة الإلهيّة في هذا الشهر، فانظروا إلى أين يصل الأمر، كم على الإنسان أن يكون بعيدًا! وأيّة مصيبة عليه أن يحتمل بحيث إنّه رغم هذه القوّة والشدّة والغزارة في مطر رحمة الله في هذا الشهر إلا أنّها لا تشمله، فينبغي أن يكون الإنسان شديد الشقاء حتّى يكون كذلك، ينبغي أن يفتح لنفسه حسبًا. فالنبيّ الذي يبشّر الجميع بالرحمة وبالغفران عليه أن يخاطب آخرين بأنّهم أشقياء. «فإنّ الشقيّ من حرم رضوان الله في هذا الشهر العظيم».هذا الشهر هو شهر مبارك جدّاً، ورحمة الله تعالى واسعة فيه إلى درجة أنّ رسول الله قال: «فإن الشقي من حرم رضوان الله في هذا الشهر» ؛ فالشقي هو الذي يُحرم من الاستفادة من مطر الرحمة هذا الذي ينزل على رؤوس الجميع، فيذهب ويجلس تحت السقف! أو يحمل مظلّة حتى لا يتبلّل بهذه الرحمة الإلهيّة! فالتعبير بلفظ الشقيّ ليس بالتعبير السهل أو البسيط، بل هو تعبير قاس؛ فالشقي هو الذي أغلق جميع أبواب الرحمة في وجهه.. على من نطلق لفظ شقي؟ نطلقها على يزيد وابن زياد وأمثالهم؛ فالشقي هو الذي بقي في هذا الشهر محروماً من رحمة الله.٢ 

    1.  نور ملكوت الصوم، جلسة ۱، ص ٤ عن وسائل الشيعة. 
    2.  شرح دعاء أبي حمزة الثمالي سنة ۱٤٣٥ الجلسة ۱ ص ۱٣.

فضل شهر رمضان وأهمّ أعماله - سيرة أولياء الله في شهر رمضان

4
  • حسنًا ينبغي لنا أن نفهم أنّ النبيّ عندما يقول: «فَإِنَّ الشَّقِيَ مَنْ حُرِمَ غُفْرَانَ اللَّهِ» فماذا يريد أن يوصل لنا؟ ما هو الأمر المهم الذي يريد أن يقوله؟ يريد أن يقول: يا ابن آدم، يا من أتيتُ لأهديك: لقد جئت لآخذ بيدك، لقد أحضرت التشريع من أجلك، وأحضرتُ هذه الأحكام من أجلك، فاعلم أيّ أمرٍ مهمٍ وضعتُ في يدك! وأيّ كيمياء أهديتك! وأي جوهرٍ ثمينٍ!عليك أن تعرف قيمتها. لا تكوننّ شقيًّا! لا تكونّن ممّن يأتي عليه شهر رمضان ثمّ يمضي دون يحصل على النتيجة المقصودة والمطلوبة.۱ 

  • وفي بعض الروايات ويبدو أنّها عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال: «من لم يغفر له في شهر رمضان لم يغفر له إلى مثله من قابل إلا أن يشهد عرفة»٢ فمن حرم الرحمة الإلهيّة فعليه أن يصبر إلى عرفات في ذي الحجّة، ففي عرفات إذا تشرّف الناس بالذهاب إلى عرفات هناك يصبح مشمولاً للرحمة الإلهيّة... .

  • وفي شهر رمضان أيضًا حكم كهذا، فالرحمة الإلهيّة في شهر رمضان تنزل بحيث يشعر الإنسان أنّهم يحرّكونه شاء أم أبى، فالمسألة ليست بيده. هل رأيت إذا كانت الطريق منزلقة فإنّ السيّارة تتحرّك بنفسها حتّى ولو كان محرّكها مطفأ، يكفي أن لا يضغط على المكابح، فإنّها تمشي بنفسها، ولكن نحن نأتي ونضغط على المكابح، نوقفها، نمسك بها. ففي شهر رمضان شاء الإنسان أم أبى يتحرّك، إلا أن يأتي ويضغط على المكابح، إلا أن يأتي بالأدوات والوسائل المختلفة ويقف أمام هذه الرحمة، ويخرّبها. لذلك فإنّ النبيّ في هذه الرواية قال: «أنفاسكم فيه تسبيح» ليس لدينا ذلك في غير شهر رمضان، وهذه المسألة ليست مسألة تعبّديّة. فلماذا أنفاسنا لها حكم التسبيح في شهر رمضان؟ لأنّ هذا النفَسَ منبعث من الحال، إذا تغيّر الحال وحصل حال من التقرّب، فإنّ اللحظات التي تمرّ على الإنسان ماذا تكون؟ لحظات الاقتراب لها حكم التسبيح، لها حكم الذكر«نومكم فيه عبادة».٣ 

  • التوبة قبل شهر رمضان

  • توجد رواية منقولة عن الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم، يقول فيها:

  • «أَلاَ إِنَّ لِلهِ فِي أَيَّامِ دَهْرِكُمْ نَفَحَاتٌ، أَلَا فَتَعَرَّضُوا لَهَا» (لكي تتنزّل هذه النفحات الإلهيّة والسبحانيّة وتتجلّى على قلوبكم)، «ولاَ تُعرِضوا عَنها».٤

    1.  المصدر السابق ص ۱۸. 
    2.  وسائل الشيعة، ج۷، ص ٢٢۱.
    3.  عنوان البصري ج٤٥ ص ٢۱.
    4.  بحار الأنوار، ج ٦۸، ص ٢٢۱؛ كنز العمّال، ج ۷، ص ۷٦٩، باختلاف يسير: «قالَ رسولُ اللهِ صلّى اللهُ عليه وآلِهِ وسّلّم: «إِنَّ لِرَبِّكُمْ فِي أَيَّامِ دَهْرِكُمْ نَفَحَاتٌ، فَتَعَرَّضوا لَها؛ لَعَلَّهُ أن يُصيبَكُم نَفحةٌ مِنها، فَلاَ تَشقون بَعدَها أبدًا"».

فضل شهر رمضان وأهمّ أعماله - سيرة أولياء الله في شهر رمضان

5
  • فإذا وجّهتَ قلبَك إلى الله تعالى عند مجيء هذه النفحات الخاصّة، فإنّه سيلتقطها؛ لكن، إن كنت غافلاً في تلك الأثناء، فإنّ ذلك سيكون بالضبط مثل نزول الماء من السماء وأنت حامل وعاءً مقلوبًا، حيث ستسقط قطرات الماء على هذا الوعاء، وتجري من جوانبه؛ وحينئذ، لن يمتلئ الوعاءُ أو السطل أو الصينيّة من ذلك الماء. فحينما تحلّ النفحات من عالم الغيب، فإذا كان الإنسان غافلاً عن الله تعالى ومنشغلاً بغيره، فإنّ هذه النفحات ستأتي، وتنصبّ على رأسه وقلبه؛ لكن، من دون أن تنفذ إلى هذا القلب، بل ستجري عليه، وعلى جوانبه. وأمّا إذا كان الإنسان مراقبًا في تلك الأثناء، وكان في حال توجّه، فإنّ قلبه سيلتقط تلك النفحات.۱ 

  • كان الأولياء يوصون الرفقاء بأن يتوبوا إلى الله قبل شهر رمضان المبارك، وذلك بأن يغتسلوا غسل التوبة، وهو نفسه غسل الاستخارة، ثم بعد ذلك يصلّي ركعتين، ثم يقول مائة مرّة في حال السجود: أستغفر الله ربي وأتوب إليه، وحالته عند الاستغفار ينبغي أن تكون الخروج واقعاً من جوانب الكثرة والورود في حريم العبودية.. يقول: يا ربّ كلّ ما كان عندنا من الأنانيّة حتّى الآن.. وكلّ ما كان عندنا من الفرعونيّة حتّى الآن.. نضعها الآن جانباً، ونلجأ إليك ونتوجّه نحوك لكي تختار لنا وتقدّر لنا، وما تقدّره لنا فذلك هو مرادنا ومطلوبنا فحتّى الصيّام إذا كان من أجل النفس فنحن لا نريده.. إنّ الصيّام مهمّ جداً، ومن الضروري أن يصوم الإنسان حتّى يصل على تلك الحالات والمقامات والنعم، ولكنّ الأولياء يأخذوننا إلى ما هو أعلى وأعظم من ذلك! يقولون لنا: لا تقفوا هنا! يا ربّ إنّ الصوم الذي نصومه هو من أجل الوصول إليك والتقرّب منك .٢

  • أهميّة المراقبة في شهر رمضان

  • أهمّ مسألة في الاستعداد لهذه الأشهر المباركة هي مسألة رفع الخيال، و هذا المطلب واضح بشكل عامّ، بل يمكننا أن نقول أنّ معنى المراقبة هو هذا ، فمعنى المراقبة هو أن يقوم الإنسان بتصحيح خياله بالنسبة للمسائل، و يقضي على التوهّمات الباطلة، و يسعى أن يتفكّر أكثر في المسائل و المطالب٣ فقد سئل أحد العرفاء: ما هو التوحيد؟ فقال: التوحيد تصحيح الخيال، فإذا صحّحت خيالك فقد وصلت إلى التوحيد٤.

    1. شرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثمالي، العلامة الطهراني، الجلسة ۱٦ ص ۸. 
    2.  عنوان البصري جلسة ٢۰۰ ص ۱٢. 
    3.  عنوان البصري، جلسة ۱٩۰، ص ۱۱. 
    4.  المصدر السابق، ص ۱٣. 

فضل شهر رمضان وأهمّ أعماله - سيرة أولياء الله في شهر رمضان

6
  • كلّما عملنا في جانب التخيّل والقوّة الواهمة والمتخيّلة في النفس فإنّا سنخسر في الطرف المقابل. وكلّما أنقصنا القوّة المتوهّمة والمتخيّلة أمكننا أن نستفيض أكثر من أنوار العقل وأنوار البهاء والجلال والجمال الإلهيّ. وامتحان ذلك سهل جدًّا. فليراقب الإنسان ليوم واحد فإنّه يدرك حاله في أثناء الصلاة، وليجلس الإنسان يومًا مع زيد وبكر وخالد وهؤلاء ويتحدّث معهم حول الأمور المختلفة في الأعلى والأسفل وسيدرك بعد ذلك حالاته في الليل.۱

  • إنّ أهمّ الأمور التي يجب رعايتها من أجل الحركة في هذا الطريق، ومن أجل تجاوز التعلّقات الدنيوية، والأوهام، وشقّ الطريق نحو التجرّد، والتوحيد، هو صفاء الذهن و النفس؛ فيجب أن يكون الذهن صافياً من جميع ما يمكن أن يكدّره، ويجب أن تكون النفس صافية؛ فالنفس الغارقة في الأوهام لا يمكنها أن تخطو خطوةً واحدةً في هذا الطريق، فلا يمكنها أن تتوجّه إلى الله، ولا يمكنها أن تصلِّي أو تصوم بالشكل الصحيح؛ وإن قام صاحب هكذا نفس بقراءة القرآن، فسوف لن تتجاوز قراءته المرور على الكلمات الظاهرية للقرآن مروراً عابراً مصحوباً برؤية ألف فيلمٍ من بداية قراءته إلى آخرها، فعندما يقرأ صفحة من القرآن، فستحضر عند قراءته جميع تلك التصوّرات والأوهام التي يمتلكها؛ فكم هو الفرق بين هذه القراءة وتلك التي ينظر فيها إلى ذهنه فيراه خالياً من كلّ شيء، ويرى نفسه خالية من كلّ ما يسبب لها التشويش والاضطراب؛ فهذه واحدة من المسائل المهمّة في هذا المجال.٢

  • على الإخوة والرفقاء أن يعلموا أنّ التقدير الذي يكتب لهم في ليلة الثالث والعشرين يبدأ من اليوم الأول من شهر رمضان، ها قد أعلنت ذلك بوضوح! فلا تظنّوا أنّ بإمكان الإنسان أن يقضي عشرة أو عشرين يوماً من شهر رمضان كيفما اتّفق، وعندما تأتي ليلة الثالث والعشرين نبدأ بتلاوة القرآن وقراءة دعاء الجوشن وباقي الأدعية!! كلاّ فهذا لا فائدة فيه أصلاً، فلا تتعبوا أنفسكم بدون طائل! فدعاء الجوشن الذي نتذكّره فجأة في ليلة الثالث والعشرين، وتلك الصلاة التي نتذكرها فجأة في ليلة الثالث والعشرين لا فائدة فيها! ولكنّ دعاء الجوشن المفيد هو ذلك الدعاء الذي تمّ إعداد الأرضية له منذ اليوم الأوّل لشهر رمضان، حينئذٍ سيكون الدعاء مؤثراً في ليلة الثالث والعشرين، وليس الكلام عن خصوص دعاء الجوشن طبعاً، وإنما ذكرته من باب المثال فقط، بل المقصود هو التوجّه والتنبّه والتذكّر لمقام العبودية والمعبودية، فهذا الحال هو ما ينبغي إعداده منذ اليوم الأول لشهر رمضان المبارك. وبناء على ذلك فإنّ هذا التهيّؤ والاستعداد يزداد قليلاً قليلاً ... وقد أوضحت ذلك سابقاً في بعض المحاضرات، ولا أدري إن كان الإخوة قد سمعوها أم لا، وبيّنا هناك هذه المسألة: أنّه كيف تكون ليلة الثالث والعشرين هي ليلة القدر ومع ذلك نجد أن ليلة التاسع عشر وليلة الحادي والعشرين يطلق عليها أيضاً ليلة القدر، وهناك أوضحت للإخوة بأن مسألة ليلة القدر ليست أمراً يحصل في لحظة واحدة كالورقة التي تطبع بالطابعة؛ بأن يأتي جبرئيل عليه السلام من فوق ويأتي بصحيفة أعمال الإنسان ويضعها بين يدي صاحب الزمان عليه السلام، فيأخذها حضرته، ويمضي عليها بأنّ هذا الأمر سيحصل في الزمان الفلاني، وذاك الأمر سيقع بهذا الشكل لفلان... كلاّ، ليس الأمر كذلك، بل مسألة ليلة القدر عبارة عن حدث تكامليّ، وهذا الحدث التكاملي له بداية وخاتمة؛ أمّا بدايته فمن أوّل شهر رمضان، بل من قبل ذلك، فشهر رجب وشعبان لهما تأثير في هذا الموضوع أيضاً... .

    1.  عنوان البصري، جلسة ۱۱۸، ص ۱٦.
    2.  عنوان البصري، ج ٢٢٦، ص ۱٥.

فضل شهر رمضان وأهمّ أعماله - سيرة أولياء الله في شهر رمضان

7
  • أجل.. مع بداية شهر رمضان يبدأ هذا الحدث، ويتكامل تدريجياً يوماً بعد يوم، والحالة التي يحصل عليها الإنسان في هذه الأيّام بسبب المراقبة، أو بسبب عدم المراقبة، فالمسألة تجري في كلا الطرفين، وهذه الحالة التي يصل إليها تتمّ وتكتمل في ليلة القدر ، وهذا يصبح تقديره ! إنّها نفس تلك الحالة التي حصل عليها بالتدريج سواء كانت إيجابية وحسنة أم سلبية وقبيحة.۱ المراقبة تعني أن يحتفظ الإنسان بحالة التذلّل والشعور بالحاجة دائمًا في نفسه، ويحافظ على عبوديّته لله، فعندما يتعامل مع الناس يتعامل من حيثيّة العبوديّة لا على أساس أنّ له عليهم حقًّا وبلحاظ الكثرة والأنانيّة، فهذه الطريقة من التعاطي في أيّ مرحلة ومقام كانت هي انقطاع للفيض.٢

  • أركان المراقبة الخمسة

  • أمّا كليات المراقبة التي تختلف بجزئيّاتها حسب اختلاف المنازل، فيمكن اختصارها في خمسة أشياء:

  • صَمت و جُوع و سَهَر و عُزلت و ذكرى بدوام***ناتمامان جهان را كند اين پنج تمام٣ و٤
  • الركن الأول: الصمت والسكوت

  • إنّ أحد تلك الدساتير هو «الصمت»، والصمت يعني: السكوت.

  • ولدينا روايةٌ باسم «الرواية المعراجيّة» وهي تبدأ بعبارة «يا أحمد .. يا أحمد» وقد أوردها المرحوم المجلسي في المجلد السابع عشر من كتابه بحار الأنوار نقلاً عن الإرشاد للديلمي٥، ولا يعلم إلّا الله ما تمّ بيانه من أسرارٍ حول الصمت والسكوت في هذه الرواية وأنّه يا أحمد! .. يا أحمد! أولئك الذين وصلوا إلى درجة الصدّيقين والمقرّبين وعبروا الدرجات، بالتأكيد اختاروا السكوت طريقًا لهم٦.

  • ولدينا روايةٌ عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، يقول فيها: «لَوْلا تَمريجٌ۷ في قُلوبِكُم وتَكْثِيرٌ في كَلامِكُم لَرَأَيْتُم ما أَرَى ولَسَمِعتُم مَا أَسْمَعُ»۸، أي: لولا هذا الاضطراب والتشويش والاختلاف في قلوبكم، ولولا هذا التكلّم الزائد، لكنتم مثل المرآة وبالطبع كنتم سترون ما أراه، وكنتم ستسمعون ما أسمعه.

  • وكذلك ورد في حديثٍ نبويٍّ آخر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم أنّه يقول: «لَوْلا أَنَّ الشَّياطينَ يَحُومُونَ حَولَ قُلوبِ بَني آدَمَ لَرَأَوا مَلَكوتَ السَّماواتِ والأَرضِ»٩.

  • علاقة الكلام بالقلب

  • ما علاقة كثرة الكلام بالقلب؟ انظروا! إنَّ لكلام الإنسان وحديثه أثرًا وجوديّاً ينشأ من نفسه ومن إرادته، فإنّ النفس ترى شيئًا ما، وتتصوّر صورةً، ويُصبح لديها أُمنِيةً، فتلاحظ صورةً ناجمةً عن المعنى أو عن الصور الذهنيّة، وعندها يُلقي الإنسان ذلك المعنى الذي أرادته نفسه على الآخرين في الخارج، وليس هناك من طريقٍ آخر لإلقاء ذلك المعنى غير اللسان، فإذن الكلام ليس منفصلًا عن القلب، بل هو أثرٌ يحكي عن القلب وعن النيّة؛ فإذن الحديث تعبيرٌ عن النفس وحقيقة الإنسان، الحديث تعبيرٌ عن صاحب النفس، وإشارةٌ إلى الشقيّ والسعيد، إنَّ أفكار الإنسان ونواياه وعقائده، وإرادته هي من آثار نفس الإنسان، والكلام إنّما يحكي عنها فإنّ الوجود نازلٌ عن تلك المعاني المنطوية في النفس، يعني: عندما نُنزّل رغبة النفس أو طلبها أو إرادتها إلى الأسفل، فإنّنا ننزّلها بواسطة الكلام والبيان والإشارة؛ فإذن حديث كلّ فردٍ يُمثّله، ويُمثّل شخصيته وحركته لأنَّ كلامه يُظهره؛ هذه هي العلاقة بين الكلام والقلب.

    1.  عنوان البصري جلسة ٢۰۰ ص ۱٦.
    2.  شرح دعاء أبي حمزة الثمالي، سنة ۱٤٢٣، الجلسة ٤.
    3. يقول: «صمتٌ و جوعٌ و سَهَرٌ و عُزلةٌ و دوام الذِّكر؛ فهذه الخمسة ستجعل غير الكاملين في العالم كاملين».
      بالنسبة إلى لزوم رعاية هذه الأشياء الخمسة، فقد وردت روايات تفوق حدّ الإحصاء نذكر منها فقط رواية واحدة ذكرت في «مصباح الشريعة» في الباب ٢۸ من الكتاب، يقول: قَالَ الإمَامُ الصَّادقُ عَليه السّلامُ: «لا رَاحَةَ لِمُؤمِنٍ إلّا عِندَ لِقَاءِ اللهِ تعالى، وَ مَا سِوَى ذَلِك فَفي أرْبَعَةِ: صَمْتٌ تَعْرِفُ بِهِ حَالَ قَلْبِكَ وَ نَفْسِكَ فيما يَكُونُ بَينكَ وَ بَين بَارِئِكَ، وَ خَلْوَةٌ تَنجو بها مِنْ آفَاتِ الزَّمَانِ ظَاهِراً وَ بَاطِنَاً، وَ جُوعٌ تُمِيتُ بِهِ الشَّهَواتِ وَ الوَسْوَاسَ، وَ سَهَرٌ تُنَوِّرُ بِهِ قَلْبَكَ وَ تُصَفي بِهِ طَبْعَكَ وَ تُزَكِيّ بِهِ رُوحَك.»
      وقد ذكرت هنا أركان أربعة *** دون دوام الذكر ، و من المعروف أنّ دوام الذكر من أهمّ المقاصد كذلك.
    4.  الشمس *** الساطعة، ص ۸۱. 
    5.  بحار الأنوار،‌ ج۱۷،‌ ص ۷ إلى ٩ من نسخة الكمباني، و ج ۷٤، ص ٢۷ من طبعة دار التراث العربي؛ الإرشاد ج۱، ص ٢۰٣؛ ولمزيدٍ من الاطلاع على هذه الرواية، راجع كتاب معرفة الله، ج ٢، ص ٥۷. (م)
    6. إشارة إلى هذا المقطع من الرواية: «يَا أَحْمَدُ عَلَيْكَ بِالصَّمْتِ‌ فَإِنَّ أَعْمَرَ مَجْلِسٍ قُلُوبُ الصَّالِحِينَ وَالصَّامِتِينَ». (م)
    7.  أصل المَرْج: الخلط؛ والمَرَج: الاختلاط، راجع: المفرادات للراغب الأصفهاني، ج۱، ص ۷٦٤. (م)
    8.  الميزان في تفسير القرآن، ج ٥، ص ٢۷۰.
    9.  بحار الأنوار، ج ٦۰، ص ٣٣٢، مع أدنى تفاوت.

فضل شهر رمضان وأهمّ أعماله - سيرة أولياء الله في شهر رمضان

8
  • الآن، لماذا لا ينبغي للإنسان أن يتكلّم؟! نعم، إذا كان قلبه صافيًا وطاهرًا مطهّرًا وقد سلك ووصل كالصدّيقين والمقرّبين، فإنّ كلامه عين الحقّ، سواءً قلَّ أم كثُر، وحتّى لو استمرّ من الليل حتَّى الصباح، فلن يختلف الأمر، كالخطب التي ألقاها أمير المؤمنين عليه السلام، والوصايا التي أوصى بها، فإنّها حقٌ؛ لأنَّ هذا الكلام لا ينبع من النفس وإنّما من الله، بالتالي كلامه عين الحقّ، سواءً قلَّ أم كثُر.

  • السكوت يحتاج إلى تدريب وتمرين

  • وأمّا من يُريد العُبور، فينبغي عليه أن يُصحّح حديثه وأن يتحكّم به، وكي يتحكمّ بحديثه يجب عليه أن يتحكّم بقلبه أوّلًا كي لا ينتقل الحديث إلى اللسان مباشرةً؛ لوجود ارتباطٍ بين الحديث والقلب، ولذا ينبغي على الإنسان أن يختار السكوت كي يهدأ القلب ولا يضطرب، فعندما تأتي تلك المعاني إلى ذهن الإنسان عليه أن لا يذكرها بلسانه، بل عليه أن يتوقّف هناك، وأن لا يتيح لتلك المعاني ولو كانت معاني خاطئةً أن تظهر.

  • فمن باب المثال: إن غضب الإنسان وأراد أن يشتم، فإذا لم يحفظ لسانه فسوف يشتم، ولكن لو كان في نيته أن يشتم، إلّا أنّه منع الكلام وضبط نفسه هناك ومنعها، وعضّ على جرحه ومنع نفسه ولم يسمح لها بصدور تلك الألفاظ السيئة، فإذا تكرّر هذا المعنى وأصبح مَلَكةً للإنسان، عندها لن تطرأ له النوايا السيئة مجدّدًا، فإذا أراد الشخص أن يتحدّث بقسوةٍ مع شخصٍ، ولكنّه منع نفسه لوجه الله عشر مرّات، عندها لن تعود له نيّة القسوة مجدّدًا، ولن يُفكّر في القسوة مُجدّدًا، ولن يتكرّر التفكير بذلك الفكر الخَرِب، والتحكّم بذلك هو تحت سلطة اللسان أيضًا، يعني: طريقة ضبط القلب هو حفظ اللسان، يُقال: أطبق اللسان كي لا يخرب القلب؛ فعلّة السكينة الذي تظهر على القلب تعود إلى وجوب سكوت اللسان؛ وإلّا إذا تحرّك اللسان فسيصبح القلب في حالة تَمريجٍ دائمٍ وسيبقى مضطربًا على الدوام؛ لأنّ اللسان يُمثّل القلب، وله علاقة مباشرة مع المدركات القلبيّة.

  • تشبيه جميل للمرحوم القاضي يُبيّن فيه تأثير الكلام على القلب

فضل شهر رمضان وأهمّ أعماله - سيرة أولياء الله في شهر رمضان

9
  • كان المرحوم الحاجّ الميرزا السيّد علي القاضي رحمة الله عليه ـ وهو أستاذ العلامة الطباطبائي وغيره من أساتذتنا ـ يضرب مثالًا لطيفًا وجميلًا حيث كان يقول: عندما يختار سالكُ طريقِ الله السكوتَ، فبواسطة هذا السكوت كأنّه ترك شوائب النفس تترسّب، ففيما مضى كانت المياه تصل عبر القنوات وكان الناس يرمون الماء الملوّث في الخزّان والأحواض، ثمّ يتركونها مدّةً من الزمن إلى أن تترّسب الجزيئات والقاذورات وعندها يصبح الماء صافيًا فيستعملونه.

  • ينبغي على السالك أن يكون ساكتًا وهادئًا بالتأكيد لتترسّب رواسبه، فلو كان ماء الحوض أو ماء الخزّان في حالة حركةٍ دائمةٍ فإنّه لن يترسّب أبدًا وسيبقى ملوّثًا، وبالتالي حتّى تترسّب تلك الشوائب والقاذورات الكامنة في النفس ينبغي بالتأكيد أن يكون الإنسان هادئًا، والهدوء إنّما يحصل بواسطة السكوت، فالسكوت يُسكِّن هذه المياه، فتترسّب جميع الشوائب، ثم تتحجّر بحول الله وقوّته.

  • يعني: إذا ترسّبت هذه الشوائب، ولكنّها لم تتحجّر بعد، فلو ضرب الإنسان الماء بالعصا مرّتين فسوف تتوحّل المياه مرّتين، وأمّا إذا استمرّ على تلك الحال واستقام فسوف تتحجّر تلك الشوائب، إنّ تلك الأحجار التي نراها اليوم على صورة طبقةٍ في الأنهار والبحار والجبال، كانت في السابق طينًا ووحلًا، وعندما استقرّت تحجّرت وتحوّلت إلى حجارةٍ لا يُمكن أن تتحرّك بأيّ وجهٍ من الوجوه، وعندها حينما تتحرّك النفس تكون قد حرّكت ماءً صافيًا، ويكون ذلك الشيطان قد تحجّر هناك، ولم يعد قابلًا للحركة، لأنّ الشيطان يعني: الشوائب، الشيطان يعني: القذارة التي تحجّرت ولم تعد قابلةً للحركة.

  • السكوت يُؤدّي إلى تحجّر شيطان الإنسان

  • ولذا قال النبي: «مَا مِن آدميٍّ إلّا ومَعهُ شيطانٌ»، قيل: يا رسول الله! ومعك شيطانٌ أيضًا؟ فقال: «نعم، ولكِنَّ شَيطاني أَسلَمَ بِيَدي»۱، إذ لو لم يكن للنبيّ نفسٌ، لما أصبح صاحب مقاماتٍ، فهذا الشيطان إنّما أوجده الله العليّ الأعلى، وله نموذجٌ وظهورٌ جعله الله في جميع النفوس، وهو موجودٌ في النبيّ أيضًا، ولكنّ النبي تغلّب على هذا الشيطان وجعله مُسلّمًا لأمره، فللنبي نفسٌ ولكنّه أحسن استغلال نفسه، ولم يُسئ استغلالها، ولكن إذا ترك الإنسان العنان للشيطان وأودع نفسه له وسلَّمَه نفسه إليه، فهنا يكون قد خرّب العمل.

    1.  مجمع الزوائد، ج ۸، ص ٢٢٥.

فضل شهر رمضان وأهمّ أعماله - سيرة أولياء الله في شهر رمضان

10
  • بناءً على هذا، طريق السير والسلوك هو من أجل هدوء النفس؛ لأنّ تجليات الله لا تكون إلّا في ظلّ هدوء النفس، {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}۱، إنَّ موجودات العالم تدعو الإنسان إلى نفسها، وكلّ موجودٍ يُلقي الإنسان في التمريج والتشويش والاضطراب ويجعل خواطره قلقةً ومضطربةً وحزينةً، وفي بعض الأحيان تتغلّب الخواطر على الإنسان وتجرّه نحوها، والقلب يطمئن فقط بذكر الله، فيدفن جميع ذلك في مقبرة النسيان، فلا يعود لخاطرةٍ أو فكرةٍ أو خيالٍ من وجود، ولا شيء من ذلك أبدًا؛ لأنّ القلب قد اطمئن بذكر الله، وترسّبت قاذورات النفس تلك وتحجّرت، وذلك كلّه بواسطة السكوت، ولذا فإنّ أحد الدساتير هو السكوت.

  • مراتب السكوت

  • الآن، كم ينبغي للإنسان أن يسكت؟ يختلف الأمر؛ يختلف الأمر في المنازل والمراحل المختلفة، ففي البداية يقولون للسالك: ينبغي أن تلتزم السكوت عن زوائد الكلام، وليس فقط عن الغيبة والكذب وأمثال ذلك، بل ينبغي أن يبتعد الإنسان حتّى عن الكلام العادي الذي يتكلّم به الإنسان عادةً ولكن لا يكون له فائدةٌ دنيويّةٌ ولا أخرويّةٌ، إذ على الإنسان أن يضع قفلًا على فمه وأن لا يتحدّث بكلامٍ زائدٍ.

  • فرضًا، لو شاركَ الإنسان في مجلسٍ ما، وتحدّث لمدّة ساعةٍ وتسلَّى ثمَّ وقف وتساءل: بماذا تفوّهتُ؟ ماذا كان هذا الكلام وما هي نتيجته؟ وهل كانت له نتيجة دنيويّة؟ هل كانت له نتيجةٌ أخرويّةٌ؟ هل رفع روحي إلى الأعلى؟ هل منحني صفاءً؟ هل كان فيه صلاحي؟ لا! إنّ الجلسات (القعدات)، المسامرات الليليّة، المحادثات النهاريّة والاختلاط وتمضية الوقت، مثلما لو قالوا: لقد تعبنا، لذا دعنا نذهب إلى ذاك المكان لتمضية الوقت، إنَّ هذه الأحاديث تُسبّب ظلمةً وسوادًا في القلب، وتجلب القسوة، وليس من اللازم أن تكون تلك الجُمَل محرّمةً، بل على الإنسان أن يتجنب الكلام في بعض الأمور المباحة أيضًا الذي لا طائل ولا فائدة منه، وينبغي أن يكون المفتاح بيد نفس الإنسان، وعلى الإنسان أن يفكر أوّلًا بما يُريد أن يتكلّم به ثمّ يقوله، لا أنّه يتكلّم أوّلًا ثمَّ يُفكّر هل هذا الكلام الذي تفوهتُ به صحيحٌ أم خاطئٌ؟

    1. سورة الرّعد (۱٣)، ذيل الآية ٢۸.

فضل شهر رمضان وأهمّ أعماله - سيرة أولياء الله في شهر رمضان

11
  • لأمير المؤمنين عليه السّلام جملةٌ عجيبةٌ، حيث يقول: «وإِنَّ لِسَانَ‌ الْمُؤْمِنِ‌ مِنْ وَرَاءِ قَلْبِهِ، وَإِنَّ قَلْبَ الْمُنَافِقِ مِنْ وَرَاءِ لِسَانِهِ»۱، أي أنّ العاقل عندما يُريد أن يتكلّم فإنّه يُدرك أوّلًا ويفهم ثمّ يتكلّم بعد ذلك. بالطبع لا يشتبه أيضًا، وهو على صوابٍ مئةً بالمئة؛ لأنَّه فكّر وكان بيانه طبقًا لتفكيره، أمّا الجاهل فيتكلّم أوّلًا ثمَّ يُفكّر: هل كان كلامي صحيحًا أم غلطًا؟

  • السكوت يشمل التكلّم والسماع

  • ينبغي للسالك أن يجعل ضبط لسانه بيده مئةً بالمئة، وعليه أن يُفكّر في كلّ كلمةٍ يُريد أن يتفوّه بها، وأن يرى هل هذا الكلام صحيحٌ من الأساس أم خاطئٌ؟ وما الفائدة المترتّبة عليه؟ وضبط اللسان هذا يشمل الكلام والمسموعات أيضًا؛ لأنّ ما يسمعه الإنسان يجلب تمريج القلب أيضًا، فلا ينبغي للإنسان أن يستمع كل شيءٍ، بل يكتفي بالأمور المفيدة له.

  • يقول أمير المؤمنين عليه السلام في خطبته لهمّام في وصف المتقيّن في نهج البلاغة: «وَقفوا أَسْمَاعَهُمْ عَلَى الْعِلْمِ‌ النَّافِعِ‌ لَهُم‌»٢، يعني: المتّقون هم أولئك الأشخاص الذين وقفوا أسماعهم على العلوم التي تنفعهم، فإنَّ العلوم التي في الدنيا كثيرةٌ، والأخبار كثيرةٌ، وبالتالي يجب على الإنسان أن يتخيّر ما ينفعه ويتّجه إلى تحصيله.

  • ومن هنا فإنَّ المجالس والمحافل والتجمّعات والخطب وكلّ ما يتمّ عرضه، جميعها لها حُكم المسموعات بالنسبة للإنسان، وينبغي للإنسان أن يُفكّر ماذا ينتخب لنفسه منها، فحتّى لو كانت أمورًا مُحقّةً وليست من الباطل، ولكن السؤال: بماذا تنفعنا؟

  • فلو أنّني أنا العبد الجالس هنا الآن، أتيتُ وتحمّلتُ المشقةَ حتّى الصباح، فاستطعتُ من خلال الرصد والزيج وأمثالها أن أُعيّن مقدار المسافة بين «أورانوس» و«نبتون»، فقُل لي بكلّ إنصافٍ: ما الفائدة المرجوة من هذا الأمر بالنسبة لي؟! حتّى لو كان أمرًا مُحقّاً وصحيحًا، إلّا أنّني أكون بذلك قد أتلفتُ ليلةً من عمري باتباع أمرٍ لا فائدة منه بالنسبة لي، فإنَّ مُنكر ونكير لن يأتوا عند الموت ويسألوني: يا سيّد! لماذا لا تعرف المسافة بين «أورانوس» و«نبتون»؟ بل سيسألونني: مَن ربُّك؟ كم تعرف الله؟ فإذن ينبغي على الإنسان أن لا يتكلّم كثيرًا، ولا ينبغي أن يُنصِت للأمور التي لا تفيده أيضًا، بل عليه أن يتفوّه بما فيه مصلحته، وأن يستمع إلى ما فيه صلاحه.

    1.  نهج البلاغة (عبده)، ج٢، ص٩٤: «وإِنَّ لِسَانَ‌ الْمُؤْمِنِ‌ مِنْ وَرَاءِ قَلْبِهِ، وَإِنَّ قَلْبَ الْمُنَافِقِ مِنْ وَرَاءِ لِسَانِهِ؛ لأَنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكَلَامٍ تَدَبَّرَهُ فِي نَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَ خَيْراً أَبْدَاهُ، وَإِنْ كَانَ شَرّاً وَارَاهُ، وَإنَّ الْمُنَافِقَ يَتَكَلَّمُ بِمَا أَتَى عَلَى لِسَانِهِ، لَا يَدْرِي مَاذَا لَهُ وَمَاذَا عَلَيْه».
    2.  نهج البلاغة (عبده)، ج ٢، ص ۱٦۰.

فضل شهر رمضان وأهمّ أعماله - سيرة أولياء الله في شهر رمضان

12
  • نماذج من الكلام الذي يُعدّ زائدًا والذي لا يُعدّ زائدًا

  • إنّ الأُنس بالعيال والجلوس معهم والاختلاط هو أمرٌ لازم ولا يُعدّ من الكلام الزائد، إلّا إذا كان يُضرّ بالتحكّم باللسان، فمثلًا: إذا أردتم أن تجلسوا مع أهل بيتكم وأن تتحدّثوا معهم، فهنا لا تضبط لسانك بل قم بالحديث بكلّ ما ترغب به، ولكن بالطبع لذلك حدودٌ أيضًا، أو إذا كنتُم تريدون أن تأنسوا بأبنائكم، أو تريدون أن تذهبوا إلى البقّالة لتشتري شيئاً ما، فحتماً ينبغي أن تتكلّم، ولكن إذا أراد البقّال إتلاف وقتك كأن يقول مثلا: «يا سيد! الهواء باردٌ اليوم، الهواء حارٌّ اليوم، لم تُمطر، لماذا بيتك بلا أضواء؟» فعلى الإنسان أن يسكت ويرحل.

  • إذا ذهب الإنسان إلى المسجد وجلس فأتى شخصٌ وجلس إلى جواره [وقال:] «السلام عليكم»؛ [يُجيبه:] «وعليكم السلام». هذا المقدار كافٍ، فلِمَاذا يختلط الإنسان به، ففي نهاية المطاف ليس لهؤلاء الأفراد نفسٌ ملكوتيّةٌ، بل هم من عالم الطبيعة وتملأ أذهانهم الأفكار الدنيويّة، فما إن يجلسوا إلى جوارك حتّى يشرعون بالكلام: «يا سيّد! ارتفعت الأسعار اليوم! يا سيّد! لماذا حصل كذا؟ يا سيّد! لما يحدث كذا؟» ؛ لأنّ أذهانهم مشوّشةٌ ومضطربةٌ، وذلك التشويش والاضطراب يُلقى به إلى ذهن المستمع من خلال اللسان؛ ونفس هذا التشويش الذي حصل له، ينتقل للمستمع أيضًا، السّلام عليكم، عليكم السّلام؛ كيف حالك؟ الحمد لله، وكفى، لا تتجاوز أكثر من ذلك، وبالخصوص مع قُساة القلوب وذوي النفوس الثقيلة والعياذ بالله، فإنّ هؤلاء يُتعِبون السالك ويُؤذونه جدّاً، في بعض الأحيان يرى الإنسان أنّه حينما تحدّث مع شخصٍ ما لمدّة خمس دقائق، فكأنّ جبلًا قد وقع على رأسه، وفي المقابل البعض الآخر ليسوا كذلك، نفوسهم طاهرةٌ ولطيفةٌ وجيّدةٌ، ولو تحدّثتَ معهم لمدّة ساعةٍ فإنّك لا تشعر بالتعب.۱

  • الثاني: الجوع

  • لكن لا الجوع المضرّ بمعنى أنّه على الإنسان أن يترك نفسه جائعاً، ولكن بحيث لا يغلبه الضعف، وأفضل حالة للسالك من الناحية الجسمانيّة هي أن لا يشعر بثقل في معدته، بل أن يشعر بالخفة، لا الضعف... فإن الضعف ليس مطلوباً ولا صحيحاً، بل أثره سلبي.٢

    1.  سبيل الفلاح، الجلسة الخامسة، ص ۱ـ ۷.
    2.  الوصايا الخمس للأشهر للاستفادة من الأشهر المباركة، ص ٤. 

فضل شهر رمضان وأهمّ أعماله - سيرة أولياء الله في شهر رمضان

13
  • ومن الأمور التي كان يهتمّ بها [المرحوم العلاّمة الطهراني] كثيراً هي مسألة الطعام والأكل حيث كان يقول: في هذا الشهر خصوصاً، وكذلك في شهري شعبان و رمضان، ينبغي للسالك أن يغير أسلوب أكله فيكون أكله خفيفاً ليساعده على القيام بالعبادات ففي هذه الأشهر الثلاثة عليه أن لا يشعر بالشبع ولا يشعر بالثقل، فلا يشعر بأنّ الغذاء مسلّط عليه وأنّ المعدة تشغل باله وهذه المسألة مهمّة ومؤثّرة جداً لجلب الفيوضات والجذبات الإلهيّة۱

  • تمّ التأكيد كثيراً في شهر رمضان على مسألة الطعام، فلا ينبغي أن يكون الطعام ثقيلاً، ولا ينبغي أن يحوي الطعام على الدهون ومن غير الجيّد استخدام الأغذية المقليّة وأمثال ذلك، لأنّها توجد ثقلاً في البدن، فكما بينّا سابقاً وكما سنبيّن لاحقاً في مجالس شرح رواية عنوان البصري: هناك علاقة وارتباط بين الغِذاء وبين النفس، رغبنا في ذلك أم لم نرغب، لكن هذا هو الواقع؛ ولذا إن كان الغذاء مناسباً صار حالنا أكثر خفّة، وإن كان الغِذاء غير مناسبٍ فسيقل حظ الإنسان من التوفيق للاستفادة من الأعمال، أو لن يكون له حظّ فيها أصلاً. 

  • لذا علينا أن نسعى في شهر رمضان لأن نكون خفيفين، فعندما نفطر، لا ينبغي أن نحسّ بعد الإفطار بالثقل، بل ينبغي أن نشعر بالخفّة، لأنّ هذا الإحساس بالخفّة بعد الإفطار له أثره إلى الصباح!! يعني: أثره يستمرّ طوال الليل... .

  • وينبغي أن تكون عبادة الإنسان كلّها مع النشاط، وعندما لا يكون هناك نشاط للعبادة يكون أثر تلك العبادة قليلاً؛ لأنّ أثرها لا يحصل بسبب نفس القيام بالعبادة بحدّ ذاتها، بل يحصل بسبب توجّه القلب الذي يحصل عليه عندما يقوم بتلك العبادة، وهذه الحالة لا تحصل مع التعب، ولا تحصل مع بطنٍ شبعان. 

  • من جهة أخرى لا ينبغي أن يقوم الإنسان بالامتناع والإمساك عن الطعام إلى الحدّ الذي يغلب عليه الضعف، فسيقط من الجانب الآخر، يعني: لا ينبغي أن يصير الضعف سبباً لعجز الإنسان فلا يقدر على إنجاز أيّ عمل، و لا يستطيع أن يحصّل التوجّه، ولا يستطيع أن يرفع قدماً عن قدم، فهذا غلط وخطأ أيضاً.. كلا الأمرين خطأ. 

    1.  عنوان البصري، جلسة ۱۷٩، ص ۱۰.

فضل شهر رمضان وأهمّ أعماله - سيرة أولياء الله في شهر رمضان

14
  • عند السحور ينبغي أن يأكل الطعام الخفيف والمقوّي الذي يجعله قادراً على الصمود طوال اليوم، وعند الإفطار عليه أن يفطر على الطعام الخفيف (حتّى أخفّ من طعام السحر) لكي يستطيع أن يحافظ على ذلك الاستعداد لنفسه.۱

  • الثالث:‌ الاستيقاظ عند السحر

  • الدستور الآخر من بين هذه الدساتير هو الاستيقاظ عند السحر، فيجب على الإنسان أن يستيقظ قبل أذان الصبح بعدّة دقائق بحيث لا يكون نائمًا عند أذان الصبح وبين الطلوعين، يعني: النوم مكروهٌ بين أذان الصبح وطلوع الشمس؛ فعليه أن يقرأ القرآن ويقرأ الأذكار ـ وسوف أذكر ما الذي ينبغي عليه أن يفعله ـ إلّا إذا كان للإنسان عذرٌ أو لم يكن حاله مساعدًا، أو كان متعبًا، أو مريضًا.٢ فإنّ السالك الذي لا يستيقظ آخر اللّيل وبين الطلوعين، لن ينال أصلًا أيّاً من المقامات حتّى لو جاهد نفسه وأتعبها ألف سنة؛ فإنّه لن يستفيد شيئًا، فهذا دستورٌ أساسيٌّ.٣

  • من بين المسائل التي كانت تحظى بعناية كبيرة من طرف المرحوم العلاّمة في شهر رمضان هي مسألة ليالي هذا الشهر المبارك، حيث كان يقول إنّ أثر الصيام في الشهر المبارك يظهر ويتجلّى في الليل، ولهذا على الإنسان أن يُقلّل نوعاً ما من النوم في ليله، وينشغل بالتهجّد وأمثال ذلك، وهذا لا يعني أن يقضيه كلّه بالصلاة، لا، بل يأخذ من باب المثال ديوان حافظ ويقرأ أشعاره، فشهر رمضان المبارك لا يفرض علينا دائماً أن نقرأ «روضة الشهداء» للكاشفي، أو «اللهوف» للسيّد ابن طاووس [ضحك من السيّد]، أو كتاب المقرّم وكتب المقاتل والعزاء، لا ليس الأمر كذلك! فشهر رمضان المبارك هو شهر النور، هو شهر البهجة والسرور، هو شهر التمتّع، هو شهر الوله والهيام بالله تعالى، وأمّا البكاء والعزاء وأمثال ذلك فلها وقتها الخاصّ بها، وهي الأيّام والليالي المرتبطة بالمصيبة. لكن على الإنسان كذلك أن يسعى للاقتراب بحاله وروحيّته من تلك الأجواء ليعيشها ويتعرّف عليها، لا أن يجعل كلّ شيء عزاء وبكاء، ويظنّ أنّه أحسن صنعاً، لا، ليس الأمر كذلك. 

  • وينبغي كذلك قراءة قصص العظماء والكلمات القصار الواردة عنهم ومطالعة أحوالهم، وقراءة أشعار العرفاء وأولياء الله تعالى، نظير حافظ الشيرازي ـ بالنسبة للناطقين باللغة الفارسيّة ـ قراءة مثنوي.. اقرءوا في الليل مقداراً منه وانظروا ما الذي قام به ذلك الرجل! اقرءوا صفحة أو صفحتين من مثنوي وتأمّلوا في أشعار مولانا جلال الدين الرومي، وكذلك الأمر بالنسبة لبقيّة الأشعار والحكايات والقصص الواردة عن العظماء، والكتب الأخلاقيّة، وكتب المرحوم العلاّمة، والتي يُمكنها أن تكون مفيدة وبنّاءة جدّاً بالنسبة للإنسان في مختلف المستويات، خصوصاً مع أخذ الصيام بعين الاعتبار وما له من آثار.٤ 

    1.  شرح دعاء أبي حمزة الثمالي سنة ۱٤٣٢ ج٢ ص ۱٦ ـ ۱۷. 
    2.  سبيل الفلاح، جلسة ٥، ص ۱٣. 
    3.  سبيل الفلاح، جلسة ٦، ص ٦
    4.  عنوان البصري، جلسة ٢۰۰ ص ۱٦. 

فضل شهر رمضان وأهمّ أعماله - سيرة أولياء الله في شهر رمضان

15
  • الأعاظم لم يكونوا ينامون في شهر رمضان، المرحوم القاضي رضوان الله عليه وكذلك المرحوم العلامة، فإنّي أذكر أنّه في العشر الأواخر من شهر رمضان كان يبقى مستيقظًا في الليل، وليس ذلك مختصًّا بليالي القدر، فكان يستريح قليلاً في النهار. فاعلموا قيمة ليالي شهر رمضان.۱

  • الرابع: العزلة

  • ومعنى العزلة: الابتعاد عن النفوس الشريرة والخبيثة، ولا تعني العزلة أن يعيش الإنسان على الجبل أو في الغار، أو أن يُغلق باب منزله، فالعزلة هي عزلة النفس، وابتعاد النفس عن الجراثيم والهواء المُلوّث بالأمراض، وعن مجال الأفكار المُلوّثة التي تُصيب كلَّ من تعرّض لذلك الفضاء المُلوّث بالعدوى شاءَ أم أبى، أي: إنّ الإنسان يقي نفسه وينأى بها، وبعد ذلك يُؤدّي أعماله.

  • وفي المقابل الارتباط مع الصلحاء، ومع أولياء الله، ومع مَن كان ألمه هو الله، وفكره هو الله، ويذكر الله عن إخلاصٍ، هو ارتباطٌ جيّدٌ وضروريٌّ، أي: إنّه يُقوّي الإنسان ويمنحه الطاقة، فالسالك يحتاج إلى رفيقٍ، ولا يستطيع السلوك بمفرده، فهو يحتاج إلى صاحبٍ في أوقات التعب حتمًا، يتلاقيان ويقرآن القرآن، أو يشرحان الأشعار سويّاً، أو يُفسران نهج البلاغة، أو يتناولان المعارف الإلهيّة، أو يتحدّثان عن أحوال العرفاء والعظماء وأهل اليقين والصِدِّيقين، فيشرح هذا لذاك، وهذا ممّا يجلب النشاط. 

  • ولكن إذا لم يكن للسالك رفيقٌ، فسوف يتعب، كالإنسان إذا أراد أن يعبر صحراء من الصحاري، فصحيحٌ أنّ عبور الصحراء أمرٌ ممكنٌ؛ ولكن لو كان لدى الإنسان رفيقٌ أنيسٌ، فسوف يتمّ عبور تلك الصحراء الطويلة بكلّ يُسرٍ، وسوف يعبرها بسرورٍ. ولكن إذا عبرها وحيدًا، فسيتعب ويشعر بالكسل، نعم سيتمّ عبورها ولكن بمشقةٍ.

  • ولذلك، أحد الدساتير هي أنّه على الإنسان أن يتجنّب الأفراد الذين لا ينفعونه، ويُلوّثون روحه، الذين يُوجب الحديث معهم اضطراب الإنسان، ويُسبّبون له الانزعاج ويُشْكِلون عليه وينتقدونه، فتجدهم يقولون: يا سيد لماذا لم تفعل هذا الفعل؟ لماذا فعلتَ ذلك الفعل؟ ليتك فعلتَ كذا، لكنتَ أصبحت صمصام السلطنة مثلًا! إنّك طبيبٌ يا سيّدي، وعليك أن تقدّم رسالةً في الدنيا! على الإنسان أن يبتعد عن هؤلاء، وعليه أن يتلو الفاتحة على هذا الكلام؛ لأنّهم أفرادٌ يميلون نحو الخيال فقط، وقد نزلوا عن عالم الوحدة والنور الإلهي وعلقوا في هذا المكان.٢

    1.  عنوان البصري، جلسة ٤٥، ص ٢۱. 
    2.  سبيل الفلاح، الجلسة ٥ ص ۱٢. 

فضل شهر رمضان وأهمّ أعماله - سيرة أولياء الله في شهر رمضان

16
  • الخامس: المداومة على ذكر اللـه

  • الذكر الدائم، والمراد بالذكر هو أن يكون الإنسان في حالة التوجّه؛ سواء كان يلفظ الذكر أم لا، أن يرى دائماً أنّ الله تعالى حاضرٌ وناظر، فلا يغفل أبداً عنه ولا ينسى حضوره، فإذا فرضنا أن ضيفاً مّا كان في المنزل، فكم يكون الإنسان ملتفتاً في تعامله ومنتبهاً؟! علينا أن نتعامل بجزء من هذا المقدار مع الله تعالى، لا نقول بهذا المقدار تماماً!! [ولكن على الأقلّ] علينا أن نحسب لله حساباً وندخله في حسابنا.۱

  • والذكر الدائم يعني: أن يكون ذكر السالك هو الله دومًا، وطلما لم نصل إلى الله، ولم يحصل لنا مقام القرب ولم نحصل على منزلةٍ فينبغي أن تبقى غصّة ذلك في قلبنا؛ ينبغي أن تبقى هذه الغصّة موجودةً حتّى يُفتح للسالك الباب، فإذا لم تكن هذه الغصّة موجودةً، فحسنًا، سوف يكون شخصًا عاديّاً ٢

  • وهذه الأمور الخمسة ينبغي أن تكون بشكل دائم، لا خصوص الذكر، بل الصمت بشكل دائم، والجوع والسهر والعزلة وكذا الذكر جميعاً ينبغي أن تكون بشكل دائم، أما إذا لم تكن بشكل دائم بل بشكل مؤقت؛ كأن يذكر يوماً وينسى يومين، أو يفعل ذلك ثلاثة أيام، وبعد ذلك ينسى.. فإن كان كذلك فلا فائدة فيه.٣

  • مراتب الصيام 

  • والمرحوم العلامة عندما كان يقترب شهر رمضان كان يتحدّث مع تلامذته ويقسّم مراتب الصيام: 

  • النوع الأوّل صوم العوام الذين يبتعدون عن المفطّرات وصيامهم هو حسب الرسالة العمليّة، لا يدخّنون، لا يأكلون، لا يشربون، لا يرمسون رؤوسهم في الماء، تلك المفطّرات التي تؤدّي إلى إبطال الصوم لا يقومون بها. فهذا نوع من أنواع الصيام.

  • النوع الثاني هو أعلى من هذا، يحفظ الإنسان لسانه من الذنب ورجله من الذنب وفكره من الذنب، فهذا النوع الثاني، ويسمّى صوم الخواص.

  • والنوع الثالث والذي كان يقول صوموا هذا الصوم، هو الصوم الذي لا يكون في فكركم غير الله من حين استيقاظكم إلى حين نومكم. لا نتكلّم بكلام لغو وإن لم يكن فيه إشكال في نفسه، لا نفكّر في شيء لغو وإن لم يكن محرّمًا، هذا الفكر اللغو هو خسارة، لماذا؟ لأنّا نكون قد تضرّرنا. هذا الشهر الذي ينبغي أن لا نكون فيه مع غير الله، نجلس ولا عمل لنا مع أحد، وبدلاً من أن نفكّر في هذا الأمر وفي ذاك وبهذا الخبر وبذاك... علينا أن نفكّر ونشغل ألسنتنا بذكر لا إله إلا الله. أذلك خير أم أن نفكّر ماذا حصل في هذا الشارع، والآن حصل زلزال في مكان كذا، والآن...؟ ماذا ينفعنا؟ أيّهما خير نتيجة؟ فلنصنع خيرهما. يقولون: هذا أفضل. هكذا أخبرونا، وصدَقوا. والأمور التي يقولونها جرّبوها بأنفسهم، هم ذهبوا ووضعوها بين أيدينا بلا أيّ مانع. فهذا ما يسمّى صوم خاص الخاص. 

    1.  الوصايا الخمس للاستفادة من الأشهر المباركة (مقتطف من حجية أولياء الله الجلسة ۱۱)، ص ۷.
    2.  سبيل الفلاح، الجلسة ٥ ص ۱٢.
    3.  الوصايا الخمس للاستفادة من الأشهر المباركة (مقتطف من حجية أولياء الله الجلسة ۱۱)، ص ۷. 

فضل شهر رمضان وأهمّ أعماله - سيرة أولياء الله في شهر رمضان

17
  • فصوم خاصّ الخاص هو الصوم الذي لا يشغل فيه السالك والصائم فكره بغير الله. فإن كان الأمر كذلك فإنّه يحصل على شيء، يحصل أمر ما في النهاية، تنتهي القضيّة بنحو ما، بعناية الحقّ، يتمكّن الإنسان بالاستمداد من مقام الولاية. ۱

  • فضيلة قراءة القرآن في شهر رمضان

  • قال الإمام الباقر عليه السلام: «لكلّ شيء ربيع وربيع القرآن شهر رمضان».

  • [علينا أن] نرى بأنفسنا حين نقرأ القرآن كأنّنا نحن المخاطبون بالآيات الشريفة بدون أيّة واسطة، فكأنّ الله تعالى هو الّذي ألقى إلينا هذه الآيات و نحن الّذين تلقّيناها منه، و لهذا فإنّ قراءة القرآن توجب أثراً إيجابيّاً على النفس و روحانيّة مشهودةً.٢

  • يجب أن تقرأوا القرآن بطريقة لا يكون روتينيًّا مملًّا لكم؛ لا تقولوا: "آه، متى سينتهي؟!" فمجرّد أن يخطر ببالكم هذا السؤال، لا تُكملوا القراءة، وأغلقوا المصحف في الحال. إذا قرأتم صفحة واحدة برغبة وشوق، فهو أفضل من قراءة صفحة وسطرين بهذه الحالة من الضجر والملل٣.

  • هل تظنّون أنّنا كلّما صلّينا أكثر وكلّما قرأنا الدعاء أكثر نستفيد أكثر؟! لا المسألة ليست كذلك، الدعاء والصلاة ينبغي أن يكونا نابعين من الرغبة والنشاط والانبساط. 

  • لو قرأنا صفحتين أو صفحة واحدة من دعاء أبي حمزة الثمالي مع الالتفات إلى معاني ما قرأناه.. إلى معنى الدعاء..حينئذٍ سنرى: هل يمكن لنا أن نرفع رؤوسنا أمام الناس غداً أم ينبغي أن نحني رأسنا إلى الأسفل خجلاً على الدوام؟ ذلك سيحصل لو قرأنا صفحة واحدة من دعاء أبي حمزة الثمالي مع الفهم والدراية لا بشكل عابر كيفما اتّفق فنقرأه من أوّله إلى آخره! بل نلتفت إلى كلّ أوجاعنا وأمراضنا التي وضع الإمام إصبعه عليها واحدة تلو الأخرى في هذه الفقرات!! لقد وضّح أمراضنا مرضاً بعد آخر، ثمّ بيّن العلاج أيضاً، وبيّن الدواء، فهو جاء وبيّن نقاط ضعفنا على الملأ.٤

  • كيفيّة قراءة الدعاء 

  • أنا أرى الرفقاء عندما يقرأون الدعاء يقرؤونه بسرعة ويمضون. لا بدّ من التوقّف عند جمل الدعاء، والتقدّم بتأنّ لكي تترك مفاهيم الدعاء تأثيرها. إذا قرأ بسرعة وعجلة، فلن يدرك كيف بدأ الدعاء وكيف انتهى؛ لكن إذا قرأ بتأنٍّ وأطال في قراءته، وكان الذين لا يجيدون العربية قد اطّلعوا مسبقًا على معاني الدعاء، فسيكون ذلك أكثر تأثيرًا في الإنسان. نحن نتصوّر أنّ الدعاء مجرّد قراءة شيء وانتهاؤه، ثم نقول: "حسنًا، لقد قرأنا دعاء الافتتاح الليلة وحصلنا على بركته!" لكنّ فيض دعاء الافتتاح يكمن في قراءته بتمهّل وتأنٍّ.٥

    1.  عنوان البصري ٤٥، ص ٢٢. 
    2.  صلاة الجمعة، تعليقة ص ۸٤. 
    3.  سلوك الأسرة، طهران، الجلسة ٣٢. 
    4.  شرح دعاء أبي حمزة، سنة ۱٤٣٢ الجلسة ۱، ص ۱٩. 
    5.  شرح دعاء أبي حمزة الثمالي، سنة ۱٤٣٦، جلسة ٢. 

فضل شهر رمضان وأهمّ أعماله - سيرة أولياء الله في شهر رمضان

18
  • الأدعية التي أوصى بها أولياء الله في شهر رمضان

  • ۱-دعاء أبي حمزة

  • روى أبو حمزة الثمالي عن الإمام السجاد عليه السلام أنّه كان يقضي معظم ليالي شهر رمضان في الصلاة، وعندما يفرغ من صلاته كان يقرأ هذا الدعاء.۱ اقرؤوا دعاء أبي حمزة في ليالي شهر رمضان. كان المرحوم العلّامة الطهراني يوصي: إن لم تتمكّنوا من قراءته كلّه، فاقرؤوا على الأقل صفحتين أو ثلاثًا مع فهم المعنى.٢

  • ٢-دعاء الافتتاح

  • من الأدعية الواردة في شهر رمضان المبارك "دعاء الافتتاح"، وإن كان قراءته في غيره من المناسبات أيضًا أمرًا محمودًا ومناسبًا. يتميّز هذا الدعاء بمضامينه العالية، وهو من الأدعية النادرة التي تحيي في نفس الإنسان روح الشوق لانتظار إدراك الولاية ظاهرًا وباطنًا، وتؤهّل الإنسان لاستقبال حضور صاحب الولاية الكبرى، حضرة ولي العصر (أرواحنا لتراب مقدمه الفداء).٣

  • ٣-دعاء السَّحر

  • دعاء السحر في شهر رمضان المبارك، كما ورد عن الإمام الباقر (عليه السلام): "اللهمّ إنّي أسألك من بهائك بأبهاه"، يقشعرّ له بدن الإنسان. إنه دعاء عجيب حقًا، إذ يتوجّه بالكامل إلى ذات الباري تعالى فقط، ولا يتوجّه حتى إلى آلائه ونِعَمه ومظاهره. هذا الدعاء ليس مختصًا فقط بليالي رمضان، بل من الجيد أن يقرأه الإنسان في أسحار السنة كلّها، كما كان الأعاظم يأمرون تلامذتهم بقراءته في قنوت صلاة الليل (سواء في الشفع أو الوتر، في كلّ منهما).٤

  • وهكذا كان المرحوم الحدّاد رضوان الله عليه يؤكّد بشدّة على المرحوم العلّامة الطهراني وتلامذته بضرورة قراءة هذا الدعاء في قنوت الصلاة، وفي القنوت الأخير من صلاة الليل طوال أيام السنة. لهذا الدعاء آثار توحيدية عجيبة جدًا، لدرجة أنني سمعتُ من المرحوم العلّامة الطهراني أنه قال ذات مرة:

  • "لو علم أحد ما الأسرار المخبوءة في دعاء البهاء هذا المرويّ عن الإمام الباقر (عليه السلام، لأصيب بالذهول المطلق!"٥

  • ٤-مناجاة أمير المؤمنين (عليه السلام) في مسجد الكوفة

  • كان المرحوم العلّامة الطهراني يوصي بقراءة مناجاة أمير المؤمنين عليه السلام، ويُفضَّل أن يقرأها الإنسان في باقي الأيام أيضًا، لا سيما في ليالي الجمعة٦.

  • سُنّة الدعوة إلى الإفطار

  • لا ينبغي نسيان استحباب إطعام المؤمنين في الإفطار، كما لا ينبغي أن تكون هذه السنّة ضحيّة للاعتبارات الاجتماعية والتفاخر وإقامة الولائم المترفة. يكفي أن يدعو الإنسان مؤمنَين اثنين فقط، دون أن يُحمّل أهل بيته مشقّة زائدة، بل يكتفي بزيادة بسيطة في الطعام الذي يجهّزه أهل البيت. فلماذا يرهق الإنسان عائلته في تحضير الطعام؟!

    1.  الاقبال بالاعمال الحسنة، ج ۱، ص ۱٥۷.
    2.  شرح دعاء أبي حمزة الثمالي، سنة ۱٤٢۸، جلسة ٤. 
    3.  شرح فقراتى از دعاى افتتاح، ص ۱۷.
    4.  شرح دعاء أبي حمزة الثمالي، ۱٤٣۰، الجلسة ٢ و ٥.
    5.  شرح دعاء أبي حمزة الثمالي، ۱٤٣۰ الجلسة ٦.
    6.  شرح حدیث عنوان البصري، الجلسة ۱۰٩.

فضل شهر رمضان وأهمّ أعماله - سيرة أولياء الله في شهر رمضان

19
  • يجب أن نحافظ على هذه السنّة النبوية كما كانت في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام)، دون تحريفها أو تغييرها. فإذا بقيت على حالها، نكون قد حصلنا على أجرها وثوابها دون أن نحمّل الآخرين مشقّة.

  • النوافل المستحبّة (صلاة التراويح) في رمضان

  • و كان رسول الله يقيم هذه الصلوات فرادى حتّى أنه عند ما كان يصلّى في المسجد و يقتدي به الناس من غير علم، كان ينهاهم عن ذلك. مضافاً إلى هذا أنه كان يترك الصلوات في الفواصل التي بينها و يذهب إلى بيته تحاشياً من الجماعة. و لمّا كانت هذه الصلوات نوافل فإنَّ إقامتها في جماعة حرام. و كانت تقام فرادى في عصر أبي بكر أيضاً إلى أن حانت خلافة عمر فأتى ذات ليلة إلى المسجد في شهر رمضان فوجد الناس يصلّون فرادى، فلم يرقه ذلك، و قال: الأفضل لجماعة الناس أن تقام في جماعة. و نصّب إماماً للجماعة، فسار الناس على سيرته إذ يقيمون هذه الصلاة جماعة إلى يومنا هذا. و هذه الصلاة مشهورة بصلاة التراويح. و هي من بدع عمر المعروفة.۱

  • العشر الأواخر 

  • [يحسن] إحياء الليالي المباركة لشهر رمضان ـ بقدر الإمكان ـ خصوصاً في العشر الأواخر؛ إذ من الأفضل أن يبقى الإنسان مستيقظاً إلى الصباح، وينام بعد الظهر أو قبل الظهر، وقد جرى التأكيد على هذه المسألة كثيراً، وأذكر كم كان العظماء يؤكّدون على إحيائها، وكانوا يُريدون أن ينبهونا على أن شهر رمضان إنّما يظهر في العشر الأواخر منه، يعني أن العشرين يوماً الأوائل هي مقدّمةٌ لتلك العشرة الأواخر؛ بحيث أن الإنسان إنّما ينال ما ينبغي من الهدايا والعطايا في تلك العشرة؛ لذا ينبغي أن نتوجّه أكثر، وكلّما استطاع الإنسان أن يحفظ توجّهه أكثر من خلال الطعام، أمكنه أن يدرك هذه الأيام المباركة ويستفيد منها بشكلٍ أفضل.٢

  • حقيقة ليلة القدر وكيفيّة الاستعداد لها

  • هذا الشهر أيّ شهر هو؟! إنّه الشهر الذي يتمّ فيه كتابة تقدير الإنسان ومصيره.. في اليوم لأوّل: اقتربنا خطوة واحدة.. في اليوم الثاني: اقتربنا خطوتين.. في اليوم الثالث كذلك.. اليوم السابع.. اليوم العاشر.. اليوم الخامس عشر.. اليوم التاسع عشر.. اليوم الواحد والعشرين.. ثم نصل إلى ليلة الثالث والعشرين ، فيتمّ الأمر ويحسم! انتبهوا.. فالله جعل لنا اثنان وعشرين يوماً كمقدمة للتهيّؤ للوصول إلى ليلة القدر، حيث يتمّ فيها التقدير للسنة القادمة، وأمّا ليلتا القدر اللتان تسبقان ليلة الثالث والعشرين فيجب أن يقضيهما الإنسان في حالة من العبادة والتهجد، والتهيّؤ والإعداد من أجل الورود في مقام التقدير والمشيئة الإلهية، يقطعها الإنسان حتّى يصل إلى ليلة الثالث والعشرين. ولذا على الإخوة والرفقاء أن يعلموا أنّ التقدير الذي يكتب لهم في ليلة الثالث والعشرين يبدأ منذ اليوم الأول من شهر رمضان، ها قد أعلنت ذلك بوضوح! فلا تظنّوا أنّ بإمكان الإنسان أن يقضي عشرة أو عشرين يوماً من شهر رمضان كيفما اتّفق، وعندما تأتي ليلة الثالث والعشرين نبدأ بتلاوة القرآن وقراءة دعاء الجوشن وباقي الأدعية!! كلاّ فهذا لا فائدة فيه أصلاً، فلا تتعبوا أنفسكم بدون طائل! فدعاء الجوشن الذي نتذكّره فجأة في ليلة الثالث والعشرين، وتلك الصلاة التي نتذكرها فجأة في ليلة الثالث والعشرين لا فائدة فيها! ولكنّ دعاء الجوشن المفيد هو ذلك الدعاء الذي تمّ إعداد الأرضية له منذ اليوم الأوّل لشهر رمضان، حينئذٍ سيكون الدعاء مؤثراً في ليلة الثالث والعشرين، وليس الكلام عن خصوص دعاء الجوشن طبعاً، وإنما ذكرته من باب المثال فقط، بل المقصود هو التوجّه والتنبّه والتذكّر لمقام العبودية والمعبودية، فهذا الحال هو ما ينبغي إعداده منذ اليوم الأول لشهر رمضان المبارك. وبناء على ذلك فإنّ هذا التهيّؤ والاستعداد يزداد قليلاً قليلاً ... وقد أوضحت ذلك سابقاً في بعض المحاضرات، ولا أدري إن كان الإخوة قد سمعوها أم لا، وبيّنا هناك هذه المسألة: أنّه كيف تكون ليلة الثالث والعشرين هي ليلة القدر ومع ذلك نجد أن ليلة التاسع عشر وليلة الحادي والعشرين يطلق عليها أيضاً ليلة القدر، وهناك أوضحت للإخوة بأن مسألة ليلة القدر ليست أمراً يحصل في لحظة واحدة كالورقة التي تطبع بالطابعة؛ بأن يأتي جبرئيل عليه السلام من فوق ويأتي بصحيفة أعمال الإنسان ويضعها بين يدي صاحب الزمان عليه السلام، فيأخذها حضرته، ويمضي عليها بأنّ هذا الأمر سيحصل في الزمان الفلاني، وذاك الأمر سيقع بهذا الشكل لفلان... كلاّ، ليس الأمر كذلك، بل مسألة ليلة القدر عبارة عن حدث تكامليّ، وهذا الحدث التكاملي له بداية وخاتمة؛ أمّا بدايته فمن أوّل شهر رمضان، بل من قبل ذلك، فشهر رجب وشعبان لهما تأثير في هذا الموضوع أيضاً...

    1.  معرفة الإمام، ج۸، هامش ص ٢٢٩
    2.  عنوان البصري ٢۱۱، ص ۱٤. 

فضل شهر رمضان وأهمّ أعماله - سيرة أولياء الله في شهر رمضان

20
  • أجل.. مع بداية شهر رمضان يبدأ هذا الحدث، ويتكامل تدريجياً يوماً بعد يوم، والحالة التي يحصل عليها الإنسان في هذه الأيّام بسبب المراقبة، أو بسبب عدم المراقبة، فالمسألة تجري في كلا الطرفين، وهذه الحالة التي يصل إليها تتمّ وتكتمل في ليلة القدر، وهذا يصبح تقديره ! إنّها نفس تلك الحالة التي حصل عليها بالتدريج سواء كانت إيجابية وحسنة أم سلبية وقبيحة.۱

  • عندما ندخل ليلة التاسع عشر، يجب أن نُدرك أنّنا دخلنا في أجواء ليلة القدر. يختلف الحال تمامًا بين من يهيّئ نفسه لهذه الليلة على أنها ليلة قدر، وبين من يعتبرها مقدّمة فقط.

  • هناك من يقول: "لا بأس، هذه مجرد مقدّمة، لا يزال أمامنا ليلتان".

  • فإذا جاءت ليلة الحادي والعشرين، يقول مجدّدًا:"هذه أيضًا مقدّمة، الليلة الحاسمة هي الثالثة والعشرون!"

  • لكن هذا الفهم خاطئ، لأنه يجعل الإنسان يفقد روحانيّة ليلة القدر ولا يعيش الأجواء الحقيقية. فليلة التاسع عشر والحادي والعشرين هما أيضًا من ليالي القدر، وليس فقط ليلة الثالث والعشرين.٢

  • التوسّل بالإمام المهدي (عجّل الله فرجه) في ليالي القدر

  • لذلك فإنّ أهمّ أمر في هذا الشهر هو التوسّل بإمام الزمان عليه السلام، خصوصًا في ليالي القدر. فلا تغفلوا عن التوسّل بإمام الزمان عليه السلام في أوقات السحر وعند الأذان وعند الإفطار، واستشعروا أنّكم في الليالي دائمًا إلى جانب الإمام، واعلموا أنّ لطف الإمام في هذا الشهر بشيعته أكثر من سائر الشهور كما هو مقتضى النفس والخصوصيّات التكوينيّة لشهر رمضان، وبدون التوسّل بالولاية وبدون التوسّل بإمام الزمان عليه السلام لا يمكننا أن نتحرّك مقدار أنملة أبدًا. علينا أن نيأس ممّا سوى ذلك، بدون أن نرى الإمام حاضرًا ونجعل وجودنا موقوفًا عليه لا يمكن القيام بشيء. لقد جرّبوا ذلك ولم يمكن، فلا داعي لنجرّب مرّة أخرى، إنّ ما يصلنا هو من نفس الإمام النفيسة. كما كان المرحوم العلاّمة دائمًا يؤكّد لتلامذته ومريديه أن تصدّقوا عن الإمام، وادعوا للإمام في أدعيتكم في دعاء القنوت التفتوا دائمًا إلى الفرج الباطنيّ والظاهريّ للإمام.٣

  • وفي ليلة القدر، من المستحبّ أن يكثر المؤمنون من هذا الدعاء:

    1.  عنوان البصري، ٢۰۰ ص ۱۱ـ ۱٢. 
    2.  اسفار، درس ۷٥٦.
    3.  عنوان البصري ٤٥، ص ٢٢. 

فضل شهر رمضان وأهمّ أعماله - سيرة أولياء الله في شهر رمضان

21
  • «اللهمَّ كُن لوليّك الحُجّة بن الحسن، صلواتك عليه وعلى آبائه، في هذه السّاعة وفي كلّ ساعة، وليًّا وحافظًا وقائدًا وناصرًا ودليلًا وعينًا، حتى تُسكنه أرضك طوعًا، وتمتّعه فيها طويلاً.۱

  • طلب العافية

  • [دائمًا وخصوصًا في ليالي القدر] لنجعل العافية قيدًا في كل ما نطلبه من الله. العافية تعني الفلاح والنجاة. قد يكون للإنسان عُمرٌ طويل، لكن طول العمر قد لا يكون عافيةً له؛ أو قد يملك مالًا كثيرًا، لكن ذلك المال الكثير قد يجلب له الشقاء والضيق في المعيشة وظلمة القلب، فهو إذن ليس عافيةً؛ أو قد يكون له جاهٌ وعظمة، لكن ذلك الجاه والعظمة قد يقوده إلى جهنم، فلا يكون عافيةً. العافية هي طهارة القلب من أمراض النفس، وزيادة اليقين، وأخيرًا أن يغادر الإنسان دار الدنيا في تلك الساعة بوجهٍ مُبتسمٍ وقلبٍ فرحٍ، غير متعلقٍ بالدنيا، موجِّهًا وجهه نحو الآخرة، ناسيًا الدنيا٢.

  • فلسفة عِيد الفِطْر وأهمّ أعماله

  • الأديان السماويّة وضعت الأعياد لأتباعها على أساس القيم الإنسانيّة، و بلوغ الأهداف الإيمانيّة، والخروج من ربقة الشرك، و التحرّر من كُبول المتجبرين و الطغاة الذين سخّروا الناس لتنفيذ مآربهم و استغلّوهم لمصالحهم الاستكباريّة.

  • و في الدين الإسلاميّ المقدّس عيدان هما الفطر و الأضحى. أمّا عيد الفطر فقد شُرِّع بسبب إعراض الناس عن الإفراط في الشهوات خلال شهر واحد هو شهر رمضان، إذ صاموا أيّامه، و قاموا لياليه، و ارتقت الحالة الروحانيّة و المعنويّة فيهم من خلال ما عملوه من الصالحات أكثر من سائر الأيّام كالإنفاق في سبيل الله، و تلاوة القرآن الكريم أكثر، و العزوف عن المحرّمات و المكروهات، و تطهير النفس الأمّارة و تزكيتها، و تيسّر لهم التخفّف و التجرّد و إمكان العروج إلى عوالم القدس، لأنّ الطعام، و الشهوة، و الغضب مفاتيح جهنّم و مقاليد سلطة الشيطان. و في هذا الشهر، جعل الله الجوع و العطش مائدته السماويّة لضيوفه، و يستبين أنّها أفضل تحفة من ربّ الأرباب.

  • اندرون از طعام خالى دار***تا در آن نور معرفت بيني‌
  • يقول: «أخْلِ جوفك من الطعام، لترى فيه نور المعرفة».

    1.  مبانی اخلاق در آیات و روایات، ج ۱، ص ٢۰٢.
    2.  المصدر السابق، ج۱، ص ۱٦۰.

فضل شهر رمضان وأهمّ أعماله - سيرة أولياء الله في شهر رمضان

22
  • و ينبغي أن نتّخذ ذلك اليوم عيداً، و نستلم عيديّتنا من الله الكريم الرحيم في هذا الوقت الذي هو وقت الحصول على النتيجة و الأجر. بَيدَ أنّ الاحتفال بالعيد لا يعنى العزف و الضرب على الطبول، و لا يعني تناول الحلويّات و ارتداء الملابس الملوّنة، و لا التنزّه البهيمي، بل يعني درجة عليا من التزكية و التطهير، و صقل أفضل للنفس كي تستعدّ للبركات و نزول‌ الموائد السماويّة.

  • و يستحبّ في ليلة عيد الفطر غسلان: أحدهما في أوّل الليل، و الثاني في آخره. و تلك الليلة هي ليلة الإحياء، أي: الانشغال بالعبادة و القيام و الذكر، ذكر المحبوب و المعشوق الأزلي و الحبيب السرمديّ. و يستحبّ الغسل في يوم العيد أيضاً.

  • و نشهد في يوم العيد الذهاب إلى صلاة العيد، و إقامتها في الصحراء مع جميع الناس، و أداءها بكيفيّة خاصّة، في ركعتين و تسعة قنوتات، و إطلاق اللسان بذكر التهليلات: «اللهُ أكْبَرُ، اللهُ أكْبَرُ، لَا إله الَّا اللهُ وَ اللهُ أكْبَرُ، اللهُ أكْبَرُ، وَ لِلَّهِ الحَمْدُ، وَ الحَمْدُ لِلَّهِ على مَا هَدَانَا وَ لَهُ الشُّكْرُ على مَا أوْلَانَا».۱

  • وهذا العيد قد جعله الله لكي يستفيد الصائمون من عباده ويستفيضوا بشكل أكبر، فقد كان من الممكن أن ينتهي شهر رمضان المبارك، فيذهب كل واحد من الناس في سبيله ويتابع برنامجه الطبيعي، [دون أن يكون هناك عيد]، فالسفرة كانت مفروشة ثمّ جُمعت وانتهى الأمر.. لا!! فتلك السفرة التي كانت ممدودة لمدّة شهر كامل بواسطة الجوع والاستعداد المختصّ بذلك الشهر لجلب فيوضات الحقّ... تلك السفرة كانت ممدودة ومفتوحة، والآن بعد أن حصلت هذه الفائدة وتحقّقت، [يأتي هذا العيد لكي] تنزل تلك الفيوضات الإلهيّة بشكل فيوضات جماليّة وتحصل للأفراد في هذا اليوم، يعني يحصل للإنسان استجماع كلّ فيوضات شهر رمضان بنحو مجتمع وبنحوٍ كلّي.

  • الدعاء والصدقة لصاحب الزمان في يوم العيد

  • و لهذا فاليوم يوم مهمّ جدّاً، وهو ـ كما قال الأعاظم ـ يومٌ متعلّق بصاحب الزمان عليه السلام، ويجب في هذا اليوم أن يهتمّ الإنسان ـ أكثر من أيّ شيء آخر ـ بالدعاء طلباً لسلامة الإمام وصحته وعافيته وسروره، وأن يبتهل إلى الله بتعجيل ظهوره الشريف.وإذا كان عندنا حتّى الآن شبهةٌ أو خطورٌ أو احتمال أنّه يمكن للإنسان أن يطوي حياته وعمره بدون عناية حضرته وبدون ظهوره عليه السلام، فقد اتّضح خطأ ذلك الآن للجميع و قد ظهر أنّ المنجي الوحيد والمخلّص لنا من كلّ هذه البلايا هو فقط وفقط وفقط وفقط شخص الذات المقدّسة لصاحب الزمان عليه السلام، وأنّ كلّ الادّعاءات والمسائل الأخرى التي كانت موجودة حتّى الآن قد أظهرت خلوّها وفراغها وبطلانها للعيان، فاليوم كلّنا قد علمنا وفهمنا أنّه لا منجي لنا إلاّ هو، فمع كلّ هذه المصائب والبلايا التي حلّت ببلاد المسلمين، وأولئك الأجانب والشياطين ودول الكفر، وكلّ الأشخاص الذين اجتمعوا وتظافروا ضدّ الإسلام والمسلمين والولاية ومدرسة أهل البيت عليهم السلام... فقد تبيّن الآن أنّ اليد المباركة لصاحب الزمان هي لوحدها القادرة على رفع هذه المصائب والبلايا عن جميع المسلمين والشيعة خصوصاً، ولذلك يجب علينا اليوم أن ندعو الله طلباً لسلامته عليه السلام، كما ينبغي أن نتصدّق اليوم من أجل سلامته وصحّته وتعجيل ظهوره عليه السلام.

    1.  معرفة الإمام، ج٩، ص ۱۸۰. 

فضل شهر رمضان وأهمّ أعماله - سيرة أولياء الله في شهر رمضان

23
  • زيارة المراقد المشرّفة

  • وكما كان دأب الأعاظم من الأولياء الإلهيّين رضوان الله عليهم في إظهار الشكر والامتنان على هذه الضيافة الإلهيّة والحضور فيها، ينبغي على الإنسان أن يُظهر ويبرز شكره لصاحب مقام الولاية، فكيف يمكن أن يبرز الإنسان ذلك؟ يبرزه من خلال زيارة المقابر المقدّسة؛ فإذا كان الإنسان في مكان قد دفن فيه أحد الأئمّة كمدينة مشهد المقدّسة، فيجب أن يذهب اليوم إلى زيارة الإمام الرضا عليه السلام، وإذا كان في مكان آخر، فعليه أن يذهب لزيارة أولاد الأئمّة كحضرة السيّدة المعصومة عليها السلام، أو كحضرة عبد العظيم الحسني المدفون في الريّ، فينبغي لأهالي مدينة طهران أن يذهبوا لزيارة السيّد عبد العظيم الحسني الذي قال الإمام عليه السلام في حقّه: «من زار عبد العظيم بالريّ كمن زار الحسين بكربلاء»، وهذا عجيب، فهو يفصح عن كونهم في خطّ واحد ومسير واحد!!فالأشخاص المقيمون في طهران ينبغي أن يذهبوا لزيارة حضرة عبد العظيم، والأشخاص المقيمون في مدينة قمّ، عليهم أن يزوروا السيّدة المعصومة عليها السلام، وكذلك قبور الأولياء الإلهيّين الموجودين في قمّ أيضاً، وأمّا الأفراد الموجودون في إصفهان فعليهم أن يزوروا قبور أولاد الأئمّة الموجودة هناك، فهناك قبور معتبرة جدّاً لأولاد الأئمّة هناك، كحضرة السيّد محمّد، وقبور الأولياء الإلهيّين المدفونين في مقبرة «تخت فولاد»، فذلك كلّه يعتبر شكراً لإمام الزمان عليه السلام، فالشكر يتحقّق بأن يذهب الإنسان ويعرض نفسه من خلال حركته على هذا السبيل وهذه المدرسة.لقد كان الأولياء الإلهيّون يفعلون ذلك، ألم يقل السيّد العلاّمة أنّ دأب وديدن السيّد الحداد ـ رضوان الله عليهما ـ بعد شهر رمضان أن يذهب إلى زيارة الأئمّة الأطهار وإلى زيارة أولاد الأئمّة أيضاً في المدن والقرى والقصبات المختلفة؟! 

  • فلأيّ شيء كان ذلك؟ كان من أجل إظهار الشكر، ومن أجل الحصول على استفادة أكبر واستفاضة أعظم، وحيث أنّ سنّة الأولياء الإلهيّين حجّة، فلذا يجب علينا نحن أن نتّبع هذه السنّة.۱

    1.  خطبة عيد الفطر لعام ۱٤٣٢، ص ۱٤.