المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني
القسمالمناسبات الإسلامية
المجموعةشهرُ رمضانَ
التوضيح
هل تساءلت يومًا عن الفرق الجوهريّ بين التقويم الهجريّ القمريّ والتقاويم الأخرى؟ وهل الأزمنة والأشهر مجرّد أرقام اعتباريّة أم أنّ لها آثارًا روحيّة وحقيقيّة على نفس الإنسان؟ وما هو المعيار الحقيقيّ لحدود الأوطان في الإسلام؟ ومَن هو “الخارجيّ” والداخليّ بناءً على هذه الرؤية؟ ولماذا كان الأولياء والعظماء يختفون عن الأنظار في العشر الأواخر من شهر رمضان؟ تُجيبك هذه المحاضرة القيّمة لسماحة آية الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه عن هذه التساؤلات، وتأخذك في رحلة لاستكشاف الهدايا الإلهيّة المخبّأة في أزمنة محدّدة، وكيفيّة التعرّض لنفحات الله تعالى في شهر ضيافته.
هو العليم
شهرُ رمضانَ ـ تجلّياتُ الأسرارِ الروحيّةِ ومقاماتُ العبوديّة
قراءةٌ تأمّليّةٌ في اعتباريّةِ الزمانِ وحقيقةِ حدودِ الأوطانِ في الرؤيةِ الإسلاميّة
المناسبات الإسلاميّة، شهرُ رمضانَ ـ تجلّياتُ الأسرارِ الروحيّةِ ومقاماتُ العبوديّة
محاضرة ألقاها
آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ
قدس الله سره
[أعوذُ باللهِ منَ الشَّيطانِ الرَّجيمِ
بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ]
هل الزمن مجرّد أرقام اعتباريّة أم حقائق تكوينيّة؟
[يقول رسول الله صلّى الله عليه وآله]:
«شَهْرٌ دُعِيتُمْ فِيهِ إِلَى ضِيَافَةِ اللَّهِ... أَنْفَاسُكُمْ فِيهِ تَسْبِيحٌ وَنَوْمُكُمْ فِيهِ عِبَادَةٌ».۱
للنبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله كلامٌ حول شهر رمضان المبارك لا يوجد في سائر المواضيع. ومهما يكُن، فإنّ عناية الله تعالى تتعلّق ـ بمقتضى مشيئته ومصلحته ـ بأزمنة وفترات تختلف فيما بينها من حيث الخصوصيّة، وهذه ليست مسألة اعتباريّة؛ كما هو الحال ـ على سبيل الفرض ـ في أيّام السنة (فروردين، وأرديبهشت، وخرداد، وأمرداد، وما شابه ذلك)، حيث إنّها مسألة اعتباريّة.
يُمكنك أن تجعل بداية السنة هذه الليلة بالذات؛ لأنّ الكرة الأرضيّة في ارتباطها بالفلك الذي تدور حوله تقوم بدورة تبلغ ٣٦۰ درجة؛ ولهذا، فأيّة نقطة من هذه الدائرة تعتبرها مبدأً للسنة، فلن تكون قد ارتكبت خطأً. افترض الآن أنّهم يجعلون بداية شهر فروردين بداية للسنة؛ من أين جاؤوا بذلك؟ هل نزلت آية؟! هل أُوحي إليهم؟! من أين؟ يقولون: في بداية السنة التي تنتقل فيها الأرض ـ بناءً على تلك البروج التي حدّدها المنجّمون وعلماء الهيئة السابقون ـ من برج الحوت إلى برج الحمل.
حسنًا، أقول أنا الآن: كلاّ، فلتنتقل [بداية السنة] من هذه الليلة؛ إذ لم تنزل أيّة آية توجب عليكم افتراض الأوّل من فروردين مبدأً للسنة. أو أنّ المسيحيّين يتّخذون الأوّل من يناير مبدأً للسنة، ولا يضطرب العالَم. نعم، كان الفرس القدماء يتّخذون الأوّل من فروردين بداية للسنة، ونحن المسلمون نتّخذ الأوّل من محرّم مبدأً لتاريخنا؛ غاية الأمر، أنّ الفرق بيننا وبينهم يكمن في أنّ صنيعهم هذا أمرٌ اعتباريّ. فلو سألهم سائل: على أيّ أساس تجعلون بداية السنة هو الأوّل من فروردين؟ فلن يكون لديهم جواب يُقدّمونه.
[يقولون]: «هكذا نشتهي». في النهاية، يجب علينا أن نُحدّد يومًا ما [كمبدأ] على مدار السنة. فقد تستخيرون أو تتفاءلون، وتجعلونه الأوّل من فروردين. وإذا سُئل المسيحيون أيضًا: لماذا تجعلون الأوّل من يناير بداية للسنة؟ سيقولون: «هكذا نشتهي». أمّا نحن، فلا يُمكننا أن نقول: إنّنا نشتهي ذلك؛ لماذا؟ لأنّ الشهر الذي نجعله تاريخًا لنا، له أثر وضعيّ، وليس أمرًا اعتباريًّا؛ أي إنّ لهذه الأشهر من السنة آثارًا في نفس الإنسان من حيث التربية الروحيّة، ولا يُمكننا أن ننقل ذلك الأثر من مكانه.
الآثار التكوينيّة للأشهر: لماذا نعتمد التقويم القمريّ في تاريخنا الإسلاميّ؟
في الزمان السابق (في زمن الشاه)، قرأت مرّةً في الصحيفة أنّ أحد أعضاء مجلس الشيوخ قال: «إذا كان السادة في الحكومة يُواجهون مشاكل في الذهاب إلى مكّة وأداء الحجّ في شهر ذي الحجّة؛ حسنًا، فليذهبوا في الصيف!» [غافلاً عن أنّ] الله تعالى قد جعل آثارًا في شهر ذي القعدة، وخصوصًا في العشر الأوائل من شهر ذي الحجّة (وهي أربعينيّة النبيّ موسى عليه السلام)؛ وهذه الآثار الموجودة في عشرة ذي الحجّة لا توجد في محرّم. وقد جعل الله آثارًا في شهر رجب لا توجد في جمادى الأولى وجمادى الآخرة. هذه الأمور ليست اعتباريّة، بل تخضع لمشيئة الله. فمهما جئتم وقلتم: «إنّنا سنغيّر أماكنها ونجعل ذي الحجّة مكان رجب»؛ [فاعلموا أنّه في حال التغيير] ستفقد ذلك الأثر. هل هذا واضح؟! انطلاقًا من هذه الرؤية، نقول: إنّ تاريخ المسلمين يجب أن يكون التاريخ القمريّ.
لماذا؟ لأنّها ليست مسألة وضعيّة، وليست مسألة اعتباريّة؛ بل هي واقعة تكوينيّة. فكما أنّ الليل واقعة تكوينيّة، ومهما افترضنا الآن أنّه نهار، فلن يصبح نهارًا. أو إذا افترضنا أنّه ليل، فلن يصبح ليلاً. الليل هو أن تكون الشمس خلف الأرض، والنهار هو أن ترتفع الشمس فوق الأرض؛ وهذا لم يعُد أمرًا اعتباريًّا، بل هو واقعيّ. سواء كنّا في منازلنا فهذا هو الأثر، أو خرجنا إلى الزقاق والشارع فهو كذلك؛ [فالواقع] ليس في متناول أيدينا، وليس على الطاولة أو قيد الاعتبار.
حدود الأوطان في الميزان: مَن هو الخارجيّ (الأجنبيّ) ومَن هو الداخليّ (الوطنيّ) في الرؤية الإسلاميّة؟
تذكّرت الآن مسألةً من المناسب التنبيه عليها؛ وهي أنّ هذه الحدود التي نعتبرها ـ على سبيل الفرض ـ حدود إيران، ونسمّي ما عداها «الخارج»، ما هي هذه الحدود؟ هل هذه الحدود، حقًّا، حدود واقعيّة؟ لا؛ حدود إيران ليست حدودًا واقعيّةً. عودوا الآن إلى الماضي، وانظروا: ماذا كانت حدودنا في زمن ناصر الدين شاه؟ وماذا كانت في زمن فتح علي شاه؟ عودوا إلى الوراء باستمرار؛ ماذا كانت في زمن الدولة الزنديّة؟ وماذا كانت في زمن نادر شاه؟
في الزمان الصفويّ وزمن الشاه عبّاس الصفويّ (ذلك الرجل الذي يدين هذا التشيّع الموجود الآن في إيران ـ حقًّا ـ لتضحياته، وخصوصًا الشاه إسماعيل الصفويّ)، ماذا كانت الحدود؟ من تلك الجهة، امتدّت إلى ما فوق بلخ وبُخارى وقندهار؛ ومن الجهة الأخرى، تجاوزت نواحي أذربيجان وتفليس وما شابهها. ومن تلك الجهة، وصلت إلى البحرين ومشارف السعوديّة، حيث شملت حدود البلد الإسلاميّ مساحةً واسعةً. ولكن شيئًا فشيئًا، وبسبب نقاط الضعف، واستبداد بعض الحكّام، والمُجون، وانعدام الكفاءة، فقدنا حدودَنا واحدةً تلو الأخرى؛ إلى أن جاء محمود الأفغانيّ، ووضع الشاه سلطان حسين الصفويّ تاج الخلافة على رأسه. لقد كان وضعُنا هكذا. إذن، هذا الحدّ هو أمر اعتباريّ.
لو قالوا الآن: إنّ حدود إيران مثلاً هي هنا؛ [ففي الواقع] نحن لا نملك حدودًا. حدّ المسلم هو الحدّ مع الكفر. حدودنا نحن المسلمون تمتدّ إلى حيث تبدأ «بلاد الكفر» من بعدها. لا توجد حدود بيننا وبين أفغانستان؛ هم مسلمون، ونحن أيضًا مسلمون. لا توجد حدود بيننا وبين العراق؛ هم مسلمون، ونحن أيضًا مسلمون. لا توجد حدود بيننا وبين السعوديّة وباكستان وما شابههما. بلد الإسلام هو بلد واحد. أين هي حدودنا؟ من حيث تبدأ بلاد الكفر. هل هذا واضح؟!
ولكن حسنًا، من الناحية السياسيّة، يأتون، ويرسمون الحدود لكي تتحدّد هذه الحدود والمسائل في ظلّ الأوضاع الراهنة؛ لأنّه في النهاية، افترضوا أنّ حكومة أفغانستان الآن لن تخرج أبدًا عن طاعة قائد ثورتنا، فمن الطبيعيّ أن تنشأ بعض التعارضات؛ وكذلك الحال في العراق وباكستان وأمثالهما.
ولهذا، فإنّ إحدى المسائل التي كان يذكرها المرحوم العلاّمة الطهرانيّ رضوان الله عليه، والتي كانت تُمثّل رؤيته السياسيّة والفقهيّة، هي: مَن هو الذي يُطلق عليه اسم الخارجيّ (الأجنبيّ)؟ هل يُطلق الخارجيّ على الذين يوجدون خارج هذه الحدود المرسومة على الطاولة؟ حسنًا، هذا حدّ اعتباريّ. بل يُطلق الخارجيّ على مَن يكون خارجًا عن طاعة حكومة الإسلام والمسلمين؛ ويُطلق الداخليّ على مَن يكون تحت طاعة الإسلام وداخلاً في ملّة الإسلام.
بناءً على ذلك، إذا كان هناك إنسان في أمريكا وكان مسلمًا، فإنّه يُعدّ داخليًّا؛ وإذا كان هناك إنسان هنا وكان خارجًا عن مذهب الإسلام وخارجًا عن سلطة حكومة الإسلام، فإنّه يُعدّ هنا خارجيًّا. إنّ كون المرء خارجيًّا أو داخليًّا يعتمد على «الدين»، وليس على الحدود الاعتباريّة؛ والإسلام ليس دينًا اعتباريًّا، بل الإسلام دين الواقع. لقد بيّنتُ هذه المسألة بمناسبة الحديث.
خصائص الأشهر الروحيّة: ما هي التحف الإلهيّة المخبوءة في كلّ زمان؟
الأشهر القمريّة هي أشهرٌ تترتّب عليها آثار؛ أي: عندما يحلّ شهر محرّم، سواء أدركتم ذلك أم لم تدركوا، تشعرون بانقباض وضيق في داخلكم. لا يُمكن أن يكون إنسان شيعيًّا لأمير المؤمنين عليه السلام، ويحلّ شهر محرّم، ولا تعتريه حالة من الحزن، حتّى لو لم يكن يعلم أنّ هذه الليلة هي الليلة [الأولى] من شهر محرّم. حسنًا، هذا ليس أمرًا اعتباريًّا، بل هو واقع.
لا يُمكن أن يحلّ شهر رمضان ولا يشعر الإنسان بحالة الصيام في وجوده، حتّى لو لم يعلم أنّه الآن شهر رمضان. لماذا هذا؟ ليس ذلك اعتباريًّا، بل هو أمر واقعيّ. هل هذا واضح؟! وبما أنّ بناء الإسلام يقوم على المنطق والإحكام والإتقان، وهو بعيد عن المجازات والمسائل التي تدور حول القضايا والأهواء النفسانيّة، فقد جاء وطبّق هذه المسألة الواقعيّة في حياة الإنسان؛ أي إنّه قال: إذا كنتم تُريدون أن تُحدّدوا لأنفسكم سنةً، فحدّدوا سنةً صحيحةً [مبنيّة على الواقع]، لا سَنةً اعتباريّةً.
افترضوا أنّ برلماننا يُقرّر الآن أن يجعل بداية السنة هي الأوّل من خرداد؛ حسنًا، مَن الذي سيمنعه؟ ألم يأتِ الشاه؟ جاء الشاه وقال: «نريد أن نجعل تاريخنا التاريخ الشاهنشاهيّ». مَن الذي منعه؟ لا أحد؛ لم يمنعه أحد. أو لنضرب مثالاً بهذه الساعة التي تستمرّ حتّى الآن؛ فتغيير الساعة وتقديمها وتأخيرها كان من زمن الشاه، حيث تُقدّم ساعةً في الربيع، وتُؤخّر ساعةً في بداية الخريف (وبالطبع، تقوم الدول الأخرى بهذا العمل أيضًا). لقد فعل الشاه ذلك ولم يمنعه أحد؛ وبالمناسبة، هذا ليس عملاً سيّئًا؛ لأنّ الساعة أمر اعتباريّ. أريد أن أحسب بداية وقت ليلي من الآن، أو من قبل ساعتين، أو من بداية الغروب، أو من منتصف الليل، أو من الظهر؛ هذه مسألة اعتباريّة.
إنّ تقديمنا للساعة لمدّة ستّة أشهر وتأخيرها لستّة أشهر أخرى، هو بيدنا نحن. فليأتِ البرلمان الآن ويقول: «نحن، بناءً على مصالح نراها، نشتهي أن نجعل بداية السنة من بداية الخريف». حسنًا، لا إشكال في ذلك، ولن تسقط السماء، ولن يحدث زلزال! هل ستحدث غيوم وعواصف؟! كلاّ! فبداية السنة هي بداية الربيع؛ والآن، نُريد أن تكون بدايتها هي بداية الخريف؛ لن يحدث أيّ إشكال. ولكنّ الأمر ليس كذلك في الإسلام؛ فالإسلام يقول: يجب أن تُراعي المنطق في جميع أعمالك؛ وفي هذا المورد أيضًا، يجب أن تُراعي المنطق. أوجدوا أنتم ما هو أفضل من السنة القمريّة، وسنعتبره نحن سنةً؛ ولكنّنا لا نستطيع أن نجد. لماذا؟ لأنّ بقيّة [التقويمات] اعتباريّة؛ بينما يخضع هذا للمنطق. لماذا نعتبر نحن الأوّل من محرّم بداية للسنة؟ بسبب هجرة النبيّ صلّى الله عليه وآله؛ أي إنّ هجرة النبيّ أمر واقعيّ، ثمّ يُستثنون تلك الأيّام القليلة [حتّى موعد الهجرة الدقيق] ويتجاهلونها لكي تبدأ تلك السنة الحقيقيّة من الأوّل من محرّم.
حسنًا، تترتّب على هذه السنة مسائل للإنسان؛ فشهر محرّم بالنسبة للإنسان له حال، وشهر صفر له حال آخر؛ وفي ذي القعدة وذي الحجّة، له حال مختلف. تلك الآثار التي تجلّت للنبيّ موسى عليه السلام، لم تتجلّ لمحرّم وصفر. فالآية القرآنيّة: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾۱ كلّها كانت تتعلّق بذي القعدة [وعشرة ذي الحجّة]. ولهذا، فإنّ العظماء كانوا يحترمون عشرة ذي الحجّة كثيرًا، وكانوا في السابق يصومونها بأكملها، وكانت تعتريهم حالات؛ شبيهة بتلك الحالات التي اعترت النبيّ موسى عليه السلام. وهذا بسبب الخصوصيّة التي كانت موجودة في ذلك الوقت. هذه الأمور تعود إلى خصوصيّة ذلك الوقت.
وكذلك خصوصيّة شهر رجب (الشهر الذي عُرف منذ القدم باختصاصه بالأولياء)، فإنّها قويّة جدًّا، وتُحدث للإنسان حالات لا يستطيع الأفراد العاديّون تحمّلها. ولهذا، فإنّ فيض الله تعالى في هذا الشهر مختصّ بالأولياء والذين بلغوا المراتب العالية؛ حتّى إنّهم كانوا يُفضّلون شهر رجب على شهر رمضان أيضًا.
ذلك لأنّ ظهور الله تعالى ولطفه وعنايته في القلوب، يتجلّى في كلّ زمان بنحو وشكل مختلف. افترضوا أنّكم تأخذون لولدكم حلوى إلى المنزل تارةً، وتأخذون له كيلوغرامًا من الليمون الحامض تارةً أخرى، وتأخذون له دفترًا وقلمًا تارةً ثالثةً؛ ففي كلّ وقت، تأخذون هديّةً وشيئًا مفيدًا له [في ذلك الوقت].
الخصوصيّة التي يتميّز بها شهر رجب هي أنّه يُحدث للأولياء والعظماء حالات توجب عليهم أن يستعدّوا لها قبل أحد عشر شهرًا. أي إنّهم كانوا يستعدّون لشهر رجب في السنة القادمة بعد انقضاء شهر رجب [من كلّ سنة]؛ وكانت كلّ هذه الأمور مُقدّمةً لكي يتمكّنوا أخيرًا في شهر رجب من الوصول إلى تلك التحف الإلهيّة الخاصّة.
ومن تلك الأشهر الأخرى، شهر رمضان. خصوصيّة شهر رمضان هي أنّ الله يرزق الجميع فيه حظًّا وافرًا، من أدناهم إلى أعلاهم، وكلّ إنسان بحسب مقتضى حاله. ليس الأمر بحيث تقتصر [هذه المسألة] على فئة خاصّة فقط. ولهذا، يقول النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله: «شَهْرٌ دُعِيتُمْ فِيهِ إِلَى ضِيَافَةِ اللَّهِ».
فهو لا يقول في شهر رجب: «ضيافة الله»، ولا يقول ذلك في شعبان، ولا توجد هذه الخصوصيّات في محرّم و[الأشهر الأخرى]؛ ولكنّ هذه الخصوصيّة موجودة في شهر رمضان المبارك.
حتّى إنّه ورد في بعض الروايات: «مَنْ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ إِلَى قَابِلٍ إِلاّ أَنْ يَشْهَدَ عَرَفَةَ.» ۱
فلعرفات نفس خاصيّة شهر رمضان؛ أي إنّ التواجد في عرفات بمكّة، يفعل نفس الفعل الذي يفعله شهر رمضان بالإنسان، فيشمله ذلك اللطف والعناية الإلهيّة.
ضيافة الله الكبرى: كيف يتحوّل النَّفَس والنوم إلى عبادة في شهر رمضان؟
حسنًا، هذا الشهر هو شهر رمضان. كم بقي منه؟ لم يبق منه سوى يومين أو ثلاثة أو أربعة أيّام. نعم، يبدو أنّه بقي ثلاثة أيّام كحدّ أقصى، ولا مجال لأكثر من ذلك. خلاصة القول، لدينا فرصة في هذه الأيّام الثلاثة، والوقت لم يفُت بعد. يقول النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله: «فإِنَّ لِرَبِّكُمْ فِي أَيَّامِ دَهْرِكُمْ نَفَحَاتٍ؛ أَلَا فَتَعَرَّضُوا لَهَا، وَلَا تُعْرِضُوا عَنْهَا.»٢
وهذه إشارة إلى نفس هذا المعنى؛ وهو أنّ الله تعالى قد جعل لنفسه أوقاتًا تكون فيها عنايتُه بعباده والأفراد أكثر من سائر الأوقات. والعشر الأواخر من شهر رمضان هي من هذه الأوقات. إذا لاحظنا شهر رمضان بهذه الخصوصيّة والكيفيّة، فإنّ العشر الأوائل ستكون مقدّمةً للعشر الأواسط، والعشر الأواسط ستكون مقدّمةً للعشر الأواخر. وهذه العشرة التي نحن فيها الآن، هي باختصار العشرة التي يجب على كلّ إنسان يريد القيام بأيّ عمل، أن يقوم به. يقول: «گر گدا کاهل بود، تقصیر صاحبخانه نیست»،٣ أو: «تقصیر صاحبخانه چیست؟».٤
هل يستطيع الله تعالى أن يقول في هذا الشهر أكثر من هذا: «أَنْفَاسُكُمْ فِيهِ تَسْبِيحٌ»؛ أي: تُكتب لكم الأنفاس التي تتنفّسونها تسبيحًا! أنتم تمشون في الشارع وتتنفّسون، فيُكتب لكم تسبيح. ماذا يعني هذا؟ «وَنَوْمُكُمْ فِيهِ عِبَادَةٌ»؛ أي: تنامون، ولكنّ هذا النوم عبادة. ماذا تعني العبادة؟ العبادة تعني التقرّب، تعني الصفاء، تعني الانبساط؛ العبادة تعني إزالة الكدورات؛ العبادة تعني الخروج من الهوى والانشغالات الفكريّة والدنيويّة؛ هذا المعنى هو معنى العبادة.
خصوصيّة هذا الشهر هي أنّ الملائكة والقوى الروحيّة والمعنويّة والعلل والأسباب لنزول فيض الله، تُحيط بنا في هذا الشهر إحاطةً تجعلنا نتحرّك شئنا أم أبينا؛ أي إنّنا في غير هذا الشهر، يجب أن نضغط على أنفسنا، ونُركّز تفكيرنا باستمرار، وندفع الخيالات دائمًا، ونُحافظ على أنفسنا دائمًا في حالة طهارة وما شابه ذلك؛ ولكنّ خصوصيّة هذا الشهر هي: كأنّ إنسانًا يُرمى في الحوض؛ فيتبلّل شاء أم أبى. في سائر الأيّام، يجب على الإنسان أن يذهب بنفسه؛ أمّا هنا، فيأخذونه من يديه ورجليه ويرمونه [في الرحمة]. وما ورد هنا من أنّ: «أنفاسكم عبادة» يعني: بمجرّد وجودكم في شهر رمضان، فسنرى الصائم ـ إذا أنعم الله علينا بعين البصيرة ـ يترقّى شاء أم أبى.. إنّه يتحرّك في الأساس. ولكنّ هذه الخصوصيّة لا توجد في غير شهر رمضان.
سرّ العشر الأواخر: لماذا كان العظماء يختفون عن الأنظار في هذه الأيّام؟
حسنًا، ما هي هذه القضيّة التي نرى بسببها أنّ العشر الأواخر للنبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله، وحتّى لبعض العظماء (كالمرحوم القاضي رضوان الله عليه، أو المرحوم الحدّاد رضوان الله عليه نفسه، كما كان يذكر المرحوم العلاّمة رضوان الله عليه، أو ما كنّا نراه منه هو شخصيًّا)، كانت تختلف عن سائر الأيّام؟ أي إنّ حال النبيّ صلّى الله عليه وآله في هذه العشر الأواخر كان يختلف عن تينك العَشَرتين السابقتين.
لم يكُن أحد يرى المرحوم القاضي رضوان الله عليه في هذه العشر الأواخر، بل كان يخرج من النجف بشكل كامل ويذهب إلى الكوفة؛ وهناك، في مسجد الكوفة ـ رزقنا الله وإيّاكم إن شاء تعالى ـ كان يبيت. كان جميع الأولياء يغتنمون هذه العشر الأواخر كثيرًا؛ أي إنّهم كانوا يعدّون تلك العشرين يومًا [الأولى] مقدّمةً لإدراك هذه العشرة [الأخيرة].
حسنًا، لاحظوا الآن هذا النبيّ في أيّ مقام هو؟ في المقام الذي يقول فيه الله تعالى له صلّى الله عليه وآله: «لقد وضعنا جميع قوى عالم الخلقة تحت تصرّفك». إنّه في مثل هذا المقام. فمن جهة، يوجد مَن يستطيع التصرّف في جميع عالم الخلقة؛ ومن جهة أخرى، هناك أفراد مثلنا ـ وأنا أتحدّث عن نفسي الآن ـ لا نملك شيئًا في جعبتنا، ونحن غارقون في الفقر والشقاء والبؤس؛ فبدءً من النبيّ صلّى الله عليه وآله بتلك الرتبة، وصولاً إلى أفراد مثلنا، يستفيد الجميع في هذا الشهر. غاية الأمر، أنّ كلّ إنسان يستفيد طبقًا لحسابه الخاصّ، وبمقدار سعته، وبمستوى قابليّته، وبحسب ما طهّر به قلبه بينه وبين الله.
حقيقة العلاقة مع الخالق: كيف تُحدّد رؤيتُك لله تعالى طريقةَ تعامله معك؟
وقد ورد في الحديث القدسيّ ـ أذكر لكم هذا، وعليكم بقراءة الحديث المفصّل ـ أنّ الله تعالى يقول [ما معناه]: إذا أردتم أن تعرفوا منزلة عبدٍ من عبادي عندي، فانظروا إلى منزلتي عنده.۱
ما هي رُؤيتنا تجاه الله؟ إذا رأينا الله بالنسبة إلينا إلهًا رحيمًا، رؤوفًا، عطوفًا، مُحبًّا، أحنّ من الأمّ الرؤوف، وأحنّ من الأب الشفيق، وأحنّ على الإنسان من نفسه، فسيكون الله معنا كذلك أيضًا.
ولكن، إذا لم يكن الأمر كذلك؛ فرأينا الله تعالى وجودًا لا شأن له بنا، ولا يكترث بنا، ويُريد فقط أن يجلب لنا الشقاء، وافترضوا أنّه يريد فقط أن يطرحنا أرضًا، وكأنّه لا يلتفت إلينا بتاتًا؛ فإذا رأينا الله حقًّا بهذا الشكل، فسيكون الله تعالى معنا كذلك أيضًا.
حسنًا، بما أنّ الأمر كذلك، فكيف يجب أن نرى الله؟ ما هي الرؤية التي يجب أن يمتلكها العبد تجاهه تعالى؟ إنّ الله يقول هكذا؛ يقول: الخيار لك! إذا كنت تُريدني أن أُعاملك بالوفاق والصلح والمحبّة والمودّة، فاحمل أنت أيضًا نفس الرؤية تجاهي.
أي: إذا جئتني بقلب صاف وطاهر [فأنا أيضًا سأفعل ذلك يقينًا]؛ ما هو هذا؟ ليس من الصعب على الإنسان أن يقول: «إلهي، نحن أشقياء، نحن بائسون، نحن لا نطلب سوى العبوديّة، ونحن لا نطلب سوى معرفتك». وكما يقول المرحوم العلاّمة الطهرانيّ، فإنّ هذا ليس بالأمر الصعب على الله تعالى أيضًا. رحم الله الحاجّ الأبهريّ، فقد كان يقول: إلهي! إن أعطيتني هذه المسألة، فليعمُر بيتك! وإن لم تعطني إيّاها، فلن أخرج من حكومتك، ولن ينقص منك شيء.
ونحن الآن نقول لله تعالى نفس الشيء: «إلهي! إذا أوصلتنا جميعًا إليك، وربطتنا بك، فنحن نضمن لك، ونوقّع ونسلّمك أنّه لن ينقص مقدارُ ذرّةٍ من خزائنك ومن رأس مالك». والآن، بما أنّ الأمر كذلك، فإلهي... نعم، إلى متى؟ يجب على الإنسان دائمًا أن يطلب من الله تعالى ذلك الأفضل.
ذكرت للرفقاء مرّةً أنّ المرحوم العلاّمة رضوان الله عليه كان يقول: إنّني لا أرضى لأصدقائي ورفقائي بأقلّ من [مقام] سلمان الفارسيّ.
ماذا يعني هذا؟ حسنًا، أين يكون [العلاّمة الطهرانيّ] نفسه حتّى يقول: إنّني لا أرضى بأقلّ من سلمان الفارسيّ؟ مَن هو سلمان الفارسيّ؟ هو نفسه الذي ورد في الرواية بخصوصه: «إِنَّ الْإِيمَانَ عَشْرُ دَرَجَاتٍ... وسَلْمَانُ في الْعَاشِرَةَ.»۱
انظروا، ما حقيقة هذا الأمر؟ حقيقته أنّ هذا الرجل قد وصل إلى [حقيقة] الخلقة؛ ولهذا، فماذا يطلب من الله؟ إنّه لا يُقصّر. فذلك الأفضل والأسمى الذي لا يُتصوّر ما هو أسمى منه، ماذا يمثّل بالنسبة لله تعالى؟ إنّه [مثل] الأقلّ والأدنى الذي لا يُتصوّر ما هو أدنى منه.. كلاهما واحد. والإنسان العاقل يعقد دائمًا في المعاملة صفقةً يكون ربحُها ونفعُها أكثر.
نرجو من الله تعالى في شهر رمضان المبارك هذا، أن يجعل معرفتَه وعبوديّته تحفةً ونصيبًا لنا.
اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد