حقيقة العِلم: من جفاف التصوّرات الذهنيّة إلى حياة اليقين القلبيّ

مقاربة في الفجوة بين الاستدلال النظريّ والشهود الباطنيّ، وخطورة الانفصال بين الظاهر والباطن لدى مدّعي المعرفة.

22
مشاهدة المتن

المؤلّفآية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني

القسممباني الإسلام

المجموعةمحاضرات متفرقة

التاريخ 1404/12/21

جلسات المجموعة(10 جلسة)

التوضيح

هل المُثُل الأفلاطونيّة مجرّد استدلالات عقليّة جافّة، أم أنّها نتاج رؤيّة باطنيّة وشهوديّة؟ ما هو مصدر التصوّرات الذهنيّة لدى أهل العلم؟ وكيف يُمكن أن يتحوّل طالب العلم إلى مجرّد إنسان آليّ يخلو من الارتباط الحقيقيّ بالمبدأ؟ وما هي حقيقة الطرد عن رحمة الله تعالى؟ تُجيبك هذه المحاضرة القيّمة لسماحة آيّة الله السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله سرّه عن هذه الأسئلة، وتُسلّط الضّوء على مواقف واقعيّة للعظماء تُبيّن كيفيّة التعامل مع الابتلاءات والالتزام بالهويّة الدينيّة بعيدًا عن التبريرات الواهية.

/۱٩
بي دي اف بي دي اف الجوال الوورد

حقيقة العِلم: من جفاف التصوّرات الذهنيّة إلى حياة اليقين القلبيّ - مقاربة في الفجوة بين الاستدلال النظريّ والشهود الباطنيّ، وخطورة الانفصال بين الظاهر والباطن لدى مدّعي المعرفة.

1
  •  

  • هو العليم

  •  

  • حقيقة العِلم: من جفاف التصوّرات الذهنيّة إلى حياة اليقين القلبيّ 

  • مقاربة في الفجوة بين الاستدلال النظريّ والشهود الباطنيّ، وخطورة الانفصال بين الظاهر والباطن لدى مدّعي المعرفة

  •  

  • مباني الإسلام، حقيقة العلم

  •  

  • محاضرة ألقاها

  • آية الله الحاجّ السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ

  • قدس الله سره

  •  

  •  

  • .

حقيقة العِلم: من جفاف التصوّرات الذهنيّة إلى حياة اليقين القلبيّ - مقاربة في الفجوة بين الاستدلال النظريّ والشهود الباطنيّ، وخطورة الانفصال بين الظاهر والباطن لدى مدّعي المعرفة.

2
  •  

  •  

  • أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

  • بسم الله الرحمن الرحيم

  •  

  •  

  • حقيقة المُثُل الأفلاطونيّة: هل هي استدلالات عقليّة أم رؤيّة باطنيّة؟

  • لدينا بحث حول تصوير المُثُل الأفلاطونيّة، والكلام الذي يذكره المرحوم شيخ الإشراق بخصوص هذه المسألة، حيث سنتطرّق لهذا الأمر اليوم وغدًا بهذا المقدار إن شاء الله تعالى؛ (وفي الواقع يُمكن القول إنّه أصل المسألة)؛ وبعد ذلك، سيستمرّ هذا الموضوع، ولن تكون هناك فرصة لإكماله لاحقًا حتّى وقت جديد.

  • إذا كان الرفقاء يذكرون، فقد بيّنا سابقًا في الجلسات الماضية ـ أثناء البحث في المُثُل الأفلاطونيّة ـ أنّ فلاسفة الإشراق أيضًا قد تابعوا هذه المسألة بعده، وعبّروا عن هذا الموضوع بأشكال مختلفة؛ خصوصًا الشيخ شهاب الدين السهروردي (شيخ الإشراق) الذي أكّد كثيرًا على هذه القضيّة. حسنًا، هذا يحكي عن نوع من الرؤيّة الباطنيّة والإلهامات التي حصلت لهؤلاء العظماء، والتي استطاعوا بواسطتها التوفيق بين المسائل الشهوديّة والمباني العقليّة؛ وهذه مسألة مهمّة جدًّا تُفهِم الإنسانَ أنّ هذه المسائل العقليّة والحِكميّة لا يُمكن أن تتشكّل بناءً على الاستدلالات العقليّة والقضايا المنطقيّة الجافّة فحسب، بل يجب أن يكون لها سندٌ تستطيع من خلاله أن تظهر في الإنسان، وتكشف عن جانب حضورها العينيّ فيه.

  • الفرق الجوهريّ بين أصحاب التصوّرات الذهنيّة وأهل الاطمئنان القلبيّ

  • فالذين يُعانون من ضعف من حيث الارتباط بالمبدأ [تعالى]، والذين هم بعيدون عن هذا الارتباط بسبب الغفلة والنسيان والتعلّقات، لا يُمكنهم الوصول إلى تلك المفاهيم الحقيقيّة والصحيحة والمباني العقليّة المنطقيّة السليمة؛ وإن أرادوا إبداء رأيهم والوصول إليها من الناحية الفكريّة والعقليّة. نعم، تتشكّل في أذهانهم بعضُ الصور والتخيّلات والترتيبات تجاه هذه المسائل، ولكن في حدود التصوّر فقط؛ لا في حدّ ورود هذا التصوّر إلى مرتبة السرّ وإلى مرتبة القلب. ففي عالَم الذهن، نجدهم يضمّون بعض التصوّرات إلى بعضها، ويضعونها جنبًا إلى جنب، ويستخلصون نتائج، وربّما تتغيّر هذه النتائج في حالات مختلفة.

  • أمّا الذين ارتباطُهم [بالله تعالى] قائم، وهم مشمولون ـ من هذه الناحية ـ بالإفاضة المستمرّة لهذه الحقائق، فهؤلاء ـ علاوة على هذه الصور والترتيبات التي في أذهانهم تجاه القضايا المنطقيّة ـ لديهم نوع من الاطمئنان القلبيّ؛ وهذا الاطمئنان القلبي ليس تلقينًا، ولا أمرًا اعتباريًّا ولا مُصطَنعًا؛ بل هو نوع من الاطمئنان القلبيّ الذي يحكي عن اتّصال مستمرّ في نفوسهم. هذا الاطمئنان القلبيّ يجعلهم قادرين على الإحساس بكُنه وحقيقة هذه المباني العقليّة في وجودهم؛ وإن لم يكن ذلك بصورة تامّة، ولكن على الأقلّ يُمكنهم الإحساس بها في وجودهم بصورة مبهمة وإجماليّة؛ وهناك شواهد وقرائن على هذه القضيّة، حيث يُمكن للإنسان نفسه أن يُدرك هذه المسائل، ويصل إلى هذه الأمور.

حقيقة العِلم: من جفاف التصوّرات الذهنيّة إلى حياة اليقين القلبيّ - مقاربة في الفجوة بين الاستدلال النظريّ والشهود الباطنيّ، وخطورة الانفصال بين الظاهر والباطن لدى مدّعي المعرفة.

3
  • ما هو مصدر التصوّرات الذهنيّة؟

  • في قبال هذه المسألة، يجب علينا أن نُدقّق في هذا الموضوع كثيرًا، خصوصًا أهل العلم الذين مسارهم ومدرستهم هي مدرسة علوم أهل البيت عليهم السلام في الأساس، حيث تكون الغاية من هذه العلوم في الدرجة الأولى هي استنارة القلب والضمير، وفي المرحلة الثانية إنارة الخَلق وهدايتهم. هذه المسألة لها مكانة مهمّة وحسّاسة جدًّا.

  • في اليوم الماضي، كان في ذهني بعض المسائل حول طريق مدرسة التشيّع ومنهجه، ورسالة أهل العلم، لكنّني لم أستطع ذكرها؛ لأنّ المجلس لم يكن مقتضيًا لذلك، وحالي لم يكن مساعدًا كثيرًا؛ ولكن حسنًا، يُحتمَل أن نطرح بعض المسائل لاحقًا في التتمّة.

  • يجب علينا أن ننتبه كثيرًا إلى هذه المسألة؛ وهي: ما هو المنشأ والجذر الذي قد تنبع منه هذه المسائل والصور الذهنيّة التي تتولّد فينا؟ وما هو مصدرها؟ ومن أين تأتي هذه الصور والأشكال إلى الذهن؟ وكيف تنطبع في أذهاننا؟ هل رأيتم أحيانًا أنّ البعض يقولون: «فلان يُعلّم الشيطان أيضًا»؟ يعني أنّه حقًّا يُعلّم الشيطان! أي أنّه يصل إلى مكان يعجز فيه الشيطان عن إغوائه! الشيطان نفسه يبقى متعجّبًا من شَيْطَنته! فيقول الشيطان: «أنا أيضًا لم أكن أعرف هذه الأشياء! من أين جاء هذا بهذه المسائل؟!». ما أقوله هو حقيقة، وليست مبالغة، ولا إغراقًا. يعني أنّ الإنسان يصل ـ في تصوير القضايا في ذهنه وفي كيفيّة ترتيب المسائل المتعلقة بالأمور الشخصيّة أو الاجتماعيّة ـ إلى مرتبة يقف فيها الشيطان عاجزًا، ولا يستطيع العثور على مصدر نشوء هذه المسائل الذهنيّة لديه! هذه مسألة عجيبة جدًّا. ولهذا، يجب الانتباه إلى هذا الأمر؛ خصوصًا أهل العلم، والذين يسعون لإنارة الناس وتقديم المسائل لهم؛ فيجب أن ينتبهوا كثيرًا إلى هذه القضيّة، ليُخمّنوا أين يكمن مصدر تصوّراتهم، وأين هو منبع قضاياهم الذهنيّة، وأين يُمكن أن يكون مرجع القضايا التي يُبيّنونها للناس.

  • على كلّ حال، هذه قضيّة مهمّة جدًّا جدًّا. يعني أنّنا نعتبر الارتباط بين القلب ومبدأ هذه المباني شرطًا أساسيًّا في تلقّي المباني العقلانيّة والفلسفيّة والمرتبطة بالعرفان النظريّ. وهناك بالمناسبة أناس يبحثون عن هذه المسائل، ولكنّ أيديهم قاصرة عن حقيقتها، ولديهم مجرّد نقوش في أذهانهم، دون أن تتجاوز هذه النقوش مرتبة التصوير، لتستقرّ في القلب، وتتمكّن تلك الحقائق في القلب والضمير؛ فلا يفعلون شيئًا. كان هناك أناس من أهل الدرس والبحث، وكانوا يتباحثون في هذه المسائل لسنوات طوال، وكانوا منشغلين بهذه الأمور؛ وبعد ذلك، نجدهم ينتهون إلى مسارٍ آخر، وينشغلون بمسائل أُخرى؛ وخلاصة الأمر، أنّ ما يُظهره عملُهم وكلامهم وتصرّفاتهم يتنافى تمامًا مع ما يمرّ في قلوبهم وأذهانهم! لقد كان هناك الكثيرون، وهم موجودون الآن أيضًا؛ وهذه المسألة شائعة ورائجة.

حقيقة العِلم: من جفاف التصوّرات الذهنيّة إلى حياة اليقين القلبيّ - مقاربة في الفجوة بين الاستدلال النظريّ والشهود الباطنيّ، وخطورة الانفصال بين الظاهر والباطن لدى مدّعي المعرفة.

4
  • خطورة الانفصال عن المنبع: كيف يتحوّل طالب العلم إلى إنسان آليّ؟

  • هذه مسألة واقعيّة، وهي أنّه: لاستنارة هذه المسائل واستفاضتها، يجب أن يكون القلب مستعدًّا لذلك، وإلاّ، فإنّ الإنارة والإفاضة من ذلك الجانب (ومن قِبَل الله تعالى) تامّة؛ ولكن، إذا لم يكن هناك استعداد للقبول من قِبَل القابل، فلن يستطيع الفاعل أن يُؤثّر في الإنارة وإراءة المسألة.

  • هذه القضيّة لا تقبل المزاح، وامتحانُها مجّاني، ويُمكن لكلّ إنسان أن يختبر هذه المسألة في وجوده، وبوسعه أن يوقن ويُصدّق بطبيعة طريقه ومراقبته وارتباطه بالمسائل الخارجيّة والتصوّرات الذهنيّة؛ فهذه ليست مسألة ادّعائية واعتباريّة لنطرحها من عند أنفسنا، بل نجد العظماء قد أكّدوا على هذه المسائل. حتّى عظماء المشّاء وصلوا في النهاية إلى هذه المسائل إلى حدّ ما، وليس فقط حكماء الإشراق كأفلاطون، وشيخ الإشراق وأمثالهم، بل حتّى أولئك العظماء الذين لم تكن درجة ارتباطهم [بالله تعالى] بقدر أولئك؛ ولكن، يُمكننا القول إنّهم اعترفوا بهذه المسألة من هذه الناحية، وأدركوا هذه القضيّة إلى حدّ ما، وهي أنّه: «هناك خبر؛ ثمَّة قضيّةً هاهنا تسمو فوق ذلك الحبر والدواة والكلمات المنقوشة على هذه الصفحات والمدوّنة في الكتب». هذه مسألة مهمّة جدًّا.

  • لذلك، يُمكننا القول إنّ الذين يقعون في أفق آخر، ويسلكون طريقًا مغايرًا، ليس لديهم أيّ دليل للرجوع إلى هذه المسائل في الأساس؛ فلا يُتصوَّر لهم هدفٌ يُبرِّر لهم أن يُشغلوا أنفسهم بهذه المسائل؛ فلا ينبغي لهم أن يُضيِّعوا أوقاتهم عبثًا في مثل هذه الأمور!

  • الذين ينتقدون هذه المسائل ويرَوْن أنفسهم بعيدين عنها، انتقادهم هذا انتقاد واقعيّ وصحيح! يعني أنّهم يقعون ـ من ناحية التوغّل في الكثرات والانحراف في الفكر والذهن والمسائل المنحرفة للنفس ـ في مكانة تكون فيها نفوسهم نافرة من هذه المسائل شاؤوا أم أبوا! في الأساس، بمجرّد أن يُذكَر اسم هذه المسائل، يضطربون! إذا ذُكِرَت أسماءُ الأفراد المعاندين ألف مرّة، فلا يحدث لهم شيء، وينظرون إلى الإنسان هكذا بلا مبالاة؛ وإذا قيلت أمور باطلة ألف مرّة، فلا يهمّهم ذلك كثيرًا؛ ولكن، بمجرّد أن يُذكَر اسم من هذه المسائل ويُراد التحدّث بكلمة، يحدث في نفوسهم نفور يسدّ باب قلوبهم بالكامل أمام هذه المسائل! لا يدعهم يُفكّرون أبدًا، ولا يدعهم يفهمون.

حقيقة العِلم: من جفاف التصوّرات الذهنيّة إلى حياة اليقين القلبيّ - مقاربة في الفجوة بين الاستدلال النظريّ والشهود الباطنيّ، وخطورة الانفصال بين الظاهر والباطن لدى مدّعي المعرفة.

5
  • ضرورة الإنصاف في الاستماع إلى الحقّ

  • بالمناسبة، كنت أتحدّث مع شخص من هؤلاء الأفراد في مكان ما قبل فترة؛ فبمجرّد أن بدأ مسار البحث يصل إلى نقطة تَثْبُت فيها المسألة وتقف، وقبل أن يكتمل تقرير هذه المسألة بثوانٍ معدودة تقريبًا للوصول إلى نقطة معيّنة، طفق يقفز فجأة إلى مكان آخر! قلت: «يا عزيزي! دَعْ هذه المسألة تصل إلى نتيجة، ثمّ نتطرّق إلى تلك»؛ هو في الأساس لم يكن يريد لنفسه أن تصل إلى نقطة محدّدة. قلت: «لم يَعُدِ الكلام مجديًا؛ قُمْ، واذهب، وابحث لنفسك عن أذن لتُصغي إلى كلامك؛ ولكن، عليها أن تكون أذنًا بلا لسان ناطق، بحيث يُمكنها فقط أن تسمع المسائل!». حسنًا، ما الفائدة من هذا؟! كما فتحتُ أنا نافذة ذهني وقلبي أمام تُرّهاتك، فافتح أنت أيضًا نافذة ذهنك وقلبك أمام الكلام الذي تعتبره تُرّهات! حسنًا، افتحها لخمس دقائق! لماذا تُغلقها؟! حسنًا، مَن المُنصِفُ هنا ومَن المُعانِد؟! مَن المُنصِف؟! كيف يكون مُنصِفًا؟! عندما هيّأتُ نفسي لسماع كلامك الباطل، وتحمّلتُ وصبرتُ وتغاضيتُ ولم أتكلّم، فليكن ذلك! الآن، دوري. حسنًا، اسمع الآن الكلام؛ وأينما كان فيه باطل، ضَعْ إصبعك عليه. لماذا يهرب الإنسان يمينًا ويسارًا؟!

  • هذه مسألة مهمّة جدًّا، ولها أهميّة حيويّة بالنسبة لنا نحن أهل العلم. فرغم أنّنا ندرس هذه العلوم، ورغم أنّنا نضع العمامة على رؤوسنا، ورغم أنّنا نقول: «قال الباقر» و«قال الصادق»، ورغم أنّنا نختلط بهذه المسائل، ورغم أنّنا نُبلّغ هذه الأمور بأنفسنا؛ ولكنّ ذلك كلّه عبارة عن شريط تسجيل، وإنسان آليّ (روبوت)! كلّ هذه المسائل هي مجرّد عمل روبوت! ودليل كونه روبوتًا هو أنّه: بمجرّد أن تبدأ هذه المسألة في العودة إلى تلك الأمور وإليه شخصيًّا، نراه يبتعد كالنابض لكيلا تشمله! حسنًا، يتبيّن من هذا أنّه روبوت! لم يضعوا نظام الاستقبال في حاسوب هذا الروبوت! وضعوا فيه فقط نظام التشغيل والانطلاق، ليمضي قُدُمًا! أمّا أن يقف في مكان، وتُضاف مسائل أُخرى إلى معلوماته، فقد حذفوا هذا الجزء من برمجته! تحوّل فقط إلى مسار ذي اتّجاه واحد؛ مسار فيه الله، فيه النبيّ، فيه الإمام، مسار فيه تبليغ هؤلاء.

حقيقة العِلم: من جفاف التصوّرات الذهنيّة إلى حياة اليقين القلبيّ - مقاربة في الفجوة بين الاستدلال النظريّ والشهود الباطنيّ، وخطورة الانفصال بين الظاهر والباطن لدى مدّعي المعرفة.

6
  • حسنًا جدًّا؛ الآن، سؤالي هو: يا عزيزي، إذا جاء يهوديّ، وطرح هذه المسائل نفسها، فما الفَرْق بينه وبينك أنت الشيعيّ؟! اليهوديّ الذي يقوم، ويأتي، ليدرس الصرف والنحو، ويأتي ليدرس اللغة، ويدرس «المطوّل»، ويدرس «الرسائل»، ويدرس هذه الدروس نفسها، وينمو ويرتقي في الأصول والتفسير والفقه ويصبح مجتهدًا، ولكنّه لا يقول لك: «يا سيّدي أنا يهوديّ!». تجده يُصلّي أفضل منك! يمدّ ﴿ولا الضالّين﴾۱ بشكل لا يستطيع حتّى إمام جماعة المسجد الحرام أن يُؤدّيه بتلك الطريقة! يقرأ التعقيبات بطريقة لم يذكرها حتّى الشيخ عباس القمّي في مفاتيح الجنان! حسنًا، ماذا تريد أكثر من هذا؟ يحفظ زاد المعاد وغيرها عن ظهر قلب! لقد كان هناك أمثال هؤلاء! كان هناك أمثالهم، وقد شوهدوا، وكانوا موجودين.

  • حكايتان عجيبتان عن التناقض بين المظهر الخارجيّ والباطن الحقيقيّ

  • تذكّرت الآن هذه القضيّة: في تلك السفرة التي تشرّفنا فيها بزيارة كربلاء بعد الحجّ، كان عمري حوالي سبعة عشر عامًا. في أحد الأيّام صباحًا، بدأ السيد الحدّاد رضوان الله عليه يتحدّث بكلام حول هذه القضيّة عينها، والتي أعرضها بين أيديكم؛ وهي وجوب أن تستقرّ هذه المسائل في وجود الإنسان، وإلاّ فلا فائدة منها سوى مراكمة المسائل وتخزينها. حسنًا، من الطبيعي أنّني كنت أنا المخاطَب؛ لأنّني في ذلك الوقت كنت قد بدأت دراسة الحوزة للتوّ، وكنت أدرس وقتها «المَعالِم» و «المُغني» وما شابه. لم يكن في المجلس سوى بضعة أشخاص؛ وكان المرحوم العلاّمة حاضرًا، وطبعًا، كنت أنا المعنيّ بالمسألة.

  • كان السيد الحدّاد يقول: كان هناك أحد عظماء النجف ومشهوريهم ذاهبًا مع قافلة نحو مكّة. وكان قائد تلك القافلة رجلاً غير مُلتَزِم أبدًا، وغير مبالٍ بالمسائل [الدينيّة] إلى حدّ كبير، بحيث إنّ أفراد القافلة كانوا يحرسون أنفسهم؛ سواء من ناحية السرقة أو الأشياء الأُخرى. خلاصة الأمر، وصلوا إلى مكان ما. في إحدى المنازل، جرى نقاش وحديث بين ذلك العالِم واثنين أو ثلاثة من زملائه حول إحدى هذه المسائل الحوزويّة. في هذا الوقت، رأى قائد القافلة أنّهم قد بدأوا بالحديث وإثارة الجلبة معًا، فأتى وجلس ونظر إليهم، وبدأ يضحك عليهم باستهزاء. وهم الذين رأوا أفعال هذا القائد ووضعه، انزعجوا أكثر، وقالوا: «انظروا إلى الأمور التي نتحدّث عنها نحن، وهذا يضحك علينا ويسخر منّا!». قالوا: «يا عزيزي، هذا ليس مكانك؛ قُمْ واذهب وافعل شيئًا». فقال: «بالمناسبة، مكاني هو هنا! أنا أضحك على تُرّهاتكم هذه!». فاعترضوا عليه، فبدأ هو بالحديث معهم، وأفحم الأربعة جميعًا في هذه المسألة، بحيث لم يستطيعوا الإجابة بتاتًا! وبقوا مبهوتين: «من أين يأتي هذا بهذه الكلمات؟!». إنّ مَظهَره وأفعاله لا تدلّ على هذه الأمور؛ فنحن نحرس أموالنا لئلاّ يسرقها! هذا الرجل غير مُلتَزِم لدرجة أنّه لا يتقيّد بأيّ شيء؛ ولكنّه سحق الجميع تمامًا في هذه المسألة الفقهيّة، ونحّاهم جانبًا!

    1. سورة الفاتحة، الآية ۷.

حقيقة العِلم: من جفاف التصوّرات الذهنيّة إلى حياة اليقين القلبيّ - مقاربة في الفجوة بين الاستدلال النظريّ والشهود الباطنيّ، وخطورة الانفصال بين الظاهر والباطن لدى مدّعي المعرفة.

7
  • حدثت قضيّة أُخرى. لكن هذه المرّة كانت مسألة أدبيّة وبلاغيّة. فأتى هو، وقرأ عبارة السكّاكي نفسها من كتاب المُطوّل، وأتى بشاهدٍ من هناك! فرأى هؤلاء أنّ الأمر ليس كذلك؛ ففي كلّ قضيّة يدخلون فيها، تكون له اليَد الطولى! وهؤلاء كانوا من علماء النجف المعروفين والمُعتبَرين. ثمّ باختصار، قام، وسخر منهم، وشتمهم بكلام، وذهب في حال سبيله وراء أعماله؛ فهو ليس من أهل الصلاة ولا غيرها. لقد أراح باله، والجميعُ يعرفونه. هو لم يُعرّف بنفسه؛ ولكن بعد ذلك، أدركوا من خلال الأحاديث أنّ هذا رجل جاء من إحدى قرى إيران، ودرس؛ ثمّ جاء إلى النجف، وسكن مع أبيه، ودرس هناك، وكان يتمتّع باستعداد كبير جدًّا؛ ولكن فيما بعد، وبسبب بعض الانحرافات، خلع لباسه (العُلمائيّ)، وذهب، وغيّر عمله في الأساس.

  • انظروا، هذه مسألة مهمّة جدًّا؛ فلو لم يقم هذا الرجل بهذه الأفعال، وبقي في ذلك الزِيّ فقط، فمَن كان سيعرف أنّ لديه الآن مثل هذه السيرة والسريرة؟ مَن كان سيعرف أنّه يقع الآن في هذا الحدّ من الانحراف؟ هذه أشياء عجيبة ومهمّة جدًّا يجب أن نعرفها ونُدركها؛ وهي أنّه: ليس خلف كلّ إعلان للهداية هدايةٌ مخبوءة، وليس خلف كلّ دعوةٍ نورٌ وحقيقة! ليس الأمر كذلك؛ فالخلفاء أيضًا كانوا يأتون، ويُصلّون في مكان رسول الله صلّى الله عليه وآله، ويتصدّون للمسائل. هكذا كانت القضيّة. هذه مسألة مهمّة جدًّا.. هذه القضيّة قضيّة مهمّة جدًّا.

  • حقيقة الطرد عن رحمة الله: هل يقتصر ذلك على الذنوب الظاهريّة؟

  • إذا أراد يهوديّ أن يأتي، ويتصدّى لهذه المسائل؛ وإذا أراد نصراني أن يأتي، ويتصدّى، فلن يُدرك أحد ذلك! الآن، في العديد من البُلْدان، يُفكّرون في مبانينا، ويدرسونها، ويتأمّلون فيها، حيث يوجد بينهم أناس بارزون، يفهمون؛ فلو لم يكونوا يفهمون، لما استطاعوا إدارة العالَم! إنّهم يفهمون! إنّهم يُشخّصوننا أفضل منّا! يُشخّصون مَن هو هذا الرجل، وما هو، وما المخبوء في نفسه، وإلى أيّ حدّ يَصدُق، وإلى أيّ حدّ هو من أهل الادّعاء! يفهمون جيّدًا! لا ينبغي أن نتوهَّم أنّنا ـ من حيث الفهم والدراية ـ صفوةُ الجميع وخلاصةُ القوم، وأنّ الآخرين لا علم لهم بشيء، وأنّهم جميعًا سُذَّجٌ بُلَهاء لا خبر لهم بالمسائل ولا اطّلاع لهم عليها! كلاّ يا عزيزي! يعلمون، يفهمون، قد قرأوا هذه الأمور، ولديهم اطّلاع جيّد جدًّا على المسائل، ويُقيّمون الأمور بشكل صحيح. على كلّ حال، المسألة هكذا.

حقيقة العِلم: من جفاف التصوّرات الذهنيّة إلى حياة اليقين القلبيّ - مقاربة في الفجوة بين الاستدلال النظريّ والشهود الباطنيّ، وخطورة الانفصال بين الظاهر والباطن لدى مدّعي المعرفة.

8
  • حسنًا، إذا جاء هذا الرجل اليهوديّ، وبيّن لنا المسائل، فمن أين لنا أن نعرف أنّه مجرّد شريط تسجيل؟ افرضوا أنّنا نسأله: ما هو حكمك في القضيّة الفلانيّة؟ فيقول: «الحكم هو كذا، ودليلُه ومصدره ومرجعه ومستنده هو هذا»؛ فيضع بين يدَي الإنسان فتوى جيّدة جدًّا، مُنقّحة، ونظيفة للغاية؛ فيعتبره هذا الإنسانُ الشخصَ الأعلمَ ويقلّده؛ في حين أنّه هو نفسه لا يُؤمن ولا يعتقد بكلمة واحدة من هذه المسائل التي يقولها، وقد قال كلّ هذه الأمور للخداع! من أين لنا أن نعرف أنّ ذلك الشخص الذي يُقابلنا ليس هكذا؟! من أين نعرف؟

  • هذه أشياء تحتاج إلى رؤًى وأنظار أُخرى! لا تُفهَم بهذه المسائل العاديّة، ولا تتّضح بهذه الأمور.

  • لقد كنت في أماكن لم يكونوا فيها على هذا الوضع وبهذه الكيفيّة، ولم يكن باطنُهم مطابقًا لظاهرهم. كنت في مجلس يتحدّث فيه شخص كان هو نفسه من أئمّة الجماعات في طهران، وكان فردًا معروفًا ومشهورًا جدًّا. (لقد توفّي الآن؛ وهذه القضيّة تعود إلى وقت بعيد جدًّا). كان يقول: 

  • ذهبتُ مع أحد الأقارب في رحلة زيارة إلى العتبات المقدّسة. في تلك الرحلة، كان الازدحام شديدًا جدًّا. وعند اقتراب الصباح، قمنا، وصلّيْنا في الحَرَم بكربلاء، وأصابني ذعرٌ شديد: «ماذا سيحلّ بصلاة الوالدة الآن؟!» (وكانت والدته عجوزًا)؛ لأنّني أعلم أنّها في النهاية ستغفو، ولن تستطيع أداء صلاتها، ولا يُمكنني أنا أيضًا أن أذهب إلى قِسْم النساء لأناديها، وآخذها للوضوء، وآتي بها إلى الحَرَم. هكذا بقيتُ في قلق شديد، حتّى طلعت الشمس، وكنت قلقًا جدًّا بشكل عجيب هكذا!

  • ضَعوا هذه القضيّة في الحسبان. كنت مع هذا الشخص المعروف نفسه في مجلس عقد قِران. حان وقت صلاة المغرب والعشاء؛ فذهبنا نحن، وصلّيْنا صلاة المغرب والعشاء، وطال ذلك المجلس واستمرّ؛ لكنّه ـ هو والأفراد الذين جاؤوا من أئمّة الجماعات إلى هناك ـ لم يُصلّوا صلاة المغرب والعشاء! كانوا جالسين يتناولون العصير والحلويات، ويتحدّثون، وينهمكون في هذه الأمور! ذهب المرحوم العلاّمة رضوان الله عليه، وصلّى.

  • هذه التي أقولها حقائق. هؤلاء الذين كانوا يجلسون من الأوّل إلى الآخِر، كان لكلّ واحد منهم مسجد! وكلّ مسجد ليس مليئًا بالهواء، بل هو ممتلئ بالمأمومين والأفراد الذين يُكنّون الولاء لهذا الشيخ، ويرجعون إليه، وهو محلّ تردّد! حسنًا، الكثير منها كانت مساجد مهمّة. لم يتحرّك أحدٌ من هؤلاء الأفراد ـ الذين كانوا يجلسون هكذا ـ من مكانه، وذهب المرحوم العلاّمة فقط وصلّى؛ وأنا ذهبت خلفه، حيث كان صاحب البيت قد جهّز غرفة في ذلك المنزل، فنقلوا الأواني يمينًا ويسارًا ليتهيّأ المكان لأداء الصلاة. وبعد ذلك، عاد المرحوم العلاّمة إلى المجلس، فظنّوا هم أنّه ربّما طرأ له عمل، أو أراد تجديد الوضوء؛ وبعضهم فَهِم أيضًا أنّ المسألة كانت أداء الصلاة.

حقيقة العِلم: من جفاف التصوّرات الذهنيّة إلى حياة اليقين القلبيّ - مقاربة في الفجوة بين الاستدلال النظريّ والشهود الباطنيّ، وخطورة الانفصال بين الظاهر والباطن لدى مدّعي المعرفة.

9
  • استمرّت هذه القضيّة، واستمرّ الكلام والحديث والقول؛ وفي الأثناء، قام البعض وذهبوا، والبعض الآخر جلسوا حتّى انقضى المجلس. كان الوقت صيفًا، والليل قصير والنهار طويل؛ وعندما خرج هؤلاء من المنزل ليذهبوا إلى منازلهم، كنت قاطعًا بأنّ صلاة المغرب قد فاتتهم على الأقلّ! لأنّني حسبت المسافة من المنزل الذي عُقد فيه القِران إلى منازلهم، فرأيت أنّ صلاة المغرب قد قُضِيَت قطعًا؛ هذا، سواء كان أداء صلاة العشاء قضاءً لما في الذمّة، أو كما يقول البعض بأنّها تكون أداءً حتّى أذان الفجر، أو أيًّا كان؛ فنحن لا علاقة لنا بالنسبة لصلاة العشاء؛ ولكن بالنسبة لصلاة المغرب، فقد قُضيت قطعًا!

  • هذا الشيخ الذي كان يقول: «كنت فَزِعًا جدًّا من أنّ والدتي...» العجوز التي حتّى لو لم تُصلِّ، فلا شأن لأحد بها! أيّها المسكين، أنت الذي تقول هذا الكلام بنفسك، وتطرح هذه المسألة بتلك الحدّة والشدّة، فلماذا تفعل أنت هذا؟!

  • جواسيس في زيّ العلماء: قصة الشيخ علي الهنديّ

  • ما سبب هذه القضيّة؟ سببها أنّه لم تدخل في قلب هذا الرجل كلمةٌ واحدة من أنّ الصلاة عمود الدين؛ تمامًا كذلك اليهوديّ الذي يقرأ هذه المسائل فقط، وهو لا يُؤمن بنبيّنا ولا بإمامنا، ولا بقرآننا، ولا بكعبتنا، ولا بـ وسائل الشيعة، ولا بـ زاد المعاد للمجلسيّ، ولا بـ إقبال السيّد [ابن طاووس] وغير ذلك؛ لا يُؤمن بشيء بتاتًا! جاء فقط ليقول: «يا سيّدي، يأتي رزقٌ جيّد من هذا الطريق! إنّه عمل، إنّه وظيفة. بدلاً من أن نذهب الآن إلى الجامعة، وندرس الهندسة المعماريّة لسنوات، أو ندرس الطبّ لسنوات، نذهب لبضع سنوات إلى الحوزة؛ لنرى أين تكون الكفّة راجحة!». هذه أيضًا طائفة! ألم يكونوا موجودين؟!

  • لقد نقلت لكم قصصًا عن أفراد كانوا من العُملاء. كانوا أفضل منّا، وجاؤوا إلى الحوزات، ووصلوا إلى مراتب، حتّى إنّني في قُمّ نفسها سمعت من المرحوم الميرزا هداية الله الغرويّ التبريزيّ ـ رحمه الله ـ أنّه قال: «عندما كنّا في النجف، كنّا نعتبر الشيخ علي الهنديّ من بين المجتهدين المعدودين في النجف الذين حضروا درس الآخوند۱ وغيره»؛ أنا بنفسي سمعت من والد أستاذي رحمة الله عليه عندما جاء إلى قُمّ [أنّه قال:] «كان من بين المجتهدين المعدودين»، وحرّك يديه هكذا! حسنًا، مَن كان هذا الشخص؟! كان جاسوسًا بريطانيًّا! جاء جاسوس بريطانيّ، وأصبح مجتهدًا! حسنًا، نعم، الله تعالى أعطى كلّ إنسان عقلاً وفهمًا وفكرًا؛ وبدلاً من أن يذهب هذا الشخص ويتعلّم الحدادة، جاء وأصبح طالب علم حوزويّ؛ وبدلاً من أن يذهب إلى الجامعة ويُصبح طبيبًا ومهندسًا ومخترعًا ومكتشفًا، جاء إلى الحوزة، ودرس هذه المسائل، وأصبح أفضل من البقيّة، وكان من النقّاد من الدرجة الأولى في درس المرحوم الآخوند؛ ثمّ فجأة، يحدث شيء ـ وتفاصيله طويلة ـ، ويظهر فجأة من أين [جاء]! نرى عجبًا! ماذا يقول هذا الرجل الحليق الذي يضع قبّعة على رأسه، وجاء بأدب، وجلس خلف المكتب؟ هذا يتكلّم! وفجأة يلتفت ويقول: «حسنًا، الآن، إذا غيّرتُ ملامح وجهي، فهل تعرفونني؟!»؛ ثمّ بدأ بتركيب لحية من تلك اللحى المزيّفة التي يضعها الممثّلون؛ فالمُمثّل يحلق وجهه تمامًا؛ ولكن في الفيلم، تنظر، وترى له لحية كثيفة! هذه اللحية لا تنبت في ليلة واحدة! نسأله: هل وضعت سمادًا على وجهك؟! هل وضعت سمادًا كيميائيًّا أم ماذا حتّى نبتت هذه اللحية فجأة؟! كان هذا الشخص قد ركّب فجأة إحدى هذه اللحى، فجاؤوا ونظروا وقالوا: «هل أنت الشيخ علي؟!». وحينها، قضى حاجتهم وسهّل أمورهم؛ سواء كان ذلك مكرًا ودهاءً أو أيًّا كان، أو ربّما كانت هناك رحمة في قلبه. الخلاصة، أنّه قام بإرسالهم وتيسير أمورهم؛ وذلك في قضيّة الحرب مع الإنجليز التي وقعت في العراق، والتي شارك فيها أفراد كالمرحوم السيّد سعيد الحبّوبي وغيره.

    1. الآخوند الخراسانيّ صاحب كفاية الأصول.

حقيقة العِلم: من جفاف التصوّرات الذهنيّة إلى حياة اليقين القلبيّ - مقاربة في الفجوة بين الاستدلال النظريّ والشهود الباطنيّ، وخطورة الانفصال بين الظاهر والباطن لدى مدّعي المعرفة.

10
  • فجأة يروْن، عجبًا! هذا الشخص هو الشيخ علي الهنديّ نفسه. هذا الوجه الذي ربّى لحية، سيُعطيه الله تعالى سمادًا في يوم القيامة، فيُسقط هذه اللحية.. سماد حمضيّ! يمسح حمضًا على اللحية، بحيث يُحرق بُصيلاتها أيضًا! هناك البعض ممّن لا يملكون شيئًا في الأساس، ماذا يُسمّونهم؟ أَمْرَد؟!

  • هر کس به فکر خویش است***كوسه هم به فکر ریش است
  • [يقول: كلّ إنسان يُفكّر في نفسه، والأمرد أيضًا يفكّر في اللحية]۱ 

  • ليأتي، ويُربّي لحية، ويقول للناس: أنا لديّ لحية!

  • خلاصة الأمر، يقول الله تعالى لهؤلاء القروش٢ يوم القيامة: «أنت كنت تطرد الناس عنّي بلحيتك! كنت تطردهم! لا أنّك دعوت إليّ؛ بل كنت تطرد!». كيف يُمكن لمثل هذا الشخص أن يدعو إليه تعالى؟! الطرد لا يكون فقط بتقديم كأس من الجعة والويسكي! الطرد ليس فقط بالدخول في الشهوات وما شابه! بل الطرد هو طرد القلب، وصَرْف القلب عن التوجّه إلى المبدأ؛ هذا هو الطرد. هذا يشرب ويسكي، ثمّ يتوب، فيغفر الله له.. كأسٌ نجس لا يهمّ كثيرًا!

  • ماذا قال ذلك الكلب في عالَم المكاشفة لأبي يزيد البسطاميّ؟! قال ذلك الكلب: «هل تُظهر الاشمئزاز منّي؛ لأنّ المطر نزل وابتللتُ، ويُحتمَل أن أُنجّس عباءتك؟!». قال ذلك الكلب: «هل جئتُ بهذه النجاسة من عندي، أم أعطاني إيّاها الله؟ شيء لم آتِ به من عندي، فلماذا تعيبه عليّ؟!». لقد تكلّم بكلام جيّد.. كلام جميل جدًّا: «أنا لم آتِ به من عندي! الله جعلك طاهرًا وجعلني نجسًا؛ فهل جئتُ بالنجاسة من عندي؟! لقد وُلدت من أمّي بهذا الحُكم؛ فإذن، لا ينبغي لك أن تفخر بطهارتك، ولا ينبغي لي أن أعيب على نفسي النجاسة التي أعطاها هو. فلو شاء لجعلني أبا يزيد ـ أنا مَن أقول هذا الكلام ـ، ولو شاء لجعلك بدلاً عنّي [أي كلبًا]! حينها، كان يجب عليّ أن أبتعد عنك. وثانيًا، أنت يُمكنك إزالة هذه النجاسة بحفنة من الماء ـ وهذا هو كلامي ـ، فاذهب، وفكّر في نفسك؛ لأنّك لا تستطيع إزالة نجاسة قلبك ببحر من الماء!».. لا تزول ببحر؛ فيجب أن نأتي، ونُفكّر في هذه المسألة!

    1. وهو مَثَل فارسيّ يُعادله: كلٌّ يغنّي على ليلاه. المترجم
    2. الكلمة الأصليّة الواردة في النصّ الفارسيّ هي: "كوسه"؛ وهي مشترك لفظيّ يُطلق على الأمرد وعلى القِرش؛ ولعلّ سماحة السيّد رضوان الله تعالى عليه استغلّ هذا الاشتراك للتعريض بمثل هؤلاء. المترجم

حقيقة العِلم: من جفاف التصوّرات الذهنيّة إلى حياة اليقين القلبيّ - مقاربة في الفجوة بين الاستدلال النظريّ والشهود الباطنيّ، وخطورة الانفصال بين الظاهر والباطن لدى مدّعي المعرفة.

11
  • الحساب الإلهيّ يوم القيامة: من الفائز ومن الخاسر؟

  • نحن نظنّ أنّ جميع الأعمال تنحصر في هذه الذنوب الظاهريّة؛ وحينئذ، تكون تلك الفتاة السافرة ـ والتي يظهر هذا المقدار من شعرها ـ في قعر جهنّم، ونحن في صدر الجنّة.. في الدرجات العُلا! كلاّ يا عزيزي؛ شعرها ظاهر، غير أنّ هذه المسكينة البائسة في أيّة ثقافة وبيئة عاشت؟! أو ربّما وصلت إلى هذا الوضع بسبب بعض الأفكار الخاصّة! في ذلك اليوم الذي يأتون فيه ليمتحنوا الجميع، ويقولوا: «لأجل ماذا؟»؛ حينها، يجب أن نذهب، ونقف خلف الصفّ، ونختبئ؛ وبالمناسبة، سيخرج الكثير من هؤلاء بوجوه مبيّضة! حسنًا، هل مَن لا يصلّي انتهى أمرُه؟! هكذا ببساطة!

  • نحن نعرف رواية واحدة فقط: «إن قُبِلَت قُبِل ما سواها وإن رُدَّت...»،۱ وتركنا بقيّةَ المسائل؟! أو أنّه: كلاّ يا عزيزي، هذا يتوب مرّة، ويبكي مرّة، ويقول: «إنّني لم أكُن أعلم، كنت جاهلاً، كنت كذا، كنت كذا»؛ وبسبب ذلك، يأتي الله، ويغسل كلّ شيء، ويضعه جانبًا، ويغفر الله تعالى له، ويذهب في حال سبيله، ويُنهي القضيّة.

  • الحرّ بن يزيد صَلُح أمرُه بتوبة واحدة؛ عمر بن سعد هو الذي يبقى في الخضمّ، ولا طريق له! عمر بن سعد وشُرَيْح القاضي وأبو حنيفة هم الذين وقفوا في وجه الإمام عليه السلام، وتصدّوا له!

  • الفضيل بن عياض كان يقطع الطُرُق؛ ولكن فجأة، يُنبّهه الله تعالى، ويأخذه إلى حيث لا تصل عقولنا! لماذا؟! لأنّ قلبه لم يكن فاسدًا؛ هذه هي القضيّة. أمّا نحن، فقلوبنا فاسدة! ماذا عسانا أن نفعل بهذا؟! يأتي يهوديّ، ويأخذ هذه الأمور، ويقرؤها كلّها، ثمّ يأتي، ويتحدّث أفضل منّا؛ ولكنّه لا يُؤمن، ولا يعترف بإمام الزمان، ولا يقبل مدرسة التشيّع، ولا يقبل القرآن! فما النتيجة التي يجنيها من هذا؟! لا شيء، صفر؛ لا نتيجة له أبدًا! يحصل على نتيجة دنيويّة فقط؛ فيجني بعض المال، ويقضي حياته؛ ولكن، ليست له أيّة نتيجة أُخرى!

  • وأنت يا مَن تفوتك صلاتُك [والخطاب لذلك العالِم]، ما الفَرْق بينك وبين ذلك اليهوديّ؟! ما الفَرْق بينكما؟! ما الاختلاف بينكما؟! أنت أيضًا لا تقبل، أنت أيضًا أردت ذلك المحراب لِدُنياك، أنت أيضًا تُريد أولئك المأمومين والمريدين والمشاركين لتنشيط سوقك!

    1. الكافي، ج ٣، ص ٢٦۸:
      «عَنْ سَمَاعَةَ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ عليه السلام يَقُولُ: "... إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ الصَّلَاةُ؛ فَإِنْ قُبِلَتْ قُبِلَ مَا سِوَاهَا..."».
      من لا يحضره الفقيه، ج ۱، ص ٢۰۸:
      «قَالَ الصَّادِقُ عليه السلام: "أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ عَلَى الصَّلَاةِ؛ فَإِذَا قُبِلَتْ قُبِلَ مِنْهُ سَائِرُ عَمَلِهِ، وَإِذَا رُدَّتْ عَلَيْهِ رُدَّ عَلَيْهِ سَائِرُ عَمَلِهِ"». المترجم

حقيقة العِلم: من جفاف التصوّرات الذهنيّة إلى حياة اليقين القلبيّ - مقاربة في الفجوة بين الاستدلال النظريّ والشهود الباطنيّ، وخطورة الانفصال بين الظاهر والباطن لدى مدّعي المعرفة.

12
  • كان هناك شخصٌ يرتقي المنبر، ويَخطب في مسجدهِ الخاصّ خلال شهر رمضان، ثم ذهب إلى مكانٍ آخر دُعيَ إليه؛ ولعل الأوضاع هناك كانت أفضل! وقد أوكل مسجدَه هذا إلى شخصٍ آخر ليأتي، ويعتلي المنبر، حرصًا منه على ألاّ يخلو المسجد من مجالس الوعظ والإرشاد طيلة الشهر الفضيل. وهذه المسألة التي أذكرها أخبرني بها نفس الشخص الذي كان حاضرًا في ذلك المجلس، حيث قال: إنّ هذا الشخص كان يقول في حديثه: «بقيّة المسائل سأطرحها في الخُطبة القادمة!»؛ وذلك يعني أن تقوموا أنتم أيّها السادة وتأتوا إلى هناك.. إلى المسجد الفلاني الذي أذهب إليه بعد الصلاة للمشاركة في خُطبتي! وكان يُنهض الرجالَ، ويأخذهم إلى هناك. والأفراد الذين كانوا يبقون في المسجد ـ وكانوا حوالي ثلاثين أو أربعين شخصًا ـ إمّا أنّهم لم يتمكّنوا من المجيء، أو لم يكن لديهم دافع للذهاب، أو أنّ الصيام قد أتعبهم وكانوا يغفوْن؛ فهؤلاء كانوا يبقون في المسجد؛ حسنًا، ما حقيقة هذا؟! هذا خداع يا عزيزي! تلاعب بالدين، وتلاعب بالمشاعر، وتلاعب بالفطرة وبالوجدان وبالقِيَم وبالناس! هل انتبهتم؟!

  • حينها، يأتي الله تعالى يوم القيامة، ويضع حمضًا، فيُزيل كلّ تلك اللحى التي تجمّع الناس لأجلها، فيُصبح الإنسان أَمْرَد، ويتساقط كلّ شيء! فتلك العمامة التي كانت على رؤوس هؤلاء، يرفعها الله تعالى ويقول: «أنت لست لائقًا بهذه العمامة!»، ويضعها جانبًا، ويقول: «اجلس يا عزيزي! كان لديك قَبَاء، سنخلع القَبَاء من جسدك أيضًا! نادِ مريديك الآن لكيلا يدعونا نفعل بك هذا!». يخلعون القَبَاء أيضًا، ويرفعون العمامة، ولحيته أيضًا قد تساقطت كلّها، وأصبح أَمْرَد؛ والأَمْرَد يُصبح شكلُه جميلاً جدًّا! ثمّ هناك، تتعالى صيحات «وا سَوْأتا»! ينظر، فيقول الله تعالى: «انظر! أنت كنت في الدنيا هكذا.. انظر! لم تكن على رأسك عمامة، ولم تكن لديك لحية، ولم يكن لديك عِلْم؛ وهذه العلوم التي كانت لديك، سنأخذها كلّها منك؛ لأنّ هذه العلوم كانت لنا أيضًا؛ وقد وصلت إليك بواسطة عبادنا المخلصين والصالحين؛ إذ بواسطة إمامي الصادق، دُوّنت هذه العلوم في الكتب، ولا علاقة لك بها! بواسطة إمامي الرضا، وُضِعَت هذه العلوم في هذه الكتب؛ كلّ هذا سنأخذه منك! حسنًا، قُلْ لِأَرى بأيّ حقّ تصرّفت في أموالنا هناك؟! أنت الذي كنت هكذا، أنت الذي لا مَحْمَدَة فيك، يجب أن تُجيب عن هذه الأمور واحدًا فواحدًا. فحياتك كانت منّا، والذين مِن حولك كانوا منّا، ورواحك ومجيئك كان منّا، والمسائل التي حصلت عليها كانت منّا.. كلّ هذا كان منّا. الآن، أعطنا إيّاها واحدة فواحدة!». ولكنّه لا يستطيع أن يعطيها! حينها، يُقال له: «الآن، تفضّل إلى ذلك الجانب»؛ وطريقه إلى جهنّم وبئس المصير! فيسحبون الإنسان، ويأخذونه إلى تلك الجهة.

حقيقة العِلم: من جفاف التصوّرات الذهنيّة إلى حياة اليقين القلبيّ - مقاربة في الفجوة بين الاستدلال النظريّ والشهود الباطنيّ، وخطورة الانفصال بين الظاهر والباطن لدى مدّعي المعرفة.

13
  • مواقف حاسمة تكشف معادن الرجال في أوقات المحن

  • هذه القضيّة مهمّة جدًّا يجب أن ننتبه لها، وهي أنّ هذه المسائل ـ التي نُبيّنها في الدرجة الأولى لاستنارة أنفسنا، وفي الدرجة الثانية لإنارة الناس وهدايتهم ـ ما هو مصدرها لدينا؟ إذا رجعنا إلى أنفسنا، سنفهم ما هو مصدرها، والأمر ليس صعبًا جدًّا. إذا رأينا أنّنا نحن أيضًا نلتزم بهذا الكلام، فحينها، يُمكننا أن نأمل قليلاً؛ ولكن، إذا رأينا أنّه: كلاّ يا عزيزي، بل يجب على الناس فقط أن يلتزموا بالقضيّة؛ أمّا نحن، فلا؛ فمسألتنا أهمّ بكثير!

  • ما عرضتُه قبل أمس هو حقائق يجب أن نأخذ منها العِبْرَة والدرس. فلو لم أرَ هذه المسائل بعيني، لما جئت لأذكرها لكم؛ واعلموا أنّ هذا الكلام لا يوجد في مكان آخر!

  • عندما توفّي المرحوم العلاّمة، كان أحد أطبّائه ـ الدكتور محمّد توسّلي حفظه الله، وهو من أصدقائنا الصادقين والحميمين ـ يقف بجانبي ويبكي؛ حسنًا، مَن كان هو؟! كان ذلك الشخص رجلاً بارزًا من حيث مكانته وتخصّصه، وكان رئيس قسم الجراحة في المستشفى وجامعة مشهد، ولم يكُن أحد يشكّ في مكانته العلميّة وأعماله؛ وباختصار، كان رجلاً التقى بالكثير من الأفراد، وتعامل معهم.. أفراد كانوا يمتلكون الصيت والشهرة والمكانات، حيث ذكر لي أمورًا في هذا الصدد لم أقلها لأحد حتّى الآن. كان هذا الشخص يبكي، وكانت عبارته لي هي: «أنا لا أستطيع البقاء في إيران بدونه بعد الآن، ولذلك سأرحل وأغادر!». حسنًا، ماذا رأى من المرحوم العلاّمة ليقول هذا الكلام؟ أمثاله كانوا يُراجعونه (الدكتور توسّلي) كثيرًا؛ ومن الناحية العلميّة، كان شخصًا من الطراز الأوّل؛ حسنًا، ماذا رأى بالنسبة لهذه القضيّة؟!

  • موقف المرحوم العلاّمة الطهرانيّ من السفر إلى بلاد الكفر للعلاج

  • بعد ذلك، في أحد الأيّام، عندما ذهبت إلى منزله (الدكتور توسّلي) في إحدى الزيارات، قال لي هو بنفسه: «يا فلان، دعني أقصّ عليك قضيّة!». قال: «في أحد الأيّام، بعدما أجريتُ له العمليّة ـ لأنّ المرحوم العلاّمة كان قد أجرى إحدى عمليّاته وهي عمليّة فتق ـ وكان متواجدًا بالمنزل ـ وبالطبع، كنت أنا (المؤلّف) في قُمّ وقتها ـ، اتّصل شقيقُك ـ لأنّه كان مقرّرًا أن يأتي هو ويلتقي بالمرحوم العلاّمة ـ وقال: "إنّ المرحوم العلاّمة قال إنّه يُريد المجيء إلى هناك لرؤيتك"»، وفي الوقت نفسه ليفحصه؛ فيقول هو (الدكتور توسّلي): «لا، أنا سآتي»؛ ولكنّ شقيقي قال له: «يا دكتور، إنّ العلاّمة يقول نحن سنأتي، وأنا لا أستطيع أن أقول خلاف ما يأمرني به والدي!». فقال هو: «قُلْ له إنّني آتٍ»؛ وأغلق سمّاعة الهاتف، وخلاصة الأمر، إنّني سآتي شئتم أم أبيتم! كان يقول: «كنت في الزقاق، وأنا قادم أترنّم بهذا البيت الشِعريّ في نفسي:

حقيقة العِلم: من جفاف التصوّرات الذهنيّة إلى حياة اليقين القلبيّ - مقاربة في الفجوة بين الاستدلال النظريّ والشهود الباطنيّ، وخطورة الانفصال بين الظاهر والباطن لدى مدّعي المعرفة.

14
  • میان ماه من تا ماه گردون***تفاوت از زمین تا آسمان است
  • [يقول: شتّان بين قمري وقمر السماء؛ فالفَرْق بينهما كالفَرْق بين الأرض والسماء]».

  • قال: كنت أترنّم بهذا البيت الشِعريّ هكذا وأنا قادم؛ فوصلت إلى المنزل، ودخلت، وجلست. وبالمناسبة، لم أكن قد تناولت طعام الإفطار، حيث يبدو أنّ ذلك كان في الصباح الباكر من يوم الجمعة؛ فأحضروا الإفطار، وجلسنا وتناولناه؛ ثمّ التفتُّ إلى والدك وقلت: «يا سيّدي، عندما كنت قادمًا في الزقاق كنت أقرأ هذا البيت الشعريّ في نفسي؛ فقال هو: "حسنًا وما علاقة شِعْرك هذا بي؟!". قلت: بالمناسبة، للقضيّة علاقة كبيرة جدًّا!». كان يقول: «تلك العمليّة التي أجريتها كانت عمليّة فتق؛ أمّا أنا فقد أجريت لك عمليّة استئصال المرارة».

  • عمليّة استئصال المرارة عمليّة صعبة، وهي نفس مرض اليرقان (Icterus)، حيث تأتي حصوة المرارة وتَعْلَق في القناة الصفراويّة (Choledochus)، وتمنع الصفراء من الدخول إلى الاثني عشري (Duodenum)؛ لأنّ الصفراء يجب أن تأتي خلف الاثني عشري وتُحفّزه، ثمّ يدخل الطعام المهضوم في المَعِدَة إلى الأمْعاء. تُسمّى تلك المسافة البالغة ثمانية سنتيمترات بين المرارة والصمام بالقناة الصفراويّة. لذلك، تأتي حصوة المرارة، وتَعْلَق في القناة الصفراويّة، فتعود الصفراء مرّة أُخرى إلى الكَبِد؛ وبما أنّ الكَبِد يتأثّر بالصفراء، فإنّه يضخّها من هناك إلى الدم، فيصْفَرّ الجسم بالكامل؛ وهو بالطبع، شبه يرقان، يعني أنّه يقوم بعمل اليرقان في الواقع، وهو التهاب الكَبِد. كانت حصوة المرارة قد جاءت، وعلقت للمرحوم العلاّمة؛ وهذه العمليّة من العمليات الباطنيّة الصعبة.

  • كان يقول: «أتذكّر في ذلك الوقت أنّ أكثر الأفراد الذين كانوا يأتون إليك كانوا يقولون حتّى أمامي: يا سيّدي، أنت لديك الإمكانيات، فاذهب إلى الخارج لإجراء العمليّة!». ما عرضتُه أنا قبل أمس كان يتعلّق بعينه، ولكنّ هذا يتعلّق بعمليّة الفتق والمرارة لديه؛ والحمد لله تعالى، لم تكن عملياته واحدة أو اثنتين، بل دخل المستشفى عدّة مرّات! كان يقول: «كنت أسمع بأذني أنّ الشخص الفلاني الذي جاء لعيادتك كان يُشجّعك على الذهاب إلى الخارج، وأنت في ذلك الوقت نفسه قلت لي: "كيف لي أن أنهض وأغادر عتبة عليّ بن موسى الرضا عليه السلام، وأذهب إلى بلاد الكفر، وأُسَلِّم نفسي لأيدي حُفنة من المُلحدين شاربي الخمر ـ بهذه العبارة ـ ليأتوا، ويُعالجونني أنا العالِم الديني والمبلّغ للدين والمبلّغ للإمام الصادق عليه السلام، وأنا المُدَّعِي لِفَخْرِ المَذْهَبِ وتَفَوُّقِهِ وهِدَايَتِهِ لَهُم، والمُدَّعِي لِخِلافِ ما هُم عليه؟!"». كان الدكتور توسّلي يقول له: «عبارتك كانت هذه: "بماذا أستطيع أن أُجيب الإمام الصادق عليه السلام يوم القيامة؟!"». يجب أن نُفكّر في هذه العبارة: «بماذا أستطيع أن أُجيب الإمام الصادق عليه السلام يوم القيامة؟!».

حقيقة العِلم: من جفاف التصوّرات الذهنيّة إلى حياة اليقين القلبيّ - مقاربة في الفجوة بين الاستدلال النظريّ والشهود الباطنيّ، وخطورة الانفصال بين الظاهر والباطن لدى مدّعي المعرفة.

15
  • أجل، في بعض الأحيان، قد لا يوجد طبيب، أو مثلاً بسبب بعض المبرّرات ـ التي لابُدّ أنّ السادة أنفسهم يعرفونها ـ قد لا تتوفّر إمكانيّة العلاج في إيران، فحسنًا، لا نقاش في ذلك؛ ولكن، عندما يكون أفضل الأطبّاء موجودين هنا في بلدنا إيران نفسه ـ وهم هؤلاء الشباب المسلمون أنفسهم ـ، فلا يبقى مبرّر للذهاب إلى الخارج. هل عقول الأفراد الموجودين هنا أقلّ منهم؟! الآن، أفضل أطبّائهم هم إيرانيّون! مَن هو أفضل جَرّاح مخّ في العالَم الآن؟ أليس إيرانيًّا؟! أليس أفضل أطبّاء العيون في العالَم إيرانيّين؟! أليس أفضل جرّاحي القلب في العالَم ـ لا أريد أن أذكر أسماء ـ في سويسرا وهنا وهناك هم إيرانيّين؟! حسنًا، هؤلاء جميعًا إيرانيّون؛ نهضوا، وذهبوا إلى هناك، ويعملون بأسمائهم. هؤلاء الذين نهضوا، وذهبوا إلى هناك عملُهم كلّه باطل؛ إذ يجب أن يأتوا إلى هنا. فهؤلاء ينتمون لهذا البلد ولشعبنا؛ وحينها، هم [أي الغربيّون] مَن يتباهون هناك: «بأنّنا نحن كذا وكذا»! الآن، ما هي الأسباب والمسائل التي أدّت إلى حدوث هذا، فنحن لسنا خبيرين جدًّا في هذه القضايا، وليس من الصلاح أن نخوض فيها!

  • ولذلك، قال له المرحوم العلاّمة: «مع وجود أمثالكم هنا، فلماذا أقوم وأذهب إلى هناك؟!». انتبهوا إلى أنّ هذا كلامُه [أي الدكتور توسّلي]، وليست عبارة واحد من أهل العِلْم! بل هي عبارة طبيب لا شأن له بأهل العِلْم؛ نشأ وترعرع في بيئة أُخرى أصلاً، وكبُر في جوّ آخر أصلاً، ولا يتعامل مع هذه الكُتُب؛ ولكن، ماذا لديه؟! لديه وجدان؛ لم يفقد وجدانه، وفطرته لم تضِع. يا عزيزي، الناس لديهم فطرة، ولم يأكلوا تِبْنًا! لديهم وجدان، لديهم عقل، لديهم قُدْرَة على التمييز.

  • كان يقول: «رأيت أنّ هذا الكلام هو كلام نابع من المعتقدات القلبيّة والمسائل التي يمتلك قائلها إيمانًا واعتقادًا بمسائله الخاصّة؛ فهذا هو الذي يُمكن أن يكون الشخص الذي يجب عليّ اتّباعُه.

  • التبريرات الواهيّة لبعض المتصدّين للدين في السفر إلى الخارج

  • في حين أنّ الشخص الفلاني ـ وذكر اسمه ولكنّني لن أذكره ـ كان قد سقط على الأرض، وأُصِيب عظمُ ساقه بِصَدع فقط! يعني: حتّى لو لم يضعوه في الجِبْس، لكان شُفِيَ من تلقاء نفسه؛ فلم يكن بحاجة إلى وضع جبس حتّى. ثمّ إنّ ذلك الشخص وبسبب أنّ ساقه أُصِيبت بِصَدع، ينهض ـ لن أخوض في التفاصيل ـ ويذهب مع وفْد وجَمْع إلى أفضل المستشفيات في أمريكا!».

حقيقة العِلم: من جفاف التصوّرات الذهنيّة إلى حياة اليقين القلبيّ - مقاربة في الفجوة بين الاستدلال النظريّ والشهود الباطنيّ، وخطورة الانفصال بين الظاهر والباطن لدى مدّعي المعرفة.

16
  • يا عزيزي، الناس تَرى هذه الأشياء! حينما أقول: «إنّ الأفراد يذهبون إلى هناك لأجل صُدَاع»، فلا تظنّوا أنّني أبالغ؛ بل إنّ شخصًا يُؤْلِمه إصبعه، فينهض، ويذهب إلى هناك!

  • أحد الأفراد من هؤلاء المشايخ أئمّة الجماعات الذي كان له ارتباطات بي، قال لي ـ بالطبع هذه القضيّة حدثت قبل الثورة ـ أنّ ألمًا أصابه في عينه، وراجع طبيبًا في إيران نفسها؛ ولكنّها لم تكن قابلة للعلاج، فقالوا له: «يا سيّدي، عينك اليُسْرَى هذه لا يُرْجَى شفاؤها! اذهب إلى حيث تشاء، فهذه العين لا يُرْجَى شفاؤها؛ لا فائدة!». ثمّ إنّ هذا السيّد ـ بصفته ممثّلاً لمراجع الدين، وممثّلاً للآيات العظام، وممثّلاً لفلان، ويأتي أفراد كلّ يوم إلى باب منزله بثلاثة أضعاف، ويجلسون ويدخّنون النرجيلة، ويذهبون، ويأتون مرّة أُخرى ليجلسوا ويمتلئ المكان ويفرغ ـ ينهض، ويذهب إلى الدُوَل الأجنبيّة، كبريطانيا والنمسا وغيرها وإسبانيا وغيرها؛ لماذا الآن؟! لأنّ عينه اليُسْرَى مثلاً قد أصابها ألم! ثمّ يقولون له هم أيضًا: «إنّ تشخيص الأطبّاء الإيرانيّين نفسه كان صحيحًا».

  • أحد الأفراد والمعارف والطُلاّب ـ الذين كانوا يدرسون هناك، وجاء لعيادته، ولم يكُن من الأفراد الذين ذهبوا معه ـ كان يقول لي هذا: «كنت جالسًا هناك عندما كان مستلقيًا على السرير». انظروا إلى هذا، لترَوْا أنّ ما أقوله هو الصِدْق وليس كذبًا؛ وعلاوة على ذلك، فهذا يتعلّق بما قبل الثورة! قال: «فجاء أحد هؤلاء الأطبّاء ـ وكان طبيبًا مرموقًا ومُسِنًّا أيضًا ـ إلى هناك وفحصه، والتفت إليه». الآن، هو لا يفهم ما يقوله ذلك الطبيب؛ فهذا [الطبيب] العجوز لا يُحْسِن التحدّث بالفارسيّة حتّى، فكيف له أن يفهم كلامه؟! لقد كان ذلك الشيخ هو الذي قال عنه المرحوم العلاّمة: «إذا أراد أن يقرأ سطرًا واحدًا من العُرْوة الوثقى، فلديه فيه ستّة أخطاء نحويّة!». هل انتبهتم؟! ستّة أخطاء نحويّة! قال: «فقال له [الطبيب] باللغة الإنجليزيّة: "يَتَبَيَّن أنّه بالنسبة للمشايخ، يُمكن إيجاد مسائل مفيدة في غير الإسلام أيضًا! ليس الأمر أنّ الإسلام فقط...!"». أيّ تعريضٍ هذا؟! يعني: لماذا نهضت وجئت إلى هنا؟!

حقيقة العِلم: من جفاف التصوّرات الذهنيّة إلى حياة اليقين القلبيّ - مقاربة في الفجوة بين الاستدلال النظريّ والشهود الباطنيّ، وخطورة الانفصال بين الظاهر والباطن لدى مدّعي المعرفة.

17
  • يا شيخ المسجد! أنت الذي لديك كلّ هذه الادّعاءات، لماذا نهضت، وجئت إلى هنا؟! هل جئت لتمُدّ يد الاستجداء؟! حسنًا، نحن نقبل بذلك؛ مُدّوا يد الاستجداء، وسنشدّ عليها، ونحن أيضًا سنضع أيدينا في أيديكم، و[إن] استطعنا سنضع [أيدينا في أيديكم]؛ ولكن، لا تتباهوا بالإسلام علينا بعد الآن، ولا تشتمونا بعد اليوم! لأنّك أنت مَن مَدَدْتَ يد الحاجة إلينا، أيّها الشيخ! تَعَالَ، وانظر أنّك نائم على سرير مستشفى في لندن! أنا مَن يأتي للوقوف فوق رأسك وفحصك! لماذا نهضت وجئت؟ ألم يكن لديكم [أطبّاء] في إيران؟! وعلاوة على ذلك، فإنّ إيران في ذلك الوقت كانت ذات شأن، وأيّ أفراد كانوا فيها! يُقال: إنّ أفضل الأطبّاء كانوا في إيران نفسها، وكنت أذهب أنا أيضًا، حيث كان طبيبي في الأمراض الباطنيّة في ذلك الزمان هو الدكتور ناصر اتفاق؛ وكان هناك أيضًا الدكتور مهدي آذر، الذي كان من أفراد الجبهة الوطنيّة.. هؤلاء كانوا أطبّاء باطنيّين.

  • عندما ذهب أحد المرضى من روّاد مسجد المرحوم العلاّمة إلى لندن، ورأوا مَلَفّه الطبّي هناك، قالوا: «لماذا جئت إلى هنا مع وجود الدكتور ناصر اتفاق؟!». هؤلاء كانوا شيوخًا في ذلك الزمان، وقد توفّوْا جميعًا الآن. قالوا له: «أفضل أطبّاء العالَم هم إيرانيّون، فلماذا جئت أنت إلى هنا مع وجود هؤلاء؟! هذا، مع أنّ الأعمال الطبّية تُجْرَى وفق أعلى المعايير الحديثة».

  • لذلك، جاء وقال هذا: «أنت الذي جئت إلى هنا، وتمدّ يد الحاجة إلينا! فلماذا تقول لنا إذن: "بريطانيا كذا وبريطانيا كذا"»؟!

  • حينها، يُصَاب ساق هذا السيّد بِصدع! عبارة الدكتور توسّلي نفسها هي هذه: «لم يحدث شيء، أُصِيب بِصدع فقط؛ حتّى لو لم يضعوه في الجِبْس لَشُفِيَ من تلقاء نفسه! يكفي أن تَمُدَّ ساقك في المنزل ليُشفَى؛ حتّى إنّ صدعه كان يُرَى بصعوبة بواسطة الأشعّة السينيّة وأشعّة جاما والأشعّة السينيّة الطبّية! وحينئذ، نجده ينهض، ويذهب إلى الخارج بسبب هذه المسألة الصغيرة!».

  • لذلك، فإنّ قول الدكتور توسّلي: «أنا لا أستطيع البقاء هنا بدونه [المرحوم العلاّمة] بعد الآن» كان بسبب هذا.

  • الناس يفهمون الصِدْق، الناس يفهمون الحقيقة. يا عزيزي، الناس لم يأكلوا شَعِيرًا، بل يشعرون بالإخلاص، ويُدركون الصَفَاء، ويحسّون بالمَكْر؛ مهما أردنا إخفاء المسائل، فإنّها لا تبقى ـ في نهاية المطاف ـ هكذا، بل تنكشف، ويعرفون ما هي.

حقيقة العِلم: من جفاف التصوّرات الذهنيّة إلى حياة اليقين القلبيّ - مقاربة في الفجوة بين الاستدلال النظريّ والشهود الباطنيّ، وخطورة الانفصال بين الظاهر والباطن لدى مدّعي المعرفة.

18
  • باختصار، المسألة ذات تفاصيل كثيرة، ولا ينبغي لنا أن ننظر إلى أمثال هؤلاء الأفراد الذين هم هكذا، بل يجب أن ننظر إلى سيرة الأعاظم الآخرين ومنهجهم.

  • السبب الحقيقيّ وراء سفر المرحوم العلاّمة الطباطبائي إلى بريطانيا

  • من الضروريّ أن أطرح هذه الشُبْهة أيضًا وهي: لماذا ذهب المرحوم العلاّمة الطباطبائي رضوان الله عليه مع الشيخ مطهّري في سفرة إلى بريطانيا لعلاج قلبه؟ سألني أحد الأصدقاء بالأمس: ما حقيقة هذا الأمر؟!

  • قلت: «أنا مُطَّلِع على تفاصيل هذه المسألة». لم يكُن المرحوم العلاّمة الطباطبائي نفسه يرغب في الذهاب؛ بالطبع، هذه القضيّة تتعلّق بما قبل الثورة، وكان الشيخ مطهّري يريد الذهاب إلى هناك ليكون له لقاءات مع الأفراد الموجودين هناك؛ لأنّه كان هناك أفراد وجمعيّة وأشخاص. في أحد هذه اللقاءات التي جَمَعَت المرحوم مطهّري مع المرحوم العلاّمة [الطهرانيّ] في ذلك الوقت نفسه، طرح هذه المسألة قائلاً: «في هذه السفرة التي أقوم بها، أريد أن آخذ العلاّمة الطباطبائيّ معي أيضًا؛ حتّى إذا كان لديهم كلام [موجّه إليه]، يلتقوا به أيضًا؛ وفي الوقت نفسه، يُجْرَى له فحص شامل؛ لأنّ وضعُه كان هكذا». ولكنّ المرحوم العلاّمة الطباطبائي نفسه لم يكن يميل إلى هذه القضيّة؛ وأنا أصرّح هنا بأنّه لم يكن يميل إليها. ولكن، حسنًا، المرحوم الشيخ مطهّري أيضًا كان يُريد القيام بذلك قُربةً لله تعالى، ولم تكن هذه المسألة فيها شيء، ولربّما لم تكن المسألة مطروحة عنده بهذه الكيفيّة التي ذُكِرَت! لربّما كان في باله أنّه: حسنًا، الآن مثلاً، لا بأس في ذلك، ولا ضرر منه!

  • على كلّ حال، هذه المسألة لم تكن باشتياق ورغبة من المرحوم العلاّمة الطباطبائيّ، بل إنّ هذا السفر كان بطلب من المرحوم مطهّري؛ وأنا سمعت هذا بنفسي منه؛ ولهذا، قلتُ: «إذا كانت هناك شُبْهة في هذه القضيّة من هذه الناحية في وقت من الأوقات، فلتُحَلّ». ولكن على كلّ حال، لو كان المرحوم العلاّمة [الطهرانيّ] مكانَه، لَمَا فَعَلَ هذا! يجب قول هذا أيضًا، حتّى لو كان هناك طلب، فليكن؛ فلا ضرورة للإجابة! ولذلك، لو كان هو، لَمَا قَبِلَ بذلك!

حقيقة العِلم: من جفاف التصوّرات الذهنيّة إلى حياة اليقين القلبيّ - مقاربة في الفجوة بين الاستدلال النظريّ والشهود الباطنيّ، وخطورة الانفصال بين الظاهر والباطن لدى مدّعي المعرفة.

19
  • اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد